النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
كتاب التعبير/ باب ٤
باب إذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل ثلاثًا ولا يحدث بها أحدًا
(فإنها لا تضره).
ومحصله أن الرؤيا الصالحة آدابها ثلاثة حمد الله عليها وأن يستبشر بها، وأن يتحدث بها لكن
لمن يحب دون من يكره وإن آداب الحلم أربعة التعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان، وأن يتفل
حين يستيقظ من نومه ولا يذكرها لأحد أصلاً. وفي حديث أبي هريرة عند المؤلف في باب القيد
في المنام وليقم فليصل لكن لم يصرح البخاري بوصله وصرح به مسلم، وعند مسلم وليتحول عن
جنبه الذي كان عليه والحكمة في التفل كما قال بعضهم طرد الشيطان الذي حضر الرؤيا المكروهة
أو إشارة إلى استقذاره. والصلاة جامعة لما ذكر على ما لا يخفى، وعند سعيد بن منصور وابن أبي
شيبة وعبد الرزاق بأسانيد صحيحة عن إبراهيم النخعي قال: إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره
فليقل إذا استيقظ أعوذ بما عاذت به ملائكة الله ورسوله من شر رؤياي هذه أن يصيبني منها ما
أكره في ديني ودنياي، وفي النسائي من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان
خالد بن الوليد يفزع في منامه فقال: يا رسول الله إني أروع في المنام فقال: ((إذا اضطجعت فقل
بسم الله أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن
يحضرون)).
وحديث الباب أخرجه الترمذي والنسائي في الرؤيا واليوم والليلة.
٤ - باب الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُؤَّةِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة).
٦٩٨٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ وَأَثْنِى عَلَيْهِ خَيْرًا، وَقالَ:
لَقَيْتُهُ بِالْيَمامَةِ عَنْ أَبِيهِ، حَدِّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةً، عَنِ النّبِيِّ وَ قَالَ: ((الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ مِنَ
الله، وَالحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإذا حَلَمَ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْهُ وَلْيَبْصُقْ عَنْ شِمالِهِ فَإنَّها لا تَضُرُّهُ». وَعَنْ أَبِيهِ
قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي قَتَادَةً عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ مِثْلَهُ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير)
اليماني (وأثنى عليه) مسدد (خيرًا) حال تحديثه (وقال لقيته باليمامة) بالتخفيف بين مكة والمدينة
(عن أبيه) يحيى أنه قال: (حدّثنا أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي قتادة) الحارث بن
ربعي رضي الله عنه (عن النبي وَا﴾) أنه (قال):
(الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فإذا حلم) بفتح الحاء المهملة واللام بوزن ضرب
(فليتعوذ) بالله (منه) من الشيطان (وليبصق) طردًا للشيطان وتحقيرًا واستقذارًا له (عن شماله) لأنه
محل الأقذار والمكروهات (فإنها) أي الرؤيا المكروهة (لا تضره) لأن الله تعالى جعل ما ذكر من

٤٢٢
كتاب التعبير/ باب ٤
التعوذ وغيره سببًا للسلامة من المكروه المترتب على الرؤيا كما جعل الصدقة وقاية للمال وسببًا
لدفع البلاء قاله النووي رحمه الله تعالى، وقد ورد النفث والتفل والبصق فقيل: النفث والتفل
بمعنى ولا يكونان إلا بريق، وقال أبو عبيد يشترط في التفل ريق يسير ولا يكون في النفث،
وقيل عكسه، وقيل الذي يجمع الثلاثة الحمل على التفل فإنه نفخ معه ريق فبالنظر إلى النفخ قيل له
نفث وبالنظر إلى الريق قيل له بصاق.
(و) بالسند السابق (عن أبيه) أي عن أبي عبد اللَّه وهو يحيى بن أبي كثير واسم أبي كثير
صالح بن المتوكل (قال: حدثنا عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه) أبي قتادة الحارث (عن النبي ◌َّر
مثله). أي مثل الحديث السابق. واعتراض الزركشي في تنقيحه على البخاري حيث قال وإدخاله
حديث أبي قتادة في باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة لا وجه له أخذه
من قول الإسماعيلي ليس هذا الحديث من هذا الباب في شيء وأجاب عنه في المصابيح بأن له
وجهًا ظاهرًا وهو التنبيه على أن هذا الكلام وإن كان عامًا فهو مخصوص بالرؤيا الصالحة كما دلت
عليه أحاديث الباب قال: وإذا كان مخصوصًا بالرؤيا الصالحة اتجه إدخاله في بابها اتجاهًا
ظاهرًا اهـ. وهو مثل قول الحافظ ابن حجر وجه دخوله في هذه الترجمة إشارة إلى أن الرؤيا
الصالحة إنما كانت جزءًا من أجزاء النبوة لكونها من الله تعالى بخلاف التي من الشيطان فإنها
ليست من أجزاء النبوة.
٦٩٨٧ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مالِكِ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((رُؤْيا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ
النُّبُوَّةِ» .
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة المعروف ببندار قال: (حدّثنا
غندر) هو محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة السدوسي (عن
أنس بن مالك) رضي الله عنه (عن عبادة بن الصامت) رضي الله عنه (عن النبي ونَ﴾) أنه
(قال):
(رؤيا المؤمن من جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) قد سبق ما في ذلك قريبًا. قال
الغزالي لا تظن أن تقدير النبي ويّ يجري على لسانه كيفما اتفق بل لا ينطق إلا بحقيقة الحق فقوله
رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة تقدير تحقق لكن ليس في قوة غيره أن يعرف
علة تلك النسبة إلا بتخمين لأن النبوّة عبارة عما يختص به النبي ويفارق به غيره وهو مختص
بأنواع من الخواص كل واحد منها يمكن انقاسمه إلى أقسام بحيث يمكننا أن نقسمها إلى ستة
وأربعين جزءًا بحيث تقع الرؤيا الصحيحة جزءًا من جملتها، لكنه لا يرجع إلا إلى الظن والتخمين
لا إنه الذي أراده النبي وَلل حقيقة.

٤٢٣
كتاب التعبير/ باب ٤
تنبيه :
قال في فتح الباري: خالف قتادة غيره فلم يذكروا عبادة بن الصامت في السند.
والحديث أخرجه مسلم في التعبير والترمذي والنسائي في الرؤيا.
٦٩٨٨ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ قَزَعةَ، حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ سَعیدِ بْنِ
المُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّرْ قَالَ: ((رُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِنَّةٍ
وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ). رَواهُ ثابِتٌ وَحُمَيْدٌ وَإِسْحُقُ بْنُ عَبْدِ اللَّه وَشُعَيْبُ عَنْ أَنَسٍ عَنِ
النّبِيِّ وَّر. [الحديث ٦٩٨٨- طرفه في: ٧٠١٧].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن قزعة) بفتح القاف والزاي القرشي المكي المؤذن قال: (حدّثنا
إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أبو إسحاق المدني
نزيل بغداد ثقة حجة تكلم فيه بلا قادح (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن سعيد بن المسيب عن
أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَلاغير قال):
(رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) هو نظير قوله وَهو: ((السمت الحسن
والتؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءًا من النبوة)) أي من أخلاق أهل النبوة، وأما
الحصر في الستة والأربعين فالأولى أن يجتنب القول فيه ويتلقى بالتسليم لعجزنا عن حقيقة معرفته
على ما هو عليه (رواه) أي الحديث السابق ولأبي ذر ورواه (ثابت) البناني فيما وصله المؤلف عن
معلى بن أسد في باب من رأى النبي وَلير (وحميد) الطويل فيما وصله الإمام أحمد عن محمد بن أبي
عدي عنه (وإسحاق بن عبد اللَّه) بن أبي طلحة فيما سبق قريبًا (وشعيب) هو ابن الحبحاب فيما
وصله ابن منده أربعتهم (عن أنس) رضي الله عنه (عن النبي ◌َّه) أي بغير واسطة لم يقل عن
أنس عن عبادة بن الصامت كما في السابق.
٦٩٨٩ - حدثني إبراهيمُ بْنُ حَمْزَةً، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبي حازِمٍ وَالدَّراوَزْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ
عَبْدِ اللَّه بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبي سَعيدٍ الْخُذْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَقُولُ: ((الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ
مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إبراهيم بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي أبو
إسحق القرشي قال: (حدّثني ابن أبي حازم) بالمهملة والزاي أيضًا بينهما ألف عبد العزيز واسم
أبي حازم سلمة بن دينار (والدراوردي) عبد العزيز بن محمد بن عبيد وهو نسبة إلى دراورد قرية
من قرى خراسان (عن يزيد بن عبد الله بن خباب) بالخاء المعجمة والموحدتين المشددة أولاهما
بينهما ألف المعروف بابن الهاد (عن أبي سعيد الخدري) رضي الله عنه (أنه سمع رسول الله الخوي
يقول):

