النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١ كتاب الرقاق/ باب ٥١ (لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل) بالرفع والنصب (في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه) بالتثنية والضحضاح بضادين معجمتين مفتوحتين وحاءين مهملتين أولاهما ساكنة ما رق من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين فاستعير للنار (يغلي منه) من الضحضاح ولأبي ذر عن الكشميهني منها أي من النار (أمّ دماغه) أصله وما به قوامه أو جلدة رقيقة تحيط بالدماغ. واستشكل قوله عليه الصلاة والسلام تنفعه شفاعتي مع قوله تعالى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ [المدثر: ٤٨] وأجيب: بأن منفعة الآية بالإخراج من النار وفي الحديث بالتخفيف أو يخص عموم الآية بالحديث، أو أن أبا طالب لما بالغ في إكرام النبي ◌ّ والذب عنه جوزي بالتخفيف وأطلق على ذلك شفاعة أو أن جزاء الكافر من العذاب يقع على كفره وعلى معاصيه، فيجوز أن يضع الله عن بعض الكفار بعض جزاء معاصيه تطييبًا لقلب الشافع لا ثوابًا للكافر لأن حسناته صارت بموته على الكفر هباء منثورًا لكنهم قد يتفاوتون فمن كانت له حسنات من عتق أو مواساة مسلم ليس كمن ليس له ذلك، فيحتمل أن يجازى بالتخفيف بمقدار ما عمل لكنه معارض بقوله تعالى: ﴿ولا يخفف عنهم من عذابها﴾ [فاطر: ٣٦]. والحديث سبق في باب قصة أبي طالب. ٦٥٦٥ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَجْمَعُ الله النَّاسَ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَيَقُولُونَ، لَوِ اسْتَشْفَعْنَا عَلى رَبّنا حَتَّى يُرِيحَنا مِنْ مَكانِنا فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ الله بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، فَأَشْفَعْ لَنا عِنْدَ رَبّنَا فَيَقُولُ: لَسْتُ هُناكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ وَيَقُولُ: أَثْتُوا نُوحًا أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهِ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتَ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ، أَثْتُوا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي أَتَّخَذَهُ الله خَلِيلاً، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ، أَثْتُوا مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللهِ فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ، أَثْتُوا عِيسى فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُناكُمُ أَثْتُوا مُحَمَّدًا بِّهِ فَقَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخّرَ فَأْتُونِي فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبّي، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ ساجِدًا، فَيَدَعُنِي ما شاءَ الله، ثُمَّ يُقالُ: ازْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ قُلْ يُسْمَغْ وَأَشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَزْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُ رَبّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلّمُنِي، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُ لِي حَدًّا ثُمَّ أُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَعُودُ، فَأَقَعُ ساجِدًا مِثْلَهُ فِي الثَّالِئَةِ أَو الرَّابِعةِ حَتّى ما بَقِيَ فِي النَّارِ، إِلَّ مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ)) وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ: عِنْدَ هذا أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ. وبه قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس رضي الله عنه) أنه (قال: قال رسول الله وَليه): إرشاد الساري/ ج ١٣ / م ٣٦ ٥٦٢ کتاب الرقاق/ باب ٥١ (يجمع الله الناس يوم القيامة) ولأبي ذر عن المستملي: جمع الله بلفظ الماضي والأول هو المعتمد وفي حديث أبي هريرة يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم الصبر وتدنو الشمس من رؤوسهم فيشتد عليهم حرّها (فيقولون) من الضجر والجزع مما هم فيه (لو استشفعنا على) بالعين ضمن استشفع معنى الاستعانة يعني لو استعنا على (ربنا) لأن الاستشفاع طلب الشفاعة وهي انضمام الأدنى إلى الأعلى ليستعين به على ما يرويه وفي رواية هشام الدستوائي السابقة في سورة البقرة إلى ربنا (حتى يريحنا) بالحاء المهملة من الإراحة أي يخلصنا (من مكاننا) وما فيه من الأهوال ولو هي المتضمنة للتمني والطلب فلا تحتاج إلى جواب أو جوابها محذوف (فيأتون آدم) عليه السلام وقدموه لأنه الأول (فيقولون) له بعثًا له على أن يشفع لهم (أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه) زاد همام في روايته الآتية إن شاء الله تعالى في كتاب التوحيد وأسكنك جنته وعلمك أسماء كل شيء ووضع شيء موضع أشياء أي المسميات كقوله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ [البقرة: ٣١] أي أسماء المسميات (وأمر الملائكة) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: وأمر ملائكته (فسجدوا لك) سجود خضوع لا سجود عبادة (فاشفع لنا عند ربنا) حتى يريحنا من مكاننا هذا (فيقول) آدم (لست هناكم) بضم الهاء وتخفيف النون أي لست في المكان والمنزل الذي تحسبونني يريد به مقام الشفاعة (ويذكر خطيئته التي أصابها) وهي أكله من الشجرة التي نهي عنها قاله تواضعًا واعتذارًا من التقاعد عن الإجابة وإعلامًا بأنها لم تكن له (ويقول) لهم (ائتوا نوحًا) عليه السلام وسقط ويقول لأبي ذر (أول رسول بعثه الله) أي بعد آدم وشيث وإدريس أو الثلاثة كانوا أنبياء ولم يكونوا رسلاً نعم كان آدم مرسلاً وأنزل على شيئ الصحف وهو من علامة الإرسال أو رسالة آدم لبنيه وهم موحدون ليعلمهم شريعته ورسالة نوح للكفار ليدعوهم إلى التوحيد (فيأتونه فيقول) لهم (لست هناكم ويذكر خطيئته) وهي سؤاله ربه ما ليس له به علم وهو قوله: ﴿رب إن ابني من أهلي﴾ [هود: ٤٥] (ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلاً فيأتونه فيقول) لهم (لست هناكم ويذكر خطيئته) زاد مسلم التي أصاب فيستحيي من ربه وفي رواية همام: إني كذبت ثلاث كذبات وزاد سفيان قوله ﴿إني سقيم﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بل فعله كبيرهم﴾ [الأنبياء: ٦٣] قوله لامرأته: أخبريه أني أخوك، وهذه الثلاثة من المعاريض إلا أنهما لما كانت صورتها صورة الكذب أشفق منها (ائتوا موسى الذي كلمه الله) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي كلم الله (فيأتونه فيقول) لهم (لست هناكم) وسقط لأبي ذر قوله فيقول لست هناكم (فيذكر خطيئته) وهي أنه قتل نفسًا لم يؤمر بقتلها (ائتوا عيسى فيأتونه فيقول) لهم (لست هناكم) ولم يذكر ذنبًا لكن وقع في رواية أبي نضرة عن أبي سعيد: إني عبدت من دون الله رواه مسلم (ائتوا محمدًا وَ*) وفي كشف علوم الآخرة للغزالي: إن بين إتيان أهل الموقف آدم وإتيانهم نوحًا ألف سنة وكذا بين كل نبي ونبي. قال في الفتح: ولم أقف لذلك على أصل ولقد أكثر من هذا الكتاب من إيراد أحاديث لا أصل لها فلا يغتر بشيء منها انتهى. وتعقبه العيني بأن جلالة قدر الغزالي تنافي ما ذكره وعدم وقوفه على أصل لذلك لا يستلزم ٥٦٣ كتاب الرقاق/ باب ٥١ نفي وقوف غيره لذلك على أصل فإنه لم يحط علمًا بكل ما ورد حتى يدعي هذه الدعوى انتهى . . وأجاب في انتقاض الاعتراض بأن جلالة الغزالي لا تنافي أنه يحسن الظن ببعض الكتب فينقل منها ويكون ذلك المنقول غير ثابت كما وقع له ذلك في الاحياء في نقله من قوت القلوب كما نبه على ذلك غير واحد من الحفّاظ وقد اعترف هو بأن بضاعته في الحديث مزجاة. قال ابن حجر: ولم أدّع أني أحطت علمًا وإنما نفيت اطّلاعي وإطلاقي في الثاني محمول على تقييدي في الأول والحكم لا يثبت بالاحتمال فلو كان هذا المعترض يعني العيني اطّلع على شيء من ذلك يخالف قولي لأبرزه وتبجح به انتھی. وقد ألهم الله تعالى الناس سؤال آدم ومن بعده في الابتداء ولم يلهموا سؤال نبينا محمد ◌ّ مع أن فيهم من سمع هذا الحديث منه وَله وتحقق اختصاصه بذلك إظهارًا