النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ كتاب الرقاق/ باب ٥ حيث اللفظ ومن حيث المعنى، أما اللفظ فلأنها يجب قطعها عن نعمركم لأنه لا يجوز أن يكون النفي من معموله، وأيضًا فإن الضمير في فيه يرجع إلى غير مذكور، وأما المعنى فلأن قوله: ﴿أو لم نعمركم﴾ إنما سيق لإثبات التعمير وتوبيخهم على تركهم التذكير فيه، فإذا جعل نفيًا كان فيه إخبار عن نفي تذكر متذكر فيه فظاهره على ذلك نفي التعمير لأنه إذا كان زمانًا لا يتذكر فيه متذكر لزم أن لا يكون تعميرًا وهو خلاف قوله: ﴿أو لم نعمركم﴾ اهـ. وقوله ﴿أولم نعمركم﴾ متناول لكل عمر تمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه وإن قصر إلا أن التوبيخ في المتطاول أعظم، واختلف في مقدار العمر المراد هنا فعن علي بن الحسين زيد العابدين سبع عشرة سنة. وعن وهب بن منبه أربعون سنة. وقال مسروق: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حذره من الله عز وجل، وعن ابن عباس ستون سنة وهو الصحيح كما سيأتي في حديث أبي هريرة أول أحاديث هذا الباب، وعن ابن عباس مما رواه ابن مردويه سبعون سنة، فالإنسان لا يزال في ازدياد إلى كمال الستين ثم يشرع بعد ذلك في النقص والهرم. إذا بلغ الفتى ستين عامًا فقد ذهب المسرة والهناء ولما كان هذا هو العمر الذي يعذر الله إلى عباده به ويزيح عنهم العلل كان هذا هو الغالب على أعمار هذه الأمة، فعند أبي يعلى من طريق إبراهيم بن الفضل عن سعيد عن أبي هريرة معترك المنايا ما بين ستين وسبعين، لكن إبراهيم بن الفضل ضعيف، وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك)). رواه الترمذي في كتاب الزهد. (﴿وجاءكم النذير﴾) [فاطر: ٣٧] زاد أبو ذر يعني الشيب وهو مروي عن ابن عباس وغيره. وقال السدي وعبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم: المراد به رسول الله وَّر وهو الصحيح عن قتادة فيكون احتج عليهم بالعمر والرسل. ٦٤١٩ - حدثني عَبْدُ السَّلامِ بْنُ مُطَهَّرٍ، حَدْثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنٍ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: «أَعْذَّرَ الله إلى أَمْرِىءٍ أَجَلَّهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتْيْن سَنَةٌ)). تَابَعَهُ أَبُو حازِمٍ وَابْنُ عَجْلانَ عَنِ الْمَقْبُرِيُّ. وبه قال: (حدثني) بالإِفراد، ولأبي ذر بالجمع (عبد السلام بن مطهر) بضم الميم وفتح الطاء المهملة والهاء المشددة المفتوحة أبن حسام أبو ظفر الأزدي البصري قال: (حدثنا عمر بن علّ) بضم العين وفتح الميم ابن عطاء بن مقدّم المقدّمي البصري (عن معن بن محمد) بفتح الميم وسكون العين المهملة (الغفاري) بكسر الغين المعجمة نسبة إلى غفار، وعمر بن علي مدلس وقد رواه عن معن بالعنعنة، لكن أخرج الحديث أحمد بن عبد الرزاق عن معمر عن رجل من بني غفار عن سعيد فصرح فيه بالسماع والمبهم هو معن بن محمد الغفاري (عن سعيد بن أبي سعيد) ذكوان (المقبري) بضم الموحدة نسبة إلى مقبرة بالمدينة كان يسكن عندها وسقط المقبري لأبي ذر (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن النبي وَليه) أنه (قال): ٤٢٢ کتاب الرقاق/ باب ٥ كذا لأبي ذر ولغيره فقال: بفاء قبل القاف. (أعذر الله إلى امرىء أخّر أجله) أي أطال حياته (حتى بلغه ستين سنة) أي لم يبق فيه موضعًا للاعتذار حيث أمهله إلى طول هذه المدة ولم يعتذر يقال أعذر الرجل إذا بلغ أقصى الغاية في العذر. وقال التوربشتي: ومنه قولهم أعذر من أنذر أي أتى بالعذر وأظهره وهو مجاز عن القول فإن العذر لا يتوجه على الله، وإنما يتوجه له على العبيد وحقيقة المعنى فيه أن الله لم يترك شيئًا في الاعتذار يتمسك به، قال ابن بطال: إنما كانت الستون حدًا لهذا لأنها قريبة من معترك المنايا وهي سن الإنابة والخشوع وترقب المنية فهذا إعذار بعد إعذار لطفًا من الله تعالى بعباده حتى نقلهم من حالة الجهل إلى حالة العلم ثم أعذر إليهم فلم يعاقبهم إلا بعد الحجج الواضحة وإن كانوا فطروا على حب الدنيا وطول الأمل لكنهم أمروا بمجاهدة النفس في ذلك ليمتثلوا ما أمروا به من الطاعة وينزجروا عما نهوا عنه من المعصية، قال بعض الحكماء: الأسنان أربعة سن الطفولية ثم الشباب ثم الكهولة ثم الشيخوخة وهي آخر الأسنان، وغالب ما يكون بين الستين إلى السبعين فحينئذ يظهر ضعف القوة بالنقص والانحطاط فينبغي له الإقبال على الآخرة بالكلية لاستحالة أن يرجع إلى الحالة الأولى من النشاط والقوّة. قلت: ورأيت لأبي الفرج بن الجوزي الحافظ جزءًا لطيفًا سماه تنبيه الغمر بمواسم العمر ذكر فيه أنها خمسة: الأول من وقت الولادة إلى زمن البلوغ، والثاني إلى نهاية شبابه خمس وثلاثين، والثالث إلى تمام الخمسين وهو الكهولة قال: وقد يقال له كهل لما قبل ذلك، والرابع إلى تمام السبعين وذلك زمان الشيخوخة، والخامس إلى آخر العمر قال: وقد يتقدم ما ذكرنا من السنين ويتأخر. (تابعه) أي تابع معن بن محمد (أبو حازم) سلمة بن دينار مما رواه النسائي عن يعقوب بن عبد الرَّحمن عن أبي حازم (و) تابع معنًا أيضًا (ابن عجلان) محمد فيما رواه الطبراني في الأوسط عن عبد الرزاق عن معمر عن منصور بن المعتمر عن محمد بن عجلان كلاهما (عن المقبري) أبي سعيد ذكوان عن أبي هريرة بلفظ: من أتت عليه ستون سنة فقد أعذر الله إليه في العمر. ٦٤٢٠ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّه، حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوانَ عَبْدُ اللَّه بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قال: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((لا يَزالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شابًّا فِي أَثْنَتَيْنِ: فِي حُبِّ الدُّنْيَا، وَطُولِ الأَمَلِ)). قالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ وَأَبُو سَلَمَةً. وبه قال: (حدثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدثنا أبو صفوان عبد الله بن سعيد) الأموي نزل مكة قال: (حدثنا) ولأبي ذر أخبرنا (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري ٤٢٣ کتاب الرقاق/ باب ٥ أنه (قال: أخبرني) بالإِفراد (سعيد بن المسيب أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَل* يقول): (لا يزال قلب) المرء (الكبير) أي الشيخ (شابًا) قويًا (في اثنتين) أي خصلتين (في حب الدنيا) المال (و) محبة (طول الأمل) أي العمر كما فسرا في الحديث اللاحق وأشار إلى قوة استحكام حبه للمال أو هو من