النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
كتاب الصلاة/ باب ٤٥
٤٢٣ - حدثنا يحيى قال أخبرنا عبدُ الرزّاقِ قال: أخبرنا ابنُ جُرَيجِ قال: أخبرَني ابنُ شِهابٍ
عن سَهلِ بنِ سَعدٍ: ((أنَّ رَجُلاً قال: يا رسولَ اللَّهِ أرأيتَ رجُلاً وَجَدَ مع امرأتِهِ رَجُلاً أَيَقْتُلُه؟ فتَلاعَنا
في المسجدِ وأنا شاهِدٌ). [الحديث ٤٢٣ - أطرافه في: ٤٧٤٥، ٤٧٤٦، ٥٢٥٩، ٥٣٠٨،
٥٣٠٩، ٦٨٥٤، ٧١٦٥، ٧١٦٦، ٧٣٠٤].
وبه قال: (حدّثنا يحيى) الختي بفتح الخاء المعجمة وتشديد المثناة الفوقية، وللكشميهني
يحيى بن موسى (قال: أخبرنا) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر حدّثنا (عبد الرزّاقَ) بن
همام الصنعاني (قال: أخبرنا ابن جريج) بضم أوّله وفتح ثانيه عبد الملك (قال: أخبرني) بالإفراد
وللأصيلي. أخبرنا (ابن شهاب) الزهري (عن سهل بن سعد) بسكون العين الساعدي الخزرجي
رضي الله عنه.
(أن رجلاً) هو عويمر بن عامر العجلاني، أو هلال بن أمية، أو سعد بن عبادة. وتعقب بأن
هذا الحديث فيه فتلاعنا، ولم يتفق لسعد ذلك أو هو عاصم العجلاني، وتعقب أيضًا بأن عاصمًا
رسول هذه الواقعة لا سائل لنفسه لأن عويمرًا قال له: سل لي يا عاصم رسول الله وَلقر، فجاء
عاصم فسأل فكره رسول الله # # المسائل وعابها فجاء عويمر بعد ذلك وسأل لنفسه. (قال: يا
رسول الله أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً) أي يزني بها (أيقتله) أم كيف يفعل فأنزل الله تعالى في
شأنه ما ذكر في القرآن من أمر المتلاعنين. فقال النبي ◌َّر: قد قضى الله فيك وفي امرأتك. قال:
(فتلاعنا) أي الرجل والمرأة اللعان المذكور في سورة النور (في المسجد وأنا شاهد) الحديث، وأورده
المؤلف هنا مختصرًا لينبّه على جواز القضاء في المسجد وهو جائز عند عامة الأئمة، وعن مالك أنه من
الأمر القديم المعمول به، وعن ابن المسيب كراهته، وعن الشافعي كراهته إذا أعدّه لذلك دون ما إذا
اتفقت له فيه حكومة .
وتأتي بقية مباحث الحديث إن شاء الله تعالى في كتاب اللعان بحول الله وقوّته. ورواة هذا
الحديث الخمسة ما بين بلخي وصنعاني ومكّي ومدني، وفيه التحديث والأخبار بالجمع والإفراد
والعنعنة، وأخرجه المؤلف في الطلاق والاعتصام والأحكام والمحاربين والتفسير، ومسلم في
اللعان، وأبو داود في الطلاق، وكذلك النسائي وابن ماجة.
٤٥ - باب إذا دَخلَ بيتًا يُصلّي
حيثُ شاءَ، أو حيثُ أُمِرَ، ولا يَتجسَّسُ
هذا (باب) بالتنوين (إذا دخل) الرجل (بيتًا) لغيره بإذنه هل (يصلي) فيه (حيث شاء) اكتفاء
بالإذن العام في الدخول (أو) يصلي (حيث أمر) لأنه عليه الصلاة والسلام استأذن في موضع الصلاة
إرشاد الساري/ ج ٢ / م ٦

٨٢
كتاب الصلاة/ باب ٤٥
ولم يصلّ حيث شاء كما في حديث الباب، وحينئذ فيبطل حكم حيث شاء ويؤيده قوله: (ولا
يتجسس) بالجيم أو الحاء المهملة وبالضم أو بالجزم أي ولا يتفحص موضعًا يصلي فيه، لكن قال ابن
المنير: والظاهر الأوّل وإنما استأذن عليه الصلاة والسلام لأنه دعي إلى الصلاة ليتبرك صاحب البيت
بمكان صلاته، فسأله عليه الصلاة والسلام ليصلي في البقعة التي يجب تخصيصها بذلك، وأما من
صلّ لنفسه فهو على عموم الإذن إلاّ أن يخص صاحب البيت ذلك العموم فيختص به.
٤٢٤ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسْلمةَ قال: حدَّثَنا إبراهيمُ بنُ سَعدٍ عن ابنِ شهابٍ عن
١
محمودٍ بِنِ الرَّبيعِ عن عِثْبانَ بنِ مالكِ: ((أنَّ النبيَّ ◌ََّ أَتَاهُ في مَنزلهِ فقال: أينَ تُحِبُّ أنْ أُصلّيَ لك
من بَيْتِك؟ قال: فأشرتُ له إلى مَكانٍ، فكَبَّرَ النبيُّ وَ لَّهَ وَصَفَفْنَا خَلفَه، فصلَّى رَكعَتَينٍ)). [الحديث
٤٢٤ - أطرافه في: ٤٢٥، ٦٦٧، ٦٨٦، ٨٣٨، ٨٤٠، ١١٨٦، ٤٠٠٩، ٤٠١٠، ٥٤٠١،
٦٤٢٣، ٦٩٣٨].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (قال: حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين.
سبط عبد الرحمن بن عوف (عن ابن شهاب) الزهري وفي مسند أبي داود الطيالسي التصريح بسماع
إبراهيم بن سعد له من ابن شهاب (عن محمود بن الربيع) بفتح الراء الخزرجي الأنصاري الصحابي،
وللمؤلّف من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: أخبرني محمود (عن عتبان بن مالك)
بكسر العين وضمها الأنصاري السالمي المدني الأعمى، وصرّح في رواية يعقوب بسماع محمود من
عتبان .
(أن النبي) ولأبي ذر أنّ رسول الله (َّ أتاه في منزله) يوم السبت ومعه أبو بكر وعمر كما
عند الطبراني، وفي لفظ أنّ عتبان لقي النبي بَل﴿ فقال: إني أحب أن تأتيني، وعند ابن حبان في
صحيحه من حديث أبي هريرة أن رجلاً من الأنصار وفيه وذلك بعدما عمي: (فقال) وَلاغير (أين تحب
أن أصلي لك من بيتك) وللكشميهني في بيتك، والإضافة في لك باعتبار الموضع المخصوص وإلاّ
فالصلاة لله. (قال) عتبان: (فأشرت له) عليه الصلاة والسلام (إلى مكان) من بيتي (فكبّر النبي ◌َّ)
تكبيرة الإحرام (وصففنا) أي جعلنا صفًّا (خلفه) ولأبي ذر فصففنا بالفاء بدل الواو، ولأبي ذر أيضًا
وابن عساكر: وصفنا بالواو والإدغام (فصلى ركعتين).
ورواة هذا الحديث الخمسة مدنيون وفيه رواية صحابي عن صحابي والتحديث والعنعنة،
وأخرجه في الرقاق والمغازي واستتابة المرتدّين والأطعمة، ومسلم في الصلاة والإيمان، والنسائي
وابن ماجة في الصلاة.

٨٣
كتاب الصلاة/ باب ٤٦
٤٦ - باب المساجدِ في البيوتِ.
وصلَّ البَراءُ بنُ عازِبٍ في مسجدِه في دارِهِ جَمَاعةً
(باب) اتخاذ (المساجد في البيوت. وصلَّ البراء بن عازب) رضي الله عنه (في مسجده)
وللأربعة في مسجد (في داره جماعة) كما رواه ابن أبي شيبة بمعناه، وللكشميهني في جماعة.
٤٢٥ - حدثنا سَعيدُ بنُ عُفَيرِ قال: حدَّثَنا الليثُ قال: حدَّثني عُقَيلٌ عنِ ابنِ شِهابٍ قال:
أخبرَني محمودُ بنُ الربيعِ الأنصارِيُّ أنَّ عِثْبانَ منَ مالكِ وهوَ من أصحابِ رسولِ اللَّهِ وَلَ ممَّن شَهِدَ
بَدرَا مِنَ الأنصارِ أنه أتى رسولَ اللّهِ وَهَ فقال: يا رسولَ اللَّهِ قد أنكرتُ بَصَرِي وأنا أُصلِّي لِقَومي،
فإذا كانتِ الأمطارُ سالَ الوادي الذي بيني وبينَهم لم أستَطِعْ أن آتَيَ مسجدَهُم فأُصلِّي بهم. وودِدْتُ
يا رسولَ اللَّهَ أنَّكَ تأتيني فتُصلِّيَ في بيتي فأتخذَهُ مُصلَّى. قال فقال له رسولُ اللّهِ وََّ: سأفعلُ إن
شاءَ اللَّهُ. قال عِتبانُ: فغدا رسولُ اللَّهِ وَّهِ وأبو بكرٍ حينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ فاستأذَنَ رسولُ اللَّهِ وَل
فأذِنتُ له، فلم يجلسْ حتى دَخْلَ البيتَ ثمّ قال: أينَ تُحِبُّ أن أُصلِّيَ من بَيتِكَ؟ قال: فأشرتُ له
إلى ناحيةٍ من البيت، فقام رسولُ اللَّهِ وَ ل﴿ فكبّرَ، فقمنا فصفَفْنا فصلَّى رَكعتَينِ، ثم سلَّمَ، قَالَ:
وحَبَسْناهُ على خَزِيرةٍ صَنَعْناها له، قال فئابَ في البيتِ رِجالٌ من أهلِ الدارِ ذَوو عَدَدٍ فاجتمعوا،
فقال قائلٌ منهم: أينَ مالكُ بنُ الدُّخَيْشِن - أو ابنُ الدُّخْشُنِ ؟ فقال بعضهم: ذاك مُنافقٌ لا يحبُّ
اللَّهَ ورسوله. فقال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: لا تَقُلْ ذُلكَ، ألاَ تَراهُ قد قال لا إله إلاّ اللَّهُ يُرِيدُ بذلكَ وَجهَ
الله؟ قال: اللَّهُ ورسولُه أعلم، قال: فإنّ نَرى وَجهَهُ ونَصيحتَه إلى المنافِقِينَ. قال رسولُ اللَّهِ وَلَ :
فإنَّ اللَّهَ قد حرَّمَ على النارِ مَن قال: ((لا إلهَ إلاّ اللَّهُ يَبتغي بذلك وجهَ الله)). قال ابنُ شِهابٍ: ثمَّ
سَأَلتُ الْحُصَينَ بنَ محمد الأنصاريَّ - وهوَ أحدُ بني سالمٍ وهوَ من سَراتِهم - عن حديثٍ
محمودِ بنِ الرَّبيعِ، فصدَّقهُ بذلكَ.
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) بضم العين المهملة وفتح الفاء نسبة إلى جدّه لشهرته به وأبوه
كثير وعين سعيد مكسورة وهو مصري (قال: حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد المصري (قال:
حدّثني) بالإفراد أيضًا (عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري
(قال):
(أخبرني) بالإفراد (محمود بن الربيع) بفتح الراء (الأنصاري أن عتبان بن مالك) الأعمى وعين
عتبان بالكسر والضم، وعند أبي عوانة من رواية الأوزاعي عن ابن شهاب التصريح بتحديث عتبان
لمحمود كما عند المؤلّف التصريح بسماع محمود من عتبان، (وهو من أصحاب رسول الله وَ ل تمن
شهد بدرًا من الأنصار) رضي الله عنهم (أنه أتى رسول الله) ولمسلم أنه بعث إلى رسول الله (مَعليه)

٨٤
كتاب الصلاة/ باب ٤٦
وجمع بينهما بأنه جاء إليه مرة بنفسه وبعث إليه أخرى (فقال: يا رسول الله قد أنكرت بصري) أراد
به ضعف بصره كما لمسلم أو عماه كما عند غيره، والأولى أن يكون أطلق العمى لقربه منه
ومشاركته له في فوات بعض ما كان يعهده في حال الصحة (وأنا أصلي لقومي) أي لأجلهم يعني أنه
كان يؤمّهم (فإذا كانت الأمطار) أي وجدت (سال) الماء في (الوادي الذي بيني وبينهم) فيحول بيني
وبين الصلاة معهم لأني (لم أستطع أن آتي مسجدهم) ولابن عساكر المسجد (فأصلّي بهم) بالموحدة
ونصب أصلي عطفًا على آتي، وللأصيلي فأصلّ لهم أي لأجلهم، (ووددت) بكسر الدال الأولى أي
تمنيت (يا رسول الله أنك تأتيني فتصلّ) بالسكون أو بالنصب كما في الفرع جوابًا للتمنّي (في بيتي
فأتخذه مصلى) برفع فأتخذه على الاستئناف أو بالنصب أيضًا كما في الفرع عطفًا على الفعل المنصوب،
كذا قرّره الزركشي وغيره، وتعقبه الدماميني فقال: إن ثبتت الرواية بالنصب فالفعل منصوب بأن
مضمرة وإضمارها هنا جائز لا لازم، وأن والفعل بتقدير مصدر المسبوك من أنك تأتيني أي: وددت
إتيانك فصلاتك فاتخاذي مكان صلاتك مصلّ، وهذا معطوف على المصدر المسبوك ليس في شيء من
جواب التمني الذي يريدونه، وكيف ولو ظهرت أن هنا لم يمتنع وهناك يمتنع، ولو رفع تصلي وما
بعده بالعطف على الفعل المرفوع المتقدّم وهو قولك: تأتيني لصحّ والمعنى بحاله انتهى.
(قال) الراوي (فقال له) أي لعتبان (رسول الله وَ ل سأفعل) ذلك (إن شاء الله) علقه بمشيئة الله
تعالى الآية الكهف لا لمجرّد التبرّك لأن ذاك حيث كان الشيء مجزومًا به قاله البرماوي کالکرماني،
وجوز العيني كابن حجر كونه للتبرّك لأن اطلاعه وَ لّ بالوحي على الجزم، بأن ذلك سيقع غير
مستبعد، (قال عتبان) يحتمل أن يكون محمود أعاد اسم شيخه اهتمامًا بذلك لطول الحديث، (فغدا
رسول الله) ولأبي الوقت وأبي ذر عن الكشميهني والأصيلي: فغدا عليّ رسول الله (مَ لتر وأبو بكر)
الصديق رضي الله عنه زاد الإسماعيلي بالغد، وللطبراني أن السؤال كان يوم الجمعة والمجيء إليه يوم
السبت (حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله (وَ ل#) في الدخول (فأذنت له) وفي رواية الأوزاعي:
فاستأذنا فأذنت لهما أي للنبي وَله وأبي بكر، وفي رواية أبي أويس ومعه أبو بكر وعمر، ولمسلم من
طريق أنس عن عتبان فأتاني ومَن شاء الله من أصحابه وجمع بأنه كان عند ابتداء التوجّه هو وأبو
بكر، ثم عند الدخول اجتمع عمر وغيره فدخلوا معه عليه الصلاة والسلام، (فلم يجلس) عليه
الصلاة والسلام (حين دخل البيت) وللكشميهني حتى دخل أي لم يجلس في الدار ولا غيرها حتى
دخل البيت مبادرًا إلى ما جاء بسببه، (ثم قال: أين تحبّ أن أصلّ من بيتك) وللكشميهني في بيتك
(قال) عتبان: (فأشرت له) عليه الصلاة والسلام (إلى ناحية من البيت) يصلي فيها (فقام رسول
الله وَلّ فكبّر فقمنا فصففنا) بالفك الأربعة، ونا فاعل، ولغيرهم: فصفنا بالإدغام، ونا مفعول
(فصلّ) عليه الصلاة والسلام (ركعتين ثم سلّم) من الصلاة. واستنبط منه مشروعية صلاة النافلة في
جماعة بالنهار (قال) عتبان: (وحبسناه) أي منعناه بعد الصلاة عن الرجوع (على خزيرة صنعناها له)
بفتح الخاء المعجمة وكسر الزاي وسكون المثناة التحتية وفتح الراء آخرها تأنيث لحم يقطع صغارًا

٨٥
کتاب الصلاة/ باب ٤٧
يطبخ بماء يذر عليه بعد النضج من دقيق، وإن عرت عن اللحم فعصيدة. وقال النضر: هي من
النخالة والحريرة بالمهملات دقيق يطبخ بلبن (قال) عتبان (فئاب) بالمثلثة والموحدة بينهما ألف أي جاء
(في البيت رجال من أهل الدار) أي المحلة (ذوو عدد) بعضهم إثر بعض لما سمعوا بقدومه عليه
الصلاة والسلام (فاجتمعوا) الفاء للعطف، ومن ثم لا يحسن تفسير ثاب رجال باجتمعوا لأنه يلزم
منه عطف الشيء على مرادفه وهو خلاف الأصل، فالأولى تفسيره بجاء بعضهم إثر بعض كما مرّ
ونبّه عليه في المصابيح، (فقال قائل منهم) لم يسم: (أين مالك بن الدخيشن) بضم الدال المهملة
وفتح الخاء المعجمة وسكون المثناة التحتية وكسر الشين المعجمة آخره نون (أو ابن الدخشن) بضم
أوّله وثالثه وسكون ثانيه شك الراوي هل هو مصغّر أو مكبّر؟ لكن عند المؤلف رحمه الله في
المحاربين من رواية معمر مكبر من غير شك، وفي رواية لمسلم الدخشم بالميم، ونقل الطبراني عن
أحمد بن صالح أنه الصواب، (فقال بعضهم) قيل هو عتبان بن مالك راوي الحديث: (ذلك) باللام.
أي لبن الدخيشن أو ابن الدخشن أو ابن الدخشم (منافق لا يحب الله ورسوله) لكونه يودّ أهل
النفاق، (فقال رسول الله (*) رادًّا على القائل مقالته هذه: (لا تقل ذلك) عنه (ألا تراه) بفتح المثناة
(قد قال لا إله إلاّ الله) أي مع قول محمد رسول الله (يريد بذلك وجه الله) أي ذات الله تعالى، فانتفت
عنه الظنّة بشهادة الرسول له بالإخلاص ولله المنّة ولرسوله. (قال) القائل: (الله ورسوله أعلم)
بذلك، وعند مسلم: أليس يشهد أن لا إله إلاّ الله وكأنه فهم من الاستفهام عدم الجزم بذلك، ولذا
(قال: فإنا نرى وجهه) أي توجهه (ونصيحته إلى المنافقين، قال) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي
(فقال رسول الله وَ﴿ فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلاّ الله يبتغي) أي يطلب (بذلك وجه
الله) عز وجل إذا أدّى الفرائض واجتنب المناهي، وإلاّ فمجرّد التلفّظ بكلمة الإخلاص لا يحرم النار
لما ثبت من دخول أهل المعاصي فيها، أو المراد من التحريم هنا تحريم التخليد جمعًا بين الأدلة.
(قال ابن شهاب) الزهري أي بالسند الماضي: (ثم سألت الحصين) وللكشميهني: ثم سألت
بعد ذلك الحصين (بن محمد) بحاء مضمومة وصاد مفتوحة مهملتين ثم مثناة تحتية ساكنة، وضبطه
القابسي بضاد معجمة وغلطوه (الأنصاري) المدني من ثقات التابعين (وهو أحد بني سالم وهو من
سراتهم) بفتح السين المهملة أي خيارهم (عن حديث محمود بن الربيع) ولابن عساكر زيادة الأنصاري
(فصدقه بذلك) أي بالحديث المذكور.
٤٧ - باب الثَّيمُّن في دخولِ المسجِدِ وغيرِه
وكان ابنُ عمرَ يَبدأُ برِجلِهِ اليُمنى، فاذا خَرجَ بدأَ برِجلِهِ اليُسرَى.
(باب التيمن) أي البداءة باليمين (في دخول المسجد وغيره) أي غير الدخول أو غير المسجد
كالبيت (وكان ابن عمر) بن الخطاب إذا دخل المسجد (يبدأ برجله اليمنى فإذا خرج) منه (بدأ برجله
اليسرى) قال ابن حجر: ولم أره أي هذا الأثر موصولاً عنه أي عن ابن عمر.

