النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
کتاب الفتن/ باب ٢٢
العبسي بالموحدة رضي الله عنه أنه (قال: إن المنافقين اليوم شرّ منهم على عهد النبي ◌َّ كانوا
يومئذٍ يسرون) الكفر فلا يتعدى شرهم إلى غيرهم (واليوم يجهرون) به فيخرجون على الأئمة
ويوقعون الشر بين الفرق فيتعدى شرهم لغيرهم. وعند البزار من طريق عاصم عن أبي وائل قلت
لحذيفة: النفاق اليوم شر أم على عهد رسول الله وَّلإر؟ قال: فضرب بيده على جبهته وقال: أوّه
هو اليوم ظاهر إنهم كانوا يستخفون على عهد رسول الله ومقر الحديث.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إن جهرهم بالنفاق وشهر السلاح على الناس هو القول
بخلاف ما بذلوه من الطاعة حين بايعوا أوّلاً من خرجوا عليه آخرًا قاله ابن بطال.
والحديث أخرجه النسائي في التفسير.
٧١١٤ - حدثنا خَلاّدُ بْنُ يَحيى، حَدَّثَنا مِسْعَرٌ، عَنْ حَبيبٍ بْنِ أبي ثابتٍ، عَنْ أبي
الشَّعْثاءِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: إِنَّمَا كانَ النِّفاقُ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ نَّهِ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ
الإيمانِ .
وبه قال: (حدّثنا خلاد) بفتح المعجمة وتشديد اللام (ابن يحيى) بن صفوان أبو محمد
السلمي الكوفيّ قال: (حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين ابن كدام
الكوفي (عن حبيب بن أبي ثابت) بالحاء المهملة المفتوحة واسم أبي ثابت قيّس بن دينار الكوفي
(عن أبي الشعثاء) بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة بعدها مثلثة فهمزة ممدودًا سليم بضم
السين ابن أسود المحاربي (عن حذيفة) بن اليمان رضي الله عنه أنه (قال: إنما كان النفاق) موجودًا
(على عهد النبي ◌َّيِ فأما اليوم) بالنصب (فإنما هو الكفر بعد الإيمان) وفي رواية: فإنما هو الكفر
أو الإيمان. وحكى الحميديّ في جمعه أنهما روايتان. قال السفاقسي: كان المنافقون على عهده اَلّ
آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم وأما من جاء بعدهم فإنه ولد في الإسلام وعلى فطرته فمن كفر
منهم فهو مرتدّ اهـ.
ومراد حذيفة نفي اتفاق الحكم لا نفي الوقوع إذ وقوعه ممكن في كل عسر. وإنما اختلف
الحكم لأن النبي ولو كان يتألفهم فيقبل ما أظهروه من الإسلام بخلاف الحكم بعده وقيل إن المراد
أن التخلف عن بيعة الإمام جاهلية ولا جاهلية في الإسلام.
ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن المنافق في هذه الأزمان قال بكلمة الإسلام بعد أن ولد
فيه، ثم أظهر الكفر فصار مرتدًا فدخل في الترجمة من جهة قوليه المختلفين.
٢٢ - باب لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتَّى يُغْبَطَ أهْلُ الْقُبُورِ
أ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور) بضم التحتية وسكون
الغين المعجمة وفتح الموحدة والطاء مهملة والغبطة تمني حال المغبوط مع بقائها له.

٦٢
کتاب الفتن/ باب ٢٣
٧١١٥ - حدّثنا إسماعيلُ، حَدَّثَني مالِكٌ، عَنْ أبِي الزَّنادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنٍ
النَّبِيِّ نَِّ قالَ: ((لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكانَّهُ)).
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) هو ابن أنس بن
مالك الأصبحي أبو عبد الله المدني إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى (عن أبي الزناد) عبد الله بن
ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز الكوفي (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن النبي ◌َّ)
أنه (قال):
(لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه) أي كنت ميتًا وذلك عند
ظهور الفتن وخوف ذهاب الدين لغلبة الباطل وأهله وظهور المعاصي، أو لما يقع لبعضهم من
المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه وإن لم يكن في ذلك شيء يتعلق بدينه. وعند مسلم من طريق
أبي حازم عن أبي هريرة: لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه ويقول: يا ليتني
مكان صاحب هذا القبر وليس به الدين إلا البلاء الحديث. وعن ابن مسعود قال: سيأتي عليكم
زمان لو وجد أحدكم الموت يباع لاشتراه وعليه قول الشاعر:
وهذا العيش ما لا خير فيه ألا موت يباع فأشتريه
وسبب ذلك أنه يقع البلاء والشدة حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على
المرء فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده، وذكر الرجل في الحديث للغالب وإلا فالمرأة يمكن أن
تتمنى الموت لذلك أيضًا نسأل الله العافية.
٢٣ - باب تَغَيُّرِ الزَّمانِ حَتّى يَعْبُدُوا الأوْثانَ
(باب تغير الزمان) عن حاله الأول (حتى يعبدوا الأوثان) بإسقاط النون لغير جازم لغة.
وفي الفرع حتى يعبد بالتحتية المفتوحة وضم الموحدة ونصب الدال وإسقاط الواو وليست هذه في
اليونينية ولأبي ذر تعبد بضم الفوقية وفتح الموحدة مبنيًّا للمفعول الأوثان رفع جمع وثن وهو
معروف.
٧١١٦ - حدّثنا أبُو الْيَمانِ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيّ قالَ: قالَ سَعيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ
أخْبَرِنِي أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّر قال: ((لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ ألْياتُ
نِساءِ دَوْسٍ عَلى ذِي الْخَلَصَةِ، وَذُو الْخَلَصَةِ طاغِيَةُ دَوْسٍ الَّتي كانُوا يَعْبُدُونَ فِي الْجَاهِلِيِّ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: قال سعيد بن المسيب أخبرني) بالإفراد (أبو هريرة رضي الله
عنه أن رسول الله ◌َفي قال): ولأبوي ذر والوقت أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله وَل
يقول :

٦٣
کتاب الفتن/ باب ٢٣
(لا تقوم الساعة حتى تضطرب) تتحرك (أليات) بفتح الهمزة واللام التحتية جمع إلية وهي
العجيزة (نساء دوس) بفتح المهملة وسكون الواو بعدها سين مهملة قبيلة أبي هريرة المشهورة (على
ذي الخلصة) قال ابن دحية: بضم الخاء المعجمة واللام في قول أهل اللغة والسير وبفتحهما قيدناه
في الصحيحين، وكذا قال ابن هشام، وقيده أبو الوليد الوقشي بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام أي:
لا تقوم الساعة حتى تتحرك أعجاز نساء دوس من الطواف حول ذي الخلصة أي يكفرن ويرجعن
إلى عبادة الأصنام، وعند الحاكم عن ابن عمر: لا تقوم الساعة حتى تدافع مناكب نساء بني عامر
على ذي الخلصة (وذو الخلصة) هي أو فيها (طاغية دوس) بالطاء المهملة والغين المعجمة أي إن ذا
الخلصة هي طاغية دوس أي صنمها لكن سبق في أواخر المغازي أن ذا الخلصة موضع ببلاد دوس
فيه صنم اسمه الخلصة وحينئذ فليس ذو الخلصة الطاغية نفسها وحينئذ فيقدر هنا فيها بعد قوله
وذو الخلصة أي فيها طاغية دوس فهما اثنان أو واحد (التي كانوا يعبدون) من دون الله (في
الجاهلية) قال ابن بطال: وهذا الحديث وما أشبهه ليس المراد به إن الدين ينقطع كله في جميع
الأرض حتى لا يبقى منه شيء لأنه ثبت أن الإسلام يبقى إلى قيام الساعة إلا أنه يضعف ويعود
غريبًا كما بدأ.
والحديث من أفراده.
٧١١٧ - حدّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزُ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ أَبِ الْغَيْثِ، عَنْ
أبي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: ((لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَخْطَانَ يَسُوقُ النّاسَ
بِعصاه» .
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثني) بالإفراد (سليمان) بن
بلال (عن ثور) بفتح المثلثة وسكون الواو بعدها راء ابن زيد الديلمي (عن أبي الغيث) بالغين
المعجمة والمثلثة آخره سالم مولى عبد الله بن مطيع (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول
الله ◌َاخر قال):
(لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه) ولأبي ذر عن الحموي
والمستملي بعصا. وقحطان بفتح القاف والطاء المهملة بينهما حاء مهملة ساكنة. قال في التذكرة:
ولعل هذا الرجل القحطاني هو الرجل الذي يقال له الجهجاه المذكور في الحديث الآخر عند
مسلم، وأصل الجهجهة الصياح بالسبع يقال: جهجهت بالسبع أي زجرته بالصياح، وهذه الصفة
توافق ذكر العصا، وتعقبه في الفتح بإن إطلاق كونه من قحطان ظاهره أنه من الأحرار وتقييده
بأن الجهجاه من الموالي يردّ ذلك. وقوله: يسوق الناس بعصاه كناية عن انقيادهم إليه ولم يرد نفس
العصا وإنما ضربها مثلاً لطاعتهم له واستيلائه عليهم إلا أن في ذكرها دليلاً على خشونته عليهم
وعسفه بهم، وقد قيل: إنه يسوقهم بعصاه كما تساق الإبل والماشية وذلك لشدة عنفه وعدوانه.
وسبق في باب ذكر قحطان من مناقب قريش ما رواه نعيم بن حماد في الفتن من طريق أرطأة بن

