النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
کتاب التوحید/ باب ٥٢
المؤلف من إيراده هنا بيان اختلاف الأصوات بالقراءة من جهة النغم والله أعلم.
٧٥٤٧ _ هذّثنا حَجّاجُ بْنُ مِنْهالٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أبي بِشْرٍ، عَنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ
ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما قالَ: كانَ النَّبِيُّ وَ مُتَوارِيًا بِمَكَّةَ، وَكَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَإذا سَمِعَ
الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ جَاءَ بِهِ فَقالَ الله عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِّهِ نَِّ ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ
بِها﴾ [الإسراء: ١١٠].
وبه قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) الأنماطي البصري قال: (حدّثنا هشيم) بضم الهاء وفتح
المعجمة ابن بشير مصغرًا أيضًا الواسطي السلمي (عن أبي بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة
جعفر بن أبي وحشية (عن سعيد بن جبير) الوالبي مولاهم (عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه
(قال: كان النبي ◌َّ﴿ متواريا بمكة) من المشركين في أوّل بعثته وفي باب وأسروا قولكم مختفٍ
بمكة (وكان يرفع صوته) بالقراءة في الصلاة (فإذا سمع المشركون) قراءته (سبّوا القرآن ومن جاء
به فقال الله عز وجل لنبيّه وَلقه: ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾) أي بقراءة صلاتك (﴿ولا تخافت بها﴾
[الإسراء: ١١٠]) زاد في باب قوله وأسروا قولكم عن أصحابك فلا تسمعهم وابتغ بين ذلك
سبيلاً.
٧٥٤٨ - حدثنا إسماعيلُ، حَدَّثَنِي مالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أبي صَعْصَعَةً عَنْ أبيهِ، أَنَّهُ أخْبَرَهُ أنَّ أبا سَعيدٍ الْخُدرِيَّ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ لَهُ:
إنّي أراكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أوْ بادِيَتِكَ فَأَذِّنْتَ لِلصَّلاةِ فَأَرْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّداءِ
فَإِنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنِّ وَلا إِنْسٌ وَلا شَيْءٌ إلاّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ قَالَ أَبُو سَعيدٍ :
سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ .
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام ابن أنس
الأصبحي (عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه) عبد الله (أنه
أخبره أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال: له) لعبد الله بن عبد الرحمن (إني أراك تحب الغنم
و) تحب (البادية) الصحراء لأجل رعي الغنم (فإذا كنت في غنمك) في غير بادية (أو) في
(باديتك) من غير غنم أو معها وهو شك من الراوي (فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء) بالأذان
(فإنه لا يسمع مدى) بفتح الميم والدال المهملة مقصورًا ولأبي ذر عن الحموي والمستملي نداء
(صوت المؤذّن جنّ ولا إنس ولا شيء) من الحيوان والجماد بأن يخلق الله تعالى له إدراكًا (إلا شهد
له يوم القيامة. قال أبو سعيد) الخدري رضي الله عنه (سمعته من رسول الله وَ لي) أي قوله فإنه لا
يسمع إلى آخره فذكر البادية والغنم موقوف. قال في الفتح: مراد المؤلف هنا بيان اختلاف
الأصوات بالرفع والخفض. وقال في الكواكب وجه مناسبته إن رفع الأصوات بالقرآن أحق
بالشهادة له وأولى.

٥٢٢
کتاب التوحید/ باب ٥٣
وسبق الحديث في باب رفع الصوت بالنداء من كتاب الصلاة.
٧٥٤٩ - حدثنا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ
النّبِيُّ ◌َّهِ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حائِض.
وبه قال: (حدّثنا قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة وبالصاد المهملة ابن عقبة أبو عامر
السوائي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن منصور) هو ابن عبد الرحمن التيمي (عن أمه) صفية
بنت شيبة الحجبي المكي (عن عائشة) رضي الله عنها أنها (قالت: كان النبي ◌َلقر يقرأ القرآن ورأسه
في حجري) بفتح الحاء المهملة (وأنا حائض) جملة حالية والحديث مرّ في الحيض.
٥٣ - باب قَوْلِ الله تعالی:
فَأَقْرَؤُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]
(باب قول الله تعالى: ﴿فاقرؤوا ما تيسر من القرآن﴾ [المزمل: ٢٠]) وللأصيلي وأبي ذر عن
الكشميهني ما تيسر منه قيل المراد نفس القراءة أي فاقرؤوا فيما تصلون به بالليل ما خفّ عليكم.
قال السدي: مائة آية وقيل صلوا ما تيسر عليكم والصلاة تسمى قرآنًا. قال الله تعالى: ﴿وقرآن
الفجر﴾ [الإسراء: ٧٨] أي صلاة الفجر.
٧٥٥٠ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ حَدْثَنِي عُرْوَةٌ
أنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةً وَعَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ عَبْدِ الْقَارِيَّ حَدَّثاهُ أَنَّهُمَا سَمِعا عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ يَقُولُ:
سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقانِ في حَياةِ رَسُولِ اللهِوََّ فَاسْتَمَعْتُ لِقِراءَتِهِ، فَإذا هُوَ
يَقْرَأُ عَلى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِثْنِيها رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَكِدْتُ أُساوِرُهُ فِي الصَّلاةِ فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ
فَلَبِّبْتُهُ بِرِدائِهِ، فَقُلْتُ: مَنْ أقْرَأَكَ هذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ أَقْرَأَنِيها رَسُولُ اللهَِهـ
فَقُلْتُ: كَذَبْتَ أَقْرَأَنيها عَلى غَيْرِ ما قَرَأْتَ، فَأَنْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إلى رَسُولِ اللهِ وَّ فَقُلْتُ: إنّي
سَمِعْتُ هذا يَقْرَأْ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلى حُرُوفٍ لَمْ تُفْرِثنيها فَقالَ: ((أرْسِلْهُ أَقْرَأْ يا هِشامُ)) فَقَرَأ الْقِراءَةَ
الَّتِي سَمِعْتُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((كَذلِكَ أُنْزِلَتْ)) ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((آقْرَأْ يَا عُمَرُ)) فَقَرَأْتُ
الَّتي أَقْرَأْني فقالَ: ((كَذلِكَ أُنْزِلَتْ إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلى سَبْعَةٍ أحْرُفٍ فَأَقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) نسبه لجده واسم أبيه عبد الله قال: (حدثنا الليث) بن
سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه قال:
(حدّثني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (أن المسور) بكسر الميم (ابن مخرمة) بفتحها وسكون المعجمة
وفتح الراء (وعبد الرحمن بن عبد القاريّ) بتشديد الياء نسبة إلى القارة (حدّثاه أنهما سمعا عمر بن
الخطاب) رضي الله عنه (يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان) لا سورة الأحزاب

٥٢٣
كتاب التوحيد/ باب ٥٤
(في حياة رسول الله خير فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول
اللهِ وَ﴾ فكدت أساوره) بالسين المهملة آخذ برأسه (في الصلاة فتصبرت) فتكلفت الصبر (حتى
سلم فلبيته) بتشديد الموحدة الأولى وتخفف وهو الذي في اليونينية وسكون الثانية (بردائه) جمعتها
عليه عند لبته خوف أن ينفلت مني (فقلت) له: (من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ) ها
(قال) ولأبي الوقت قال (أقرأنيها رسول الله وي لهم فقلت) له (كذبت أقرأنيها) رسول الله وَليفر (على
غير ما قرأت)ها (فانطلقت به أقوده) وأجرّه بردائه (إلى رسول الله وَ ل﴿ فقلت) يا رسول الله (إني
سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها فقال):
(أرسله) بهمزة قطع وبكسر السين أطلقه ثم قال عليه الصلاة والسلام (اقرأ يا هشام) قال
عمر رضي الله عنه (فقرأ القراءة التي سمعته) يقرأ بها (فقال رسول الله وَله: كذلك) وللأصيلي
كذا (أنزلت. ثم قال رسول الله وخلفه: اقرأ يا عمر. فقرأت) القراءة (التي أقرأني) بها وَلقر (فقال:
كذلك) وللأصيلي كذا (أنزلت) ثم قال: (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف) أي لغات (فاقرؤوا
ما تيسر منه). من الأحرف المنزل بها بالنسبة إلى ما يستحضره القارىء من القراءات فالذي في آية
المزمل للكمية والذي في الحديث للكيفية قال في الفتح ومناسبة الترجمة وحديثها للأبواب السابقة
من جهة التفاوت في الكيفية ومن جهة جواز نسبة القراءة للقارىء.
وسبق الحديث في الفضائل والخصومات.
٥٤ - باب قَوْلِ الله تَعالى:
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِكْرِ فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] وَقَالَ النَّبِيُّ نَّهُ: «كُلِّ مُيَسَّرٌ لِما
خُلِقَ لَهُ)). يُقالُ مُيَسَّرْ: مُهَيَّأْ وَقَالَ مَطَرُ الْوَرّاقُ ﴿وَلَقَدْ يَسِّرْنَا الْقُرْآنَ لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ﴾ قَالَ:
هَلْ مِنْ طالِبٍ عِلْمٍ فَيُعانَ عَلَيْهِ؟.
(باب قول الله تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾) أي سهلناه للاذكار والاتعاظ (﴿فهل من
مذكر﴾ [القمر: ١٧]) متعظ يتعظ وقيل ولقد سهلناه للحفظ وأعنّا عليه مَن أراد حفظه فهل من
طالب لحفظه ليُعان عليه ويروى أن كتب أهل الأديان كالتوراة والإنجيل لا يتلوها أهلها إلا نظرًا
ولا يحفظونها ظاهرًا كالقرآن وثبت قوله: ﴿فهل من مذكر﴾ لأبي ذر والأصيلي وسقط لغيرها (وقال
النبي ◌َّلقر: كل) بالتنوين (ميسر لما خلق له) وصله هنا.
(يقال ميسر) قال المؤلف أي (مهيأ) وزاد هنا أبو ذر والوقت والأصيلي. وقال مجاهد المفسر
يسرنا القرآن بلسانك أي هوّنّا قراءته عليك وهذا وصله الفريابي، وزاد الكشميهني. (وقال مطر
الوراق) بن طهمان أبو رجاء الخراساني: (﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر﴾ قال: هل
من طالب علم فيعان عليه). وصله الفريابي.