باب المشاكلة والمطابقة. وقال في المصابيح: فيه إيهام الطباق بين الكبير والشاب والاستعارة في شابًا والتوشيع في قوله: في اثنتين الخ إذ هو عبارة عن أن يأتي في عجز الكلام بمثنى مفسر بمعطوف ومعطوف عليه كقوله: إذا أبو قاسم جادت لنا يده لم يحمد الأجودان البحر والمطر والحديث أخرجه مسلم في الزكاة والنسائي في الرقائق. (قال الليث) ولأبي ذر: قال ليث بن سعد الإمام مما وصله الإسماعيلي من طريق أبي صالح كاتب الليث عنه (حدثني) بالإِفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (و) قال (ابن وهب) عبد اللَّه مما وصله مسلم عن حرملة عنه (عن يونس) أيضًا (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد) هو ابن المسيب (وأبو سلمة) بن عبد الرَّحمن بن عوف ولفظ الأول كلفظ حديث الباب إلا أنه قال: المال بدل الدنيا ولفظ الآخر: قلب الشيخ شاب على حب اثنتين طول الحياة وحب المال، وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن أبي هريرة وزاد في أوله أن ابن آدم يضعف جسمه وينحل لحمه من الكبر وقلبه شاب. ٦٤٢١ - حدثنا مُسْلِمٌ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَكْبَرُ ابْنُ آدَمَ وَيَكْبَرُ مَعَهُ آثْنانٍ: حُبُّ الْمَالِ، وَطُولُ الْعُمُرِ)). رَواهُ شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ. وبه قال: (حدثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي قال: (حدثنا هشام) الدستوائي قال: (حدثنا قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك رضي الله عنه) وسقط ابن مالك لغير أبي ذر (قال: قال رسول الله قاد): (يكبر ابن آدم) بفتح الموحدة أي يطعن في السن (ويكبر) بفتح الموحدة أيضًا في الفرع فيهما كأصله وتضم أي ويعظم فعبّر عن الكثرة وهي كثرة عدد السنين بالعظم (معه اثنان حب المال وطول العمر) وفي رواية أبي عوانة عن قتادة عند مسلم يهرم ابن آدم ويشب معه اثنان الحرص على المال والحرص على العمر. قال القرطبي: فيه كراهة الحرص على طول العمر وكثرة المال وأن ذلك ليس بمحمود. وقال غيره: الحكمة في التخصيص بهذين الأمرين أن أحب الأشياء إلى ابن آدم نفسه فهو راغب في بقائها فأحب لذلك طول العمر وأحب المال لأنه أعظم ٤٢٤ کتاب الرقاق/ باب ٦ في دوام الصحة التي ينشأ عنها غالبًا طول العمر فكلما أحس بقرب نفاد ذلك اشتدّ حبه له ورغبته له في دوامه. والكرى عند الصباح يطيب والمرء ما عاش ممدود له أمل لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثر (رواه) أي الحديث (شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة عن أنس وصله مسلم من رواية محمد بن جعفر عن شعبة بلفظ: سمعت قتادة عن أنس بنحوه، وأخرجه أحمد عن محمد بن جعفر بلفظ: يهرم ابن آدم ويشب معه اثنتان، وأراد المؤلف بإيراد هذا التعليق دفع توهم الانقطاع فيه لكون قتادة مدلسًا، وقد عنعنه لكن شعبة لا يحدث عن المدلسين إلا بما علم أنه داخل في سماعهم فيستوي في ذلك التصريح والعنعنة بخلاف غيره. ٦ - باب الْعَمَلِ الَّذِي يُبْتَغِى بِهِ وَجْهُ الله تَعالى. فِيهِ سَعْدٌ (باب العمل الذي يبتغى به وجه الله تعالى) بضم التحتية وفتح الغين المعجمة أي يطلب به ذات الله عز وجل لا الرياء والسمعة (فيه سعد) بسكون العين أي في الباب حديث سعد بن أبي وقاص السابق في الجنائز في باب رثاء النبي ◌َّ سعد بن خولة وفيه فقلت: يا رسول الله أخلف بعد أصحابي؟ قال: ((إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلاّ ازددت به درجة)). ٦٤٢٢ - حدّثنا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ، أَخْبَرَنا عَبْدُ اللَّه، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ وَزَعَمَ مَحْمُودٌ أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللهِوَّهَ وَقالَ: وَعَقَلَ مَجَّةٌ مَجَّها مِنْ دَلْوٍ كانَتْ فِي دارِهِمْ. وبه قال: (حدثنا معاذ بن أسد) المروزي قال: (أخبرنا عبد اللَّه) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (أخبرني) بالإِفراد (محمود بن الربيع) الأنصاري (وزعم محمود أنه) أي قال محمود: إنه (عقل رسول الله ( *) بالعين المهملة والقاف المفتوحتين (وقال: وعقل مجة مجها) بفتح الميم والجيم المشددة فيهما (من دلو كانت في دارهم) وسقط لأبي ذر وقال وإنما قال: عقل لأنه كان صغيرًا حين دخل دارهم وشرب ماء ومجّ من ذلك الماء مجة على وجهه. ٦٤٢٣ - قال: سَمِعْتُ عِثْبانَ بْنَ مالِكِ الأَنْصارِيِّ ثُمَّ أَحَدَ بَنِي سالِمٍ قَالَ: غَدا عَلَيَّ رَسُولُ اللهِوَِّ فَقَالَ: ((لَنْ يُوافِيَ عَبْدٌ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَقُولُ: لا إِلَه إِلاَّ الله يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ الله إِلاَّ حَرَّمَ الله عَلَيْهِ النَّارِ)). (قال: سمعت عتبان بن مالك الأنصاري) بكسر عين عتبان وسكون المثناة الفوقية (ثم أحد بني سالم) بالنصب عطفًا على الأنصاري (قال: غدا) بالغين المعجمة (علّ) بتشديد التحتية ٤٢٥ كتاب الرقاق/ باب ٧ (رسول الله وَل* فقال): بعد دخوله المنزل وصلاته فيه والسؤال أن يتأخر حتى يطعم وسؤاله عليه الصلاة والسلام عن مالك بن الدخشن وكلام من وقع في حقه والمراجعة في ذلك. (لن يوافي) أي لن يأتي (عبد يوم القيامة) حال كونه (يقول: لا إله إلا الله يبتغي به) بالقول ولأبي ذر عن الكشميهني بها بكلمة لا إله إلا الله (وجه الله) عز وجل أي ذاته المقدسة (إلاّ حرّم الله عليه النار). ٦٤٢٤ - حدّثنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ الْمَقْبُرِيُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قالَ: ((يَقُولُ الله تَعالى: ما لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزاءٌ إِذا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيا؟ ثُمَّ أَخْتَسَبَهُ إِلاَّ الْجَنَّةُ». وبه قال: (حدثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدثنا يعقوب بن عبد الرَّحمن) الفارسي المدني نزيل الإسكندرية (عن عمرو) بن أبي عمرو بفتح العين وسكون الميم فيهما مولى المطلب (عن سعيد المقبري عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله وَّر قال): (يقول الله تعالى ما لعبدي المؤمن عندي جزاء) أي ثواب (إذا قبضت صفيه) أي روح صفيه وهو بفتح الصاد وكسر الفاء وتشديد التحتية الحبيب المصافي كالولد والأخ وكل من أحبه الإنسان (من أهل الدنيا ثم احتسبه) أي صبر راجيًا الثواب من الله (إلا الجنة) متعلق بقوله: ما لعبدي المؤمن. والحديث من أفراده. ٧ - باب ما يُخذَرُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيا وَالتَّنَافُسِ فِيها (باب ما يحذر) بضم التحتية وسكون المهملة، ولأبي ذر يحذر بفتح المهملة وتشديد الذال المعجمة (من زهرة الدنيا) بسكون الهاء وفتحها بهجتها ونضارتها وحسنها (و) من (التنافس) أي الرغبة (فيها). ٦٤٢٥ - حدثنا إسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّه قالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ ابْنُ شِهابٍ: حَدَّثَنِي عُرْوَةً بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ وَهُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ كانَ شَهِدَ بَذْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِوَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّحِ يَأْتِي بِجِزْيَتِها وَكانَ رَسُولُ اللهِ وَّلَ هُوَ صالِحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومِهِ فَوافَتْهُ صَلاةُ الصُّبْحِ مَعَ رَسُولِ اللهِ وََّ، فَلَمَّا أَنَّصَرَفَ تَعَرَّضُوا لَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ وَهُ جِينَ رَاهُمْ وَقَالَ: ((أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ بِقُدُومٍ أَبِي عُبَيْدَةً، وَإِنَّهُ جاءَ بِشَيْءٍ))؟ قالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ الله ٤٢٦ کتاب الرقاق/ باب ٧ قالَ: ((فَأَبْشِرُوا وَأَمْلُوا ما يَسُرْكُمْ، فَوَالله مَا الْفَقْرَ أَخْشِى عَلَيْكُمْ، وَلكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيا كَما بُسِطَتْ عَلى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوها كَمَا تَنَافَسُوها، وَتُلْهِيكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ). وبه قال: (حدثنا إسماعيل بن عبد اللَّه) الأويسي (قال: حدثني) بالإفراد (إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة) بضم العين وسكون القاف (عن) عمه (موسى بن عقبة) أنه قال: (قال ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (حدثني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن المسور بن مخرمة) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة (أخبره أن عمرو بن عوف) بالفاء الأنصاري (وهو حليف) بفتح الحاء المهملة وكسر اللام (لبني عامر بن لؤي كان) عمرو بن عوف (شهد بدرًا مع رسول الله﴿ أخبره أن رسول الله وَلفي بعث أبا عبيدة بن الجراح) زاد أبو ذر عن الكشميهني إلى البحرين البلد المشهور (يأتي بجزيتها) أي بجزية أهلها (وكان رسول الله وَلاير هو صالح أهل البحرين وأمّر عليهم) بتشديد الميم (العلاء بن الحضرمي) عبد الله بن مالك بن ربيعة وكان من أهل حضرموت سنة تسع من الهجرة (فقدم أبو عبيدة) بن الجراح سنة عشر (بمال من البحرين) وكان مائة ألف وثمانين ألف درهم، وقيل ثمانين ألفًا (فسمعت الأنصار بقدومه فوافته) بفاءين بينهما واو فألف ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني فوافت بحذف الضمير وهما من الموافاة ولأبي ذر عن الحموي فوافقت بالقاف بين الفاء والفوقية (صلاة الصبح مع رسول الله وَلهير فلما انصرف) عليه الصلاة والسلام (تعرّضوا له فتبسّم رسول الله (9) وثبت رسول الله وَلّه لأبي ذر (حين رآهم وقال): (أظنكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة وأنه جاء بشيء) من الدراهم؟ (قالوا: أجل) نعم (يا رسول الله قال: فأبشروا) بقطع الهمزة وكسر المعجمة (وأمّلوا) بقطع الهمزة وكسر الميم المشددة (ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم) بنصب الفقر بتقدير ما أخشى الفقر وحذف لأن أخشى عليكم مفسر له، ويجوز الرفع بتقدير ضمير أي: ما الفقر أخشاه عليكم. قال في الفتح: والأول هو الراجح. وقال في التنقيح: والرفع ضعيف لأنه يحتاج إلى ضمير يعود عليه وإنما يجوز ذلك في الشعر اهـ. وتعقبه في المصابيح فقال: ضعف ذلك مذهب كوفي قال في التسهيل: ولا يختص بالشعر خلافًا للكوفيين، وقال في شرح المشكاة: فائدة تقديم المفعول هنا الاهتمام بشأن الفقر لأن الوالد المشفق إذا حضره الموت كان اهتمامه بحال ولده في المال فأعلم وَلي أصحابه أنه وإن كان لهم في الشفقة عليهم كالأب لكن حاله في أمر المال يخالف حال الوالد، وأنه لا يخشى عليهم الفقر كما يخشاه الوالد، ولكن يخشى عليهم من الغنى الذي هو مطلوب الوالد لولده كما قال: (ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها) بحذف إحدى التاءين فيهما أي فترغبوا فيها كما رغبوا فيها (وتلهيكم) عن الآخرة (كما ألهتهم) عنها. ٤٢٧ کتاب الرقاق/ باب ٧ فإن قلت: تقديم المفعول هنا يؤذن بأن الكلام في المفعول لا في الفعل كقولك ما زيدًا ضربت فلا يصح أن يعقب المنفي بإثبات ضده فتقول ولكن أكرمته لأن المقام يأباه إذ الكلام في المفعول هل هو زيد أو عمرو مثلاً لا في الفعل هل هو إكرام أو إهانة والحديث قد وقع في الاستدراك بإثبات هذا الفعل المنفي فقال: ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم الخ فكيف يتأتى هذا؟ فالجواب: أن المنظور إليه في الاستدراك هو المنافسة في الدنيا عند بسطها عليهم فكأنه قال: ما الفقر أخشى عليكم ولكن المنافسة في الدنيا فلم يقع الاستدراك إلا في المفعول كقولك: ما زيدًا ضربت ولكن عمرًا ثم الفعل المثبت ثانيًا ليس ضد الفعل المنفي أو لا يحسب الوضع وإنما اختلفا بالمتعلق فذكره لا يضر لأنه في الحقيقة استدراك بالنسبة إلى المفعول لا إلى الفعل قاله في المصابيح. والحديث فيه ثلاثة من التابعين على نسق موسى وابن شهاب وعروة وصحابيان المسور وعمرو وكلهم مدنيون، وسبق في الجزية والموادعة مع أهل الذمة. ٦٤٢٦ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلى أَهْلِ أُحُدٍ صَلاَتَهُ عَلَى الْمَيْتِ، ثُمَّ أَنْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقالَ: ((إِنِّي فَرَطْ لَكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي وَالله لأَنْظُرُ إِلى حَوْضِي الآنَ، وَإِنّي قَدْ أُعْطِيتُ مَفاتِيحَ خَزائِنِ الأَرْضَ - أَوْ مَفاتِيحَ الأَرْضِ - وَإِنِي وَالله ما أَخافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلكِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا)). وبه قال: (حدثنا قتيبة بن سعيد) سقط لأبي ذر: ابن سعيد قال: (حدثنا الليث) ولأبي ذر: ليث بن سعد (عن يزيد بن أبي حبيب) سويد الأزدي عالم أهل مصر (عن أبي الخير) مرثد بن