٨٦
كتاب الصلاة/ باب ٤٨
٤٢٦ - حدثنا سُليمان بنُ حَربٍ قال: حدَّثَنا شُعبةُ عنِ الأشعثِ بنِ سُليمٍ عن أبيهِ عن
مَسْروقٍ عن عائشةَ قالت: ((كان النبيُّ وَّهَ يُحبُّ التَّيمُنَ ما استَطاعَ في شأنِهِ كله: في ظُهورِهِ،
وَتَرَجُلِهِ وتَنعُلهِ).
وبالسند قال: (حدّثنا سليمان بن حرب، قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الأشعث)
بالمعجمة ثم المهملة ثم المثلثة (ابن سليم) بضم السين المهملة وفتح اللام (عن أبيه) سليم (عن
مسروق) هو ابن الأجدع (عن عائشة) رضي الله عنها (قالت):
(كان النبي ◌َّ يحب التيمن) أي البداءة باليمين (ما استطاع) أي ما دام مستطيعًا واحترز به
عما لا يستطاع فيه التيمن شرعًا كالخروج من المسجد والدخول للخلاء وتعاطي المستقذرات
كالاستنجاء والتمخط أو ما موصولة بدل من التيمن والمحبة، وإن كانت من الأمور الباطنة فلعلها
فهمت بالقرائن حبه لذلك، أو أخبرها عليه الصلاة والسلام به (في شأنه كله في طهوره) بضم الطاء
أي طهره (و)في (ترجله) بالجيم (و)في (تنعله) بتشديد العين أي تمشيطه الشعر ولبسه النعل، وعمّ
بقوله في شأنه كله ثم خصّ هذه الثلاثة بالذكر اهتمامًا بشأنها والجار وتاليه بدل من شأنه بدل البعض
من الكل، وفي شأنه متعلق بالتيمن أو بالمحبة أو بهما فيكون من باب التنازع.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف فى اللباس والأطعمة، وكذا أخرجه غيره كما مرّ في باب التيمن
في الوضوء والغسل.
٤٨ - باب هل تُنْيَشُ قُبُورُ مُشركي الجاهليَّةِ، ويُتَّخَذُ مكانُها مَساجِدَ؟
لقولِ النبيِّ وَّهِ: لعنَ اللَّهُ اليهودَ اتَّخَذوا قُبورَ أنبيائهم مساجدَ))، وما يُكرَهُ من الصلاةِ في
القبورِ، ورأى عُمرُ أنَسَ بنَ مالكٍ يُصلِّي عندَ قبرِ فقال: القبرَ القبرَ. ولم يأمُرُهُ بالإعادةِ.
هذا (باب) بالتنوين (هل تنبش قبور مشركي الجاهلية) الاستفهام للتقرير كقوله تعالى: ﴿هل
أتى على الإنسان حين من الدهر﴾ [الإنسان: ١] أي يجوز نبشها لأنه لا حرمة لهم (ويتخذ مكانها
مساجد) بالنصب مفعولاً ثانيًا ليتخذ المبني للمفعول ومكانها المفعول الأول وهو مرفوع نائب عن
الفاعل، وفي رواية مساجد بالرفع نائبًا عن الفاعل في يتخذ ومكانها نصب على الظرفية فيتخذ متعدٍّ
إلى مفعول واحد (لقول النبي) أي لأجل قوله (3 38) الموصول عند المؤلف في أواخر المغازي كما
سيأتي إن شاء الله تعالى: (لعن الله اليهود) لأجل كونهم (اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) سواء نبشت لما
فيه من الاستهانة أو لم تنبش لما فيه من المغالاة في التعظيم بعبادة قبورهم والسجود لها، وكلاهما
مذموم. ويلتحق بهم أتباعهم وحينئذ فيجوز نبش قبور المشركين الذين لا ذمة لهم واتخاذ المساجد
مكانها لانتفاء العّتين المذكورتين إذ لا حرج في استهانتها بالنبش واتخاذ المساجد مكانها وليس تعظيمًا
لها، وإنما هو من قبيل تبديل السيئة بالحسنة، وعلى هذا فلا تعارض بين فعله عليه الصلاة والسلام

٨٧
كتاب الصلاة/ باب ٤٨
في نبش قبور المشركين واتخاذ مسجده مكانها، وبين لعنه عليه الصلاة والسلام من اتخذ قبور الأنبياء
مساجد لما ذكر من الفرق.
وفي هذا الحديث الاقتصار على لعن اليهود. فيكون قوله: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد
واضحًا، فإن النصارى لا يزعمون نبوّة عيسى، بل يدّعون فيه أنه ابن أو إله أو غير ذلك على
اختلاف مِلْلهم الباطلة، ولا يزعمون موته حتى يكون له قبر، وأما من قال منهم: أنه قتل فله في
ذلك كلام مشهور في موضعه، فتشكل حينئذ الرواية الآتية إن شاء الله تعالى في الباب التالي لباب
الصلاة في البيعة، وفي أواخر المغازي بلفظ: لعن الله اليهود والنصارى، وتعقيبه بقوله: اتخذوا،
ويأتي الجواب عن ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
(وما يكره من الصلاة في القبور) سواء كانت عليها أو إليها أو بينها. فإن قلت: كيف عطف
هذه الجملة الخبرية على جملة الاستفهام الطلبية؟ أجيب بأن جملة الاستفهام التقريري في حكم
الخبرية .
(ورأى عمر) أن ابن الخطاب رضي الله عنه كما في رواية الأصيلي (أنس بن مالك) رضي الله
عنه (يصلي عند قبر فقال: القبر القبر) بالنصب فيهما على التحذير محذوف العامل وجوبًا أي اتّق أو
اجتنب القبر، (ولم يأمره بالإعادة) أي لم يأمر عمر أنسًا بإعادة صلاته تلك، فدلّ على الجواز لكن مع
الكراهة لكونه صلّ على نجاسة، ولو كان بينهما حائل، وهذا مذهب الشافعية أولاً كراهة لكونه
صلّ مع الفرش على النجاسة مطلقًا كما قاله القاضي حسين، وقال ابن الرفعة: الذي دلّ عليه كلام
القاضي أن الكراهة لحرمة الميت أما لو وقف بين القبور بحيث لا يكون تحته ميت ولا نجاسة فلا
كراهة إلاّ في المنبوشة فلا تصح الصلاة فيها. قال في التوشيح: ويستثنى مقبرة الأنبياء فلا كراهة
فيها لأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم، وأنهم أحياء في قبورهم يصلّون، ولا يشكل
بحديث: (لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) لأن اتخاذها مساجد أخص من مجرد الصلاة
فيها، والنهي عن الأخص لا يستلزم النهي عن الأعم، قال في التحقيق: ويحرم أن يصلي متوجهًا إلى
قبره عليه الصلاة والسلام، ويكره إلى غيره مستقبل آدميّ لأنه يشغل القلب غالبًا، ويقاس بما ذكر
في قبره وَ ل سائر قبور الأنبياء وَلّر، ولم يرَ مالك بالصلاة في المقبرة بأسًا، وذهب أبو حنيفة إلى
الكراهة مطلقًا، وقال في تنقيح المقنع: ولا تصحّ الصلاة تعبدًا في مقبرة غير صلاة الجنازة ولا يضرّ
قبران ولا ما دفن بداره.
٤٢٧ - حدّثنا محمدُ بنُ المُثَّى قال: حدَّثَنا يحيى عن هشام قال: أخبرني أبي عن عائشةَ أنَّ
أُمَّ حَبيبةَ وَأُمَّ سَلمةَ ذكرتا كنيسة رأينها بالحَبَشةِ فيها تصاويرُ فذَكرَتا ذُلِكَ للنبيِّ وَ﴿ فقال: ((إنَّ
أُولَئِكَ إذا كان فيهمُ الرجُلُ الصالحُ فماتَ بَنَوا على قَبِهِ مسجِدًا وصوَّروا فيه تيك الصُّوَرَ. فَأُولِك
شِرارُ الخَلقِ عندَ اللَّهِ يَومَ القِيامَةِ)). [الحديث ٤٢٧ - أطرافه في: ٤٣٤، ١٣٤١، ٣٨٧٨].