٦٤
کتاب الفتن/ باب ٢٤
المنذر أحد التابعين من أهل الشأم أن القحطاني يخرج بعد المهدي ويسير على سيرة المهدي، وأخرج
أيضًا من طريق عبد الرحمن بن قيس بن جابر الصدفي عن أبيه عن جده مرفوعًا: يكون بعد
المهدي القحطاني والذي بعثني بالحق ما هو دونه. قال الحافظ ابن حجر: وهذا الثاني مع كونه
مرفوعًا ضعيف الإسناد والأول مع كونه موقوفًا أصلح إسنادًا منه، فإن ثبت ذلك فهو في زمن
عيسى ابن مريم لأن عيسى إذا نزل يجد المهدي إمام المسلمين، وفي رواية أرطأة بن المنذر أن
القحطاني يعيش في الملك عشرين سنة.
واستشكل ذلك بأنه كيف يكون في زمن عيسى يسوق الناس بعصاه والأمر إنما هو
لعيسى؟ وأجيب: بجواز أن يقيمه عيسى نائبًا عنه في أمور مهمة عامة.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إن سوق القحطاني الناس إنما هو في تغير الزمان وتبدّل
أحوال الإسلام لأن هذا الرجل ليس من قريش الذين فيهم الخلافة فهو من فتن الزمان وتبدّل
الأحكام.
والحديث سبق في مناقب قريش وأخرجه مسلم في الفتن.
٢٤ - باب خُرُوج النّارِ
وَقَالَ أَنَسٌ قالَ النَّبِيُّ: ((أوَّلُ أشْراطِ السّاعَةِ نارٌ تَخْشُرُ النّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ)).
(باب خروج النار) من أرض الحجاز.
(وقال أنس) رضي الله عنه: (قال النبي ◌َّر: أول أشراط الساعة) بفتح الهمزة علامات
قيامها وانتهاء الدنيا وانقضائها (نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب). وهذا سبق موصولاً في
إسلام عبد الله بن سلام من طريق حميد في أواخر باب الهجرة.
٧١١٨ - حدثنا أَبُو الْيَمانِ، أخْبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزَّهْرِيِّ قَالَ سَعيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَخْبَرَنِي
أَبُو هُرَيْرَةً أنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قالَ: ((لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَخْرُجُ نارٌ مِنْ أرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ
أغناقَ الإِلِ بنُضری».
وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) بضم الشين المعجمة
ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (قال سعيد بن المسيب) المخزومي أحد
الأعلام الأثبات الفقهاء الكبار (أخبرني) بالإفراد (أبو هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله اليه
قال):
(لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز) أي تتفجر من أرض الحجاز (تضيء
أعناق الإبل ببصرى) بضم الموحدة وفتح الراء مقصورًا ونصب أعناق مفعول تضيء على أنه متعدّ

٦٥
کتاب الفتن/ باب ٢٤
والفاعل النار أي تجعل على أعناق الإبل ضوءًا، وبصرى مدينة معروفة بالشام وهي مدينة حوران
بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل.
وفي كامل ابن عدي من طريق عمر بن سعيد التنوخي عن ابن شهاب عن أبي بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رفعه: ((لا تقوم الساعة حتى يسيل وادٍ من
أودية الحجاز بالنار تضيء له أعناق الإبل ببصرى)). قال في الفتح: وعمر ذكره ابن حبان في
الثقات وليّنه ابن عدي والدارقطني، وهذا ينطبق على النار المذكورة التي ظهرت بالمدينة في المائة
السابعة وتقدمتها كما قال القطب القسطلاني رحمه الله في كتابه جمل الإيجاز في الإعجاز بنار
الحجاز زلزلة اضطراب الناقلون في تحقيق اليوم الذي ابتدأت فيه، فالأكثرون أن ابتداءها كان يوم
الأحد مستهل جمادى الآخرة من سنة أربع وخمسين وستمائة، وقيل: ابتدأت ثالث الشهر وجمع بأن
القائل بالأول قال: كانت خفيفة إلى ليلة الثلاثاء بيومها ثم ظهرت ظهورًا اشترك فيه الخاص والعام
واشتدت حركتها، وعظمت رجفتها، وارتجت الأرض بمن عليها، وعجّت الأصوات لبارئها
تتوسل أن ينظر إليها، ودامت حركة بعد حركة، حتى أيقن أهل المدينة بالهلكة، وزلزلوا زلزالاً
شديدًا، فلما كان يوم الجمعة في نصف النهار ثار في الجوّ دخان متراكم أمره متفاقم ثم شاع
شعاع النار وعلا حتى غشى الأبصار.
وقال القرطبي في تذكرته: كان بدؤها زلزلة عظيمة ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة سنة
أربع وخمسين وستمائة إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت بقريظة عند قاع التنعيم بطرف الحرة
ترى في صورة البلد العظيم عليها سور محيط بها عليه شراريف كشراريف الحصون وأبراج ومآذن،
ويرى رجال يقودونها لا تمر على جبل إلاّ دكته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك نهر أحمر ونهر
أزرق له دويّ كدويّ الرعد يأخذ الصخور والجبال بين يديه وينتهي إلى محط الركب العراقي،
فاجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم وانتهت النار إلى قرب المدينة، وكان يأتي المدينة ببركة
النبي 8َّ* نسيم بارد ويشاهد من هذه النار غليان كغليان البحر وانتهت إلى قرية من قرى اليمن
فأحرقتها، وقال لي بعض أصحابنا: لقد رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام من المدينة
وسمعت أنها رُئِيَت من مكة ومن جبال بصرى.
وقال أبو شامة: وردت كتب من المدينة في بعضها أنه ظهر نار بالمدينة انفجرت من الأرض
وسال منها وادٍ من نار حتى حاذى جبل أَحُد وفي آخر سال منها وادٍ مقداره أربعة فراسخ
وعرضه أربعة أميال يجري على وجه الأرض يخرج منها مهاد وجبال صغار، وقال في جمل الإيجاز:
وحكى لي جمع ممن حضر: إن النفوس سكرت من حلول الوجل، وفنيت من ارتقاب نزول
الأجل، وعجّ المجاورون في الجوار بالاستغفار، وعزموا على الإقلاع عن الإصرار والتوبة عما
اجترحوا من الأوزار، وفزعوا إلى الصدقة بالأموال، فصرفت عنهم النار ذات اليمين وذات
الشمال وظهر حسن بركة نبينا * في أمته ويُمن طلعته في رفقته بعد فرقته، فقد ظهر أن النار
إرشاد الساري/ ج ١٥/ ٢ ٥