لفضيلة نبينا وَّل﴿ ورفعة منزلته وكمال قربه وتفضيله على جميع المخلوقين. (فقد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر) ما وقع عن سهو وتأويل أو ما كان الأولى تركه أو أنه مغفور له غير مؤاخذ لو وقع منه. قال رسول الله وَلجر: (فيأتوني) زاد في رواية سعيد بن أبي هلال المذكورة في التوحيد فأقول أنا لها أنا لها (فأستأذن على ربي) زاد همام في داره فيؤذن لي أي في دخول الدار وهي الجنة وأضيفت إليه تعالى إضافة تشريف (فإذا رأيته) تعالى (وقعت) له حال كوني (ساجدًا) وفي رواية أبي بكر عند أبي عوانة فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا لربي (فيدعني) في السجود (ما شاء الله) زاد مسلم أن يدعني وسقطت الجلالة الشريفة لأبي ذر وفي حديث عبادة بن الصامت عند الطبراني فإذا رأيته خررت له ساجدًا شكرًا له (ثم يقال ارفع) ولأبي ذر ثم يقال لي ارفع (رأسك) وفي رواية النضر بن أنس عند أحمد فأوحى الله إلى جبريل أن اذهب إلى محمد فقل له ارفع رأسك (سل تعطه) بغير واو ولا همز (قل يسمع) بغير واو أيضًا نعم في اليونينية وقل بإثباتها (واشفع تشفع) أي تقبل شفاعتك (فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمني) وفي رواية ثابت عند أحمد بمحامد لم يحمده بها أحد قبلي ولا يحمده أحد بعدي (ثم اشفع) في الإراحة من کرب الموقف ثم في الإخراج من النار بعد التحوّل من الموقف والمرور على الصراط وسقوط من يسقط حينئذ في النار (فيحدّ لي) بفتح التحتية وضم الحاء المهملة أي يبين لي كل طور من أطوار الشفاعة (حدًا) أقف عنده فلا أتعداه مثل أن يقول شفعتك فيمن أخلّ بالجماعة ثم فيمن أخلّ بالصلاة ثم فيمن شرب الخمر ثم فيمن زنى وعلى هذا الأسلوب قاله في شرح المشكاة عن التوربشتي. قال في الفتح: والذي يدل عليه سياق الأخبار أن المراد به تفصيل مراتب المخرجين في الأعمال الصالحة كما وقع عند أحمد عن يحيى القطان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في هذا الحديث بعينه (ثم أخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ثم أعود فأقع) حال كوني (ساجدًا مثله) أي مثل الأول (في) المرة (الثالثة أو الرابعة) بالشك من الراوي (حتى) أقول يا رب (ما بقي) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ما يبقى (في النار إلا من حبسه) فيها (القرآن وكان) بالواو .٥٦٤ كتاب الرقاق/ باب ٥١ ولأبي ذر فكان (قتادة) بن دعامة (يقول عند هذا) القول وهو من حبسه القرآن (أي وجب عليه الخلود) بنحو قول الله تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ [النساء: ٤٨] والحديث سبق في أول سورة البقرة. ٦٥٦٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ ذَكْوانَ، حَدَّثَنا أَبُو رَجاءٍ، حَدَّثَنَا عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ رَضِيَ الله عَنْهُ، عَنِ النَّبِيّ ◌َ ◌ِهِ قَالَ: ((يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ وَلَّ، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِينَ)». وبه قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن الحسن بن ذكوان) أبي سلمة البصري صدوق يخطىء ورمي بالقدر لكنه ليس له في البخاري سوى هذا الحديث من رواية يحيى القطان عنه مع تعنته في الرجال ومع ذلك فھو متابعة قال: (حدثنا أبو رجاء) عمران العطاردي قال: (حدثنا) بالجمع ولأبي ذر حدثني (عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي ◌َّ) أنه (قال): (يخرج قوم من النار بشفاعة محمد بَّي فيدخلون الجنة يسمون) بفتح الميم المشددة (الجهنميين) في حديث أبي سعيد فيخرجون كاللؤلؤ وفي رقابهم الخواتم فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل. وحديث الباب أخرجه الترمذي في صفة النار وأبو داود في السنّة وابن ماجة في الزهد. ٦٥٥٧ - حدّثنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أُمَّ حارِثَةَ أَتَتْ رَسُولَ اللهِوََّ، وَقَدْ هَلَكَ حَارِثَةُ يَوْمَ بَدْرٍ أَصابَهُ غَرْبُ سَهْمٍ فَقالَتْ: يا رَسُولَ الله قَدْ عَلِمْتَ مَوْقِعَ حَارِثَةً مِنْ قَلْبِي، فَإِنْ كانَ فِي الْجَنَّةِ لَمْ أَبْكِ عَلَيْهِ، وَإِلاَّ سَّوْفَ تَرى ما أَصْنَعُ، فَقَالَ لَها: ((هَبِلْتِ أَجَنَّةٌ واحِدَةٌ هِيَ؟ إِنَّها جِنان كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ فِي الْفِرْدَوْسِ الأَغْلى)) . وبه قال: (حدثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدثنا إسماعيل بن جعفر) أي ابن أبي كثير الأنصاري الزرقي أبو إسحاق القاري (عن حميد) الطويل البصري مولى طلحة الطلحات (عن أنس) رضي الله عنه (أن أم حارثة) الربيع بالتصغير بنت النضر عمة أنس بن مالك وحارثة هو ابن سراقة بن الحارث بن عدي الأنصاري (أتت رسول الله) ولأبي ذر النبي (بَير وقد هلك حارثة يوم بدر) وقال ابن منده: يوم أحد والأول هو المشهور المعتمد (أصابه غرب سهم) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء مضافًا لسهم، ولأبي ذر عن الكشميهني سهم غرب بتقديم سهم مع التنوين على الصفة أي لا يدرى من رماه (فقالت: يا رسول الله قد علمت موقع حارثة) ولأبي ذر عن الكشميهني موضع حارثة (من قلبي فإن كان في الجنة لم أبك عليه وإلاّ سوف ترى ما أصنع فقال) ◌َلجر: (لها): ٥٦٥ کتاب الرقاق/ باب ٥١ ٦٥٦٨ - وقال: ((غَذْوَةٌ فِي سَبِيلِ الله أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا، وَما فِيها وَلَقَابُ قَوْسٍ أَحَدِكُمْ، أَوْ مَوْضِعُ قَدَمٍ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَما فِيها، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِساءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الطَّلَعَتْ إِلى الأَرْضِ لأَضاءَتْ ما بَيْنَهُما وَلَمَلَأَّتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا وَلَنَصِيفُها يَعْنِي الْخِمارَ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وَما فِيها)). (هبلت) في اليونينية بكسر الهاء ولأبي ذر بضمها وفتحها وكسر الموحدة وسكون اللام: فقدت عقلك استفهام حذفت منه الأداة (أجنة واحدة هي إنها جنان كثيرة وإنه في) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لفي (الفردوس الأعلى وقال) وَلثر: (غدوة) بفتح الغين (في سبيل الله أو روحة) بفتح الراء (خير من الدنيا وما فيها ولقاب قوس أحدكم) بلام مفتوحة للتأكيد والقاف بعدها ألف فموحدة أي قدر قوس أحدكم (أو موضع قدم من الجنة) ولأبي ذر عن الكشميهني: قدمه بالإضافة، وله عن الحموي والمستملي قدمه بكسر القاف وفتحها وتشديد الدال المهملة أي مقدار سوطه لأنه يقد أي يقطع طولاً (خير من الدنيا وما فيها) من متاعها (ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت) بهمزة الوصل وتشديد الطاء المهملة (إلى الأرض لأضاءت ما بينهما) بين السماء والأرض (ولملأت ما بينهما رتجا) طيبة (ولنصيفها) بفتح اللام للتأكيد والنون وكسر الصاد المهملة بعدها تحتية ساكنة ثم فاء قال قتيبة راويه: (- يعني الخمار -) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الميم ما تغطي به رأسها (خير من الدنيا وما فيها) من متاعها وقيل النصيف المعجز وهو بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح الجيم وهو ما تلويه المرأة على رأسها، وقال الأزهري: هو كالعصابة تلفه على استدارة رأسها، وعند ابن أبي الدنيا من حديث ابن عباس، ولو أخرجت نصيفها لكانت الشمس عند حسنها مثل الفتيلة من الشمس لا ضوء لها ولو أطلعت وجهها لأضاء حسنها ما بين السماء والأرض، ولو أخرجت كفها لافتتن الخلائق بحسنها. فإن قلت: ما وجه الربط بين قوله غدوة في سبيل الله أو روحة وبين قوله: ولقاب قوس أحدكم الخ؟ أجيب: بأن المراد أن ثواب غدوة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها لأن ثوابها جنة نصيف امرأة منها خير من الدنيا وما فيها. ٦٥٦٩ - حدّثنا أَبُو الْيَمانِ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزّنادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((لا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلاَّ أُرِيَ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، لَوْ أَساءَ لِيَزْدادَ شُكْرًا وَلا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ إِلاَّ أُرِيَّ مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، لَوْ أَحْسَنَ لِيَكُونَ عَلَيْهِ حَسْرَةً» . وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرَّحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (قال: قال النبي ◌َلِّر): (لا يدخل أحد الجنة إلا أري) بضم الهمزة وكسر الراء (مقعده) بالنصب مفعول أري (من النار ولو أساء) أي ولو عمل في الدنيا عملاً سيئًا بأن كفر (ليزداد شكرًا). ٥٦٦ كتاب الرقاق/ باب ٥١ واستشكل بأن الجنة ليست دار شكر بل دار جزاء. وأجيب: بأن الشكر ليس على سبيل التكليف بل على سبيل التلذذ أو المراد ليزداد فرحًا ورضًا فعبّر عنه بلازمه لأن الراضي بالشيء یشکر من فعل له ذلك. (ولا يدخل النار أحد) ولأبي ذر عن الكشميهني: أحد النار (إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن) لو عمل عملاً حسنًا وهو الإسلام (ليكون عليه حسرة) زيادة على تعذيبه. قال في الفتح: وقع عند ابن ماجة بسند صحيح من طرق أخرى عن أبي هريرة أن ذلك يقع عند المسألة في القبر وفيه: فيفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها فيقال له: انظر إلى ما وقاك الله. وفي حديث أبي سعيد عند الإمام أحمد يفتح له باب إلى النار فيقول: هذا منزلك لو كفرت بربك فأما إذا آمنت فهذا منزلك فيفتح له باب إلى الجنة فيريد أن ينهض إليه فيقول له: اسكن ويفسح له في قبره. ومطابقة حديث الباب لما ترجم له من حيث كون المقعدين فيهما نوع صفة لهما. ٦٥٧٠ - حدثنا قُتَيِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّهُ قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ الله مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقالَ: ((لَقَدْ ظَنَنْتُ يا أَبَا هُرَيْرَةً أَنْ لا يَسْأَلُنِي عَنْ هذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيامَةِ مَنْ قالَ: لا إِلهَ إِلاَّ الله خالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ)). وبه قال: (حدثنا قتيبة بن سعيد) سقط لأبي ذر ابن سعيد قال: (حدثنا إسماعيل بن جعفر) الزرقي الأنصاري أبو إسحاق القاري (عن عمرو) بفتح العين ابن أبي عمرو بفتح العين أيضًا مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب (عن سعيد بن أبي سعيد) بكسر العين فيهما واسم أبي سعيد كيسان (المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قلت يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة)؟ قال في فتح الباري: لعل أبا هريرة سأل عن ذلك عند قوله وَله: وأريد أن أختبىء دعوتي لأمتي في الآخرة (فقال) وَليقول: والله (لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني) أن هي المخففة من الثقيلة (عن هذا الحديث أحد أول منك) برفع أول صفة لأحد أو هو خبر مبتدأ محذوف أي هو أول وبفتحها لأبي ذر على الظرفية وقال العيني على الحال (لما رأيت) للذي رأيته (من حرصك على الحديث) من بيانية أو لرؤيتي بعض حرصك فمن تبعيضية (أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا) من الشرك (من قبل نفسه) بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهة نفسه مختارًا طائعًا وأسعد هنا هل هي على بابها من التفضيل أو هي بمعنى فعيل يعني سعيد الناس، وعلى الأول فالمعنى سعد ممن لم يكن في هذه المرتبة من الإخلاص المؤكد البالغ غايته لقوله من قلبه إذ الإخلاص معدنه القلب ففائدته التأكيد لأن إسناد الفعل إلى الجارحة أبلغ في التأكيد تقول: إذا ٥٦٧ کتاب الرقاق/ باب ٥١ أردت التأكيد أبصرته عيني وسمعته أذني، والمراد بالشفاعة هنا بعض أنواعها وهي التي يقول فيها وَّر: ((أمتي أمتي)) فيقال له أخرج من في قلبه وزن كذا من إيمان فأسعد الناس بهذه الشفاعة من يكون إيمانه أكمل ممن دونه، وأما الشفاعة العظمى في الإراحة من كرب الموقف فأسعد الناس بها من سبق إلى الجنة وهم الذين يدخلونها بغير حساب ثم الذين يدخلونها بغير عذاب بعد الحساب واستحقاق العذاب، ثم من يصيبهم لفح من النار ولا يسقطون فيها. والشفاعات كما قال عیاض خمس: الأولى: العظمى وهي لإراحة الناس من هول الموقف وهي مختصة بنبينا وَّر. قال النووي: قيل وهي المقام المحمود، وقال الطبراني: قال أكثر أهل التأويل: المقام المحمود هو الذي يقومه وقلقه ليريحهم من كرب الموقف لحديث ابن عباس المقام المحمود الشفاعة، وحديث أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قال: سئل عن النبي ◌َّ فقال: هي الشفاعة. الثانية: في إدخال قوم الجنة بغير حساب، وهذه وردت أيضًا في نبينا وَّرَ، واستدل لها بقوله تعالى في جواب قوله وله: أمتي أمتي أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه، أو الدليل عليها سؤاله ◌َّر الزيادة على السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب فأجيب. الثالثة: في إدخال قوم حوسبوا فاستحقوا العذاب أن لا يعذبوا. الرابعة: فيمن دخل النار من المذنبين فقد جاءت الأحاديث بإخراجهم من النار بشفاعته وَلـ وغيره. الخامسة: في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها، وأشار النووي في روضته إلى أن هذه من خصائصه وزاد عياض سادسة وهي التخفيف عن أبي طالب كما سبق وزاد غيره سابعة وهي الشفاعة لأهل المدينة لحديث الترمذي عن أبي هريرة رفعه: ((من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل فإني أشفع لمن مات بها)). قال في الفتح: وهذه غير واردة لأن متعلقها لا يخرج عن واحدة من الخمس الأول، وفي العروة الوثقى للقزويني شفاعته لجماعة من الصلحاء في التجاوز عن تقصيرهم ولعلها تندرج في الخامسة، وزاد القرطبي أنه أول شافع في دخول أمته الجنة قبل الناس، وزاد صاحب الفتح الشفاعة فيمن استوت حسناته وسيئاته أن يدخل الجنة لحديث ابن عباس عند الطبراني قال: السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد برحمة الله، والظالم لنفسه، وأصحاب الأعراف يدخلونها بشفاعة النبي وَل غيره، وأصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم على الأرجح وشفاعته فيمن قال: لا إله إلا الله ولم يعمل خيرًا قط. قال: فالوارد على الخمسة أربعة وما عداها لا يرد كما لا ترد الشفاعة في التخفيف عن صاحبي القبرين وغير ذلك لكونه من جملة أحوال الدنيا اهـ ملخصًا. ٥٦٨ کتاب الرقاق/ باب ٥١ وحديث الباب سبق في باب الحرص على الحديث في كتاب العلم. ٦٥٧١ - حدثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةً، عَنْ عَبْدِ اللَّه رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْها، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ كَبْوًا، فَيَقُولُ الله: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّها مَلأَى فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يا رَبّ وَجَدْتُها مَلأَى فَيَقُولُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّها مَلَأَى فَيَأْتِيهَا فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يا رَبّ وَجَدْتُها مَلأَى فَيَقُولُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيا وَعَشَرَةَ أَمْثالِها أَوْ إِنَّ لَكَ مِثْلَ عَشَرَةٍ أَمْثالِ الدُّنْيا، فَيَقُولُ: تَسْخَرُ مِنَّي أَوْ تَضْحَكُ مِنِّي وَأَنْتَ الْمَلِكُ؟ فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ ضَحِكَ حَتَى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ وَكَانَ يُقالُ ذلِكَ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً)» . [الحديث ٦٥٧١ - طرفه في: ٧٥١١]. وبه قال: (حدثنا عثمان بن أبي شيبة) هو عثمان بن محمد بن أبي شيبة واسم أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي أخو أبي بكر والقاسم قال: (حدثنا جرير) بفتح الجيم ابن عبد الحميد الرازي (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن عبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة ابن عمر السلماني (عن عبد اللَّه) يعني ابن مسعود (رضي الله عنه) أنه قال: (قال النبي ◌َّر): (إني لأعلم) بلام التأكيد (آخر أهل النار خروجًا منها) من النار نفسها أو من مروره على الصراط المنصوب عليها (وآخر أهل الجنة دخولاً رجل يخرج من النار كبوًا) بفتح الكاف وسكون الموحدة لكنه مضبب عليها في الفرع وفي الهامش حبوًا بالحاء المهملة وعليها علامة أبي ذر أي زحفًا وزنًا ومعنى، وفي رواية أنس عن ابن مسعود عند مسلم: آخر من يدخل الجنة رجل فهو يمشي مرة ويكبو مرة وتسفعه النار مرة فإذا جاوزها التفت إليها فقال: تبارك الذي نجاني منك (فيقول الله) عز وجل له: (اذهب فادخل الجنة فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى) بفتح الميم والهمزة بينهما لام ساكنة (فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى فيقول) الله تعالى له: (اذهب فادخل الجنة فيخيل إليه أنها ملأى فيأتيها فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى فيقول اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا فيقول) الرجل (تسخر مني) بفتح الفوقية والمعجمة استفهام محذوف الأداة ولأبي ذر عن الكشميهني بي بالموحدة والتحتية بدل مني (أو) قال (تضحك مني) بالشك (وأنت الملك) بكسر اللام، ولمسلم من رواية أنس عن ابن مسعود أتستهزىء عليّ وأنت رب العالمين، وهذا وارد منه على سبيل الفرح غير ضابط لما ناله من السرور ببلوغ ما لم يخطر بباله فلم يضبط لسانه دهشة وفرحًا، وجرى على عادته في الدنيا من مخاطبة المخلوق ونحوه في حديث التوبة قول الرجل عند وجدان زاده مع راحلته من شدة الفرح أنت عبدي وأنا ربك قال عبد الله بن مسعود: (فلقد رأيت رسول الله وَ ل﴿ ضحك) أي تعجبًا وسرورًا ٥٦٩ کتاب الرقاق/ باب ٥٢ مما رأى من كمال رحمة الله ولطفه بعبده المذنب وكمال رضاه عنه (حتى بدت) ظهرت (نواجذه) بنون فواو مفتوحتين وبعد الألف جيم مكسورة فذال معجمة فهاء جمع ناجذة قال ابن الأثير النواجد من الأسنان الضواحك وهي التي تبدو عند الضحك قال الراوي نقلاً عن الصحابة أو عن غيرهم: (وكان يقال ذلك) ولأبي ذر وكان يقول ذاك بغير لام (أدنى) أقل (أهل الجنة منزلة) ذكر الكرماني أن هذه المقالة ليست من تتمة كلامه و 9 بل من كلام الراوي نقلاً عن الصحابة أو غيرهم. وقال في الفتح: قائل وكان يقال الراوي كما قال الكرماني، وأما المقالة فهي من قوله وَليه كما في أول حديث أبي سعيد عند مسلم بلفظ: أدنى أهل الجنة منزلة رجل صرف الله وجهه عن النار وساق الحديث إلى آخره، واعترضه العيني بأنه لا يلزم من كونها في آخر حديث ابن مسعود أن تكون من كلامه وَله. وأجاب في الانتقاض فقال: إن أراد الاستلزام العقلي فليس مرادًا هنا بل يكفي الظن القوي الناشىء عن الاستدلال لأن هذا الأمر ليس مرجعه العقل والصحابي إذا لم يكن ينظر في كتب أهل الكتاب ولا ينقل عنهم كابن مسعود انحصر أنه نقل عن النبي وَلّر سواء كان ذلك بواسطة أم لا فبطل الاعتراض اهـ. ورواته كلهم كوفیون. والحديث أخرجه المؤلف أيضًا في التوحيد ومسلم والترمذي في صفة جهنم وابن ماجة في الزهد. ٦٥٧٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيّ ◌َّهِ: هَلْ نَّفَعْتَ أَبا طالِبٍ بِشَيْءٍ؟ . وبه قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري (عن عبد الملك بن عمير) بضم العين وفتح الميم الكوفي اللخمي حليف بني عدي ويقال له الفرسي بفتح الفاء والراء ثم سين مهملة نسبة إلى فرس له سابق (عن عبد الله بن الحارث بن نوفل) بفتح النون وسكون الواو بعدها فاء فلام ابن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي أبي محمد المدني أمير البصرة يلقب ببة بتشديد الموحدة الثانية له رؤية ولأبيه ولجده صحبة (عن العباس) بن عبد المطلب (رضي الله عنه أنه قال للنبي وَلجر: هل نفعت أبا طالب بشيء) لم يذكر الجواب اختصارًا، وساقه في كتاب الأدب عن موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة بهذا السند بلفظ فإنه كان يحوطك ويغضب لك. قال: ((نعم هو في ضحضاح من النار لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار)). وسبق مبحثه والله الموفق وبه المستعان. ٥١ - باب الصّراطُ جِسْرُ جَهَنَّمَ هذا (باب) بالتنوين (الصراط جسر جهنم) بضم الجيم وتكسر أي منصوب عليها لعبور المسلمين عليه إلى الجنة. ٥٧٠ کتاب الرقاق/ باب ٥٢ قال أبو سعيد فيما رواه مسلم: بلغني أن الصراط أحدٌ من السيف وأدق من الشعرة. وقال سعيد بن أبي هلال عند ابن منده بلغني فذكره، ووصله البيهقي عن أنس عن النبي وَلتر مجزومًا به لكن في سنده لين وفي مرسل عبيد بن عمير عند ابن المبارك أن الصراط مثل السيف وبجنبتيه كلاليب إنه ليؤخذ بالكلوب الواحد أكثر من ربيعة ومضر، وعند ابن عساكر عن الفضيل بن عياض قال: بلغنا أن الصراط مسيرة خمسة عشر ألف سنة خمسة آلاف صعود وخمسة آلاف هبوط وخمسة آلاف مستوى أدق من الشعرة وأحدّ من السيف على متن جهنم، ولا يجوز عليه إلا ضامر مهزول من خشية الله وهذا معضل لا يثبت، وعند ابن المبارك وابن أبي الدنيا عن سعيد بن أبي هلال: بلغنا أن الصراط أدق من الشعرة على بعض الناس، ولبعض الناس مثل الوادي الواسع وهو مرسل أو معضل فتأمل نفسك إذا صرت على الصراط ووقع بصرك على جهنم من تحته ثم قرع سمعك شهيق النار وزفيرها وسوادها وسعيرها، وكيف بك إذا وضعت إحدى رجليك عليه فأحسست بحدّه واضطررت إلى أن ترفع القدم الثاني والخلائق بين يديك يزلون ويعثرون، والزبانية تلتقطهم بالخطاطيف والكلاليب وأنت تنظر إلى ذلك فيا له من منظر ما أفظعه ومرتقى ما أصعبه ومجاز ما أضيقه. نسأل الله السلامة والإعانة والعافية. رأي يحيى بن اليمان رجلاً نائمًا وهو أسود الرأس واللحية شاب فاستيقظ وهو أبيض شعر الرأس واللحية فأخبره أنه رأى في منامه كأن الناس قد حشروا وإذا بنهر من نار وجسر يمر عليه الناس فدعي فدخل الجسر فإذا هو كحدّ السيف يمر به يمينًا وشمالاً فشاب من ذلك. ٦٥٧٣ - حدّئَنا أَبُو الْيَمانِ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُما عَنِ النَّبِيّ ◌َ. وَحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنٍ الزُّهْرِيّ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْتِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قَالَ أُناسٌ يا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرِى رَبَّنا يَوْمَ الْقِيامَةِ؟ فَقالَ: ((هَلْ تُضارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَها سَحابٌ))؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ الله، قالَ: ((هَلْ تُضارُّونَ فِي الْقَمَّرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحابٌ))؟ قالوا: لا يا رَسُولَ الله قالَ: ((فإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ، يَجْمَعُ اللهِ النَّاسَ فَيَقُولُ: مَنْ كانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشّمْسَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هذِهِ الأُمَّةُ فِيها مُنافِقُوها، فَيَأْتِيهِمُ الله فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ هذا مَكانُنا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبِّنا، فَإِذا أَتَانا رَبِّنَا عَرَفْنَاهُ فَيَأْتِيهِمُ الله فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا فَتَّبِعُونَهُ وَيُضْرَبُ جِسْرُ جَهَنَّمَ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ وَدُعاءُ الرَّسُلِ يَوْمَئِذٍ آللَّهُمَّ سَلّمْ سَلّمْ، وَبِهِ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ أَمَا رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعدانِ)»؟ قالُوا: بَلى، يا رَسُولَ الله قالَ: ((فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدانِ، غَيْرَ أَنَّها لا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِها إِلاَّ الله، فَتَخْطِفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ مِنْهُمُ الْمُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ الْمُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو حَتَّى إِذا فَرَغَ الله مِنَ ٥٧١ کتاب الرقاق/ باب ٥٢ الْقَضاءِ بَيْنَ عِبادِهِ وَأَرادَ أَنْ يُخْرِجَ مِنَ النَّارِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِمَّنْ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّ الله أَمَرَ الْمَلائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِعَلامَةِ آثارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ الله عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ مِنَ ابْنِ آدَمَ أَثَرَ السُّجُودِ فَيُخْرِجُونَهُمْ قَدِ امْتُحِشُوا فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ ماءٌ يُقالُ لَهُ: ماءُ الْحَياةِ فَيَنْتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ فَيَقُولُ: يا رَبّ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُها وَأَخْرَقَّنِي ذَكَاؤُها فَأَصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، فَلا يَزالُ يَدْعُو الله فَيَقُولُ: لَعَلَّكَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ أَنْ تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ، فَيَقُولُ: لا وَعِزَّتِكَ لا أَسْأَلُكَّ غَيْرَهُ، فَيَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ ذلِكَ: يَا رَبّ قَرَّبْنِي إِلى بابِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: أَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ أَنْ لا تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ وَيْلَكَ ابْنَ آدَمَ ما أَغْدَرَكَ فَلا يَزالُ يَدْعُو فَيَقُولُ: لَعَلِي إِنْ أَغْطَيْتُكَ ذلِكَ تَسْأَلُنِي غَيْرَهُ فَيَقُولُ: لا وَعِزَّتِكَ لا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ فَيُعْطِي الله مِنْ عُهُودٍ وَمَوائِيقَ أَنْ لا يَسْأَلَهُ غَيْرَهُ، فَيُقَرّبُهُ إِلى بابِ الْجَنَّةِ فَإِذا رَأَى ما فِيها سَكَتَ ما شاءَ اللهِ أَنْ يَسْكُتَ ثُمَّ يَقُولُ: رَبّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَوَ لَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ أَنْ لا تَسْأَلُنِي غَيْرَهُ، وَيْلَكَ يا ابْنَ آدَمَ ما أَغْدَرَكَ، فَيَقُولُ: يا رَبّ لا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ، فَلا يَزالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ فَإِذا ضَحِكَ مِنْهُ، أَذِنَ لَهُ بِالدُّخُولِ فِيها، فَإِذا دَخَلَ فِيها قِيلَ تَمَنَّ مِنْ كَذا فَيَتَمَنَّى، ثُمَّ يُقالُ لَهُ: ثَمَنَّ مِنْ كَذَا فَيَتَمَنَّى حَتَّى تَنْقَطِعَ بِهِ الأَمانِيُّ فَيَقُولُ: هذا لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ)) قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَذلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً . وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (سعيد) بكسر العين ابن المسيب (وعطاء بن يزيد) الليثي (أن أبا هريرة أخبرهما عن النبي وَّز). قال البخاري (وحدثني) بالإفراد (محمود) هو ابن غيلان المروزي الحافظ قال: (حدثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد واللفظ لروايته (عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (قال: قال أناس) وفي التوحيد قلنا: (يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال) مَلّى: (هل تضارون) بضم الفوقية وفتح الضاد المعجمة وبعد الألف راء مشددة بصيغة المفاعلة من الضر وأصله تضارون فأسكنت الراء الأولى وأدغمت في الثانية أي هل تضرون أحدًا أو يضركم بمنازعة أو مجادلة أو مضايقة (في) رؤية (الشمس ليس دونها سحاب) يحجبها (قالوا: لا يا رسول الله. قال: هل تضارون) بالراء المشددة أيضًا (في) رؤية (القمر ليلة البدر) عند تمام نوره (ليس دونه سحاب) يحجبه (قالوا: لا يا رسول الله قال: فإنكم ترونه) إذا تجلى لكم (يوم القيامة كذلك) بحيث لا يحجب بعضكم بعضًا ولا يضره ولا يجادله ولا يزاحمه كما يفعل عند رؤية الأهلة بل كالحال عند رؤية الشمس والقمر ليلة البدر، وقد روي ولا تضامون بالضاد المعجمة وتشديد الميم من الضم وهو الازدحام أيضًا أي لا تزدحمون عند رؤيته تعالى كما تزدحمون عند رؤية الأهلة، وروي بتخفيف الميم من الضيم الذي هو الذل أي لا يذل بعضكم بعضًا بالمزاحمة، ٥٧٢ كتاب الرقاق/ باب ٥٢ والمنافسة والمنازعة، وفي البخاري لا تضامون أو تضاهون بالهاء على الشك كما في فضل صلاة الفجر ومعنى الذي بالهاء لا يشتبه عليكم ولا ترتابون فيه فيعارض بعضكم بعضًا، وفي باب فضل السجود من البخاري: هل تمارون بضم الفوقية وتخفيف الراء أي تجادلون في ذلك أو يدخلكم فيه شك من المرية وهي الشك وروي بفتح أوله وبفتح الراء على حذف إحدى التاءين وفي رواية البيهقي تتمارون بإثباتهما والكاف في قوله كذلك ليست لتشبيه المرئي وإنما هي لتشبيه الرؤية بالرؤية في الوضوح وهي فعل الرائي ومعناه إنها رؤية يزاح عنها الشك. وقال الصعلوكي فيما سمعه منه البيهقي في تضامون المضموم الأول المشدد الميم يريد لا تجتمعون لرؤيته في جهة ولا يضم بعضكم إلى بعض فإنه تعالى لا يرى في جهة ومعناه على فتح أوله لا تتضامون في رؤية بالاجتماع في جهة وهو بغير تشديد من الضيم معناه لا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض وأنكم ترونه في جهاتكم كلها وهو متعال عن الجهة فالتشبيه برؤية القمر ليقين الرؤية دون تشبيه المرئي سبحانه وتعالى، وخص الشمس والقمر بالذكر مع أن رؤية السماء بغير سحاب أكبر آية وأعظم خلقًا من مجرد الشمس والقمر لما خصا به من عظيم النور والضياء بحيث صار التشبيه بهما فيمن يوصف بالجمال والكمال سائغًا شائعًا في الاستعمال (يجمع الله) عز وجل (الناس) الأولين والآخرين في صعيد واحد بحيث لا يخفى منهم أحد حتى لو دعاهم داع لسمعوه ولو نظر إليهم ناظر لأدركهم وزاد في رواية العلاء بن عبد الرَّحمن عند الترمذي فيطلع عليهم رب العالمين أن يعلمهم باطلاعه عليهم حينئذٍ (فيقول) جل وعلا (من كان يعبد شيئًا فليتبعه) بسكون اللام وتشديد الفوقية وكسر الموحدة ولأبي ذر فليتبعه بسكون الفوقية وفتح الموحدة (فيتبع) بسكون الفوقية وفتح الموحدة أيضًا (من كان يعبد الشمس) الشمس (ويتبع من كان يعبد القمر) القمر (ويتبع من كان يعبد الطواغيت) الطواغيت جمع طاغوت بالمثناة الفوقية وهو الشيطان والصنم، وصوب الطبري أنه كل طاغ طغى على الله فعبد من دونه ومفعول يتبع محذوف في الثلاثة واتباعهم لمن يعبدونه حينئذٍ باستمرارهم على الاعتقاد فيهم أو بأن يساقوا إلى النار قهرًا (وتبقى هذه الأمة) المحمدية أو أعم (فيها) بغير واو (منافقوها فيأتيهم الله) عز وجل إتيانًا لا نكيفه عار عن الحركة والانتقال إذ ذلك من نعوت الحدوث المتعالي عنه ربنا علوًّا كبيرًا وطريقة السلف المشهورة في هذا ونحوه أسلم والله تعالى بحقيقة المراد بذلك أعلم، وقيل معناه هنا أن يشهدهم رؤيته إذ العادة أن كل من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلا بالمجيء إليه فعبر عن الرؤية بالإتيان مجازًا أي يتجلى لهم تعالى حتى يروه (في غير الصورة التي يعرفون) لأجل من معهم من المنافقين الذين لا يستحقون الرؤية وهم عن ربهم محجوبون أو أن ذلك ابتلاء والدنيا وإن كانت دار ابتلاء فقد يتحقق فيها الجزاء في بعض الأحوال كما قال تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ [الشورى: ٣٠] فكذا الآخرة وإن كانت دار جزاء فقد يقع فيها الابتلاء بدليل أن القمر وهو أوّل منازل الآخرة يجري فيها الابتلاء بالسؤال وغيره وآثار التكاليف لا تنقطع إلا بعد الاستقرار في الجنة أو النار والتحقيق أن التكليف خاص بالدنيا وما يقع في القبر والموقف آثار ذلك (فيقول) الله لهم (أنا ٥٧٣ کتاب الرقاق/ باب ٥٢ ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك) لأنه أتاهم بصورة الأمر باتباع الباطل فلذا يقولون (هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا أتانا ربنا عرفناه) بما سبق لنا من معرفته عز وجل أنه لا يأمرنا بباطل وأنه منزه عن صفات هذه الصورة إذ سماتها سمات المحدثات، ورجح القاضي عياض أن في قوله: فيأتيهم الله محذوفًا تقديره فيأتيهم بعض ملائكة الله. قال: ولعل هذا الملك جاءهم في صورة أنكروها لما فيها من سمة