٨٨
كتاب الصلاة/ باب ٤٨
وبه قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) بالمثلثة ثم فتح النون المشددة (قال: حدّثنا يحيى) بن سعيد
القطان (عن هشام) هو ابن عروة (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة (عن عائشة) رضي الله عنها
ولابن عساكر عن عائشة أم المؤمنين .
(أن أُم حبيرة) رملة بنت أبي سفيان بن حرب (وأم سلمة) هند بنت أبي أمية رضي الله عنها
(ذكرتا) بلفظ التثنية للمؤنث، وللمستملي والحموي ذكرا بالتذكير ولعله سبق قلم من الناسخ كما لا
يخفى (كنيسة) بفتح الكاف أي معبد للنصارى (رأينها بالحبشة) بنون الجمع على أن أقل الجمع اثنان
أو على أنه كان معهما غيرهما من النسوة، ولأبي ذر والأصيلي رأتاها بالمثناة الفوقية بضمير التثنية على
الأصل، وفي رواية رأياها بالمثناة التحتية (فيها تصاوير) أي تماثيل، والجملة في موضع نصب صفة
لكنيسة، (فذكرتا ذلك للنبي بَّه. فقال: إن أولئك) بكسر الكاف لأن الخطاب لمؤنث وقد تفتح (إذا
كان فيهم الرجل الصالح فمات) عطف على قوله كان وجواب إذا قوله (بنوا على قبره مسجدًا
وصوّروا فيه تيك الصور) بكسر المثناة الفوقية وسكون التحتية، كذا في رواية الحموي والكشميهني
كما في الفرع، وعزاها في الفتح للمستملي، وفي رواية أبي ذر وابن عساكر كما في الفرع تلك
باللام بدل المثناة التحتية. (فأولئك) بكسر الكاف وقد تفتح (شرار الخلق عند الله يوم القيامة) بكسر
الشين المعجمة جمع شر كبحر وبحار، وأما أشرار فقال السفاقسي: جمع شر كزند وأزناد، وإنما فعل
سلفهم ذلك ليتأنسوا برؤية تلك الصور يتذكروا أحوالهم الصالحة ليجتهدوا كاجتهادهم، ثم خلف
من بعدهم خلف جهلوا مرادهم ووسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور
ويعظمونها فعبدوها، فحذر عليه الصلاة والسلام عن مثل ذلك سدًّا للذريعة المؤدية إلى ذلك. أما
مَن اتخذ مسجدًا في جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه لا للتعظيم له ولا للتوجه إليه فلا يدخل
في الوعيد المذكور.
ورجال هذا الحديث بصريون، وفيه التحديث بالجمع والإخبار بالإفراد والعنعنة، وأخرجه
المؤلّف أيضًا في هجرة الحبشة، ومسلم في الصلاة وكذا النسائي.
٤٢٨ - حدثنا مُسدَّدٌ قال: حدَّثَنا عبدُ الوارِثِ عن أبي التَّاحِ عن أنَسٍ قال: ((قَدِمَ النبيُّ ◌َ
المدينةَ فَتَزَلَ أعلى المدينةِ في حَيِّ يُقالُ لهم بنو عمرو بنِ عَوْفٍ، فأقامَ النبيُّ وَّ فيهم أربعَ عَشْرةً
لَيلةً، ثمَّ أرسلَ إلى بني النجّارِ فجاؤُوا مُتَقلِّدي السُّيوفِ، كأنّي أنظرُ إلى النبيِّ وََّ على راحِلتِه وأبو
بكرٍ رِذْفُه ومَلأُ بني النجّارِ حَولَه، حتّى ألقى بفِناءِ أبي أيُّوبَ، وكان يُحبُّ أن يُصليَ حيثُ أدرَكَتْهُ
الصلاةُ وَيُصلِّ في مَرابضِ الغَنمِ، وَأَنَّهُ أَمَرَ ببناءِ المسجدِ، فأرسَلَ إلى مَلإٍ مِن بني النجّار فقال: يا
بني النجّار ثامِنوني بحائِطِكم هذا. قالوا: لا واللَّهِ لا نطلُبْ ثمَنَهُ إلاّ إلى اللَّهِ. فقال أَنَسٌ: فكانَ فيهِ
ما أقول لكم: قُبُورُ المشرِكينَ، وفيه خَرِبٌ، وفيهِ نَخلٌ. فأمرَ النبيُّ وَّهِ بِقُبورِ المشرِكِينَ فَنُبِشَتْ،

٨٩
كتاب الصلاة/ باب ٤٨
ثم بالخَرِبِ فَسُوْيَتْ، وبالنخلِ فَقُطِعَ. فصَفُوا النخلَ قِبلةَ المسجدِ، وَجَعلُوا عِضادَتَيهِ الْحِجارَةَ،
وجعلوا ينقُلونَ الصَّخْرَ وهم يَرْتَجِزون، والنبيُّ ◌َالّر معهم وهوَ يقول:
اللّهمَّ لا خَيرَ إلاّ خيرُ الآخِرَهُ فاغفِرْ للأنصارِ والمهاجِرَة
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد التميمي (عن
أبي التياح) بفتح المثناة الفوقية وتشديد التحتية آخره مهملة يزيد بن حميد الضبعي (عن أنس)
وللأصيلي أنس بن مالك (قال):
(قدم النبي ويلير المدينة فنزل أعلى) وللأصيلي في أعلى (المدينة في حي) بتشديد الياء قبيلة (يقال
لهم بنو عمرو بن عوف) بفتح العين فيهما (فأقام النبي وَلّر فيهم أربعة عشرة ليلة) ولأبوي ذر
والوقت وابن عساكر في نسخة أربعًا وعشرين، وصوب الحافظ ابن حجر الأولى. قال: وكذا رواه
أبو داود عن مسدد شيخ المؤلّف فيه، (ثم أرسل) عليه الصلاة والسلام (إلى بني النجار) أخواله عليه
الصلاة والسلام (فجاؤوا) حال كونهم (متقلدي السيوف) بالجر وحذف نون متقلدين للإضافة كذا في
رواية كريمة وفي رواية متقلدين بإثبات النون فلا إضافة والسيوف نصب بمتقلدين أي: جعلوا نجاد
السيف على المنكب خوفًا من اليهود ليروه ما أعدّوه لنصرته عليه الصلاة والسلام (كأني أنظر إلى
النبي ◌َ ◌ّر على راحلته) أي ناقته القصواء، (وأبو بكر) الصديق (ردفه) بكسر الراء وسكون الدال جملة
اسمية حالية أي راكب خلفه ولعله عليه الصلاة والسلام أراد تشريف أبي بكر بذلك وتنويها بقدره
وإلاَّ فقد كان له رضي الله عنه ناقة، (وملأ بني النجار) أي أشرافهم أو جماعتهم يمشون (حوله) عليه
الصلاة والسلام أدبًا والجملة حالية (حتى ألقى) أي طرح رحله (بفناء) بكسر الفاء والمدّ أي بناحية
متّسعة أمام دار (أبي أيوب) خالد بن زيد الأنصاري (وكان) رسول الله بَ لقوله (يجب أن يصلي حيث
أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم) جمع مربض أي مأواها (وأنه) بكسر الهمزة، وفي فرع
اليونينية بفتحها أي النبي وَلجر (أمر) بفتح الهمزة (ببناء المسجد) بكسر الجيم وقد تفتح (فأرسل إلى
ملأ من بني النجار) وللأربعة إلى ملأ بني النجار بإسقاط من (فقال: يا بني النجار ثامنوني) بالمثلثة أي
ساوموني (بحائطكم) أي ببستانكم (هذا قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلاّ إلى الله) عز وجل أي من
الله كما وقع عند الإسماعيلي، (فقال) ولابن عساكر قال (أنس) رضي الله عنه: (فكان فيه) أي في
الحائط (ما أقول لكم قبور المشركين) بالرفع بدل أو بيان لقوله ما أقول لكم، (وفيه خرب) بفتح
الخاء المعجمة وكسر الراء اسم جمع واحده خربة كلكم وكلمة، ولأبي ذر خرب بكسر الخاء وفتح
الراء جمع خربة كعنب وعنبة (وفيه نخل فأمر النبي ◌َلّ بقبور المشركين فنبشت) وبالعظام فغيبت (ثم
بالخرب) بفتح الخاء وكسر الراء (فسويت) بإزالة ما كان في تلك الخرب (و) أمر (بالنخل فقطع
فصفوا النخل قبلة المسجد) أي في جهتها (وجعلوا عضادتيه الحجارة) تثنية عضادة بكسر العين. قال
صاحب العين: أعضاد كل شيء ما يشدّه من حواليه، وعضادتا الباب ما كان عليهما يغلق الباب إذا
أصفق (وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون) أي يتعاطون الرجز تنشيطًا لنفوسهم ليسهل عليهم

٩٠
كتاب الصلاة/ باب ٤٩ و٥٠
العمل (والنبي ◌َّليز) يرتجز (معهم) جملة حالية كقوله (وهو) عليه الصلاة والسلام (يقول: اللَّهمَّ لا
خير إلاّ خير الآخرة فاغفر للأنصار) الأوس والخزرج الذين نصروه على أعدائه (والمهاجرة) الذين
هاجروا من مكة إلى المدينة محبة فيه عليه الصلاة والسلام وطلبًا للأجر، وللمستملي: فاغفر الأنصار
على تضمين اغفر معنى استر، واستشكل قوله عليه الصلاة والسلام هذا مع قوله تعالى: ﴿وما علمناه
الشعر﴾ [يس: ٦٩] وأجيب: بأن الممتنع عليه وهلهو إنشاء الشعر لا إنشاده على أن الخليل ما عدّ
المشطور من الرجز شعرًا، هذا وقد قيل أنه عليه الصلاة والسلام قالهما بالتاء متحركة، فخرج عن
وزن الشعر.
ورواة هذا الحديث كلهم بصريون، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلف في
الصلاة والوصايا والهجرة والحج والبيوع، ومسلم في الصلاة، وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجة،
وتأتي بقية مباحثه إن شاء الله تعالى.
٤٩ - باب الصلاةِ في مَرابِضٍ الغَنَم
(باب) حكم (الصلاة في مرابض الغنم) جمع مربض بكسر الباء أي مأواها، وقال العيني
وضبط بعضهم المربض بكسر الميم وهو غلط.
٤٢٩ - حدثنا سُليمانُ بنُ حَربٍ قال: حدَّثَنا شُعبةُ عن أبي التيّاح عن أنَسٍ قال: ((كان
النبيُّ وَّهِ يُصلِّ في مَرابضٍ الغنم)) ثمَّ سمعتُه بَعْدُ يَقول: ((كان يُصلِّي في مَرابضٍ الغنم قبلَ أن يُبنى
المسجدُ».
وبه قال: (حدثنا سليمان بن حرب قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي التياح) بفتح المثناة
الفوقية وتشديد المثناة التحتية آخره مهملة يزيد بن حميد الضبعي (عن أنس) وللأصيلي عن أنس بن
مالك (قال):
(كان النبي وَّ يصلي في مرابض الغنم) مطلقًا (ثم سمعته) أي قال أبو التياح: سمعت أنسًا،
أو قال شعبة سمعت أبا التياح (بعد) أي بعد ذلك القول (يقول) (كان) عليه الصلاة والسلام (يصلي
في مرابض الغنم قبل أن يبنى المسجد) النبوي المدني ويفهم من هذه الزيادة أنه وَله لم يصلُ في
مرابض الغنم بعد بناء المسجد نعم ثبت إذنه في ذلك مع السلامة من الأبوال والأبعاد، وسبق في
كتاب الطهارة مزيد لذلك فليراجع. وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة والقول.
٥٠ - باب الصلاةِ في مَواضعٍ الإبل
(باب) حكم (الصلاة في مواضع الإبل) أي معاطنها وهي مباركها لتشرب عللاً بعد نهل،
وكره الصلاة فيها مالك والشافعي لنفارها السالب للخشوع، أو لكونها خلقت من الشياطين كما في