٦٦
كتاب الفتن/ باب ٢٤
المذكورة في حديث الباب هي النار التي ظهرت بنواحي المدينة كما فهمه القرطبي وغيره ويبقى
النظر هل هي من داخل التنفس أو من خارج كصاعقة نزلت والظاهر الأول، ولعل التنفس حصل
من الأرض لما تزلزلت، وتزايلت عن مركزها الأول وتخلخلت.
وقد تضمن الحديث في ذكر النار ثلاثة أمور: خروجها من الحجاز، وسيلان وادٍ منه بالنار
وقد وجدا، وأما الثالث وهو إضاءة أعناق الإبل ببصرى فقد جاء من أخبر به فإذا ثبت هذا فقد
صحّت الإمارات وتمت العلامات وإن لم يثبت فيحمل إضاءة أعناق الإبل ببصرى على وجه
المبالغة، وذلك في لغة العرب سائغ. وفي باب التشبيه في البلاغة بالغ وللعرب في التصرف في
المجاز ما يقتضي للغتها بالسبق في الإعجاز، وعلى هذا يكون القصد بذلك التعظيم لشأنها
والتفخيم لمكانها والتحذير من فورانها وغليانها، وقد وجد ذلك على وفق ما أخبر وقد جاء من
أخبر أنه أبصرها من تيماء وبصرى على مثل ما هي من المدينة في البعد فتعين أنها المراد وارتفع
الشك والعناد، وأما النار التي تحشر الناس فنار أخرى.
وحديث الباب من أفراده.
٧١١٩ - حدثنا عَبْدُ الله بْنُ سَعيدٍ الْكِنْدِيُّ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ
حُبَيْبٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمْنِ، عَنْ جَدِّهِ حَفْصِ بْنِ عاصِمٍ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَه:
(يُوشِكُ الْفُراتُ أنْ يَحْسِرَ عَنْ كَثْرٍ مِنْ ذَهَبٍ فَمَنْ حَضَّرَهُ فَلا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا)».
قالَ عُقْبَةُ: وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله حَدَّثَنَا أَبُو الزّنادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّلـ
مِثْلَهُ إلاَّ أنَّهُ قالَ: ((يَخْسِرُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن سعيد الكندي) بكسر الكاف وسكون النون أبو سعيد الأشج
معروف بكنيته وصفته قال: (حدّثنا عقبة بن خالد) الكوفي الحافظ قال: (حدّثنا عبيد الله) بن
عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري (عن خبيب بن عبد الرحمن) بضم الخاء
المعجمة وفتح الموحدة وبعد التحتية الساكنة موحدة أخرى ابن خبيب بن يساف الأنصاري (عن
جده حفص بن عاصم) أي ابن عمر بن الخطاب والضمير لعبيد الله بن عمر لا لشيخه (عن أبي
هريرة) رضي الله عنه (قال: قال رسول الله (وَلات) :
(يوشك) بكسر المعجمة يقرب (الفرات) النهر المشهور وتاؤه مجرورة على المشهور (أن يحسر)
بفتح التحتية وسكون الحاء وكسر السين المهملتين آخره راء يكشف (عن كنز من ذهب فمن حضره
فلا يأخذ منه شيئًا) بجزم فلا يأخذ على النهي، وإنما نهى عن الأخذ منه لما ينشأ عن الأخذ من
الفتنة والقتال عليه. وفي مسلم يحسر الفرات عن جبل من ذهب فيقبل عليه الناس فيقتل من المائة
تسعة وتسعون ويقول كل رجل منهم: لعلّ أكون أنا الذي أنجو والأصل أن يقول: أنا الذي أفوز
به فعدل إلى قوله أنجو لأنه إذا نجا من القتل تفرّد بالمال وملكه.

٦٧
کتاب الفتن/ باب ٢٥
والحديث أخرجه مسلم في الفتن وأبو داود في الملاحم والترمذي في صفة الجنة.
(قال عقبة) بن خالد اليشكري بالسند المذكور: (وحدّثنا عبيد الله) بضم العين العمري
المذكور قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي
هريرة) رضي الله عنه (عن النبي وَّ مثله). مثل الحديث السابق (إلا أنه قال: يحسر) أي الفرات
(عن جبل من ذهب) بدل قوله: عن كنز وأشار به أيضًا إلى أن لعبيد الله العمري فيه إسنادين.
٢٥ - باب
(باب) بالتنوين بلا ترجمة فهو كالفصل من سابقه.
٧١٢٠ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحيى، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنا مَعْبَدْ قالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ
وَهْبِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: (تَصَدَّقُوا فَسَيَأْتِي عَلَى النّاسِ زَمانْ يَمْشِي بِصَدَقَتِهِ فَلا
يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُها)). قالَ مُسَدَّدٌ: حارِثَةُ أخُو عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ لأُمِّهِ قالَهُ أَبُو عَبْدِ الله .
وبهِ قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن
شعبة) بن الحجاج أنه قال: (حدّثنا معبد) بفتح الميم والموحدة بينهما عين مهملة ساكنة ابن خالد
القاص (قال: سمعت حارثة بن وهب) بالحاء المهملة والمثلثة الخزاعي رضي الله عنه (قال: سمعت
رسول الله ◌َفي يقول):
(تصدّقوا فسيأتي على الناس زمان يمشي بصدقته) وللكشميهني يمشي الرجل بصدقته (فلا
يجد من يقبلها) زاد في باب الصدقة قبل الرد من الزكاة يقول الرجل لو جئت بها بالأمس لقبلتها
فأما اليوم فلا حاجة لي بها، وهذا إنما يكون في الوقت الذي يستغني الناس فيه عن المال
الاشتغالهم بأنفسهم عند الفتنة، وهذا في زمن الدجال؛ أو يكون ذلك لفرط الأمن والعدل البالغ
بحيث يستغني كل أحد بما عنده عما عند غيره وهذا يكون في زمن المهدي وعيسى، أما عند
خروج النار التي تسوقهم إلى المحشر فلا يلتفت أحد إلى شيء بل يقصد نجاة نفسه ومن استطاع
من أهله وولده، ويحتمل أن يكون يمشي بصدقته الخ. وقع في خلافة عمر بن عبد العزيز فلا
يكون من أشراط الساعة.
وفي تاريخ يعقوب بن سفيان من طريق يحيى بن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب
بسند جيد قال: لا والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول:
اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء فما نبرح حتى يرجع بماله فيتذكر من يضعه فيهم فلا يجده
فيرجع به قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس وسبب ذلك بسط عمر بن عبد العزيز العدل
وإيصال الحقوق كلها إلى أهلها حتى استغنوا.
(قال) ولأبي ذر وقال (مسدد) المذكور (حارثة) بن وهب (أخو عبيد الله) بضم العين (ابن

٦٨
کتاب الفتن/ باب ٢٥
عمر لأمه) رضي الله عنه هي أم كلثوم بنت جرول بن مالك بن المسيب بن ربيعة بن أصرم
الخزاعية ذكرها ابن سعد قال: وكان الإسلام فرّق بينها وبين عمر (قاله) أي قول مسدد هذا (أبو
عبد الله) البخاري نفسه وهذا أي قوله قاله أبو عبد الله ثابت في رواية أبي ذر عن المستملي.
٧١٢١ - حدّثنا أبُو الْيَمانِ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أبي
هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِّرَ قالَ: ((لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَقْتَتِلَ فِئَتانٍ عَظِيمَتانِ تَكُونُ بَيْنَهُما مَقْتَلَةٌ
عَظيمَةٌ دَعْوَتُهُما واحِدَةٌ وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَالُونَ كَذَابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلاثينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ الله
وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلازِلُ وَيَتَقَارَبَ الزَّمانُ وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهْوَ الْقَتْلُ وَحَتَّى
يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ، فَيَفيضَ حَتّى يُهِمَّ رَبِّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ فَيَقُولَ الَّذي
يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ لا أَرَبَ لي بِهِ، وَحَتّى يَتَطاوَلَ النّاسُ فِي الْبُنْيانِ، وَحَتّى يَمُرَّ الرَّجُلِ بِقَبْرِ الرَّجُلِ
فَيَقُولَ: يَا لَيْتَنِي مَكانَهُ وَحَتَّى تَطْلُعَ الشّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ،
فَذلِكَ حينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا، وَلَتَقُومَنَّ
السّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلانِ ثَوْبَهُما بَيْنَهُما فَلا يَتَبَايَعانِهِ وَلا يَطْوِيانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وَقَدِ أَنْصَرَفَ
الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وَهْوَ يُليطُ حَوْضَهُ فَلا يَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السّاعَةُ
وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إلى فِيهِ فلا يَطْعَمُها)».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال:
(حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن عبد الرحمن) بن هرمز الأعرج (عن أبي هريرة) رضي
الله عنه (أن رسول الله وَ لفي قال):
(لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان) تقدم أن المراد بهما علّ ومن معه، ومعاوية ومن
معه (تكون بينهما مقتلة عظيمة) ذكر ابن أبي خيثمة أن الذي قتل من الفريقين سبعون ألفًا وقيل
أكثر (دعوتهما واحدة) كل واحدة منهما تدعو إلى الإسلام وتتأوّل كل فرقة أنها محقة ويؤخذ منه
الرد على الخوارج ومن معهم في تكفيرهم كلاً من الطائفتين، وفي رواية دعواهما واحدة أي دينهما
واحد، فالكل مسلمون بدعوة الإسلام عند الحرب وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول
اللهِ وَلّ، وكان سبب تقاتل الطائفتين ما أخرجه يعقوب بن سفيان بسند جيد عن الزهري قال: لما
بلغ معاوية غلبة علّ على أهل الجمل دعا إلى الطلب بدم عثمان رضي الله عنه فأجابه أهل الشأم
فسار إليه علي رضي الله عنه فالتقيا بصفين. وذكر يحيى بن سليمان الجعفي أحد شيوخ البخاري
في كتاب صفين من تأليفه بسند جيد عن أبي مسلم الخولاني أنه قال لمعاوية: أأنت تنازع عليًّا في
الخلافة أو أنت مثله؟ قال: لا وإني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر، ولكن ألستم تعلمون أن
عثمان رضي الله عنه قتل مظلومًا وأنا ابن عمه ووليه أطلب بدمه فأتوا عليًّا فقولوا له يدفع لنا قتلة
عثمان فأتوه فكلموه فقال: يدخل في البيعة ويحاكمهم إلي فامتنع معاوية رضي الله عنه فسار عليّ

