النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ كتاب التوحيد/ باب ٤ في مكان لم يخطر ببالها كما روي أن ملك الموت مرّ على سليمان بن داود عليهما السلام فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه فقال الرجل: من هذا؟ فقال: ملك الموت. فقال: كأنه يريدني فمرّ الريح أن تحملني وتلقيني بالهند ففعل فقال ملك الموت: كان دوام نظري تعجبًا منه إذ أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك. وفي الطبراني الكبير عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله وَلير: ((ما جعل الله منية عبد بأرض إلا جعل له فيها حاجة وإنما جعل العلم الله والدراية للعبد)» لأن في الدراية معنى الحيلة، والمعنى أنها أي النفس لا تعرف وإن أعملت حيلتها ما يختص بها ولا شيء أخص بالإنسان من كسبه وعاقبته فإذا لم يكن له طريق إلى معرفتهما كان من معرفة ما عداهما أبعد، وأما المنجم الذي يخبر بوقت الغيب والموت فإنه يقول بالقياس والنظر في المطالع وما يدرك بالدليل لا يكون غيبًا على أنه مجرد الظن والظن غير العلم والله تعالى أعلم. وأشار إلى علوم الآخرة بقوله: (ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله) فلا يعلم ذلك نبي مرسل ولا ملك مقرّب. ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، والحديث سبق في آخر الاستسقاء. ٧٣٨٠ - حقّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَنْ إسْماعيلَ، عَنِ الشَّغْبِيّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها قالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أنَّ مُحَمَّدَا نَّهِ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ وَهْوَ يَقُولُ: ﴿لا تُذْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وَمَنْ حَدَّثَكَ أنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَقَدْ كَذَبَ، وَهْوَ يَقُولُ: ﴿لا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إلاَّ الله﴾. وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) بن واقد الفريابي الضبي مولاهم محدّث قيسارية قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن إسماعيل) بن أبي خالد البجلي (عن الشعبي) عامر بن شراحيل أحد الأعلام قال: أدركت خمسمائة من الصحابة وما كتبت سوداء في بيضاء ولا حدّثت بحديث إلا حفظته (عن مسروق) أي ابن الأجدع (عن عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت: من حدّثك أن محمدًا وَ﴿ رأى ربه) ليلة المعراج (فقد كذب) قالته رأيًا باجتهادها لقوله: (وهو) أي الله تعالى (يقول) في سورة الأنعام: (﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣]) وأجاب المثبتون بأن معنى الآية لا تحيط به الأبصار أو لا تدركه الأبصار وإنما يدركه المبصرون أو لا تدركه في الدنيا لضعف تركيبها في الدنيا فإذا كان في الآخرة خلق الله تعالى فيهم قوة يقدرون بها على الرؤية، وفي كتابي المواهب من مباحث ذلك ما يكفي. (ومن حدّثك أنه يعلم الغيب فقد كذب) والضمير في أنه يعلم للنبي وَّ لعطفه على قوله: من حدثك أن محمدًا وصرح به فيما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان من طريق عبد ربه بن سعد عن داود عن أبي هند عن الشعبي بلفظ: أعظم الفرية على الله من قال إن محمدًا رأى ربه وأن ٣٤٢ کتاب التوحید/ باب ٥ محمدًا كتم شيئًا من الوحي وأن محمدًا يعلم ما في غد (وهو) تعالى (يقول: ﴿لا يعلم الغيب إلا الله﴾) والآية ﴿قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله﴾ [النمل: ٦٥] وجاز مثل ذلك لأنه ليس الغرض القراءة ولا نقلها وقول الداودي ما أظن قوله في هذا الطريق من حدّثك أن محمدًا يعلم الغيب محفوظًا وما أحد يدعي أن رسول الله وَلو كان يعلم من الغيب إلا ما علمه الله متعقب بأن بعض من لم يرسخ في الإيمان كان يظن ذلك حتى كان يرى أن صحة النبوة تستلزم اطلاع النبي على جميع المغيبات، ففي مغازي ابن إسحق أن ناقته وَّ و ضلت فقال ابن الصليت بالصاد المهملة آخره مثناة بوزن عظيم: يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته فقال النبي ◌َّله: إن رجلاً يقول كذا وكذا وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله وقد دلني الله عليها وهي في شعب كذا قد حبستها شجرة فذهبوا فجاؤوا بها فأعلم وَلّ أنه لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله، والغرض من الباب إثبات صفة العلم وفيه ردّ على المعتزلة حيث قالوا: إنه عالم بلا علم. قال العبري: وكتبهم شاهدة بتعليل عالمية الله تعالى بالعلم كما يقول به أهل السُّنّة لكن النزاع في أن ذلك العلم المعلل به هل هو عين الذات كما يقول المعتزلة أو لا كما يقول أهل السُّنّة ثم إن علمه تعالى شامل لكل معلوم جزئيات وكليات قال تعالى: ﴿أحاط بكل شيء علمًا﴾ [الطلاق: ١٢] أي علمه أحاط بالمعلومات كلها. وقال تعالى: ﴿عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة﴾ [سبأ: ٣] الآية. وأطبق المسلمون على أنه تعالى يعلم دبيب النملة السوداء في الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وأن معلوماته لا تدخل تحت العلة والإحصاء وعلمه محيط بها جملة وتفصيلاً، وكيف لا وهو خالقها ألا يعلم من خلق، وضلت الفلاسفة حيث زعموا أنه يعلم الجزئيات على الوجه الكلي لا الجزئي. وحديث الباب سبق في التفسير. ٥ - باب قَوْلِ الله تَعالى: ﴿السَّلامُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] (باب قول الله تعالى: ﴿السلام)) سقط لفظ باب لغير أبي ذر، والسلام هو مصدر نعت به. والمعنى ذو السلامة من النقائص والبراءة من العيوب والفرق بينه وبين القدوس أن القدوس يدل على براءة الشيء من نقص تقتضيه ذاته فإن القدس طهارة الشيء في نفسه، والسلام يدل على نزاهته عن نقص يعتريه لعروض آفة أو صدور فعل، وقيل معنى السلام مالك تسليم العباد من المخاوف والمهالك فيرجع إلى القدرة فيكون من صفات الذات، وقيل ذو السلام على المؤمنين في الجنان كما قال تعالى: ﴿سلام قولاً من رب رحيم﴾ [يس: ٥٨] فيكون مرجعه إلى الكلام القديم ووظيفة العارف أن يتخلق به بحيث يسلم قبله عن الحقد والحسد وإرادة الشر وقصد الخيانة وجوارحه عن ارتكاب المحظورات واقتراف الآثام (﴿المؤمن﴾ [الحشر: ٢٣]) هو الذي آمن أولياءه عذابه يقال آمنه يؤمنه فهو مؤمن وقيل المصدق لرسله بإظهار معجزته عليهم ومصدق المؤمنين ما ٣٤٣ كتاب التوحيد/ باب ٦ وعدهم من الثواب ومصدق الكافرين ما أوعدهم من العقاب، وقال مجاهد: المؤمن الذي وجد نفسه بقوله: شهد الله أنه لا إله إلا الله. ٧٣٨١ - حدّثنا أحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُغيرَةُ، حَدَّثَنَا شَقيقُ بْنُ سَلَمَةَ قالَ: قالَ عَبْدُ اللهِ كُنَّا نُصَلّي خَلْفَ النَّبِيِّ نَّهِ فَتَقُولُ: السَّلامُ عَلَى اللهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ◌َهَ: ((إنَّ اللهَ هُوَ السَّلامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِياتُ للهِ وَالصَّلَواتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنا وَعَلى عِبادِ الله الصّالِحِينَ أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي قال: (حدّثنا زهير) بضم الزاي مصغرًا ابن معاوية الجعفي قال: (حدّثنا مغيرة) بن المقسم بكسر الميم قال: (حدّثنا شقيق بن سلمة) أبو وائل الأسدي الكوفي المخضرم (قال: قال عبد الله) بن مسعود رضي الله عنه (كنا نصلي خلف النبي ◌َ ﴿ فنقول) في التشهد (السلام على الله) أي من عباده كما في الرواية الأخرى (فقال) لنا (النبي وَّر) لما