٩١
كتاب الصلاة/ باب ٥١
حديث عبد الله بن مغفل المروي في ابن ماجة، وعند مسلم من حديث جابر بن سمرة أن رجلاً
قال: يا رسول الله أصلّ في مبارك الإبل؟ قال (لا) وعند الترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعًا
(صلّوا في مرابض الغنم ولا تصلّوا في أعطان الإبل). وعند الطبراني في الأوسط من طريق أسيد بن
حضير (ولا تصلوا في مناخها) وهو بضم الميم وليس كل مبرك عطنًا، والمبرك أعمّ، وعبّر المصنّف
بالمواضع لأنها أشمل.
٤٣٠ - حدّثنا صدَقةُ بنُ الفَضلِ قال: أخبرَنا سُليمانُ بنُ حَيّانَ قال: حدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ عن
نافعٍ قال: رأيتُ ابنَ عُمرَ يُصلِّي إلى بعيرهِ وقال: رأيتُ النبيَّ ◌َّ يفعلُه.
وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي (قال: أخبرنا) ولأبوي ذر والوقت حدّثنا
(سليمان بن حيان) بفتح الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية منصرف وغير منصرف ابن خالد الأحمر
الأزدي الجعفري الكوفي (قال: حدّثنا) ولابن عساكر أخبرنا (عبيد الله) بالتصغير ابن عبد الله بن
عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (عن نافع) مولى ابن عمر (قال):
(رأيت ابن عمر) بن الخطاب رضي الله عنه (يصلّ إلى بعيره وقال) ولأبي ذر فقال (رأيت
النبي وَ ير يفعله) أي يصلي، والبعير في طرف قبلته.
فإن قلت لا مطابقة بين الحديث والترجمة لأنه لا يلزم من الصلاة إلى البعير وجعله ستره عدم
كراهة الصلاة في مبركه. أجيب بأن مراده الإشارة إلى ما ذكر من علة النهي عن ذلك وهي كونها من
الشياطين كأنه يقول: لو كان ذلك مانعًا من صحة الصلاة لامتنع مثله في جعلها أمام المصلّ،
وكذلك صلاة راكبها، وقد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي النافلة على بعيره قاله في الفتح،
وتعقبه العيني فقال: ما أبعد هذا الجواب عن موقع الخطاب، فإنه متى ذكر علة النهي عن الصلاة
في معاطن الإبل حتى يشير إليه اهـ.
ورواة هذا الحديث ما بين مروزي وكوفي ومدني، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه
مسلم والترمذي وقال حسن صحيح.
٥١ - باب مَن صلَّى وقُدَامَهُ تَنُورٌ
أو نارٌ أو شيءٌ مما يُعبَدُ فأرادَ بِهِ اللَّهَ
وقال الزهريُّ: أخبرني أنَسٌ قال: قال النبيُّ وَّةِ: ((عُرِضَتْ عليَّ النارُ وأنا أُصلِّي)).
(باب من صلى وقدامه) بالنصب على الظرفية (تنور) بفتح المثناة الفوقية وتشديد النون المضمومة
وهو ما يوقد فيه النار للخبز وغيره والجملة اسمية حالية وتنور مبتدأ خبره الظرف أي بينه وبين القبلة
وعطف المؤلف على قوله تنور قوله (أو نار) وهو من عطف العامّ على الخاص اهتمامًا به لأن عبدة

٩٢
كتاب الصلاة/ باب ٥٢
النار من المجوس (أو) صلى وقدامه (شيء يعبد) كالأصنام والأوثان (فأراد) المصلي الذي قدامه شيء
من هذه الأشياء (به) أي بفعله (الله تعالى) ولأبوي ذر والوقت وجه الله تعالى أي ذاته تعالى، وحينئذ
فلا كراهة. نعم كرهه الحنفية لما فيه من التشبه بعبدة المذكورات ظاهرًا.
(وقال) ابن شهاب (الزهري) مما وصله المؤلف في باب وقت الظهر (أخبرني) بالإفراد (أنس)
وللأصيلي أنس بن مالك (قال: قال النبي ◌ِّر عرضت علي النار) الجهنمية (وأنا أصلي).
٤٣١ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسْلمةَ عن مالكِ عن زيدِ بنِ أسْلمَ عن عطاءِ بنِ يَسارٍ عن
عبدِ اللهِ بنِ عبّاس قال: ((انخسَفَتِ الشمسُ، فصلَّى رسولُ اللهِ وَ له ثم قال: ((أُرِيتُ النارَ فلم أرَ
مَنْظَرًا كاليوم قطُ أفظَعَ)).
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) إمام دار الهجرة (عن زيد بن
أسلم) مولى عمر بن الخطاب (عن عطاء بن يسار) بالمثناة التحتية والمهملة المخفّفة القاضي المدني
الهلالي (عن عبد الله بن عباس) رضي الله عنهما (قال):
(انخسفت الشمس) أي انكسفت أي تغير لونها أو ذهب ضوءها (فصلّ رسول الله وَ لخد) صلاة
الكسوف (ثم قال: أريت) بضم الهمزة وكسر الراء أي أبصرت (النار) في الصلاة رؤية عين (فلم
أرَ منظرًا کالیوم) أي رؤية مثل رؤية اليوم (قط) بضم الطاء (أفظع) منه وبفاء وظاء معجمة ونصب
العين صفة لمنظر أو صلة أفعل التفضيل محذوفة أي منه كالله أكبر أي من كل شيء أو بمعنى فظيع
كأكبر بمعنى كبير، والفظيع الشنيع الشديد المجاوز المقدار قال السفاقسي: لا حجة في الحديث على
ما بوّب له لأنه عليه الصلاة والسلام لم يفعل ذلك مختارًا وإنما عرض عليه ذلك لمعنى أراده الله تعالى
تنبيهًا لعباده اهـ.
وأجيب بأن الاختيار وعدمه فى ذلك سواء منه لأنه عليه الصلاة والسلام لا يقرّ على باطل،
فدل على أن مثله جائز قاله الحافظ ابن حجر. وتعقبه العيني فقال: لا نسلم التسوية فإن الكراهة
تتأكد عند الاختيار، وأما عند عدمه فلا كراهة لعدم العلّة الموجبة للكراهة وهي التشبه بعبدة النار.
ورواة هذا الحديث كلهم مدنيون. نعم عبد الله بن مسلمة سكن البصرة وفيه التحديث
والعنعنة، وأخرجه المؤلف فى الكسوف والإيمان والنكاح وبدء الخلق ومسلم وأبو داود والنسائي في
الصلاة .
٥٢ - باب كراهية الصلاةِ في المقابر
(باب) ذكر (كراهية الصلاة في المقابر) في حديث أبي سعيد الخدري عند أبي داود والترمذي
بسند رجاله ثقات مرفوعًا الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام وليس هو على شرط المؤلف.

