النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
كتاب الأحكام/ باب ٩
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) بن شاهين أبو بشر (الواسطي) قال: (حدّثنا خالد) هو ابن
عبد الله الطحان (عن الجريري) بضم الجيم وفتح الراء نسبة إلى جرير بن عباد واسمه سعيد بن
إياس (عن طريف) بالطاء المهملة آخره فاء بوزن عظيم (أبي تميمة) بالفوقية بوزن عظيمة ابن مجالد
بضم الميم وتخفيف الجيم الجهيمي بضم الجيم مصغرًا نسبة إلى بني الجهيم بطن من تميم وكان
مولاهم أنه (قال: شهدت صفوان) بن محرز بن زياد التابعي البصري (وجندبًا) بضم الجيم والدال
المهملة بينهما نون ساكنة ابن عبد الله البجلي الصحابي المشهور (وأصحابه) أي أصحاب صفوان
(وهو) أي صفوان بن محرز (يوصيهم) بسكون الواو وعند الكرماني الضمير راجع إلى جندب وكذا
هو في الأطراف للمزي، ولفظه: شهدت صفوان وأصحابه وجندبًا يوصيهم (فقالوا) أي صفوان
وأصحابه لجندب (هل سمعت من رسول الله وَلثر شيئًا؟ قال): نعم (وسمعته) وَل (يقول):
(من سمع سمع الله به يوم القيامة) بفتح السين والميم المشددة أي من عمل للسمعة يظهر الله
للناس سريرته ويملأ أسماعهم بما ينطوي عليه، وقيل سمع الله به أي يفضحه يوم القيامة وقيل
معناه من سمع بعيوب الناس وأذاعها أظهر الله عيوبه، وقيل أسمعه المكروه، وقيل أراه الله ثواب
ذلك من غير أن يعطيه إياه لكون حسرة عليه، وقيل من أراد أن يعلمه الناس أسمعه الله الناس
و کان ذلك حظه.
(قال) عليه الصلاة والسلام: (ومن يشاقق) ولأبي ذر عن الكشميهني بإسقاط إحدى القافين
أي يضر الناس ويحملهم على ما يشق من الأمر أو يقول فيهم أمرًا قبيحًا ويكشف عن عيوبهم
ومساويهم (يشقق الله عليه) يعذبه (يوم القيامة) ويشاقق ويشقق بلفظ المضارع وفك القاف فيهما
(فقالوا) له: (أوصنا. فقال) جندب (إن أول ما ينتن) بضم التحتية وسكون النون وكسر الفوقية
قال في الصحاح نتن الشيء وأنتن بمعنى فهو منتن ومنتن بكسر الميم إتباعًا لكسرة التاء والنتن
الرائحة الكريهة (من الإنسان) بعد موته (بطنه فمن استطاع أن لا يأكل إلاّ طيبًا) أي حلالاً
(فليفعل ومن استطاع أن لا يحال) بضم التحتية وفتح الحاء المهملة مبنيًّا للمفعول وللأصيلي وأبي ذر
عن الكشميهني أن لا يحول (بينه وبين الجنة ملء كفه) كذا للكشميهني ملء بغير حرف الجر ورفع
ملء على أنه فاعل بفعل محذوف دل عليه المتقدم أي يحول بينه وبين الجنة ملء كفه ولأبي ذر عن
الحموي والمستملي بملء كف (من دم) بغير ضمير ومن بيانية (أهراقه) بفتح الهمزة وسكون الهاء
صبه بغير حقه (فليفعل).
وهذا الحديث وإن كان ظاهره أنه موقوف فهو في حكم المرفوع لأنه لا يقال بالرأي. نعم
وقع مرفوعًا عند الطبراني من طريق الأعمش من أبي تميمة بلفظ قال رسول الله وَالر: (لا يحولن
بين أحدكم وبين الجنة)) فذكر نحو رواية الجريري.
قال الفربري (قلت لأبي عبد الله) محمد بن إسماعيل البخاري (من يقول سمعت رسول
الله ◌َل جندب؟ قال: نعم جندب) وفي الفرع كأصله سقوط قوله قلت إلخ لأبي ذر، وقال في
الفتح: وقد خلت رواية النسفي من ذلك.

١٠٢
كتاب الأحكام/ باب ١٠
١٠ - باب الْقَضاءِ وَالْقُتْيا فِي الطَّريقِ
وَقَضى يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ فِي الطَريقِ وَقَضَى الشَّغْبِيِّ عَلى بابِ دارِهِ.
(باب) جواز (القضاء والفتيا) حال كونهما (في الطريق) وعن أشهب لا بأس بالقضاء إذا
كان سائرًا إذا لم يشغله عن الفهم. وقال السفاقسي: لا يجوز فيما يكون غامضًا.
(وقضى يحيى بن يعمر) بفتح التحتية والميم بينهما عين مهملة ساكنة التابعي المشهور قاضي
مرو (في الطريق) كما وصله ابن سعد في طبقاته. (وقضى الشعبي) بفتح المعجمة وسكون المهملة
وبالموحدة المكسورة عامر بن شراحيل (على باب داره) وصله أيضًا ابن سعد.
٧١٥٣ - حدثنا عُثْمَانُ بْنُ أبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الْجَعْدِ،
حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مالِكِ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: بَيْنَما أنا وَالنَّبِيُّ وََّ خَارِجَانِ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَلَقِيَنَا رَجُلٌ
عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ فَقالَ: يا رَسُولَ الله مَتَّى السّاعَةُ؟ قالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((ما أَعْدَدْتَ لَها)»؟ فَكَأنَّ
الرَّجُلَ أَسْتَكانَ ثُمَّ قالَ يا رَسُولَ الله: ما أعْدَذْتُ لَها كَبِيرَ صِيامٍ وَلا صَلاةٍ وَلا صَدقَةٍ، وَلكِنّي
أُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ قالَ: ((أنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ)).
وبه قال: (حذّثنا عثمان بن أبي شيبة) أخو أبي بكر قال: (حدّثنا جرير) بفتح الجيم ابن
عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن سالم بن أبي الجعد) رافع الأشجعي مولاهم الكوفي
أنه قال: (حذّثنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بينما) بالميم (أنا والنبي ◌َّز خارجان من
المسجد فلقينا رجل) بكسر القاف وفتح التحتية (عند سدة المسجد) بضم السين وفتح الدال المشددة
المهملتين المظلة على بابه لوقاية المطر والشمس أو الباب أو عتبته أو الساحة أمام بابه والرجل قال
ابن حجر لم أعرف اسمه لكن في الدارقطني أنه ذو الخويصرة اليماني (فقال: يا رسول الله متى
الساعة)؟ تقوم (قال النبي ◌َلير):
(ما أعددت لها)؟ ما هيأت لها من عمل (فكأن الرجل استكان) افتعل من السكون فتكون
ألفه خارجة عن القياس، وقيل إنه استفعل من الكون أي انتقل من كون إلى كون كما قالوا
استحال إذا انتقل من حال إلى حال، وقوّة المعنى تؤيد الأوّل إذ الاستكانة هي الخضوع والانقياد
وهو يناسب السكون والخروج عن القياس يضعفه والقياس يؤيد الثاني وقوة المعنى تضعفه إذ ليس
بينهما أعني المشتق والمشتق منه مناسبة ظاهرة فيحتاج إثباتها إلى تكلف، وقيل هو مشتق من الكين وهو
لحم باطن الفرج إذ هو في أذل المواضع أي صار مثله في الذل وقيل كان يكين بمعنى خضع وذل
والوجه بناء على هذا هو الثاني إذ لا يلزم الخروج عن القياس ولا عدم المناسبة ولو كانت هذه
اللفظة مشهورة لكان أحسن الوجوه قاله في المصابيح، ولأبي ذر عن الكشميهني: قد استكان.

١٠٣
كتاب الأحكام/ باب ١١
(ثم قال: يا رسول الله ما أعددت) بالهمزة كالسابقة ولأبي ذر عن الكشميهني ما عدّدت
بغير همزة. قال في الفتح: وهو بالتشديد مثل جمع مالاً وعدده اهـ. وقال المفسرون: جمع مالاً
وعدّده أي أعدّه لنوائب الدهر مثل كرّم وأكرم، وقيل أحصى عدده قاله السدي، وقرأ الحسن
والكلبي بتخفيف الدال أي جمع مالاً وعدد ذلك المال، والمعنى هنا ما هيأت (لها كبير صيام) بالباء
الموحدة ولبعضهم بالمثلثة (ولا صلاة ولا صدقة ولكني) بكسر النون المشددة ولأبي ذر عن الحموي
والمستملي ولكن بسكون النون مخففة (أحب الله ورسوله. قال) وَسير له: (أنت) في الجنة (مع من
أحببت). فألحقه بحسن نيته من غير زيادة عمل بأصحاب الأعمال الصالحة. وقال ابن بطال: فيه
جواز سكوت العالم عن جواب السائل والمستفتي إذا كانت المسألة لا تعرف أو كانت مما لا حاجة
بالناس إليها أو كانت مما يخشى منها الفتنة أو سوء التأويل.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله عند السدة. قال المهلب: الفتيا في الطريق وعلى الدابة
ونحو ذلك من التواضع فإن كانت للضعيف فمحمودة وإن كانت لشخص من أهل الدنيا أو ممن
يخشى فمكروهة لكن إذا خشي من الثاني ضررًا وجب ليأمن شره.
والحديث سبق في الأدب في باب علامات حب الله.
١١ - باب ما ذُكِرَ أنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَوَابٌ
(باب ما ذكر أن النبي وَله لم يكن له بواب) راتب ليمنع الناس من الدخول عليه.
٧١٥٤ - حدثنا إسْحُقُ، أخْبَرَنا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنا ثابتٌ الْبُنانِيُّ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مالِكِ يَقُولُ لإِرَأةٍ مِنْ أهْلِهِ: تَعْرِفِينَ فُلانَةَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ فَإِنَّ النَّبِيِّ نََّ مَرَّ بِها وَهْيَ
تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقالَ: (أَنَّقي الله وَاصْبِرِي)) فَقالَتْ: إِلَيْكَ عَنّي فَإِنَّكَ خِلْوٌ مِنْ مُصيبَتِي قَالَ:
فَجَاوَزَها وَمَضِى فَمَرَّ بِها رَجُلٌ فَقالَ: ما قالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ وَهِ قَالَتْ: ما عَرَفْتُهُ قالَ: إِنَّهُ لَرَسُولُ
الله ﴿ قالَ: فَجاءَتْ إلى بابِهِ فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِ بَوّابًا فَقالَتْ: يا رَسُولُ الله وَالله ما عَرَفْتُكَ فَقالَ
النّبِيِّ ◌َ﴿: ((إِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أوَّلٍ صَدْمَةٍ)).
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) ولأبي ذر والأصيلي: إسحق بن منصور أي ابن بهرام الكوسج
أبو يعقوب المروزي قال: (أخبرنا) ولأبي ذر والأصيلي: حدّثنا (عبد الصمد) بن عبد الوارث
قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا ثابت البناني) بضم الموحدة وفتح النون (عن أنس بن
مالك) رضي الله عنه ولأبي ذر قال: سمعت أنس بن مالك (يقول لامرأة من أهله: تعرفين فلانة)
لم يقف الحافظ على اسم المرأتين (قالت: نعم) أعرفها (قال: فإن النبي ◌َّ مرّ بها وهي) أي
والحال أنها (تبکي عند قبر فقال) لها:
(اتقي الله) توطئة لقوله (واصبري) بكسر الموحدة أي لا تجزعي وخافي غضب الله واصبري