٥٢٤
كتاب التوحيد/ باب ٥٥
٧٥٥١ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قالَ يَزِيدُ: حَدَّثَنِي مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ الله عَنْ
عِمْرَانَ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ الله فيما يَعْمَلُ الْعامِلُونَ؟ قالَ: ((كُلِّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ)).
وبه قال: (حذّثنا أبو معمر) عبد الله بن عمرو المقعد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد
التنوري (قال يزيد): من الزيادة ابن أبي يزيد واسمه سنان المشهور بالرشك الضبعي (حدثني)
بالإفراد (مطرف بن عبد الله) بن الشخير العامري (عن عمران) بن الحصين رضي الله عنه أنه
(قال: قلت: يا رسول الله فيما يعمل العاملون) سبق في كتاب القدر يا رسول الله أيعرف أهل
الجنة من أهل النار قال نعم قال فلم يعمل العاملون أي إذا سبق العلم بذلك فلا يحتاج العامل إلى
العمل لأنه سيصير إلى ما قدر له (قال):
:
(كلِّ ميسّر) بتشديد السين المفتوحة (لما خلق له) فعلى المكلف أن يدأب في الأعمال الصالحة
فإن عمله إمارة إلى ما يؤول إليه أمره غالبًا ومطابقته للترجمة ظاهرة وسبق في القدر.
٧٥٥٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالأعْمَشِ سَمِعا
سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ عَنْ أبي عَبْدِ الرَّحْمُنِ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ نَ﴿ أَنَّهُ كانَ فِي جَنَازَةٍ فَأَخَذَ عُودًا فَجَعَلَ
يَتْكُتُ فِي الأرْضِ فَقالَ: ((ما مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلاّ كُتِبَ مَفْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ، أوْ مِنَ النّارِ)). قالُوا: ألا
نَشْكِلُ؟ قالَ: ((أَعْمَلُوا فَكُلِّ مُيَسَّرٌ ﴿فَأمّا مَنْ أعْطى وَاتَّقَى﴾)) [الليل: ٥] الآيَةَ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر بالجمع (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة بندار قال:
(حدّثنا غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن منصور) هو ابن المعتمر
(والأعمش) سليمان بن مهران أنهما (سمعا سعد بن عبيدة) بسكون العين في الأول وضمها في
الثاني وفتح الموحدة أبا حمزة بالمهملة والزاي السلمي بالضم الكوفي (عن أبي عبد الرحمن)
عبد الله بن حبيب الكوفي السلمي (عن علي) أي ابن أبي طالب رضي الله عنه (عن النبي وَلقر أنه
كان في جنازة) زاد في الجنائز في بقيع الغرقد (فأخذ عودًا فجعل ينكت) بضم الكاف بعدها مثناة
فوقية يضرب به (في الأرض فقال):
(ما منكم من أحد إلا كتب) بضم الكاف أي قدّر في الأزل (مقعده من الجنة أو من النار)
من بيانية (قالوا) سبق تعيين القائل في الجنائز وفي الترمذي أنه عمر بن الخطاب (ألا نتكل) أي
نعتمد زاد في الجنائز على كتابنا وندع العمل (قال: اعملوا) صالحًا (فكلّ ميسر) أي لما خلق له ثم
قرأ وَ﴿ ﴿﴿فأما من أعطى واتقى﴾ [الليل: ٥] الآية).
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله ميسر وسبق في الجنائز.
٥٥ - باب قَوْلِ الله تَعالى:
﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجْيدٌ فِي لَوْحِ مَخْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾

٥٢٥
کتاب التوحید/ باب ٥٥
[الطور: ١] قالَ قَتَادَةُ: مَكْتُوبٌ يَسْطُرُونَ: يَخُطُونَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ جُمْلَةِ الْكِتَابِ وَأَصْلِهِ ﴿مَا يَلْفِظُ
مِنْ قَوْلٍ﴾ [ق: ٨] ما يَتَكَلَّمُ مِنْ شَيْءٍ إلاّ كُتِبَ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُكْتَبُ الْخَيْرُ وَالشّرّ
﴿يُحَرِّفُونَ﴾ [المائدة: ١٣]: يُزيلُونَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُزيلُ لَفْظَ كِتابٍ مِنْ كُتُبِ الله عَزَّ وَجَلَّ،
وَلكِنَّهُمْ يُحَرِّفُونَهُ يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرٍ تَأْوِيلِهِ ﴿دِراسَتُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٦] تِلاوَتُهُمْ ﴿وَاعِيَةٌ﴾
[الحاقة: ١٢]: حافِظَةٌ ﴿وَتَعِيها﴾ [الحاقة: ١٢]: تَحْفَظُها ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ
بِهِ﴾ [الأنعام: ١٩] يَعْني أهْلَ مَكَّةَ وَمَنْ بَلَغَ هذَا الْقُرآنُ فَهُوَ لَهُ نَذِيرٌ.
وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ بْنُ خَيّاطٍ .
(باب قول الله تعالى: ﴿بل هو قرآن مجيد﴾) أي شريف عالي الطبقة في الكتب وفي نظمه
وإعجازه فليس كما تزعمون أنه مفتري وأنه أساطير الأوّلين (﴿في لوح محفوظ﴾ [البروج: ٢٢])
من وصول الشياطين إليه. وقوله تعالى ((والطور﴾) الجبل الذي كلم الله عليه موسى وهو بمدين
(﴿وكتاب مسطور﴾ [الطور: ١]).
(قال قتادة) فيما وصله المؤلف في كتاب خلق أفعال العباد أي (مكتوب بسطرون) أي
(يخطون) رواه عبد بن حميد من طريق شيبان عن قتادة (في أم الكتاب جملة الكتاب وأصله) كذا
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة (﴿ما يلفظ من قول﴾ [ق: ٨]) أي (ما يتكلم
من شيء إلا كتب عليه) وصله ابن أبي حاتم من طريق شعيب بن إسحاق عن سعيد بن أبي
عروبة عن قتادة عن الحسن ومن طريق زائدة بن قدامة عن الأعمش عن مجمع قال الملك مداده
ريقه وقلمه لسانه.
(وقال ابن عباس) رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿ما يلفظ من قول﴾ (يكتب الخير
والشر) وقوله: (﴿يحرفون﴾) في قوله تعالى: ﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ [المائدة: ١٣] أي
(يزيلون وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله عز وجل، ولكنهم يحرفونه يتأوّلونه على غير
تأويله). يحتمل أن يكون هذا من كلام المؤلف ذيّل به على تفسير ابن عباس، وأن يكون من بقية
كلام ابن عباس في تفسير الآية. وقد صرح كثير بأن اليهود والنصارى بدلوا ألفاظًا كثيرة من
التوراة والإنجيل وأتوا بغيرها من قبل أنفسهم، وحرّفوا أيضًا كثيرًا من المعاني بتأويلها على غير
الوجه ومنهم من قال: إنهم بدلوهما كلهما، ومن ثم قيل بامتهانهما وفيه نظر إذ الآيات والأخبار
كثيرة في أنه بقي منهما أشياء كثيرة لم تبدل منها آية الذين يتبعون الرسول النبي الأمي وقصة رجم
اليهوديين، وقيل التبديل وقع في اليسير منهما، وقيل وقع في المعاني لا في الألفاظ وهو الذي
ذكره هنا وفيه نظر فقد وجد في الكتابين ما لا يجوز أن يكون بهذه الألفاظ من عند الله أصلاً،
وقد نقل بعضهم الإجماع على أنه لا يجوز الاشتغال بالتوراة والإنجيل ولا كتابتهما ولا نظرهما
وعند أحمد والبزار، واللفظ له من حديث جابر قال: نسخ عمر كتابًا من التوراة بالعربية فجاء به

