النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ کتاب الرقاق/ باب ٢٦ عَنْ أَبِي مُوسى قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهَ: ((مَثَلِي وَمَثَلُ ما بَعَثَنِي الله كَمَثَلِ رَجُلِ أَتَّى قَوْمًا فَقالَ: رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ وَإِنِّي أَنَا الَّذِيرُ الْعُزْيانُ، فَالنَّجاءَ النَّجاءَ فَأَطاعَتْهُ طائِفَةٌ فَأَذْلَجُوا عَلَى مَهَلِهِمْ فَتَجَوْا، وَكَذَّبَتْهُ طائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ فَأَجْتَاحَهُمْ)) . وبه قال: (حدثنا) ولأبي ذر حدثني بالإفراد (محمد بن العلاء) بفتح العين ممدودًا ابن كريب الكوفي قال: (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة) اسمه عامر أو الحارث (عن) جده (أبي بردة عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه أنه (قال: قال رسول الله (وَ الد): (مثلي) بفتح الميم والمثلثة والمثل الصفة العجيبة الشأن يوردها البليغ على سبيل التشبيه لإرادة التقريب (ومثل ما بعثني الله) عز وجل أي به إليكم فالعائد محذوف (كمثل رجل أتى قومًا) بالتنكير للشيوع (فقال) لهم إني (رأيت الجيش) المعهود (بعيني) بتشديد التحتية بالتثنية، ولأبي ذر عن الكشميهني بعيني بالإفراد كذا في الفرع وأصله. وقال الحافظ ابن حجر: وبعيني بالتثنية للكشميهني (وإني أنا النذير العريان) بضم العين المهملة وسكون الراء بعدها تحتية من التعري قيل الأصل فيه أن رجلاً لقي جيشًا فسلبوه وأسروه فانفلت إلى قومه فقال: إني رأيت الجيش وسلبوني فرأوه عريانًا فتحققوا صدقه لأنهم كانوا يعرفونه ولا يتهمونه في النصيحة ولا جرت عادته بالتعريَ فقطعوا بصدقه لهذه القرائن فضرب النبي ول# لنفسه ولما جاء به مثلاً بذلك لما أبداه من الخوارق والمعجزات الدالة على القطع بصدقه تقريبًا لإفهام المخاطبين بما يألفونه ويعرفونه، وقيل المراد المنذر الذي تجرد عن توبه وأخذ يرفعه ويديره حول رأسه إعلامًا لقومه بالغارة وكان من عادتهم أن الرجل إذا رأى الغارة فجأتهم وأراد إنذار قومه يتعرى من ثيابه ويشير بها ليعلم أن قد فجأهم أمر مهم ثم صار مثلاً لكل ما يخاف مفاجأته (فالنجاء النجاء) بالمد والهمز فيهما في الفرع وبالقصر فيهما وبمد الأولى وقصر الثانية تخفيفًا ولأبي ذر فالنجاة بهاء التأنيث بعد الألف بالنصب في الكل على الإغراء أي اطلبوا النجاء أو النجاة بأن تسرعوا الهرب فإنكم لا تطيقون مقاومة ذلك الجيش (فأطاعته طائفة) ولأبي ذر فأطاعه بالتذكير لأن المراد بعض القوم (فأدلجوا) بهمزة قطع وسكون الدال المهملة وبعد اللام المفتوحة جيم مضمومة ساروا أول الليل أو كله (على مهلهم) بفتحتين بالسكينة والتأني وفي الفرع كأصله بسكون الهاء وهو الإمهال لكن قال: في الفتح إنه ليس مرادًا هنا (فنجوا) من العدوّ ولأبي ذر فادلجوا بالوصل وتشديد المهملة ساروا آخر الليل لكن قال في الفتح: إنه لا يناسب هذا المقام (وكذبته طائفة فصبحهم الجيش) أتاهم صباحًا (فاجتاحهم) بجيم ساكنة بعدها فوقية فألف فحاء مهملة استأصلهم أي أهلكهم. وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الاعتصام ومسلم في فضائل النبي وَله. ٦٤٨٣ - حدّثنا أَبُو الْيَمانِ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزّنادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ إرشاد الساري/ ج ١٣/ م ٣١ ٤٨٢ کتاب الرقاق/ باب ٢٦ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ◌ِّهَ يَقُولُ: ((إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَسْتَوْقَّدَ نارًا، فَلَمَّا أَضاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَراشُ وَهذِهِ الدَّوابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَفَعْنَ فِيها، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِيْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيها فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فیھا)). وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن عبد الرَّحمن) بن هرمز الأعرج (أنه حدثه) حدث أبا الزناد (أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ێ يقول): (إنما مثلي ومثل الناس) المراد بضرب المثل زيادة الكشف والتبيين ولضرب الأمثال في إبراز خفيات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق تأثير ظاهر واستعير المثل للحال أو الصفة أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة كأنه قيل حال الناس العجيبة الشأن في دعائي إياهم إلى الإسلام المنقذ لهم من النار ومثل ما زينت لهم أنفسهم من التمادي على الباطل (كمثل رجل) كحال رجل (استوقد) أوقد (نارًا) المثل في الثلاث بفتح الميم والمثلثة ووقود النار سطوعها وهو جوهر لطيف مضيء حار محرق واشتقاقها من نار ينور إذا نفر لأن فيها حركة واضطرابًا (فلما أضاءت ما حوله) الإضاءة فرط الإنارة ومصداقه قوله تعالى: ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورًا﴾ [يونس: ٥] وأضاءت متعدية فما موصولة مفعول به أي أضاءت النار ما حول المستوقد، ويجوز أن تكون متعدية فيسند الفعل إلى ما على تأويل أضاءت الأماكن التي حول المستوقد أو يسند إلى ضمير النار فعلى هذا ينتصب ما حوله على الظرفية أي أضاءت النار في الأمكنة التي حول المستوقد وإنما أضاء إشراق النار في حولها لا هي نفسها، لكن يجعل إشراق ضوء النار بمنزلة إشراق النار في نفسها لأن ضوء النار لما كان محيطًا بالمستوقد مشرقًا فيما حوله غاية الإشراق أسند الفعل إلى النار نفسها إسنادًا للفعل إلى الأصل كقولهم بنى الأمير المدينة قاله في فتوح الغيب وجواب فلما قوله (جعل الفراش) بفتح الفاء والراء المخففة وبعد الألف معجمة دواب مثل البعوض في الأصل واحدتها فراشة وهي التي تطير وتتهافت في السراج بسبب ضعف أبصارها فهي بسبب ذلك تطلب ضوء النهار فإذا رأت السراج بالليل ظنت أنها في بيت مظلم وأن السراج كوّة في البيت المظلم إلى الموضع المضيء ولا تزال تطلب الضوء وترمي بنفسها إلى الكوة فإذا جاوزتها ورأت الظلام ظنت أنها لم تصب الكوة ولم تقصدها على السداد فتعود إليها حتى تحترق (وهذه الدواب) جمع دابة (التي تقع في النار) كالبرغش والبعوض والجندب ونحوها (يقعن فيها فجعل الرجل) ولأبي ذر عن الكشميهني وجعل بالواو بدل الفاء (ينزعهن) بنون قبل الزاي وفي رواية يزعهن بإسقاط النون من وزعه يزعه وزعًا فهو وازع إذا كفه ومنعه (ويغلبنه) بسكون الغين المعجمة والموحدة (فيقتحمن فيها) فيدخلن في النار (فأنا آخذ بحجزكم) بضم الخاء المعجمة وبحجزكم بضم الحاء المهملة وفتح الجيم بعدها زاي جمع حجزة وهي معقد الإزار. قيل صوابه ٤٨٣ کتاب الرقاق/ باب ٢٦ بحجزهم بالهاء المهملة لأن السابق إنما مثلي ومثل الناس. وأجيب: بأنه التفات من الغيبة إلى الخطاب اعتناء بشأن الحاضرين في وقوع الموعظة من قلوبهم أتم موقع ومثل ذلك من محاسن الكلام، فكيف يدعي أن الصواب خلافه وفيه التفات من الغيبة في قوله: ومثل الناس إلى الخطاب في قوله وأنا آخذ بحجزكم (عن) المعاصي التي هي سبب للولوج في (النار) فهو من وضع المسبب موضع السبب (وهم) التفات من الخطاب في قوله بحجزكم إلى الغيبة ولأبي ذر عن الكشميهني وأنتم (يقتحمون) يدخلون (فيها). قال في شرح المشكاة: تحقيق التشبيه الواقع في هذا الحديث يتوقف على معرفة معنى قوله ﴿ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ [البقرة: ٢٢٩] وذلك أن حدود الله هي محارمه ونواهيه كما في الصحيح إلا أن حمى الله محارمه ورأس المحارم حب الدنيا وزينتها واستيفاء لذتها وشهواتها فشبه وطهر إظهار تلك الحدود من الكتاب والسنّة باستنقاذ الرجال من النار وشبه فشوّ ذلك