١٠٤
كتاب الأحكام/ باب ١٢
حتى تثابي فأجابت (فقالت) له: (إليك) أي تنح وابعد (عني فإنك خلو) بكسر المعجمة وسكون
اللام خال (من مصيبتي). وعند أبي يعلى من حديث أبي هريرة أنها قالت: يا عبد الله إني أنا
الحراء الثكلاء ولو كنت مصابًا عذرتني (قال) أنس: (فجاوزها) وَّر (ومضى فمرّ بها رجل) هو
الفضل بن العباس (فقال) لها: (ما قال لك رسول الله وَ﴾؟ قالت) له: (ما عرفته. قال: إنه
لرسول الله (*) زاد مسلم في رواية له فأخذها مثل الموت أي من شدة الكرب الذي أصابها لما
عرفت أنه رسول الله وَ لتر (قال) أنس: (فجاءت) أي المرأة (إلى بابه) عليه الصلاة والسلام (فلم
تجد عليه بوابًا) أي راتبًا تواضعًا منه وَّر، فلا يعارض هذا حديث أبي موسى أنه كان بوّابًا له عليه
الصلاة والسلام لما جلس على القف، وحديث عمر لما استأذن له الأسود في قصة حلفه أن لا
يدخل على نسائه شهرًا لأنه ◌َ لو كان في خلوة نفسه يتخذ البوّاب. واختلف في مشروعية الحجاب
للحاكم فقال إمامنا الشافعي: لا ينبغي اتخاذه له، وقال آخرون بالجواز، وقال آخرون يستحب
الترتيب الخصوم ومنع المستطيل ودفع الشرّير ويكره دوام الاحتجاب، وقد يحرم ففي أبي داود
والترمذي بسند جيد عن أبي مريم الأسدي مرفوعًا: مَن ولاه الله من أمر الناس شيئًا فاحتجب عن
حاجتهم احتجب الله عن حاجته يوم القيامة. وقال في شرح المشكاة: فائدة قوله فلم تجد عنده
بوّابًا إنه لما قيل لها إنه لرسول الله وَلقر استشعرت خوفًا وهيبة في نفسها فتصوّرت أنه مثل الملوك
له حاجب وبوّاب يمنع الناس من الوصول إليه فوجدت الأمر بخلاف ما تصوّرته.
(فقالت: يا رسول الله والله ما عرفتك. فقال النبي (وَلـ) لها (إن الصبر عند أول صدمة)
ولأبي ذر عن الكشميهني: عند أول الصدمة بالتعريف، والمعنى إذا وقع الثبات أول شيء يهجم
على القلب من مقتضيات الجزع فهو الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر فالمرء لا يؤجر على
المصيبة لأنها ليست من صنعه وإنما يؤجر على حسن تثبته وجميل صبره.
وسبق الحديث في الجنائز في باب زيارة القبور.
١٢ - باب الْحاكِم يَحْكُمُ بِالْقَتْلِ
عَلى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دُونَ الإمام الَّذِي فَوْقَهُ
(باب) ذكر (الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه) القتل (دون الإمام الذي فوقه) أي
الذي ولاه من غير احتياج إلى استئذانه في خصوص ذلك وباب مضاف لتاليه في الفرع، وقال
العيني: ليس مضافًا وإن قوله الحاكم رفع بالابتداء وقوله يحكم بالقتل خبره. وقال في الكواكب
وتبعه البرماوي قوله دون هو إما بمعنى عند وإما بمعنى غير، لكن الحديث الثاني يدل على أنه
بمعنى غير ليس إلا والأول يحتملهما.
٧١٥٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ خالِدِ الذُّهْلِيُّ، حَدَّثَنَا الأنْصارِيُّ مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا أبي عَنْ ثُمامَةَ،
عَنْ أَنَسٍ أنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ كانَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَي النَّبيِّ ◌َّهِ بِمَنْزِلَةَ صاحِبِ الشُّرَطِ مِنَ الأميرِ.

١٠٥
کتاب الأحكام/ باب ١٢
وبه قال: (حدّثنا محمد بن خالد) هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس
(الذهلي) بضم المعجمة وسكون الهاء وكسر اللام وسقط الذهلي لأبي ذر قال: (حدّثنا الأنصاري
محمد) بتقديم النسبة على الاسم وهي رواية أبي زيد المروزي كما في الفتح وللأكثر حدّثنا محمد بن
عبد الله الأنصاري قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر: حدّثني (أبي) عبد الله بن المثنى بن
عبد الله بن أنس (عن) عم أبيه (ثمامة) بضم المثلثة وتخفيف الميم الأولى والثانية بينهما ألف (عن
أنس) رضي الله عنه (أن قيس بن سعد). قال في الفتح: وزاد في رواية المروزي ابن عبادة أي
الأنصاري الخزرجي لا قيس بن سعد بن معاذ ولأبي ذر عن أنس بن مالك قال: إن قيس بن
سعد (كان يكون بين يدي النبي ◌َّ ه بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير). بضم المعجمة وفتح الراء
بعدها طاء مهملة. وزاد الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن محمد بن مرزوق عن الأنصاري مما
أدرجه الأنصاري من كلامه كما بيّنه الترمذي لما ينفذه من أموره. والشرطة أعوان الأمير الذين
يتصرفون في الجند بأمره والمراد بصاحب الشرطة كبيرهم، فقيل سموا بذلك لأنهم رذالة الجند أو
لأنهم الأشداء الأقوياء من الجند. قال الأزهري: شرطة كل شيء خياره، ومنه الشرطة لأنهم نخبة
الجند وقيل هم أول طائفة تتقدم الجيش وتشهد الوقعة، وقيل مأخوذ من الشريط وهو الحبل المبرم
لما فيهم من الشدة.
وفي الحديث تشبيه ما مضى بما حدث بعده، لأن صاحب الشرطة لم يكن موجودًا في
العهد النبوي عند أحد من العمال، وإنما حدث في دولة بني أمية فأراد أنس تقريب حال
قيس بن سعد عند السامعين فشبهه بما يعهدونه وفائدة تكرار لفظ الكون في قوله كان يكون بيان
الدوام والاستمرار كما قاله في الكواكب.
وقوله في الفتح إنه وقع في الترمذي وغيره من طرق عن الأنصاري كان قيس بن سعد من
النبي ◌َّو قال: فظهر أن ذلك كان من تصرف الرواة، تعقبه العيني بأن رواية الترمذي وغيره لا
تستلزم نفي رواية كان يكون فإن كلاً لا يروي إلا ما ضبطه فعدم النسبة إلى تصرف الرواة أولى
من كونهم تصرفوا في ذلك من أنفسهم ومفهوم التكرار، وزيادة الإسماعيلي أن ذلك كان لقيس
على سبيل الوظيفة الراتبة لكن يعكر عليه ما ذكره الإسماعيلي بلفظ قال الأنصاري، ولا أعلمه إلا
عن أنس أنه لما قدم النبي ◌َّهر كان قيس بن سعد في مقدمته بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير
فكلم سعد النبي ◌ِّر في قيس أن يصرفه من الموضع الذي وضعه فيه مخافة أن يقدم على شيء
فصرفه عن ذلك، ثم أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن الأنصاري بدون تلك الزيادة التي في
آخره قال: ولم يشك في كونه عن أنس فكأن الأنصاري كان يتردد في وصلها. قال الحافظ ابن
حجر: وعلى تقدير ثبوت هذه الزيادة فلم يقع ذلك لقيس بن سعد إلا في تلك المرة ولم يستمر مع
ذلك فیها .