فرغ من الصلاة: (إن الله هو السلام) فأنكر التسليم على الله، وبيّن أن ذلك عكس ما يجب أن يقال فإن كل سلام ورحمة له ومنه فهو مالكها ومعطيها. وقال ابن الأنباري: أمرهم أن يصرفوه إلى الخلق لحاجتهم إلى السلامة وغناه سبحانه وتعالى عنها (ولكن قولوا التحيات لله) جمع تحية وهي تفعلة من الحياة بمعنى الإحياء والتبقية واللام في لله للاختصاص أو المراد كل ما تعظّم به الملوك لله فاللام للاستحقاق (والصلوات) المعهودات في الشرع واجبة (والطيبات) ما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على الله أو ذكر الله مستحق الله (السلام عليك) مبتدأ حذف خبره أي السلام عليك موجود (أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) إنما أعاد حرف الجر ليصح العطف على الضمير المجرور والصالحين نعت لعباد، والصالح هو القائم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) معطوف على سابقه ورسوله فعول بمعنى مرسل وفعول بمعنى مفعل قليل. قال ابن عطية: العرب تجري رسول مجرى المصدر فتصف به الجمع والواحد والمؤنث، ومنه قوله تعالى: ﴿أنا رسول ربك﴾ [مريم: ١٩]. والحديث سبق في الصلاة بأتم من هذا. ٦ - باب قَوْلِ الله تَعالى: ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ [الناس: ٢] فِيهِ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ رَِّ. (باب قول الله تعالى) وسقط لغير أبي ذر لفظ باب (﴿ملك الناس﴾ [الناس: ٢]) الملك معناه ذو الملك، وهو إذا كان عبارة عن التصرف في الأشياء بالخلق والإبداع والإماتة والإحياء كان من ٣٤٤ کتاب التوحید/ باب ٦ أسماء الأفعال كالخالق، وعن بعض المحققين الملك الحق هو الغني مطلقًا في ذاته وفي صفاته عن كل ما سواه ويحتاج إليه كل ما سواه إما بواسطة أو بغير واسطة فهو بتقدير منفرد وبتدبير متوحد ليس لأمره مردّ ولا لحكمه رد، أما العبد فإنه محتاج في الوجود إلى الغير والاحتياج مما ينافي الملك، فلا يمكن أن يكون له ملك مطلق والملك يختص عرفًا بمن يسوس ذوي العقول ويدبر أمورهم فلذلك تقول ملك الناس، ولا يقال ملك الأشياء ووظيفة العارف من هذا الاسم أن يعلم أنه هو المستغني على الإطلاق عن كل شيء وما عداه مفتقر إليه في وجوده وبقائه مسخر لحكمه وقضائه فيستغني عن الناس رأسًا ولا يرجو ولا يخاف إلا إياه ويتخلق به بالاستغناء عن الغير. قال فى الكشاف، فإن قلت: هلا اكتفى بإظهار المضاف إليه مرة واحدة؟ قلت: لأن عطف البيان للبيان فكان مظنّة للإظهار فلهذا كرر لفظ الناس، لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار ولأن التكرير يقتضي مزيد شرف الناس وأنهم أشرف المخلوقات. وقال الإمام فخر الدين: وإنما بدأ بذكر الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه من أوائل نعمه وإلى أن رباه وأعطاه العقل فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك وهو مالك فثنّى بذكر الملك، ولما علم أن العبادة لازمة له وعرف أنه معبود مستحق لتلك العبادة عرفه بأنه إله فلهذا ختم به. (فيه) أي في هذا الباب (ابن عمر) أي حديثه (عن النبي (بَّه). مما وصله في باب قول الله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥] الآتي إن شاء الله تعالى بعد اثني عشر بابًا بلفظ: إن الله يقبض يوم القيامة الأرض وتكون السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك. ٧٣٨٢ - حدّثنا أحمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أخْبَرَني يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِّ ◌َِّ قَالَ: ((يَقْبِضُ اللهِ الأرْضَ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أيْنَ مُلُوْكُ الأرضِ»؟ وَقالَ شُعَيْبٌ وَالزُّبَيْدِيَّ وَابْنُ مُسافِرٍ وَإِسْحُقُ بْنُ يَخْيَى عَنِ الزّهرِيِّ عَنْ أبي سَلَمَةَ. وبه قال: (حدّثنا أحمد بن صالح) أبو جعفر الطبري المصري الحافظ قال: (حدّثنا ابن وهب) عبد الله المصري قال: (أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سعيد) زاد أبو ذر هو ابن المسيب (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن النبي وَّفوا أنه (قال): (يقبض الله الأرض) بأن يجمعها حتى تصير شيئًا واحدًا ويبيدها (يوم القيامة ويطوي السماء) يفنيها (بيمينه) بقدرته (ثم يقول) جلّ جلاله (أنا الملك) أي ذو الملك على الإطلاق فلا ملك لغيره في الدارين (أي ملوك الأرض). وفي الحديث إثبات اليمين صفة لله تعالى من صفات ذاته وليست جارحة خلافًا للمجسمة. وسبق في باب يقبض الله الأرض من الرقاق. ٣٤٥ كتاب التوحيد/ باب ٧ (وقال شعيب) هو ابن أبي حمزة فيما وصله الدارمي (والزبيدي) بضم الزاي وفتح الموحدة محمد بن الوليد مما وصله ابن خزيمة (وابن مسافر) عبد الرحمن بن عوف مما سبق موصولاً في تفسير سورة الزمر (وإسحاق بن يحيى) الكلبي فيما وصله الذهلي في الزهريات أربعتهم (عن الزهري عن أبي سلمة). وفيه أنه اختلف على ابن شهاب الزهري في شيخه فقال يونس بن سعيد بن المسيب، وقال الآخرون أبو سلمة. وكلٌّ منهما يرويه عن أبي هريرة. ونقل ابن خزيمة عن محمد بن يحيى الذهلي أن الطريقين محفوظان. قال في الفتح: وصنيع البخاري يقتضي ذلك وإن كان الذي تقتضيه القواعد ترجيح رواية شعیب لکثرة من تابعه، لکن یونس كان من خواص الزهري الملازمين له، وزاد أبو ذر بعد قوله عن أبي سلمة مثله أي مثل الحديث السابق. ٧ - باب قَوْلِ الله تَعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٤٢] ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] ﴿وَاللهُ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨]. وَمِنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ الله وَصِفاتِهِ. وَقَالَ أَنَسٌ: قالَ النَّبِيُّ وَّهِ: (تَقُولُ جَهَنَّمُ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ)). وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ: ((يَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنّارِ آخِرُ أهْلِ النّارِ دُخُولاً الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رَبِّ أَصْرِفْ وَجْهي عَنِ النّارِ لا وَعِزَّتِكَ لا أسْألُكَ غَيْرَها)). قالَ أَبُو سَعيدٍ: إنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ قَالَ: ((قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ لَكَ ذلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثالِهِ)). وَقَالَ أيُّوبُ: ((وَعِزَّتِكَ لا غِنِى بِي عَنْ بَرَّتِكَ)). (باب قول الله تعالى: ﴿وهو العزيز﴾) الغالب من قولهم عزّ إذا غلب ومرجعه إلى القدرة المتعالية عن المعارضة فمعناه مركب من وصف حقيقي ونعت تنزيهي وقيل القوي الشديد من قولهم عز يعز إذا قوي واشتد منه قوله تعالى: ﴿فعززنا بثالث﴾ [يس: ١٤] وقيل عديم المثل فيكون من أسماء التنزيه، وقيل هو الذي تتعذر الإحاطة بوصفه ويعسر الوصول إليه، وقيل العزيز من ضلت العقول في بحار عظمته وحارت الألباب دون إدراك نعته وكلّت الألسن عن استيفاء مدح جلاله ووصف جماله وحظ العارف منه أن يعز نفسه فلا يستهينها بالمطامع الدنيئة ولا يدنسها بالسؤال من الناس والافتقار إليهم (﴿الحكيم﴾ [العنكبوت: ٤٢]) ذو العلم القديم المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرق إليها خفاء ولا شبهة وأنه أتقن الأشياء كلها فالحكمة صفة من صفات الذات يظهرها الفعل وتعبر عنها المحكمات وتشهد لها العقول بما شاهدته فى الموجودات كغيرها من صفات الحق، فتأمل ذلك في مسالك أفعاله ومجاري تدبيره وترتيب ملكه وملكوته وقيام الأمر كله به، وتطلب آثار ذلك في خلقه