٦٩
کتاب الفتن/ باب ٢٥
والجيوش من العراق حتى نزلوا صفين، وصار معاوية حتى نزل هناك، وذلك في ذي الحجة سنة
ست وثلاثين فتراسلوا فلم يتم لهم أمر، فوقع القتال إلى أن قتل من الفريقين من قتل، وعند ابن
سعد أنهم اقتتلوا في غرة صفر فلما كاد أهل الشأم أن يغلبوا رفعوا المصاحف بمشورة عمرو بن
العاص ودعوا إلى ما فيها فآل الأمر إلى الحكمين فجرى ما جرى من اختلافهما واستبداد معاوية
بملك الشام واشتغال علّ بالخوارج.
(و) لا تقوم الساعة (حتى يبعث) يظهر (دجالون) بفتح الدال المهملة والجيم المشددة جمع
دجال يقال دجل فلان الحق بباطله أي غطاه، ومنه أخذ الدجال ودجله سحره وقيل سمي الدجال
دجالاً لتمويهه على الناس وتلبيسه يقال دجل إذا موّه ولبس والدجال يطلق في اللغة على أوجه
كثيرة منها الكذب كما قال هنا دجالون (كذابون) ولا يجمع ما كان على فعال جمع تكسير عند
جماهير النحاة لئلا يذهب بناء المبالغة منه فلا يقال إلا دجالون كما قال عليه الصلاة والسلام وإن
كان قد جاء مكسرًا فهو شاذ كما قال مالك بن أنس رحمه الله في محمد بن إسحاق إنما هو دجال
من الدجاجلة. قال عبد الله بن إدريس الأودي: وما علمت أن دجالاً يجمع على دجاجلة حتى
سمعتها من مالك بن أنس رضي الله عنه وهؤلاء الكذابون عددهم (قريب من ثلاثين). وفي
حديث حذيفة رضي الله عنه عند أبي نعيم وقال حديث غريب تفرّد به معاوية بن هشام: يكون
في أمتي دجالون كذابون سبعة وعشرون منهم أربع نسوة، وأخرجه أحمد بسند جيد. وفي حديث
ثوبان عند أبي داود والترمذي وصححه ابن حبان وأنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون (كلهم
يزعم أنه رسول الله) زاد ثوبان: وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي ولأحمد وأبي يعلى عن ابن عمر
وثلاثون كذابون أو أكثر، وعنه عند الطبراني: لا تقوم الساعة حتى يخرج سبعون كذّابًا وسندهما
ضعيف وعلى تقدير الثبوت فيحمل على المبالغة في الكثرة لا التحديد، وأما رواية الثلاثين بالنسبة
الرواية سبع وعشرين فعلى طريق جبر الكسر وقد ظهر ما في هذا الحديث فلو عدّ من ادعى النبوة
من زمنه ◌َله ممن اشتهر بذلك واتبعه جماعة على ضلاله لوجد هذا العدد ومن طالع كتب الأخبار
والتواريخ وجد ذلك والفرق بين هؤلاء وبين الدجال الأكبر أنهم يدّعون النبوّة وذلك يدّعي
الإلهية مع اشتراك الكل في التمويه وادعاء الباطل العظيم.
(و) لا تقوم الساعة (حتى يقبض العلم) بقبض العلماء وقد وقع ذلك فلم يبق إلا رسمه
(وتكثر الزلازل) وقد كثر ذلك في البلاد الشمالية والشرقية والغربية حتى قيل إنها استمرت في
بلدة من بلاد الروم التي للمسلمين ثلاثة عشر شهرًا، وفي حديث سلمة بن نفيل عند أحمد وبين
يدي الساعة سنوات الزلازل (ويتقارب الزمان) عند زمان المهدي لوقوع الأمن في الأرض فيستلذ
العيش عند ذلك لانبساطه عدله فتستقصر مدته لأنهم يستقصرون مدة أيام الرخاء وإن طالت
ويستطيلون مدة أيام الشدّة وإن قصرت، أو المراد يتقارب أهل الزمان في الجهل فيكونون كلهم
جهلاء، أو المراد الحقيقة بأن يعتدل الليل والنهار دائمًا بأن تنطبق منطقة البروج على معدّل النهار
(وتظهر الفتن) أي تكثر وتشتهر فلا تكتم (ويكثر الهرج) بفتح الهاء وسكون الراء بعدها جيم

٧٠
کتاب الفتن/ باب ٢٥
(وهو القتل) في رواية ابن أبي شيبة قالوا: يا رسول الله وما الهرج؟ قال: ((القتل)) وهو صريح في
أن تفسير الهرج مرفوع، ولا يعارضه كونه جاء موقوفًا في غير هذه الرواية ولا كونه بلسان الحبشة
(وحتى يكثر فيكم المال فيفيض) بالنصب عطفًا على سابقه أي يكثر حتى يسيل (حتى بهم) بضم
التحتية وكسر الهاء وتشديد الميم يحزن (رب المال) مالكه (من) أي الذي (يقبل صدقته) فرب
مفعول يهم والموصول مع صلته فاعله (وحتى يعرضه) قال الطيبي: معطوف على مقدر المعنى حتى
بهم طلب من يقبل الصدقة صاحب المال في طلبه حتى يجده وحتى يعرضه (فيقول) ولأبي ذر عن
الحموي والمستملي يعرضه عليه فيقول (الذي يعرضه عليه لا أرب) أي لا حاجة (لي به).
قال القرطبي في تذكرته: هذا مما لم يقع بل يكون فيما يأتي، وقال في الفتح: التقييد بقوله
فيكم يُشعِر بأنه في زمن الصحابة فهو إشارة إلى ما فتح لهم من الفتوح؛ واقتسامهم أموال الفرس
والروم، وقوله فيفيض إلخ إشارة إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز أن الرجل كان لا يجد
من يقبل صدقته كما مرّ، وقوله حتى يعرضه إلخ إشارة إلى ما سيقع زمن عيسى فيكون فيه إشارة
إلى ثلاثة أحوال:
الأولى: كثرة المال فقط في زمن الصحابة.
الثانية: فيضه بحيث يكثر فيحصل استغناء كل أحد عن أخذ مال غيره ووقع ذلك في زمن
عمر بن عبد العزيز.
الثالثة: كثرته وحصول الاستغناء عنه حتى يهم صاحب المال لكونه لا يجد من يقبل صدقته
ويزداد بأنه يعرضه على غيره ولو كان يستحق الصدقة فيأبى أخذه، وهذا في زمن عيسى عليه
السلام، ويحتمل أن يكون هذا الأخير عند خروج النار واشتغال الناس بالحشر.
(وحتى يتطاول الناس في البنيان) بأن يريد كلٌّ ممن يبني أن يكون ارتفاعه أعلى من ارتفاع
الآخر أو المراد المباهاة به في الزينة والزخرفة أو أعم من ذلك وقد وجد الكثير من ذلك وهو في
ازدياد (وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه) لما يرى من عظيم البلاء وریاسة
الجهلاء وخمول العلماء واستيلاء الباطل في الأحكام وعموم الظلم واستحلال الحرام والتحكم بغير
حق في الأموال والأعراض والأبدان كما في هذه الأزمان فقد علا الباطل على الحق وتغلب العبيد
على الأحرار من سادات الخلق فباعوا الأحكام ورضي بذلك منهم الحكام، فلا حول ولا قوة إلا
بالله العلي العظيم ولا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه.
(و) لا تقوم الساعة (حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون
فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا) وفي هذه الآية
بحوث حسنة تتعلق بعلم العربية وعليها تنبني مسائل من أصول الدين، وذلك أن المعتزلي يقول
مجرد الإيمان الصحيح لا يكفي بل لا بدّ من انضمام عمل يقترن به ويصدقه، واستدل بظاهر هذه