١٠٦
كتاب الأحكام/ باب ١٢
٧١٥٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ قُرَّةَ، حَدْثَنِي حُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةً،
عَنْ أبي مُوسى أنَّ النَّبِيِّ بَّهِ بَعَثَهُ وَأَتْبَعَهُ بِمُعاذٍ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) زاد أبو ذر هو القطان (عن
قرة) ولأبي ذر زيادة ابن خالد أي السدوسي أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (حميد بن هلال) العدوي
البصري قال: (حدّثنا أبو بردة) بضم الموحدة عامر أو الحارث (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس
الأشعري (أن النبي ◌َلي بعثه) أرسله إلى اليمن قاضيًا (وأتبعه بمعاذ) بهمزة قطع وسكون الفوقية
ومعاذ هو ابن جبل.
وهذا قطعة من حديث سبق في باب حكم المرتد والمرتدة من استتابة المرتدين بهذا السند
وأوله عن أبي موسى قال: أقبلت إلى النبي وَله ومعي رجلان من الأشعريين أحدهما عن يميني
والآخر عن يساري ورسول الله وَّلهل يستاك فكلاهما سأل فقال: يا أبا موسى أو قال يا عبد الله بن
قيس قال: قلت والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما وما شعرت أنهما يطلبان العمل
فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت فقال: لن أو لا نستعمل على عملنا من أراده، ولكن
اذهب أنت يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس إلى اليمن ثم أتبعه معاذ بن جبل، ثم ذكر قصة
اليهودي الذي أسلم ثم ارتد وعليها اقتصر هنا في الحديث التالي لهذا.
٧١٥٧ - حدثني عَبْدُ الله بْنُ الصَّبَاحِ، حَدَّثَنا مَخْبُوبُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدِّثَنا خالِدٌ، عَنْ
حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، عَنْ أبي بُرْدَةً عَنْ أبي مُوسى أنَّ رَجُلاً أسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، فَأَتَاهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وَهْوَ
عِنْدَ أبي مُوسَى فَقالَ: ما لِهذا؟ قالَ: أُسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ قالَ: لا أجْلِسُ حَتّى أقْتُلَهُ قَضاءُ الله
وَرَسُولِهِ مَ﴾ .
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن الصباح) بفتح المهملة والموحدة المشددة وبعد الألف
مهملة العطاردي البصري قال: (حدّثنا محبوب بن الحسن) القرشي البصري قيل اسمه محمد
ومحبوب لقبه قال: (حدّثنا خالد) الحذاء (عن حميد بن هلال) العدوي (عن أبي بردة) عامر (عن أبي
موسى) الأشعري رضي الله عنه (أن رجلاً) لم أعرف اسمه (أسلم ثم تهوّد فأتاه معاذ بن جبل وهو
عند أبي موسى فقال)! معاذ لأبي موسى: (ما لهذا) الرجل الموثق؟ (قال: أسلم ثم تهود) وفي رواية
الباب المذكور في استتابة المرتدين ثم أتبعه معاذ بن جبل فلما قدم عليه ألقى له وسادة. قال انزل
وإذا رجل عنده موثق قال ما هذا قال كان يهوديًّا فأسلم ثم تهود فقال اجلس (قال: لا أجلس
حتى أقتله) هذا (قضاء الله و) قضاء (رسوله (*) زاد في الاستتابة فأمر به فقتل وبذلك يتم مراد
الترجمة ويحصل الرد على من زعم أن الحدود لا يقيمها عمال البلاد إلا بعد إذن الإمام الذي
ولاهم.

١٠٧
كتاب الأحكام/ باب ١٣
١٣ - باب هَلْ يَقْضِي الْحاكِمُ أو يُفْتِي وَهُوَ غَضْبانُ؟
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (هل يقضي الحاكم) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي القاضي
أي بين الناس (أو يفتي وهو غضبان)؟
٧١٥٨ - حدّثنا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنِ
أبي بَكْرَةً قَالَ: كَتَبَ أَبُو بَكْرَةَ إِلَى أَبْنِهِ وَكَانَ بِسِجِسْتَانَ بِأنْ لا تَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنٍ وَأَنْتَ غَضْبانُ فَإِنّي
سَمِعْتُ النَّبِيُّ نَِّ يَقُولَ: ((لا يَقْضِيَنَّ حَكّمْ بَيْنَ آَثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبانٌ)).
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا
عبد الملك بن عمير) بضم العين وفتح الميم الكوفي قال: (سمعت عبد الرحمن بن أبي بكرة) نفيع
الثقفي (قال: كتب) أبي (أبو بكرة إلى ابنه) بالنون ولده عبيد الله بالتصغير (وكان) عبيد الله قاضيًا
(بسجستان) بكسر المهملة والجيم على الصحيح غير منصرف للعلمية والعجمية وفيه الزيادة والتأنيث
إحدى مدن العجم وهي خلف كرمان مسيرة مائة فرسخ منها أربعون مفازة ليس بها ماء وهي إلى
ناحية الهند (بأن لا تقضي بين اثنين).
وفي عمدة الأحكام: كتب أبي وكتبت له إلى ابنه عبيد الله وهو موافق لرواية مسلم إلا أنه
زاد لفظة ابنه، والضمير في ابنه عائد إلى أبي بكرة، وصرح في بعض الروايات فقال وكتبت له إلى
ابنه عبيد الله بن أبي بكرة. والحاصل أن أبا بكرة له ابن يسمى عبيد الله وهو المكتوب إليه وابن
آخر يسمى عبد الرحمن راوي الحديث الذي كتب إلى أخيه عبيد الله به، وهذا التركيب يحتمل أن
يكون أبو بكرة كتب بنفسه إلى ابن عبيد الله، وكتب عبد الرحمن لأخيه عبيد الله بمثل ما كتب أبو
بكرة، ولكن عبد الرحمن إنما كتب لأجل أبيهما أي لأجل أمره وطواعيته ونحو ذلك ففيه تنازع
بين كتب وبين كتبت في المفعول وهو أن لا يحكم بين اثنين وفي الجار والمجرور وهو إلى ابنه،
ويكون قد أعمل أحدهما وأضمر في الآخر ولكنه حذف لكونه فضلة، وتعقبه في الفتح بأنه لا
يتعين ذلك بل الذي يظهر أن قوله كتب أبي أي أمر بالكتابة وقوله وكتبت أي باشرت الكتابة التي
أمر بها والأصل عدم التعدد، وتعقبه العيني فقال: الأصل عدم التعدد والأصل عدم ارتكاب
المجاز والعدول عن ظاهر الكلام لا لعلة وما المانع من التعدد اهـ.
أو يكون المراد كتب أبي إلي أن أكتب لابنه، ولكن حذف المفعول وهو المجرور بإلى ثم قال:
وكتبت له إلى ابنه بذلك أي لأجل أمره لي بأن أكتب وعلى هذا فلا تنازع في المجرور بل في
المفعول الذي هو المصدر المنسبك من أن لا تحكم الخ وأعمل أحدهما وحذف الآخر لأنه غير
عمدة على ما سبق، أو يكون المراد أن كلاً من أبي بكرة وعبد الرحمن كتب إلى عبيد الله وكتابة
ثانيهما إليه تأكيد لكتابة الأوّل، وكتابة عبد الرحمن إنما كانت لأجل أبي بكرة على معنى أنه كتب
ذلك عن أبيه لا من قبل نفسه أو يكون أبو بكرة أمر بالكتابة فنسب إليه أنه كتب تجوّزًا بالسبب

١٠٨
كتاب الأحكام/ باب ١٣
عن المسبب وفيه نظر لرواية النسائي. قال عبد الرحمن بن أبي بكرة كتب إليّ أبو بكرة يقول:
سمعت رسول الله ي يقول الخ. وفي رواية مسلم أن لا تحكم بين اثنين (وأنت غضبان) جملة في
موضع الحال وغضبان لا ينصرف والغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام وعند الترمذي عن أبي
سعيد مرفوعًا: ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه
(فإني سمعت النبي ◌َّر يقول) الفاء في فإني سببية.
(لا يقضين) بتشديد النون تأكيد للنهي (حكم) بفتحتين أي حاكم (بين اثنين وهو غضبان)
لأن الغضب قد يتجاوز بالحاكم إلى غير الحق، وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به التغير
للفكر كجوع وشبع مفرطين ومرض مؤلم وخوف مزعج وفرح شديد وغلبة نعاس وهمّ مضجر
ومدافعة حدث وحرّ مزعج وبرد منكر وسائر ما يتعلق به القلب تعلقًا يشغله عن استيفاء النظر
وعن أبي سعيد عند البيهقي بسند ضعيف مرفوعًا: لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان،
واقتصر على ذكر الغضب لاستيلائه على النفس وصعوبة مقاومته بخلاف غيره نعم إن غضب الله
ففي الكراهة وجهان. قال البلقيني: المعتمد عدم الكراهة واستبعده غيره لمخالفته لظواهر الأحاديث
وللمعنى الذي لأجله نهي عن الحكم حال الغضب، ولو خالف وحكم وهو غضبان صحّ أن
صادف الحق مع الكراهة، وعن بعض الحنابلة لا ينفذ الحكم في حال الغضب لثبوت النهي عنه
والنهي يقتضي الفساد، وفصل بعضهم بين أن يكون الغضب طرأ عليه بعد أن استبان له الحكم
فلا يؤثر وإلا فهو محل الخلاف.
والحديث أخرجه مسلم في الأحكام، وأبو داود في القضاء، والترمذي في الأحكام،
والنسائي في القضايا وابن ماجة في الأحكام.
٧١٥٩ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقاتِلٍ، أخْبَرَنا عَبْدُ الله، أخْبَرَنا إسماعيلُ بْنُ أبي خالِدٍ، عَنْ
فَيْسٍ بْنِ أبي حازِمٍ، عَنْ أبي مَسْعُودِ الأنْصَارِيّ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللهِنَّهِ فَقالَ: يا
رَسُولَ الله إنّي وَاللهَ لاَتَأخَّرُ عَنْ صَلاةِ الْغَداةِ مِنْ أجْلِ فُلانٍ مِمّا يُطيلُ بِنا فيها قالَ: فَمَا رَأيْتُ
النّبِيِّ نَّهَ قَطُ أشَدَّ غَضَبًا فِي مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ: ((يَا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفْرِينَ فَأَيُّكُمْ ما
صَلّى بِالنّاسِ فَلْيُوجِزْ، فَإِنَّ فيهِمُ الْكَبِيرَ وَالضَّعيفَ وَذَا الْحَاجَةِ)).
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) المروزي المجاور قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال:
(أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد) الكوفي الحافظ (عن قيس بن أبي حازم) أبي عبد الله البجلي التابعي
الكبير فاتته الصحبة بليال (عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو بفتح العين وسكون الميم (الأنصاري)
الخزرجي البدري أنه (قال: جاء رجل) لم يسم أو هو سليم بن الحارث (إلى رسول الله) ولأبي ذر
إلى النبي (َ﴿ فقال: يا رسول الله إني والله لأتأخر عن صلاة الغداة) الصبح فلا أصليها مع الإمام
(من أجل فلان) هو معاذ بن جبل أو أبي بن كعب كما في مسند أبي يعلى (مما يطيل بنا فيها) في