٩٣
كتاب الصلاة/ باب ٥٣
٤٣٢ - حدثنا مسدَّدٌ قال: حدَّثَنا يحيى عن عُبيدِ اللَّهِ قال: أخبرني نافعٌ عنِ ابنِ عُمرَ عنٍ
النبيِّ وَّرِ قال: (اجعلوا في بيُوتِكم مِن صَلاتِكم، ولا تتَّخذوها قُبورًا)). [الحديث ٤٣٢ - طرفه
في: ١١٨٧].
وبه قال: (حذّثنا مسدد) بالمهملات ابن مسرهد (قال: حدّثنا يحيى) القطان (عن عبيد الله)
بضم العين مصغرًا وللأصيلي عن عبيد الله بن عمر (قال):
(أخبرني) بالإفراد (نافع) مولى ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما (عن النبي وَلي قال
اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم) النافلة، وفي الصحيحين حديث (صلوا أيها الناس في بيوتكم فإن
أفضل صلاة المرء في بيته إلاّ المكتوبة).
وإنما شرع ذلك لكونه أبعد من الرياء ولتنزل الرحمة فيه والملائكة، لكن استثنى منه نفل يوم
الجمعة قبل صلاتها، فالأفضل كونه في الجامع لفضل البكور وركعتا الطواف والإحرام، وكذا
التراويح للجماعة .
وعن بعضهم فيما حكاه عياض أن المعنى اجعلوا بعض فرائضكم في بيوتكم ليقتدي بكم من
لا يخرج إلى المسجد من نسوة وغيرهنّ، لكن قال النووي: لا يجوز حمله على الفريضة.
(ولا تتخذوها) أي البيوت (قبورًا) أي كالقبور مهجورة من الصلاة وهو من التشبيه البليغ
البديع بحذف حرف التشبيه للمبالغة، وهو تشبيه البيت الذي لا يُصلّ فيه بالقبر الذي لا يتمكن
الميت من العبادة فيه، وقد حمل المؤلف هذا الحديث على منع الصلاة في المقابر، ولهذا ترجم به.
وتعقب بأنه ليس فيه تعرض لجواز الصلاة في المقابر ولا منعها، بل المراد منه الحثّ على الصلاة في
البيت فإن الموتى لا يصلون في بيوتهم، وكأنه قال: لا تكونوا كالموتى في القبور حيث انقطعت
عنهم الأعمال وارتفعت التكاليف، ولو أريد ما تأوّله المؤلف لقال المقابر. وأجيب بأنه قد ورد في
مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ (المقابر) وتعقب بأنه كيف يقال حديث يرويه غيره بأنه مطابق لما
ترجم به. وفي هذا الحديث التحديث والأخبار بالإفراد والعنعنة، وأخرجه مسلم وابن ماجة.
٥٣ - باب الصلاةِ في مَواضِعِ الخَسْفِ والعَذاب
ويُذكَرُ أنَّ عليًّا رضي الله عنه كَرِهَ الصلاةَ بخَسْفِ بابلَ
(باب) حكم (الصلاة في مواضع الخسف) بالجمع وللأصيلي في موضع بالإفراد (و)موضع
نزول (العذاب) من باب عطف العامّ على الخاص لأن الخسف من جملة العذاب (ويذكر) مما وصله
ابن أبي شيبة (أن عليًّا) رضي الله عنه (كره الصلاة بخسف بابل) بعدم الصرف. قال الأخفش:
التأنيثه، وقال البيضاوي والمشهور أنه بلد من سواد الكوفة اهـ.

٩٤
كتاب الصلاة/ باب ٥٤
وقيل: المراد بالخسف المذكور ما في قوله تعالى: ﴿قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم
من القواعد﴾ [النحل: ٢٦] الآية وذلك أن نمروذ بن كنعان بنى الصرح ببابل سمكه خمسة آلاف
ذراع ليترصّد أمر السماء، فأهبّ الله الريح فخرّ عليه وعلى قومه فهلكوا قيل: وبات الناس ولسانهم
سرياني فأصبحوا وقد تفرقت لغتهم على اثنين وسبعين لسانًا كلٌّ يبليل بلسانه فسمي الموضع بابلاً.
٤٣٣ - حدثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ اللهِ قال: حدَّثَني مالكٌ عن عبدِ اللهِ بنِ دِينارٍ عن
عبدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما أن رسولَ اللَّهِ بَهِ قال: ((لا تَدخُلوا على هؤلاءِ المعذّبين، إلّ
أن تكونوا باكينَ، فإنْ لم تكونوا باكينَ فلا تَدخُلوا عليهم لا يُصيبُكم ما أصابَهُم)). [الحديث ٣٢٢ -
أطرافه في: ٣٣٨٠، ٣٣٨١، ٤٤١٩، ٤٤٢٠، ٤٧٠٢].
وبالسند قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) بن أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) هو ابن
أنس (عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب (رضي الله عنهما).
(أن رسول الله وَ لّ قال) لأصحابه لما مروا معه بالحجر ديار ثمود في حال توجههم إلى تبوك:
(لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين) بفتح الذال المعجمة وهم قوم صالح أي لا تدخلوا ديارهم (إلا أن
تكونوا باكين) شفقة وخوفًا من حلول مثل ذلك، (فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا
يصيبكم) وعند المؤلف في أحاديث الأنبياء أن يصيبكم أي خشية أن يصيبكم (ما أصابهم) من
العذاب، ويصيبكم بالرفع على الاستئناف، ولا تنافي في بين خوف إصابة العذاب وبين قوله تعالى
﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] لأن الآية محمولة على عذاب يوم القيامة، ووجه
الخوف هنا أن البكاء يبعثه على التفكّر والاعتبار، فكأنه أمرهم بالتفكّر في أحوال توجب البكاء من
تقدير الله على أولئك بالكفر مع تمكينه لهم في الأرض وإمهالهم مدة طويلة، ثم إيقاع نقمه بهم
وشدة عذابه، فمن مرّ عليهم ولم يتفكّر فيما يوجب البكاء اعتبارًا بأحوالهم، فقد شابههم في الإهمال
ودلّ على قساوة قلبه وعدم خشوعه فلا يأمن أن يجرّه ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم فيصيبه ما
أصابهم قاله ابن حجر ومن قبله الخطابي.
وقد تشاءم عليه الصلاة والسلام بالبقعة التي نام فيها عن الصلاة ورحل عنها ثم صلّ،
فكراهية الصلاة في مواضع الخشف أولى لأن إباحة الدخول فيها إنما هو على وجه الاعتبار والبكاء،
فمن صلّ هناك لا تفسد صلاته لأن الصلاة موضع البكاء والاعتبار. ورواة هذا الحديث كلهم
مدنيون. وفيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وأخرجه المؤلّف أيضًا في المغازي والتفسير.
٥٤ - باب الصلاةِ في البِيعةِ
وقال عُمرُ رضيَ اللهُ عنه: إنا لا ندخُلُ كنائسَكم من أجلِ التماثيل التي فيها الصُّوَرُ وكان ابنُ
عبّاسٍ يُصلِّي في البِيعةِ إلاّ بِيعةً فيها تماثيلُ.

٩٥
كتاب الصلاة/ باب ٥٤
(باب) حكم (الصلاة في البيعة) بكسر الباء الموحدة معبد النصارى كالكنائس والصلوات
اليهود والصوامع للرهبان والمساجد للمسلمين والكنائس أيضًا للنصارى كالبيعة كما قاله الجوهري،
وبه تحصل المطابقة بين الترجمة وذكر الكنائس الآتي إن شاء الله تعالى في قوله: (وقال عمر) بن
الخطاب (رضي الله عنه) مما وصله عبد الرزاق من طريق أسلم مولى عمر قال: لما قدم عمر الشام
صنع له رجل من النصارى طعامًا وكان من عظمائهم وقال: أحبّ أن تجيبني وتكرمني فقال عمر:
(إنّا لا ندخل كنائسكم) بكاف الخطاب وللأصيلي كنائسهم بضمير الجمع الغائب (من أجل التماثيل
التي فيها الصور) جملة اسمية لأن الصور مبتدأ مرفوع خبره فيها أي في الكنائس، والجملة صلة
الموصوف وقعت صفة للكنائس لا للتماثيل لفساد المعنى، لأن التماثيل هي الصور، وهذه رواية أبي
ذر كما في الفرع، ووجهه في المصابيح بأن يكون خبر مبدأ محذوف والصلة فعلية أي التي استقرت
فيها ووجهه الحافظ ابن حجر بقوله أي أن التماثيل مصوّرة، قال: والضمير على هذا للتماثيل.
وتعقبه العيني فقال: هذا توجيه مَن لا يعرف من العربية شيئًا، وفي بعض الأصول الصور بالجر على
البدل من التماثيل أو عطف بيان، ويكون الموصول مع صلته صفة للتماثيل. وصرّح ابن مالك
بجوازه عطفًا بواو محذوفة، وللأصيلي والصور بواو العطف على التماثيل، والمعنى: ومن أجل الصور
التي فيها. وفي رواية صحح عليها في الفرع بالنصب على إضمار أعني والتماثيل جمع تمثال
بمثناة فوقية فمثلثة وبينه وبين الصورة عموم وخصوص مطلق فالصورة أعمّ من التمثال. (وكان ابن
عباس) رضي الله عنهما مما وصله البغوي في الجعديات (يصلي في البيعة إلاّ بيعة فيها تماثيل) فلا
يصلي فيها، وكرهه الحسن البصري، والمعنى فيه أنها مأوى الشياطين.
٤٣٤ - هذثنا محمد قال: أخبرَنا عَبدةُ عن هشام بنِ عُروةَ عن أبيه عن عائشةَ أنَّ أُمَّ سَلَمةَ
ذَكرَتْ لرسولِ اللَّهِ وَ﴿ كنيسةً رأتها بأرضِ الحَبشةِ يُقالُ لها مارِيةُ، فذَكرَتْ لهُ ما رأت فيها منَ
الصُّوَرِ، فقالَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أُولئِك قومٌ إذا ماتَ فيهمُ العبدُ الصالحُ - أن الرجُلُ الصالحُ - بَنَوا
عَلَى قَبْرِهِ مسجدًا، وصَوَّروا فيه تلكَ الصُّورَ، أُولئِك شِرارُ الخَلْقِ عندَ اللَّهِ)).
وبه قال: (حدّثنا محمد) غير منسوب، ولابن عساكر محمد بن سلام، وعزاها في الفتح لابن
السكن وهو البيكندي (قال: أخبرنا) بالجمع وللأصيلي أخبرني (عبدة) بفتح العين وسكون الموحدة
واسمه عبد الرحمن بن سليمان (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة (عن عائشة).
(أن أُم سلمة) رضي الله عنهما (ذكرت لرسول الله * كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها
مارية) بالراء وتخفيف المثناة التحتية والرفع (فذكرت له) عليه الصلاة والسلام (ما رأت فيها) أي في
الكنيسة (من الصور، فقال رسول الله يل ر: أولئك) بكسر الكاف خطابًا بالمؤنث ويجوز فتحها (قوم إذا
مات فيهم العبد الصالح) نبيّ أو غيره (والرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوّروا فيه) أي في
المسجد (تلك الصور) ليتأنسوا بها. وفي رواية تيك بمثناة تحتية بدل اللام في تلك والكاف فيها