٤٢٤
کتاب التعبير/ باب ٥
(الرؤيا الصالحة) وفي رواية الصادقة وهي المطابقة للواقع (جزء من ستة وأربعين جزءًا من
النبوة) وقوله الصالحة تقييد لما أطلق في الروايتين السابقتين وكذا وقع التقييد في باب رؤيا
الصالحين بالرجل الصالح فرؤيا الصالح هي التي تنسب إلى أجزاء النبوة ومعنى صلاحها انتظامها
واستقامتها فرؤيا الفاسق لا تعدّ من أجزاء النبوة، وأما رؤيا الكافر فلا تغذّ أصلاً، ولو صدقت
رؤياهم أحيانًا فذاك كما يصدق الكذوب وليس كل من حدّث عن غيب يكون خبره من أجزاء
النبوة كالكاهن والمنجم، وقد وقعت الرؤيا الصادقة من بعض الكفار كما في رؤيا صاحبي السجن
مع يوسف عليه السلام ورؤيا ملكهما.
٥ - باب المُبَشِّراتِ
(باب المبشرات) بكسر المعجمة المشددة جمع مبشرة، وقول الحافظ ابن حجر وهي البشرى
تعقبه صاحب عمدة القاري فقال: ليس كذلك لأن البشرى اسم بمعنى البشارة والمبشرة اسم فاعل
للمؤنث من التبشير وهي إدخال السرور والفرح على المبشر بفتح المعجمة وعند الإمام أحمد من
حديث أبي الدرداء عن النبي ◌ّر في قوله: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾
[يونس: ٦٤] قال: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، وعنده أيضًا من حديث عبادة بن
الصامت أنه سأل رسول الله وَ * فقال: يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى: ﴿لهم البشرى في
الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ فقال: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي أو أحد قبلك
قال: تلك الرؤيا الصالحة يراها الصالح أو ترى له، وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن عمران
القطان عن يحيى بن أبي كثير به، وعنده أيضًا من حديث ابن عمر عن رسول الله وَلاير أنه قال:
﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا﴾ قال: الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن وهي من تسعة وأربعين جزءًا
من النبوة فمن رأى تلك فليخبر بها ومن رأى سوءًا فإنما هو من الشيطان ليحزنه فلينفث عن
يساره ثلاثًا وليسكت ولا يخبر بها. وعند ابن جرير من حديث أبي هريرة عن النبي وَل﴾ ﴿لهم
البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ قال: هي في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له
وفي الآخرة بالجنة، وعنده أيضًا عن أبي هريرة موقوفًا: الرؤيا الحسنة هي البشرى يراها المسلم أو
تری له.
٦٩٩٠ - حدثنا أبو اليَمانِ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَذْثَنِي سَعيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أنَّ أبا
هُرَيْرَةً قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَلَهِ يَقُولُ: ((لَمْ يَبْقَ مِنَ الثُّبُوَّةِ إِلاَّ المُبَشْراتُ)) قَالُوا: وَمَا
المَبَشِّراتُ؟ قَالَ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ)).
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (سعيد بن المسيب أن أبا هريرة) رضي الله عنه
(قال: سمعت رسول الله* يقول):

٤٢٥
كتاب التعبير/ باب ٦
(لم يبق من النبوة) بلفظ الماضي والمراد الاستقبال، وفي حديث عائشة عند أحمد لم يبق بعدي
(إلّ المبشرات) قال في المصابيح: وحينئذ فيكون المقام مقتضيًا للنفي بغير لم مما يدل على النفي في
المستقبل كما ورد لن يبقى من بعدي من النبوة إلا المبشرات يعني: أن الوحي منقطع بموته فلا
يبقى بعده ما يعلم به ما سيكون غير الرؤيا الصالحة اهـ.
وقيل: هو على ظاهره لأنه قال ذلك في زمانه واللام في النبوة للعهد، والمراد نبوّته أي لم
يبق بعد النبوة المختصة بي إلا المبشرات، وفي حديث ابن عباس عند مسلم قال ذلك في مرض
موته، وفي حديث أنس عند أبي يعلى مرفوعًا: إن الرسالة والنبوة قد انقطعت ولا نبي ولا رسول
بعدي ولكن بقيت المبشرات (قالوا) يا رسول الله (وما المبشرات؟ قال) ويليهو: (الرؤيا الصالحة) أي
يراها الشخص أو ترى له والتعبير بالمبشرات خرج مخرج الغالب، وإلا فمن الرؤيا ما تكون منذرة
وهي صادقة يريها الله تعالى لعبده المؤمن لطفًا به فيستعد لما يقع قبل وقوعه.
والحديث من أفراده.
٦ - باب رُؤْيا يُوسُفَ
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأبيهِ يا أَبَتِ إنّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ
رَأيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ قَالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ
لِلإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَكَذلِكَ يَجْتَبيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى
آلٍ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِنْراهِيمَ وَإِسْحَلقَ إِنَّ رَبَّكَ عَليمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف
الآيات: ٤- ٦] وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَا أَبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ
أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنَّي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ البَذْرِ مِنْ بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إخْوَتِي
إِنَّ رَبِّي لَطيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ العَليمُ الْحَكِيمُ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلٍ
الأحادِيثِ فاطِرَ السّماواتِ وَالأَرْضِ أنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفِّني مُسْلِمًا وَأَلْحِفْني
بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف الآيتان: ١٠٠ - ١٠١] قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: فاطِرٌ وَالبَديعُ وَالمُبْتَدِعُ وَالبارِىءُ
وَالخالِقُ وَاحِدٌ مِنَ البَدْءِ بادِئَةٍ.
(باب رؤيا يوسف) وللنسفي يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن (وقوله
تعالى: ﴿إذ قال يوسف﴾) بدل اشتمال من أحسن القصص أن جعل مفعولاً أو منصوبًا بإضمار
اذكر ويوسف عبري ولو كان عربيًا لصرف الخلوه عن سبب آخر سوى التعريف (﴿لأبيه﴾)
يعقوب (﴿يا أبت إني رأيت﴾) من الرؤيا لا من الرؤية لأن ما ذكره معلوم أنه منام (﴿أحد عشر
كوكبًا﴾) روى ابن جرير عن جابر قال: أتى النبي ومثله رجل من اليهود يقال له بستانة اليهودي
فقال له: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف ساجدة له ما اسمها؟ قال: فسكت

٤٢٦
كتاب التعبير/ باب ٦
النبي ◌َّله فلم يجبه بشيء فنزل جبريل عليه السلام فأخبره بأسمائها. قال: فبعث رسول الله وَ ه
إليه فقال: نعم حرثان والطارق والذيال وذو الكتفين وذو القابس ووثاب وعمودان والفليق
والمصبح والضروج وذو الفرغ. فقال اليهودي: أي والله إنها لأسماؤها. ورواه البيهقي في الدلائل
وأبو يعلى الموصلي والبزار في مسنديهما (﴿والشمس والقمر﴾) هما أبواه أو أبوه وخالته والكواكب
إخوته. قيل: الواو بمعنى مع أي رأيت الكواكب مع الشمس والقمر وأجريت مجرى العقلاء في
رأيتهم لي ساجدين لأنه وصفها بما هو المختص بالعقلاء وهو السجود وكررت الرؤية لأن الأولى
تتعلق بالذات والثانية بالحال أو الثانية كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جوابًا له كأن أباه قال
له: كيف رأيتها؟ فقال (﴿رأيتهم لي ساجدين﴾) متواضعين وكان سنه اثنتي عشرة سنة يومئذ
(﴿قال يا بني﴾) صغره للشفقة أو لصغر سنه (﴿لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك
كيدًا﴾) جواب النهي أي إن قصصتها عليهم كادوك فهم يعقوب عليه السلام من رؤياه إن الله
يصطفيه لرسالته وينعم عليه بشرف الدارين فخاف عليه حسد إخوته وبغيهم (﴿إن الشيطان
للإنسان عدو مبين﴾) ظاهر العداوة فيحملهم على الحسد والكيد (﴿وكذلك﴾) أي وكما اجتباك
بمثل هذه الرؤيا الدالة على شرفك وعزك (﴿يجتبيك ربك﴾) يصطفيك للنبوّة والملك (﴿ويعلمك))
كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه كأنه قيل وهو يعلمك (﴿من تأويل الأحاديث)) من تعبير
الرؤيا (﴿ويتم نعمته عليك﴾) بإرسالك والإيحاء إليك (﴿وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من
قبل﴾) أراد الجدّ وأبا الجدّ (﴿إبراهيم وإسحق﴾) عطف بيان لأبويك (﴿إن ربك عليم)) يعلم
من يستحق الاجتباء (﴿حكيم)) [يوسف: ٤- ٦] يضع الأشياء في مواضعها، وسقط لأبي ذر
من قوله: ﴿إن الشيطان﴾ إلخ وقال بعد: ﴿ساجدين) إلى قوله: ﴿عليم حكيم﴾.
(وقوله تعالى: ﴿يا أبت هذا﴾) أي سجودهم (﴿تأويل رؤياي من قبل﴾) التي كان قصها
على أبيه: إني رأيت أحد عشر كوكبًا كان هذا سائغًا في شرائعهم إذا سلموا على كبير سجدوا له
ولم يزل هذا جائزًا من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه السلام فحرّم هذا في هذه الملة المحمدية
(﴿قد جعلها﴾) أي الرؤيا (﴿ربي حقًّا﴾) صادقة وأخرج الحاكم والطبري والبيهقي في شعبه بسند
صحيح عن سلمان الفارسي قال: كان بين رؤيا يوسف وعبارتها أربعون عامًا، وذكر البيهقي له
شاهدًا عن عبد الله بن شداد وزاد وإليها ينتهي أمد الرؤيا، وعند الطبري عن الحسن البصري
قال: كانت مدة المفارقة بين يعقوب ويوسف ثمانين سنة، وفي لفظ ثلاثًا وثمانين سنة (﴿وقد
أحسن بي إذ أخرجني من السجن﴾) ولم يقل من الجب لقوله: تثريب عليكم اليوم (﴿وجاء بكم
من البدو﴾) من البادية لأنهم كانوا أصحاب مواش ينتقلون في المياه والمناقع (﴿من بعد أن نزغ
الشيطان بيني وبين إخوتي﴾) أفسد بيننا وأغوى (﴿إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم)) بمصالح
عباده (﴿الحكيم)) في أفعاله وأقواله وقضائه وقدره وما يختاره ويريده (﴿رب قد آتيتني من
الملك﴾) ملك مصر (وعلمتني من تأويل الأحاديث)) تعبير الرؤيا ((فاطر السماوات والأرض أنت
وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلمًا﴾) طلب ذلك لقول يعقوب لولده ولا تموتن إلا وأنتم