في مشارق الأرض ومغاربها بإضاءة تلك النار ما حول المستوقد وشبه الناس وعدم مبالاتهم بذلك البيان وتعديهم حدود الله وحرصهم على استيفاء تلك اللذات والشهوات ومنعه إياهم عن ذلك بأخذ حجزهم بالفراش التي يقتحمن في النار ويغلبن المستوقد على دفعهنّ عن الاقتحام كما أن المستوقد كان غرضه من فعله انتفاع الخلق به من الاستضاءة والاستدفاء وغير ذلك والفراش لجهلها جعلته سببًا لهلاكها، فكذلك القصد بتلك البيانات اهتداء الأمة واجتنابها ما هو سبب هلاكهم وهم مع ذلك لجهلهم جعلوها مقتضية لتردّيهم وفي قوله: آخذ بحجزكم استعارة مثل حالة منعه الأمة عن الهلاك بحالة رجل أخذ بحجرة صاحبه الذي كان يهوي في مهواة مهلكة اهـ. وهذا الحديث سبق في باب قول الله تعالى ﴿ووهبنا لداود سليمان﴾ [ص: ٣٠] مختصرًا. ٦٤٨٤ - حدّثنا ◌َبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا زَكَرِيّا، عَنْ عامِرٍ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّه بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ وََّ: ((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهاجِرُ مَنْ هَجَرَ ما نَهَى الله عَنْهُ)). وبه قال: (حدثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدثنا زكريا) بن أبي زائدة (عن عامر) الشعبي أنه قال: (سمعت عبد الله بن عمرو) بفتح العين ابن العاص رضي الله عنه (يقول: قال النبي ◌َّر: المسلم) الكامل (من سلم المسلمون) والمسلمات (من لسانه ويده) إلا في حد أو تعزير أو تأديب مع انضمام باقي الصفات التي هي أركان الإسلام وعبّر باللسان دون القول ليدخل فيه من أخرج لسانه استهزاء بصاحبه وخص اليد لأن سلطنة الأفعال إنما تظهر بها (والمهاجر) أي المهاجر حقيقة (من هجر) ترك (ما نهى الله عنه) على لسان رسول الله وَلهو . وهذا من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام وفيه تطييب قلب من لم يهاجر إلى المدينة لفوات ذلك بفتح مكة أو قاله تنبيهًا للمهاجر أن لا يتكل على مجرد الهجرة ويقصر في العمل. ٤٨٤ کتاب الرقاق/ باب ٢٧ والحديث سبق في الإيمان. ٢٧ - باب قَوْلِ النَّبِيّ ◌َّ: (لَوْ تَعْلَمُونَ ما أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا)». (باب قول النبي ◌َّ لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا). ٦٤٨٥ - هذّثنا يَخْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ كانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لَوْ تَعْلَمُونَ ما أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكّئْتُمْ كَثِيرًا». وبه قال: (حدثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي قال: (حدثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين المهملة وفتح القاف بن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سعيد بن المسيب) بفتح الياء التحتية المشددة (أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يقول: قال رسول الله (َالخر): (لو تعلمون ما أعلم) من عقاب الله للعصاة وشدة مناقشته للعباد وكشف السرائر وجواب لو قوله (لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا) فكل من كان بربه أعرف كان من ربه أخوف ومن علامة شدة الخوف دوام انزعاج القلب لتوقع ما يستوجبه من العقوبة لما يأتيه من الجرم ونحول البدن والخشية والبكاء. ٦٤٨٦ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ بِّهِ: (لَوْ تَعْلَمُونَ ما أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكْتُمْ كَثِيرًا» . وبه قال: (حدثنا سليمان بن حرب) الواشحي قاضي مكة قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن موسى بن أنس) الأنصاري قاضي البصرة (عن) أبيه (أنس) أي ابن مالك (رضي الله عنه) أنه (قال: قال النبي) ولأبي ذر رسول الله (مَلي لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا) قال الشيخ أبو حامد: هذا الحديث من الأسرار التي أودعها الله قلب الأمين الصادق محمد وَل﴿ ولا يجوز إفشاء سرها فإن صدور الأحرار قبور الأسرار، بل كان يذكر لهم ذلك حتى يبكوا ولا يضحكوا فإن البكاء ثمرة شجرة حياة القلب الحي بذكر الله واستشعار عظمته وهيبته وجلاله والضحك نتيجة القلب الغافل عن ذلك اهـ. وفي الحديث كما قال في الكواكب: من البديع مقابلة الضحك بالبكاء والقلة بالكثرة ومطابقة كل منهما بالآخر . ٤٨٥ کتاب الرقاق/ باب ٢٨ و٢٩ ٢٨ - باب حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَواتِ هذا (باب) بالتنوين (حجبت النار بالشهوات) فمن هتك الحجاب بارتكاب الشهوات المحرمة كالزنا وغيره مما منع الشرع منه كان ذلك سببًا لوقوعه في النار أعاذنا الله من ذلك ومن سائر المهالك بمنه وكرمه. ٦٤٨٧ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قالَ: حَدَّثَنِي مالِكٌ عَنْ أَبِي الزَّنادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ قَالَ: ((حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَواتِ، وَحُجِبَتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكارِهِ». وبه قال: (حدثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام ابن أنس بن مالك الأصبحي أبو عبد اللَّه المدني (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرَّحْمن بن هرمز (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله وَّر قال): (حجبت النار بالشهوات) المستلذة مما منع الشارع من تعاطيه بالأصالة كالخمر والزنا والملاهي وإما لكون فعله يستلزم ترك شيء من الواجبات ويلتحق بذلك الشبهات والإكثار مما أبيح خشية أن يوقع في المحرم، والمعنى لا توصل إلى النار إلا بتعاطي الشهوات إذ هي محجوبة بها فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب ومثل ذلك ابن العربي هذا المتعاطي للشهوات الأعمى عن التقوى الذي قد أخذت الشهوات بسمعه وبصره فهو يراها ولا يرى النار التي هي فيها لاستيلاء الجهالة والغفلة على قلبه بالطائر الذي يرى الحبة في داخل الفخ وهي محجوبة به، ولا يرى الفخ لغلبة شهوة الحبة على قلبه وتعلق باله بها (وحجبت الجنة بالمكاره) مما أمر المكلف به كمجاهدة نفسه في العبادات والصبر على مشاقها والمحافظة عليها وكظم الغيظ والعفو والإحسان إلى المسيء والصبر على المصيبة والتسليم لأمر الله فيها واجتناب المنهيات، وأطلق عليها مكاره لمشقتها على العامل وصعوبتها عليها، ولمسلم ((حفت)) بالحاء المهملة المضمومة والفاء المفتوحة المشددة في الموضعين من الحفاف وهو ما يحيط بالشيء حتى لا يتوصل إليه إلا بتخطيه فالجنة لا يتوصل إليها إلا بقطع مفاوز المكاره والنار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات. وهذا الحديث من جوامع كلمه ◌َّير وبديع بلاغته في ذم الشهوات وإن مالت إليها النفوس والحض على الطاعات وإن كرهتها النفوس وشقت عليها. والحديث من أفراده وليس هو في الموطأ. ٢٩ - باب الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلى أَحَدِكُمْ مِنْ شِراكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذلِكَ هذا (باب) بالتنوين (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله) وهو السير الذي يدخل فيه إصبع الرجل ويطلق أيضًا على كل سير وقي به القدم من الأرض (والنار مثل ذلك). ٤٨٦ كتاب الرقاق/ باب ٢٩ ٦٤٨٨ - حدثني مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَالأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّه رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: قالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلى أَحَدِكُمْ مِنْ شِراكِ نَعْلِهِ وَالنَّارُ مِثْلُ ذلِكَ)). وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدثنا (موسى بن مسعود) النهدي بفتح النون أبو حذيفة البصري قال: (حدثنا سفيان) الثوري (عن منصور) هو ابن المعتمر (والأعمش) سليمان كلاهما (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد اللَّه) بن مسعود (رضي الله عنه) أنه (قال: قال النبي (وَلِر): (الجنة أقرب إلى أحدكم) إذا أطاع ربه (من شراك نعله والنار) إذا عصاه (مثل ذلك) فلا يزهدن في قليل من الخير فلعله يكون سببًا لرحمة الله به ولا في قليل من الشر أن يجتنبه فربما يكون فيه سخط الله تعالى أسأل الله تعالى العافية. والحديث من أفراده. ٦٤٨٩ - حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ النَّبِيّ ◌َّرِ قَالَ: ((أَصْدَقُ بَيْتٍ قَالَهُ الشَّاعِرُ: أَلَا كُلِّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ بَاطِلُ)) وبه قال: (حدثني) بالإفراد (محمد بن المثنى) بن عبيد العنزي بفتح النون بعدها زاي البصري المعروف بالزمن قال: (حدثنا غندر) محمد بن جعفر البصري قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن عبد الملك بن عمير) بضم العين مصغرًا (عن أبي سلمة) بن عبد الرَّحمن بن عوف (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن النبي نَّه) أنه (قال): (أصدق بيت قاله الشاعر) لبيد بن ربيعة العامري ثم الكلابي ثم الجعفري يكنى أبا عقيل ذكره البخاري وابن خيثمة وغيرهما في الصحابة سكن الكوفة ومات بها في خلافة عثمان وعاش مائة وخمسين سنة وقيل أكثر (ألا كلّ شيء ما خلا الله) أي ما عداه تعالى وعدا صفاته الذاتية والفعلية (باطل) أي هالك وكل شيء سوى الله جائز عليه الفناء وإن خلق فيه البقاء بعد ذلك كالجنة والنار، وأطلق البيت وأراد به البعض فإن الذي ذكره هنا نصفه وهو المصراع الأول، أو المراد هو ومصراعه الآخر وهو: وكل نعيم لا محالة زائل. وفي رواية شريك عند مسلم أشعر كلمة تكلمت بها العرب. ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إن كل شيء ما خلا الله في الدنيا الذي لا يؤول إلى طاعة الله ولا يقرب منه إذا كان باطلاً يكون الاشتغال به مبعدًا من الجنة مع كونها أقرب إليه من ٤٨٧ کتاب الرقاق/ باب ٣٠ شراك نعله والاشتغال بالأمور التي هي داخلة في أمر الله تعالى يكون مبعدًا من النار مع كونها أقرب إليه من شراك نعله قاله في عمدة القاري، وقال: إنه من الفيض الإلهي الذي وقع في خاطره، وقال في فتح الباري: مناسبة الحديث الثاني للترجمة خفية وكأن الترجمة لما تضمنت ما في الحديث الأول من التحريض على الطاعة، ولو قلت والزجر عن المعصية، ولو قلت تضمنت أن من خالف ذلك إنما يخالفه لرغبة في أمر من أمور الدنيا وكل ما في الدنيا باطل كما صرح به الحديث الثاني فلا ينبغي للعاقل أن يؤثر الفاني على الباقي. والحديث سبق في أيام الجاهلية. ٣٠ - باب لِيَنْظُرْ إِلى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ، وَلا يَنْظُرْ إِلى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (لينظر) أي الإنسان (إلى من هو أسفل منه) من الناس في الدنيا (ولا ينظر إلى من هو فوقه) فيها ليشكر الله على ما أنعم به عليه. ٦٤٩٠ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قالَ: حَدَّثَنِي مالِكٌ عَنْ أَبِي الزّنادِ، عَنْ الأَغْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ ﴿ قَالَ: ((إِذا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلى مَنْ فُضْلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ، فَلْيَنْظُرْ إِلى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ)). وبه قال: (حدثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام الأصبحي (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرَّحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن رسول الله وَلاغير) أنه (قال): (إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه) بضم الفاء وكسر الضاد المعجمة المشددة (في المال والخلق) بفتح الخاء المعجمة أي الصورة ويحتمل أن يدخل فيه الأولاد والأتباع وكل ما يتعلق بزينة الحياة الدنيا قال: في الفتح ورأيته في نسخة معتمدة في الغرائب للدار قطني والخلق بضم المعجمة واللام (فلينظر إلى من هو أسفل منه) فيهما وأسفل بفتح اللام مصححًا عليها في الفرع ويجوز الرفع. وزاد مسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم، وفي حديث عبد الله بن الشخير رفعه أقلوا الدخول على الأغنياء فإنه أحرى أن لا تزدروا نعمة الله عليكم رواه الحاكم، والازدراء الاحتقار والانتقاص، ولا ريب أن الشخص إذا نظر إلى من هو فوقه لم يأمن أن يؤثر ذلك فيه فدواؤه أن ينظر إلى من هو أسفل منه ليكون ذلك داعيًا إلى الشكر وقال: ابن بطال لا يكون أحد على حالة سيئة من الدنيا إلا يجد من أهلها ما هو أسوأ حالاً منه فإذا تأمل ذلك علم أن نعمة الله وصلت إليه دون كثير ممن فضل عليه بذلك من غير إبراز حبه فيعظم اغتباطه بذلك نعم ينظر إلى من فوقه في الدين فيقتدي به فيه، وفي نسخة عمرو بن أبي شعيب عن أبيه عن جده رفعه خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرًا صابرًا من نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله به عليه ومن نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به. ٤٨٨ كتاب الرقاق/ باب ٣١ ٣١ - باب مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ أَوْ بِسَيَّةٍ (باب من همّ بحسنة أو بسيئة). ٦٤٩١ - حدثنا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوارِثِ، حَدَّثَنَا جَعْدٌ أَبُو عُثْمانَ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجاءٍ الْعُطارِدِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ فِيمَا يَزْوي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: قالَ: ((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالْسَّيِئَاتِ، ثُمَّ بَيْنَ ذلِكَ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةٌ كامِلَةٌ، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِها فَعَمِلَها كَتَبَها الله لَهُ عِنْدَهُ عَشَرَ حَسَناتٍ إِلى سَبْعِمائَةٍ ضِعْفٍ إِلى أَضْعافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيْئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كَتَّبَها الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِها فَعَمِلَها كَتَبَهَا الله لَهُ سَيْئَةٌ واحِدَةً» . وبه قال: (حدثنا أبو معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة عبد الله بن عمرو بن الحجاج المنقري بكسر الميم وفتح القاف بينهما نون ساكنة قال: (حدثنا عبد الوارث) بن سعيد قال: (حدثنا جعد) بفتح الجيم وسكون العين بعدها دال مهملتين ولأبي ذر جعد بن دينار (أبو عثمان) الرازي التابعي الصغير قال: (حدثنا أبو رجاء) عثمان بن تميم (العطاردي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ◌َّر فيما يروي عن ربه عز وجل) مما تلقاه بلا واسطة أو بواسطة الملك وهو الراجح أنه (قال): (قال: إن الله) عز وجل (كتب الحسنات والسيئات) أي قدرهما في علمه على وفق الواقع أو أمر الحفظة أن تكتب ذلك (ثم بين) أي فصل (ذلك) الذي أجمله في قوله كتب الحسنات والسيئات بقوله (فمن همّ بحسنة) زاد خريم بن فاتك في حديثه المرفوع المروي في سنن أحمد وصححه ابن حبان يعلم الله أنه قد أشعر بها قلبه وحرص عليها (فلم يعملها) بفتح الميم (كتبها الله) قدرها أو أمر الملائكة الحفظة بكتابتها (له) أي للذي هم (عنده) تعالى (حسنة كاملة) لا نقص فيها فلا يتوهم نقصها لكونها نشأت عن الهم المجرد، ولا يقال إن التعبير بكاملة