الحدوث الظاهرة لأنه مخلوق. وقال القرطبي: هذا مقام الامتحان يمتحن الله به عباده ليميز المحق من المبطل وذلك أنه لما بقي المنافقون والمراؤون مختلطين بالمؤمنين والمخلصين زاعمين أنهم منهم وأنهم عملوا مثل عملهم وعرفوا الله مثل معرفتهم ظانين أن ذلك يجوز في ذلك الوقت كما جاز في الدنيا امتحنهم الله بأن أتاهم بصورة هائلة قال للجميع: أنا ربكم فأجابه المؤمنون بإنكار ذلك حتى أن بعضهم ليكاد أن ينقلب أي يزل فيوافق المنافقين، وقال في المفهم: وهذا لمن لا يكون له رسوخ العلماء ولا علمهم الذين اعتقدوا الحق وحوّموا عليه من غير بصيرة ولذا كان اعتقادهم قابلاً للانقلاب، وأما قولهم: نعوذ بالله منك، فقال الخطابي: يحتمل أن يكون صدر من المنافقين وتعقب بأنه لا يصح ولا یستقیم. (فيأتيهم الله) فيتجلى للمسلمين بعد تمييز المنافقين (في الصورة التي يعرفون) أي في صفته التي هو عليها من الجلال والكمال والتعالي عن صفات الحدوث بعد أن عرفهم بنفسه الشريفة ورفع الموانع عن أبصارهم (فيقول) لهم: (أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه) بتشديد الفوقية ولم يضبط الفوقية في اليونينية بتشديد ولا غيره أي أمر الله أو ملائكته الذين وكلوا بذلك (ويضرب) بضم أوّله وفتح ثالثه (جسر جهنم) بفتح الجيم وكسرها وهو الصراط (قال رسول الله التليفون : )فأكون أول من يجيز) زاد شعيب في روايته الماضية في فضل السجود يجوز بأمته. وقال النووي: أكون أنا وأمتي أول من يجوز على الصراط ويقطعه وإذا كان ◌َ ر هو وأمته أوّل من يجوز على الصراط لزم تأخير غيرهم عنهم حتى يجوزوا (ودعاء الرسل) عليهم السلام (يومئذ اللهم سلم سلم) بتكرير سلم مرتين (وبه) بالصراط (كلاليب) معلقة مأمورة بأحد من أمرت به. قال ابن العربي: وهذه الكلاليب هي الشهوات المشار إليها في حديث حفت النار بالشهوات فالشهوات موضوعة على جوانبها فمن اقتحم الشهوة سقط في النار لأنها خطاطيفها اهـ. والكلاليب المذكورة (مثل شوك السعدان) بفتح السين وسكون العين وفتح الدال المهملات وبعد الألف نون جمع سعدانة نبات ذو شوك (أما) بالتخفيف (رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: بلى) رأيناها، ولأبي ذر قالوا نعم (يا رسول الله: فإنها مثل شوك السعدان غير أنها) أي الشوكة (لا يعلم) ولأبي ذر عن الكشميهني أنه بضمير الشأن لا يعرف (قدر عظمها إلا الله) بكسر العين وفتح المعجمة وقال السفاقسي ضبطناه بضم العين وسكون الظاء والأول أشبه لأنه مصدر لا يعلم قدر كبرها إلا الله (فتخطف الناس بأعمالهم) بسبب أعمالهم القبيحة وتخطف بفتح الطاء وكسرها ٥٧٤ کتاب الرقاق/ باب ٥٢ وتشبيه الكلاليب بشوك السعدان خاص بسرعة اختطافها وكثرة الانتشاب فيها مع التحرز والتصوّن تمثيلاً لهم بما عرفوه في الدنيا وألفوه بالمباشرة، ثم استثنى إشارة إلى أن التشبيه لم يقع في مقدارهما قاله الزين بن المنير (منهم الموبق) بضم الميم وسكون الواو وفتح الموحدة بعدها قاف الهالك (بعلمه) وهو الكافر (ومنهم المخردل) بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة بينهما راء ساكنة وهو المؤمن العاصي. قال في الفتح: ووقع في رواية الأصيلي هنا المجردل بالجيم والجردلة الإشراف على السقوط، ووهاها القاضي عياض، ورجح ابن قرقول رواية الخاء المعجمة. قال الهروي: المعنى أن كلاليب النار تقطعه فيهوي في النار أو من الخردل أن تجعل أعضاءه كالخردل أو المخردل المصروع، ورجحه السفاقسي وقال: هو أنسب بسياق الخبر. (ثم ينجو) من ذلك. وعن أبي سعيد مما رواه ابن ماجة مرفوعًا: يوضع الصراط بين ظهراني جهنم على حسك كحسك السعدان ثم يستجيز الناس فناج مسلم ومخدوش به ثم ناج ومحتبس به ومنكوس فيها، وفي حديث أبي سعيد فناج مسلم ومخدوش مكدوس في جهنم حتى يمر آخرهم فيسحب سحبًا والمكدوس بالمهملة في مسلم وروي بالمعجمة ومعناه السوق الشديد ويؤخذ منه كما في بهجة النفوس أي المارين على الصراط ثلاثة أصناف: ناج بلا خدش، وهالك من أوّل وهلة، ومتوسط بينهما يصاب ثم ينجو، وكل قسم منهما ينقسم أقسامًا كما يعرف من قوله بقدر أعمالهم، وفيه مما ذكره في بهجة النفوس أن الصراط مع دقته وحدّته يسع جميع المخلوقين منذ آدم إلى قيام الساعة (حتى إذا فرغ الله) عز وجل (من القضاء بين عباده) أي حل قضاؤه بهم (وأراد أن يخرج) بضم أوله وكسر ثانيه (من النار من أراد أن يخرج) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أن يخرجه (ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله) وأن محمدًا رسول الله ويدخله الجنة بشفاعة نبينا وَ ل كما في حديث عمران بن الحصين السابق، أو إبراهيم كما في حديث حذيفة عند البيهقي، وأبي عوانة وابن حبان أو آدم كما في حديث عبد الله بن سلام عند الحاكم أو المؤمنين كما في حديث أبي سعيد في التوحيد ويجمع بأنهم كلهم شفعوا. وفي حديث أبي بكرة عند ابن أبي عاصم والبيهقي مرفوعًا: يحمل الناس على الصراط ثم ينجي الله من يشاء برحمته ثم يؤذن في الشفاعة للملائكة والنبيين والشهداء والصالحين فيشفعون ويخرجون (أمر) الله تعالى (الملائكة أن يخرجوهم) من النار (فيعرفونهم بعلامة آثار السجود) بجمع آثار (وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود) بتوحيد أثر وهذا جواب عن سؤال مقدر كأنه قيل كيف تعرف الملائكة أثر السجود مع قول أبي سعيد عند مسلم فأماتهم الله حتى إذا كانوا فحمًا أذن بالشفاعة فإذا صاروا فحمًا كيف يتميز محل السجود من غيره حتى يعرف أثره وحاصل الجواب تخصيص أعضاء السجود من عموم الأعضاء التي دل عليها خبر أبي سعيد وأن الله منع النار أن تحرق أثر السجود، وهل المراد أعضاء السجود السبعة الجبهة واليدان والركبتان ٥٧٥ کتاب الرقاق/ باب ٥٢ والقدمان أو الجبهة خاصة. قال النووي: المختار الأول واستنبط صاحب بهجة النفوس منه أن كل من كان مسلمًا ولكنه لا يصلي لا يخرج إذ لا علامة له، ولكنه يحتمل أن يخرج في القبضة لعموم قوله لم يعمل خيرًا قط كما في حديث أبي سعيد في التوحيد وفي حديث معبد عن الحسن البصري عن أنس في التوحيد فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله. قال: ليس ذلك لك، ولكن وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي وجبروتي لأخرجن من قال: لا إله إلا الله. قال البيضاوي: أي أنا أفعل ذلك تعظيمًا لاسمي وإجلالاً لتوحيدي وهو مخصص لعموم حديث أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله، وحمله في الفتح على أن المراد ليس لك مباشرة الإخراج لا أصل الشفاعة وتكون هذه الشفاعة الأخيرة وقعت في إخراج المذكورين. فأجيب إلى أصل الإخراج ومنع من مباشرته فنسبت إلى شفاعته (فيخرجونهم) من النار حال كونهم (قد امتحشوا) بضم الفوقية وكسر المهملة وضم المعجمة في الفرع قال في المطالع: وهي لأكثرهم. وعند أبي ذر والأصيلي امتحشوا بفتحهما يقال محشته النار وامتحش هو قال يعقوب بن السكيت: لا يقال محشته إنما هو أمحشته والصحيح أنهما لغتان والرباعي أكثر وامتحش غضبًا أي احترق قال الداودي: معناه انتحضوا واسودّوا اهـ. وقال في النهاية: والمحش احتراق الجلد وظهور العظم (فيصب) بضم التحتية وفتح الصاد المهملة (عليهم ماء يقال له ماء الحياة) بتاء التأنيث في آخره ضد الموت (فينبتون نبات الحبة) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة من بروز الصحراء (في حميل السيل) بفتح الحاء المهملة وكسر الميم أي ما يحمله وذلك أن الغثاء الذي يجيء به السيل تكون فيه الحبة فنقع في جانب الوادي فتصبح من يومها نابتة شبه بها لأنها أسرع في النبات من غيرها وفي السيل أسرع لما يجتمع فيه من الطين الرخو الحادث مع الماء (ويبقى رجل مقبل) ولأي ذر عن الكشميهني ويبقى رجل منهم مقبل (بوجهه على النار) وهو آخر أهل النار دخولاً الجنة وفي حديث حذيفة في أخبار بني إسرائيل أنه كان نباشًا وأنه قال لأهله: أحرقوني، وفي غرائب مالك للدارقطني من طريق عبد الملك بن الحكم وهو واهٍ عن مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا بأن آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة يقال له جهينة فيقول أهل الجنة عند جهينة الخبر اليقين وحكى السهيلي أنه جاء أن اسمه هناد وجوّز غيره أن