عبد الله (عن عقبة بن عامر) الجهني رضي الله عنه (أن رسول الله) ولأبي ذر أن النبي (وَّر خرج يومًا فصلى على أهل) وقعة (أحد) الذين استشهدوا بها (صلاته على الميت) أي دعا لهم بدعاء صلاة الميت بعد ثمان سنين (ثم انصرف إلى المنبر) كالمودّع الأحياء والأموات (فقال): (إني فرطكم) ولأبي ذر فرط لكم بفتح الفاء والراء على الروايتين سابقكم إلى الحوض أهيئه لكم لأن الفارط هو الذي يتقدم الوارد ليصلح له الحياض والدلاء والأرشية وغيرها من أمور الاستقاء (أنا شهيد عليكم) بأعمالكم (وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن) نظرًا حقيقيًا بطريق الكشف (وإني قد أعطيت مفاتيح) بالتحتية بعد الفوقية ولأبي ذر مفاتح (خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض) يريد ما فتح على أمته من الملك والخزائن بعده والشك من الراوي (وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا) بالله (بعدي ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها) أي في الدنيا ولأبي ذر عن الكشميهني: ولكن أخاف بحذف التحتية من لكني. والحديث سبق في الجنائز في باب الصلاة على الشهيد. ٤٢٨ کتاب الرقاق/ باب ٧ ٦٤٢٧ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ: ((إِنَّ أَكْثَرَ ما أَخافُ عَلَيْكُمْ ما يُخْرِجُ الله لَكُمْ مِنْ بَرَكاتِ الأَرْضِ)) قِيلَ: وَمَا بَرَكَاتُ الأَرْضِ؟ قَالَ: ((زَهْرَةُ الدُّنْيا» فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: هَلْ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشّرّ؟ فَصَمَتَ النَّبِيِّ بَّهِ حَتَّى ظَنَّا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ ثُمَّ جَعَلَ يَمْسَحُ عَنْ جَبِيِهِ فَقالَ: ((أَيْنَ السَّائِلُ))؟ قالَ: أَنَا قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَقَدْ حَمِدْناهُ حِينَ طَلَعَ ذلِكَ قالَ: ((لا يَأْتِي الْخَيْرُ إِلاَّ بِالْخَيْرِ، إِنَّ هذا الْمالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَإِنَّ كُلِّ ما أَنْبَتَ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ إِلاَّ آكِلَةَ الْخَضِرَةِ أَكَلَتْ حَتَّى إِذا أُمْتَدَّثْ خاصِرَتاها أَسْتَقْبَلَتِ الْشَّمْسَ فَأَجْتَرَّتْ وَثَلَطَتْ وَبَالَتْ، ثُمَّ عادَتْ فَأَكَلَتْ وَإِنَّ هذَا الْمَالَ حُلْوَةٌ مَنْ أَخَذَهُ بِحِقْهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقْهِ، فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبَعُ)). وبه قال: (حدثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن زيد بن أسلم) الفقيه العمري (عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد) ولأبي ذر زيادة الخدري رضي الله عنه أنه (قال: قال رسول الله (وَلخير): (إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله) عز وجل بضم الياء من الإِخراج (لكم من بركات الأرض قيل): يا رسول الله (وما بركات الأرض؟ قال: زهرة الدنيا) بفتح الزاي وسكون الهاء وزاد هلال وزينتها وهو عطف تفسيري والزهرة مأخوذة من زهرة الشجرة وهو نورها بفتح النون والمراد ما فيها من أنواع المتاع والعين والنبات والزرع وغيرها مما يغتر الناس بحسنه مع قلة بقائه (فقال له رجل): لم أعرف اسمه (هل يأتي الخير الشر)؟ أي هل تصير النعمة عقوبة لأن زهرة الدنيا نعمة من الله فهل تعود هذه النعمة نقمة والاستفهام للإرشاد (فصمت النبي وَله حتى ظننا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي حتى ظننت (أنه ينزل عليه) الوحي (ثم جعل يمسح عن جبينه) العرق من ثقل الوحي (فقال) عليه الصلاة والسلام: (أين السائل؟ قال: أنا) يا رسول الله (قال أبو سعيد) الخدري: (لقد حمدناه) أي حمدنا الرجل (حين طلع ذلك) أي ظهر ولأبي ذر عن الكشميهني اطلع لذلك وفي رواية هلال وكأنه حمده وظاهره أنهم لاموه أولاً حيث رأوا سكوت النبي ◌َّر فظنوا أنه أغضبه ثم حمدوه لما رأوا مسألته سببًا لاستفادة ما قاله النبي بَّر (قال) وَلّ: (لا يأتي الخير إلا بالخير) وإنما يعرض له الشر بعارض البخل به عمن يستحقه والإسراف في إنفاقه فيما لم يشرع (إن هذا المال خضرة) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين أي الحياة بالمال أو العيشة به خضرة في المنظر (حلوة) في الذوق أو المراد التشبيه أي المال كالبقلة الخضرة الحلوة أو أنث باعتبار ما يشتمل عليه المال من زهرة الدنيا أو المراد بالمال هنا الدنيا لأنه من زينتها كما قال تعالى: ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾ [الكهف: ٤٦] (وإن كل ما أنبت الربيع) أي الجدول وهو النهر الصغير وإسناد الإنبات إليه مجاز إذ المنبت حقيقة هو الله تعالى (يقتل حبطًا) بفتح الحاء المهملة والموحدة والطاء المهملة المنوّنة انتفاخ بطن من كثرة الأكل يقال حبطت الدابة تحبط حبطًا إذا أصابت مرعى طيبًا فأمعنت في الأكل حتى تنتفخ فتموت (أو يلم) بضم التحتية وكسر اللام وتشديد الميم يقرب من الهلاك، ٤٢٩ کتاب الرقاق/ باب ٧ والمعنى يقتل أو يقارب القتل (إلا) بتشديد اللام (آكلة الخضرة) من بهيمة الأنعام وشبه بها لأنها التي ألف المخاطبون أحوالها في سومها ورعيها وما يعرض لها من البشم وغيره وآكلة بمد الهمزة وكسر الكاف والخضرة بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين ضرب من الكلإ تحبه الماشية وتستلذ منه فتستكثر منه. قال في المصابيح: إن الاستثناء منقطع أي لكن آكلة الخضرة لا يقتلها أكل الخضرة ولم يلم بقتلها وإنما قلنا إنه منقطع لفوات شرط الاتصال ضرورة كون الأول غير شامل له على تقدير عدم الثنيا وذلك لأن من فيه تبعيضية فكأنه يقول: إن شيئًا مما ينبت يقتل حبطًا أو يلم وهذا لا يشمل مأكول آكلة الخضرة ظاهرًا لأنه نكرة في سياق الإثبات. نعم في هذا اللفظ الثابت في الطريق المذكورة هنا وهو قوله وإن كل ما أنبت الربيع يقتل حبطًا أو يلم يتأتى جعل الاستثناء متصلاً لدخول المستثنى في عموم المستثنى منه وليس المستثنى في الحقيقة هو الآكلة نفسها وإلا كان منقطعًا وإنما المستثنى محذوف تقديره مأكول آكلة الخضرة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه اهـ. ولأبي ذر عن الكشميهني: الخضر بغير هاء وله عن الحموي والمستملي الخضرة بضم الخاء وسكون الضاد، وفي بعض النسخ ألا بتخفيف اللام وفتح الهمزة على أنها استفتاحية كأنه قال: ألا انظروا آكلة الخضرة واعتبروا بشأنها (أكلت) ولأبي ذر عن الكشميهني تأكل (حتى إذا امتدت خاصرتاها) بالتثنية