٤٢٧
کتاب التعبیر/ باب ٧
مسلمون وإنما دعا به ليقتدي به قومه من بعده (﴿وألحقني بالصالحين﴾) [يوسف: ١٠٠ - ١٠١]
من آبائي أو على العموم.
(قال أبو عبد الله) البخاري رحمه الله وثبت قوله قال أبو عبد اللَّه لأبي ذر: (فاطر والبديع
والمبتدع) بفوقية بعد الموحدة ولأبي ذر المبدع بإسقاط الفوقية (والبارىء) بالراء والهمزة ولأبي ذر
عن الحموي والمستملي والبادىء بالدال المهملة بدل الراء (والخالق) السبعة معناها (واحد) ومراده
تفسير الفاطر من قوله: ﴿فاطر السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ١٤ وغيرها] ومراده أن الأسماء
المذكورة ترجع إلى معنى واحد وهو إيجاد الشيء بعد أن لم يكن وقوله: (من البدء) بفتح الموحدة
وسكون المهملة بعدها همزة كذا في الفرع كأصله، وفي بعض النسخ بغير همزة وهو أوجه لأنه
يريد تفسير قوله: ﴿وجاء بكم من البدو﴾ [يوسف: ١٠٠] (بادئة) بالهمزة أيضًا في الفرع وفي
غيره بتركه أي وجاء بكم من البادية أو مراده إن فاطر معناه البادىء من البدء أي الابتداء أي
بادىء الخلق بمعنى فاطره وسقط من قوله قال أبو عبد الله إلخ للنسفي.
٧ - باب رُؤْيا إبراهيم
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إنّي أرىْ فِي المَنامِ أنّي أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ ماذَا
تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاء الله مِنَ الصَّابِرِينَ فَلمَّا أُسْلَّمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ
أنْ يا إبراهيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنينَ﴾ [الصافات الآيات: ١٠٢ - ١٠٥]
قالَ مُجاهِدٌ: أسْلَما سَلَّما ما أُمِرا بِهِ وَتَلَّهُ وَضَعَ وَجْهَهُ بِالأرضِ.
(باب) بيان (رؤيا إبراهيم) الخليل (عليه الصلاة والسلام) وسقط لغير أبي ذر لفظ باب.
(وقوله تعالى) رفع وسقطت الواو في الفرع وثبتت في أصله: (﴿فلما بلغ معه السعي﴾) بلغ
أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه ومعه لا تتعلق ببلغ لاقتضائه بلوغهما معًا حد السعي ولا
بالسعي لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه فبقي أن يكون بيانًا كأنه قال لما قال فلما بلغ معه السعي
أي الحدّ الذي يقدر فيه على السعي قيل مع من قال مع أبيه وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة،
والمعنى في اختصاص الأب أنه أرفق الناس به وأعطفهم عليه وغيره ربما عنف به في الاستسعاء
فلا يحتمله لأنه لم يستحكم قوته (﴿قال يا بني إني أرى﴾) أي إني رأيت (﴿في المنام أني أذبحك﴾)
ورؤيا الأنبياء في المنام وحي رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس مرفوعًا أي كالوحي في اليقظة
فلهذا قال: إني أرى في المنام أني أذبحك (﴿فانظر ماذا ترى﴾) من الرأي على وجه المشاورة لا من
رؤية العين وإنما شاوره ليأنس للذبح وينقاد للأمر به (﴿قال يا أبت افعل ما تؤمر﴾) به
(﴿ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾) على الذبح أو على قضاء الله به (﴿فلما أسلما﴾) خضعا
وانقادا لأمر الله سبحانه وتعالى أو أسلما الذبيح نفسه وإبراهيم ابنه (﴿وتله للجبين﴾) صرعه عليه
ليذبحه من قفاه ولا يشاهد وجهه عند ذبحه ليكون أهون عليه ووضع السكين على قفاه فانقلب

٤٢٨
کتاب التعبير/ باب ٨
السكين ولم يعمل شيئًا بمانع من القدرة الإلهية (﴿وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا)) أي
حققت ما أمرناك به في المنام من تسليم الولد للذبح وجواب لما محذوف تقديره كان ما كان مما
ينطق به الحال ولا يحيط به الوصف من استبشارهما وحمدهما الله وشكرهما على ما أنعم به عليهما
من دفع البلاء العظيم بعد حلوله (﴿إنا كذلك﴾) أي كما جزيناك (﴿نجزي المحسنين﴾)
[الصافات: ١٠٢ - ١٠٥] لأنفسهم بامتثال الأمر بإفراج الشدة عنهم.
(قال مجاهد): فيما وصله الفريابي في تفسيره في قوله تعالى: (﴿فلما أسلما﴾) أي (سلما ما
أمرا به) سلم الابن نفسه للذبح والأب ابنه (﴿وتله﴾) أي (وضع وجهه بالأرض) لأنه قال له: يا
أبت لا تذبحني وأنت تنظر في وجهي لئلا ترحمني، ولم يذكر البخاري رحمه الله هنا حديثًا كالترجمة
التي قبل بل اكتفى فيهما بما أورده من الآيات القرآنية ولعله لم يتفق له حديث فيهما على شرطه.
٨ - باب التَّواطُؤِ عَلَى الرُّؤْيَا
(باب التواطؤ) أي توافق جماعة (على الرؤيا) الواحدة وإن اختلفت عباراتهم.
٦٩٩١ - حدثنا يَخْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ
عَبْدِ اللَّه، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا أنَّ أُناسًا أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي السَّبْعِ الأواخِرِ وَأنَّ أُناسًا
أُرُوهَا فِي العَشْرِ الأواخِرِ فَقالَ النِّيِّ وَّرَ: ((الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الأواخِرِ)).
وبه قال: (حدثنا يحيى بن بكير) نسبه لجده وأبوه عبد اللَّه قال: (حدثنا الليث) بن سعد
الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن
سالم بن عبد اللَّه عن ابن عمر) والد سالم (رضي الله عنه) وعن أبيه (أن أناسًا) بضم الهمزة ولأبي
ذر عن الكشميهني أن ناسًا بإسقاط الهمزة (أروا) في المنام (ليلة القدر) بضم الهمزة وأصله أريوا
فاستثقلت الضمة على الياء وقبلها كسرة فحذفت الضمة وتبعتها الياء ثم ضمت الراء لأجل الواو
وهو مبني لما لم يسم فاعله ومفعوله النائب عن الفاعل الضمير وهو الواو والرؤيا هنا اختلف فيها
فقال ابن هشام مصدر رأى الحلمية عند ابن مالك والحريري قال وعندي لا تختص بها لقوله
تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاّ فتنة للناس﴾ [الإسراء: ٦٠] قال ابن عباس: هي رؤيا
عين فدل على أنه مصدر الحلمية والبصرية وقد ألحقوا رأى الحلمية برأى العلمية في التعدي
لاثنين اهـ.
وقد جعلها أبو البقاء وجماعة بصرية فعلى هذا تتعدى لمفعول واحد وتنقل بالهمزة إلى الثاني
فيكون الثاني هنا ليلة القدر وقد انتقل عن أصله من الظرفية إلى المفعولية لأنهم لم يروا فيها إنما
رأوا نفسها يعني ألقاها الله تعالى في قلوبهم (في) ليالي (السبع الأواخر) من شهر رمضان جمع آخرة
(وإن أناسًا) آخرين (أروها في العشر الأواخر) منه (فقال النبي زَ):