٥٢٦
کتاب التوحید/ باب ٥٥
إلى النبي ◌َّهو فجعل يقرأ ووجه النبي وَلهل يتغير فقال له رجل من الأنصار: ويحك يا ابن الخطاب
ألا ترى وجه رسول الله* فقال رسول الله وَ له: ((لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن
يهدوكم وقد ضلوا وإنكم إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل والله لو كان موسى بين أظهركم
ما حل له إلا اتباعي)).
وروي في ذلك أحاديث أَخَر كلها ضعيفة لكن مجموعها يقتضي أن لها أصلاً. قال الحافظ
ابن حجر في الفتح: ومنه لخصت ما ذكرته، والذي يظهر أن كراهة ذلك للتنزيه لا للتحريم
والأولى في هذه المسألة التفرقة بين من لم يتمكن ويصر من الراسخين في الإيمان فلا يجوز له النظر
في شيء من ذلك بخلاف الراسخ فيه، ولا سيما عند الاحتياج إلى الرد على المخالف ويدل له
نقل الأئمة قديمًا وحديثًا من التوراة وإلزامهم التصديق بمحمد يطير بما يستخرجونه من كتابهم،
وإما الاستدلال للتحريم بما ورد من غضبه عليه الصلاة والسلام فمردود بأنه قد يغضب من فعل
المكروه ومن فعل ما هو خلاف الأولى إذا صدر ممن لا يليق به ذلك كغضبه من تطويل معاذ
الصلاة بالقراءة اهـ.
وقوله: (﴿دراستهم﴾) في قوله تعالى: ﴿وإن كنا عن دراستهم الغافلين﴾ [الأنعام: ١٥٦]
هي (تلاوتهم) وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس. وقوله (﴿واعية﴾) من
قوله تعالى: ﴿وتعيها أذن واعية﴾ [الحاقة: ١٢] أي (حافظة ﴿وتعيها﴾) أي (تحفظها) وصله ابن
أبي حاتم عن ابن عباس أيضًا. وقوله تعالى: ((وأوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به﴾
[الأنعام: ١٩]) قال ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم أيضًا. (يعني أهل مكة ومن بلغ هذا
القرآن فهو له نذير) وصله ابن أبي حاتم عن ابن عباس أيضًا قال البخاري: (وقال لي خليفة بن
خياط) أي في المذاكرة.
٧٥٥٣ - حدّثنا مُعْتَمِرْ سَمِعْتُ أبي عَنْ قَتَادَةً عَنْ أبي رافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ النَّبِيِّ ◌ََِّ
قالَ: ((لَمَّا قَضَى الله الْخَلْقَ كَتَبَ كِتَابًا عِنْدَهُ غَلَبَتْ - أوْ قالَ - سَبَّقَتْ رَحْمَتي غَضَبِي فَهُوَ عِنْدَهُ
فَوْقَ الْعَرْشِ».
(وحذّثنا معتمر) قال: (سمعت أبي) سليمان بن طرخان (عن قتادة عن أبي رافع) نفيع
الصائغ البصري (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن النبي وَيقر قال):
(لما قضى الله الخلق) أي أتمه (كتب كتابًا عنده) والعندية المكانية مستحيلة في حقه تعالى
فتحمل على ما يليق به أو تفوّض إليه ولأبي ذر عن الكشميهني لما خلق الله الخلق كتب كتابًا عنده
(غلبت أو قال سبقت رحمتي غضبي فهو عنده فوق العرش).
واستشكل بأن صفات الله قديمة والقدم عدم المسبوقية فكيف يتصور السبق؟ وأجيب: بأنهما
من صفات الأفعال أو المراد سبق تعلق الرحمة وذلك لأن إيصال العقوبة بعد عصيان العبد بخلاف

٥٢٧
کتاب التوحید/ باب ٥٦
إيصال الخير فإنه من مقتضيات صفاته. قال المهلب: وما ذكر من سبق رحمته غضبه فظاهر لأن من
غضب عليه من خلقه لم يخيبه في الدنيا من رحمته. وقال غيره إن رحمته لا تنقطع عن أهل النار
المخلدين من الكفار إذ في قدرته تعالى أن يخلق لهم عذابًا يكون عذاب النار يومئذٍ لأهلها رحمة
وتخفيفًا بالإضافة إلى ذلك العذاب.
٧٥٥٤ - هذّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أبي غالِبٍ، حَدِّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعيلَ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ سَمِعْتُ
أبي يَقُولُ: حَدَّثَنَا قَتادَةُ أنَّ أبا رافِعٍ حَدَّثَهُ أنَّهُ سَمِعَ أبا هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ
اللهِ وَلّهِ يَقُولُ: ((إنَّ اللهَ كَتَبَ كِتَابًاَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ، إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي فَهُوَ مَكْتُوبٌ
عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ)).
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: بالجمع (محمد بن أبي غالب) بالغين المعجمة وكسر
اللام أبو عبد الله القومسي بالقاف والميم والسين المهملة نزل بغداد ويقال له الطيالسي: وكان
حافظًا من أقران البخاري قال: (حدّثنا محمد بن إسماعيل) البصري ويقال له ابن أبي سمينة بالسين
المهملة وبالنون بوزن عظيمة ولم يتقدم له في البخاري ذكر قال: (حدّثنا معتمر) قال: (سمعت
أبي) سليمان بن طرخان التيمي (يقول: حدّثنا قتادة) بن دعامة (أن أبا رافع) نفيعًا الصائغ المدني
(حدّثه أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله والله يقول):
(إن الله) عز وجل (كتب كتابًا) إما حقيقة عن كتابة اللوح المحفوظ أي خلق صورته فيه أو
أمر بالكتابة (قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت غضبي فهو مكتوب عنده فوق العرش).
وفي الحديث السابق لما قضى الله الخلق كتب ففيه أن الكتابة بعد الخلق وقال هنا قبل أن
يخلق الخلق فالمراد من الأوّل: تعلق الخلق وهو حادث فجاز أن يكون بعده، وأما الثاني: فالمراد
منه نفس الحكم وهو أزلّ فبالضرورة يكون قبله والحديث سبق مرارًا والله الموفق والمعين.
٥٦ - باب قَوْلِ الله تعالی:
﴿وَالله خَلَقَكُمْ وَما تَعَمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]
وَيُقالُ لِلْمُصَوِّرِينَ: أخْيُوا ما خَلَقْتُمْ ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمُواتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أيَّامٍ ثُمَّ
اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَدِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَّرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا
لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ الله رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: بَيِّنَ الله الْخَلْقَ مِنَ
الأمْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ﴾ وَسَمَّى النَّبِيِّ نَّهِ الإيمانَ عَمَلاً قَالَ أَبُو ذَرُّ: وَأَبُو
هُرَيْرَةَ سُئِلَ النَّبِيُّ وََّ أَيُّ الأعْمالِ أَفْضَلُ؟ قالَ: إيمانٌ بِالله وَجِهادٌ فِي سَبيلِهِ، وَقالَ: ﴿جَزاءٌ بِما
كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤] وَقَالَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ لِلنَّبِيِّ وَّهِ مُرْنا بِجُمَلٍ مِنَ الأمْرِ إِنْ عَمِلْنا
بِها دَخَلْنَا الْجَنَّةَ، فَأَمَرَّهُمْ بِالإِيمانِ وَالشَّهادَةِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإيتاءِ الزَّكَاةِ فَجَعَلَ ذلِكَ كُلَّهُ عَمَلاً.

٥٢٨
كتاب التوحيد/ باب ٥٦
(باب قول الله تعالى ﴿والله خلقكم﴾) أي أتعبدون من الأصنام ما تنحتونها وتعملونها
بأيديكم والله خلقكم (﴿وما تعملون﴾ [الصافات: ٩٦]) أي وخلق عملكم وهو التصوير والنحت
كعمل الصائغ السوار أي صاغه فجوهرها بخلق الله وتصوير أشكالها وإن كان من عملهم فبخلقه
تعالى أقدارهم على ذلك، وحينئذٍ فما مصدرية على ما اختاره سيبويه لاستغنائها عن الحذف
والإضمار منصوبة المحل عطفًا على الكاف والميم في خلقكم، وقيل: هي موصولة بمعنى الذي
على حذف الضمير منصوبة المحل عطفًا على الكاف والميم من خلقكم أيضًا أي أتعبدون الذي
تنحتون والله خلقكم وخلق الذي تعملونه بالنحت، ويرجح كونها بمعنى الذي ما قبلها وهو قوله
تعالى: ﴿أتعبدون ما تنحتون﴾ [الصافات: ٩٥] توبيخًا لهم على عبادة ما عملوه بأيديهم من
الأصنام لأن كلمة ما عامة تتناول ما يعملونه من الأوضاع والحركات والمعاصي والطاعات وغير
ذلك، فإن المراد بأفعال العباد المختلف في كونها بخلق العبد أو بخلق الرب عز وجل هو ما يقع
بكسب العبد ويسند إليه مثل الصوم والصلاة والأكل والشرب والقيام والقعود ونحو ذلك، وقيل
إنها استفهامية منصوبة المحل بقوله تعملون استفهام توبيخ وتحقير لشأنها وقيل نكرة موصوفة
حكمها حكم الموصوف، وقيل نافية أي إن العمل في الحقيقة ليس لكم فأنتم لا تعملون ذلك
لكن الله هو خالقه، والذي ذهب إليه أكثر أهل السُّنّة أنها مصدرية.
وقال المعتزلة: إنها موصولة محاولة لمعتقدهم الفاسد وقالوا التقدير أتعبدون حجارة تنحتونها
والله خلقكم وخلق تلك الحجارة التي تعملونها. قال السهيلي في نتائج الفكر: ولا يصح ذلك من
جهة النحو إذ ما لا يصح أن تكون مع الفعل الخاص إلا مصدرية فعلى هذا فالآية ترد مذهبهم
وتفسد قولهم والنظم على قول أهل السُّنّة أبدع.
فإن قيل: قد تقول عملت الصحفة وصنعت الجفنة وكذا يصح عملت الصنم قلنا: لا يتعلق
ذلك إلا بالصورة التي هي التركيب والتأليف وهي الفعل الذي هو الإحداث دون الجواهر بالاتفاق
ولأن الآية وردت في إثبات استحقاق الخالق العبادة لانفراده بالخلق وإقامة الحجة على من يعبد ما
لا يخلق وهم يخلقون. فقال: أتعبدون ما لا يخلق وتدعون عبادة من خلقكم وخلق أعمالكم التي
تعملون، ولو كان كما زعموا لما قامت الحجة من هذا الكلام لأنه لو جعلهم خالقين لأعمالهم
وهو خالق الأجناس لشركهم معه في الخلق تعالى الله عن إفكهم.
وقال البيهقي في كتاب الاعتقاد قال الله تعالى: ﴿ذلكم الله ربكم خالق كل شيء﴾
[غافر: ٦٢] فدخل فيه الأعيان والأفعال من الخير والشر وقال تعالى: ﴿أم جعلوا لله شركاء
خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار﴾ [الرعد: ١٦] فنفى
أن يكون خالق غيره ونفى أن يكون شيء سواه غير مخلوق، فلو كانت الأفعال غير مخلوقة له لكان
خالق بعض شيء وهو بخلاف الآية ومن المعلوم أن الأفعال أكثر من الأعيان فلو كان الله خالق
الأعيان والناس خالقي الأفعال لكان مخلوقات الناس أكثر من مخلوقات الله تعالى الله عن ذلك.