أي جنباها أي امتلأت شبعًا وعظم جنباها ولأبي ذر عن الكشميهني خاصرتها بالإفراد (استقبلت الشمس) فتحمى فيسهل خروج ما ثقل عليها مما أكلته (فاجترت) بالجيم الساكنة والتاء الفوقية المفتوحة والراء المشددة استرجعت ما أدخلته في كرشها من العلف فمضغته ثانيًا ليزداد نعومة وسهولة لإخراجه (وثلطت) بالمثلثة واللام والطاء المهملة المفتوحات وضبط السفاقسي اللام بالكسر ألقت ما في بطنها من السرقين رقيقًا (وبالت) فارتاحت بما ألقته من السرقين والبول وسلمت من الهلاك (ثم عادت فأكلت) وهذا بخلاف ما لم تتمكن من ذلك فإن الانتفاخ يقتلها سريعًا (وإن هذا المال) في الرغبة والميل إليه وحرص النفوس عليه كالفاكهة خضرة في المنظر (حلوة) في الذوق (من أخذه بحقه ووضعه في حقه) بأن أخرج منه حقه الواجب شرعًا كالزكاة (فنعم المعونة هو) لصاحبه على اكتساب الثواب إن عمل فيه بالحق (ومن أخذه) ولأبي ذر عن الحموي وإن أخذه (بغير حقه) بأن جمعه من الحرام أو من غير احتياج إليه (كان كالذي) والذي في اليونينية حذف الكاف من قوله كالذي (يأكل ولا يشبع) أي كذي الجوع الكاذب بسبب سقم الآخذ ويسمى جوع الكلب كلما ازداد أكلاً ازداد جوعًا وكان مآله إلى الهلاك. قال ابن المنير: في هذا الحديث وجوه من التشبيهات بديعة تشبيه المال ونموّه بالنبات وظهوره وتشبيه المنهمك في الاكتساب والأسباب بالبهائم المنهمكة في الأعشاب وتشبيه الاستكثار منه والادخار له بالشره في الأكل والامتلاء منه وتشبيه المال مع عظمته في النفوس حتى أدى إلى المبالغة في البخل به بما تطرحه البهيمة من السلح، ففيه إشارة بديعة إلى استقذاره شرعًا وتشبيه القاعد عن جمعه وضمه بالشاة إذا استراحت وحطت جانبها مستقبلة الشمس فإنها من أحسن حالاتها سكونًا وسكينة، وفيه . ٤٣٠ کتاب الرقاق/ باب ٧ إشارة إلى إدراكها لمصالحها وتشبيه موت الجامع المانع بموت البهيمة الغافلة عن دفع ما يضرها وتشبيه المال بالصاحب الذي لا يؤمن أن ينقلب عدوًّا فإن المال من شأنه أن يحرز ويشدّ وثاقه حبًا له، وذلك يقتضي منعه من مستحقيه فيكون سببًا لعقاب مقتنيه وتشبيه آخذه بغير حق بالذي يأكل ولا يشبع فهي ثمانية. والحديث سبق في باب الصدقة على اليتامى من كتاب الزكاة. ٦٤٢٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَمْرَةَ قالَ: حَدَّثَنِي زَهْدَمُ بْنُ مُضَرّبٍ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرانَ بْنَ حُصَيْنٍ رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النَّبِيّ ◌َِّ قَالَ: (خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)) قالَ عِمْرَانُ: فَمَا أَدْرِي قالَ النَّبِيِّ وَّهِ بَعْدَ قَوْلِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، (ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ)). وبه قال: (حدثني) بالإفراد (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة الثقيلة المعروف ببندار قال: (حدثنا غندر) ولأبي ذر محمد بن جعفر بدل قوله غندر قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج (قال: سمعت أبا جمرة) بالجيم المفتوحة والميم الساكنة نصر بن عمران الضبعي (قال: حدثني) بالإفراد (زهدم بن مضرب) بفتح الزاي وسكون الهاء بعدها دال مهملة فميم ومضرب بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وكسر الراء المشددة بعدها موحدة (قال: سمعت عمران بن حصين رضي الله عنهما عن النبي ◌َّ) أنه (قال): (خيركم قرني) المراد الصحابة (ثم الذين يلونهم) يقربون منهم وهم التابعون وزاد أبو ذر مرتين وزاد الكشميهني والمستملي ثم الذين يلونهم وهم اتباع التابعين وهذه الثالثة ساقطة للحموي (قال عمران) بن الحصين رضي الله عنه بالسند المذكور (فما أدري قال النبي وَّه بعد قوله): خيركم قرني (مرتين أو ثلاثًا ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون) أي يتحملون الشهادة من غير تحميل أو يؤدونها من غير أن يطلب ذلك منهم (ويخونون ولا يؤتمنون) لخيانتهم الظاهرة (وينذرون) بفتح أوّله وضم المعجمة وكسرها (ولا يفون) بنذرهم ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ولا يوفون بضم التحتية وبعدها واو ساكنة (ويظهر فيهم السمن) بسبب توسعهم في المآكل والمشارب، وعند الترمذي من طريق هلال بن يساف عن عمران بن حصين ثم يجيء قوم يتسمنون ويحبون السمن. والحديث سبق في الشهادات ومناقب الصحابة. ٦٤٢٩ - حدّثنا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّه عَنِ النَِّّ وَّهِ قَالَ: ((خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ ٤٣١ کتاب الرقاق/ باب ٧ مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَتُهُمْ أَيْمانَهُمْ، وَأَيْمَانُهُمْ شَهادَتَهُمْ)). وبه قال: (حدثنا عبدان) هو لقب عبد اللّه بن عثمان بن جبلة المروزي (عن أبي حمزة) بالحاء المهملة وبعد الميم زاي محمد بن ميمون السكري (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (عن إبراهيم) النخعي (عن عبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة ابن قيس السلماني بفتح السين وسكون اللام (عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (عن النبي وَليز) أنه (قال): (خير الناس) أهل (قرني ثم الذين يلونهم) يقربون منهم (ثم الذين يلونهم) بالنون في الذين، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ثم الذي بإسقاطها واتفقوا في هذه على إسقاط الثالثة في الرواية السابقة وللكشميهني والمستملي (ثم يجيء من بعدهم قوم تسبق شهادتهم أيمانهم وأيمانهم شهادتهم) بالإفراد فيهما وفتح همزة أيمانهم والمعنى أن ذلك يقع في حالين فيحلفون تارة قبل أن يشهدوا ويشهدون تارة قبل أن يحلفوا حرصًا على ترويج شهادتهم. وقال ابن الجوزي: المراد أنهم لا يتورعون ويستهينون بأمر الشهادة واليمين ولأبي ذر شهاداتهم بالجمع. والحديث سبق في الشهادات أيضًا. ٦٤٣٠ - حقّلني يَخْيَى بْنُ مُوسى، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ خَبَّابًا وَقَدِ أَكْتَوى يَوْمَئِذٍ سَبْعًا فِي بَطْنِهِ وَقَالَ: لَوْلا أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ نَهانا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِالْمَوْتِ، إِنَّ أَصْحابَ مُحَمَّدٍ وَّرَ مَضَوْا وَلَمْ تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيَا بِشَيْءٍ، وَإِنَّا أَصَبْنا مِنَ الدُّنْيا ما لا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلاَّ التّرابَ. وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدثنا (يحيى بن موسى) بن عبد ربه المعروف بخت قال: (حدثنا وكيع) بفتح الواو وكسر الكاف ابن الجراح قال: (حدثنا إسماعيل) بن أبي خالد الكوفي الحافظ (عن قيس) هو ابن أبي حازم البجلي أنه (قال: سمعت خبابًا) بالخاء المعجمة المفتوحة والموحدة المشددة ابن الارت (وقد اكتوى يومئذٍ سبعًا في بطنه) من مرض كان به (وقال: لولا أن رسول الله ◌َ في نهانا أن ندعو بالموت لدعوت بالموت) على نفسي (إن أصحاب محمد واله مضوا) أي ماتوا (ولم تنقصهم الدنيا بشيء) من أجورهم فلم يستعجلوها فيها بل صارت مدخرة لهم في الآخرة (وإنا أصبنا من الدنيا ما لا نجد له موضعًا) نصرفه فيه (إلا التراب) أي البنيان. ٦٤٣١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ، قَالَ: أَتَيْتُ خَبَّابًا وَهْوَ يَبْنِي حائِطًا لَهُ فَقالَ: إِنَّ أَصْحابَنَا الَّذِينَ مَضَوْا لَمْ تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيا شَيْئًا وَإِنَّا أَصَبْنا مِنْ بَعْدِهِمْ شَيْئًا لا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلاَّ التّرابَ. وبه قال: (حدثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدثني (محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي الحافظ قال: (حدثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن إسماعيل) بن أبي خالد أنه (قال: حدثني) بالإفراد ٤٣٢ کتاب الرقاق/ باب ٨ (قيس) هو ابن أبي حازم (قال: أتيت خبابًا) أي ابن الأرت (وهو يبني حائطًا له فقال: إن أصحابنا) رضي الله عنهم (الذين مضوا) درجوا بالوفاة (لم تنقصهم الدنيا شيئًا) قال: في الكواكب أي لم تدخل الدنيا فيهم نقصانًا بوجه من الوجوه أي لم يشتغلوا بجمع المال بحيث يلزم في كمالهم نقصان (وإنا أصبنا من بعدهم شيئًا لا نجد له موضعًا) نصرفه فيه (إلا التراب) ولأبي ذر عن الكشميهني إلا في التراب أي البنيان بقرينة البناء. ٦٤٣٢ - حقّثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وائِلٍ، عَنْ خَبَّابِ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: هَاجَرْنا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهِ . وبه قال: (حدثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي (عن سفيان) بن عيينة (عن الأعمش) سليمان (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن خباب رضي الله عنه) أنه (قال: هاجرنا مع رسول الله) ولأبي ذر مع النبي (وَ*) وزاد أبو ذر قصه بفتح القاف والصاد المهملة وبعدها ضمير أي قص الراوي الحديث المذكور بتمامه في أول الهجرة إلى المدينة بلفظ: فوقع أجرنا على الله فمنا من مضى لم يأخذ من أجره شيئًا منهم مصعب بن عمير الحديث ويأتي إن شاء الله تعالى قريبًا في باب فضل الفقر بعون الله تعالى. ٨ - باب قَوْلِ الله تَعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَكُمْ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَكُمُ بِالله الْغَرُورُ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوِّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٥- ٦] جَمْعُهُ سُعُرّ. قالَ مُجاهِدٌ: الْغَرُورُ الشَّيْطانُ. (باب) قول الله تعالى: (﴿يا أيها الناس إن وعد الله﴾) بالبعث والجزاء (﴿حق﴾) كائن (﴿فلا تغرنكم الحياة الدنيا﴾) فلا تخدعنكم الدنيا ولا يذهلنكم التمتع والتلذذ بزهرتها ومنافعها عن العمل للآخرة وطلب ما عند الله (﴿ولا يغرنكم بالله الغرور﴾) وهو الشيطان لأن ذلك ديدنه فإنه يمنيكم الأماني الكاذبة ويقول إن الله غني عن عبادتك وعن تعذيبك (﴿إن الشيطان لكم عدو﴾) ظاهر العداوة وفعل بأبيكم آدم ما فعل وأنتم تعاملونه معاملة من لا علم له بأحواله (﴿فاتخذوه عدوًّا﴾) في عقائدكم وأفعالكم ولا يوجدن منكم إلا ما يدل على معاداته ومغاضبته في سركم وجهركم فهذا هو العدوّ المبين فنسأل الله القوي العزيز أن يجعلنا أعداء الشيطان وأن يرزقنا اتباع كتابه والاقتفاء برسوله ويقول إنه على ما يشاء قدير ثم لخص سر أمره وخطأ من اتبعه بأن غرضه الذي يؤمه في دعوة شيعته هو أن يوردهم مورد الهلاك بقوله (﴿إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾﴾ [فاطر: ٥-٦] والسعير (جمعه سعر) بضمتين وسقط لأبي ذر فلا تغرنكم إلى آخر قوله السعير وقال: بعد قوله ﴿حق﴾ الآية إلى قوله ﴿السعير﴾. ٤٣٣ كتاب الرقاق/ باب ٨ (قال مجاهد): مما وصله الفريابي في تفسيره عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد (الغرور) بفتح الغين (الشيطان) قال الراغب: غررت فلانًا أصبت غرته ونلت منه ما أريده فالغرة غفلة في يقظة والغرار غفلة مع غفوة وأصل ذلك من الغرّ وهو الأثر الظاهر من الشيء ومنه غرة الفرس وغرار السيف حده وغرّ الثوب أثر كسره وقيل اطوه على غرّه وغرّه كذا غرورًا قال تعالى: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾ [الانفطار: ٦] فالغرور كل ما يغر الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان. وقد فسر بالشيطان إذ هو أخبث الغارين وقرىء بضم الغين وهو مصدر وعن بعضهم الغرور بالضم الأباطيل وثبت قوله. قال مجاهد: الخ للكشميهني وسقط لغيره. ٦٤٣٣ - حقّثنا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنا شَيْبانُ، عَنْ يَخْيَى، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِبْراهِيمَ الْقُرَشِيّ أَخْبَرَنِي مُعاذُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمْنِ أَنَّ ابْنَ أَبَانَ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَتَيْتُ عُثْمانَ بِطَهُورٍ وَهْوَ جالِسٌ عَلَى الْمَقاعِدِ، فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ الشَِّيِّ ◌َهُ تَوَضَّأَ وَهُوَ فِي هذا الْمَجْلِسِ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قالَ: ((مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ هذَا الْوُضُوءِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ وَّرِ: ((لا تَغْتَرُّوا)). وبه قال: (حدثنا سعد بن حفص) بسكون العين الطلحي مولاهم الكوفي المعروف بالضخم قال: (حدثنا شيبان) بالشين المعجمة ابن عبد الرّحمن أبو معاوية النحوي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث (القرشي) قال: (أخبرني) بالإفراد (معاذ بن عبد الرَّحمن) بن عثمان التيمي (أن ابن أبان) ولأبي ذر: أن حمران بن أبان بضم الحاء المهملة وسكون الميم مولى عثمان بن عفان اشتراه في