٤٢٩
كتاب التعبير/ باب ٩
(التمسوها) اطلبوا ليلة القدر (في) ليالي (السبع الأواخر) صفة للسبع كالسابق والسبع داخلة
في العشر فلما رأى قوم أنها في العشر وآخرون أنها في السبع كانوا كأنهم توافقوا على السبع،
فأمرهم النبي وير بالتماسها في السبع لتوافق الفريقين عليها، فجرى البخاري على عادته في إيثار
الأخفى على الأجلى فلم يذكر قوله أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر السابق في أواخر
الصيام.
٩ - باب رُؤْيا أهُلِ السُّجُونِ وَالفَسادِ وَالشِّرْكِ
لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانٍ قَالَ أَحَدُهُما إنّ أراني أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ
إنِّي أراني أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبْثْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المُحْسِنِينَ قَالَ لاَ
يَأْتِيكُمَا طَعامٌ تُزْزَقَانِهِ إلاّ نَبَأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةً قَوْمٍ
لا يُؤْمِنُونَ بِالله وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائي إِبْراهِيمَ وَإِسْحُقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنَا
أنْ نُشْرِكَ بِالله مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ یا
صَاحِبَي السِّجْنِ أأزبابٌ مُتَفَرَّقُونَ﴾ [يوسف الآيات: ٣٦ - ٣٩] وَقَالَ الفُضَيْلُ لِبَعْضِ الأتباعِ: يا
عَبْدَ اللَّه ﴿الزبابٌ مُتَفَرَّقُونَ خَيْرٌ أم الله الواحِدُ القَهَارُ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إلاَّ أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ
وَآبَاؤُكُمْ ما أَنْزَلَ الله بِها مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الحُكمُ إلاَّ لله أمَرَ أَنْ لا تَعْبُدُوا إلاَّ إِيَاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ
وَلُكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يا صاحِبَي السّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ
فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فيهِ تَسْتَفْتِيَانِ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّه ناجِ مِنْهُمَا أَذْكُرْنِي عِندَ
رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنٍ بِضْعَ سِنِينَ وَقَالَ المَلِكُ إِنِّي أرى سَبْعَ بَقَّراتٍ
سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُئْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أيُّها المَلأُ أَفْتُوني في رُؤْيايَ إن
كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ قالُوا أضْغاتُ أخْلامِ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأخْلامِ بِعالِمِينَ وَقَالَ الَّذي نَجا مِنْهُما
وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَّا أُنْبٌؤُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونَّ يُوسُفُ أَيُّهَا الصَّدِيقُ أفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ
سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ بابِساتٍ لَعَلْي أرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ قَالَ
تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُئْبُلِهِ إلاَّ قَليلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ
سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلاَّ قَليلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ
وَفِيهِ يَعْصِرُونَ وَقَالَ المَلِكُ: أَتَّتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ [يوسف
الآيات: ٣٩ - ٥٠] وَأَذَكَرَ: اقْتَعَلَ مِنْ ذَكَرَ. أُمَّةٍ قَرْنٍ وَيُقْرَأْ أُمَةٍ نِسْيانٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
يَعْصِرُونَ الأغْنابَ وَالدُّهْنَ. تُحْصِئُونَ: تَحْرُسُونَ.
(باب رؤيا أهل السجون) جمع سجن بالكسر وهو الحبس (و) رؤيا أهل (الفساد و) أهل
(الشرك) ولأبي ذر مما ذكره في الفتح والشراب بضم المعجمة وتشديد الراء جمع شارب بدل قوله

٤٣٠
كتاب التعبير/ باب ٩
والشرك، والمراد شربة المحرم وعطفه على أهل الفساد من عطف الخاص على العام (لقوله تعالى:
﴿ودخل معه﴾) أي مع يوسف عليه السلام (﴿السجن فتيان﴾) عبدان للملك الوليد بن ريان ملك
مصر الأكبر أحدهما خبازه والآخر شرابيه للاتهام بأنهما يريدان أن يسماه (﴿قال أحدهما﴾) هو
الشرابي واسمه نبؤ وقيل هو لبيس (﴿إني أراني﴾) في المنام (﴿أعصر خمرًا﴾) عنبًا تسمية له بما
يؤول إليه وقرأها ابن مسعود: إني أراني أعصر عنبًا (﴿وقال الآخر﴾) وهو الخباز مخلث بالخاء
المعجمة وبعد اللام مثلثة وقيل راشان (﴿إني أراني﴾) في المنام (﴿أحمل فوق رأي خبزًا تأكل الطير
منه﴾) تنهش منه (﴿نبئنا﴾) أخبرنا (﴿بتأويله﴾) بتفسيره وتعبيره وما يؤول إليه (﴿إنا نراك من
المحسنين)) الذين يحسنون عبارة الرؤيا وتأويله أن الأنبياء يخبرون عما سيكون والرؤيا تدل على ما
سيكون (﴿قال لا يأتيكما طعام ترزقانه﴾) في نومكما (﴿إلاّ نبأتكما بتأويله﴾) في اليقظة (﴿قبل
أن يأتيكما﴾) أو لا يأتيكما في اليقظة طعام ترزقانه من منازلكما ترزقانه تطعمانه وتأكلانه إلا
أخبرتكما بقدره ولونه والوقت الذي يصل إليكما قبل أن يصل وأي طعام أكلتم ومتى أكلتم وهذا
مثل معجزة عيسى حيث قال: وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم (﴿ذلكما﴾) التأويل
والإخبار بالمغيبات (﴿مما علمني ربي﴾) بالإلهام والوحي ولم أقله عن تكهن وتنجم (﴿إني تركت
ملّة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون﴾) يحتمل أن يكون كلامًا مبتدأ وأن يكون تعليلاً
لسابقه أي علمني ذلك لأني تركت مّة أولئك الكفار (﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحلق
ويعقوب﴾) وهي الملة الحنيفية وذكر الآباء ليعلمهما أنه من بيت النبوة لتقوي رغبتهما في الاستماع
إليه، والمراد الترك ابتداء لا أنه كان فيه، ثم ترك يقول هجرت طريق الكفر والشرك وسلكت
طريق آبائي المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهكذا يكون حال من سلك طريق
الهدى واتّبع طريق المرسلين، وأعرض عن الضالين فإنه يهدي قلبه ويعلمه ما لم يكن يعلم ويجعله
إمامًا يهتدي به في الخير وداعيًا إلى سبيل الرشاد (﴿ما كان لنا﴾) ما صح لنا معاشر الأنبياء (﴿أن
نشرك بالله من شيءٍ﴾) أي شيء كان صنمًا أو غيره (﴿ذلك﴾) أي التوحيد (﴿من فضل الله علينا
وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾) فضل الله تعالى فيشركون به ولا ينتهون ثم دعاهما إلى
الإسلام وأقبل عليهما وكان بين أيديهما أصنام يعبدونها من دون الله فقال إلزامًا للحجة (﴿يا
صاحبي السجن﴾) يا ساكنيه أو يا صاحبي فيه وأضافهما إليه على الاتساع (﴿أأرباب متفرقون﴾)
شتى متعددة متساوية.
(وقال الفضيل) بن عياض رحمه الله (لبعض الأتباع يا عبد اللَّه) ولأبي ذر وقال الفضيل عند
قوله: يا صاحبي السجن (﴿أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾) الذي ذل كل شيء لعز
جلاله وعظيم سلطانه ولا يغالب ولا يشارك في الربوبية (﴿ما تعبدون﴾) خطاب لهما ولمن كان
على دينهما من أهل مصر (﴿من دونه﴾) تعالى (﴿إلاَّ أسماء﴾) لا حقيقة لها (﴿سميتموها أنتم
وآباؤكم﴾) آلهة ثم طفقتم تعبدونها فكأنكم لا تعبدون إلا الأسماء لا مسمياتها (﴿ما أنزل الله
بها﴾) بتسميتها (﴿من سلطان﴾) حجة (﴿إن الحكم)) في أمر العبادة والدين (﴿إلا لله أمر﴾) على