٧١
کتاب الفتن/ باب ٢٥
الآية كما قال في الكشاف لم تكن آمنت من قبل صفة لقوله نفسًا، وقوله: أو كسبت في إيمانها
خيرًا عطف على آمنت، والمعنى أن أشراط الساعة إذا جاءت وهي آيات ملجئة مضطرة ذهب أو
أن التكليف عندها فلم ينفع الإيمان حينئذ نفسًا غير مقدمة إيمانها قبل ظهور الآيات أو مقدمة
إيمانها غير كاسبة خيرًا في إيمانها فلم يفرق كما ترى بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت
الإيمان وبين النفس التي آمنت في وقته ولم تكسب خيرًا ليعلم أن قوله: ﴿الذين آمنوا وعملوا
الصالحات﴾ [البقرة: ٢٥] جمع بين قرينتين لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخرى حتى يفوز
صاحبهما ويسعد وإلا فالشقوة والهلاك اهـ.
وقد أجيب عن هذا الظاهر بأن المعنى بالآية الكريمة أنه إذا أتى بعض الآيات لا ينفع نفسًا
كافرة إيمانها الذي أوقعته إذ ذاك ولا ينفع نفسًا سبق إيمانها وما كسبت فيه خيرًا فقد علّق نفي
الإيمان بأحد وصفين إما نفي سبق الإيمان فقط، وإما سبقه مع نفي كسب الخير ومفهومه أنه ينفع
الإيمان السابق وحده أو السابق ومعه الخير ومفهوم الصفة قوي فيستدل بالآية لمذهب أهل السُّنة
فقد قلبوا دليلهم عليهم. وقال ابن المنير ناصر الدين: هو يروم الاستدلال على أن الكافر
والعاصي في الخلود سواء حيث سوى في الآية بينهما في عدم الانتفاع بما يستدر كأنه بعد ظهور
الآيات ولا يتم ذلك فإن هذا الكلام في البلاغة يلقب باللف وأصله: يوم يأتي بعض آيات ربك
لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن مؤمنة قبل إيمانها بعد ولا نفسًا لم تكسب خيرًا قبل ما تكسبه من الخير
بعد فلف الكلامين فجعلهما كلامًا واحدًا إيجازًا وبلاغة ويظهر بذلك أنها لا تخالف مذهب الحق
فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير، وإن نفع الإيمان المتقدم من الخلود فهي بالرد على
مذهبه أولى من أن تدل له. وعند ابن مردويه عن عبد الله بن أبي أوفى قال: سمعت رسول
الله ◌َ* يقول: ليأتين على الناس ليلة تعدل ثلاث ليال من لياليكم هذه فإذا كان ذلك يعرفها
المتنفلون يقوم أحدهم فيقرأ حزبه ثم ينام ثم يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام ثم يقوم فبينما هم كذلك
هاج الناس بعضهم في بعض فقالوا: ما هذا فيفزعون إلى المساجد فإذا هم بالشمس قد طلعت من
مغربها فيضج الناس ضجة واحدة حتى إذا صارت في وسط السماء رجعت وطلعت من مطلعها
قال حينئذ لا ينفع نفسًا إيمانها. قال ابن كثير: هذا حديث غريب من هذا الوجه وليس هو في
شيء من الكتب الستة.
(ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما) بغير تحتية بعد الموحدة في ثوبهما ليتبايعاه
(فلا يتبايعانه ولا يطويانه). وعند الحاكم من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله قوله:
((تطلع عليكم قبل الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب مثل الترس فما تزال ترتفع حتى تملأ
السماء ثم ينادي مُنادٍ يا أيها الناس ثلاثًا يقول في الثالثة أتى أمر الله قال والذي نفسي بيده إن
الرجلين لينشران الثوب بينهما فما يطويانه)). الحديث.
(ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته) بكسر اللام وسكون القاف بعدها حاء

٧٢
كتاب الفتن/ باب ٢٦
مهملة واللقحة اللبون من النوق (فلا يطعمه) أي فلا يشربه (ولتقومن الساعة وهو يليط) بضم
التحتية وكسر اللام بعدها تحتية ساكنة فطاء مهملة أي يصلح بالطين (حوضه) فيسد شقوقه ليملأه
ويسقي منه دوابه (فلا يسقي منه) أي تقوم الساعة قبل أن يسقي فيه (ولتقومن الساعة وقد رفع
أكلته) بضم الهمزة لقمته (إلى فيه) إلى فمه (فلا يطعمها) أي تقوم الساعة قبل أن يضع لقمته في
فيه أو قبل أن يمضغها أو يبتلعها. وعند البيهقي عن أبي هريرة رفعه: تقوم الساعة على رجل
أكلته في فيه يلوكها فلا يسيغها ولا يلفظها.
وهذا كله إشارة إلى أن الساعة تقوم بغتة وأسرعها رفع اللقمة إلى الفم.
والحديث من أفراده.
٢٦ - باب ذِكْرِ الدَّجَّالِ
(باب ذكر الدجال) بتشديد الجيم فعال من أبنية المبالغة أي يكثر منه الكذب والتلبيس وهو
الذي يظهر في آخر الزمان يدّعي الإلهية ابتلى الله به عباده وأقدره على أشياء من مخلوقاته كإحياء
الميت الذي يقتله وإمطار السماء وإنبات الأرض بأمره ثم يعجزه الله بعد ذلك فلا يقدر على شيء،
ثم يقتله عيسى عليه السلام وفتنته عظيمة جدًا تدهش العقول وتحير الألباب.
٧١٢٢ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحيى، حَدَّثَنا إسماعيلُ، حَدَّثَنِي قَيْسٌ قالَ: قَالَ لِي
الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ما سَألَ أحَدُ النَّبِيَّ وَ عَنِ الدَّجَالِ ما سَألْتُهُ وَإِنَّهُ قالَ لِي: ((ما يَضُرُّكَ مِنْهُ))
قُلْتُ: لِإِنْهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ مَعَهُ جَبَل خُبْزٍ وَنَّهَرَ ماءِ قالَ: ((هو أهْوَنُ عَلَى الله مِنْ ذلِكَ)).
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدّثنا
إسماعيل) بن أبي خالد قال: (حدّثني) بالإفراد (قيس) هو ابن أبي حازم (قال: قال لي المغيرة بن
شعبة) رضي الله عنه (ما سأل أحد النبي وَّ ر عن الدجال ما سألته) ولأبي ذر أكثر ما سألته
(وإنه) وَلقر (قال لي):
(ما يضرك منه)؟ أي من الدجال (قلت) يا رسول الله الخشية منه (لأنهم) ولأبي ذر عن
الحموي أنهم (يقولون: إن معه جبل خبز) بضم الخاء المعجمة وسكون الموحدة بعدها زاي أي معه
من الخبز قدر الجبل، وعند مسلم من رواية هشيم جبال خبز ولحم (ونهر ماء) بفتح النون والهاء
وتسكن (قال) وَله: (هو أهون على الله) من أن يجعل شيئًا (من ذلك) آية على صدقه لا سيما وقد
جعل الله فيه آية ظاهرة في كذبه وكفره يقرؤها من قرأ ومن لم يقرأ زيادة على شواهد كذبه من
حدثه ونقصه بالعور، وليس المراد ظاهره وأنه لا يجعل على يديه شيئًا من ذلك بل هو على التأويل
المذكور.
والحديث أخرجه مسلم وابن ماجة في الفتن.

٧٣
كتاب الفتن/ باب ٢٦
٧١٢٣ - حدثنا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبانُ، عَنْ يَحْيى، عَنْ إِسْحُقَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ
أبي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ قَالَ: قالَ النَّبِيُّ وَّرَ: ((يَجيءُ الدِّجَّالُ حَتّى يَنْزِلَ في ناحِيَةٍ
الْمَدِينَةِ، ثُمَّ تَرْجُفُ الْمَدينَةُ ثَلاثَ رَجَفَاتٍ، فَيَخْرُجُ إلَيْهِ كُلُّ كَافِرٍ وَمُنافِقٍ)).
وبه قال: (حدّثنا سعد بن حفص) بسكون العين الطلحي مولاهم أبو محمد الكوفي وزيادة
التحتية بعد العين تحريف قال: (حدّثنا شيبان) بالشين المعجمة المفتوحة بعدها تحتية ساكنة فموحدة
فألف فنون ابن عبد الرحمن النحوي المؤدب التميمي مولاهم البصري أبو معاوية (عن يحيى) بن
أبي كثير (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن) عمه (أنس بن مالك) رضي الله عنه أنه
(قال: قال النبي وَلّ):
(يجيء الدجال) من أرض بالمشرق يقال لها خراسان (حتى ينزل في ناحية المدينة) ولابن
ماجة نزل عند الطريق الأحمر عند منقطع السبخة (ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات) بفتح الجيم
(فيخرج إليه كل كافر ومنافق). قيل: والمراد بالكافر غلاة الروافض لأنهم كفرة. والحديث من
أفراده.
٧١٢٤ - حقثنا عَبْدُ الْعَزِيزُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنا إبراهيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أبيهِ عَنْ جَدّهِ، عَنْ
أبي بَكْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ وَّهِ قَالَ: ((لا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَلَها يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبُوابٍ
عَلَى كُلِّ بابٍ مَلَّكانِ)).
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون
العين (عن أبيه) سعد (عن جده) إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري (عن أبي بكرة) نفيع
رضي الله عنه (عن النبي وَل﴾) أنه (قال):
(لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال) المسيح بالحاء المهملة لا بالمعجمة وقال صاحب
القاموس إنه اجتمع له من الأقوال في سبب تسمية المسيح خمسون قولاً (ولها) أي المدينة (يومئذ
سبعة أبواب على كل باب ملكان) زاد الحاكم من رواية الزهري عن طلحة بن عبيد الله بن عوف
عن عياض بن مسافع عن أبي بكرة يذبّان عنه رعب المسيح.
وهذا الحديث ثابت هنا في رواية أبي الوقت وأبي ذر عن المستملي وحده ساقط لغيرهما.
٧١٢٥ - حدثنا مُوسَى بْنُ إسْماعيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ
أُرَاهُ عَنْ النَِّّ ◌َِّ قَالَ: ((أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمنى كَأَنَّهَا عَنَبَةٌ طافِيةٌ)).
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي الحافظ قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو
وفتح الهاء ابن خالد قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن نافع عن ابن عمر) رضي الله عنهما قال