زمن أبي بكر الصديق (أخبره) أي أخبر معاذ بن عبد الرَّحمن (قال: أتيت عثمان) ولأبي ذر عثمان بن عفان رضي الله عنه (بطهور) بفتح الطاء بماء يتطهر به (وهو جالس على المقاعد) موضع بالمدينة (فتوضأ فأحسن الوضوء ثم قال: رأيت النبي بَلتر توضأ) بلفظ الماضي ولأبي ذر يتوضأ (وهو في هذا المجلس فأحسن الوضوء ثم قال): (من توضأ) وضوءاً (مثل هذا الوضوء) وسبق في الطهارة بلفظ من توضأ نحو وضوئي هذا ونحو إن قدرت بمعنى قريب فتكون ظرفًا على التوسع في المكان أي قارب فعلي فعله بمعنى أن من قاربته فقد قاربك، وإن قدرت بمعنى مثل كان فيه تجوّز أيضًا لأنه لا يقدر أحد على مثل وضوء النبي 18ّ من كل وجه لا في نيته ولا في إخلاصه ولا في عمله بكمال طهارته واستيعاب غسل أعضائه والنحو لغة القصد، والمثل تقول: هذا نحو زيد أي مثل زيد ومتى قدرتها بمعنى مثل كان نعتًا لمصدر محذوف أي توضأ وضوءاً مثل وضوئي، واختار سيبويه أن تكون حالاً لأن حذف الموصوف دون الصفة لا يجوز إلا في مواضع معدودة وتقدير الحال هنا من محذوف أي توضأ الوضوء مثل وضوئي فإن قدرت نحو بمعنى قريبًا كانت ظرفًا ويكون قربًا مجازيًا وفي ورود الرواية هنا بلفظ مثل رد على نافيها (ثم أتى المسجد فركع ركعتين). ولمسلم من طريق نافع بن جبير عن حمران ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس أو في المسجد وفي رواية هشام بن إرشاد الساري/ ج ١٣/ م ٢٨ ٤٣٤ كتاب الرقاق/ باب ٩ عروة عن أبيه عن حمران عنده أيضًا فيصلي صلاة وفي أخرى له عنه فيصلي الصلاة المكتوبة (ثم جلس غفر له ما تقدم من ذنبه) وفي مسلم رواية هشام إلا غفر له ما بينها وبين الصلاة التي تليها أي التي سبقتها. وأصرح منه رواية أبي صخر عن حمران عند مسلم أيضًا فيصلي هذه الصلوات الخمس إلا كانت كفارة لما بينهن (قال) عثمان: (وقال النبي ◌َّ: لا تغتروا) لا تحملوا الغفران على عمومه في جميع الذنوب فتسترسلوا في الذنوب اتكالاً على غفرانها بالصلاة فإن الصلاة التي تكفر الذنوب هي المقبولة ولا اطلاع لأحد عليه أو أن المكفر بالصلاة الصغائر فلا تغتروا فتعملوا الكبائر بناء على تكفير الذنوب بالصلاة فإنه خاص بالصغائر. والمطابقة في قوله لا تغتروا وأخرج الحديث مسلم في الطهارة والنسائي في الصلاة. ٩ - باب ذَهابِ الصَّالِحِينَ وَيُقالُ: الذِّهابُ: الْمَطَرُّ. (باب ذهاب الصالحين) بالموت (ويقال الذهاب) بكسر المعجمة (المطر) قال في المحكم: والذهبة المطرة الضعيفة وقيل الجود والجمع ذهاب بالكسر قال ذو الرمة يصف روضة: قرحاء حواء اشراطية وكفت فيها الذهاب وحفتها البراعيم والبراعيم رمال فيها دارات تنبت البقل، وقوله: ويقال الذهاب المطر ثابت لأبي ذر عن الحموي فقط . ٦٤٣٤ - هذّلنا يَخْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ بَيانٍ، عَنْ قَيْسٍ بْنِ أَبِي حازِمِ، عَنْ مِرْدَاسِ الأَسْلَمِيّ قالَ: قالَ النَّبِيِّ وَِّ: ((يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُّ، وَيَبْقَى حُفَلَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ - أَوْ التَّمْرِ - لا يُبَالِيهُمْ الله بَالَةً)). قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: يُقالُ: حُفالَةٌ وَحُثالَةٌ. وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدثنا (یحیی بن حماد) الشيباني البصري قال: (حدثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن بيان) بفتح الموحدة والتحتية المخففة ابن بشر بالموحدة المكسورة والمعجمة الساكنة الأحمسي (عن قيس بن أبي حازم) بالمهملة وبعد الألف زاي (عن مرداس) بكسر الميم وسكون الراء وبعد الدال المهملة ألف فسين مهملة ابن مالك (الأسلمي) ممن بايع تحت الشجرة أنه (قال: قال النبي (وَّر): (يذهب الصالحون) عند الإسماعيلي يقبض الصالحون أي تقبض أرواحهم (الأول فالأول ويبقى حفالة) بضم الحاء المهملة وفتح الفاء مخففة (كحفالة الشعير أو التمر) الرديء من كل أو ما يتساقط من قشورهما أو ما يسقط من الشعير عند الغربلة ويبقى من التمر بعد الأكل وأو للشك أو للتنويع (لا يباليهم الله) بتحتية ساكنة بعد اللام (بالة) بتخفيف اللام أي لا يرفع الله لهم قدرًا ولا يقيم لهم وزنًا وبالة مصدر باليت وأصله بالية فحذفت لامه قيل لكراهية ياء قبلها ٤٣٥ كتاب الرقاق/ باب ١٠ كسرة فيما كثر استعماله، وذلك لكثرة استعمال هذه اللفظة في كل ما لا يحتفل به، لكن قال في المصابيح: لا يحسن التعليل بمجرد هذا ولو أضيف إليه ما قاله بعض المتأخرين من أن المعنى. على حذف لام الكلمة فيه الشذوذ فاعله في المصادر فحولوه بالحذف المذكور عن بنية الشذوذ لکان حسناً . (وقال أبو عبد اللَّه) البخاري: (يقال حفالة) بالفاء (وحثالة) بالمثلثة بدلها يعني بمعنى واحد وهذا ساقط في رواية أبي ذر واستنبط من الحديث جواز خلوّ الأرض من عالم حتى لا يبقى إلا أهل الجهل صرفًا. وسبق الحديث في المغازي. ١٠ - باب ما يُتَّقى مِنْ فِتْنَةِ الْمالِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالْكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨] (باب ما يتقى) بضم التحتية وفتح الفوقية المشددة والقاف (من فتنة المال. وقول الله) ولأبي ذر وقوله (تعالى ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾) [التغابن: ١٥] بلاء ومحنة يوقعون في الإثم والعقوبة ولا بلاء أعظم منهما. ٦٤٣٥ - حدثني يَخْيَى بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: («تَعِسَ عَبْدُ الدّينارِ وَالدّزْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ)) . وبه قال: (حدثني) بالإفراد (يحيى بن يوسف) الزميّ بكسر الزاي والميم المشددة الخراساني نزيل بغداد ويقال له ابن أبي كريمة فقيل هي كنية أبيه وقيل هو جدّه واسمه كنيته قال: (أخبرنا أبو بكر) هو ابن عياش بالشين المعجمة (عن أبي حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان بن عاصم (عن أبي صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال: قال رسول الله) ولأبي ذر النبي (مَ﴾): (تعس) بفتح الفوقية وكسر العين المهملة وبعدها سين مهملة أيضًا وتفتح العين هلك (عبد الدينار) وهو طالبه وخادمه والحريص على جمعه وقال: في شرح المشكاة قيل خص العبد بالذكر ليؤذن بانغماسه في محبة الدنيا وشهواتها كالأسير الذي لا يجد خلاصًا (و) تعس عبد (الدرهم و) عبد (القطيفة) الدثار الذي له خمل (و) عبد (الخميصة) بالخاء المعجمة والصاد المهملة المفتوحتين الكساء الأسود المربع (إن أعطي) بضم الهمزة وكسر