٤٣١
كتاب التعبير/ باب ٩
لسان أنبيائه (﴿أن لا تعبدوا إلاّ إياه﴾) بيان لقوله إن الحكم (﴿ذلك﴾) الذي أدعوكم إليه من
التوحيد وإخلاص العمل هو (﴿الدين القيم﴾) الحق المستقيم الذي أمر الله به وأنزل به الحجة
والبرهان (﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾) فلذا كان أكثرهم مشركين ثم عبر الرؤيا فقال (﴿يا
صاحبي السجن أما أحدكما﴾) يعني الشرابي (﴿فيسقي ربه﴾) سيده (﴿خمرًا﴾) كما كان يسقيه قبل
(﴿وأما الآخر﴾) يعني الخباز (﴿فيصلب فتأكل الطير من رأسه﴾) فقالا كذبنا فقال يوسف
(﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾) فهو واقع لا محالة فإن الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا
عبرت وقعت وفي مسند أبي يعلى الموصلي عن أنس مرفوعًا الرؤيا لأول عابر (﴿وقال للذي ظن
أنه ناج منهما﴾) الظان يوسف عليه السلام إن كان تأويله عن اجتهاد وإن كان عن وحي فالظان
الشرابي أو الظن بمعنى اليقين وما تقدم في قوله قضي الأمر يقتضي اليقين (﴿اذكرني عند ربك﴾)
اذكر قصتي عند سيدك وهو الملك لعله يخلصني من هذه الورطة، وقال أبو حيان رحمه الله إنما
قال يوسف للساقي ذلك ليتوصل إلى هدايته وإيمانه بالله كما توصل إلى إيضاح الحق للساقي
ورفيقه (﴿فأنساه الشيطان﴾) أي أنسى الشرابي (﴿ذكر ربه﴾) أن يذكر يوسف للملك، وقيل
فأنسى يوسف ذكر الله حتى ابتغى الفرج من غيره واستعان بمخلوق وعند ابن جرير عن ابن
عباس قال: قال رسول الله وَّه لو لم يقل يعني يوسف التي قال ما لبث في السجن طول ما لبث
حيث يبتغي الفرج من عند غير الله، وهذا الحديث ضعيف جدًا فإن في إسناد سفيان بن وكيع
وهو ضعيف وإبراهيم بن يزيد الجوري وهو أضعف من سفيان فالصواب أن الضمير في قوله:
(﴿فأنساه الشيطان﴾) عائد على الناجي كما قاله مجاهد وغير واحد (﴿فلبث﴾) يوسف عليه السلام
(﴿في السجن بضع سنين﴾) ما بين الثلاث إلى التسع قال وهب: مكث يوسف سبعًا، وقال
الضحاك عن ابن عباس اثنتي عشرة سنة، وقيل أربع عشرة سنة (﴿وقال الملك﴾) ملك مصر
الریان بن الوليد (﴿إني أرى﴾) في المنام (+سبع بقرات سمان﴾) خرجن من نهر یابس (﴿یأکلھن
سبع﴾) أي سبع بقرات (﴿عجاف﴾) مهازيل (﴿و﴾) أرى (﴿سبع سنبلات خضر﴾) قد انعقد
حبها (﴿و﴾) سبعًا (﴿أخر يابسات﴾) قد أدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها
فاستعبرها فلم يجد في قومه من يحسن عبارتها قيل كان ابتداء بلاء يوسف عليه السلام في الرؤيا
ثم كان سبب نجاته أيضًا الرؤيا فلما دنا فرجه رأى الملك هذه الرؤيا التي هالته فجمع أعيان
العلماء والحكماء من قومه وقص عليهم رؤياه فقال (﴿يا أيها الملاء أفتوني في رؤياي﴾) عبروها
(﴿إن كنتم للرؤيا تعبرون﴾) إن كنتم عالمين بعبارة الرؤيا واللام في للرؤيا للبيان (﴿قالوا أضغاث
أحلام﴾) أي هذه أضغاث أحلام وهي تخاليطها (﴿وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين﴾) يعنون
بالأحلام المنامات الباطلة أي ليس عندنا تأويل إنما التأويل للمنامات الصحيحة أو اعترفوا بقصور
علمهم وإنهم ليسوا في تأويل الأحلام بنحارير (﴿وقال الذي نجا﴾) من القتل (﴿منهما)) وهو
الشرابي (﴿واذكر بعد أمة﴾) للملك الذي جمعهم (﴿أنا أنبئكم﴾) أخبركم (﴿بتأويله﴾) بمن عنده
علم تعبير هذا المنام (﴿فأرسلون﴾) فابعثون إليه لأسأله عنها فأرسلوه إلى يوسف في السجن فأتاه

٤٣٢
كتاب التعبير/ باب ٩
فقال (﴿يوسف أيها الصديق﴾) البالغ في الصدق (﴿أفتنا في﴾) رؤيا (﴿سبع بقرات سمان يأكلهن
سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس﴾) إلى الملك ومن عنده
(﴿لعلهم يعلمون﴾) تأويلها أو فضلك أو مكانك من العلم فيطلبوك ويخلصوك من محنتك فذكر
يوسف تعبيرها من غير تعنيف لذلك الفتى في نسيانه ما وصاه به ومن غير شرط للخروج قبل
ذلك بل (﴿قال تزرعون سبع سنين دابًا﴾) بسكون الهمزة وحفص وحده بفتحها لغتان في مصدر
دأب يدأب أي دام على الشيء ولازمه وهو هنا نصب على المصدر بمعنى دائبين (﴿فما حصدتم
فذروه في سنبله﴾) إذ ذاك أبقى له ومانع له من أكل السوس (﴿إلا قليلاً مما تأكلون)) في تلك
السنين فعبر البقرات السمان بالسنين المخصبة والسنابل الخضر بالزرع ثم أمرهم بما هو الصواب
نصيحة لهم (﴿ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن﴾) هو من الإسناد المجازي
جعل أكل أهلهن مسندًا إليهن (﴿إلا قليلاً مما تحصنون﴾) تحرزون (﴿ثم يأتي من بعد ذلك﴾) أي
من بعد أربع عشرة سنة (﴿عام فيه يغاث الناس﴾) من الغيث أي يمطرون أو من الغوث وهو
الفرج فهو في الأول من الثلاثي وفي الثاني من الرباعي تقول غائنا الله من الغيث وأغائنا من
الغوث (﴿وفيه يعصرون﴾) فتأول البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب والعجاف
واليابسات بسنين مجدبة ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بأن العام الثامن يجيء مباركًا كثير
الخير غزير النعم وذلك من جهة الوحي فرجع الساقي وأخبر الملك بتعبير رؤياه (﴿وقال الملك))
بعد أن رجع إليه الساقي وأخبره بتعبير رؤياه (﴿ائتوني به فلما جاءه الرسول﴾) ليخرجه من السجن
امتنع من الخروج ليتحقق الملك ورعيته براءته ونزاهته مما نسب إليه من جهة امرأة العزيز وأن سجنه
لم يكن عن أمر يقتضيه بل كان ظلمًا وعدوانًا (﴿قال ارجع إلى ربك﴾﴾ [يوسف: ٣٦ - ٥٠] أي
سيدك يريد الملك (﴿فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهم﴾) الآية، وسقط لأبي ذر من قوله:
(﴿قال أحدهم﴾) إلى آخره وقال بعد قوله: فتيان إلى قوله: ارجع إلى ربك.
(﴿واذكر﴾) بالدال المهملة (افتعل من ذكر) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ذكرت بسكون
الراء فأدغم التاء في الذال فحولت دالاً مهملة ثقيلة.
(أمة) في (قرن) بالجر لأبي ذر ولغيره بالرفع وقيل حين وعن سعيد بن جبير بعد سنتين
(ويقرأ أمه) بفتح الهمزة والميم وكسر الهاء منونة أي بعد (نسيان) ونسبت هذه القراءة لابن عباس
وهي شاذة.
(وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم (يعصرون) أي (الأعناب والدهن تحصنون) أي
(تحرسون).
٦٩٩٢ - حدثنا عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أسْماءَ، حَدْتَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مالِكِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ
سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ وَأبا عُبَيْدٍ أَخْبَراهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَل ◌ِ: ((لَوْ
◌َبِثْتُ فِي السَّجْنِ ما لَبِثَ يُوسُفُ ثُمَّ أَتَانِي الدَّاعِيَ لأَجَبْتُهُ».