في السموات والأرض وما فيهن ما بينهن من أفلاك ونجوم وشمس وقمر وتدبير ذلك وتقديره بأمر محكم مع دؤوب اختلاف الليل والنهار وتقلبهما وإيلاج كل واحد منهما ٣٤٦ كتاب التوحيد/ باب ٧ في قرينه وتكويرهما بعضهما على بعض وما يحدثه عن ذلك من العجائب المبدعات والآيات البينات بإحكام متناسق وحكم مستمرة الوجود إلى غير ذلك من سائر أفعاله المتقنة وبدائعه المحكمة، مما يكلّ دونه النظر وينحسر دونه البصر ويزيد على القول ويربو على الوصف ولا يدرك كنهه العقول ولا يحيط به سوى اللوح المحفوظ، وأول موضع وقع فيه وهو العزيز الحكيم في سورة إبراهيم. وأما مطلق العزيز الحكيم فأول ما وقع في البقرة في دعاء إبراهيم لأهل مكة. قال في اللباب: والعزيز هو الغالب الذي لا يغلب والحكيم هو العليم الذي لا يجهل شيئًا وهما بهذين التفسيرين صفة للذات وإن أريد بالعزيز أفعال العزة وهو الامتناع من استيلاء الغير عليه، وأريد بالحكمة أفعال الحكمة لم يكونا من صفات الذات بل من صفات الفعل والفرق بينهما أن صفات الذات أزلية وصفات الفعل ليست كذلك. وقوله تعالى: ((سبحان ربك رب العزة عما يصفون﴾) [الصافات: ١٨] من الولد والصاحبة والشريك وثبت لأبي ذر والأصيلي عما يصفون، وأضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها كأنه قيل ذو العزة كما تقول صاحب صدق لاختصاصه بالصدق ويجوز أن يراد أنه ما من عزة لأحد إلا وهو ربها ومالكها كقوله: ﴿تعز من تشاء﴾ [آل عمران: ٢٦] وقوله تعالى: (﴿ولله العزة ولرسوله﴾ [المنافقون: ٨]) أي ولله المنعة والقوة ولمن أعز من رسوله والمؤمنين، وعزة كل واحد بقدر علو مرتبته فعزة الرسول بما خصّه الله به من الخصائص التي لا تحصى، والبراهين التي لا تستقصى، وعزة المؤمنين بما ورثوه من العلم النبوي وهم في ذلك متفاوتون بقدر ميراثهم من ذلك العلم والهداية للخلق إلى الحق، والعزيز من لا تناله أيدي الشياطين ولا تبلغه رعونات الشهوات فتذلل هداك الله لعزته وتضاءل لعظمته، وتضرّع إليه في خلواتك عساه يهب لك عزَّا لا ذلّ يصحبه وشرفًا لا ضعة تتخلله ثم تذلل لأوليائه وأهل طاعته وتعزّز على كل جبار عنيد (ومن حلف بعزة الله وصفاته). والعزة تحتمل كما قال ابن بطال: أن تكون صفة ذات بمعنى القدرة والعظمة فيحنث وأن تكون صفة فعل بمعنى القهر لمخلوقاته فلا يحنث. نعم إذا أطلق الحالف انصرف إلى صفة الذات وانعقدت اليمين وللمستملي وسلطانه بدل قوله وصفاته. (وقال أنس) رضي الله عنه في حديث موصول سبق في تفسير سورة ق (قال النبي ◌َّ: تقول جهنم) تنطق كإنطاق الجوارح (قط قط) بفتح القاف وكسر الطاء أو سكونها فيهما أي حسب (وعزتك) مجرور بواو القسم. (وقال أبو هريرة) في حديث سبق موصولاً في الرقاق (عن النبي وَلي) أنه قال (يبقى رجل) اسمه جهینة (بین الجنة والنار وهو آخر أهل النار دخولاً الجنة فيقول: رب) ولأبي ذر یا رب (اصرف وجهي عن النار) زاد في أواخر الرقاق فيقول لعلك إن أعطيتك أن تسأل غيره فيقول (لا وعزتك لا أسألك غيرها) أي غير هذه المسألة. (قال أبو سعيد الخدري (إن رسول الله ﴿﴿ قال: قال الله عز وجل لك ذلك وعشرة أمثاله) ٣٤٧ کتاب التوحید/ باب ٧ فيه أن أبا سعيد وافق أبا هريرة على رواية الحديث المذكور إلا في قوله عشرة أمثاله فإن في حديث أبي هريرة كما في الرقاق فيقول الله هذا لك ومثله معه، وسبق مبحثه والله الموفق. (وقال أيوب) صلوات الله وسلامه عليه فيما سبق موصولاً في الغسل من كتاب الطهارة وغيره لما خرّ عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحثي في ثوبه فناداه ربه يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى (وعزتك لا غنى بي عن بركتك) بكسر الغين المعجمة وفتح النون مقصورًا ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لا غناء بالهمزة ممدودًا الكفاية، وفي اليونينية عناء بغير نقطة على العين مع المدّ وفي الفرع التنكزي عناء بزيادة عين تحتها علامة الإهمال، وفي آخر غناء بالمعجمة فلیحرر. ٧٣٨٣ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا حُسَيْن الْمُعَلِّمُ، حَدَّثَنِ عَبْدُ الله بْنُ بُرَيْدَةً، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أَنَّ النَّبِيِّ نَّهِ كَانَ يَقُولُ: ((أعُوذُ بِعِزَّتِكَ الَّذِي لا إلهَ إلاّ أنْتَ الذي لا يَمُوتُ وَالْجِنُّ وَالإنْسُ يَمُوتُونَ)). وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) عبد الله بن عمرو المقعد المنقري البصري قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان التميمي مولاهم البصري التنوري الحافظ قال: (حدّثنا حسين المعلم) بن ذكوان البصري قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن بريدة) بضم الموحدة ابن الحصيب الأسلمي أبو سهل المروزي قاضيها (عن يحيى بن يعمر) بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه البصري نزيل مرو وقاضيها (عن ابن عباس) رضي الله عنهما (أن النبي بَير كان يقول): (أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت الذي لا يموت) بلفظ الغائب وفي رواية اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني أنت الحيّ الذي لا يموت (والجن والإنس يموتون) وكلمة تضلني الزائدة في هذه الرواية متعلقة بأعوذ أي من أن تضلني وكلمة التوحيد معترضة لتأكيد العزة واستغنى عن ذكر عائد الموصول لأن نقش المخاطب هو المرجوع إليه وبه يحصل الارتباط وكذلك المتكلم نحو: أنا الذي سمتني أمي حيدرة ولا يقال إن مفهوم قوله والجن والإنس يموتون لأنه مفهوم لقب ولا اعتبار به. والحديث أخرجه مسلم في الدعاء والنسائي في النعوت. ٧٣٨٤ - حدثنا ابْنُ أبِي الأسْوَدِ، حَدَّثَنا حَرَمِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ وَّرَ قالَ: ((يُلْقَى فِي النَّارِ)). وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنَسٍ وَعَنْ مُعْتَمِرٍ سَمِعْتُ أَبِي عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النِبِيِّ بَِّ قَالَ: ((لا يَزالُ يُلْقى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضعَ ٣٤٨ كتاب التوحيد/ باب ٨ فِيها رَبُّ الْعالَمِينَ قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ ثُمَّ تَقُولُ: قَدْ قَدْ بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلا تَزالُ الْجَنَّةُ تَفْضُلُ حَتَّى يُنْشِىءَ الله لَها خَلْقًا فَيُسْكِنَّهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ». وبه قال: (حدّثنا ابن أبي الأسود) هو عبد الله بن محمد بن الأسود أبو بكر البصري الحافظ قال: (حدّثنا حرمي) بفتح الحاء المهملة والراء وكسر الميم بعدها ياء النسبة ابن عمارة بضم العين وتخفيف الميم ابن أبي حفصة نابت بنون وموحدة ثم مثناة العتكي مولاهم قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) رضي الله عنه (عن النبي وَي) أنه (قال): (يلقى) بضم أوله وفتح ثالثه بينهما لام ساكنة ولأبي ذر لا يزال يلقى (في النار). قال المؤلف: (وقال خليفة) بن خياط (حدّثنا يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري قال: (حدّثنا سعيد) بكسر العين ابن أبي عروبة (عن قتادة عن أنس) رضي الله عنه (وعن معتمر) بضم الميم الأولى وكسر الثانية ابن سليمان التيمي وهو معطوف على قوله حدّثنا يزيد بن زريع فهو موصول أي، وقال لي خليفة أيضًا عن معتمر وبهذا جزم أصحاب الأطراف أنه قال: (سمعت أبي) سليمان (عن قتادة عن أنس) رضي الله عنه (عن النبي وَليز) أنه (قال): (لا يزال يلقى فيها) أي العصاة في النار (و) هي (تقول هل من مزيد) مصدر كالمجيد أي أنها تقول بعد امتلائها