٥٢٩
كتاب التوحيد/ باب ٥٦
وقال الشمس الأصفهاني في تفسير قوله: ﴿وما تعملون﴾ أي عملكم وفيه دليل على أن
أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وأنها مكتسبة للعباد حيث أثبت لهم عملاً فأبطلت هذه الآية مذهب
القدرية والجبرية معًا، وقد رجح بعض العلماء كونها مصدرية لأنهم لم يعبدوا الأصنام إلا لعملهم
لا لجزم الصنم وإلا لكانوا يعبدونه قبل النحت فكأنهم عبدوا العمل فأنكر عليهم عبادة المنحوت
الذي لم ينفك عن عمل المخلوق.
وقال الشيخ تقي الدين بن تيمية سلمنا أنها موصولة لكن لا نسلم أن للمعتزلة فيها حجة
لأن قوله تعالى: ﴿والله خلقكم﴾ يدخل فيه ذاتهم وصفاتهم، وعلى هذا إذا كان خلقكم وخلق
الذي تعملونه إن كان المراد خلقه لها قبل النحت لزم أن يكون المعمول غير المخلوق وهو باطل،
فثبت أن المراد خلقه لها قبل النحت وبعده وأن الله خلقها بما فيها من التصوير والنحت فثبت أنه
خالق ما تولد من فعلهم، ففي الآية دليل على أن الله تعالى خلق أفعالهم القائمة بهم وخلق ما
تولد عنها .
وقال الحافظ عماد الدين بن كثير كلِّ من قولي المصدر والموصول متلازم والأظهر ترجيح
المصدرية لما رواه البخاري فى كتاب خلق أفعال العباد من حديث حذيفة مرفوعًا: إن الله يصنع
كل صانع وصنعته وأقوال الأئمة في هذه المسألة كثيرة، والحاصل أن العمل يكون مسند إلى العبد
من حيث إن له قدرة عليه وهو المسمى بالكسب ومسندًا إلى الله تعالى من حيث إن وجودهُ بتأثيره
فله جهتان بإحداهما ينفي الجبر وبالأخرى ينفي القدر وإسناده إلى الله حقيقة وإلى العبد عادة وهي
صفة يترتب عليها الأمر والنهي والفعل والترك فكل ما أسند من أفعال العباد إلى الله تعالى فهو
بالنظر إلى تأثير القدرة ويقال له الخلق وما أسند إلى العبد إنما يحصل بتقدير الله تعالى، ويقال له
الكسب وعليه يقع المدح والذم كما يذم المشوّه الوجه ويحمد الجميل الصورة، وأما الثواب أو
العقاب فهو علامة والعبد إنما هو ملك لله يفعل فيه ما يشاء والله أعلم.
وقوله تعالى: (﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [القمر: ٤٩]) مقدرًا مرتبًا على مقتضى الحكمة
أو مقدرًا مكتوبًا في اللوح المحفوظ معلوما قبل كونه قد علمنا حاله وزمانه وكل شيء منصوب
على الاشتغال وقرأ أبو السمال بالرفع ورجح الناس النصب بل أوجبه ابن الحاجب حذرًا من لبس
المفسر بالصفة لأن الرفع يوهم ما لا يجوز على قواعد أهل السُّنّة وذلك لأنه إذا رفع كان مبتدأ
وخلقناه صفة لكل أو لشيء وبقدر خبره، وحينئذٍ يكون له مفهوم لا يخفى على متأمله فيلزم أن
يكون الشيء الذي ليس مخلوقًا لله تعالى لا بقدر وقال أبو البقاء وإنما كان النصب أولى لدلالته على
عموم الخلق والرفع لا يدل على عمومه بل يفيد أن كل شيء مخلوق فهو بقدر اهـ.
وإنما دل النصب في كل على العموم لأن التقدير إنّا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر، فخلقناه
تأكيد وتفسير لخلقناه المضمر الناصب لكل وإذا حذفته، وأظهرت الأول صار التقدير إنّا خلقنا كل
شيء بقدر فخلقناه تأكيد وتفسير لخلقنا المضمر الناصب لكل شيء فهذا لفظ عام يعم جميع
إرشاد الساري/ ج ١٥/ م ٣٤

٥٣٠
كتاب التوحيد/ باب ٥٦
المخلوقات ولا يجوز أن يكون خلقناه صفة لشيء لأن الصفة والصلة لا يعملان فيما قبل الموصوف
ولا الموصول ولا يكونان تفسيرًا لما يعمل فيما قبلهما، فإذا لم يبق خلقناه صفة لم يبق إلا أنه تأكيد
وتفسير للمضمر الناصب وذلك يدل على العموم، وقد نازع الرضى ابن الحاجب في قوله السابق
فقال المعنى في الآية لا يتفاوت بجعل الفعل خبرًا أو صفة وذلك لأن مراد الله تعالى بكل شيء
كل مخلوق نصبت كل أو رفعته سواء جعلت خلقناه صفة كل مع الرفع أو خبرًا عنه وذلك أن
قوله خلقنا كل شيء بقدر لا يريد به خلقنا كل ما يقع عليه اسم شيء لأنه تعالى لم يخلق الممكنات
غير المتناهية ويقع على كل واحد منها اسم شيء فكل شيء في هذه الآية ليس كما في قوله تعالى
والله على كل شيء قدير لأن معناه أنه قادر على كل ممكن غير متناهٍ فإذا تقرر هذا قلنا إن معنى
كل شيء خلقناه بقدر على أن خلقناه هو الخبر كل مخلوق مخلوق بقدر وعلى أن خلقناه صفة كل
شيء مخلوق كائن بقدر والمعنيان واحد إذ لفظ كل شيء في الآية مختص بالمخلوقات سواء كان
خلقناه صفة له أو خبرًا وليس مع التقدير الأول أعم منه مع التقدير الثاني كما في مثالنا.
(ويقال) بضم أوله (للمصورين) يوم القيامة ولأبي ذر عن الكشميهني: ويقول أي الله أو
الملك بأمره تعالى (أحيوا) بفتح الهمزة (ما خلقتم) أسند الخلق إليهم على سبيل الاستهزاء والتعجيز
والتشبيه في الصورة فقط وقال ابن بطال إنما نسب خلقها إليهم تقريعًا لهم لمضاهاتهم الله تعالى في
خلقه فبكّتهم بأن قال إذ شابهتم بما صوّرتم مخلوقات الله تعالى فأحيوها كما أحيا هو جل وعلا ما
خلق.
وقال في الكواكب: أسند الخلق إليهم صريحًا وهو خلاف الترجمة لكن المراد كسبهم فأطلق
لفظ الخلق عليه استهزاء أو ضمن خلقتم معنى صوّرتم تشبيهًا بالخلق أو أطلق بناءً على زعمهم فيه.
(﴿إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام﴾) أي في ستة أوقات أو مقدار
ستة أيام فإن المتعارف زمان طلوع الشمس إلى غروبها ولم يكن حينئذٍ وفي خلق الأشياء تدريجيًا مع
القدرة على إيجادها دفعة دليل على الاختيار واعتبار للنظار وحث على التأني في الأمور (﴿ثم
استوى على العرش﴾) الاستواء افتعال من السواء والسواء يكون بمعنى العدل والوسط وبمعنى
الإقبال كما نقله الهروي عن الفراء وتبعه ابن عرفة بمعنى الاستيلاء، وأنكره ابن الأعرابي. وقال
العرب: لا تقول استولى إلا لمن له مضادّ وفيما قاله نظر فإن الاستيلاء من الولاء وهو القرب أو
من الولاية وكلاهما لا يفتقر في إطلاقه لمضاد، وبمعنى اعتدل وبمعنى علا وإذا علم هذا فينزل
على ذلك الاستواء الثابت للباري تعالى على الوجه اللائق به وقد ثبت عن الإمام مالك أنه سئل
كيف استوى؟ فقال: كيف غير معقول والاستواء غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه
بدعة فقوله: كيف غير معقول أي كيف من صفات الحوادث وكل ما كان من صفات الحوادث
فإثباته في صفات الله تعالى ينافي ما يقتضيه العقل فيجزم بنفيه عن الله تعالى وقوله والاستواء غير
مجهول أي أنه معلوم المعنى عند أهل اللغة والإيمان به على الوجه اللائق به تعالى واجب لأنه من