٤٣٣
كتاب التعبير/ باب ١٠
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد بن أسماء) الضبعي قال: (حدّثنا جويرية) بن أسماء
وهو عم السابق (عن مالك) الإمام (عن الزهري) محمد بن مسلم (أن سعيد بن المسيب وأبا عبيد)
بضم العين مصغرًا سعد بن عبيد مولى عبد الرحمن بن الأزهر بن عوف (أخبراه عن أبي هريرة
رضي الله عنه) أنه (قال: قال رسول الله (وَ ﴿):
(لو لبثت في السجن ما لبث يوسف) أي مدة لبثه (ثم أتاني الداعي) من الملك يدعوني إليه
(لأجبته) مسرعًا. وفي هذا من التنويه بشرف يوسف وعلو قدره وصبره ما لا يخفى صلوات الله
وسلامه عليه. وعند عبد الرزاق عن عكرمة قال: قال رسول الله وَله: ((لقد عجبت من يوسف
وصبره وكرمه والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أجبتهم
حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له حين أتاه الرسول
ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب ولكنه أراد أن يكون له العذر)).
وهذا حديث مرسل: فإن قلت: إن نبينا ﴿ إنما ذكر هذا الكلام على جهة المدح ليوسف
عليه السلام فما باله هو يذهب بنفسه عن حالة قد مدح بها غيره؟ أجيب: بأنه وَّل﴿ إنما أخذ
لنفسه الشريفة وجهًا آخر من الرأي له وجه أيضًا من الجودة أي: لو كنت أنا لبادرت الخروج ثم
حاولت بيان عذري بعد ذلك، وذلك أن هذه القصص والنوازل إنما هي معرضة ليقتدي الناس
بها إلى يوم القيامة فأراد وفر حمل الناس على الأحزم من الأمور وذلك أن المتعمق في مثل هذه
النازلة التارك فرصة الخروج من ذلك السجن ربما ينتج له من ذلك البقاء في سجنه، وإن كان
يوسف عليه السلام أمن من ذلك بعلمه من الله فغيره من الناس لا يأمن من ذلك، فالحالة التي
ذهب إليها نبينا 18 حالة حزم ومدح وما فعله يوسف عليه السلام صبر عظيم، وقال بعضهم:
خشي يوسف عليه السلام أن يخرج من السجن فينال من الملك مرتبة ويسكت عن أمر ذنبه صفحًا
فيراه الناس بتلك المنزلة ويقولون: هذا الذي راود امرأة مولاه فأراد أن يبين براءته ويحقق منزلته
من العفة.
والحديث سبق في التفسير وأحاديث الأنبياء. ومطابقة الترجمة للآيات ظاهرة وكذا الحديث.
١٠ - باب مَنْ رَأَى النَِّيَّ وَّهِ فِي المَنامِ
(باب من رأى النبي ◌َّه في المنام).
٦٩٩٣ - حدّثنا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيّ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ أنَّ أبا
هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ وَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ رَآنِي فِي المَنامِ فَسَيَرانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَلا يَتَمَّثَّلُ الشَّيْطانُ
بِي)). قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: قَالَ ابْنُ سِيرينَ: إذا رَآهُ فِي صُورَتِهِ.
وبه قال: (حدثنا عبدان) هو عبد الله بن عثمان المروزي قال: (أخبرنا عبد اللَّه) بن المبارك
إرشاد الساري/ ج ١٤ / م ٢٨

٤٣٤
كتاب التعبير/ باب ١٠
(عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهريّ) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (حدّثني) بالإفراد
(أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (أن أبا هريرة) رضي الله عنه (قال: سمعت النبي ◌َّ
يقول: (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة) بفتح القاف يوم القيامة رؤية خاصة في القرب منه
أو من رآني في المنام ولم يكن هاجر يوفقه الله للهجرة إليّ والتشرّف بلقائي، ويكون الله تعالى جعل
رؤيته في المنام علمًا على رؤياه في اليقظة. قال في المصابيح: وعلى القول الأوّل ففيه بشارة لرائيه
بأنه يموت على الإسلام وكفى بها بشارة وذلك لأنه لا يراه في القيامة تلك الرؤية الخاصة باعتبار
القرب منه إلا من تحققت منه الوفاة على الإسلام حقق الله لنا ولأحبابنا وللمسلمين ذلك بمنه
وكرمه آمين (ولا يتمثل الشيطان بي) هو كالتتميم للمعنى والتعليل للحكم أي لا يحصل له أي
للشيطان مثال صورتي ولا يتشبه بي، فكما منع الله الشيطان أن يتصوّر بصورته الكريمة في اليقظة
كذلك منعه في المنام لئلا يشتبه الحق بالباطل.
(قال أبو عبد اللَّه) البخاري رحمه الله تعالى فيما وصله إسماعيل بن إسحق القاضي من
طريق حماد بن زيد عن أيوب (قال ابن سيرين) محمد لا تعتبر رؤيته وَل في إلا (إذا رآه) الرائي (في
صورته). التي جاء وصفه بها في حياته ومقتضاه أنه إذا رآه على خلافها كانت رؤيا تأويل لا
حقيقة، والصحيح أنها حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها. قال ابن العربي رؤيته وَل جر
بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة ورؤيته على غيرها إدراك للمثال فإن الصواب أن الأنبياء لا
تغيرهم الأرض ويكون إدراك الذات الكريمة حقيقة وإدراك الصفات إدراك المثال. قال: وشذ
بعض الصالحين فزعم أنها تقع بعيني الرأس حقيقة في اليقظة انتهى.
وقد ذكرت مباحث ذلك في كتابي المواهب اللدنية بالمنح المحمدية. وقد نقل عن جماعة من
الصوفية أنهم رأوه ◌َ له في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين
فأرشدهم إلى طريق تفريجها فجاء الأمر كذلك وفيه بحث ذكرته في المواهب.
ومن فوائد رؤيته * تسكين تشوق الرائي لكونه صادقًا في محبته ليعمل على مشاهدته،
وسقط قوله قال أبو عبد اللّه إلى آخره لأبي ذر.
٦٩٩٤ - حدثنا مُعَلَّى بْنُ أسَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ، حَدَّثَنَا ثابِتِ البُنانِيَّ، عَنْ أَنَسٍ
رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: (مَنْ رَآنِي فِي المَنامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَّلُ
بِي وَرُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النَّبُوَّةِ».
وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) العمي بفتح المهملة وتشديد الميم أبو الهيثم البصري قال:
(حدّثنا عبد العزيز بن مختار) الدباغ البصري مولى حفصة بنت سيرين قال: (حدّثنا ثابت البناني)
بضم الموحدة (عن أنس رضي الله عنه) أنه (قال: قال رسول الله وَلي: من رآني في المنام فقد
رآني). قال الكرماني فإن قلت: الشرط والجزاء متحدان فما معناه؟ وأجاب: بأنه في معنى الإخبار

٤٣٥
كتاب التعبير/ باب ١٠
أي من رآني فأخبره بأن رؤيته حق ليست من أضغاث الأحلام، وقال في شرح المشكاة أي من
رآني فقد رأى حقيقتي على كمالها لا شبهة ولا ارتياب فيما رأى (فإن الشيطان لا يتمثل بي) فإن
قيل: كيف يكون ذلك وهو في المدينة والرائي في المشرق أو المغرب؟ أجيب: بأن الرؤية أمر
يخلقه الله تعالى ولا يشترط فيها عقلاً مواجهة ولا مقابلة ولا مقارنة ولا خروج شعاع ولا غيره،
ولذا جاز أن يرى أعمى الصين بقة أندلس. فإن قلت: كثيرًا يرى على خلاف صورته المعروفة
ويراه شخصان في حالة واحدة في مكانين والجسم الواحد لا يكون إلا في مكان واحد أجيب:
بأنه يعتبر في صفاته لا في ذاته فتكون ذاته عليه الصلاة واللام مرئية وصفاته متخيلة غير مرئية
فالإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار ولا قرب المسافة فلا يكون المرئي مدفونًا في الأرض ولا
ظاهرًا عليها، وإنما يشترط كونه موجودًا ولو رأه يأمر بقتل من يحرم قتله كان هذا من صفاته
المتخيلة لا المرئية (ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) لأنها من الله تعالى بخلاف
التي من الشيطان فإنها ليست من أجزاء النبوة، وفيه مباحث سبقت قريبًا وسقطت الواو من قوله
ورؤيا لأبي ذر.
٦٩٩٥ - حدّثنا يَخْيَى بْنُ بُكَيْرِ، حَدِّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّه بْنِ أبِي جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي
أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةً قَالَ: قَالَ النَّبِيِّ نَّهِ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ الله، وَالحُلُمُ مِنَ الشَّيْطانِ،
فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَتْفِثْ عَنْ شِمالِهِ ثَلاثًا وَلْيَتَعَوَّذْ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِنَّها لاَ تَضُرُّهُ وَإِنَّ الشَّيْطانَ لا
یتزایا ہی)).
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وهو جد يحيى واسم أبيه عبد اللّه قال:
(حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عبيد الله) بضم العين (ابن أبي جعفر) الأموي القرشي أنه
(قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي قتادة) بن الحارث رضي الله
عنه أنه (قال: قال النبي ◌َّ):
(الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان) وإضافة الرؤيا الصالحة إلى الله إضافة تشريف
وإضافة الحلم إلى الشيطان لأنها صفته من الكذب والتهويل وإن كانا بخلق الله تعالى وتقديره (فمن
رأى) في منامه (شيئًا يكرهه فلينفث) بكسر الفاء بعدها مثلثة أي فلينفخ نفخًا لطيفًا من غير ريق
(عن شماله) طردًا للشيطان وإظهارًا لاحتقاره (ثلاثًا) للتأكيد وخص الشمال لأنها محل الأقذار
(وليتعوّذ) بالله (من الشيطان فإنها لا تضرّه) لأن الله تعالى جعل ذلك سببًا لسلامته (وإن الشيطان
لا يتزايا بي) بالزاي المعجمة لا يتصدى لأن يصير مرئيًا بصورتي، ولأبي ذر لا يتراءى بالراء
المهملة .
والحديث سبق في الطب والتعبير.
٦٩٩٦ - حقّثنا خالِدُ بْنُ خَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيّ

.---*
٤٣٦
كتاب التعبير/ باب ١١
قالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَالَ أَبُو قَتَادَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: (مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الحَقِّ))، تَابَعَهُ
يُونُسُ وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيَّ.
وبه قال: (حدّثنا خالد بن خليّ) بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام المخففة وتشديد التحتية أبو
القاسم الحمصي قاضيها من أفراد البخاري قال: (حدّثنا محمد بن حرب) أبو عبد اللَّه النيسابوري
قال: (حدّثني) بالإفراد (الزبيدي) بضم الزاي محمد بن الوليد بن عامر الشامي الحمصي (عن
الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (قال أبو سلمة) بن عبد الرحمن (قال أبو قتادة)
الحارث بن ربعي (رضي الله عنه) قال (قال النبي ◌َليّ):
(من رآني) في منامه (فقد رأى الحق) أي فقد رآني رؤية الحق لا الباطل (تابعه) أي تابع
الزبيدي في روايته عن الزهري (يونس) بن يزيد (وابن أخي الزهري) محمد بن عبد الله بن مسلم
وصلها مسلم بن الحجاج في صحيحه من طريقهما وساقه على لفظ رواية يونس وأحال برواية ابن
أخي الزهري عليه.
٦٩٩٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّه بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ الهادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ
خَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعيدٍ الخُذْرِيِّ سَمِعَ النَِّيَّ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الحَقَّ، فَإِنَّ الشَّيْطانَ لا
يَتگوّنُني)).
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدثنا الليث) بن سعد الإمام قال:
(حدّثني) بالإفراد (ابن الهاد) يزيد بن عبد الله بن أسامة (عن عبد الله بن خباب) بفتح الخاء
المعجمة وتشديد الموحدة وبعد الألف موحدة أخرى (عن أبي سعيد الخدري) رضي الله عنه أنه
(سمع النبي ول# يقول):
(من رآني فقد رأى الحق) سواء رآه على صفته المعروفة أو غيرها لكن يكون في الأولى مما لا
يحتاج إلى تعبير والثانية مما يحتاج إلى التعبير (فإن الشيطان لا يتكوّنني) أي لا يتكوّن كوني فحذف
المضاف ووصل المضاف إليه بالفعل بمعنى أن الله تعالى وإن أمكنه من التصوّر في أيّ صورة أراد
فإنه لم يمكنه من التصور في صورة النبي ◌َلتر.
والحديث من أفراده.
١١ - باب رُؤْيَا اللَّيْلِ
رَوَاهُ سَمُرَةُ.
(باب رؤيا) الشخص في (الليل) هل تساوي رؤياه بالنهار أو يتفاوتان (رواه) أي حديث
رؤيا الليل (سمرة) بن جندب الصحابي المشهور الآتي حديثه في آخر كتاب التعبير إن شاء الله
تعالى.

٤٣٧
كتاب التعبير/ باب ١١
٦٩٩٨ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ المِقْدامِ العِجْلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الطُّفَاوِيَّ، حَدَّثَنَا
أيُوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((أُعْطِيتُ مَفاتِيحَ الكَلِمِ، وَنُصِرْتُ
بِالرُّغْبِ، وَبَيْنَمَا أَنَّا نائِمٌ البارِحَةَ إذ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحٍ خَزائِنِ الأرْضِ، حَتَّى وُضِعَتْ فِي يَدِي)) قَالَ أَبُو
هُرَيْرَةَ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ وَأَنْتُمْ تَنْتَقِلُونَها.
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن المقدام) بكسر الميم وسكون القاف بعدها مهملة فألف فميم
(العجلي) قال: (حدّثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي) بضم الطاء المهملة وتخفيف الفاء وبعد
الألف واو مكسورة نسبة إلى بني طفاوة أو إلى الطفاوة موضع قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن
محمد) هو ابن سيرين (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (قال: قال النبي ◌َّ):
(أعطيت) بضم الهمزة (مفاتيح الكلم) بنصب مفاتيح مفعول ثان لأعطيت. قال الكرماني
وتبعه البرماوي أي لفظ قليل يفيد معاني كثيرة، وهذا غاية البلاغة وشبه ذلك القليل بمفاتيح
الخزائن التي هي آلة للوصول إلى مخزونات متكاثرة وعند الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان
وعبد الله بن ياسين كلاهما عن أحمد بن المقدام أعطيت جوامع الكلم.
والحاصل أنه و ﴿ كان يتكلم بالقول الموجز القليل اللفظ الكثير المعاني، وقيل المراد بجوامع
الكلم القرآن ومن أمثلة جوامعه قوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم
تتقون﴾ [البقرة: ١٧٩] وقوله تعالى: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم
الفائزون﴾ [النور: ٥٢] ومن ذلك من الأحاديث النبوية حديث عائشة كل عمل ليس عليه أمرنا
فهو ردّ وحديث كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل متفق عليهما (ونصرت بالرعب) بضم
النون والرعب بضم الراء وسكون العين المهملة أي الفزع يقذف في قلوب أعدائي وزاد في التيمم
مسيرة شهر أي ينهزمون من عسكر الإسلام بمجرد الصيت ويفرقون منهم (وبينما) بالميم (أنا نائم
البارحة) اسم لليلة الماضية وإن كان قبل الزوال (إذ أتيت بمفاتيح خزائن الأرض) كخزائن كسرى
وقيصر أو معادن الأرض التي منها الذهب والفضة (حتى وضعت في يدي) حقيقة أو مجازًا فيكون
كناية عن وعد الله بما ذكر أنه يعطيه أمته وكذا كان ففتح لأمته ممالك كثيرة قسموا أموالها
واستباحوا خزائن ملوكها.
(قال أبو هريرة) رضي الله عنه بالسند السابق (فذهب رسول الله (*) أي توفي (وأنتم
تنتقلونها) بالقاف المكسورة من انتقل من مكان إلى مكان هذه رواية أبي ذر عن المستملي وله عن
الحموي تنتثلونها بالمثلثة بدل القاف تخرجونها كاستخراجهم لخزائن كسرى ودفائن قيصر، وفي
بعض الروايات تنتفلونها بالفاء بدل القاف أي تغتنمونها.
والحديث من أفراده.

٤٣٨
كتاب التعبير/ باب ١١
٦٩٩٩ - حدثنا عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَّرَ رَضِيَ
الله عَنْهُمَا أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: «أُرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ، فَرَأَيْثُّ رَجُلاً آدَمَ كَأْحَسَنِ مَا أنْتَ راءِ
مِنْ أُدْمِ الرِّجالِ، لَهُ لِمَّةٌ كَأَخْسَنِ ما أنْتَ راءٍ مِنَ اللُّمَمِ قَدْ رَجَّلَها تَقْطُرُ ماءٌ مُتْكِنًا عَلَى رَجُلَيْنِ أَوْ
عَلَى عَواتِقِ رَجُلَيْنٍ يَطُوفُ بِالبَيْتِ فَسَأَلْتُ مَنْ هَذا فَقَيلَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ: إذا أنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ
قَطَطِ أعْوَرِ العَيْنِ اليُّمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طافِيَةٌ، فَسَأَلْتُ مَنْ هَذا؟ فَقيلَ: المَسيحُ الدِّجالُ)).
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام الأعظم (عن نافع عن)
مولاه (عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله وَّخير قال):
(أراني الليلة عند الكعبة) بضم همزة أراني والليلة نصب على الظرفية (فرأيت رجلاً آدم) بمد
الهمزة أسمر (كأحسن ما أنت راء من أدم الرجال) بضم الهمزة وسكون الدال المهملة من سمرهم
(له لمة) بكسر اللام وتشديد الميم شعر يجاوز شحمة أذنه (كأحسن ما أنت راء من اللمم) بكسر
اللام أيضًا (قد رجلها) بفتح الراء والجيم المشدّدة واللام سرحها حال كونها (تقطر ماء) من الماء
الذي سرح به شعره حال كونه (متكئًا على رجلين أو) قال (على عواتق رجلين) بالشك من الراوي
وأضيف عواتق وهو جمع للمثنى على حد فقد صغت قلوبكما لعدم الالباس والعاتق ما بين المنكب
والعنق (يطوف بالبيت) الحرام (فسألت: من هذا؟ فقيل) لي هو (المسيح ابن مريم) عليه السلام
(إذا) ولأبي ذر وإذا ولغير أبي ذر ثم إذا (أنا برجل جعد) بفتح الجيم وسكون العين غير سبط أو
قصير (قطط) شديد جعودة الشعر (أعور العين اليمنى كأنها) أي عينه (عنبة طافية) بالمثناة بالتحتية
بارزة ومن همزها فمن طفئت كما يطفأ السراج أي ذهب نورها (فسألت: من هذا؟ فقيل) لي هذا
(المسيح الدجال). فإن قلت: الدجال لا يدخل مكة والحديث أنه كان عند الكعبة؟ أجيب: بأن
المنع من دخوله مكة إنما هو عند خروجه وإظهار شوكته.
والحديث مرّ في أحاديث الأنبياء وغيرها.
٧٠٠٠ - هذّثنا يَخْيَى، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّه بْنِ
عَبْدِ اللَّه أنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كانَ يُحَدِّثُ أنَّ رَجُلاً أَتَى رَسُولَ اللهِ ◌ّهِ فَقالَ: إِنِّي أُرِيتُ اللَّيْلَةَ فِي المَنَامِ
وَساقَ الحَديثَ. وَتَابَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ أَخِي الزَّهْرِيّ، وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ عُبَيْدِ اللَّه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ. وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ: عَنِ الزُّهْرِيّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّه أنَّ ابْنَ
عَبَّاسٍ أوْ أبا هُرَيْرَةَ عَنِ النَِّيِّ بَّهِ. وَقَالَ شُعَيْبٌ: وَإِسْحْقُ بْنُ يَخْيَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةً
رَضِيَ الله عَنْهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ وَ. وَكَانَ مَعْمَرٌ لا يُسْنِدُهُ حَتَّى كَانَ بَعْدُ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى) بن عبد اللَّه بن بكير قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن
يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بضم العين (ابن