٧٤
كتاب الفتن/ باب ٢٦
البخاري (أراه) بضم الهمزة أظنه (عن النبي وَلي) وسقط قوله أراه الخ للمستملي وأبي زيد المروزي
وأبي أحمد الجرجاني فيصير موقوفًا لكنه في الأصل مرفوع كما في مسلم (قال):
إن الدجال (أعور عين اليمنى) من إضافة الموصوف إلى الصفة على رأي الكوفيين أو مؤوّل
على الحذف أي أعور عين الجهة اليمنى (كأنها عنبة طافية) بلا همز ناتئة ولم يذكر الموصوف بذلك
ومثله عند الإسماعيلي لكنه قال في آخره يعني الدجال.
وهذا الحديث ساقط هنا من رواية الحموي.
٧١٢٦ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ
إبراهيمَ، عَنْ أبيهِ عَنْ أبي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قالَ: ((لا يَدْخُلُ الْمَدينَةَ رُعْبُ الْمَسيحِ لَها يَوْمَئِذٍ
سَبْعَةُ أَبْوابٍ عَلَى كُلِّ بابٍ مَلَكانٍ)). وَقَالَ ابْنُ إسْحُقَ: عَنْ صَالِحِ بْنِ إبراهيمَ، عَنْ أبيهِ قالَ:
قَدِمْتُ الْبَصْرَةَ فقالَ لِي أَبُو بَكْرَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ بِهِذَا.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا محمد بن بشر) بالموحدة المكسورة
والمعجمة الساكنة العبدي قال: (حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين آخره
راء ابن كدام الكوفي قال: (حدّثنا سعد بن إبراهيم) بسكون العين (عن أبيه) إبراهيم بن سعد بن
إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي بكرة) نفيع رضي الله عنه (عن النبي (وَلاغير) أنه (قال):
(لا يدخل المدينة رعب المسيح) الدجال (لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب) ولأبي ذر عن
الكشميهني لكل باب (ملكان) يحرسونها منه.
وهذا الحديث ثبت للمستملي وحده.
(وقال ابن إسحاق) محمد صاحب المغازي مما وصله الطبراني في الأوسط من رواية محمد بن
سلمة الحراني عنه (عن صالح بن إبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبيه قال: قدمت البصرة
فقال لي أبو بكرة) نفيع (سمعت النبي وَّفي بهذا) أي أصل الحديث السابق وتمامه كما في الطبراني
بعد قوله فلقيت أبا بكرة فقال: أشهد أني سمعت رسول الله وَ له يقول: ((كل قرية يدخلها فزع
الدجال إلا المدينة يأتيها ليدخلها فيجد على بابها ملكًا مصلتًا بالسيف فيردّ عنها». قال الطبراني: لم
يروه عن أبي صالح إلا ابن إسحاق، وأراد المؤلف بذكر هذا هنا ثبوت لقاء إبراهيم بن
عبد الرحمن بن عوف لأبي بكرة لأن إبراهيم مدني وقد تستنكر روايته عن أبي بكرة لأنه نزل
البصرة من عهد عمر إلى أن مات.
وهذا التعليق ثابت في رواية المستملي والكشميهني.
٧١٢٧ - حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنا إبراهيمُ، عَنْ صالحٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ
سالِمٍ بْنِ عَبْدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما قالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﴿ فِي النَّاسِ فَأَتْنى

٧٥
كتاب الفتن/ باب ٢٦
عَلَى اللهُ بِمَا هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَالَ فَقالَ: ((إنّي لأُنْذِرُكُمُوهُ وَما مِنْ نَبِيِّ إلاّ وَقَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ،
وَلِكِنِّي سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلاً لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٍّ لِقَوْمِهِ إِنَّهُ أعْوَرُ وَإِنَّ الله لَيْسَ بِأَعْوَرَ)) .
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثنا إبراهيم) بن سعد (عن
صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سالم عن عبد الله أن) أباه
(عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قام رسول الله وَله في الناس فأثنى على الله بما هو أهله
ثم ذكر الدجال فقال):
(إني لأنذركموه) بضم الهمزة وكسر المعجمة (وما من نبي إلا وقد أنذره قومه) تحذيرًا لهم
من فتنته. وفي حديث أبي عبيدة بن الجراح عند أبي داود وحسّنه الترمذي: لم يكن نبي بعد نوح
إلا وقد أنذر قومه الدجال. وعند أحمد من وجه آخر عن ابن عمر لقد أنذره نوح أمته والنبيون
من بعده وإنما أنذر نوح وغيره أمته به وإن كان إنما يخرج بعد وقائع وأن عيسى يقتله لأنهم
أنذروا به إنذارًا غير معين بوقت خروجه فحذروا قومهم فتنته، ويدل له قول نبينا بَّ في بعض
طرق الحديث: إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه فقد حملوه على أنه كان قبل أن يعلم وقت خروجه
وعلاماته فكان ◌َله يجوز أن يكون خروجه في حياته والتر، ثم أعلمه الله بعد ذلك فأخبر به أمته
وخصّ نوحًا بالذكر لأنه مقدم المشاهير من الأنبياء كما خصّ بالتقديم في قوله تعالى: ﴿شرع لكم
من الدين ما وصى به نوحًا﴾ [الشورى: ١٣] (ولكني) وللكشميهني ولكن (سأقول لكم فيه قولاً
لم يقله نبي لقومه) والسر في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بذلك لأن الدجال إنما يخرج في أمته
دون غيرها من الأمم (إنه أعور وإن الله ليس بأعور) يحتمل أن أحدًا من الأنبياء غير نبينا وَلو لم
يخبر بأنه أعور أو أخبر ولم يقدر له أن يخبر به كرامة لنبينا وَلّر حتى يكون هو الذي يبين بهذا
الوصف دحوض حجته الداحضة ويبصر بأمره جهال العوام فضلاً عن ذوي الألباب والأفهام.
٧١٢٨ - هذانا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ سالِم عَنْ
عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رَسُولَ اللهِوَّهِ قَالَ: ((بَيْنا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، فَإذا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ
يَنْظُفُ أوْ يُهَراقُ رَأْسُهُ ماءٌ، قُلْتُ: مَنْ هذا؟ قالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ ثُمَّ ذَهَبْتُ، الْتَفِتُ فَإذا رَجُلٌ جَسيمٌ
أحْمَرُ جَعْدُ الرَّأْس، أغْوَرُ الْعَيْنِ كَأنَّ عَيْنَهُ عِنَبةٌ طافِيَةٌ قالُوا: هذَا الدَّجّالُ أقْرَبُ النّاسِ بِهِ شَبَهَا ابْنُ
قَطَن رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ)).
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي مولاهم المصري
ونسبه لجده قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام الفقيه الفهمي أبو الحارث المصري (عن عقيل)
بضم العين وفتح القاف ابن خالد بن عقيل بفتح العين الأيلي بفتح الهمزة وسكون التحتية وكسر
اللام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سالم عن أبيه عن عبد الله بن عمر) رضي الله
عنهما (أن رسول الله ◌َّ﴾ قال):