٩٦
کتاب الصلاة/ باب ٥٥
تكسر وتفتح، ويؤخذ منه المطابقة لما ترجم له لأن فيه إشارة إلى نهي المسلم عن أن يصلي في الكنيسة
فيتخذها بصلاته مسجدًا. (أولئك شرار الخلق عند الله) عز وجل زاد في باب: هل تنبش قبور
مشركي الجاهلية يوم القيامة وفي كاف أولئك الكسر والفتح.
٥٥ - باب
هذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة وهو كالفصل من الباب السابق وسقط لفظ باب في رواية
الأصيلي.
٤٣٥، ٤٣٦ - حدّثنا أبو اليَمانِ قال: أخبرَنا شُعَيبٌ عنِ الزُّهريّ أخبرَني عُبيدُ اللَّهِ بنُ
عبدِ اللهِ بنِ عُتبةً أنَّ عائشةَ وعبدَ اللَّهِ بنَ عبّاسٍ قالا: لما نَزَل برسولِ اللَّهِ وَ طَفِقَ يَطَرَحُ خميصةً
لهُ على وَجههِ، فإذا اغْتمَّ بها كشفَها عن وجههِ فقال : - وهوَ كذلِك ـ ((لَعنةُ اللَّهِ على اليهودِ
والنَّصارىُ اتَّخَذوا قُبورَ أنبِيائِهم مَساجدَ)) يُحَذِّرُ ما صَنَعوا. [الحديث ٤٣٥ - أطرافه في: ١٣٣٠،
١٣٩٠، ٣٤٥٣، ٤٤٤١، ٤٤٤٣، ٥٨١٥]. [الحديث ٤٣٦ - أطرافه في: ٣٤٥٤، ٤٤٤٤،
٥٨١٦ ].
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن) ابن
شهاب (الزهري قال: أخبرني) بالإفراد (عبيد الله) بالتصغير (ابن عبد الله بن عتبة أن) الصدّيقة
(عائشة وعبد الله بن عباس) رضي الله عنهم (قالا):
(لما نزل) الموت (برسول الله ( 18) حذف الفاعل للعلم به، ولأبي ذر عن الكشميهني والأصيلي
نزل بضم النون مبنيًّا للمفعول (طفق) بكسر الفاء جواب لما أي جعل (يطرح خميصة) بالنصب مفعول
يطرح أي كساء له أعلام (له على وجهه) الشريف (فإذا اغتمّ بها) بالغين المعجمة أي تسخن بالخميصة
وأخذ بنفسه من شدّة الحر (كشفها عن وجهه، فقال) عليه الصلاة والسلام (وهو كذلك) أي في حالة
الطرح والكشف (لعنة الله على اليهود والنصارى) وكأنه سئل ما سبب لعنهم، فقال: (اتخذوا قبور
أنبيائهم مساجد) وكأنه قيل للراوي ما حكمة، ذكر ذلك في ذلك الوقت؟ فقال (يحذر) أمته أن
يصنعوا بقبره مثل (ما صنعوا) أي اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم، والحكمة فيه أنه ربما يصير
بالتدريج شبيهًا بعبادة الأوثان.
فإن قلت: إن النصارى ليس لهم إلاّ نبي واحد وليس له قبر. أجيب: بأن الجمع بإزاء
المجموع من اليهود والنصارى، فإن اليهود لهم أنبياء أو المراد الأنبياء وكبار أتباعهم فاكتفى بذكر
الأنبياء، وفي مسلم ما يؤيد ذلك حيث قال في طريق جندب: كانوا يتخذون قبور أنبيائهم
وصالحيهم مساجد أو أنه كان فيهم أنبياء أيضًا لكنهم غير مرسلين كالحواريين ومريم في قول أو
الضمير راجع إلى اليهود فقط، أو المراد من أمروا بالإيمان بهم كنوح وإبراهيم.

٩٧
كتاب الصلاة/ باب ٥٦
ورواة هذا الحديث ما بين حمصي ومدني، وفيه رواية صحابي وصحابية والتحديث والأخبار
والعنعنة، وأخرجه المؤلف في اللباس والمغازي وذكر بني إسرائيل ومسلم والنسائي في الصلاة.
٤٣٧ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسْلمَ عن مالكِ عنِ ابنِ شِهابٍ عن سَعيدِ بنِ المُسيَّبِ عن أبي
هُرِيرَةً أنَّ رسولَ اللَّهِ وَهِ قال: ((قاتَلَ اللَّهُ اليهودَ اتَّخَذوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ)).
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري
(عن سعيد بن المسيب) بفتح المثناة (عن أبي هريرة) رضي الله عنه.
(أن رسول الله وَ ﴿ قال: قاتل الله اليهود) أي قتلهم الله لأن فاعل يأتي بمعنى فعل أو المعنى
أبعد الله اليهود بسبب أنهم (اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) وخصص اليهود هنا لأنهم الذين ابتدؤوا
ابتداع هذا الاتخاذ واتبعتهم النصارى فاليهود أظلم.
ورواة هذا الحديث مدنيون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ والتحديث والعنعنة، وأخرجه مسلم
في الصلاة، وأبو داود في الجنائز والنسائي في الوفاة.
٥٦ - باب قولِ النبيِّ بَّرِ ((جُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مَسجِدًا وَطَهورًا))
(باب قول النبي ◌ّلهم جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) فتجوز الصلاة على أيّ جزء كان من
أجزائها وطاء طهورًا مفتوحة.
٤٣٨ - حدثنا محمدُ بنُ سِنانٍ قال: حدَّثَنَا هُشَيمٌ قال: حدَّثَنَا سَيّارٌ - هوَ أبو الحَكَمِ - قال:
حدَّثَنا يَزِيدُ الفَقيرُ قال: حدَّثَنا جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ قال: قال رسولُ اللَّهِ وَِّ: (أُعطِيتُ خَمسًا لَمْ
يُعطَّهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأنبياءِ قبلي: نُصِرتُ بالرُّعبِ مَسيرةَ شَهِرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مَسجدًا وَطَهورًا،
وَأَيْمَا رَجُلٍ من أُمَّتِي أدرَكَتْهُ الصلاةُ فلْيُصلِّ، وَأُحِلَّتْ لَيَ الغَنائمُ، وكان النبيُّ يُبعَثُ إلى قَوْمِهِ خاصَّةً
وَبُعِثتُ إلى الناسِ كافَّةٌ، وَأُعْطِيتُ الشَّفاعةَ)).
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سنان) العوقي بفتح العين المهملة والواو بعدها قاف الباهلي البصري
(قال: حدّثنا هشيم) بضم أوّله وفتح ثانيه ابن بشير بوزن عظيم الفقيه الثبت لكنه كثير التدليس
والإرسال الخفي (قال: حدّثنا سيار) بتشديد المثناة التحتية (هو أبو الحكم) بفتحتين العنزي الواسطي
(قال: حدّثنا يزيد) بن صهيب (الفقير قال: حدّثنا جابر بن عبد الله) الأنصاري (قال):
(قال رسول الله وَل﴿ أُعطيت خمسًا) بضم الهمزة أي أعطاني الله خمس خصال (لم يعطهنّ أحد)
قال الداودي: أي لم تجتمع لأحد (من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب) يقذف في قلوب أعدائي
(مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا) أي موضع سجود قال ابن بطال: فدخل في العموم
المقابر والمرابض والكنائس ونحوها اهـ. نعم تكره الصلاة فيها للتنزيه كما مرّ (و) جعل لي ترابها
إرشاد الساري/ ج ٢/ م ٧

٩٨
كتاب الصلاة/ باب ٥٧
(طهورًا وأيما) بالواو وللأصيلي: فأيما (رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) حيث أدركته الصلاة
أو بعد أن يتيمّم، (وأحلّت لي الغنائم) ولم تحل لأحد من الأنبياء قبلي. (وكان النبي يبعث إلى قومه
خاصة وبعثت إلى الناس كافّة) أي جميعًا ونصبه على الحالية لازم له، (وأعطيت الشفاعة) العظمى أو
غيرها مما ذکر اختصاصه بها .
ورواة هذا الحديث ما بين واسطي وكوفي، والله أعلم.
٥٧ - باب نوم المرأةِ في المسجدِ
(باب نوم المرأة في المسجد) وإقامتها فيه إذا لم يكن لها مسكن غيره.
٤٣٩ - حدّثنا عُبَيْدُ بنُ إسماعيلَ قال: حدَّثَنا أبو أُسامةَ عن هِشام عن أبيهِ عن عائشةَ أنَّ
وَلِيدةً كانت سَوداءَ لِحَيٍّ منَ العَرَبِ فَأعْتَقوها فكانتْ معَهم. قالت: فخرجَتْ صَبِيَّةٌ لهم عليها وشاحٌ
أحمرُ مِن سيُورٍ. قالت: فَوَضَعَتْهُ - أو وَقَع منها - فمرَّت به حُدَيَّةٌ وهوَ مُلْقَى، فحسِبَتْهُ لحمًا
فَخَطِفَتْهُ. قالت: فالتَمسوهُ فلم يَجدوهُ. قالت فاتَّهموني به. قالت فطَفِقوليُفَتِّشونَ حقّ فَتَّشوا قُبلَها.
قالت: واللهِ إنّي لقائمةٌ مَعهم إذ مَرَّتِ الحُدَيّاهُ فألقَتْهُ، قالت: فوقَعَ بينهم، قالت فقلتُ: هذا الذي
اَّهَمْتموني به زَعَمتم، وأنا منه بريئةٌ وهُوَ ذا هو. قالتْ فجاءَتْ إلى رسولِ اللهِ وَ ه فأسْلَمتْ. قالت
عائشةُ: فكان لها خِباءٌ في المسجِدِ، أو حِفْشٌ، قالت فكانت تأتيني فتَحدَّثُ عندي. قالت فلا
تَجلِسُ عندِي مجلسًا إلاَّ قالت:
ويومَ الوٍشاحِ مِن تعاجيبٍ ربِّنا ألا إنَّه مِن بَلدةِ الكفرِ أنجاني
وبه قال: (حدّثنا عبيد بن إسماعيل) بضم العين وفتح الموحدة مصغرًا القرشي الهباري
الكوفي، وفي بعض الأصول عبد الله وهو اسمه في الأصل وعبيد لقب غلب عليه وعرف به (قال:
حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة القرشي الكوفي (عن هشام) وللأصيلي زيادة ابن عروة (عن أبيه)
عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة) رضي الله عنها.
(أن وليدة) بفتح الواو أي أمة (كانت سوداء) أي كانت امرأة كبيرة سوداء (لحيّ من العرب
فأعتقوها فكانت معهم قالت) أي الوليدة: (فخرجت صبية لهم) أي لهؤلاء الحيّ وكانت الصبية
عروسًا فدخلت مغتسلها وكان (عليها وشاح أحمر) بكسر الواو وتضم وقد تبدل همزة مكسورة (من
سيور) جمع سير وهو ما يقدّ من الجلد. وقال الجوهري: الوشاح ينسج عرضًا من أديم ويرصع
بالجواهر وتشدّه المرأة بين عاتقها وكشحها. وقال السفاقسي: خيطان من لؤلؤ يخالف بينهما وتتوشح
به المرأة، وقال الداودي: ثوب كالبرد أو نحوه (قالت) أي عائشة: (فوضعته) أي الوشاح (أو وقع
منها) شك الراوي (فمرّت به) أي بالوشاح (حدياة) بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وتشديد المثناة