يدل على أنها تضاعف إلى عشر لأن ذلك هو الكمال لأنه يلزم منه مساواة من نوى الخير بمن فعله والتضعيف مختص بالعامل قال تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠] والمجيء بها هو العمل بها والعندية هنا للشرف، ويحتمل أن يكتبها تعالى بمجرد الهم وإن لم يعزم عليها زيادة في الفضل، وقيل إنما تكتب الحسنة بمجرد الإرادة لأن إرادة الخير سبب إلى العمل وإرادة الخير خير لأن إرادة الخير من عمل القلب وقوله فلم يعملها ظاهره حصول الحسنة بمجرد الترك لمانع أو لا، ويتجه أن يتفاوت عظم الحسنة بحسب المانع فإن كان خارجيًا قصد الذي هم مستمر فهي عظيمة القدر وإن كان الترك من قبل الذي هم فهي دون ذلك فإن قصد الإعراض عنها جملة، فالظاهر أن لا يكتب له حسنة أصلاً لا سيما إن عمل بخلافها كأن هم أن يتصدق بدرهم مثلاً فصرفه بعينه في معصية فإن قلت كيف اطلع الملك على قلب الذي يهم به العبد أجيب بأن الله تعالى يطلعه على ٤٨٩ كتاب الرقاق/ باب ٣١ ذلك ويخلق له علمًا يدرك به ذلك، ويدل للأوّل حديث أبي عمران الجوني عند ابن أبي الدنيا قال: ينادي الملك اكتب لفلان كذا وكذا فيقول: يا رب إنه لم يعمله فيقول إنه نواه وقيل بل يجد الملك للهم بالحسنة رائحة طيبة والسيئة رائحة خبيثة (فإن هو همّ بها) بالحسنة وسقط لفظ هو لأبي ذر (فعملها) بكسر الميم ولأبي ذر وعملها بالواو بدل الفاء (كتبها الله) قدرها أو أمر الحفظة بكتابتها (له) للذي عملها (عنده) تعالى اعتناء بصاحبها وتشريفًا له (عشر حسنات) قال تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠] وهذا أقل ما وعد به من الأضعاف (إلى سبعمائة ضعف) بكسر الضاد مثل (إلى أضعاف كثيرة) بحسب الزيادة في الإخلاص وصدق العزم وحضور القلب وتعدي النفع قال في الكشاف: ومضاعفة الحسنات فضل ومكافأة السيئات عدل، ونقل صاحب فتوح الغيب عن الزجاج أنه قال: المعنى غامض لأن المجازاة من الله تعالى على الحسنة بدخول الجنة شيء لا يبلغ وصف مقداره فإذا قال: عشر أمثالها أو سبعمائة أو أضعافًا كثيرة فمعناه أن جزاء الله تعالى على التضعيف للمثل الواحد الذي هو النهاية في التقدير وفي النفوس. قال الطيبي: فعلى هذا لا يتصوّر في الحسنات إلا الفضل (ومن همّ بسيئة فلم يعملها) بفتح الميم خوفًا من الله تعالى كما في حديث أبي هريرة من طريق الأعرج الآتي إن شاء الله تعالى في التوحيد (كتبها الله) عز وجل قدرها أو أمر الحفظة بكتابتها (له) للذي هم بها (عنده حسنة كاملة) غير ناقصة ولا مضاعفة إلى العشر. وحديث ابن عباس هذا مطلق قيد بحديث أبي هريرة أو يقال حسنة من ترك بغير استحضار الخوف دون حسنة الآخر، أو يحمل كتابة الحسنة على الترك أن يكون التارك قد قدر على الفعل ثم تركه لأن الإنسان لا يسمى تاركًا إلا مع القدرة، فإن حال بينه وبين حرصه على الفعل مانع فلا. وذهب القاضي الباقلاني وغيره إلى أن من عزم على المعصية بقلبه ووطن عليها نفسه أنه يأثم، وحمل الأحاديث الواردة في العفو عمن هم بسيئة ولم يعملها على الخاطر الذي يمرّ بالقلب ولا يستقر. قال الماوردي: وخالفه كثير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، ونقل ذلك عن نص الشافعي ويدل له حديث أبي هريرة عند مسلم بلفظ: فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإن الظاهر أن المراد العمل هنا عمل الجارحة بالمعصية المهموم بها وتعقبه القاضي عياض بأن عامة السلف على ما قاله ابن الباقلاني لاتفاقهم على المؤاخذة بأعمال القلوب، لكنهم قالوا: إن العزم على السيئة يكتب سيئة مجرّدة لا السيئة التي هم أن يعملها كمن يأمر بتحصيل معصية ثم لا يفعلها بعد حصولها فإنه يأثم بالأمر المذكور لا بالمعصية وقد تظاهرت نصوص الشريعة بالمؤاخذة على عزم القلب المستقر كقوله تعالى: ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم﴾ [النور: ١٩]. والحاصل أن كثيرًا من العلماء على المؤاخذة بالعزم المصمم، وافترق هؤلاء فمنهم من قال يعاقب عليه في الدنيا بنحو الهم والغم، ومنهم من قال: يوم القيامة لكن بالعتاب لا بالعقاب واستثنى قوم ممن قال: بعدم المؤاخذة على الهم بالمعصية ما وقع بحرم مكة ولو لم يصمم لقوله تعالى ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ [الحج: ٢٥] لأن الحرم يجب اعتقاد ٤٩٠ کتاب الرقاق/ باب ٣٢ تعظيمه فمن همّ بالمعصية فيه خالف الواجب بانتهاك حرمته وانتهاك حرمة الحرم بالمعصية يستلزم انتهاك حرمة الله على ما لا يخفى فصارت المعصية في الحرمة أشد من المعصية في غيره ومن هم بالمعصية قاصدًا الاستخفاف بالحرم عصى ومن همّ بمعصية الله قاصدًا الاستخفاف بالله كفر وإنما العفو عنه الهم بالمعصية مع الذهول عن قصد الاستخفاف اهـ ملخصًا من الفتح. (فإن هو همّ بها) أي بالسيئة وثبت لفظ هو لأبي ذر عن الحموي والمستملي (فعملها) بكسر الميم (كتبها الله له) للذي عملها (سيئة واحدة) من غير تضعيف ولمسلم من حديث أبي ذر فجزاؤه بمثلها أو يغفر له، وله في آخر حديث ابن عباس أو يمحها أي يمحها بالفضل أو بالتوبة أو بالاستغفار أو بعمل الحسنة التي تكفر السيئة، واستثنى بعضهم وقوع المعصية في حرم مكة لتعظيمها والجمهور على التعميم في الأزمنة والأمكنة لكن قد تتفاوت بالعظم. وفي الحديث بيان سعة فضل الله على هذه الأمة إذ لولا ذلك كاد أن لا يدخل أحد الجنة لأن عمل العباد للسيئات أكثر من عملهم للحسنات. والحديث أخرجه مسلم في الإيمان والنسائي في القنوت والرقائق. ٣٢ - باب ما يُتَّقى مِنْ مُحقّراتِ الذُّنُوب (باب ما يتقى) بضم أوله وفتح ثالثه أي ما يجتنب (من محقرات الذنوب) بفتح القاف المشددة وهي التي يحتقرها فاعلها. ٦٤٩٢ - حدّثنا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٍّ، عَنْ غَيْلانَ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمالاً هِيَ أَدَقُ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا نَعُدُّ عَلى عَهْدِ النَّبِيّ وَِّ الْمُوبِقاتِ . قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: يَعْنِي بِذلِكَ الْمُهْلِكاتِ. وبه قال: (حدثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدثنا مهدي) بفتح الميم وسكون الهاء وكسر الدال المهملة بعدها تحتية مشددة ابن ميمون الأزدي (عن غيلان) بفتح الغين المعجمة وسكون التحتية بوزن عجلان . قال في المقدمة: هو ابن جرير، وقال في الفتح: هو ابن جامع والسند كله بصريون اهـ. وما في المقدمة هو الصواب فإن ابن جامع وهو المحاربي كوفيّ قاضيها يروي عن قتادة وسماك وابن جرير وهو الأزدي المعولي بصري يروي (عن أنس رضي الله عنه) أنه (قال: إنكم لتعملون) بلام التأكيد (أعمالاً هي أدق) بفتح الهمزة والدال المهملة وتشديد القاف أفعل تفضيل من الدقة بكسر الدال أي أحقر وأهون (في أعينكم من الشعر) بفتح المعجمة والمهملة (إن كنا نعدّ) إن مخففة من الثقيلة وحذف الضمير من نعدّ واللام وهو رواية أبي ذر عن الحموي والمستملي قال ابن مالك: جاز استعمال إن المخففة بدون اللام الفارقة بينها وبين النافية عند الامن من الالتباس ٤٩١ کتاب الرقاق/ باب ٣٣ وللكشميهني نعدها أي الأعمال ولغيره كما قال: في الفتح إنه للأكثر لنعدها (على عهد النبيّ) أي زمنه وأيامه ولأبي ذر على عهد رسول الله (َ﴿ الموبقات) بموحدة وقاف وللكشميهني من الموبقات. (قال أبو عبد الله) البخاري: (يعني بذلك) أي بالموبقات (المهلكات) بكسر اللام وسقط لفظ بذلك لأبي ذر قال الكرماني ومعنى الحديث راجع إلى قوله تعالى ﴿وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم﴾ [النور: ١٥] اهـ. وقد جزع بعضهم عند الموت فقيل له في ذلك فقال: إني أخاف ذنبًا لم يكن مني على بال وهو عند الله عظيم، وعن أبي أيوب الأنصاري إن الرجل ليعمل الحسنة فيثق