هل من مزيد أي هل بقي فيّ موضع لم يمتلىء يعني قد امتلأت أو أنها تستزيد وفيها موضع للمزيد وإسناد القول إليها حقيقة بأن يخلق الله فيها القول أو مجاز (حتى يضع فيها رب العالمين قدمه) أي من قدمه لها من أهل العذاب أو ثمة مخلوق اسمه القدم أو المراد تذليلها كتذليل من يوضع تحت الرجل والعرب تضع الأمثال بالأعضاء ولا تريد أعيانها (فينزوي) بالنون والزاي فيجتمع وينقبض (بعضها إلى بعض ثم تقول: قد قد) بفتح القاف وسكون الدال وتكسر فيهما أي حسبي حسبي قد اكتفيت (بعزتك وكرمك ولا تزال الجنة تفضل) عن الداخلين فيها ولأبي ذر عن المستملي بفضل بموحدة بدل الفوقية وفتح الفاء وسكون الضاد (حتى ينشىء الله لها خلقًا فيسكنهم فضل الجنة) الذي بقي منها. وقد ساق المؤلف هذا الحديث هنا من ثلاثة طرق عن قتادة وسبق لفظ شعبة في تفسير سورة ق وساقه هنا على لفظ خليفة ويستنبط منه مشروعية الحلف بكرم الله كما في الحلف بعزة الله . ومطابقة الحديث ظاهرة. ٨ - باب قَوْلِ الله تعالی: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأرْض بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٧٣] (باب قول الله تعالى): وسقط باب لغير أبي ذر (﴿وهو الذي خلق السموات والأرض ٣٤٩ كتاب التوحيد/ باب ٨ بالحق﴾ [الأنعام: ٧٣]) أي بكلمة الحق وهي قول كن وقال ابن عادل في لبابه قيل الباء بمعنى اللام أي إظهارًا للحق لأنه جعل صنعه دليلاً على وحدانيته فهو نظير قوله تعالى: ﴿ما خلقت هذا باطلاً﴾ [آل عمران: ١٩١] اهـ. وهذا نقله السفاقسي عن الداودي، وتعقب بأن النحاة ذكروا للباء أربعة عشر معنى ليس منها أنها تأتي بمعنى اللام والحق في الأسماء الحسنى معناه كما قاله أبو الحكم عبد السلام بن برجان الواجب الوجود بالبقاء الدائم والدوام المتوالي الجامع للخير والمجد والمحامد كلها والثناء الحسن والأسماء الحسنى والصفات العلى. قال: ومعنى قولنا واجب الوجود أنه اضطر جميع الموجودات إلى معرفة وجوده وألزمها إيجاده إياها قال تعالى: وقد ذکر دلائله واستشهاده ببيناته ذلك بأن الله هو الحق، وإنه يحيي الموتى، وأنه على كل شيء قدير، فأوجب عن واجب وجوده أنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن وجود كل ذي وجود عن وجوده ثم قال: ﴿وأن ما يدعون من دونه هو الباطل﴾ [الحج: ٦٢] أي لا وجود له إذ ليس له في الوجود وجود البتة فاستحال لذلك وجوده، فالموجودات من حيث إنها ممكنة لا وجود لها في حد ذاتها ولا ثبوت لها من قبل أنفسها وإياه عنى الشاعر بقوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل ولما أظهر جملة المخلوقات التي خلقها بالحق وللحق. قال: خلق الله السموات والأرض بالحق فظهر الحق بعضه لبعض، ودل عليه به فالله تعالى هو الحق المبين وجوده الحق، وقوله الحق وقدرته الحق وعلمه الحق وإرادته الحق وصفاته العلى الحق وأسماؤه كلها الحق، وأوجد فعله الحق بكلمته الحق، فالحق بوجوب وجوده وعموم حقيقته قد ملأ أركان الوجود كلها وشمل نواحي العلم وأطبق على أقطار التفكير فلم يكن للباطل من الوجود نصيب. ٧٣٨٥ - حدثنا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمانَ، عَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما قالَ: كَانَ النَّبِيَّ وَّهِ يَدْعُو مِنَ الَلَيْلِ: ((اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمُوات وَالأرْضِ لَكَ الْحَمْدُ أنْتَ قَيِّمُ السَّمُواتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، لَكَ الْحَمْدُ أنْتَ نُورُ السَّمَواتِ وَالأرْضِ قَوْلُكَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقِّ وَالْجَنَّةُ حَقِّ وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حاكَمْتُ، فَأَغْفِرْ لِي ما قَدَّمْتُ وَما أخّرْتُ وَأسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، أَنْتَ إلهِي لا إلهَ لِي غَيْرُكَ)). وبه قال: (حدّثنا قبيصة) بفتح القاف ابن عقبة السوائي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري عن ابن جريج) عبد الملك (عن سليمان) بن مسلم الأحول (عن طاوس) الإمام أبي عبد الرحمن بن كيسان وقيل اسمه ذكوان (عن ابن عباس رضى الله عنهما) أنه (قال: كان النبي ◌َّ يدعو من الليل) أي إذا تهجد من الليل. ٣٥٠ كتاب التوحيد/ باب ٩ (اللهم لك الحمد أنت رب السموات والأرض ولك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن). وفي رواية قيام وفي أخرى قيوم وهي من أبنية المبالغة والقيم معناه القائم بأمور الخلق ومدبرهم ومدبر العالم في جميع أحواله والقيوم هو القائم بنفسه مطلقًا لا بغيره ويقوم به كل موجود حتى لا يتصور وجود الشيء ولا دوام وجوده إلا به. وقال التوربشتي: معناه أنت الذي تقوم بحفظهما وحفظ من أحاطتا به واشتملتا عليه وقال ومن تغليبًا للعقلاء على غيرهم، ولأبي ذر: وما فيهن (لك الحمد أنت نور السموات والأرض) أي ذو نور السموات ونور الأرض وأضاف النور إليهما للدلالة على سعة إشراقه وفشوّ إضاءته حتى تضيء له السموات والأرض وجاز أن يراد أهل السماوات والأرض وأنهم يستضيؤون به (قولك الحق) أي مدلوله ثابت (ووعدك الحق) الثابت المتحقق وجوده فلا يدخله خلف ولا شك وعطف الوعد على القول وهو قول فهو من عطف الخاص على العام (ولقاؤك حق) أي رؤيتك في الدار الآخرة حيث لا مانع (والجنة حق والنار حق) كلٍّ منهما موجود (والساعة حق) قيامها (اللهم لك أسلمت) انقدت لأمرك ونهيك (وبك آمنت) صدقت بك وبما أنزلت (وعليك توكلت) أي فوّضت أموري كلها (وإليك أنبت) رجعت مقبلاً بقلبي عليك (ولك) أي بما آتيتني من البراهين والحجج (خاصمت) من خاصمني من الكفار (وإليك حاكمت) كل من أبى قبول ما أرسلتني به (فاغفر لي ما قدمت وما أخرت) وسقط لفظ ما الثانية في رواية أبي ذر (وأسررت وأعلنت) بغير ما فيهما وقاله تواضعًا أو تعليمًا لنا (أنت إلهي لا إله لي غيرك). ومطابقة الحديث للترجمة في قوله أنت رب السموات والأرض أي أنت مالكهما وخالقهما. والحديث سبق في صلاة الليل وفي الدعوات. ١٠٠٠ - حدّثنا ثابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ بِهِذا وَقَالَ: أَنْتَ الْحَقُّ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ. وبه قال: (حدّثنا ثابت بن محمد) العابد الكوفي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (بهذا) السند والمتن المذكورين (وقال: أنت الحق) أي المتحقق وجوده (وقولك الحق) وهذا يأتي إن شاء الله تعالى في قوله باب قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة﴾ [القيامة: ٢٢]. ٩ - باب ﴿وَكَانَ الله سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤] وَقَالَ الأعْمَشُ عَنْ تَمِيمٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةً قَالَتْ: الْحَمْدُ لله الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصْوات فَأَنْزَلَ الله تَعالى عَلَى النَّبِيِّ وَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهِ قَوْلَ الَِّي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ [المجادلة: ١]. (باب) بالتنوين (﴿وكان الله سميعًا بصيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]) ولغير أبي ذر قول الله تعالى بالرفع ﴿وكان الله سميعًا بصيرًا﴾ وقد علم بالضرورة من الدين، وثبت في الكتاب والسُّنّة بحيث ٣٥١ كتاب التوحيد/ باب ٩ لا يمكن إنكاره ولا تأويله أن الباري تعالى حي سميع بصير وانعقد إجماع أهل الأديان بل جميع العقلاء على ذلك، وقد يستدل على الحياة بأنه عالم قادر وكل عالم قادر حي بالضرورة وعلى السمع والبصر بأن كل حي يصح كونه سميعًا بصيرًا وكل ما يصح للواجب من الكمالات يثبت بالعقل البراءته عن أن يكون له ذلك بالقوة والإمكان وعلى الكل بأنها صفات كمال قطعًا، والخلو عن صفات الكمال في حق من يصح اتصافه بها نقص وهو على الله تعالى محال. قال تعالى: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه﴾ [الأنعام: ٨٣] وقد ألزم عليه السلام أباه الحجة بقوله: ﴿لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر﴾ [مريم: ٤٢] فأفاد أن عدمهما نقص لا يليق بالمعبود ولا يلزم من قدمهما قدم المسموعات والمبصرات كما لا يلزم من قدم العلم قدم المعلومات لأنها صفات قديمة يحدث لها تعلقات بالحوادث، ولا يقال إن معنى سميع وبصير عليم لأنه يلزم منه كما قال ابن بطال التسوية بين الأعمى الذي يعلم أن السماء خضراء ولا يراها والأصم الذي يعلم أن في الناس أصواتًا ولا يسمعها، فقد صح أن كونه سميعًا بصيرًا يفيد قدرًا زائدًا على كونه عليمًا وكونه سميعًا بصيرًا يتضمن أنه يسمع بسمع ويبصر ببصر كما تضمن كونه عليمًا أنه يعلم بعلم، وقد أطلق تعالى على نفسه الكريمة هذه الأسماء خطابًا لمن هو من أهل اللغة، والمفهوم في اللغة من عليم ذات له علم بل يستحيل عندهم عليم بلا علم كاستحالته بلا معلوم فلا يجوز صرفه عنه إلا لقاطع عقلي یوجب نفيه. وقد أجيب عن قول المعتزلي بأن السمع ينشأ عن وصول الهواء المسموع إلى العصب المفروش في أصل الصماخ والله منزه عن الجوارح بأن ذلك عادة أجراها الله تعالى فيمن يكون حيًّا فيخلقه الله عند وصول الهواء إلى المحل المذكور، والله تعالى يسمع المسموعات بدون الوسائط، وكذا يرى المرئيات بدون المقابلة وخروج الشعاع فذاته تعالى مع كونه حيًّا موجودًا لا تشبه الذوات فكذلك صفات ذاته لا تشبه الصفات فيسمع ويبصر بلا جارحة حدقة وأذن بمرأى منه خفاء الهواجس وبمسمع منه صوت أرجل النمل على الصخرة الملساء وحظ العبد من هذين الاسمين أن يتحقق أنه بمسمع من الله ومرأى منه فلا يستهين باطّلاعه عليه ونظره إليه ويراقب مجامع أحواله من مقاله وأفعاله قيل إذا عصيت مولاك فاعص في موضع لا يراك. (وقال الأعمش) سليمان بن مهران فيما وصله أحمد والنسائي (عن تميم) أي ابن سلمة الكوفي (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة) رضي الله عنها أنها (قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات) أي أدرك سمعه الأصوات وليس المراد من الوسع ما يفهم من ظاهره لأن الوصف بذلك يؤدي إلى القول بالتجسيم فيجب صرفه عن ظاهره إلى ما يقتضي الدليل صحته (فأنزل الله تعالى على النبي وَّر ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ [المجادلة: ١]) كذا اختصره، وتمامه كما عند أحمد بعد قوله الأصوات: لقد جاءت المجادلة إلى رسول الله خير تكلمه في جانب البيت ما أسمع ما تقول فأنزل الله الآية. ٣٥٢ كتاب التوحيد/ باب ٩ وعند ابن ماجة وابن أبي حاتم أن عائشة قالت: تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء إني أسمع كلام خولة ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله بالقر وهي تقول له: يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك. قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية. ٧٣٨٦ - حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أبِي عُثْمانَ، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ نَّهَ فِي سَفَرٍ، فَكُنَّا إذا عَلَوْنا كَبَّرْنا فَقالَ: (آرْبَعُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أصَمَّ وَلا غائِبًا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا)). ثُمَّ أَتَى عَلَيَّ وَأنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاَّ بِالله فَقالَ لِي: ((يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ قُلْ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةً إلاَّ بِالله، فَإِنَّها كَتْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ - أوْ قالَ - ألا أدُلْكَ بِهِ)) . وبه قال: (حدثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم (عن أيوب) السختياني (عن أبي عثمان) عبد الرحمن بن ملّ النهدي (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري أنه (قال: كنا مع النبي ◌َّ ر في سفر) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تعيينه (فكنا إذا علونا) شرفًا (كبرنا) الله تعالى نقول الله أكبر نرفع أصواتنا بذلك (فقال) النبي وَلّ لنا: (أربعوا) بوصل الهمزة وفتح الموحدة وقال السفاقسي رويناه بكسرها (على أنفسكم) أي ارفقوا بها لا تبالغوا في رفع أصواتكم أو لا تعجلوا (فإنكم لا تدعون) بسكون الدال (أصم ولا غائبًا) ولم يقل ولا أعمى حتى يناسب أصم لأن الأعمى غائب عن الإحساس بالمبصر والغائب كالأعمى في عدم رؤيته ذلك المبصر فنفى لازمه ليكون أبلغ وأعم قاله في الكواكب (تدعون) وفي الدعوات لكن تدعون (سميعًا بصيرًا قريبًا) وهذا كالتعليل لقوله لا تدعون أصم قال أبو موسى (ثم أتى) وَّرِ (علّ) بالتشديد (وأنا أقول في نفسي لا حول ولا قوّة إلا بالله فقال لي يا عبد الله بن قيس قل: لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة). أي كالكنز في نفساته (أو قال: ألا أدلك به). أي ببقية الخبر والشك من الراوي. والحديث سبق في باب الدعاء إذا علا عقبة من كتاب الدعوات بهذا الإسناد والمتن. ٧٣٨٧ - ٧٣٧٨ - هدّثنا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمانَ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ يَزِيدَ عَنْ أبي الْخَيْرِ سَمِعَ عَبْدَ الله بْنَ عَمْرٍو أنَّ أبا بَكْرِ الصُّدِيقَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ◌َلِّر: يا رَسُولَ الله عَلْمْنِي دُعاءً أذْعُو بِهِ فِي صَلاتِي قالَ: ((قُلِ اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ أنْتَ فَاغْفِرْ لِي مِنْ عِنْدِكَ مَغْفِرَةٌ إِنَّكَ أنْتَ الْغَفُورَ الرَّحِيمُ)). وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) بن يحيى بن سعيد الجعفي أبو سعيد الكوفي نزيل مصر قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: بالجمع (ابن وهب) عبد الله قال: (أخبرني) بالإفراد ٣٥٣ كتاب التوحيد/ باب ١٠ (عمرو) بفتح العين ابن الحارث البصري (عن يزيد) من الزيادة ابن أبي حبيب سويد (عن أبي الخير) مرثد بن عبد الله بفتح الميم والمثلثة أنه (سمع عبد الله بن عمرو) بفتح العين ابن العاصي (أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال للنبي وَّر: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي :4(J (اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا) بالمثلثة على المشهور من الرواية ووقع بالموحدة للقابسي أي بملابستها ما يوجب عقوبتها (ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي من عندك مغفرة) عظيمة وفائدة قوله من عندك الدلالة على التعظيم أيضًا لأن عظمة المعطي تستلزم عظمة العطاء (إنك أنت الغفور الرحيم). ومناسبة الحديث للترجمة كما أشار إليه ابن بطال أن دعاء أبي بكر بما علمه النبي وَلِ ر يقتضي أن الله تعالى يسمع لدعائه ويجازيه عليه، وقال آخر: حديث أبي بكر رضي الله عنه ليس مطابقًا للترجمة إذ ليس فيه ذكر صفتي السمع والبصر لكنه ذكر لازمها من جهة أن فائدة الدعاء إجابة الداعي لمطلوبه والدعاء في الصلاة يطلب فيه الإسرار، فلولا أن سمعه تعالى يتعلق بالسر كما يتعلق بالجهر لما حصلت فائدة الدعاء. وقال في الكواكب: لما كان بعض الذنوب مما يسمع وبعضها مما يبصر لم يقع