٧٦
کتاب الفتن/ باب ٢٦
(بينا) بغير ميم (أنا نائم أطوف) زاد في التعبير رأيتني أطوف (بالكعبة فإذا رجل آدم) بمدّ
الهمزة أسمر (سبط الشعر) بفتح المهملة وسكون الموحدة وتكسر مسترسله غير جعد (ينطف) بضم
الطاء المهملة في الفرع بكسرها يقطر (أو) قال (يهراق) بفتح الهاء بعد ضم التحتية والشك من
الراوي (رأسه ماء) وفي رواية مالك له لمة قد رجلها فهي تقطر ماء واللمة بكسر اللام شعر الرأس
وكأنه يقطر من الذي سرحه به أو أن المراد الاستعارة وكني بذلك عن مزيد النظافة والنضارة
(قلت: من هذا؟ قالوا: ابن مريم) عيسى عليهما السلام (ثم ذهبت ألتفت فإذا رجل جسيم أحمر)
اللون (جعد) شعر (الرأس) بفتح الجيم وسكون العين المهملة (أعور العين كأن عينه عنبة طافية)
بارزة وهي غير الممسوحة وهي بغير همز على الراجح ولبعضهم بالهمز أي ذهب ضوءها. قال
القاضي عياض: رويناه عن الأكثر بغير همز وهو الذي صححه الجمهور وجزم به الأخفش،
ومعناه أنها ناتئة نتوء حبة العنب من بين أخواتها وضبطه بعضهم بالهمزة وأنكره بعضهم، ولا
وجه لإنكاره فقد جاء في آخر أنه ممسوح العين مطموسة وليست حجراء ولا ناتئة رواه أبو داود
وهذه صفة حبة العنب إذا سال ماؤها.
وقال في الفتح: والصواب أنه بغير همز لأنه قيده في رواية الباب بأنها اليمنى وصرح في
حديث ابن مغفل وسمرة بأن اليسرى ممسوحة والطافية البارزة. قال: والعجب ممن يجوّز الهمز
وعدمه مع تضادّ المعنى في حديث واحد فلو كان ذلك في حديثين لسهل الأمر وزاد في رواية
حنظلة اليمنى وكذا في رواية شعيب عند المؤلف في التعبير وفي مسلم عن حذيفة: أعور عين
اليسرى، ومقتضاه أن كلاً من عينيه عوراء. وفي حديث حذيفة أيضًا مطموس العين عليها ظفرة
غليظة. وفي حديث سعيد عند أحمد والطبراني أعور عينه اليسرى بعينه اليمنى ظفرة غليظة والظفرة
تغشى العين إذا لم تقطع عميت العين. وفي حديث عبد الله بن مغفل عند الطبراني ممسوح العين،
وفي حديث أبي سعيد عند أحمد وعينه اليمنى عوراء جاحظة كأنها نخاعة في أصل حائط مخصص
وعينه اليسرى كأنها كوكب دريّ فوصف عينيه معًا، والمراد بوصفها بالكوكب شدة اتقادها وعند
أحمد والطبراني من حديث أبيّ بن كعب إحدى عينيه كأنها زجاجة خضراء وهو يوافق وصفها
بالكوكب، وظاهر هذه الروايات التضاد لكن وصف اليمنى بالعور أرجح لاتفاق الشيخين عليه من
حديث ابن عمر، ويحتمل أن يكون كلٍّ من عينيه عوراء فإحداهما بما أصابها من الظفرة الغليظة
المذهبة للإدراك والأخرى من أصل الخلقة فيكون الدجال أعمى أو قريبًا منه لكن وصف إحداهما
بالكوكب الدري يرد هذا الاحتمال، فالأقرب أن الذي ذهب ضوءها هي المطموسة الممسوحة
والأخرى معيبة بارزة معها بقاء ضوء فلا تنافي لأن كثيرًا ممن يحدث له النتوء يبقى معه الإدراك
فيكون الدجال من هذا القبيل. وعند الطبراني من حديث عبد الله بن مغفل أنه أدم فيجمع بينه
وبين وصفه هنا بأنه أحمر بأن أدمته صافية ولا ينافي أن يوصف مع ذلك بالحمرة لأن كثيرًا من
الآدم قد تحمر وجنته.
(قالوا: هذا الدجال) قال في الفتح: لم أقف على اسم القائل معينًا (أقرب الناس به شبهًا)

٧٧
کتاب الفتن/ باب ٢٦
بفتح المعجمة والموحدة (ابن قطن) بفتح القاف والطاء المهملة بعدها نون اسمه عبد العزى بن
قطن بن عمرو بن جندب بن سعيد بن عائذ بن مالك بن المصطلق واسم أمه هالة بنت خويلد
قاله الدمياطي والمحفوظ أنه هلك في الجاهلية كما قاله الزهري (رجل من خزاعة).
والحديث سبق في التعبير.
٧١٢٩ - حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزُ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنا إبراهيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صالِحٍ، عَنْ ابْنِ
شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَسْتَعِيذُ فِي صَلاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَالِ.
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) بن يحيى بن عمر بن أويس الأويسي المدني قال:
(حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين القرشي (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب)
محمد بن مسلم الزهري (عن عروة) بن الزبير (أن عائشة) رضي الله عنها (قالت: سمعت رسول
الله وَ﴿ يستعيذ) بالله تعالى (في صلاته من فتنة الدجال) تعليمًا لأمته إذ لا فتنة أعظم من فتنته.
والحديث سبق في الصلاة.
٧١٣٠ - حدثنا عَبْدانُ، أخْبَرَني أبي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ رِبْعيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةً
عَنِ النَّبِيّ ◌َّهِ قالَ فِي الدَّجّالِ: ((إنَّ مَعَهُ ماءً وَنارًا فَنارُهُ ماءٌ باردٌ وَمَاؤُهُ نارٌ)) قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: أَنَا
سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَلَه.
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عثمان بن جبلة العتكي مولاهم المروزي قال:
(أخبرني) بالإفراد (أبي) عثمان (عن شعبة) بن الحجاج (عن عبد الملك) بن عمير الكوفي (عن
ربعي) بكسر الراء وسكون الموحدة ابن حراش بكسر الحاء المهملة آخره شين معجمة (عن
حذيفة) بن اليمان رضي الله عنه (عن النبي وَلي) أنه (قال في) شأن (الدجال):
(إن معه ماءً ونارًا فناره) التي يراها الرائي نارًا (ماء بارد) في نفس الأمر (وماؤه) الذي يراه
ماء (نار) في نفس الأمر فذلك راجع إلى اختلاف المرئي بالنسبة إلى الرائي، فيحتمل أن يكون
الدجال ساحرًا فيخيل الشيء بصورة عكسه.
قال في الكواكب، فإن قلت: النار كيف تكون ماء وهما حقيقتان مختلفتان؟ وأجاب: بأن
المعنى ما صورته نعمة ورحمة فهو في الحقيقة لمن مال إليه نقمة وبالعكس، وفي رواية أبي مالك
الأشجعي عن ربعي عند مسلم فإما أدركن أحدًا فليأت النهر الذي يراه نارًا وليغمض ثم ليطأطىء
رأسه فيشرب منه فإنه ماء بارد، وفي رواية شعيب بن صفوان عن عبد الملك عن ربعي عن
عقبة بن عمرو أبي مسعود الأنصاري عند مسلم فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه نارًا
فإنه ماء عذب طيب، وفي مسلم أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه وأنه يجيء معه مثل الجنة

٧٨
كتاب الفتن/ باب ٢٦
والنار فالتي يقول إنها جنة هي النار وهذا من فتنته التي امتحن الله بها عباده فيحق الحق ويبطل
الباطل ثم يفضحه ويظهر للناس عجزه.
(قال ابن مسعود) عبد الله: (أنا سمعته من رسول الله وَ*) كذا في الفرع ابن بالنون بعد
الموحدة مصلحة على كشط والذي في اليونينية وغيرها أبو مسعود بواو بدل النون وهو عقبة بن
عمرو البدري الأنصاري وهذا هو الصواب، فقد رواه مسلم عن ربعي عن عقبة بن عمرو أبي
مسعود الأنصاري قال: انطلقت معه إلى حذيفة فقال له عقبة: حدّثني ما سمعت من رسول
الله وَير في الدجال الحديث وفي آخره قال عقبة: وأنا قد سمعته من رسول الله ﴿ ل﴿ تصديقًا
لحذيفة، وعنده أيضًا عن ربعي قال: اجتمع حذيفة وأبو مسعود فقال حذيفة: لأنا بمانع الدجال
أعلم منه الحديث ثم قال في آخره قال أبو مسعود: هكذا سمعت النبي ◌َّ يقول.
٧١٣١ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ:
قالَ النَّبِيِّ نَّهِ: ((ما بُعِثَ نَبِيِّ إلاّ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأغْوَرَ الْكَذَابَ، ألا إنَّهُ أَغْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَغْوَرَ،
وَإِنَّ بين عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ)). فيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَباسٍ عَنِ النَّبِيِّ وَّر.
وبه قال: (حدثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن
قتادة) بن دعامة (عن أنس رضي الله عنه) أنه (قال: قال النبي ◌َّ-):
(ما بعث نبي) بضم الموحدة مبنيًّا للمفعول (إلاّ أنذر أمته الأعور الكذاب ألا) بفتح الهمزة
وتخفيف اللام حرف تنبيه (إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور) إنما اقتصر على وصف الدجال بالعور
مع أن أدلة الحدوث كثيرة ظاهرة لأن العور أثر محسوس يدركه كل أحد فدعواه الربوبية مع نقص
خلقته علم كذبه لأن الإله يتعالى عن النقص (وإن بين عينيه مكتوب كافر) برفع مكتوب فاسم إن
محذوف وهو ضمير نصب أما ضمير الشأن أو عائد على الدجال وبين عينيه مكتوب جملة هي الخبر
وكافر خبر مبتدأ محذوف أي بين عينيه شيء مكتوب وذلك الشيء هو كلمة كافر، ولأبي ذر
والأصيلي مكتوبًا بالنصب. قال في المصابيح: فالظاهر جعله اسم إن وكافر على ما سبق ولا يحتاج
مع هذا إلى أن يرتكب حذف اسم إن مع كونه ضميرًا فإنه ضعيف أو قليل اهـ.
وقوله في الفتح: وإما حال. قال العيني ليس صحيحًا بل قوله كافرًا عمل فيه مكتوبًا،
وزاد أبو أمامة عند ابن ماجة يقرأه كل مؤمن كاتب وغير كاتب وهذا إخبار بالحقيقة لأن الإدراك
في البصر يخلقه الله للعبد كيف شاء ومتى شاء فهذا يراه المؤمن بعين بصره ولو كان لا يعرف
الكتابة ولا يراه الكافر ولو كان يعرف الكتابة.
(فيه) أي في الباب (أبو هريرة وابن عباس) أي يدخل فيه حديثهما (عن النبي (وَّر). فأما
حديث أبي هريرة فسبق في ترجمة نوح في أحاديث الأنبياء، وأما حديث ابن عباس ففي صفة
موسى، وقد وصف ◌ّ﴿ الدجال وصفًا لم يبق معه لذي لب إشكال، وتلك الأوصاف كلها ذميمة