يكون أحد الاسمين لأحد المذكورين والآخر للآخر وفي نوادر الأصول للترمذي الحكيم من حديث أبي هريرة بسند واهٍ أن أطول أهل النار فيها مكثًا من يمكث سبعة آلاف سنة (فيقول: يا رب قد قشبني) بفتح القاف والمعجمة والموحدة وكسر النون مخففًا أي آذاني وأهلكني (ريحها) أي النار (وأحرقني ذكاؤها) بفتح الذال المعجمة وبالهمز والمد. قال في الفتح: كذا للأصيلي وكريمة ولأبي ذر ذكاها بالقصر وهو الأشهر في اللغة أي لهبها واشتعالها وشدة وهجها (فاصرف وجهي عن النار) واستشكل بأنه ممن يمرّ على الصراط طالبًا الجنة فوجهه إلى الجنة. وأجيب: بأنه سأل أن يديم عليه صرف وجهه عنها (فلا يزال يدعو الله) تعالى أن يصرف وجهه عن النار (فيقول) تعالى له: (لعلك إن أعطيتك) ذلك (أن تسألني غيره) استفهام تقرير لأن ذلك ٥٧٦ كتاب الرقاق/ باب ٥٢ من عادة بني آدم والترجي راجع إلى المخاطب لا إلى الرب تعالى (فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره فيصرف) الله تعالى (وجهه عن النار). قال في الفتح: فيصرف بضم أوله على البناء للمجهول، وفي رواية شعيب فيصرف الله وجهه عن النار قلت: والأول هو الذي في الفرع (ثم يقول: بعد ذلك: يا رب قربني إلى باب الجنة فيقول) الله تعالى (أليس قد زعمت) وفي رواية شعيب السابقة في فضل السجود أليس قد أعطيت العهد والميثاق (أن لا تسألني غيره) أي غير صرف وجهك عن النار (ويلك ابن آدم) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي يا ابن آدم (ما أغدرك) بالغين المعجمة والدال المهملة فعل تعجب من الغدر ونقض العهد وترك الوفاء (فلا يزال يدعو) الله تعالى (فيقول) تعالى له (لعلي إن أعطيتك). بتحتية ثم فوقية ولأبي ذر عن الحموي والمستملي إن أعطيتك بضم الهمزة (ذلك) الذي طلبته (تسألني غيره. فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره فيعطي الله) عز وجل (من عهود ومواثيق) ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني وميثاق بالإفراد (أن لا يسأله غيره فيقربه إلى باب الجنة فإذا رأى ما فيها) في رواية شعيب فإذا بلغ بابها ورأى زهرتها وما فيها من النضرة ورؤيته لها يحتمل أن تكون بمعنى العلم بسطوع ريحها الطيب وأنوارها المضيئة كما كان يحصل له أذى لفح النار وهو من خارجها أو لأن جدارها شفاف فيرى ظاهرها من باطنها كما روي في غرفها (سكت ما شاء الله) عز وجل (أن يسكت ثم يقول) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ثم قال: (رب أدخلني الجنة، ثم يقول) الله تعالى له: (أوليس) بواو بعد الهمزة ولأبي ذر أولست بالمثناة الفوقية بعد السين (قد زعمت أن لا تسألني غيره ويلك يا ابن آدم ما أغدرك فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك) ممن دخل الجنة فهو لفظ عام أريد به الخاص ومراده أنه يصير إذا استمر خارجًا عن الجنة أشقاهم وكونه أشقاهم ظاهر لو استمرّ خارج الجنة وهم من داخلها (فلا يزال يدعو حتى يضحك) الله عز وجل منه وهو مجاز عن لازمه وهو الرضا (فإذا ضحك) رضي (منه أذن) بفتح الهمزة (له بالدخول فيها فإذا دخل فيها قيل تمنّ) ولأبي ذر قيل له تمنّ (من كذا) أي من الجنس الفلاني وقال المظهري من فيه للبيان يعني تمن من كل جنس ما تشتهي منه. قال الطيبي ونحوه يغفر لكم من ذنوبكم، ويحتمل أن تكون من زائدة في الإثبات على مذهب الأخفش (فيتمنى ثم يقال له: تمن من كذا فيتمنى حتى تنقطع به الأماني) وفي رواية أبي سعيد عند أحمد فيسأل ويتمنى مقدار ثلاثة أيام من أيام الدنيا وفي رواية التوحيد حتى إن الله ليذكره كذا من كذا (فيقول) أي الله (هذا) وللشكميهني فيقول له هذا (لك ومثله معه). ٦٥٧٤ - قالَ عَطاءٌ: وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُذْرِيُّ جالِسٌ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ لا يُغَيّرُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ حَتَّى أَنْتَهِى إِلى قَوْلِهِ: هذا لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ قَالَ: أَبُو سَعِيدٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ يَقُولُ: ((هذا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثالِهِ»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: حَفِظْتَ مِثْلَهُ مَعَهُ. (قال أبو هريرة) بالسند السابق (وذلك الرجل) المذكور (آخر أهل الجنة دخولاً) الجنة (قال عطاء) بن يزيد الراوي (وأبو سعيد الخدري) سقط لأبي ذر الخدري (جالس مع أبي هريرة) وهو ٥٧٧ کتاب الرقاق/ باب ٥٣ يحدث بهذا الحديث (لا يغير عليه شيئًا من حديثه) ولا يردّه عليه (حتى انتهى إلى قوله هذا لك ومثله معه. قال أبو سعيد: سمعت رسول الله - * يقول هذا لك وعشرة أمثاله. قال أبو هريرة: حفظت مثله معه) أي هذا لك ومثله معه وجمع القاضي عياض بينهما باحتمال أن يكون أبو هريرة سمع أولاً قوله ومثله معه فحدث به ثم إن النبي ◌ّر حدث بالزيادة فسمعه أبو سعيد والله أعلم. والحديث أخرجه أيضًا في التوحيد ومسلم في الإيمان والنسائي في الصلاة والتفسير. ٥٣ - باب فِي الْحَوْضِ وَقَوْلِ الله تَعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] وَقَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ زَيْدٍ: قالَ النَّبِيُّ وَّهِ: (أَصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ)). هذا (باب) بالتنوين (في الحوض) الذي لنبينا وَّر في الآخرة قال في الصحاح: الحوض واحد الأحواض والحياض وحضت أحوض اتخذت حوضًا واستحوض الماء اجتمع والمحوض بالتشديد شيء كالحوض يجعل للنخلة تشرب منه. وقال ابن قرقول: والحوض حيث تستقر المياه أي تجتمع لتشرب منها الإبل، واختلف في حوضه بَّر هل هو قبل الصراط أبو بعده؟ قال أبو الحسن القابسي: الصحيح أن الحوض قبل. قال القرطبي في تذكرته: والمعنى يقتضيه فإن الناس يخرجون عطاشًا من قبورهم، واستدل بما في البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا: بينا أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم. فقلت: أين؟ قال: إلى النار الحديث. ويأتي إن شاء الله تعالى في هذا الباب. قال القرطبي: فهذا الحديث يدل على أن الحوض يكون في الموقف قبل الصراط لأن الصراط إنما هو جسر على جهنم ممدود يجاز عليه فمن جازه سلم من النار اهـ. وقال آخرون: إنه بعد الصراط، وصنيع البخاري في إيراده لأحاديث الحوض بعد أحاديث الشفاعة بعد نصب الصراط مشعر بذلك، وفي حديث أنس عند الترمذي ما يدل له ولفظه: سألت رسول الله وَ﴿ أن يشفع لي فقال: ((أنا فاعل)). فقلت: أين أطلبك؟ قال: ((اطلبني أوّل ما تطلبني على الصراط)). قلت: فإن لم ألقك؟ قال: ((أنا عند الميزان)) قلت: فإن لم ألقك؟ قال ((أنا عند الحوض)). ويؤيده ظاهر قوله بَّر في حديث الحوض: ((من شرب منه لم يظمأ أبدًا)) لأنه يدل على أن الشرب منه يكون بعد الحساب والنجاة من النار لأن ظاهر حال من لا يظمأ أن لا يعذب بالنار. وأما حديث أبي هريرة السابق المستدل به على القبلية: فأجيب عنه: باحتمال أنهم يقربون من الحوض بحيث يرونه ويرون فيدفعون في النار قبل أن يخلصوا من بقية الصراط فليتأمّل. إرشاد الساري/ ج ١٣ / م ٣٧ ٥٧٨ کتاب الرقاق/ باب ٥٣ وأما قول صاحب التذكرة والصحيح أن له وَلقر حوضين أحدهما في الموقف قبل الصراط، والآخر داخل الجنة وكلاهما يسمى كوثرًا متعقب بأن الكوثر نهر داخل الجنة وماؤه يصب في الحوض، ويطلق على الحوض كوثر لكونه يمدّ منه، وفي حديث أبي ذر عند مسلم أن الحوض يشخب فيه ميزابان من الجنة، وقد سبق أن الصراط جسر جهنم، وأنه بين الجنة والموقف فلو كان الحوض دونه لحالت النار بينه وبين الماء الذي يصب من الكوثر في الحوض والله أعلم. وفي الترمذي عن سمرة رفعه: إن لكل نبيّ حوضًا وأشار إلى أنه اختلف في وصله وإرساله وأن المرسل أصح والمرسل أخرجه ابن أبي الدنيا بسند صحيح عن الحسن قال: قال رسول الله وَله ((إن لكل نبي حوضًا وهو قائم على حوضه بيده عصا يدعو من عرف من أمته ألا وإنهم يتباهون أيهم أكثر تبعًا وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تبعًا)) وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن سمرة موصولاً مرفوعًا مثله وفي سنده لين، وعند ابن أبي الدنيا عن أبي