بها وينسى المحقرات فيلقى الله وقد أحاطت به، وإن الرجل ليعمل السيئة فلا يزال منها مشفقًا حتى يلقى الله آمنًا أخرجه أسد بن موسى في الزهد. ٣٣ - باب الأَعْمالُ بِالْخَواتِيم وَما يُخافُ مِنْها هذا (باب) بالتنوين (الأعمال بالخواتيم) جمع خاتمة أي الأعمال التي يختم بها عمل الإنسان عند موته (وما يخاف منها) بضم التحتية وفتح المعجمة . ٦٤٩٣ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشِ الأَلَهانِيُّ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيّ قالَ: نَظَرَ النَّبِيِّ ◌ِ ﴿ إِلى رَجُلِ يُقاتِلُ الْمُشْرِكِينَ وَكانَ مِنْ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ غَنَاءً عَنْهُمْ، فَقالَ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلى هذا»، فَتَبِعَهُ رَجُلٌ فَلَمْ يَزَلْ عَلى ذلِكَ حَتَّى جُرِحَ فَأَسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَقالَ بِذُبابَةِ سَيْفِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ ثَذْيَيْهِ فَتَحَامَلَ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ، فَقالَ النّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِخَواتِيمِها)». وبه قال: (حدثنا علي بن عياش) بالتحتية والمعجمة (الألهاني) بفتح الهمزة وسكون اللام وبعد الهاء ألف فنون (الحمصي) بكسر المهملتين بينهما ميم ساكنة وسقط قوله الألهاني وما بعده لغير أبي ذر قال: (حدثنا أبو غسان) بفتح الغين المعجمة والمهملة المشددة محمد بن مطرف (قال: حدثني) بالإفراد (أبو حازم) سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد الساعدي) رضي الله عنه أنه (قال: نظر النبي ( 18) وهو في غزوة خيبر (إلى رجل) اسمه قزمان بقاف مضمومة فزاي ساكنة فميم فألف فنون (يقاتل المشركين) من يهود خيبر (وكان من أعظم المسلمين غناء عنهم) بفتح الغين المعجمة وبعد النون ألف فهمزة كفاية وأغنى فلان عن فلان ناب عنه وجرى مجراه (فقال) قالت: ٤٩٢ کتاب الرقاق/ باب ٣٤ (من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا) الرجل (فتبعه رجل) اسمه أكثم بن أبي الجون (فلم يزل على ذلك) من قتال المشركين (حتى جرح) بضم الجيم مبنيًّا للمفعول جرحًا شديدًا وجد ألمه (فاستعجل الموت فقال بذبابة سيفه) طرفه (فوضعه بين ثدييه فتحامل) اتكأ (عليه حتى خرج) السيف (من بين كتفيه) فقتل نفسه (فقال النبي ◌َّر: إن العبد ليعمل فيما يرى) يظن (الناس عمل أهل الجنة وإنه لمن أهل النار ويعمل فيما يرى الناس عمل أهل النار وهو من أهل الجنة) فيه أن ظاهر الأعمال من السيئات والحسنات أمارات وليست بموجبات فإن مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاء وجرى به القدر في البداية (وإنما الأعمال بخواتيمها) هو تذييل للكلام السابق مشتمل على معناه لمزيد التقرير كقولهم فلان ينطق بالحق والحق أبلج وفيه أن العمل السابق لا عبرة به، وإنما المعتبر العمل الذي ختم به وفيه حث على مواظبة الطاعات ومراقبة الأوقات وعلى حفظها عن معاصي الله خوفًا أن يكون ذلك آخر عمره وفيه زجر عن العجب والفرح بالأعمال، فرب متكل هو مغرور فإن العبد لا يدري ماذا يصيبه في العاقبة. والحديث سبق في الجهاد في باب لا يقال فلان شهيد ويأتي إن شاء الله تعالى في كتاب القدر بعون الله وتوفيقه. ٣٤ - باب الْعُزْلَةُ راحَةٌ مِنْ خُلاَّطِ السَّوْءِ هذا (باب) بالتنوين (العزلة) أي الانفراد (راحة من خلاط السوء) بضم الخاء المعجمة وتشديد اللام جمع خليط وهو جمع مستغرب والسوء بفتح السين. ٦٤٩٤ - حدّثنا أَبُو الْيَمانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيّ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّ أَبا سَعِيدٍ حَدَّثَهُ قَالَ: قِيلَ يا رَسُولَ الله، وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا الأَوْزاعِيُّ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيّ جَاءَ أَغْرابِيٍّ إِلى النَّبِيّ ◌َرِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قالَ: ((رَجُلٌ جاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمالِهِ، وَرَجُلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشعابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرّهِ». تابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَالنُّعْمَانُ عَنِ الزُّهْرِّ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: عَنٍ الزُّهْرِيّ، عَنْ عَطاءٍ أَوْ عُبَيْدِ اللَّه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيّ ◌َ. وَقَالَ يُونُسُ وَابْنُ مُسافِرٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ: عَنْ عَطاءٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِّ نَّهَ عَنِ النَّبِيّ ◌ََّ. وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (حدثنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (حدثني) بالإفراد (عطاء بن يزيد) الليثي (أن أبا سعيد) سعد بن مالك الخدري (حدثه قال: قيل يا رسول الله. وقال محمد بن يوسف) الفريابي (حدثنا الأوزاعي) عبد الرَّحمن بن عمرو الحافظ الفقيه الزاهد قال: (حدثنا الزهري) محمد بن مسلم (عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد الخدري) رضي الله عنه أنه (جاء) ولأبي ذر قال: ٤٩٣ کتاب الرقاق/ باب ٣٤ جاء (أعرابي) لم أقف على اسمه ولا يقال إنه أبو ذر إذ لا يحسن أن يقال إنه أعرابيّ (إلى النبي قبَلقول فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال) وَّ خيرهم: (رجل جاهد) في سبيل الله (بنفسه وماله ورجل في شعب من الشعاب) بكسر الشين المعجمة فيهما طريق في الجبل (يعبد ربه) فيه (ويدع الناس) يتركهم (من شره) زاد مسلم من وجه آخر ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة حتى يأتيه اليقين (تابعه) أي تابع شعيبًا (الزبيدي) بضم الزاي وفتح الموحدة محمد بن الوليد السامي فيما رواه مسلم (وسليمان بن كثير) العبدي فيما رواه أبو داود (والنعمان) بن راشد الجزري فيما وصله أحمد (عن الزهري) محمد بن مسلم (وقال معمر) هو ابن راشد (عن الزهري عن عطاء) هو ابن يزيد (أو) عن (عبيد اللَّه) بضم العين مصغرًا ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود أو للشك (عن أبي سعيد) الخدري (عن النبي (وَي) وهذا أخرجه أحمد عن عبد الرزاق، وقال: يشك أحمد. وأخرجه مسلم عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر عن عطاء بغير شك. (وقال يونس) بن يزيد الأيلي فيما وصله الذهلي في الزهريات (وابن مسافر) عبد الرَّحمن بن خالد بن مسافر فيما وصله الذهلي في الزهريات (ويحيى بن سعيد) الأنصاري فيما وصله الذهلي أيضًا (عن ابن شهاب) الزهري (عن عطاء) أي ابن يزيد (عن بعض أصحاب النبي وَّ) قال الكرماني: لعله أبو سعيد الخدري (عن النبي ◌َّ). ٦٤٩٥ - حدثنا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا الْمَاجِشُونُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحمن بنٍ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ ◌ٍَّ يَقُولُ: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمانٌ خَيْرُ مالِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ الْغَثَمُ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبالِ، وَمَواقِعَ الْقَطْرِ يَفِرْ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ)). وبه قال: (حدثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدثنا الماجشون) بكسر الجيم وضم الشين المعجمة ورفع النون عبد العزيز بن عبد اللَّه (عن عبد الرَّحمن بن أبي صعصعة) هو عبد الرَّحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة (عن أبيه) عبد الله بن أبي صعصعة (عن أبي سعيد) ولأبي الوقت زيادة الخدري (أنه سمعه يقول: سمعت النبي ◌َّهر يقول): (يأتي على الناس زمان خير مال الرجل المسلم الغنم) فيه حذف تقديره يكون فيه خير الخ وسقط لفظ الرجل لأبي ذر (يتبع) بسكون الفوقية (بها) بالغنم (شعف الجبال) بفتح الشين المعجمة والعين المهملة بعدها فاء رؤوس الجبال (ومواقع القطر) بطون الأودية إذ هما أماكن الرعي (يفر بدينه) بسبب دينه (من الفتن) وفي قوله: يأتي على الناس زمان الخ إشارة إلى أن خيرية العزلة تكون في آخر الزمان أما زمنه ◌َّلتر فكان الجهاد فيه مطلوبًا، وأما بعده فتختلف باختلاف الأحوال كما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى بعون الله في كتاب الفتن، وقد قال أبو القاسم القشيري رحمه الله: الخلوة صفة أهل الصفوة، والعزلة من أمارات الوصلة، ولا بدّ للمريد في ابتداء حاله من العزلة ٤٩٤ کتاب الرقاق/ باب ٣٥ عن أبناء جنسه ثم في نهايته من الخلوة لتحققه بأنسه ومن حق العبد إذا آثر العزلة أن يعتقد باعتزاله عن الخلق سلامة الناس من شره اهـ. وفي العزلة فوائد: التفرغ للعبادة وانقطاع طمع الناس عنه وعتبهم عليه والخلاص من مشاهدة الثقلاء والحمقى ويحصل بالمخالطة غالبًا الغيبة والرياء والمخاصمة وسرقة الطبع الرذائل. قال الجنيد: مكابدة العزلة أيسر من مداراة الخلطة اهـ. وإنما كان ذلك لأن مكابدة العزلة اشتغال بالنفس خاصة وردّ لها عما تشتهيه بخلاف مداراة الخلطة بالناس مع اختلاف أخلاقهم وشهواتهم وأغراضهم وما يبدو منهم من الأذى وما يحتاج إليه من الحلم والصفح. نعم قد تجب الخلطة لتحصيل علم أو عمل. ٣٥ - باب رَفْع الأَمانَةِ (باب رفع الأمانة) من الناس حتى يكون الأمين كالمعدوم أو معدومًا. ٦٤٩٦ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمانَ، حَدَّثَنَا هِلالُ بْنُ عَلِيّ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا ضُيّعَتِ الأَمانَةُ فَأَنْتَظَرِ السَّاعَةَ)) قالَ: كَيْفَ إِضاعَتُها يا رَسُولَ الله؟ قالَ: ((إِذا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلى غَيْرِ أَهْلِهِ فَأَنْتَظِرِ السَّاعَةَ)). وبه قال: (حدثنا محمد بن سنان) بكسر المهملة وتخفيف النون العوفي قال: (حدثنا فليح بن سليمان) العدوي مولاهم المدني قال: (حدثنا هلال بن علي) ويقال له هلال بن أبي ميمونة وهلال بن أبي هلال وقد يظن ثلاثة وهو واحد من صغار التابعين (عن عطاء بن يسار) مولى ميمونة بنت الحارث (عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال: قال رسول الله وَليد): (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة) بضم الضاد المعجمة وكسر التحتية المشددة وهو جواب عن سؤال الأعرابي حيث قال: متى الساعة كما في الحديث المذكور في أول كتاب العلم؟ (قال) الأعرابي (كيف إضاعتها يا رسول الله. قال) عليه الصلاة والسلام: (إذا أسند) بضم الهمزة وسكون المهملة وكسر النون أي فوّض (الأمر) المتعلق بالدين كالخلافة والإمارة والقضاء وغيرها (إلى غير أهله). قال في الكواكب: يأتي بإلى بدل اللام ليدل على تضمين معنى الإسناد أي فوض المناصب كما مر (فانتظر الساعة) الفاء للتفريع أو جواب شرط محذوف أي إذا كان الأمر كذلك فانتظر الساعة. والحديث سبق في أول العلم. ٦٤٩٧ - حدثني مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ، أَخْبَرَنا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ قالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِوَّهِ حَدِيثَيْنٍ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا ((أَنَّ الأَمانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرٍ قُلُوبِ الرّجالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ) وَحَدَّثَنَا عَنْ ٤٩٥ کتاب الرقاق/ باب ٣٥ رَفْعِها قالَ: ((يَنامُ الرَّجُلُ فَتُقْبَضُ الأَمانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُها مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى أَثَرِها مِثْلَ المَجْلِ كَجَمْرٍ دَخْرَجْتَهُ عَلى رِجْلِكَ فَنَفِطَ، فَتَراهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلا يَكادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمانَةَ فَيُقالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلانٍ رَجُلاً أَمِينًا وَيُقالُ لِلرَّجُلِ: ما أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَما أَجْلَدَهُ وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ خَرْدَلٍ مِنْ إِيْمَانٍ، وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَّمانْ وَما أُبَالِي أَيُّكُمْ بايَعْتُ لَئِنْ كانَ مُسْلِمَا رَدَّهُ عَلَيَّ الإِسْلامُ، وَإِنْ كانَ نَصْرانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ ساعيهِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَما كُنْتُ أُبَايِعُ إِلاَّ فُلانًا وَفُلانًا)). قال الْفِرَبْرِيُّ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه فَقالَ: سَمِعْتُ أَبا أَحْمَدَ بْنَ عاصِم، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبا عُبَيْدٍ يَقُولُ: قَالَ الأَضْمَعِيُّ، وَأَبُو عَمْرٍو وَغَيْرُهُما جَذْرُ قُلُوبِ الرّجالِ، الْجَذْرُ الأَصْلُ مِنْ كُلّ شَيْءٍ، وَالْوَكْتُ أَثَرُ الشَّيْءِ الْيسِيرِ مِنْهُ، وَالْمَجْلُ أَثَرُ الْعَمَلِ فِي الْكَفِ إِذَا غَلُظَ. وبه قال: (حدثنا محمد بن كثير) العبدي البصري قال: (أخبرنا) ولأبي ذر حدثنا (سفيان) الثوري قال: (حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران (عن زيد بن وهب) الجهني هاجر ففاتته رؤية النبي ◌َل﴾ بأيام أنه قال: (حدثنا حذيفة) بن اليمان رضي الله عنه (قال: حدثنا رسول الله عزَّ﴾ حديثين) في ذكر نزول الأمانة وفي ذكر رفعها (رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر حدثنا أن الأمانة) التي هي ضد الخيانة أو هي التكاليف (نزلت في جذر قلوب الرجال) بفتح الجيم وكسرها وسكون الذال المعجمة الأصل (ثم علموا) بفتح العين وكسر اللام المخففة بعد نزولها في أصل قلوبهم (من القرآن ثم علموا من السنة) أي أن الإمامة لهم بحسب الفطرة ثم بطريق الكسب من الشريعة، والظاهر أن المراد من الأمانة التكليف الذي كلف الله تعالى به عباده والعهد الذي أخذه عليهم، وقال صاحب التحرير: المراد ها هنا الأمانة المذكورة في قوله تعالى ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها﴾ [الأحزاب: ٧٢] قال في فتوح الغيب: شبه حالة الإنسان وهي ما كلفه من الطاعة بحالة معروضة لو عرضت على السموات والأرض والجبال لأبت حملها وأشفقت منها لعظمها وثقل محملها، وحملها الإنسان على ضعفه ورخاوة قوّته إنه ظلوم على نفسه جاهل بأحوالها حيث قبل ما لم تطق حمله هذه الأجرام العظام فقوله حملها على حقيقته، والمراد بالأمانة التكليف. وروى محيي السنّة عرض الله الأمانة على أعيان السموات والأرض والجبال فقال لهن أتحملن هذه الأمانة بما فيها قلن ما فيها؟ قال: إن أحسنتن جوزيتن وإن عصيتن عوقبتن قلن لا يا رب لا نريد ثوابًا ولا عقابًا خشية وتعظيمًا لدين الله، وكان هذا العرض تخييرًا لا إلزامًا أو شبهت هذه الأجرام حال انقيادها وأنها لم تمتنع عن مشيئة الله وإرادته إيجادًا وتكوينًا وتسوية بهيئات مختلفة بحال مأمور مطيع لا يتوقف عن الامتثال إذا توجه إليه أمر آمره المطاع كالأنبياء وأفراد المؤمنين، وعلى هذا فمعنى ﴿فأبين أن يحملنها﴾ أنها بعدما انقادت وأطاعت ثبتت عليها وأدت ما التزمت من ٠ ٤٩٦ کتاب الرقاق/ باب ٣٥ الأمانة وخرجت عن عهدتها سوى الإنسان فإنه ما وفى بذلك وخان إنه كان ظلوما جهولاً. وقال الزجاج: أعلمنا الله تعالى أنه ائتمن بني آدم على ما افترضه عليهم من طاعته وائتمن السموات والأرض والجبال على طاعته والخضوع له فأما هذه الأجرام فأطعن الله ولم تحمل الأمانة أي أدتها وكل من خان الأمانة فقد احتملها. (وحدثنا) وَّر (عن رفعها) أي الأمانة (قال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة) بضم الفوقية وفتح الموحدة (من قلبه فيظل أثرها) بالرفع (مثل أثر الوكت) بفتح الواو وبعد الكاف الساكنة فوقية النقطة في الشيء من غير لونه أو هو السواد اليسير أو اللون المحدث المخالف للون الذي كان قبله (ثم ينام النومة فتقبض) الأمانة (فيبقى أثرها مثل المجل) بفتح الميم وسكون الجيم بعدها لام النفاخات التي تخرج في الأيدي عند كثرة العمل بنحو الفأس (كجمر دحرجته على رجلك فنفط) بكسر الفاء (فتراه منتبرًا) بضم الميم وسكون النون وفتح الفوقية وكسر الموحدة مفتعلاً أي مرتفعًا وقال أبو عبيد: منتبرًا منقطعًا (وليس فيه شيء). والمعنى أن الأمانة تزول عن القلوب شيئًا فشيئًا فإذا زال أوّل جزء منها زال نورها وخلفته ظلمة كالوكت وهو اعتراض لون مخالف للون الذي قبله، فإذا زال شيء آخر صار كالمجل وهو أثر محكم لا يكاد يزول إلا بعد مدة، وهذه الظلمة فوق التي قبلها وشبه زوال ذلك النور بعد وقوعه في القلب وخروجه بعد استقراره فيه واعتقاب الظلمة إياه بجمر يدحرجه على رجله حتى يؤثر فيها ثم يزول الجمر ويبقى النفط قاله صاحب التحرير، وذكر النفط اعتبارًا بالعضو وثم في قوله ثم ينام النومة للتراخي في الرتبة وهي نقيضة ثم في قوله ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة (فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أحدهم (يؤدي الأمانة فيقال إن في بني فلان رجلاً أمينًا ويقال للرجل ما أعقله وما أظرفه وما أجلده وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان) ذكر الإيمان لأن الأمانة لازمة الإيمان وليس المراد هنا أن الأمانة هي الإيمان قال: حذيفة (ولقد أتى علي زمان وما) ولأبي ذر ولا (أبالي أيكم بايعت) أي مبايعة البيع والشراء (لئن كان مسلمًا رده علّ الإسلام) بتشديد ياء علّ لغير أبي ذر ولأبي ذر عن المستملي بالإسلام (وإن كان نصرانيًا ردّه علّ ساعيه) وإليه الذي أقيم عليه بالأمانة فينصفني منه ويستخرج حقي منه أو المراد الذي يتولى قبض الجزية أنه كان يعامل من شاء غير باحث عن حاله وثوقًا بأمانته فإنه إن كان مسلمًا فدينه يمنعه من الخيانة ويحمله على أداء الأمانة (فأما اليوم) فذهبت الأمانة فلست أثق اليوم بأحد أأتمنه (فما كنت أبايع إلا فلانًا وفلانًا) أي أفرادًا من الناس قلائل وذكر النصراني على سبيل التمثيل وإلا فاليهودي أيضًا كما صرح بهما في مسلم. والحديث أخرجه بسنده ومتنه في كتاب الفتن وأخرجه مسلم في الإيمان وكذا ابن ماجة. (قال الفربري) محمد بن يوسف (قال أبو جعفر) محمد بن حاتم وراق المؤلف أي الذي یکتب له کتبه (حدثت أبا عبد اللَّه) محمد بن إسماعيل البخاري وحذف ما حدثه به لعدم احتياجه ٤٩٧ کتاب الرقاق/ باب ٣٦ له إذ ذاك (فقال) البخاري (سمعت أبا أحمد بن عاصم) البلخي (يقول: سمعت أبا عبيد) بضم العين هو القاسم بن سلام (يقول: قال الأصمعي) عبد الملك بن قريب (وأبو عمرو) بفتح العين ابن العلاء القارىء (وغيرهما) هو سفيان الثوري كما عند الإسماعيلي (جذر قلوب الرجال الجذر الأصل من كل شيء) كذا فسروه لكنهم اختلفوا فعند أبي عمرو بكسر الجيم وعند الأصمعي بفتحها (والوكت: أثر الشيء اليسير منه والمجل أثر العمل في الكف إذا غلظ) وهذا كلام أبي عبيد أيضًا وهذا ثابت في رواية أبي ذر عن المستملي وحده. ٦٤٩٨ - حدثنا أَبُو الْيَمانِ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيّ أَخْبَرَنِي سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّه أَنَّ عَبْدَ اللَّه بْنَ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ الْمِائَةِ لا تكادُ تَجِدُ فِیھا راحِلَةً». وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (سالم بن عبد اللَّه أن) أباه (عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله وَل ◌ٌ يقول): (إنما الناس) في أحكام الدين سواء لا فضل فيها لشريف على مشروف ولا لرفيع على وضيع (كالإبل المائة) التي (لا تكاد تجد فيها راحلة) وهي التي ترحل لتركب والراحلة فاعلة بمعنى مفعولة والهاء فيها للمبالغة أي كلها حمولة تصلح للحمل ولا تصلح للرحل والركوب عليها، أو المعنى أن الناس كثير والمرضى منهم قليل، أو المعنى أن الزاهد في الدنيا الكامل فيه الراغب في الآخرة قليل كقلة الراحلة في الإبل والعرب تقول للمائة من الإبل إبل فيقولون لفلان إبل أي مائة بعير، ولفلان إبلان أي مائتان ولما كان لفظ مجرد الإبل ليس مشهور الاستعمال في المائة ذكر المائة للتوضيح وقوله كالإبل المائة فيه كما قال ابن مالك النعت بالعدد، وقد حكى سيبويه عن بعض العرب أخذوا من بني فلان إبلاً مائة. ومناسبة الحديث للترجمة من حيث إن الناس كثيرون والمرضي منهم قليل كالراحلة في المائة من الإبل وغير المرضي هو من ضيع الفرائض وقد فسر ابن عباس الأمانة بالفرائض. والحديث بهذا السند من إفراده ورواه مسلم من طريق معمر عن الزهري بلفظ تجدون الناس كابل مائة لا تجدون فيها راحلة. ٣٦ - باب الرّياءِ وَالسُّمْعَةِ (باب) ذم (الرياء) وهو بكسر الراء وبعد التحتية المخففة ألف فهمزة إظهار العبودية للناس ليحمدوه والمرائي العابد والمراءى له هو الناس والمراءى به هو الخصال الحميدة والرياء هو قصد إرشاد الساري/ ج ١٣/ م ٣٢ ٤٩٨ کتاب الرقاق/ باب ٣٦ إظهار ذلك (والسمعة) بضم السين المهملة وسكون الميم وهي التنويه بالعمل ليسمعه الناس فمتعلق الرياء البصر والسمعة السمع. ٦٤٩٩ - هذّثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ. وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَنْ سَلَمَةَ قالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبًا يَقُولُ: قالَ النَّبِيِّ نَّهَ: وَلَّمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقُولُ: قالَ النَّبِيُّ وَِّ غَيْرَهُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: (مَنْ سَمَّعَ، سَمَّعَ الله بِهِ وَمَنْ يُرائِي يُرائي الله بِهِ)). وبه قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان) الثوري أنه قال: (حدثني) بالإفراد (سلمة بن كهيل) بضم الكاف وفتح الهاء ابن يحيى الحضرمي من علماء الكوفة قال البخاري: (وحدثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدثنا سفيان) الثوري (عن سلمة) بن كهيل أنه (قال: سمعت جندبًا) بضم الجيم وسكون النون وضم المهملة وفتحها ابن عبد الله البجلي (يقول: قال النبي ونَ﴿). قال سلمة بن كهيل (ولم أسمع أحدًا) من الصحابة (يقول: قال النبي # غيره) غير جندب أو مراده كما قال الكرماني ولم يبق من الصحابة حينئذٍ غيره في ذلك المكان، لكن تعقبه في الفتح بأنه كان بالكوفة حينئذٍ أبو جحيفة السوائي وعبد الله بن أبي أوفى وقد روى سلمة عن كل منهما فتعين أن يكون مراده أنه لم يسمع منهما ولا من أحدهما ولا من غيرهما ممن كان موجودًا من الصحابة بغير الكوفة بعد أن سمع من جندب الحديث المذكور عن النبي وَلّ شيئًا (فدنوت) قربت (منه فسمعته يقول: قال النبي ◌َّ﴾: (من سمع سمع الله به) بفتح المهملة والميم المشددة فيهما. قال الحافظ المنذري: أي من أظهر عمله للناس رياء أظهر الله نيته الفاسدة في عمله يوم القيامة وفضحه على رؤوس الأشهاد، وقال في المصابيح: هو على المجازاة من جنس العمل أي من شهر عمله سمعه الله ثوابه ولم يعطه إياه، وقيل من أسمع الناس عمله سمعهم