٩٩
كتاب الصلاة/ باب ٥٧
التحتية والأصل حديأة بهمزة مفتوحة بعد الياء الساكنة لأنه تصغير حدأة بالهمز بوزن عنبة، لكن
أبدلت الهمزة ياء وأدغمت الياء في الياء ثم أشبعت الفتحة فصارت ألفًا، وللأربعة فمرت حدياة
بإسقاط به (وهو ملقى) أي مرمى والجملة حالية (فحسبته لحمًا) سمينًا لأنه كان من جلد أحمر وعليه
اللؤلؤ (فخطفته) بكسر الطاء المهملة لا بفتحها على اللغة الفصيحة. (قالت فالتمسوه) أي طلبوه
وسألوا عنه (فلم يجدوه. قالت: فاتهموني به) (قالت) عائشة (فطفقوا يفتشون) وللأصيلي وابن عساكر
يفتشوني (حتى فتشوا قبلها) بضم القاف والموحدة أي فرجها، وعبّر بضمير الغيبة لأنه من كلام
عائشة وإلا فمقتضى السياق أن تقول قُبلي كما عند المؤلف في أيام الجاهلية أو هو من كلام الوليدة
على طريقة الالتفات أو التجريد كأنها جردت من نفسها شخصًا وأخبرت عنه (قالت: والله إني لقائمة
معهم) زاد ثابت في دلائله فدعوت الله أن يبرئني (إذ مرت الحدياة فألقته. قالت: فوقع بينهم،
قالت: فقلت هذا الذي اتهمتموني به زعمتم) أني أخذته (وأنا منه بريئة) جملة حالية (وهو ذا هو)
حاضر، الضمير الأوّل ضمير الشأن وذا مبتدأ والإشارة إلى ما ألقته الحدياة، والضمير الثاني إلى الذي
اتهمتموني به، لكن خبر الثاني محذوف أي حاضر كما مرّ أو الأوّل مبتدأ وذا خبره، والضمير الثاني
خبر بعد خبر أو الثاني تأكيد للأوّل أو تأكيد لذا أو بيان له، أو ذا مبتدأ ثانٍ وخبره الضمير الثاني
والجملة خبر الأوّل (قالت) عائشة (فجاءت) أي المرأة (إلى رسول الله) وللأصيلي النبي (أَل
فأسلمت) (قالت عائشة) رضي الله عنها (فكانت) أي المرأة وللكشميهني فكان (لها خباء) بكسر الخاء
المعجمة وفتح الموحدة وبالمد خيمة من صوف أو وبر (في المسجد) النبوي (أو حفش) بحاء مهملة
مكسورة ثم فاء ساكنة ثم شين معجمة بيت صغير وفيه يبيت من لا مسكن له في المسجد سواء كان
رجلاً أو امرأة عند أمن الفتنة وإباحة الاستظلال فيه بالخيمة ونحوها (قالت)عائشة: (فكانت) أي
المرأة (تأتيني فتحدث عندي) أصله تتحدث بتاءين فحذفت إحداهما تخفيفًا. (قالت) عائشة (فلا تجلس
عندي مجلسًا إلاّ قالت: ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا) بالمثناة الفوقية قبل العين كذا لأبوي ذر
والوقت والأصيلي وابن عساكر جمع أعجوبة، قال الزركشي: كابن سيده لا واحد له من لفظه ومعناه
عجائب. قال الدماميني: وكذا هو في الصحاح لكن لا أدري لم لا يجعل جمعًا لتعجيب مع أنه ثابت
في اللغة يقال: عجبت فلانًا تعجيبًا إذا جعلته يتعجب وجمع المصدر باعتبار أنواعه لا يمتنع، وفي
رواية غير المذكورين من أعاجيب ربنا بالهمز بدل التاء، (إلا) بتخفيف اللام (أنه من بلدة الكفر
أنجاني) همزة إنه مكسورة والبيت من الطويل وأجزاؤه ثمانية وزنه فعولن مفاعيلن أربع مرات، لكن
دخل البيت المذكور القبض في الجزء الثاني وهو حذف الخامس الساكن (قالت عائشة) رضي الله عنها
(فقلت لها) أي للمرأة (ما شأنك لا تقعدين معي مقعدًا إلاّ قلت هذا) البيت (قالت فحدّثتني بهذا
الحديث) أي المتضمن للقصة المذكورة.

١٠٠
كتاب الصلاة/ باب ٥٨
٥٨ - باب نومِ الرِّجالِ في المسجد
وَقال أبو قِلابةً عن أنَسٍ: قَدِمَ رَهْط مِن عُكلٍ على النبيِّ وَّرَ فكانوا في الصُفَّةِ وقال
عبدُ الرحمنِ بنُ أبي بكرٍ : كان أصحابُ الصُّفَّةِ الفُقَراء.
(باب) جواز (نوم الرجال في المسجد) وفي بعض الأصول نوم الرجل بالإفراد. (وقال أبو
قلابة) بكسر القاف وتخفيف اللام عبد الله بن زيد فيما وصله المؤلف في المحاربين في قصة العرنيين
(عن أنس) وللأصيلي عن أنس بن مالك (قدم رهط) هو ما دون العشرة من الرجال (من عكل) بضم
العين المهملة وسكون الكاف قبيلة من العرب (على النبي ◌ّير فكانوا في الصفة) بضم الصاد وتشديد
الفاء موضع مظلل في أُخريات المسجد النبوي تأوي إليه المساكين (وقال عبد الرحمن بن أبي بكر)
وللأصيلي ابن أبي بكر الصديق مما وصله في حديث طويل يأتي إن شاء الله تعالى بعونه في علامات
النبوّة. قال: (كان أصحاب الصفة الفقراء) بالنصب خبر كان أو بالرفع على أنه اسمها، وأصحاب
خبر مقدم لأنهما معرفتان، وللأربعة فقراء بالتنكير وحينئذ يتعين خبريته.
٤٤٠ - حدثنا مسدَّدٌ قال: حدَّثنا يحيى عن عُبَيدِ اللَّهِ قال: حدَّثَني نافعٌ قال: أخبرني
عبدُ اللَّهِ أنه كان يَنامُ وَهوَ شابٌّ أعْزَبُ لا أهلَ له في مَسجدِ النبيِّ بَّر. [الحديث ٤٤٠ - أطرافه
في: ١١٢١، ١١٥٦، ٣٧٣٨، ٣٧٤٠، ٧٠١٥، ٧٠٢٨، ٧٠٣٠].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا يحيى) القطان (عن عبيد الله) العمري
(قال: حدثني) بالإفراد (نافع) مولى ابن عمر (قال):
(أخبرني) بالإفراد (عبد الله) بن عمر بن الخطاب (أنه كان ينام وهو شاب) جملة اسمية حالية
(أعزب) بهمزة ثم مهملة فزاي وهي لغة قليلة بل أنكرها القزاز، ولأبي ذر عزب بفتح العين والزاي
من غير همزة وهي اللغة الفصيحة، وضبطها البرماوي وابن حجر في الفتح بكسر الزاي وقال: إنه
المشهور، لكن حكى في المقدمة الفتح وكذا ضبطه الدمياطي بخطه (لا أهل له) أي لا زوجة له وهو
وإن كان مفهومًا من أعزب لكنه ذكره تأكيدًا أو هو من العام بعد الخاص فيشمل الأقارب والزوجة
(في مسجد النبي ◌ِّ) الجار والمجرور متعلق بقوله ينام.
ورواة هذا الحديث ما بين بصري ومدني، وفيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار بالإفراد
والعنعنة، وأخرجه مسلم والنسائي في الصلاة وابن ماجة.
٤٤١ - حدثنا قُتّيبةُ بنُ سَعيدٍ قال: حدَّثنا عبدُ العَزيزِ بنُ أبي حازِمٍ عن أبي حازِمٍ عن
سَهلٍ بن سَعدٍ قال: جاء رسولُ اللَّهِ وَله بيتَ فاطمةَ فلم يَجِدْ عَليًّا في البيتِ فقال: أينَ ابنُ عَمْكِ؟
قالت: كان بَيْنِي وَبَينَه شيءٌ فغاضَبَني فخرجَ فلم يَقِلْ عندي. فقال رسولُ اللّهِ وَّهِ الإنسانِ: انظُرْ