١٠٩
كتاب الأحكام/ باب ١٣
صلاة الغداة ومن ابتدائية متعلقة بأتأخر (قال) أبو مسعود (فما رأيت النبي وَلي قطّ أشد غضبًا في
موعظة منه يومئذٍ) وفيه وعيد شديد على من يسعى في تخلف الغير عن الجماعة (ثم قال) وَالطيار:
(يا أيها الناس) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أيها الناس بإسقاط أداة النداء (إن منكم
منفرين فأيكم ما صلى بالناس فليوجز) بسكون اللام وبالجيم المكسورة بعدها زاي وما صلة مؤكدة
لمعنى الإبهام في أيّ وصلى فعل شرط وفليوجز جوابه كقوله تعالى: ﴿أيًّا ما تدعوا فله الأسماء
الحسنى﴾ [الإسراء: ١١٠] (فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة).
والحديث سبق في العلم في باب الغضب في الموعظة وفي كتاب الصلاة في باب تخفيف
الإمام في القيام.
٧١٦٠ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ أبي يَعقُوبَ الْكِزْمانِيُّ، حَدَّثَنا حَسّانُ بْنُ إبراهيمَ، حَدَّثَنَا يُونُسٍ
قالَ مُحَمَّدٌ: أخْبَرَنِي سالِمْ أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ أخْبَرَهُ أَنَّهُ طَلَّقَ آمْرَأْتَهُ وَهْيَ حائِضٌ فَذَكَرَ عُمَّرَ
لِلنَّبِيِّ وَِّ فَتَغَيَّظَ فيهِ رَسُولُ اللهِ وَ ثم قالَ: ((لِيُراجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكُها، حَتّى تَظْهُرَ ثُمَّ تَحيضَ فَتَظْهُرَ
فَإِنْ بَدا لَهُ أنْ يُطَلِّقَها فَلْيُطَلِّقْها)).
وبه قال: (حدّثنا محمد بن أبي يعقوب) إسحق (الكرماني) بفتح الكاف عند المحدّثين وأهلها
يكسرونها قال: (حدّثنا حسان بن إبراهيم) بفتح الحاء المهملة المشددة الكرماني العنزي قاضي كرمان
قال: (حدّثنا يونس) بن يزيد الأيلي (قال محمد): ولأبي ذر: حدّثنا محمد هو الزهري قال:
(أخبرني) بالإفراد (سالم أن) أباه (عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما (أخبره أنه طلّق امرأته) آمنة
بمدّ الهمزة وكسر الميم بنت غفار بالغين المعجمة المكسورة والفاء (وهي حائض) الواو للحال من
امرأته أو من ضمير الفاعل (فذكر عمر) ذلك (للنبي بَّر فتغيظ) أي غضب (فيه) أي في الفعل
المذكور وهو الطلاق وتغيظ مطاوع غظته فتغيظ ولأبي ذر عن الكشميهني عليه أي على ابن عمر
(رسول الله وَ﴿ ثم قال): يحتمل أن يكون ثم هنا بمعنى الواو لأن قوله مقارن تغيظه، ويحتمل أن
تكون على بابها وإن قوله بعد زوال الغيظ واللام في قوله:
(ليراجعها) لام الأمر والفعل مجزوم وكذا قوله (ثم يمسكها) ويجوز في المعطوف الرفع على
الاستئناف أي ثم هو يمسكها والأمر للندب في قول إمامنا الشافعي وأبي حنيفة وأحمد وفقهاء
المحدّثين وللوجوب عند مالك وأصحابه والصارف له عن الوجوب قوله تعالى: ﴿فأمسكوهنّ
بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف﴾ [الطلاق: ٢] وغيره من الآيات المقتضية للتخيير بين الإمساك
بالرجعة أو الفراق بتركها ولمسلم ثم ليدعها (حتى تطهر ثم تحيض) حيضة أخرى (فتطهر) منها
(فإن بدا له) بعد طهرها من الحيض الثاني (أن يطلقها فليطلقها) قبل أن يجامعها. قال البيضاوي:
وفي الحديث فوائد حرمة الطلاق في الحيض لتغيظه وَ ل # فيه وهو لا يتغيظ إلا في حرام والتنبيه
على أن علة التحريم تطويل العدة عليها وإن العدة بالإطهار لا بالحيض.

١١٠
كتاب الأحكام/ باب ١٤
والحديث سبق في الطلاق.
١٤ - باب مَنْ رَأى لِلْقَاضِي أنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ في أمْرِ النّاسِ
إذا لَمْ يَخَفِ الظُّنُونَ وَالتُّهَمَةَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ نَّوْ لِهِنْدِ: ((خُذِي ما يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ))
وَذلِكَ إذا كانَ أمْرٌ مَشْهُورٌ.
(باب من رأى) من الفقهاء (للقاضي أن يحكم بعلمه في أمر الناس) دون حقوق الله كالحدود
(إذا لم يخف) القاضي (الظنون والتهمة) بفتح الهاء أي يحكم بشرطين عدم التهمة ووجود الشهرة
(كما قال النبي وَّر لهند): حين قضى لها على زوجها أبي سفيان بن حرب (خذي) من ماله (ما
يكفيك وولدك بالمعروف. وذلك إذا كان أمر مشهور) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر:
إذا كان أمرًا مشهورًا بالنصب خير كان أي إذا كان مشهورًا كقصة هند في زوجيتها لأبي سفيان
ووجوب النفقة عليه. وقال المالكية: لا يحكم بعلمه في أمر من الأمور إلا في التعديل والتجريح
لأن القاضي يشارك غيره فيهما فلا تهمة وإنه لو لم يحكم بعلمه في العدالة لافتقر إلى معدلين
آخرين وهكذا فيتسلسل.
٧١٦١ - حدثنا أبُو الْيَمانِ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ أنَّ عَائِشَةَ رَضِي الله
عَنْها قالَتْ: جاءَتْ هِنْذٌ بِنْتُ عُثْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقالَت: يا رَسُولَ الله وَالله ما كانَ عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ
أهْلُ خِباءِ أحَبَّ إلَيَّ أنْ يَذِلُوا مِنْ أهْلِ خِبائِكَ، وَما أصْبَحَ الْيَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أَهْلُ خِباءٍ
أحَبَّ إِلَيَّ أنْ يَعِزُوا مِنْ أهْلِ خِبائِكَ، ثم قالَتْ إنَّ أبا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسّيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ مِنْ حَرَجٍ أنْ
أُطْعِمَ الَّذِي لَهُ عِيالَنا؟ قالَ لَها: ((لا حَرَجَ عَلَيْكِ أنْ تُطْعِمِيهِمْ مِنْ مَعْرُوفٍ» .
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: قال أخبرني بالإفراد أيضًا (عروة) بن
الزبير (أن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت هند) بالصرف وعدمه لسكون وسطه (بنت عتبة بن
ربيعة) بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية العبشمية والدة معاوية وسقط لأبي ذر: ابن ربيعة إلى
رسول الله ﴾ (فقالت: يا رسول الله والله ما كان على ظهر الأرض أهل خباء) بكسر الخاء
المعجمة والمد (أحب إليّ) بتشديد الياء (أن يذلوا) بفتح التحتية وكسر المعجمة (من أهل خبائك)
أرادت بيته وَ ل﴿ فكنت عنه بأهل الخباء إجلالاً له أو أرادت أهل بيته أو صحابته فهو من المجاز
والاستعارة (وما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يعزوا) بفتح التحتية وكسر
العين المهملة وتشديد الزاي (من أهل خبائك. ثم قالت): يا رسول الله (إن أبا سفيان) صخر بن
حرب زوجي (رجل مسّيك) بكسر الميم والسين المهملة المشددة بصيغة المبالغة من مسك اليد يعني
بخيل جدًّا ويجوز فتح الميم وكسر السين مخففة بوزن أمير وهو أصح عند أهل العربية والأوّل هو