٧٩
کتاب الفتن/ باب ٢٧
تبين لكل ذي حاسة سليمة كذبه فيما يدعيه وإن الإيمان به حق وهو مذهب أهل السُّنّة خلافًا لمن
أنكر ذلك من الخوارج وبعض المعتزلة ووافقنا على إثباته بعض الجهمية وغيرهم، لكن زعموا أن
ما عنده مخاريق وحيل لأنها لو كانت أمورًا صحيحة لكان ذلك إلباسًا للكاذب بالصادق، وحينئذٍ
لا يكون فرق بين النبي والمتنبي، وهذا هذيان لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه فإن هذا إنما كان يلزم
لو أن الدجال يدّعي النبوّة وليس كذلك فإنه إنما يدّعي الإلهية، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام:
((إن الله ليس بأعور)) تنبيهًا للعقول على حدوثه ونقصه، وأما الفرق بين النبي والمتنبي فلأنه يلزم
منه انقلاب دليل الصدق دليل الكذب وهو محال، وقوله إن الذي يأتي به الدجال حيل ومخاريق
فقول معزول عن الحقائق لأن ما أخبر به النبي وَلقر من تلك الأمور حقائق والعقل لا يحيل شيئًا
منها فوجب إبقاؤها على حقائقها اهـ. ملخصًا من التذكرة.
٢٧ - باب لا يَدْخُلُ الدَّجّالُ الْمَدِينَةَ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (لا يدخل الدجال المدينة) النبوية.
٧١٣٢ - حدّثَنَا أَبُو الْيَمانِ، أخْبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنْ الزَّهْرِيِّ، أخْبَرَني عُبَيْدُ الله بْنُ عَبْدِ الله بْنِ
عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّ أبا سَعيدٍ قالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِنَّهِ يَوْمًا حَديثًا طَوِيلاً عَنِ الدَّجَالِ، فَكانَ
فيما يُحَدِّثُنا بِهِ أَنَّهُ قالَ: ((يأْتِي الدَّجَالُ وَهْوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أنْ يَدخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ، فَيَنْزِلُ بَعْضَ
السّباخِ الَّتِي تَلِي الْمَدينَةَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ هُوَ خَيْرُ النّاسِ - أوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ - فَيَقُولُ:
أَشْهَدُ أنَّكَ الدَّجَالُ الَّذي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ حَدِيثَهُ فَيَقُولُ الدَّجَالُ: أَرَأيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هذَا ثُمَّ
أخْبَيْتُهُ هَلْ تَشْكُونَ في الأمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لا فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ فَيَقُولُ: وَالله ما كُنْتُ فيكَ أشَدَّ بَصِيرَةً
مِنِّي الْيَوْمَ فَيريدُ الدَّجّالُ أنْ يَقْتُلَهُ فَلا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ)). [الحديث ٧١٣٢ - طرفه في: ٧٤٠٨].
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله بن
عتبة بن مسعود أن أبا سعيد) سعد بن مالك الخدري رضي الله عنه (قال: حدّثنا رسول الله)
ولأبي ذر النبي (وَ﴿ يومًا حديثًا طويلاً عن الدجال فكان فيما يحدّثنا به أنه قال):
(يأتي الدجال) إلى ظاهر المدينة (وهو محرّم عليه أن يدخل نقاب المدينة) بكسر النون جمع نقب
بفتحها وسكون القاف مثل حبل وحبال وكلب وكلاب طريق بين الجبلين أو بقعة بعينها (فينزل)
بالفاء ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ينزل (بعض السباخ) بكسر السين المهملة وتخفيف الموحدة
وبعد الألف خاء معجمة جمع سبخة أرض لا تنبت شيئًا لملوحتها خارج المدينة من غير جهة الحرة
وهي (التي تلي المدينة) من قبل الشام (فيخرج إليه) من المدينة (يومئذٍ رجل هو خير الناس أو من
خير الناس) قيل هو الخضر (فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدّثنا رسول الله وَلقر حديثه) وفي

٨٠
کتاب الفتن/ باب ٢٧
رواية عطية عن أبي سعيد عند أبي يعلى والبزار فيقول أنت الدجال الكهان الذي أنذرناه رسول
الله وَليل وزاد فيقول له الدجال لتطيعني فيما آمرك به أو لأشقّتَك شقتين فينادي يا أيها الناس هذا
المسيح الكذاب (فيقول الدجال) أي لأوليائه كما في رواية عطية: (أرأيتم إن قتلت هذا) الرجل
أي الذي خرج إليه (ثم أحييته هل تشكون في الأمر)؟ أي الذي يدّعيه من الإلهية (فيقولون) أي
أولياؤه من أتباعه: (لا فيقتله ثم يحييه). وفي حديث عطية فيأمر به فتمد رجلاه ثم يأمر بحديدة
فتوضع على عجب ذنبه ثم يشقه شقتين ثم قال الدجال لأوليائه: أرأيتم إن أحييت لكم هذا ألستم
تعلمون أني ربكم؟ فيقولون: نعم فأخذ عصاه فضرب إحدى شقتيه فاستوى قائمًا فلم رأى ذلك
أولياؤه صدّقوه وأيقنوا بذلك أنه ربهم وعطية ضعيف. وفي حديث عبد الله بن معتمر بسند
ضعيف جدًّا ثم يدعو برجل فيما يرون فيأمر به فيقتل ثم تقطع أعضاؤه كل عضو على حدة فيفرق
بينها حتى يراه الناس ثم يجمعها ثم يضرب بعصاه فإذا هو قائم فيقول: أنا الذي أميت وأحيي
قال: وذلك كله سحر يسحر أعين الناس ليس يعمل من ذلك شيئًا. وفي رواية أبي الوداك عن
أبي سعيد عند مسلم فيأمر به الدجال فيشج فيقول خذوه وشجوه فيوسع ظهره وبطنه ضربًا قال
فيقول أما تؤمن بي؟ قال: فيقول: أنت المسيح الكذاب. قال: فيؤمر به فيوشر بالميشار من مفرقه
حتى يفرق بين رجليه. قال: ثم يمشي الدجال بين القطعتين ثم يقول له: قم فيستوي قائمًا ثم
يقول له: أتؤمن بي؟ (فيقول) الرجل (والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم) لأن رسول
الله* أخبر أن ذلك من جملة علاماته. وفي رواية أبي الوداك ما ازددت فيك إلا بصيرة ثم
يقول: يا أيها الناس إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس، وفي رواية عطية فيقول له الرجل: أنا
الآن أشد بصيرة فيك مني ثم ينادي: يا أيها الناس هذا المسيح الكذاب من أطاعه فهو في النار
ومن عصاه فهو في الجنة (فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه). وفي رواية أبي الوداك فيأخذه
الدجال ليذبحه فيجعل ما بين رقبته وترقوته نحاس فلا يستطيع إليه سبيلاً. وفي صحيح مسلم
عقب رواية عبد الله بن عبد الله بن عتبة قال أبو إسحاق يقال إن هذا الرجل هو الخضر وأبو
إسحق هو إبراهيم بن محمد بن سفيان الزاهد راوي صحيح مسلم عنه لا السبيعي كما ظنه
القرطبي. قال في الفتح: ولعل مستنده في ذلك ما في جامع معمر بعد ذكر هذا الحديث قال
معمر: بلغني أن الذي يقتله الدجال هو الخضر، وكذا أخرجه ابن حبان من طريق عبد الرزاق
عن معمر قال: كانوا يرون أنه الخضر. وقال ابن العربي: سمعت من يقول إن الذي يقتله الدجال
هو الخضر وهذه دعوى لا برهان لها. قال الحافظ ابن حجر: قد يتمسك من قاله بما أخرجه ابن
حبان في صحيحه من حديث أبي عبيدة بن الجراح رفعه في ذكر الدجال لعله يدركه بعض من
رآني أو سمع كلامي الحديث ويعكر عليه قوله في رواية لمسلم شاب ممتلىء شبابًا ويمكن أن يجاب
بأن من جملة خصائص الخضر أن لا يزال شابًا ويحتاج إلى دليل اهـ.
وقول الخطابي وقد يسأل عن هذا فيقال: کیف يجوز أن يجري الله عز وجل آياته على أيدي
أعدائه وإحياء الموتى آية عظيمة فكيف يمكن منها الدجال وهو كذاب مُفْتَرِ على الله؟ والجواب: أنه