مغفرة إلا بعد الإسماع والإبصار حكاه في فتح الباري. والحديث سبق في باب الدعاء قبل السلام من كتاب الصلاة، وفي كتاب الدعوات. ٧٣٨٩ - حدثني عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ، أخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، حَدَّثَنِي عُزْوَةُ أَنَّ عائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها حَدَّثَتْهُ قالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ نادانِي قَالَ: إنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْل قَوْمِكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ)). وبه قال: (حدّثني عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا ابن وهب) عبد الله قال: (أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (حدّثني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (أن عائشة رضي الله عنها حدّثته) فقالت (قال النبي ◌َّ-): (إن جبريل عليه السلام ناداني) لما رجعت من الطائف ولم يقبل قومي ما دعوتهم إليه من التوحيد (قال إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك) أي جوابهم لك وردهم عليك وعدم قبولهم الإسلام. والحديث سبق بأتم من هذا في بدء الخلق. ١٠ - باب قَوْلِ الله تَعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ [الأنعام: ٦٥] (باب قول الله تعالى: ﴿قل هو القادر﴾ [الأنعام: ٦٥]) بالذات والمقتدر على جميع الممكنات وما عداه فإنما يقدر بإقداره على بعض الأشياء في بعض الأحوال فحقيق به أنه لا يقال إنه قادر إرشاد الساري/ ج ١٥/ م ٢٣ ٣٥٤ كتاب التوحيد/ باب ١٠ إلا مقيدًا أو على قصد التقييد قال الشيخ أبو القاسم القشيري ومن عرف أنه قادر على الكمال خشي سطوات عقوبته عند ارتكاب مخالفته وأمّل لطائف رحمته وزوائد نعمته عند سؤال حاجته لا بوسيلة طاعته لكن بكرمه ومنته، ولأبي ذر باب قوله: ﴿قل هو القادر﴾ وفي نسخة سقوط الباب فالتالي رفع. ٧٣٩٠ - حدثني إبْراهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ أَبِي الْمَوالِي قالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ: أخْبَرَنِي جابِرُ بْنُ عَبْدِ الله السَّلَمِيَّ قالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهَ يُعَلِّمُ أصْحابَهُ الاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلُّها، كَما يُعَلِّمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَقُولُ: ((إذا هَمَّ أحَدُكُمْ بِالأمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إنّي أسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأسْألُكَ مِنْ فَضْلِكَ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلا أعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ، آللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ هذا الأمْرَ، ثُمَّ يُسَمِيهِ بِعَيْنِهِ خَيْرًا لِي فِي عاجِلٍ أمْرِي وَآجِلِهِ، قالَ - أوْ فِي دِينِي وَمَعاشِي وَعَاقِبَةِ أمْرِي - فَأَقْدُرْهُ لِي وَيَسْرُهُ لِي ثُمَّ بارِكَ لِي فِيهِ، آللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ شَرِّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي، وَعَاقِبَةٍ أَمْرِي - أوْ قالَ فِي عاجِلِ أمْرِي وَآجِلِهِ - فَأَضْرِفْنِي عَنْهُ وَأَقْدُزْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كانَ ثُمَّ رَضْنِي بِهِ)). وبه قال: (حدّثني) ولأبي ذر: بالجمع (إبراهيم بن المنذر) الحزامي المدني قال: (حدّثنا معن بن عيسى) بفتح الميم وسكون العين المهملة المدني القزاز الإمام أبو يحيى قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن أبي الموالي) واسمه زيد وقيل أبو الموالي جده مولى آل عليّ (قال: سمعت محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير بالتصغير التيمي المدني الحافظ (يحدّث عبد الله بن الحسن) بن الحسن بفتح الحاء فيهما ابن علي بن أبي طالب وليس له ذكر في البخاري إلا في هذا الموضع (يقول: أخبرني) بالإفراد (جابر بن عبد الله السلمي) بفتح السين واللام الأنصاري رضي الله عنه (قال: كان رسول الله والله يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها) أي في المباحات والمستحبات أو في وقت فعل الواجب الموسع (كما يعلم) ولأبي ذر كما يعلمهم (السورة من القرآن يقول) صلوات الله وسلامه عليه: (إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة) في غير وقت الكراهة وقال الطيبي ١ قوله من غير الفريضة بعد قوله كما يعلمنا السورة من القرآن يدل على الاعتناء التام البالغ حده بالصلاة والدعاء وأنهما تلوان للفريضة والقرآن (ثم ليقل) بعد الصلاة أو في أثنائها في السجود أو بعد التشهد (اللهم إني أستخيرك بعلمك) استفعال من الخير ضد الشر أي أطلب منك الخيرة (وأستقدرك بقدرتك) أطلب منك أن تجعل لي عليه قدرة والباء فيهما للاستعانة أي إني أطلب خيرك مستعينًا بعلمك فإني لا أعلم فيمَ خيرتي وأطلب منك القدرة فإني لا حول لي ولا قوّة إلا بك أو للاستعطاف أي اللهم إني أطلب منك الخير بعلمك الشامل للخيرات وأطلب منك القدرة ٣٥٥ كتاب التوحيد/ باب ١١ بحق تقديرك المقدورات أن تيسرهما عليّ فيكون كقوله تعالى: ﴿قال رب بما أنعمت علّ﴾ [القصص: ١٧] (وأسألك من فضلك) وفي الدعوات زيادة العظيم (فإنك تقدر ولا أقدر) إلا بك (وتعلم) ما فيه الخيرة لي (ولا أعلم) ذلك (وأنت علام الغيوب اللهم فإن كنت تعلم) بالفاء في فإن كنت تعلم (هذا الأمر) وفي الدعوات أن هذا الأمر (ثم يسميه) بالتحتية والفوقية (بعينه) أي بأن ينطق به أو يستحضره بقلبه (خيرًا لي) نصب مفعول ثاني لتعلم (في عاجل أمري وآجله قال) الراوي: (أو) قال (في ديني ومعاشي) حياتي أو ما يعاش فيه (وعاقبة أمري فاقدره لي) بضم الدال أي أنجزه ليّ (ويسره لي ثم بارك لي فيه. اللهم إن) ولأبي ذر عن الكشميهني وإن (كنت تعلم أنه شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله فاصرفني عنه) حتى لا يبقى في تعلق به (واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به) بتشديد الضاد المعجمة أي اجعلني بذلك راضيًا فلا أندم على طلبه ولا على وقوعه والشك في الموضعين من الراوي. وسبق الحديث في باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى من كتاب التهجد وفي كتاب الدعوات، والله الموفق وبه المستعان. ١١ - باب مُقَلْبِ الْقُلُوبِ وَقَوْلِ الله تَعالى: ﴿وَنُقَلْبُ أفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠]. (باب مقلب القلوب. وقول الله تعالى) ولغير أبي ذر بإسقاط الباب فما بعده مرفوع وكذا قوله وقول الله تعالى: (﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾ [الأنعام: ١١٠]) فأما مقلب فخبر مبتدأ محذوف أي الله مقلب القلوب وما بعده معطوف عليه، والمعنى أنه تعالى مبدل الخواطر وناقض العزائم فإن قلوب العباد بيد قدرته يقلبها كيف يشاء، والأفئدة جمع فؤاد وهو القلب. وقال الراغب: الفؤاد كالقلب لكن يقال له فؤاد إذا اعتبر فيه معنى التفاؤد أي التوقد يقال: فأدت اللحم شويته ومنه لحم فيد أي مشوي وظاهر هذا أن الفؤاد غير القلب، ويقال فيه فواد بالواو بدلاً عن الهمزة، وقدم ذكر تقليب الأفئدة على الأبصار لأن موضع الدواعي والصوارف هو القلب فإذا حصلت الداعية في القلب انصرف البصر إليه شاء أم أبى، وإذا حصلت الصوارف في القلب انصرف عنه وهو وإن كان يبصره بحسب الظاهر إلا أنه لا يصير ذلك الإبصار سببًا للوقوف على الفوائد المطلوبة فلما كان المعدول هو القلب، وأما السمع والبصر فهما آلتان