١١١
كتاب الأحكام/ باب ١٤
الأشهر في رواية المحدّثين ورجل خبر إن، ولو قالت: إن أبا سفيان مسيك صح وحصلت الفائدة
إلا أن ذكر الموصوف مع صفته يكون لتعظيمه نحو: رأيت رجلاً صالحًا أو لتحقيره نحو رأيت
رجلاً فاسقًا، ولما كان البخل مذمومًا قالت رجل. وفي رواية: شحيح بدل مسيك وهو أشد
البخل، وقيل الشح الحرص على ما ليس عنده والبخل بما عنده. وقال رجل لابن عمر: إني
شحيح. فقال له: إن كان شخّك لا يحملك على أن تأخذ ما ليس لك فليس بشخّك بأس. وعن
ابن مسعود: الشحّ منع الزكاة. وقال القرطبي: المراد أنه شحيح بالنسبة إلى امرأته وولده لا مطلقًا
لأن الإنسان قد يفعل هذا مع أهل بيته لأنه يرى أن غيرهم أحوج وأولى وإلا فأبو سفيان لم يكن
معروفًا بالبخل فلا يستدل بهذا الحديث على أنه بخيل مطلقًا. (فهل علي) بتشديد الياء (من حرج)
إثم (أن أطعم الذي) ولأبي ذر عن المستملي من الذي (له عيالنا) وهمزة أطعم مضمومة (قال) وَليل
(لها):
(لا حرج) لا إثم (عليك أن تطعميهم من معروف) أي الإطعام الذي هو المعروف بأن لا
يكون فيه إسراف ونحوه. وفي هذا أن للقاضي أن يقضي بعلمه، لأن النبي وَلّ كان يعلم أنها
زوجة أبي سفيان ولم يكلفها البيّنة لأن علمه أقوى من الشهادة لتيقن ما علمه والشهادة قد تكون
كذبًا، ويأتي إن شاء الله تعالى عند المؤلف في باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء
عن آخرين من أهل العراق أنه يقضي بعلمه لأنه مؤتمن، وإنما يراد من الشهادة معرفة الحق فعلمه
أكثر من الشهادة، واستدل المانعون من القضاء بالعلم بقوله في حديث أم سلمة إنما أقضي له بما
أسمع ولم يقل بما أعلم، وقال للحضرمي: شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك ويخشى من قضاة
السوء أن يحكم أحدهم بما شاء ويحيل على علمه، وتعقب ابن المنير البخاري بأنه لا دلالة في
الحديث للترجمة لأنه خرج مخرج الفتيا قال: وكلام المفتي يتنزل على تقدير صحة إنهاء المستفتي
فكأنه قال: إن ثبت أنه يمنعك حقك جاز لك أخذه، وأجاب بعضهم: بأن الأغلب من أحوال
النبي ◌َّ الحكم والإلزام فيجب تنزيل لفظه عليه وبأنه لو كانت فتيا لقال مثلاً لك أن تأخذي فلما
أتى بصيغة الأمر بقوله: خذي كما في الرواية الأخرى دلّ على الحكم.
ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى بعون الله وقوته في باب القضاء على الغائب وفي باب
الشهادة تكون عند الحاكم في ولاية القضاء.
تنبيه :
لو شهدت البينة مثلاً بخلاف ما يعلمه علمًا حسيًّا لمشاهدة أو سماع يقينًا أو ظنًّا راجحًا لم
يجز له أن يحكم بما قامت به البينة ونقل بعضهم فيه الاتفاق، وإن وقع الاختلاف في القضاء
بالعلم .
والحديث سبق في النفقات.

١١٢
كتاب الأحكام/ باب ١٥
١٥ - باب الشَّهادَةِ عَلَى الْخَطُّ الْمَخْتُومِ وَما يَجُوزُ مِنْ ذِكَ
وَمَا يَضِيقُ عَلَيْهِمْ وَكِتابِ الْحَاكِم إلى عُمّالِهِ وَالْقاضي إلَى الْقاضي
وَقَالَ بَعْضُ النّاسِ: كِتَابُ الْحَاكِمِ جائِزٌ إلاّ في الْحُدُودِ ثمّ قالَ: إنْ كانَ الْقَتْلُ خَطَأَ فَهْوَ
جائز لأنَّ هذا مالٌ بِزِغْمِهِ وَإِنَّما صارَ ماَلَا بَعْدَ أنْ ثَبَتَ الْقَتْلُ فَالْخَطَأُ وَالْعَمْدُ واحِدٌ، وَقَدْ كَتَبَ
عُمَرُ إلى عامِلِهِ فِي الْحُدُودِ وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ في سِنُّ كُسِرَتْ، وَقَالَ إبراهيمُ: كِتَابُ
القاضي إلَى الْقاضي جائزٌ، إذا عَرَفَ الْكِتَابَ وَالْخاتَمَ، وَكانَ الشعْبِي يُجيزُ الْكِتابَ الْمَخْتُومَ بِما
فيهِ مِنَ الْقاضِي وَيُروى عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ، وَقَالَ مُعاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الثَّقَفِيُّ: شَهِدْتُ
عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ يَعْلى قَاضِيَ الْبَصْرَةِ، وَإياسَ بْنَ مُعاوِيَةً، وَالْحَسَنَ وَثُمَامَةَ بْنَ عَبْدِ الله بْنِ أَنَسٍ
وَبِلالَ بْنَ أبي بُرْدَةً وَعَبْدَ الله بْنَ بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيَّ وَعامِرَ بْنَ عَبِيدَةً وَعبّادَ بْنَ مَنْصُور يُجيزُونَ كُتُبَ
الْقُضاةِ بِغَيْرِ مَخْضَرٍ مِنَ الشُّهُودِ فإنْ قالَ الَّذِي جِيءَ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ إِنَّهُ زُورٌ قِيلَ لَهُ أَذْهَبْ فَالْتَمِسِ
الْمَخْرَجَ مِنْ ذلِكَ وَأوَّلُ مَنْ سَألَ عَلى كِتَابِ الْقَاضِي الْبَيَِّةَ ابْنُ أبي لَيْلِى وَسَوارُ بْنُ عَبْدِ الله .
وَقَالَ لَنا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُخرِرٍ جِئْتُ بِكِتَابٍ مِنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ قاضِي
الْبَصْرَةِ وَأَقَمْتُ عِنْدَهُ الْبَيْئَةَ أنَّ لِي عِنْدَ فُلانٍ كَذا وَكَذَا وَهْوَ بِالْكُوفَةِ وَجِثْتُ بِهِ الْقَاسِمَ بْنَ
عَبْدِ الرَّحْمنِ فَأجازَهُ وَكَرِهَ الْحَسَنُ وَأَبُو قِلَابَةَ أنْ يَشْهَدَ عَلى وَصِيَّةٍ حَتَّى يَعْلَمَ ما فيها لأِنَّهُ لا
يَذْرِي لَعَلَّ فيها جَوْرًا وَقَدْ كَتَبِ النَّبِيِّ وََّ إلى أهْلِ خَيْبَرَ "إما أنْ تَدُوا صاحِبَكُمْ وإمّا أنْ تُؤْذِنُوا
بحزب)).
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: في شَهادَةٍ عَلَى الْمَرْأةِ مِنْ وَراءِ السَّتْرِ إنْ عَرَفْتَها فَأَشْهَدْ وَإِلاّ فَلا تَشْهَدْ.
(باب) حكم (الشهادة على الخط المختوم) أنه خط فلان وقال المختوم لأنه أقرب إلى عدم
تزوير الخط وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني المحكوم بالحاء المهملة بدل المعجمة والكاف بدل
الفوقية أي المحكوم به (وما يجوز من ذلك) أي من الشهادة على الخط (وما يضيق عليهم)
وللأصيلي زيادة فيه فلا يجوز لهم الشهادة به، ولأبي ذر عليه أي الشاهد فالقول بذلك ليس على
التعميم إثباتًا ونفيًا بل لا يمنع مطلقًا لما فيه من تضييع الحقوق ولا يعمل به مطلقًا إذ لا يؤمن فيه
التزوير (و) حكم (كتاب الحاكم إلى عماله) بضم العين وتشديد الميم وفي الفرع كأصله إلى عامله
بلفظ الإفراد (و) كتاب (القاضي إلى القاضي. وقال بعض الناس): أبو حنيفة وأصحابه (كتاب
الحاكم جائز إلا في الحدود ثم) ناقض بعض الناس حيث (قال: إن كان القتل خطأ فهو) أي
كتاب الحاكم (جائز لأن هذا) أي قتل الخطأ في نفس الأمر (مال بزعمه) بضم الزاي وفتحها وإنما
كان عنده مالاً لعدم القصاص فيه فيلحق بسائر الأموال في هذا الحكم ثم ذكر المؤلف وجه

١١٣
كتاب الأحكام/ باب ١٥
المناقضة فقال (وإنما صار) قتل الخطأ (مالاً بعد أن ثبت) ولأبي ذر أن يثبت (القتل) عند الحاكم
(فالخطأ والعمد) في أول الأمر حكمهما (واحد) لا تفاوت في كونهما حدًّا.
(وقد كتب عمر) بن الخطاب رضي الله عنه (إلى عامله في الحدود) بالحاء والدالين المهملات
والعامل المذكور هو يعلى بن أمية عامله على اليمن كتب إليه في قصة رجل زنى بامرأة مضيفه: إن
كان عالمًا بالتحريم فحدّه، وللأصيلي وأبي ذر عن المستملي والكشميهني في الجارود بالجيم بعدها
ألف فراء فواو فدال مهملة ابن المعلى أبي المنذر العبدي، وله قصة مع قدامة بن مظعون عامل عمر
على البحرين ذكرها عبد الرزاق بسند صحيح من طريق عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: استعمل
عمر قدامة بن مظعون فقدم الجارود بسبب عبد القيس على عمر فقال: إن قدامة شرب فسكر
فكتب عمر إلى قدامة في ذلك فذكر القصة بطولها في قدوم قدامة وشهادة الجارود وأبي هريرة
عليه، وفي احتجاج قدامة بآية المائدة، وفي رد عمر عليه وجلده الحد.
(وكتب عمر بن عبد العزيز) رحمه الله إلى عامله زريق بن حكيم (في) شأن (سنّ كسرت)
بضم الكاف وكسر السين وهذا وصله أبو بكر الخلال في كتاب القصاص والديات من طريق
عبد الله بن المبارك عن حكيم بن زريق بن حكيم عن أبيه بلفظ كتب إليّ عمر بن عبد العزيز كتابًا
أجاز فيه شهادة رجل علی سن کسرت.
(وقال إبراهيم) النخعي مما وصله ابن أبي شيبة عن عيسى بن يونس عن عبيدة عنه (كتاب
القاضي إلى القاضي جائز إذا عرف) القاضي المكتوب إليه (الكتاب والخاتم) الذي يختم به عليه
بحيث لا يلتبسان بغيرهما.
(وكان الشعبي) عامر بن شراحيل مما وصله ابن أبي شيبة من طريق عيسى بن أبي عزة (يجيز
الكتاب المختوم بما فيه من القاضي ويروى عن ابن عمر رضي الله عنهما (نحوه):
أي نحو ما روي عن الشعبي. قال في فتح الباري: ولم يقع لي هذا الأثر عن ابن عمر إلى
الآن.
(وقال معاوية بن عبد الكريم الثقفي): المعروف بالضال بضاد معجمة ولام مشددة سمي به
لأنه ضل في طريق مكة (شهدت) أي حضرت (عبد الملك بن يعلى قاضي البصرة) الليثي التابعي
ولاه عليها يزيد بن هبيرة لما ولي إمارتها من قبل يزيد بن عبد الملك بن مروان كما ذكره عمر بن
شبة في أخبار البصرة (و) شهدت (إياس بن معاوية) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية المزني وكان
ولي قضاء البصرة في خلافة عمر بن عبد العزيز من قبل عدي بن أرطأة عامل عمر بن
عبد العزيز عليها (والحسن) البصري، وكان قد ولي القضاء بالبصرة مدة قليلة ولاه عدي بن أرطأة
عاملها (وثمامة بن عبد الله بن أنس) أي ابن مالك وكان قاضي البصرة في أوائل خلافة هشام بن
عبد الملك ولاه خالد القسري (وبلال بن أبي بردة) بضم الموحدة عامر أو الحارث بن أبي موسى
إرشاد الساري/ ج ١٥ / ٢ ٨