٥٣١
كتاب التوحيد/ باب ٥٦
الإيمان بالله تعالى، وكتبه والسؤال عنه بدعة أي حادث لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا عالمين
بمعناه اللائق بحسب اللغة فلم يحتاجوا للسؤال عنه فلما جاء من لم يحط بأوضاع لغتهم ولا له نور
كنورهم يهديه لنور صفات الباري تعالى شرع يسأل عن ذلك فكان سؤاله سببًا لاشتباهه على الناس
وزيغهم على العلماء حينئذٍ أن يهملوا البيان وقد مر أن استوى افتعل وأصله العدل، وحقيقة
الاستواء المنسوب إلى الله تعالى في كتابه بمعنى اعتدل أي قام بالعدل وأصله من قوله شهد الله أنه
لا إله إلا هو إلى قوله قائما بالقسط والعدل وهو استواؤه ويرجع معناه إلى أنه أعطى بعزته كل
شيء خلقه موزونًا بحكمته البالغة في التعريف لخلقه بوحدانيته ولذلك قرنه بقوله لا إله إلا هو
العزيز الحكيم والاستواء المذكور في القرآن استواءان سماويّ وعرشيّ فالأول معدّى بإلى قال
تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ [البقرة: ٢٩] والثاني بعلى لأنه تعالى قام بالقسط متعرفًا بوحدانيته
في عالمين عالم الخلق وعالم الأمر وهو عالم التدبير فكان استواؤه على العرش للتدبير بعد انتهاء عالم
الخلق وبهذا يفهم سر تعدية الاستواء العرشي بعلى لأن التدبير للأمر لا بد فيه من استعلاء
واستيلاء والعرش جسم كسائر الأجسام سمي به لارتفاعه أو للتشبيه بسرير الملك فإن الأمور
والتدابير تنزل منه (﴿يغشي الليل النهار﴾) يغطيه ولم يذكر عكسه للعلم به (﴿يطلبه حثيثًا﴾) يعقبه
سريعًا كالطالب له لا يفصل بينهما شيء والحثيث فعيل من الحث وهو صفة مصدر محذوف أو
حال من الفاعل بمعنى حاًّا أو المفعول بمعنى محثوثًا (﴿والشمس والقمر والنجوم مسخرات
بأمره﴾) بقضائه وتصريفه ونصبها بالعطف على السموات ونصب مسخرات على الحال (﴿ألا له
الخلق والأمر﴾) فإنه الموجد والمتصرف (﴿تبارك الله رب العالمين﴾ [الأعراف: ٥٤]) تعالى
بالوحدانية في الألوهية وتعظم بالتفرد في الربوبية وسقط لأبي ذر قوله: ﴿في ستة أيام﴾ إلى آخر
الآية. وقال بعد قوله والأرض إلى تبارك الله رب العالمين.
(قال ابن عيينة) سفيان فيما وصله ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية (بين الله الخلق
من الأمر) أي فرق بينهما (بقوله تعالى) في الآية السابقة ((ألا له الخلق والأمر﴾) حيث عطف
أحدهما على الآخر فالخلق هو المخلوقات والأمر هو الكلام فالأوّل حادث والثاني قديم وفيه أن لا
خلق لغيره تعالى حيث حصر على ذاته تعالى بتقديم الخبر على المبتدأ (وسمى النبي صل و الإيمان
عملاً. قال أبو ذر الغفاري رضي الله عنه فيما وصله المؤلف في العتق (وأبو هريرة) رضي الله
عنه فيما وصله في الإيمان والحج (سئل النبي ◌َّي أيّ الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله وجهاد في
سبيله. وقال) تعالى: (﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾ [الأحقاف: ١٤]) من الإيمان وغيره من
الطاعات فسمي الإيمان عملاً حيث أدخله في جملة الأعمال (وقال وفد عبد القيس) ربيعة
(للنبي وَّ﴾﴾ فيما وصله المؤلف بعد (مرنا بجمل) أمور كلية مجملة (من الأمر إن عملنا بها دخلنا
الجنة فأمرهم بالإيمان) أي بتصديق الشارع عليه الصلاة والسلام فيما علم مجيئه به ضرورة
(والشهادة) بالوحدانية الله تعالى (وإقام الصلاة) المفروضة (وإيتاء الزكاة) المكتوبة (فجعل) وَط ◌َر (ذلك
كله) ومن جملته الإيمان (عملاً).

٥٣٢
کتاب التوحید/ باب ٥٦
٧٥٥٥ _ حدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الْوَهَابِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَابِ، حَدْثَنا أيُّوبُ عَنْ أبي قِلابَةً
وَالْقَاسِمِ التَّميميِّ، عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ هذَا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ وَبَيْنَ الأَشْعَرِيِّينَ وُدِّ وَإخاءٌ فَكُنّا
عِنْدَ أبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ فَقُرَّبَ إِلَيْهِ الطّعامُ فيهِ لَحْمُ دَجاجٍ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ الله كَأنَّهُ مِنَ
الْمَوالِي فَدَعَاهُ إِلَيْهِ فَقالَ: إِنِّي رَأيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ، فَحَلَفْتُ لا آَكُلُهُ فَقَالَ: هَلُمَّ فَلأُحَدْتُكَ عَنْ
ذاكَ إِنّي أَتَيْتُ النَّبِيِّ وَّهِ فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِينَ نَسْتَحْمِلُهُ قالَ: وَالله لا أحْمِلُكُمْ وَما عِنْدِي ما
أحْمِلُكُمْ فَأَتِيَ النَّبِيِّ وَّهِ بِنَهْبِ إِلٍ فَسَأَلَ عَنّا فَقالَ: أَيْنَ النَّفَرُ الأشْعَرِيُّونَ؟ فَأَمَرَ لَنا بِخَمْسٍ ذَوْدٍ غُرٌ
الذُّرى ثُمَّ أَنْطَلَقْنَا قُلْنا: ما صَنَعْنَا حَلَفَ رَسُولُ اللهِوَّهِ لا يَحْمِلُنا وَمَا عِنْدَهُ ما يَحْمِلُنا، ثُمَّ حَمَلَنا
تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَمِينَهُ وَالله لا نُفْلِحُ أَبَدًا، فَرَجَعْنا إِلَيْهِ فَقُلْنا لَهُ: فَقالَ: ((لَسْتُ أَنَّا أَحْمِلُكُمْ
وَلكِنَّ اللَّه حَمَلَكُمْ، إنّي وَالله لا أخْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأَرِى غَيْرَها خَيْرًا مِنْها إلاّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ
وَتَحَلَّلْتُها)).
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن الوهاب) الحجبي قال: (حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد
الثقفي قال: (حدّثنا أيوب) بن أبي تميمة أبو بكر السختياني الإمام (عن أبي قلابة) بكسر القاف
عبد الله بن زيد الجرمي (والقاسم) بن عاصم (التميمي) وقيل الكلبي وقيل الليثي كلاهما (عن
زهدم) بفتح الزاي وبالدال المهملة بينهما هاء ساكنة ابن مضرب بالضاد المعجمة المفتوحة والراء
المشددة المكسورة من التضريب أنه (قال: كان بين هذا الحي من جرم) بفتح الجيم وسكون الراء
(وبين الأشعريين) جمع أشعري نسبة إلى أشعر أبي قبيلة من اليمن (ود) بضم الواو وتشديد الدال
محبة (وإخاء) بكسر الهمزة وتخفيف الخاء المعجمة ممدودًا مؤاخاة (فكنا عند أبي موسى) عبد الله بن
قيس (الأشعري) رضي الله عنه (فقرّب إليه الطعام) بضم القاف مبنيًّا للمفعول والطعام معرّف
وللأصيلي طعام كذا رأيته في أصل معتمد وهو الذي في اليونينية والذي في الفرع بالتنكير فقط
غير معزوّ (فيه لحم دجاج) مثلث الدال يقع على الذكر والأنثى (وعنده) وعند أبي موسى (رجل من
بني تيم الله) بفتح الفوقية وسكون التحتية قبيلة من قضاعة (كأنه) وللأصيلي مما ليس في الفرع كان
(من الموالي فدعاه) أبو موسى (إليه) أي إلى لحم الدجاج (فقال) الرجل (إني رأيته يأكل شيئًا) من
النجاسة وثبت شيئًا للكشميهني وسقط لغيره (فقذرته) بكسر الذال المعجمة أي فكرهته (فحلفت لا
آكله). وللكشميهني أن لا آكله واختلف في الجلالة فقال مالك لا بأس بأكل الجلالة من الدجاج
وغيره إنما جاء النهي عنها للتقذر، ولأبي داود والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي
نهى رسول الله وَّه يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن الجلالة إذا تغير لحمها بأكل النجاسة،
وصحح النووي أنه إذا ظهر تغير لحم الجلالة من نعم أو دجاج بالرائحة والنتن في عرقها وغيره
كره أكلها، وذهب جماعة من الشافعية وهو قول الحنابلة إلى أن النهي للتحريم وهو الذي صححه
الشيخ أبو إسحاق المروزي وإمام الحرمين والبغوي والغزالي ولم يسم الرجل المذكور في الحديث.
وفي سياق الترمذي أنه زهدم وكذا عند أبي عوانة في صحيحه، ويحتمل أن يكون كلٍّ من زهدم