للقلب كانا لا محالة تابعين للقلب فلذا وقع الابتداء بذكر تقليب القلوب ثم أتبعه بذكر البصر. ٧٣٩١ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمانَ، عَنِ ابْنِ الْمُبارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سالِمٍ، عَنْ عَبْدِ الله قالَ: أكْثَرُ ما كانَ النَّبِيُّ وَّهَ يَخْلِفُ ((لا وَمُقَلْبِ الْقُلُوبِ)). وبه قال: (حدّثني) ولأبي ذر بالجمع (سعيد بن سليمان) الملقب بسعدويه الواسطي نزيل ٣٥٦ كتاب التوحيد/ باب ١٢ بغداد (عن ابن المبارك) عبد الله (عن موسى بن عقبة) صاحب المغازي (عن سالم عن) أبيه (عبد الله) بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أنه (قال: أكثر ما كان النبي ◌َّقو يحلف لا ومقلب القلوب) أي لا أفعل أو لا أقول وحق مقلب القلوب، وفي نسبة مقلب القلوب إلى الله تعالى إشعار بأنه يتولى قلوب عباده ولا يكلها إلى أحد من خلقه، وفي دعائه وَلهو: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)) إشارة إلى شمول ذلك للعباد حتى الأنبياء ودفع توهم من يتوهم أنهم يستثنون من ذلك قاله البيضاوي. وفي الحديث أن أعراض القلوب من إرادة وغيرها تقع بخلق الله وجواز تسمية الله بما ثبت في الحديث وإن لم يتواتر وجواز اشتقاق الاسم له من الفعل الثابت، والحديث مرّ في القدر. ١٢ - باب إنَّ لله مِائَةَ أَسْمٍ إلاَّ واحِدًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ ذُو الْجَلالِ: الْعَظَمَةِ الْبَرُّ اللَّطِيفُ (باب) بالتنوين يذكر فيه (إن الله مائة اسم إلا واحدًا) ولفظ الباب ثابت لأبي ذر وفي روايته عن الحموي والمستملي إلا واحدة بلفظ التأنيث باعتبار معنى التسمية. (قال ابن عباس) رضي الله عنهما: (ذو الجلال) أي (العظمة) وعند ابن كثير في تفسيره. وقال ابن عباس ذو الجلال والإكرام ذو العظمة والكبرياء اهـ. فهو تعالى ذو الجلال الذي لا جلال ولا كمال إلا وهما له مطلقان عم جلاله جميع الأكوان فلم تطق الأكوان رؤيته في الدنيا لهيبة الجلال، فإذا كان في اليوم الموعود فإنه تعالى يبرز لعباده المؤمنين في الجمال والجلال والأنس فينظرون إليه فتعود أنوار النظر عليهم فيتجدد لهم قوّة يقدرون بها على النظر إليه لا أحرمنا الله ذلك بمنّه وفضله ولأبي ذر عن الكشميهني العظيم. وقال ابن عباس أيضًا فيما وصله الطبري: (البر) معناه (اللطيف). وقال غيره البر المحسن فما من برِّ وإحسان إلا وهو موليه قال القشيري من كان الله تعالى بارًا به عصم عن المخالفات نفسه وأدام بفنون اللطائف أنسه وطيب فؤاده وحصل مراده وجعل التقوى زاده. قال: ومن آداب من عرف أنه تعالى البر أن يكون بارًا بكل أحد لا سيما بأبويه. ٧٣٩٢ - حدثنا أبُو الْيَمانِ، أخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزنادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قالَ: ((إنَّ له تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إلاَّ واحِدًا، مَنْ أحصاها دَخَلَ الْجَنَّةَ)). أخصَيْناهُ: حَفِظْناهُ. وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله وَاخر قال): ٣٥٧ كتاب التوحيد/ باب ١٢ (إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا) ولأبي ذر: إلا واحدة بالتأنيث، وفائدة قوله مائة إلا واحدًا التأكيد والفذلكة لئلا يزاد على ما ورد كقوله: ﴿تلك عشرة كاملة﴾ [البقرة: ١٩٦] ورفع التصحيف فإن تسعة تصحف بسبعة وتسعين بسبعين بالموحدة فيهما. وفي الاستثناء إشارة إلى أن الوتر أفضل من الشفع إن الله وتر يجب الوتر. فإن قيل: إذا قلنا بأن الاسم عين المسمى على ما هو الصحيح لزم من قوله إن لله تسعة وتسعين اسمًا الحكم بتعدد الإله؟ والجواب: من وجهين أحدهما: أن المراد من الاسم هنا اللفظ ولا خلاف في ورود الاسم بهذا المعنى إنما النزاع في أنه هل يطلق، ويراد به المسمى عينه ولا يلزم من تعدد الأسماء تعدد المسمى، والثاني: أن كل واحد من الألفاظ المطلقة على الله تعالى يدل على ذاته باعتبار صفة حقيقية أو غير حقيقية، وذلك يستدعي التعدد في الاعتبارات والصفات دون الذات ولا استحالة في ذلك، وفيه كما قال الخطابي دليل على أن أشهر أسمائه تعالى الله لإضافة هذه الأسماء إليه وقد روي أنه الاسم الأعظم. وقال ابن مالك: ولكون الله اسمًا علمًا وليس بصفة قيل في كل اسم من أسمائه تعالى سواه اسم من أسماء الله وهو من قول الطبري على ما رواه النووي إلى الله ينسب كل اسم له فيقال الكريم من أسماء الله ولا يقال من أسماء الكريم الله (من أحصاها) أي حفظها كما فسره به البخاري كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى والأكثرون ويؤيده ما سبق في الدعوات لا يحفظها أحد إلا (دخل الجنة) أو المعنى ضبطها حصرًا وتعدادًا وعلمًا وإيمانًا وذكر الجزاء بلفظ الماضي تحقيقًا أو بمعنى الإطاقة أي أطاق القيام بحقها والعمل بمقتضاها وذلك بأن يعتبر معانيها فيطالب نفسه بما تتضمنه من صفات الربوبية وأحكام العبودية فيتخلق بها. وقال الطيبي: إنما أكد الإعداد دفعًا للتجوّز واحتمال الزيادة والنقصان وقد أرشد الله تعالى بقوله ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه إلى عظم الخطب في الإحصاء بأن لا يتجاوز المسموع والأعداد المذكورة وأن لا يلحد فيها إلى الباطل اهـ. ثم إن مفهوم الاسم قد يكون نفس الذات والحقيقة، وقد يكون مأخوذًا باعتبار الأجزاء، وقد يكون مأخوذًا باعتبار الصفات والأفعال والسلوب والإضافات ولا خفاء في تكثر أسماء الله تعالى بهذا الاعتبار وامتناع ما يكون باعتبار الجزء لتنزهه تعالى عن التركيب. فإن قلت: اعتبار السلوب والإضافة يقتضي تكثر أسماء الله تعالى جدًّا فما وجه التخصيص بالتسعة والتسعين على ما نطق به الحديث على أنه قد دل الدعاء المشهور عنه وَّل ار عن أن الله تسعة أسماء لم يعلمها أحدًا من خلقه واستأثر بها في علم الغيب عنده. وورد في الكتاب والسُّنّة أسام خارجة عن التسعة والتسعين كالكافي والدائم والصادق وذي المعارج وذي الفضل والغالب إلى غير ذلك؟ أجيب: بوجوه منها أن التنصيص على العدد لا لنفي الزيادة بل لغرض آخر كزيادة الفضيلة ٣٩٨ كتاب التوحيد/ باب ١٣ مثلاً. ومنها: أن قوله من أحصاها دخل الجنة في موضع الوصف كقوله للأمير عشرة غلمان يكفونه مهماته بمعنى أن لهم زيادة قرب واشتغال بالمهمات. فإن قلت: إن كان اسمه الأعظم خارجًا عن هذه الجملة فكيف يختص ما سواه بهذا الشرف وإن كان داخلاً فكيف يصح أنه مما اختص بمعرفة نبي أو وليّ وأنه سبب كرامات عظيمة لمن عرفه حتى قيل إن آصف بن برخيا إنما جاء بعرش بلقيس لأنه قد أوتي الاسم الأعظم؟ أجيب: باحتمال أن يكون خارجًا وتكون زيادة شرف تسعة وتسعين وجلالتها بالإضافة إلى ما عداه وأن يكون داخلاً مبهمًا لا يعرفه بعينه إلا نبي أو ولي، ومنها أن الأسماء منحصرة في تسعة وتسعين والرواية المشتملة على تفصيلها غير مذكورة في الصحيح ولا خالية عن الاضطراب والتغيير، وقد ذكر كثير من المحدّثين أن في إسنادها ضعفًا قاله في شرح المقاصد. قال البخاري: (أحصيناه) أي (حفظناه). وأشار به إلى أن معنى أحصاها حفظها، لكن قال الأصيلي: الإحصاء للأسماء العمل بها لا عدّها ولا حفظها لأن ذلك قد يقع للكافر والمنافق كما في حديث الخوارج يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، وقال في الكواكب: أي حفظها وعرفها لأن العارف بها لا يكون إلا مؤمنًا والمؤمن يدخل الجنة لا محالة، وهذا أعني قوله أحصيناه حفظناه ثبت في رواية أبي ذر عن الحموي. والحديث سبق في الشروط متنا وإسنادًا. ١٣ - باب السُّؤَالِ بِأسْماءِ الله تَعالى وَالاسْتِعاذَةِ بِها (باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها) ولفظ باب ثابت في رواية أبي ذر. ٧٣٩٣ - حدّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الله حَدَّثَنِي مالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قالَ: ((إذا جاءَ أحَدُكُمْ إلى فِراشِهِ فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةٍ ثَوْبِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ وَلْيَقُلْ: بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَها وَإِنْ أرْسَلْتَها فَأَحْفَظُها بِما تَحْفَظُ بِهِ عِبادِكَ الصَّالِحِينَ)). تابَعَهُ يَحْيى وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ النَّبِّ وَِّ. وَزادَ زُهَيْرٌ وَأَبُو ضَمْرَةً وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيًّا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِّ نَّهِ. رَوَاهُ ابْنُ عَجْلانَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّرِ. تابَعَهُ تَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْنِ، وَالدَّرَاوَزْدِيُّ وَأُسَامَةُ بْنُ حَقْصٍ. وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي المدني قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر بالجمع (مالك) الإمام ابن أنس الأصبحي (عن سعيد بن أبي سعيد) كيسان (المقبري) بضم الموحدة نسبة إلى مقبرة المدينة (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن النبي ◌َّ) أنه (قال): ٣٥٩ كتاب التوحيد/ باب ١٣ (إذا جاء أحدكم إلى فراشه) لينام عليه (فلينفضه) بضم الفاء قبل أن يدخل فيه (بصنفة ثوبه) بباء الجر بعدها صاد مهملة مفتوحة فنون مكسورة ففاء فهاء تأنيث أي بطرف ثوبه أو حاشيته أو طرته وهو جانبه الذي لا هدب له (ثلاث مرات) حذرًا من وجود مؤذية كعقرب أو حية وهو لا يشعر ويده مستورة بحاشية الثوب لئلا يحصل بها مكروه إن كان ثم شيء (وليقل باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه) الباء للاستعانة أي بك أستعين على وضع جنبي ورفعه (إن أمسكت نفسي) توفيتها (فاغفر لها وإن أرسلتها) رددتها (فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) ذكر المغفرة عند الإمساك لأن المغفرة تناسب الميت والحفظ عند الإرسال لمناسبته له، والباء في بما تحفظ كهي في كتبت بالقلم، وما موصولة مبهمة وبيانها ما دل عليه صلتها لأنه تعالى إنما يحفظ عباده الصالحين من المعاصي وأن لا يهنوا في طاعته بتوفيقه ولطفه. (تابعه) أي تابع عبد العزيز الأويسي في روايته عن مالك (يحيى) بن سعيد القطان فيما رواه النسائي (وبشر بن المفضل) بالضاد المعجمة المشددة فيما رواه ضاد المعجمة المشددة فيما رواه مسدد كلاهما (عن عبيد الله) بضم العين ابن عمر العمري (عن سعيد) أي ابن أبي سعيد (عن أبي هريرة عن النبي ◌ِّر. وزاد زهير) بضم الزاي وفتح الهاء ابن معاوية فيما سبق في الدعوات (وأبو ضمرة) بالضاد المعجمة المفتوحة بعدها ميم ساكنة أنس بن عياض فيما رواه مسلم (وإسماعيل بن زكريا) فيما رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده (عن عبيد الله) العمري (عن سعيد عن أبيه) أبي سعيد كيسان المقبري (عن أبي هريرة عن النبي (وَل*). والمراد بالزيادة لفظة عن أبيه. (ورواه) أي الحديث المذكور (ابن عجلان) بفتح العين المهملة وسكون الجيم محمد الفقيه المدني فيما رواه أحمد (عن سعيد) أي ابن أبي سعيد المقبري (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن النبي وَّ ر. تابعه) أي تابع محمد بن عجلان (محمد بن عبد الرحمن) الطفاوي البصري (والدراوردي) عبد العزيز بن محمد فيما رواه محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني عنه (وأسامة بن حفص). والمراد بهذه التعاليق بيان الاختلاف على سعيد المقبري هل روى الحديث عن أبي هريرة بلا واسطة أو بواسطة أبيه؟ ومتابعة محمد بن عبد الرحمن هذه سقطت لأبي ذر. ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه. قال ابن بطال: مقصود البخاري بهذه الترجمة تصحيح الدليل بأن الاسم هو المسمى، ولذلك صحّت الاستعاذة به والاستعانة يظهر ذلك في قوله: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، فأضاف الوضع إلى الاسم والرفع إلى الذات، فدلّ على أن الاسم هو الذات وقد استعان وضعًا ورفعًا بها لا باللفظ اهـ. قال في شرح المقاصد: المتأخرون اقتصروا على ما اختلفوا فيه من مغايرة الاسم المسمى، ثم قال: والاسم هو اللفظ المفرد الموضوع للمعنى على ما يعم أنواع الكلمة وقد يقيد بالاستقلال والتجرد عن الزمان فيقابل الفعل والحرف على ما هو مصطلح النحاة، والمسمى هو المعنى الذي وضع الاسم بإزائه والتسمية هي وضع الاسم للمعنى، وقد يراد بها ذكر الشيء باسمه كما يقال: ٣٦٠ كتاب التوحيد/ باب ١٣ سمى زيدًا ولم يسم عمرًا فلا خفاء في تغاير الأمور الثلاثة، وإنما الخفاء فيما ذهب إليه بعض أصحابنا من أن الاسم نفس المسمى، وفيما ذكره الشيخ الأشعري من أن أسماء الله تعالى ثلاثة أقسام: ما هو نفس المسمى مثل الله الدال على الوجود أي الذات الكريمة وما هو غيره كالخالق والرازق ونحو ذلك مما يدل على فعل وما لا يقال إنه هو ولا غيره كالعالم والقادر، وكل ما دل على الصفات القديمة. وأما التسمية فغير الاسم والمسمى وتوضيحه أنهم يريدون بالتسمية اللفظ وبالاسم مدلوله، كما يريدون بالوصف قول الواصف وبالصفة مدلوله، وكما يقولون: إن القراءة حادثة والمقروء قديم فالأصحاب اعتبروا المدلول المطابقي فأطلقوا القول بأن الاسم نفس المسمى للقطع بأن مدلول الخالق شيء ناله الخلق لا نفس الخلق، ومدلول العالم شيء ناله العلم لا نفس العلم، والشيخ أخذ المدلول أعم واعتبر في أسماء الصفات المعاني المقصودة، فزعم أن مدلول الخالق الخلق وهو غير الذات ومدلول العالم العلم وهو لا عين ولا غير وتمسكوا في ذلك بالعقل والنقل. أما العقل؛ فلأنه لو كانت الأسماء غير الذات لكانت حادثة فلم يكن الباري تعالى في الأزل إلهًا وعالِمًا وقادرًا ونحو ذلك وهو محال بخلاف الخالقية فإنه يلزم من قدمها قدم المخلوق إذا أريد الخالق بالفعل كالقاطع في قولنا السيف قاطع عند الوقوع بخلاف قولنا السيف قاطع في الغمد بمعنى أن من شأنه ذلك فإن الخالق حينئذٍ معناه له الاقتدار على ذلك. وأما النقل؛ فلقوله تعالى: ﴿سبح اسم ربك﴾ [الأعلى: ١] والتسبيح إنما يكون للذات دون اللفظ، وقوله تعالى: ﴿ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها﴾ [يوسف: ٤٠] وعبادتهم إنما هي للأصنام التي هي المسميات دون الأسامي، وأما التمسك بأن الاسم لو كان غير المسمى لما كان قولنا محمد رسول الله حكمًا بثبوت الرسالة له وَ ل# بل لغيره فشبهة واهية فإن الاسم وإن لم يكن نفس المسمى لكنه دالّ عليه ووضع الكلام على أن تذكر الألفاظ وترجع الأحكام إلى المدلولات كقولنا: زيد كاتب أي مدلول زيد متصف بمعنى الكتابة، وقد ترجع بمعونة القرينة إلى نفس اللفظ كما في قولنا: زيد مكتوب وثلاثي ومعرب ونحو ذلك. وأجيب: عن الأول: بأن الثابت في الأزل معنى الإلهية والعلم ولا يلزم من انتفاء اسم بمعنى اللفظ انتفاء ذلك المعنى، وعن الثاني بأن معنى تسبيح الاسم تقديسه وتنزيهه عن أن يسمى به الغير أو عن أن يفسر بما لا يليق به أو عن أن يذكر على غير وجه التعظيم أو هو كناية عن تسبيح الذات كما في قولهم: سلام على المجلس الشريف والجناب المنيف، وفيه من التعظيم والإجلال ما لا يخفى أو لفظ الاسم مقحم كما في قول الشاعر: ثم اسم السلام عليكما ومعنى عبادة الأسماء أنهم يعبدون الأصنام التي ليس فيها من الإلهية إلا مجرد الاسم كمن