١١٤
كتاب الأحكام/ باب ١٥
الأشعري ولاه خالد القسري قضاء البصرة (وعبد الله بن بريدة) بضم الموحدة (الأسلمي) التابعي
المشهور ولي قضاء مرو (وعامر بن عبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة بعدها تحتية مصحح عليه في
الفرع وأصله وزاد في فتح الباري عبدة بفتح العين وسكون الموحدة وفتحها وقال ذكره ابن ماكولا
بالوجهين وعامر هو أبو إياس البجلي الكوفي (وعباد بن منصور) بفتح العين والموحدة المشددة
الناجي بالنون والجيم يكنى أبا سلمة الثمانية حال كونهم (يجيزون كتب القضاة بغير محضر من
الشهود) بضم الشين ولأبي ذر من المشهود بزيادة ميم وسكون الشين (فإن قال الذي جيء عليه
بالكتاب) بكسر الجيم وسكون التحتية بعدها همزة (أنه) أي الكتاب (زور قيل له اذهب فالتمس
المخرج من ذلك) بفتح الميم والراء بينهما، معجمة ساكنة أي اطلب الخروج من عهدة ذلك إما
بالقدح في البيئة بما يقبل فتبطل الشهادة، وإما بما يدل على البراءة من المشهود به. وقال المالكية:
إذا جاء كتاب من قاض إلى قاض آخر مع شاهدين فإنه يعتمد على ما شهد به الشاهدان ولو خالفا
ما في الكتاب، وقيد ذلك في الجواهر بما إذا طابقت شهادتهما الدعوى قال: ولو شهدا بما فيه
وهو مفتوح جاز وندب ختمه ولم يفد وحده فلا بد من شهود بأن هذا الكتاب كتاب فلان
القاضي، وزاد أشهب ويشهدون أنه أشهدهم بما فيه اهـ.
واحتج من لم يشترط الإشهاد بأنه سي* كتب إلى الملوك ولم ينقل أنه أشهد أحدًا على كتابه.
وأجيب: بأنه لما حصل فى الناس الفساد احتيط للدماء والأموال.
قال البخاري: (وأول من سأل على كتاب القاضي البينة ابن أبي ليلى) محمد بن عبد الرحمن
قاضي الكوفة، وأول ما وليها في زمن يوسف بن عمر الثقفي في خلافة الوليد بن يزيد وهو
صدوق لكنه اتفق على ضعف حديثه لسوء حفظه (وسوار بن عبد الله) بفتح السين المهملة والواو
المشددة وبعد الألف راء العنبري قاضي البصرة من قبل المنصور.
قال البخاري بالسند إليه: (وقال لنا أبو نعيم) الفضل بن دكين مذاكرة (حدّثنا عبيد الله)
بضم العين (ابن محرز) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الراء بعدها زاي الكوفي قال: (جئت
بكتاب من موسى بن أنس) أي ابن مالك التابعي (قاضي البصرة و) كنت (أقمت عنده البينة أن لي
عند فلان كذا وكذا وهو) أي فلان (بالكوفة، وجئت به) بالواو وللأصيلي وأبي ذر فجئت به أي
بالكتاب (القاسم بن عبد الرحمن) بن أبي عبد الله بن مسعود المسعودي التابعي قاضي الكوفة زمن
عمر بن عبد العزيز (فأجازه) بجيم وزاي أمضاه وعمل به.
(وكره الحسن) البصري (وأبو قلابة) الجرمي بفتح الجيم وسكون الراء وكسر الميم (أن يشهد)
بفتح أوله الشاهد (على وصية حتى يعلم ما فيها لأنه لا يدري لعل فيها جورًا) أي باطلاً. وقال
الداودي من المالكية: وهذا هو الصواب، وتعقبه ابن التين بأنها إذا كان فيها جور لم يمنع التحمل
لأن الحاكم قادر على ردّه إذا أوجب حكم الشرع ردّه وما عداه يعمل به فليس خشية الجور فيها
مانعًا من التحمل، وإنما المانع الجهل بما يشهد به، ومذهب مالك رحمه الله جواز الشهادة على

١١٥
كتاب الأحكام/ باب ١٥
الوصية وإن لم يعلم الشاهد ما فيها وكذا الكتاب المطويّ ويقول الشاهد: إن للحاكم نشهد على
إقراره بما في الكتاب لأنه # كتب إلى عماله من غير أن يقرأها على من حملها وهي مشتملة على
الأحكام والسنن، وأثر الحسن وصله الدارمي بلفظ: لا تشهد على وصية حتى تقرأ عليك ولا
تشهد على من لا تعرف، وأثر أبي قلابة وصله ابن أبي شيبة ويعقوب بن سفيان بلفظ قال أبو
قلابة في الرجل يقول: اشهدوا على ما في هذه الصحيفة. قال: لا حتى لا نعلم ما فيها. زاد
يعقوب وقال لعل فيها جور أو في هذه الزيادة بيان السبب في المنع المذكور.
(وقد كتب النبي صل﴿ إلى أهل خيبر) في قصة حويصة ومحيصة (إما) بكسر الهمزة وتشديد
الميم (أن تدوا) بالفوقية والتحتية (صاحبكم) عبد الله بن سهل أي تعطوا ديته وأضافه إليهم لكونه
وجد قتيلاً بين اليهود بخيبر والإضافة تكون بأدنى ملابسة وهذا وإن كان تدوا بتاء الخطاب وإن
كان بالتحتية فظاهر (وإما أن تؤذنوا بحرب) أي تعلموا به.
وهذا طرف من حديث سبق في باب القسامة من الديات.
(وقال الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب فيما وصله أبو بكر بن أبي شيبة (في شهادة)
ولأبي ذر في الشهادة (على المرأة من وراء الستر) بكسر السين المهملة (إن عرفتها فاشهد) عليها
(وإلاّ) أي وإن لم تعرفها (فلا تشهد) ومقتضاه أنه لا يشترط أن يراها حالة الإشهاد بل تكفي
معرفته لها بأي طريق كان. وقال الشافعية: لا تصح شهادة على متنقبة اعتمادًا على صوتها فإن
الأصوات تتشابه فإن عرفها بعينها أو باسم ونسب وأمسكها حتى شهد عليها جاز التحمل عليها
متنقبة وأدى بما علم من ذلك فيشهد في العلم بعينها عند حضورها وفي العلم بالاسم والنسب
عند غيبتها لا بتعريف عدل أو عدلين أنها فلانة بنت فلان. أي فلا يجوز التحمل عليها بذلك
وهذا ما عليه الأكثر والعمل بخلافه وهو العمل عليها بذلك.
وقال المالكية: لا يشهد على متنقبة حتى يكشف وجهها ليعينها عند الأداء ويميزها عن
غيرها وإن أخبره عنها رجل يثق به أو امرأة جاز له أن يشهد، وكذا لفيف النساء إذا شهدن عنده
أنها فلانة إذا وقع عنده العلم بشهادتين وجوّز مالك شهادة الأعمى في الأقوال كأن يقر بشيء لأن
الصحابة رووا عن أمهات المؤمنين من وراء الحجاب وميّزوهن بأصواتهن.
وقال الشافعية: ولا تقبل شهادة أعمى بقول كعقد وفسخ وإقرار لجواز اشتباه الأصوات،
وقد يحكي الإنسان صوت غيره فيشتبه به إلا أن يقر شخص في أذنه بنحو طلاق أو عتق أو مال
لرجل معروف الاسم والنسب فيمسكه حتى يشهد عليه عند قاض أو يكون عماه بعد تحمله
والمشهود له والمشهود عليه معروفي الاسم والنسب فيقبل لحصول العلم بأنه المشهود عليه.
٧١٦٢ - حدثني مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ قالَ: سَمِعْتُ قَتادَةً عَنْ
أنَسِ بْنِ مالِكِ قالَ: لَمّا أرادَ النَّبِيِّ وَ﴿ أنْ يَكْتُبَ إلَى الرُّومِ قالُوا: إنَّهُمْ لا يَقْرَؤون كِتَابًا إلّ