٥٣٣
كتاب التوحيد/ باب ٥٦
والآخر امتنعا من الأكل (فقال) أبو موسى له (هلم) تعال (فلأحدثك عن ذاك) أي فوالله لأحدّثك
أي عن الطريق في حل اليمين وفي أصل اليونينية فلأحدّثك بسكون اللام والمثلثة ولأبي ذر عن
الحموي والمستملي: فلأحدّثنّك بنون التأكيد عن ذلك باللام قبل الكاف (إني أتيت النبي بَّر في
نفر من الأشعريين) ما بين الثلاثة إلى العشرة من الرجال (نستحمله) نطلب منه أن يحملنا ويحمل
أثقالنا في غزوة تبوك على شيء من الإبل (قال) صلوات الله وسلامه عليه:
(والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم) أي عليه (فأتي النبي) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (وَيه
بنهب إيل) من غنيمة (فسأل عنا فقال: أين النفر الأشعريون) فأتينا (فأمر لنا بخمس ذود) بفتح
الذال المعجمة وسكون الواو بعدها دال مهملة وهو من الإبل ما بين الثنيتين إلى التسعة وقيل ما
بين الثلاثة إلى العشرة واللفظة مؤنثة لا واحد لها من لفظها كالنعم. وقال أبو عبيد: الذود من
الإناث دون الذكور وفي غزوة تبوك ستة أبعرة وفي الأيمان والنذور بثلاثة ذود ولا تنافي في ذلك
لأن ذكر عدد لا ينافي غيره وقوله خمس بالتنوين وفي رواية بغير تنوين على الإضافة واستنكره أبو
البقاء في غريبه، وقال: والصواب تنوين خمس وأن يكون ذود بدلاً من خمس فإنه لو كان بغير
تنوين لتغير المعنى لأن العدد المضاف غير المضاف إليه فيلزم أن يكون خمس خمسة عشر بعيرًا لأن
الإبل الذود ثلاثة، وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: ما أدري كيف حكم بفساد المعنى إذا كان العدد
كذا وليكن عدد الإبل خمسة عشر بعيرًا فما الذي يضر، وقد ثبت في بعض طرقه خذ هذين
القرينين وهذين القرينين إلى أن عدست مرات، والذي قاله إنما يتم أن لو جاءت رواية صريحة أنه
لم يعطهم سوى خمسة أبعرة (غزّ الذرى) بضم الغين المعجمة وتشديد الراء والذرى بالذال المعجمة
المضمومة وفتح الراء ذروة وهي أعلى كل شيء أي ذوي الأسنمة البيض من سمنهن وكثرة
شحومهن.
(ثم انطلقنا قلنا ما صنعنا) بسكون العين (حلف رسول الله ويالقر لا يحملنا) ولأبي ذر أن لا
يحملنا (وما عنده ما يحملنا ثم حملنا) بفتح اللام في الأخير (تغفلنا رسول الله ( # يمينه) بسكون
اللام أي طلبنا غفلته وكنا سبب ذهوله عما وقع (والله لا نفلح أبدًا فرجعنا إليه) صلوات الله
وسلامه عليه (فقلنا له) ذلك (فقال: لست أنا أحملكم ولكن الله حملكم) حقيقة لأنه خالق أفعال
العباد .
وهذا مناسب لما ترجم به. وقال ابن المنير: الذي يظهر أن النبي بَّر حلف لا يحملهم فلما
حملهم راجعوه في يمينه فقال: ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم فبيّن أن يمينه إنما انعقدت فيما
يملك فلو حملهم على ما يملك لحنث وكفر ولكنه حملهم على ما لا يملك ملكًا خاصًّا وهو مال
الله وبهذا لا يكون قد حنث في يمينه هذا مع قصده عليه الصلاة والسلام في الأوّل أنه لا يحملهم
على ما لا يملك بقرض يتكلفه ونحو ذلك. وأما قوله و لتر عقب ذلك لا أحلف على يمين الخ
فتأسيس قاعدة مبتدأة كأنه يقول ولو كنت حلفت ثم رأيت ترك ما حلفت عليه خيرًا منه لأحنثت

٥٣٤
کتاب التوحید/ باب ٥٦
نفسي وكفّرت عن يميني قال وهم إنما سألوه ظنًّا أنه يملك حملانًا فحلف لا يحملهم على شيء
یملکه لكونه كان حينئذٍ لا يملك شيئًا من ذلك اهـ.
ووجه البدر الدماميني في مصابيحه بأن مكارم أخلاقه وي لمر ورأفته بالمؤمنين ورحمته بهم تأبى
أنه وَير يحلف على عدم حملانهم مطلقًا قال: والذي يظهر لي أن قوله وما عندي ما أحملكم جملة
حالية من فاعل الفعل المنفي بلا أو مفعوله أي لا أحملكم في حالة عدم وجداني لشيء أحملكم
عليه أي أنه لا يتكلف حملهم بقرض أو غيره لما رآه من المصلحة المقتضية لذلك، وحينئذٍ فحمله
لهم على ما جاءه من مال الله لا يكون مقتضيًا لحنثه.
وأجيب: بأن المعنى إزالة المّة عنهم وإضافة النعمة لمالكها الأصلي، ولم يرد أنه لا صنع له
أصلاً في حملهم لأنه لو أراد ذلك ما قال بعد (إني) ولأبي ذر وإني (والله لا أحلف على يمين) أي
على محلوف يمين وسماه يمينًا مجازًا للملابسة بينهما، والمراد ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه، وإلا
فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه فيكون من مجاز الاستعارة ومثله صلى على قبره بعدما دفن أي
صلى على صاحب القبر وأطلق القبر على صاحب القبر ويدل لهذا التأويل رواية مسلم حيث قال
فيها بدل قوله على يمين على أمر (فأرى غيرها خيرًا منها) أي خيرًا من الخصلة المحلوف عليها (إلا
أتيت الذي هو خير وتحللتها). بالكفارة، وفي الأيمان والنذور فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفّرت
عن يميني وأتيت الذي هو خير فقدّم الكفّارة على الإتيان ففيه دلالة على الجواز لأن الواو لا
تقتضي الترتيب، وقد ذهب أكثر الصحابة إلى جواز تقدم الكفّارة على اليمين وإليه ذهب الشافعي
ومالك وأحمد إلا أن الشافعي - استثنى الصائم فقال: لا يجزىء إلا بعد الحنث واحتجوا له بأن
الصيام من حقوق الأبدان ولا يجوز تقديمها قبل وقتها كالصلاة بخلاف العتق والكسوة والإطعام
فإنها من حقوق الأموال فيجوز تقديمها كالزكاة. وقال أصحاب الرأي لا تجزىء قبله.
والحديث سبق في المغازي والنذور والذبائح وغيرها.
٧٥٥٦ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عاصِم، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ
الضُّبَعِيَّ قُلْتُ لابْنِ عَبّاسٍ فَقَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللهَِّ فَقَالُوا: إنَّ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ
الْمُشْرِكِينَ مِنْ مُضَرَ وَإِنَّا لا نَصِلُ إِلَيْكَ إلاّ في أشْهُرِ حُرُمٍ فَمُرْنا بِجُمَلٍ مِنَ الأمْرِ إِنْ عَمِلْنا بِهِ
دَخَلْنَا الْجَنَّةَ وَنَدْعُو إِلَيْها مَنْ وَراءَنا قالَ: ((آمُرُكُمْ بِأَرْبَعِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، آمُرُكُمْ بِالإیمانِ بِالله
وَهَلْ تَذْرُونَ ما الإيمانُ بِالله؟ شَهادَةُ أنْ لا إلهَ إلاّ الله، وَإِقَامُ الصَّلاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَتُعْطُوا مِنَ
الْمَغْنَمِ الْخُمُسُ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أرْبعٍ: لا تَشْرَبُوا فِي الدُّبَاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالظُرُوفِ الْمُزَفََّةِ وَالْحَنْتَمَّةِ».
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم ابن يحيى الصيرفي قال: (حدّثنا
أبو عاصم) الضحاك النبيل وهو شيخ المؤلف روي عنه كثيرًا بلا واسطة قال: (حدّثنا قرة بن
خالد) بضم القاف وتشديد الراء السدوسي قال: (حدّثنا أبو جمرة) بالجيم والراء نصر بن عمران

٥٣٥
كتاب التوحيد/ باب ٥٦
(الضبعي) بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة قال: (قلت لابن عباس) رضي الله عنهما أي حدّثنا
مطلقًا أو عن قصة عبد القيس فحذف مفعول قلت وعند الإسماعيلي من طريق أبي عامر
عبد الملك بن عمرو العقدي عن قرة قال: حدّثنا أبو جمرة قال: قلت لابن عباس إن لي جرة أنتبذ
فيها فأشربه حلوًا لو أكثرت منه فجالست القوم لخشيت أن أفتضح (فقال: قدم وفد عبد القيس)
وكانوا أربعة عشر رجلاً بالأشج وكانوا ينزلون بالبحرين (على رسول الله(وَي9) عام الفتح قبل
خروجه 18 من مكة (فقالوا: إن بيننا وبينك المشركين من مضر) بضم الميم وفتح المعجمة غير
منصرف للعلمية والتأنيث (وإنا لا نصل إليك إلا في أشهر حرم) بالتنكير فيهما وذلك لأنهم كانوا
يمتنعون عن القتال فيها، وللحموي والمستملي في أشهر الحرم بتنكير الأوّل وتعريف الثاني وهو من
إضافة الموصوف إلى الصفة والبصريون يمنعونها ويؤولون ذلك على حذف مضاف أي أشهر
الأوقات الحرم (فمرنا) بوزن عل وأصله أؤمر بهمزتين من أمر يأمر فحذفت الهمزة الأصلية
للاستثقال فصار أمرنا فاستغني عن همزة الوصل فحذفت فصار مرنا (بجمل من الأمر إن عملنا به)
أي بالأمر وللكشميهني إن عملنا بها أي بالجمل (دخلنا الجنة وندعو إليها) ولأبي ذر عن الحموي
والمستملي إليه إلى الأمر (من وراءنا) من قومنا (قال):
(آمركم) بهمزة ممدودة (بأربع) من الجمل (وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله) زاد في
كتاب الإيمان وحده (وهل تدرون ما الإيمان بالله) هو (شهادة أن لا إله إلا الله) زاد في الإيمان
وأن محمدًا رسول الله ويجوز خفض شهادة على البدلية (وإقام الصلاة) المفروضة (وإيتاء الزكاة)
المكتوبة (وتعطوا من المغنم الخمس، وأنهاكم عن أربع لا تشربوا في الدباء) بضم الدال وتشديد
الموحدة ممدودًا اليقطين (والنقير) ما ينقر في أصل النخلة فيوعى فيه (والظروف المزفتة) المطلية
بالزفت ولأبي ذر عن المستملي والمزفتة (والحنتمة) بالحاء المهملة المفتوحة والنون الساكنة والمثناة
الفوقية المفتوحة الجرة الخضراء نهى عن الانتباذ في هذه المذكورات بخصوصها لأنه يسرع إليها
الإسكار فربما شرب منها من لا يشعر بذلك ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء مع النهي
عن كل مسكر.
وهذا الحديث سبق في الإيمان.
٧٥٥٧ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نافِعِ، عَنِ الْقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ
عائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قالَ: ((إنَّ أصْحابَ هذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيامَةِ،
وَيُقالُ لَهُمْ: أخْيُوا ما خَلَقْتُمْ))؟.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء الثقفي قال: (حدثنا الليث) بن سعد الإمام (عن
نافع) العدوي المدني مولى ابن عمر (عن القاسم بن محمد) هو ابن أبي بكر الصديق (عن عائشة
رضي الله عنها أن رسول الله ﴾ قال):