الله إياه وكان ذلك حظه من الثواب، وقال غيره أي من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس ولم يرد به وجه الله فإن الله يجعله حديثًا عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم ولا ثواب له في الآخرة (و) كذلك (من يرائي يرائي الله به) بضم التحتية وكسر الهمزة بعدها تحتية للإشباع فيهما فلا يظفر من ريائه إلا بفضيحته وإظهار ما كان يبطنه من سوء الطوية نعود بالله من ذلك، ولابن المبارك في الزهد من حديث ابن مسعود: من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله به ومن تطاول تعاظمًا خفضه الله ومن تواضع تخشعًا رفعه الله، وفي حديث جابر عند الطبراني من طريق محمد بن جحادة عن سلمة بن كهيل في آخر هذا الحديث ومن كان ذا لسانين في الدنيا جعل الله له لسانين من نار يوم القيامة، وليعلم أن الرياء يكون بالبدن كإطراقه رأسه ليرى أنه متخشع، والهيئة كإبقاء أثر السجود، والثياب كلبسه خشنها وقصيرها جدًا، والقول كالوعظ وحفظ علوم الجدل وتحريك شفتيه بحضور الناس وكل واحد منها قد يراءى به باعتبار الدين وباعتبار الدنيا وحكم الرياء بغير العبادات حكم طالب المال والجاه ٤٩٩ کتاب الرقاق/ باب ٣٧ وحكم محض الرياء بالعبادة إبطالها وإن اجتمع قصد الرياء وقصد العبادة أعطي الحكم للأقوى، فيحتمل الوجهين في إسقاط الفرض به والمصر على إطلاع الغير على عبادته إن كان لغرض دنيوي كإفضائه إلى الاحترام أو شبهه فهو مذموم وإن كان لغرض أخروي كالفرح بإظهار الله جميله وستره قبيحه أو لرجاء الاقتداء به فممدوح وعليه يحمل ما يحدث به الأكابر من الطاعات، وليس من الرياء ستر المعصية بل ممدوح وإن عرض له الرياء في أثناء العبادة ثم زال قبل فراغها لم يضر، ومتى علم من نفسه القوّة أظهر القربة، وقد قيل: اعمل ولو خفت عجبًا مستغفرًا منه. والحديث أخرجه مسلم في آخر الكتاب وابن ماجة في الزهد والله الموفق. ٣٧ - باب مَنْ جاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ الله (باب) فضل (من جاهد نفسه في طاعة الله) عز وجل. ٦٥٠٠ - حدثنا هُذْبَةُ بْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مالِكِ، عَنْ مُعاذٍ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: بَيْنَما أَنَا رَدِيفُ النَّبِيّ ◌َّهِ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّ آخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقالَ: ((يا مُعاذُ)) قُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ الله وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ ساعَةً ثُمَّ قالَ: ((يا مُعاذُ)) قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ الله وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةٌ ثُمَّ قالَ: ((يا مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ)) قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ الله وَسَعْدَيْكَ قالَ: ((هَلْ تَذْرِي ما حَقُّ الله عَلى عِبادِهِ)؟ قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قالَ: ((حَقُّ الله عَلى عِبادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)) ثُمَّ سارَ ساعَةً، ثُمَّ قالَ: ((يا مُعاذُ بْنَ جَبَلِ)) قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ الله وَسَعْدَيْكَ، قالَ: ((هَلْ تَذْرِي ما حَقُّ الْعِبادِ عَلى الله إِذا فَعَلُوهُ)؟ قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قالَ: ((حَقُّ الْعِبادِ عَلَى اللهِ أَنْ لا يُعَذّبَهُمْ)). وبه قال: (حدثنا هدبة بن خالد) بضم الهاء وسكون المهملة بعدها موحدة ابن الأسود القيسي البصري ويقال له هداب بفتح أوله وتشديد ثانيه قال: (حدثنا همام) هو ابن يحيى بن دينار العوذي بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة البصري قال: (حدثنا قتادة) بن دعامة قال: (حدثنا أنس بن مالك عن معاذ بن جبل رضي الله عنه) أنه (قال: بينما) بالميم ولأبي ذر بينا بإسقاطها (أنا رديف النبي ◌َ #) راكب خلفه (ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل) بمد الهمزة وكسر الخاء المعجمة والرحل بالحاء المهملة الساكنة العود الذي يستند إليه الراكب من خلفه، وذكره للمبالغة في شدة قربه ليكون أوقع في نفس سامعه أنه ضبطه وفي رواية عمرو بن ميمون عن معاذ كنت ردف النبي وَلقر على حمار يقال له عفير فيحتمل أن يكون المراد بآخرة الرحل موضع آخرة الرحل للتصريح بأنه كان على حمار (فقال) لي: (يا معاذ قلت: لبيك يا رسول الله) لبيك بالتثنية أي إجابة بعد إجابة وهو نصب على المصدر (وسعديك) أي ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة وإسعادًا بعد إسعاد منصوب أيضًا ٥٠٠ کتاب الرقاق/ باب ٣٨ كلبيك ولأبي ذر رسول الله بحذف أداة النداء (ثم سار) عليه الصلاة والسلام (ساعة ثم قال: يا معاذ قلت لبيك رسول الله وسعديك) بحذف حرف النداء كالثالثة (ثم سار ساعة ثم قال: يا معاذ ابن جبل قلت: لبيك رسول الله وسعديك) بتكرار ندائه ثلاثًا للتأكيد (قال) وَّ لي: (هل تدري ما حق الله) عز وجل أي ما يستحقه تعالى (على عباده) مما حتمه عليهم (قلت: الله ورسوله أعلم قال) صلوات الله عليه وسلامه: (حق الله) عز وجل (على عباده أن يعبدوه) أن يطيعوه ويجتنبوا معاصيه (ولا يشركوا به شيئًا) عطف على السابق لأنه تمام التوحيد والجملة حالية أي يعبدونه في حال عدم الإشراك به (ثم سار) عليه الصلاة والسلام (ساعة ثم قال: يا معاذ بن جبل قلت لبيك رسول الله وسعديك) بحذف حرف النداء أيضًا (قال: هل تدري ما حق العباد على الله) تعالى الذي وعدهم به من الثواب والجزاء المتحقق الثابت وقوعه إذا لا خلف لوعده (إذا فعلوه) أي المذكور من العبادة وعدم الإشراك (قلت الله ورسوله أعلم قال: حق العباد على الله أن لا يعذبهم) وفي رواية ابن حبان من طريق عمرو بن ميمون أن يغفر لهم ولا يعذبهم، وفي رواية أبي عثمان يدخلهم الجنة أي لا يعذبهم إذا اجتنبوا الكبائر والمناهي وأتوا بالمأمورات. والحديث هنا رواه همام عن أنس عن معاذ فهو من مسند معاذ وخالفه هشام الدستوائي عن قتادة فقال: عن أنس عن النبي ◌َّ فيكون من مسند أنس. قال في الفتح: والمعتمد الأول وهو من الأحاديث التي أخرجها البخاري في ثلاثة مواضع عن شيخ واحد بسند واحد وهي قليلة جدًا في كتابه وأضاف إليه في الاستئذان موسى بن إسماعيل وقد تتبع بعضهم ما أخرجه في موضع واحد فبلغ عدتها زيادة على العشرين وفي بعضها تصرف في المتن بالاختصار منه. ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن فيه مجاهدة النفس في التوحيد وجهاد المرء نفسه هو الجهاد الأكبر قال تعالى: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) [النازعات: ٤٠] أي علم أن له مقامًا يوم القيامة لحساب ربه ونهى النفس الأمارة بالسوء عن الهوى المردي أي زجرها عن اتباع الشهوات فالمجاهدة تزيل الأخلاق الذميمة وتحصل الأخلاق الحميدة قال تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] أي مناهجنا الحميدة وأصل المجاهدة وملاكها فطم النفس عن المألوفات وحملها على خلاف هواها في عموم الأوقات. قال أبو علي الدقاق: من زين ظاهره بالمجاهدة حسن الله سرائره بالمشاهدة. والحديث سبق في اللباس. ٣٨ - باب التَّواضُعِ (باب) فضل (التواضع) بضم المعجمة وهو من الضعة بكسر أوّله وهي الهوان المراد به إظهار التنزل عن المرتبة لمن يراد تعظيمه وقال: الجنيد هو خفض الجناح ولين الجانب وفي حديث أبي سعيد رفعه من تواضع لله رفعه الله حتى يجعله في أعلى عليين أخرجه ابن ماجة وصححه ابن حبان، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم والترمذي مرفوعًا: وما تواضع أحد لله إلا رفعه، وفي