١١٦
كتاب الأحكام/ باب ١٦
مَخْتُومًا فَاتَّخَذَ النَّبِيِّ بَّهَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ كَأَنَّي أَنْظُرُ إلى وَبِيصِهِ وَنَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله.
وبه قال: (حذّثني) بالإفراد ولأبي ذر بالجمع (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة
بندار قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: سمعت قتادة) بن
دعامة (عن أنس بن مالك) رضي الله عنه (قال: لما أراد النبي بَّيقول أن يكتب إلى) أهل (الروم) في
سنة ست (قالوا: إنهم) أي قال الصحابة له وَ لير إن الروم (لا يقرؤون كتابًا مختومًا) ولم أعرف
القائل بعينه (فاتخذ النبي ◌َ﴿ خاتمًا) بفتح التاء وكسرها (من فضة كأني أنظر إلى وبيصه) بفتح الواو
وكسر الموحدة وبعد التحتية الساكنة صاد مهملة إلى لمعانه وبريقه (ونقشه محمد رسول الله).
ويستفاد منه أن الكتاب إذا لم يكن مختومًا فالحجة بما فيه قائمة لكونه ◌َلّ أراد أن يكتب إليهم
وإنما اتخذ الخاتم لقولهم إنهم لا يقبلون الكتاب إلا إذا كان مختومًا، فدل على أن كتاب القاضي
حجة مختومًا كان أو غير مختوم، وفي الباب العمل بالشهادة على الخط وقد أجازها مالك وخالفه
ابن وهب فيه، وقال الطحاوي: خالف مالكًا جميع الفقهاء في ذلك لأن الخط قد يشبه الخط،
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: لا يقضى في دهرنا بالشهادة على الخط لأن الناس قد
أحدثوا ضروبًا من الفجور، وقد قال مالك: تحدث للناس أقضية على نحو ما أحدثوا من الفجور،
وقد كان الناس فيما مضى يجيزون الشهادة على خاتم القاضي ثم رأى مالك أن ذلك لا يجوز.
١٦ - باب مَتى يَسْتَوْجِبُ الرَّجُلُ الْقَضاءِ؟
وَقَالَ الْحَسَنُ: أخَذَ الله عَلَى الْحُكَّامِ أنْ لا يَتَّبِعُوا الْهَوى وَلا يَخْشَوُا النّاسَ وَلا يَشْتَرُوا
بِآيَاتِي ثَمَنَا قَليلاً ثُمَّ قَرَأ: ﴿يَا دَاوُدُ إِنّا جَعَلَّنَاكَ خَليفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا
تَتَبَعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبيلِ الله إنَّ الَّذينَ يضِلُونَ عَنْ سَبيلِ الله لَهُمْ عَذَابٌ شَديدٌ بِما نسوا يَوْمَ
الْحِسابِ﴾ [ص: ٢٦] وَقَرَأْ ﴿إِنّا أنْزَلْنَا الثَّوْرَاةَ فيها هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا
لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّانِيُّونَ وَالأخبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ الله وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ
وَأَخَشَوْنٍ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَّنًا قليلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾
[المائدة: ٤٤] بِمَا اسْتُخْفِظُوا مِنْ كِتابِ الله.
وَقَرأْ ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ
شاهِدِينَ فَفْهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاَّ آتَيْنا حكمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩] فَحَمِدَ سُلَيْمَانَ وَلَمْ يَلُمْ
داوُدَ وَلَوْلا ما ذَكَّرَ الله مِنْ أمْرِ هذَيْنٍ لَرَأيْتُ أنَّ القُضاةَ هَلَكُوا فَإِنَّهُ أثْنَى عَلى هَذا بِعِلْمِهِ وَعَذَرَ هذا
باجتهادِهِ .
وَقَالَ مُزاحِمُ بْنُ زُفَرَ: قَالَ لَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَمْسٌ إذا أخْطَأ الْقَاضِي مِنْهُنَّ خَصَلَةً
كانَتْ فيهِ وَضْمَةٌ أنْ يَكُونَ فَهِمَا حَلِيمًا عَفِيفًا صَلِيبًا عالِمًا سَؤُولاً عَنِ الْعِلْمِ.

١١٧
كتاب الأحكام/ باب ١٦
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (متى يستوجب الرجل القضاء)؟ أي متى يستحق أن يكون
قاضيًا. وقال في الكواكب أي متى يكون أهلاً للقضاء اهـ.
وقد اشترط الشافعية كونه أهلاً للشهادات بأن يكون مسلمًا مكلفًا حرًّا ذكرًا عدلاً سميعًا
بصيرًا ناطقًا كافيًا لأمر القضاء فلا يولاه كافر وصبي ومجنون ومن به رقّ وأنثى وخنثى وفاسق
ومن لم يسمع وأعمى وأخرس وإن فهمت إشارته ومغفل ومختل النظر بكبر أو مرض لنقصهم،
وأن يكون مجتهدًا وهو العارف بأحكام القرآن والسُّنّة وبالقياس وأنواعها، فمن أنواع القرآن
والسُّنّة: العام والخاص والمجمل والمبين والمطلق والمقيد والنص والظاهر والناسخ والمنسوخ.
ومن أنواع السُّنّة المتواتر والآحاد والمتصل وغيره.
ومن أنواع، القياس الأولى والمساوي والأدون كقياس الضرب للوالدين على التأفيف لهما،
وقياس إحراق مال اليتيم على أكله في التحريم فيهما، وقياس التفاح على البر في الربا بجامع
الطعم، وحال الرواة قوّةً وضعفًا فيقدم عند التعارض الخاص على العام والمقيد على المطلق والنص
على الظاهر، والمحكم على المتشابه، والناسخ والمتصل والقوي على مقابلها، ولسان العرب لغةً
ونحوًا وصرفًا، وأقوال العلماء إجماعًا واختلافًا فلا يخالفهم في اجتهادهم فإن فقد الشرط المذكور
بأن لم يوجد رجل متصف به فولى سلطان ذو شوكة مسلمًا غير أهل كفاسق ومقلد وصبي وامرأة
نفذ قضاؤه للضرورة لئلا تتعطل مصالح الناس والقضاء بالمد مصدر قضى يقضي لأن لام الفعل
ياء إذ أصله قضي بفتح الياء فقلبت ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومصدره بالتحريك كطلب طلبًا
فتحركت الياء فيه أيضًا وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا فاجتمع ألفان فأبدلت الثانية همزة فصار قضاءً
ممدودًا، وجمع القضاء أقضية كغطاء وأغطية وهو في الأصل إحكام الشيء وإمضاؤه والفراغ منه
ويكون أيضًا بمعنى الأمر قال تعالى: ﴿وقضى ربك ألاّ تعبدوا إلا إياه﴾ [الإسراء: ٢٣] وبمعنى
العلم تقول قضيت لك بكذا أعلمتك به والإتمام قال تعالى: ﴿فإذا قضيتم الصلاة﴾
[النساء: ١٠٣] والفعل فاقض ما أنت قاض والإرادة قال تعالى: ﴿فإذا قضى أمرًا﴾ [غافر: ٦٨]
والموت. قال تعالى: ﴿ليقض علينا ربك﴾ [الزخرف: ٧٧] والكتابة قال تعالى: ﴿وكان أمرًا
مقضيًّا﴾ [مريم: ٢١] أي مكتوبًا في اللوح المحفوظ والفصل قال تعالى: ﴿وقضى بينهم﴾
[يونس: ٥٤] والخلق قال تعالى: ﴿فقضاهن سبع سموات في يومين﴾ [فصّلت: ١٢].
(وقال الحسن) البصري: (أخذ الله على الحكام) بضم الحاء المهملة وتشديد الكاف جمع حاكم
(أن لا يتبعوا الهوى) أي هوى النفس في قضائهم (ولا يخشوا الناس) كخشية سلطان ظالم أو خيفة
أذية أحد (ولا يشتروا بآياتي) ولأبي ذر بآياته (ثمنًا قليلاً) وهو الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس
(ثم قرأ) الحسن: (﴿يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض﴾) تدبر أمر الناس (﴿فاحكم بين الناس
بالحق ولا تتبع الهوى﴾) ما تهوى النفس ((فيضلك﴾) الهوى (﴿عن سبيل الله﴾) أي عن الدلائل
الدالة على توحيد الله (﴿إن الذين يضلون عن سبيل الله﴾) عن الإيمان بالله (﴿لهم عذاب شديد
i

١١٨
كتاب الأحكام/ باب ١٦
بما نسوا﴾) بسبب نسيانهم (﴿يوم الحساب﴾ [ص: ٢٦]) المرتب عليه تركهم الإيمان ولو أيقنوا
بيوم الحساب لآمنوا في الدنيا قال ابن كثير هذه وصية من الله عز وجل لولاة الأمور أن يحكموا
بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك وتعالى ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيله وقد توعد سبحانه
من ضل عن سبيله وتناسى يوم الحساب بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد.
(وقرأ) الحسن أيضًا (﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى﴾) يهدي إلى الحق (﴿ونور)) يكشف ما
استبهم من الأحكام (﴿يحكم بها النبيون الذين أسلموا﴾) انقادوا لحكم الله وهو صفة أجريت
للتبيين على سبيل المدح (﴿الذين هادوا﴾) تابوا من الكفر (﴿والزّبانيون والأحبار﴾) الزهاد والعلماء
معطوفان على النبيون (﴿بما استحفظوا﴾) أي استودعوا ((من كتاب الله﴾) من للتبيين والضمير
في استحفظوا للأنبياء والربانيين والأحبار والاستحفاظ من الله أي كلفهم الله حفظه (﴿وكانوا عليه
شهداء﴾) رقباء لئلا يبدل (﴿فلا تخشوا الناس واخشونٍ﴾) نهي للحكام أن يخشوا غير الله في
حكوماتهم ويداهنوا فيها خشية ظالم أو كبير (﴿ولا تشتروا بآياتي﴾) ولا تستبدلوا بأحكامي التي
أنزلتها (﴿ثمنا قليلاً ومن لم يحكم بما أنزل الله﴾) مستهينًا به (﴿فأولئك هم الكافرون﴾
[المائدة: ٤٤]) قال ابن عباس: من لم يحكم جاحدًا فهو كافر وإن لم يكن جاحدًا فهو فاسق ظالم
(بما استحفظوا): أي (استودعوا من كتاب الله) وهذا ثابت في رواية المستملي وسقط لأبي ذر قوله
يحكم بها النبيون الخ.
(وقرأ) الحسن أيضًا (﴿وداود وسليمان﴾) أي واذكرهما (﴿إذ يحكمان في الحرث﴾) الزرع أو
الكرم (﴿إِذ نفشت فيه غنم القوم﴾) أي رعته ليلاً بلا راع بأن انفلتت فأكلته وأفسدته (﴿وكنا
لحكمهم﴾) أرادهما والمتحاكمين إليهما أو استعمل ضمير الجمع لاثنين (﴿شاهدين﴾) أي بعلمنا
ومرأى منّا وكان داود عليه السلام قد حكم بالغنم لأهل الحرث وكانت قيمة الغنم على قدر
النقصان في الحرث فقال سليمان عليه السلام وهو ابن إحدى عشرة سنة غير هذا أرفق بالفريقين
فعزم عليه لتحكمن فقال: أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها
والحرث إلى رب الغنم حتى يصلح الحرث ويعود لهيئته يوم أفسد ثم يترادان فقال القضاء ما
قضيت وأمضى الحكم بذلك (﴿ففهمناها﴾) أي الحكومة (﴿سليمان وكلاً﴾) منهما (﴿آتينا
حكمًا﴾) نبوّة (﴿وعلمًا﴾) [الأنبياء: ٧٨، ٧٩] معرفة بموجب الحكم. قال الحسن: (فحمد) الله
تعالى (سليمان) لموافقته الأرجح (ولم يلم داود) بفتح التحتية وضم اللام من اللوم لموافقته الراجح.
وقال العيني: وفي نسخة ولم يذم بالذال المعجمة من الذم وتعقب بأن قول الحسن هذا لا يليق
بمقام داود، فقد جمعهما الله تعالى في الحكم والعلم وميز سليمان بالفهم وهو علم خاص زاد على
العام، والأصح أن داود أصاب الحكم وسليمان أرشد إلى الصلح. قال الحسن: (ولولا ما ذكر الله
من أمر هذين) النبيين (لرأيت) بفتح الراء والهمزة جواب لو واللام فيه للتأكيد، ولأبي ذر عن
الكشميهني: لرئيت بضم الراء وكسر الهمزة مشددة بعدها تحتية ساكنة مبنيًّا للمفعول، وسقط لأبي
ذر أمر (أن القضاة) أي قضاة زمنه (هلكوا) لما تضمنه قوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله

١١٩
کتاب الأحكام/ باب ١٧
فأولئك هم الكافرون﴾ [المائدة: ٤٤] الشامل للعامد والمخطىء (فإنه) تعالى (أثنى على هذا)
سليمان (بعلمه وعذر هذا) داود (باجتهاده) وفيه جواز الاجتهاد للأنبياء وإذ قلنا بجواز الاجتهاد
لهم فهل يجوز عليهم الخطأ فيه واتفق الفريقان على أنه لو أخطأ في اجتهاده لم يقرّ على الخطأ.
(وقال مزاحم بن زفر): بضم الميم وفتح الزاي المخففة وبعد الألف حاء مهملة وزفر بضم
الزاي وفتح الفاء الكوفي (قال لنا عمر بن عبد العزيز) بن مروان الأموي أمير المؤمنين المعدود من
الخلفاء الراشدين (خمس) من الخصال (إذا أخطأ القاضي منهن خصلة) ولأبي ذر عن الحموي
والمستملي خطة بخاء معجمة مضمومة وطاء مهملة مفتوحة مشددة (كانت) ولأبي ذر أيضًا عن
الكشميهني خصلة كان (فيه وصمة). بفتح الواو وسكون الصاد المهملة بوزن تمرة أي عيب (أن
يكون فهمًا) بكسر الهاء وللمستملي فقهًا والأولى أولى (حليمًا) يغضي على ما يؤذيه ولا يبادر
بانتقامه (عفيفًا) يكف عن الحرام (صليبًا) بفتح المهملة وكسر اللام مخففة وبعد التحتية الساكنة
موحدة بوزن عظيم من الصلابة أي قويًّا شديدًا وقافًا عند الحق لا يميل إلى الهوى ويستخلص
الحق من المبطل ولا يجابيه ولا ينافي هذا قوله حليمًا لأن ذاك في حق نفسه وهذا في حق غيره
(عالمًا) بالحكم الشرعي ويدخل فيه قوله فقيهًا ففهمًا أولى من فقيهًا كما مرّ (سؤولاً) على وزن
فعول أي كثير السؤال (عن العلم)، وهذا وصله سعيد بن منصور في سننه وابن سعد في طبقاته،
وقوله سؤولاً من تتمة الخامس لأن كمال العلم لا يحصل إلا بالسؤال لأنه قد يظهر له ما هوى
أقوى مما عنده.
١٧ - باب رِزْقِ الْحُكّام وَالْعامِلِينَ عَلَيْها
وَكَانَ شُرَيْحُ الْقَاضِي يَأْخُذُ عَلَى الْقَضاءِ أجْرًا وَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَأْكُلُ الْوَصِيُّ بِقَدْرِ عُمَالَتِهِ وَأَكَلَ
أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ.
(باب رزق الحكام) جمع حاكم من إضافة المصدر إلى المفعول (و) رزق (العاملين عليها) على
الحكومات أو العاملين على الصدقات، وصوّب بقرينة ذكر الرزق والعاملين والرزق ما يرتبه الإمام
من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين. وقال في المغرب: الفرق بين الرزق والعطاء أن الرزق
ما يخرج للجندي من بيت المال في السنة مرة أو مرتين والعطاء ما يخرج له كل شهر.
(وكان شريح) بضم الشين المعجمة آخره حاء مهملة ابن الحارث بن قيس النخعي الكوفي
(القاضي) بالكوفة عن عمر بن الخطاب وهو من المخضرمين، بل قيل إن له صحبة روى ابن
السكن أنه قال: أتيت النبيّ ◌َ﴿ فقلت: يا رسول الله إن لي أهل بيت ذوي عدد باليمن. قال:
جيء بهم. قال: فجاء بهم والنبي وَ لهو قد قبض، وعنه أنه قال: وليت القضاء لعمر وعثمان وعلّ
فمن بعدهم إلى أن استعفيت من الحجاج وكان له يوم استعفى مائة وعشرون سنة وعاش بعد ذلك

١٢٠
كتاب الأحكام/ باب ١٧
سنة. وقال ابن معين: كان في زمن النبي وَّ ولم يسمع منه (يأخذ على القضاء أجرًا) بفتح الهمزة
وسكون الجيم.
وهذا وصله عبد الرزاق وسعيد بن منصور وإلى جواز أخذ القاضي الأجرة على الحكم ذهب
الجمهور من أهل العلم من الصحابة وغيرهم لأنه يشغله الحكم عن القيام بمصالحه وكره طائفة
كراهة تنزيه منهم مسروق ورخص فيه الشافعي وأكثر أهل العلم، وقال صاحب الهداية من
الحنفية: وإذا كان القاضي فقيرًا فالأفضل بل الواجب أخذ كفايته، وإن كان غنيًّا فالأفضل الامتناع
عن أخذ الرزق من بيت المال رفقًا ببيت المال، وقيل الأخذ هو الأصح صيانة للقضاء عن الهوان
ونظرًا لمن يأتي بعده من المحتاجين ويأخذ بقدر الكفاية له ولعياله، وعن الإمام أحمد لا يعجبني
وإن کان فبقدر عمله مثل ولي اليتيم.
(وقالت عائشة) رضي الله عنها: (يأكل الوصي) من اليتيم (بقدر عمالته) بضم العين
وتخفيف الميم أجرة عمله بالمعروف بقدر حاجته وصله ابن أبي شيبة عنها في قوله تعالى: ﴿ومن
كان فقيرًا فليأكل بالمعروف﴾ [النساء: ٦] قالت: أنزل ذلك فى مال اليتيم يقوم عليه بما يصلحه
إن کان محتاجًا يأكل منه.
(وأكل أبو بكر) الصديق رضي الله عنه لما استخلف بعد أن قال كما أخرجه أبو بكر بن أبي
شيبة قد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي وقد شغلت بأمر المسلمين وأسنده
البخاري في البيوع وبقيته فيأكل آل أبي بكر من هذا المال (و) كذا أكل (عمر) بن الخطاب رضي
الله عنه هو وأهله لما وليها، وقال فيما رواه ابن أبي شيبة وابن سعد: إني أنزلت نفسي من مال الله
منزلة قيم اليتيم إن استغنيت عنه تركت وإن افتقرت إليه أكلت بالمعروف وسنده صحيح.
٧١٦٣ - حدثنا أبُو الْيَمانِ، أخْبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أخْبَرَنِي السّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ابْنِ أُخْتِ
نَمِرٍ أَنَّ حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزّى أَخْبَرَهُ أنَّ عَبْدَ الله بْنَ السَّعْدِيِّ أَخْبَرَهُ أَنَّه قَدِمَ عَلى عُمَرَ في خِلافَتِهِ
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَلَمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَ تَلي مِنْ أعْمالِ النّاس أعمالاً فَإذ أُعْطِيتَ الْعُمالَةَ كَرِهْتَها؟ فَقُلْتُ:
بَلى. فَقالَ عُمَرُ: ما تُريدُ إلى ذلِكَ؟ قُلْتُ: إنَّ لي أفْراسًا وَأعْبُدَا وَأَنَا بِخَيْرٍ وَأُريدُ أنْ تَكُوْنَ
عُمالَتي صَدَقَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قالَ عُمَرُ: لا تَفْعَلْ فَإِنّي كُنْتُ أرَدْتُ الَّذِي أَرَدْتَ وَكَانَ رَسُولُ
اللهِ وَ يُعْطِينِي الْعَطاءَ فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أفْقَرَ إِلَيْهِ مِنّي حَتّى أعْطاني مَرَّةً مالاً فَقُلتُ: أعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ
مِنِّي فَقالَ النَّبِيِّ وَِّ: ((خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ، فَمَا جَاءَكَ مِنْ هذَا الْمَلِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ، وَلا
سائِلٍ فَخُذْهُ وَإِلاَّ فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ)).
وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) بضم الشين المعجمة
وفتح العين مصغرًا ابن أبي حمزة الحافظ أبو بشر الحمصي مولى بني أمية (عن الزهري) محمد بن
مسلم أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (السائب بن يزيد) من الزيادة ابن سعيد بن ثمامة الكندي أو