٥٣٦
کتاب التوحید/ باب ٥٦
(إن أصحاب هذه الصور) أي المصوّرين والمراد بالصور هنا التماثيل التي لها روح (يعذبون
يوم القيامة ويقال لهم) على سبيل التهكم والتعجيز (أحيوا) بفتح الهمزة (ما خلقتم) أي اجعلوا ما
صوّرتم حيوانًا ذا روح فلا يقدرون على ذلك فيستمر تعذيبهم.
واستشكل بأن استمرار التعذيب إنما يكون للكافر وهذا مسلم. وأجيب: بأن المراد الزجر
الشديد بالوعيد بعقاب الكافر ليكون أبلغ في الارتداع وظاهره غير مراد وهذا في حق العاصي
بذلك أما من فعله مستحلاً فلا إشكال فيه وفيه إطلاق لفظ الخلق على الكسب استهزاء أو ضمن
خلقتم معنى صوّرتم تشبيهًا بالخلق وأطلق بناء على زعمهم فيه. قال في الفتح: والذي يظهر أن
مناسبة ذكر حديث المصورين للترجمة من جهة أن من زعم أنه يخلق فعل نفسه لو صحت دعواه لما
وقع الإنكار على هؤلاء المصوّرين فلما كان أمرهم بنفخ الروح فيما صوّروه أمر تعجيز ونسبة
الخلق إليهم إنما هي على سبيل التهكم دلّ على فساد قول من نسب خلق فعله إليه استقلالاً اهـ.
وهذا الحديث أخرجه النسائي في الزينة وابن ماجة في التجارات.
٧٥٥٨ - حدّثنا أبُو الثُّعْمانِ، حَدَّثَنَا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعِ عنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ
الله عَنْهُما قالَ: قَالَ النَّبِيَّ نَّهِ: ((إنَّ أصْحابَ هذِهِ الصَّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمِ الْقِيامَةِ وَيُقالُ لَهُمْ: أخْيُوا
ما خَلَقْتُمْ)»؟.
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي
ابن درهم (عن أيوب) السختياني (عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما) أنه (قال: قال
النبي ◌َ﴿):
(إن أصحاب هذه الصور) المصوّرين لها (يعذبون يوم القيامة) بفتح ذال يعذبون (ويقال لهم
أحيوا ما خلقتم). واستدل به على أن أفعال العباد مخلوقة لله للحوق الوعيد بمن تشبه بالخالق فدل
على أن غير الله ليس بخالق. وأجاب بعضهم بأن الوعيد وقع على خلق الجواهر ورد بأن الوعيد
لاحق باعتبار الشكل والهيئة وليس ذلك بجوهر.
٧٥٥٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ سَمِعَ أبا
هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ ◌َهِ يَقُولُ: ((قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ
يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعيرَةً» .
وبه قال: (حدّثنا محمد بن العلاء) الهمداني أبو كريب الكوفي قال: (حدّثنا ابن فضيل) هو
محمد بن فضيل بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة ابن غزوان الضبي مولاهم الحافظ أبو عبد الرحمن
(عن عمارة) بضم العين وتخفيف الميم ابن القعقاع (عن أبي زرعة) هرم بكسر الراء ابن عمرو بن
جرير البجلي أنه (سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي ◌َّقر يقول):

٥٣٧
كتاب التوحيد/ باب ٥٧
(قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب) أي قصد (يخلق كخلقي) أي ولا أحد أظلم ممن
قصد حال كونه أن يصنع ويقدّر كخلقي وهذا التشبيه لا عموم له يعني كخلقي في فعل الصورة
لا من كل الوجوه واستشكل التعبير بأظلم لأن الكافر أظلم قطعًا وأجيب بأنه إذا صور الصنم
للعبادة كان كافرًا فهو هو أو يزيد عذابه على سائر الكفار لزيادة قبح كفره (فليخلقوا ذرة) بفتح
الذال المعجمة نملة صغيرة أو الهباء (أو ليخلقوا حبة) بفتح الحاء أي حبة منتفعًا بها كالحنطة (أو
شعيرة). هو من باب عطف الخاص على العام أو هو شك من الراوي والمراد تعجيزهم وتعذيبهم
تارة بخلق الحيوان وأخرى بخلق الجماد وفيه نوع من الترقي في الخساسة ونوع من التنزل في
الإلزام وإن كان بمعنى الهباء فهو بخلق ما ليس له جرم محسوس تارة وبما له جرم أخرى.
وحكي أنه وقع السؤال عن حكمة الترقي من الذرة إلى الحبة إلى الشعيرة في قوله فليخلقوا ذرة.
فأجاب الشيخ تقي الدين الشمني بديهة بأن صنع الأشياء الدقيقة فيه صعوبة والأمر بمعنى التعجيز
فناسب الترقي من الأعلى للأدنى فاستحسنه الحافظ ابن حجر، وزاد في إكرام الشيخ تقي الدين
وإشهار فضيلته رحمهما الله، وأخرجه المؤلف في نقض الصور من كتاب اللباس وأخرجه مسلم فيه
أيضًا .
٥٧ - باب قِراءَةِ الْفَاجِرِ وَالْمُنافِقِ
وَأَصْواتُهُمْ وَتِلاوَتُهُمْ لا تُجاوِزُ حَناجِرَهُمْ
(باب) بيان حال (قراءة الفاجر والمنافق) هو من العطف التفسيري لأن المراد هنا بالفاجر
المنافق بقرينة جعله في حديث الباب قسيمًا للمؤمن ومقابلاً له قال في فتح الباري: ووقع في
رواية أبي ذر قراءة الفاجر أو المنافق بالشك أو للتنويع والفاجر أعم فيكون من عطف الخاص على
العام (وأصواتهم وتلاوتهم) مبتدأ ومعطوف عليه والخبر قوله (لا تجاوز حناجرهم) جمع حنجرة
وهي الحلقوم وهو مجرى النفس كما أن المريء مجرى الطعام والشراب وجمعه على الحكاية عن لفظ
الشراب.
٧٥٦٠ - حدثنا هُذْبَةُ بْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمّامٌ، حَدَّثَنَا قَتادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ عَنْ أبي مُوسى
رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النِّّ وَّهِ قَالَ: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالأَثْرُجَّةٍ، طَعْمُها طَيِّبٌ وَرِيحُها
طَيِّبٌ وَالَّذِي لا يَقْرَأُ كَالثَّمْرَةِ طَعْمُها طيِّبٌ، وَلا ريحَ لَها وَمَثَلُ الْفاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلٍ
الرَّيْحانَةِ ريحُها طَيْبٌ وَطَعْمُها مُرِّ وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لا يَقْرَأ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْطَةِ طَعْمُها مُرِّ وَلا
ریخ لھا».
وبه قال: (حدّثنا هدية بن خالد) بضم الهاء وسكون الدال المهملة القيسي قال: (حدّثنا همام)
بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى ابن يحيى العوذي قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة قال: (حدّثنا أنس)
هو ابن مالك (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (رضي الله عنهُ عن النبي (وَّر) أنه (قال):

٥٣٨
كتاب التوحيد/ باب ٥٧
(مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة) بضم الهمزة والراء بينهما فوقية ساكنة وتشديد
الجيم ويقال الأترنجة بالنون والترنجة وترنج (طعمها طيب وريحها طيب) وجرمها كبير ومنظرها
حسن إذ هي صفراء فاقع لونها تسرّ الناظرين وملمسها لين تتوق إليها النفس قبل تناولها تفيد
آكلها بعد الالتذاذ بمذاقها طيب نكهة ودباغ معدة وقوّة هضم اشتركت الحواس الأربعة البصر
والذوق والشم واللمس في الاحتظاء بها ثم إنها في أجزائها تنقسم إلى طبائع فقشرها حارّ يابس
ويمنع السوس من الثياب ولحمها حارّ وحماضها بارد يابس وتسكن غلمة النساء وتجلو اللون
والكلف وبزرها حار مجفف وفيها من المنافع غير ذلك مما ذكره الأطباء في كتبهم فهي أفضل ما
وجد من الثمار في سائر البلدان، وقال المظهري المؤمن الذي يقرأ هكذا من حيث الإيمان في قلبه
ثابت طيب الباطن ومن حيث إنه يقرأ القرآن ويستريح الناس بصوته ويُثابون بالاستماع إليه
ويتعلمون منه مثل الأترجة يستريح الناس برائحتها (و) المؤمن (الذي) ولأبي الوقت ومثل الذي (لا
يقرأ) القرآن (كالتمرة) بالمثناة وسكون الميم (طعمها طيب ولا ريح لها) وقوله يقرأ القرآن على
صيغة المضارع ونفيه في قوله لا يقرأ ليس المراد منهما حصولها مرة ونفيها بالكلية بل المراد منهما
الاستمرار والدوام عليهما وإن القراءة دأبه وعاداته وليست من هجيراه كقوله فلان يقري الضيف
ويحمي الحريم (ومثل الفاجر) أي المنافق (الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر)
شبهه بالريحانة لأنه لم ينتفع ببركة القرآن ولم يفز بحلاوة أجره فلم يجاوز الطيب موضع الصوت
وهو الحلق ولا اتصل بالقلب وهؤلاء الذين يمرقون من الدين قاله ابن بطالة (ومثل الفاجر) أي
المنافق (الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة) هي معروفة وتسمى في بعض البلاد ببطيخ أبي جهل
(طعمها مر ولا ريح لها) نافع وفيه كما قال ابن بطال أن قراءة الفاجر والمنافق لا ترفع إلى الله ولا
تزكو عنده وإنما يزكو عنده ما أريد به وجهه.
ورجال هذا الحديث كلهم بصريون وفيه رواية الصحابي عن الصحابي وسبق في فضائل
القرآن.
٧٥٦١ - حدثنا عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ح.
وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، أخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ
عُزْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةً بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: فَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ الله عَنْها سَألَ أُناسٌ النَّبِيِّ نَهُ
عَنِ الْكُهَّانِ فَقالَ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ». فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ فَإِنَّهُمْ يُحَدْثُونَ بِالشَيْءِ يَكُونُ حَقًّا
قالَ: فَقالَ النَّبِيُّ ◌َهَ: ((تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقْ يَخْطَفُها الْجِنْيُّ فَيُقَرْقِرُها فِي أُذُنٍ وُلِيْهِ، كَقَرْقَرَةِ
الدَّجاجَةِ فَيَخْلِطُونَ فِيهِ أَكْثَرَ مَنْ مِائَةٍ كَذْبَةِ».
وبه قال: (حدّثنا علي) هو ابن عبد الله المديني قال: (حدّثنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني
قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب ولفظ طريق علي بن