سعيد رفعه: وكل نبي يدعو أمته ولكل نبي حوض الحديث وفي إسناده لين، فالمختص به نبينا محمد وَّهر الكوثر الذي يصب من مائه في حوضه ولم ينقل نظيره لغيره، ولذا امتنّ الله تعالى عليه به في التنزيل. (وقول الله تعالى ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾) [التكوير: ١] وهو فوعل من الكثرة وهو المفرط الكثرة، واختلف في تفسيره فقيل: نهر في الجنة وهو المشهور والمستفيض عند السلف والخلف، وقيل أولاده لأن السورة نزلت ردًا على من عابه بعدم الأولاد وقيل الخير الكثير وقيل غير ذلك مما ذكرته في كتابي المواهب اللدنية بالمنح المحمدية. وقال: إنا أعطيناك بلفظ الماضي ولم يقل سنعطيك ليدل على أن هذا الإعطاء حصل في الزمن الماضي ولم يقل أعطيناك مكتفيًا بنون العظمة بل قال: إنا أعطيناك ليشعر بتوليته تعالى الإعطاء على وجه الاختصاص به دون غيره، وفي ذلك من الفخامة المبهجة ما فيه، وقد تواتر حديث الكوثر من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث وكذلك أحاديث الحوض. (وقال عبد اللَّه بن زيد) المازني مما وصله البخاري في حديث طويل بغزوة حنين (قال النبي ◌َّهُ: اصبروا) أي على ما ترون بعدي من الأثرة (حتى تلقوني على الحوض). ٦٥٧٥ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ حَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ سُلَيْمانَ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّه عَنِ النَّبِيّ وَهِ: (أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْخَوْضِ)). وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدثنا (يحيى بن حماد) الشيباني البصري قال: (حدثنا أبو عوانة) الوضاح (عن سليمان) بن مهران الأعمش (عن شقيق) بالشين المعجمة المفتوحة والقافين بينهما تحتية ساكنة أبي وائل بن سلمة (عن عبد اللَّه) بن مسعود رضي الله عنه (عن النبي تَّ) أنه قال : ٥٧٩ کتاب الرقاق/ باب ٥٣ (أنا فرطكم) بفتح الفاء والراء بعدها طاء مهملة (على الحوض) سابقكم إليه لأصله وأهيئه لكم فهنيئًا لوارديه جعلنا الله منهم بوجهه الكريم من غير عذاب إنه كريم وهاب قال: ٦٥٧٦ - وحدثني عَمْرُو بْنُ عَلِيّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ قالَ: سَمِعْتُ أَبا وائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّه رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النَّبِيّ ◌ََّ قالَ: ((أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَلَيُزْفَعَنَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي، فَأَقُولُ يا رَبّ أَصْحابِي؟ فَيُقالُ إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَخْدَثُوا بَعْدَكَ)). تابَعَهُ عاصِمٌ عَنْ أَبِي وائِلٍ وَقَالَ حُصَيْنٌ: عَنْ أَبِي وائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيّ ◌َِّ. (وحدثني) بالإفراد ولأبي ذر بإسقاط الواو (عمرو بن علي) أبو حفص الباهلي الصيرفي الفلاس البصري قال: (حدثنا محمد بن جعفر) غندر الهذلي مولاهم البصري الحافظ قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن المغيرة) بن مقسم الضبي أنه (قال: سمعت أبا وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود (رضي الله عنه عن النبي وَّز) أنه (قال): (أنا فرطكم على الحوض) فيه بشارة عظيمة لهذه الأمة المحمدية زادها الله شرفًا (وليرفعنّ) بفتح اللام وضم التحتية وسكون الراء وفتح الفاء المهملة وتشديد النون ليظهرنّ لي (رجال منكم) حتى أراهم ولأبي ذر وليرفعن معي رجال منكم (ثم ليختلجن دوني) بفتح اللام وضم التحتية وسكون المعجمة وفتح الفوقية واللام وضم الجيم مبنيًا للمفعول مسندًا إلى ضمير الجماعة مؤكدًا بالنون الثقيلة أي يجتذبون ويقتطعون عني (فأقول يا رب أصحابي) أي من أمتي (فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) من الردة عن الإسلام أو المعاصي (تابعه) أي الأعمش (عاصم) هو ابن أبي النجود الكوفي أحد القراء السبعة (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود وهذا وصله الحارث بن أبي أسامة في مسنده من طريق سفيان الثوري عن عاصم (وقال حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن عبد الرَّحمن الواسطي (عن أبي وائل) شقيق (عن حذيفة عن النبي وَّر) فخالف حصين الأعمش وعاصمًا وهذا وصله مسلم من طريق حصين. ٦٥٧٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّه حَدَّثَنِي نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: (أَمَامَكُمْ حَوْض كَمَا بَيْنَ جَرْباءَ وَأَذْرُحَ)). وبه قال: (حدثنا مسدد) بالميم والمهملات ثانيها مشدد ابن مسرهد بن مسربل البصري الحافظ أبو الحسن قال: (حدثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد الله) بضم العين ابن عمر العمري أنه قال: (حدثني) بالإفراد (نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي (وٍَّ ** ) أنه (قال): (أمامكم) بفتح الهمزة قدامكم (حوض) ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني حوضي بزيادة ٥٨٠ كتاب الرقاق/ باب ٥٣ ياء الإضافة (كما بين جرباء) بفتح الجيم والموحدة بينهما راء ساكنة آخره همزة ممدود في الفرع. وقال أبو عبيد البكري وعياض بالقصر. قال اليونيني: وكذا رأيته في أصل صحيح مقروء من رواية الحافظ أبي ذر ومن رواية الأصيلي اهـ. وصوّبه النووي في شرح مسلم وقال: إن المد خطأ وهو في البخاري بالمد، وقال الرشاطي: الجرباء على لفظ تأنيث الأجرب قرية بالشام (وأذرح) بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة وضم الراء بعدها حاء مهملة. قال ابن الأثير في نهايته: هما يعني جرباء وأذرح قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاث ليال، وهذا الذي قاله ابن الأثير تعقبه الصلاح العلائي فقال: هذا غلط بل بينهما غلوة سهم وهما معروفتان بين القدس والكرك ولا يصح التقدير بالثلاث بمخالفتها الروايات الآتية، لا سيما وقد قال الحافظ الضياء المقدسي في جزئه في الحوض: إن في سياق لفظها غلطًا لاختصار وقع في سياق الحديث من بعض الرواة، ثم ساقه من حديث أبي هريرة وأخرجه من فوائد عبد الكريم الديرعاقولي بسند حسن إلى أبي هريرة مرفوعًا في ذكر الحوض فقال فيه: عرضه مثل ما بينكم وبين جرباء وأذرح. قال الضياء: فظهر بهذا أنه وقع في حديث ابن عمر حذف تقديره كما بين مقامي وبين جرباء وأذرح فسقط مقامي وبين. وقال العلائي: ثبت المقدر المحذوف عند الدارقطني وغيره بلفظ ما بين المدينة وجرباء وأذرح اهـ. وقد اختلفت الروايات في ذلك ففي حديث ابن عمرو بفتح العين حوضي مسيرة شهر في هذا الباب، وحديث أنس فيه كما بين أيلة وصنعاء من اليمن، وحديث حارثة بن وهب فيه أيضًا كما بين المدينة وصنعاء، وفي حديث أبي هريرة أبعد من أيلة إلى عدن وهي تسامت صنعاء وكلها متقاربة لأنها كلها نحو شهر أو تزيد أو تنقص، وفي حديث عقبة بن عامر عند أحمد كما بين أيلة إلى الجحفة، وفي حديث جابر كما بين صنعاء إلى المدينة وكلها متقاربة ترجع إلى نحو نصف شهر أو تزيد على ذلك قليلاً أو تنقص، وأقل ما ورد في ذلك عند مسلم قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاثة أيام فقيل في الجمع إن هذه الأقوال صارت على وجه بأنه و لتر خاطب أهل كل جهة بما يعرفون من المواضع وهو تمثيل وتقريب لكل أحد ممن خاطبه بما يعرفه من تلك الجهات وبأنه ليس في ذكر المسافة القليلة ما يدفع الكثيرة فالأكثر ثابت بالحديث الصحيح فلا معارضة، فأخبر أولاً بالمسافة اليسيرة ثم أعلمه الله بالطويلة فأخبر بما تفضل الله به عليه باتساعه شيئًا فشيئًا فالاعتماد على أطولها. وأما قول بعضهم: الاختلاف إنما هو بالنظر إلى الطول والعرض فمردود بحديث ابن عمرو وزواياه سواء وحديث النواس وغيره طوله وعرضه سواء ومنهم من حمله على السير المسرع والبطيء، لكن في حمله على أقلها وهو الثلاث نظر إذ هو عسر جدًا لا سيما مع ما سبق والله الموفق. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الفضائل. ٦٥٧٨ - حدثني عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنا أَبُو بِشْرٍ وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