٤٣٩
کتاب التعبير/ باب ١٢
عبد الله) بن عتبة بن مسعود (إن ابن عباس) عبد اللَّه رضي الله عنهما قال (كان يحدث أن رجلاً)
قال ابن حجر: لم أقف على اسمه (أتى رسول الله وَ﴿) زاد مسلم منصرفه من أحد وحينئذٍ فهو
مرسل لأن ابن عباس كان صغيرًا مع أبويه بمكة لأن مولده قبل الهجرة بثلاث سنين على الصحيح
وأحد كانت في شوّال في الثانية (فقال) رسول الله (إني أريت) بهمزة مضمومة ثم راء مكسورة
وللأصيلي رأيت براء ثم همزة مفتوحة (الليلة في المنام وساق الحديث) الآتي إن شاء الله تعالى في
باب من لم ير الرؤيا لأوّل عابر إذا لم يصب بعد خمسة وثلاثين بابًا عن يحيى بن بكير بهذا السند
بتمامه ولفظه إن رجلاً أتى رسول الله ﴿ فقال إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن
والعسل فأرى الناس يتكففون منها فالمستكثر والمستقل الحديث إلخ.
(وتابعه) أي تابع الزهري محمد بن مسلم في روايته عن عبيد الله بن عبد الله (سليمان بن
كثير) فيما وصله مسلم وسقطت واو وتابع لابن عساكر (و) تابعه أيضًا (ابن أخي الزهري)
محمد بن عبد الله بن مسلم فيما وصله الذهلي في الزهريات (وسفيان بن حسين) الواسطي فيما
وصله الإمام أحمد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن عبيد الله) بن عبد الله (عن ابن عباس)
رضي الله عنهما (عن النبي (وَلفي. وقال الزبيدي) بضم الزاي محمد بن الوليد (عن الزهري)
محمد بن مسلم (عن عبيد الله) بضم العين ابن عبد الله بن عتبة (أن ابن عباس أو أبا هريرة)
رضي الله عنهم (عن النبي وَي) بالشك فقال ابن عباس أو أبا هريرة ولابن عساكر ووصله مسلم
وأبا هريرة يعني أن كليهما رواه عن النبي صل* من غير شك وسقط قوله عن النبي ◌َّر لابن
عساكر.
(وقال شعيب) أي ابن أبي حمزة الحمصي (وإسحق بن يحيى) الكلبي الحمصي (عن
الزهري) محمد بن مسلم (كان أبو هريرة رضي الله عنه يحدث عن النبي (ص) وهذا وصله الذهلي
في الزهريات (وكان معمر) هو ابن راشد (لا يسنده) أي الحديث المذكور (حتى كان بعد) يسنده
وصله إسحاق بن راهويه في مسنده عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري كرواية يونس، لكن
قال عن ابن عباس كان أبو هريرة يحدث. قال إسحق: قال عبد الرزاق كان معمر يحدثه فيقول
كان ابن عباس يعني ولا يذكر عبيد الله بن عبد اللَّه في السند حتى جاء زمعة بكتاب فيه عن
الزهري عن ابن عباس فكان لا يشك فيه بعد قال في الفتح والمحفوظ قول من قال عن
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة.
١٢ - باب الرُّؤْيا بِالنَّهارِ
وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: عَنِ ابْنٍ سِيرِينَ رُؤْيا الثَّهارِ مِثْلُ رُؤْيا اللَّيْلِ.
(باب) حكم (الرؤيا) الواقعة (بالنهار) ولأبي ذر مما ليس في اليونينية باب رؤيا النهار.
(وقال ابن عون) بفتح العين المهملة وسكون الواو وهو عبد الله فيما وصله علي بن أبي

٤٤٠
کتاب التعبير/ باب ١٢
طالب القيرواني في كتاب التعبير له من طريق مسعدة بن اليسع عن عبد الله بن عون (عن ابن
سيرين) محمد (رؤيا النهار مثل رؤيا الليل) وثبت قوله رؤيا الثانية في رواية أبي ذر عن الحموي.
وقال أهل التعبير: إن رؤيا النهار بالعكس لأن الأرواح لا تجول أصلاً والشمس في أعلى الفلك
وذلك أن قوّتها تمنع من إظهار أمر الأرواح وتصرفها فيما تصرف فيه، وقيل: إن رؤيا النهار أقوى
من رؤيا الليل وأتم في الحال لأن النور سابق لكل ظلمة والنور يسرح في الضياء ما لا يسرح في
سائر الظل والأرواح تتعارف في الضوء ما لا تتعارف في غيره، وأما الوقت الذي تكون الرؤيا
فيه أصح والذي تكون فيه فاسدة فقالوا تكون صحيحة في أيام الربيع في نيسان وذلك وقت
دخول الشمس الحمل وهو ابتداء الزمان الذي خلق فيه آدم عليه السلام والوقت الذي سلك فيه
الروح وهو وقت تكون الرؤیا فیه کالأخذ بالید.
٧٠٠١ - حدّائنا عَبْدُ اللَّه بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنا مالِك، عَنْ إِسْحُقَ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي طَلْحَةً
أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مالِكِ يَقُولُ: كانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَدْخُلُ عَلَى أُمْ حَرام بِنْتِ مِلْحانَ، وَكانَتْ
تَحْتَ عُبادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَدَخَلَ عَلَيْها يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللهِوَلَّهِ ثُمَّ
اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ.
وبه قال: (حدّثنا عبد اللَّه بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن إسحق بن
عبد اللَّه بن أبي طلحة) الأنصاري (أنه سمع أنس بن مالك) رضي الله عنه (يقول كان
رسول الله* يدخل على أم حرام) بالحاء والراء المهملتين المفتوحتين (بنت ملحان) بكسر الميم
وسكون اللام بعدها حاء مهملة وكانت خالته والقر من الرضاع (وكانت تحت عبادة بن الصامت)
أي زوجته (فدخل عليها) النبي بَّر (يومًا فأطعمته وجعلت تفلي رأسه) بفتح الفوقية وسكون الفاء
وكسر اللام تفتش شعر رأسه لتستخرج هوامه (فنام رسول الله وَلي) عندها (ثم استيقظ وهو) أي
والحال أنه (يضحك) فرحًا وسرورًا.
٧٠٠٢ - قالت فَقُلْتُ ما يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: ((ناسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيّ غُزاةً
فِي سَبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هذا البَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الأسِرَّةِ - أَوْ مِثْلَ المُلُوكِ عَلَى الأسِرَّةِ » شَكَّ
إِسْحُقُ قالَتْ: فَقُلْتُ يا رَسُولَ الله ادعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَدَعا لَهَا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ وَضَعَ
رَأْسَهُ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ: ما يُضْحِكُكَ يا رَسُولَ الله؟ قالَ: ((ناسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا
عَلَيَّ غُزاةً فِي سَبيلِ الله)) كَما قالَ فِي الأولى قالَتْ: فَقُلْتُ يا رَسُولَ الله ادعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ
قالَ: ((أَنْتٍ مِنَ الأوَّلِينَ)) فَرَكِبَتِ البَحْرَ فِي زَمانِ مُعاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَصُرِعَتْ عَنْ دابْتِها حِينَ
خَرَجَتْ مِنَ البَخْرِ فَهَلَكَتْ.
(قالت) أم حرام (فقلت) له: (ما يضحكك يا رسول الله قال):