٥٣٩
كتاب التوحيد/ باب ٥٧
المديني سبقت في باب الكهانة من الطب (ح) لتحويل السند قال المؤلف:
(وحذّثني) بالإفراد والواو (أحمد بن صالح) أبو جعفر البصري قال: (حدّثنا) وللأصيلي مما
ليس في الفرع أخبرنا (عنبسة) بعين وموحدة مفتوحتين بينهما نون ساكنة ابن خالد بن يزيد ابن
أخي يونس قال: (حدّثنا يونس) بن يزيد الأيلي وهو عم عنبسة (عن ابن شهاب) الزهري قال:
(أخبرني) بالإفراد (يحيى بن عروة بن الزبير أنه سمع) أباه (عروة بن الزبير) بن العوّام (يقول:
قالت عائشة رضي الله عنها سأل أناس النبي ( 18) بهمزة مضمومة وهم ربيعة بن كعب الأسلمي
وقومه كما ثبت في مسلم (عن الكهان) بضم الكاف وتشديد الهاء جمع كاهن وهو الذي يدّعي
علم الغيب كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب والأصل فيه استراق الجني السمع
من كلام الملائكة فيلقيه في أذن الكاهن. وقال الخطابي: الكهنة قوم لهم أذهان حادّة ونفوس
شريرة وطباع نارية فألفتهم الشياطين لما بينهم من التناسب في هذه الأمور وساعدتهم بكل ما تصل
قدرتهم إليه وكانت الكهانة فاشية في الجاهلية خصوصًا في العرب لانقطاع النبوّة (فقال) عليه
الصلاة والسلام:
(إنهم) أي الكهان (ليسوا بشيء) أي ليس قولهم بشيء يعتمد عليه (فقالوا: يا رسول الله
فإنهم يحدّثون بالشيء يكون حقًّا) هذا أورده السائل إشكالاً على عموم قوله عليه الصلاة والسلام
أنهم ليسوا بشيء لأنه فهم منه أنهم لا يصدقون أصلاً (قال: فقال النبي بَّ) مجيبًا عن سبب ذلك
الصدق وأنه إذا اتفق أن يصدق لم يتركه خالصًا بل يشوبه بالكذب (تلك الكلمة من الحق بخطفها
الجني) بفتح التحتية والطاء المهملة بينهما خاء معجمة أي يختلسها بسرعة من الملك وسقط لأبي ذر
من الحق ولأبوي ذر والوقت عن الكشميهني يحفظها بحاء مهملة ففاء فظاء معجمة من الحفظ.
قال الحافظ ابن حجر: والأول هو المعروف (فيقرقرها) أي يرددها (في أذن وليّه) الكاهن حتى
يفهمها (كقرقرة الدجاجة) بتشديد الدال أي صوتها إذا قطعته يقال قرت تقرّ قرًّا وقريرًا وقرقرت
قرقرة، ولأبي ذر عن المستملي الزجاجة بالزاي المضمومة وأنكرها الدارقطني وعدّها من التصحيف
لكن وقع في باب ذكر الملائكة من كتاب بدء الخلق فيقرها في أذنه كما تقر القارورة أي كما
يسمع صوت الزجاجة إذا حكت على شيء أو ألقي فيها شيء، وقال القابسي: المعنى أنه يكون لما
يلقيه الجني إلى الكاهن حس كحس القارورة إذا حركت باليد أو على الصفا، وقال الطيبي: قر
الدجاجة مفعول مطلق وفيه معنى التشبيه فكما يصح أن يشبه إيراد ما اختطفه من الكلام في أذن
الكاهن بصب الماء في القارورة يصح أن يشبه ترديد الكلام في أذنه بترديد الدجاجة صوتها في
أذن صواحباتها وباب التشبيه واسع لا يفتقر إلى العلامة على أن الاختطاف مستعار للكلام من فعل
الطير كما قال تعالى: ﴿فتخطفه الطير﴾ فيكون ذكر الدجاجة هنا أنسب من ذكر الزجاجة لحصول
الترشيح في الاستعارة (فيخلطون) أي الأولياء وجمع بعد الإفراد نظر إلى الجنس (فيه) المخطوف
(أكثر من مائة كذبة) بسكون المعجمة وفتح الكاف وحكي الكسر وأنكره بعضهم لأنه بمعنى الهيئة
والحالة وليس هذا موضعه.
۔

٥٤٠
كتاب التوحيد/ باب ٥٧
ومطابقته للترجمة من حيث مشابهة الكاهن بالمنافق من جهة أنه لا ينتفع بالكلمة الصادقة
لغلبة الكذب عليه لفساد حاله كما لا ينتفع المنافق بقراءته لفساد عقيدته وانضمام خبثه إليها قاله
في الكواكب. وقال في الفتح: والذي يظهر لي من مراد البخاري أن تلفظ المنافق بالقرآن كما
يتلفظ به المؤمن فتختلف تلاوتهما والمتلوّ واحد ولو كان المتلوّعين التلاوة لم يقع فيه تخالف وكذلك
الكاهن في تلفظه بالكلمة من الوحي التي يخبره بها الجني مما يختطفه من الملك تلفظه بها وتلفظ
الجني مغاير لتلفظ الملك فتغايرا.
وسبق الحديث في باب الكهانة أواخر الطب.
٧٥٦٢ - حدثنا أبُو النُّعْمانِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سيرينَ يُحَدِّثُ
عَنْ مَعْبَدِ بْنِ سِيرينَ، عَنْ أبي سَعيدٍ الْخُذْرِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّنَ ◌ّهِ قَالَ: ((يَخْرُجُ ناسٌ مِنْ
قِبَلِ الْمَشْرِقٍ وَيَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لا يُجاوِزُ تَرَافِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ،
ثُمَّ لا يَعُودُونَ فيهِ حَتّى يَعُودَ السَّهْمُ إلى فُوقِهِ)) قيلَ ما سيماهُمْ؟ قالَ: ((سيماهُمُ التَّخليقُ - أوْ
قالَ - التَّسْبيدُ)) .
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل قال: (حدّثنا مهدي بن ميمون) الأزدي
قال: (سمعت محمد بن سيرين) أبا بكر أحد الأعلام (يحدّث عن) أخيه (معبد بن سيرين) بفتح
الميم وسكون العين المهملة بعدها موحدة مفتوحة فدال مهملة (عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
عن النبي ◌ٍَّ) أنه (قال):
(يخرج ناس من قِبل المشرق) أي من جهة مشرق المدينة كنجد وما بعده وهم الخوارج ومن
معتقدهم تكفير عثمان رضي الله عنه وأنه قتل بحق ولم يزالوا مع علي حتى وقع التحكيم بصفين
فأنكروا التحكيم وخرجوا على عليّ وكفّروه (ويقرؤون) بالواو ولأبي ذر يقرؤون (القرآن لا يجاوز
تراقيهم) بالنصب على المفعولية جمع ترقوة بفتح الفوقية وسكون الراء وضم القاف وفتح الواو
العظم الذي بين ثغرة النحر والعنق وهذا موضع الترجمة (يمرقون) بضم الراء يخرجون (من الدين
كما يمرق السهم من الرمية) بفتح الراء وكسر الميم وتشديد التحتية أي المرمي إليها (ثم لا يعودون
فيه) أي في الدين وسقط ثم في بعض النسخ (حتى يعود السهم إلى فوقه) بضم الفاء موضع الوتر
من السهم وهو لا يعود إلى فوقه قط بنفسه (قيل ما سيماهم) بكسر السين المهملة مقصورًا ما
علامتهم؟ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله والسائل لم أقف على تعيينه (قال) عليه الصلاة والسلام
(سيماهم) أي علامتهم (التحليق) أي إزالة الشعر أو إزالة شعر الرأس. قال الحافظ ابن حجر:
طرق الحديث المتكاثرة كالصريحة في إرادة حلق الرأس وإنما كان هذا علامتهم وإن كان غيرهم
يحلق رأسه أيضًا لأنهم جعلوا الحلق لهم دائمًا زمن الصحابة إنما كانوا يحلقون رؤوسهم في نسك
أو حاجة وقيل المراد حلق الرأس واللحية وجميع الشعور (أو قال: التسبيد) بفوقية مفتوحة فسين