الطاء (رضي وإن لم يعط لم يرض) قال تعالى: ﴿فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون﴾ [التوبة: ٥٨] وفيه إيذان بشدة الحرص على ذلك وجعله عبدًا لها لشغفه وحرصه فمن كان عبدًا لهواه لم يصدق في حقه ٤٣٦ كتاب الرقاق/ باب ١٠ إياك نعبد ولا يكون من اتصف بذلك صدّيقًا والظاهر أن الجملة تفسير لمعنى عبوديته للدينار والدرهم فلا محل لها من الإعراب. والحديث سبق في الجهاد في باب الحراسة في الغزو وأخرجه ابن ماجة. ٦٤٣٦ - حدثنا أَبُو عاصِم، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ، عَنْ عَطاءِ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسِ رَضِيَ الله عَنْهُما يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَ يَقُولُ: ((لَوْ كَانَ لايْنِ آدَمَ وادِيانِ مِنْ مالٍ لاَبْتَغى ثالِثًا، وَلا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُرابُ، وَيَتُوبُ الله عَلَى مَنْ تَابَ)). وبه قال: (حدثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد النبيل البصري (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن عطاء) هو ابن أبي رباح أنه (قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: سمعت النبي ◌ٍَّ﴿ يقول): (لو كان لابن آدم واديان من مال) تثنية واد وهو معروف وربما اكتفوا بالكسرة عن الياء كما قال : قرقر قمر الواد بالشاهق والجمع الأودية على غير قياس كأنه جمع ودي مثل سري وأسرية للنهر. وفي حديث ابن الزبير المذكور هنا لو أن ابن آدم أعطي واديًا من ذهب (لا ينبغي) بالغين المعجمة لطلب (ثالثًا) وفي حديث ابن الزبير أحب إليه ثانيًا (ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب) كناية عن الموت لاستلزامه الامتلاء كأنه قال: لا يشبع من الدنيا حتى يموت (ويتوب الله على من تاب) من المعصية ورجع عنها أي يوفقه للتوبة أو يرجع عليه من التشديد إلى التوفيق أو يرجع عليه بقبوله، والمراد من الحديث ذم الحرص على الدنيا والشره على الازدياد، وأخرجه مسلم في الزكاة. ٦٤٣٧ - حدّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنا مَخْلَدْ، أَخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْج قالَ: سَمِعْتُ عَطاءٌ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: (لَوْ أَنَّ لابْنِ آدَمَ مِثْلُ وادٍ مالاً لأَحَبَّ أَنَّ لَهُ إِلَيْهِ مِثْلَهُ، وَلا يَمْلأُ عَيْنَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُرابُ، وَيَتُوبُ الله عَلى مَنْ تابَ)). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلا أَذْرِي مِنَ الْقُرْآنِ هُوَ أَمْ لا. قالَ: وَسَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: ذلِكَ عَلَى الْمِثْرِ. وبه قال: (حدثني) بالإفراد (محمد) هو ابن سلام وفي اليونينية محمد بن المثنى ألحق ابن المثنى بين محمد وبين قوله أخبرنا بكتابة رفيعة (قال: أخبرنا مخلد) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام ابن يزيد من الزيادة الحراني قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك (قال: سمعت عطاء) هو ابن أبي رباح (يقول: سمعت ابن عباس) رضي الله عنهما (يقول: سمعت رسول الله) ولأبي ذر نبي الله (َ* يقول): ٤٣٧ كتاب الرقاق/ باب ١٠ (لو أن لابن آدم مثل واد) بكسر الميم وسكون المثلثة بعدها لام ولأبي ذر عن الكشميهني ملء بحذف المثلثة وزيادة همزة بعد اللام الساكنة قال في الصحاح: هو اسم ما يأخذه الإناء إذا امتلأ (مالاً) وفي حديث زيد بن أرقم عند أحمد من ذهب وفضة (لأحب أن له إليه مثله ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب). قال الطيبي: وقع قوله ولا يملأ الخ موقع التذييل والتقرير للكلام السابق كأنه قيل ولا يشبع من خلق من تراب إلا التراب (ويتوب الله على من تاب) أي يقبل توبة الحريص كما يقبلها من غيره (قال ابن عباس) رضي الله عنهما: (فلا أدري من القرآن) المنسوخ تلاوته (هو) أي الحديث المذكور (أم لا) ومبحث ذلك يأتي في هذا الباب إن شاء الله تعالى. (قال) عطاء بالسند السابق (وسمعت ابن الزبير) عبد الله (يقول: ذلك) الحديث باللفظ المذكور بغير زيادة ابن عباس فلا أدري من القرآن هو أم لا. وقال في الكواكب: ويحتمل أن يراد به قول لا أدري أيضًا (على المنبر) بمكة المشرفة. ٦٤٣٨ - حدثنا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ سُلَيْمانَ بْنِ الْغَسِيلِ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى الْمِثْبَرِ بِمَكَّةَ فِي خُطْبَتِهِ يَقُولُ: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ النّبِيَّ وَِّ كَانَ يَقُولُ: (لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ أُعْطِيَ وادِيًا مَلأ مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ ثانيًا، وَلَوْ أُعْطِيَ ثانِيًا أَحَبَّ إِلَيْهِ ثالِثًا، وَلا يَسُدُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التّرابُ، وَيَتُوبُ الله عَلى مَنْ تابَ)). وبه قال: (حدثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدثنا عبد الرَّحمن بن سليمان بن الغسيل) بفتح المعجمة وكسر المهملة أي مغسول الملائكة حين استشهد وهو جنب وهو حنظلة بن أبي عامر الأوسي وهو جد سليمان المذكور لأنه ابن عبد الله بن حنظلة ولعبد اللَّه صحبة وعبد الرَّحمن من صغار التابعين (عن عباس بن سهل بن سعد) بسكون العين والهاء وعباس بالموحدة المشددة آخره مهملة أنه (قال: سمعت ابن الزبير) عبد الله (على المنبر بمكة) ولأبي ذر على منبر مكة (في خطبته يقول: يا أيها الناس إن النبي ◌َّ كان يقول): (لو أن ابن آدم أعطي) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول (واديًا ملأ) بفتح الميم وسكون اللام بعدها همزة منونًا ولأبي ذر ملآن (من ذهب أحب إليه ثانيًا ولو أعطي ثانيًا أحب إليه ثالثًا ولا يسدّ جوف) وفي رواية أبي عاصم عن ابن جريج السابقة في هذا الباب ولا يملأ جوف (ابن آدم إلا التراب) قال النووي: معناه أنه لا يزال حريصًا على الدنيا حتى يموت ويمتلىء جوفه من تراب قبره . وهذا الحديث خرج على حكم غالب بني آدم في الحرص على الدنيا ويؤيده قوله: (ويتوب الله على من تاب) وهو متعلق بما قبله ومعناه أن الله يقبل التوبة من الحرص المذموم وغيره من المذمومات. ٤٣٨ كتاب الرقاق/ باب ١٠ ٦٤٣٩ - حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّه، حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((لَوْ أَنَّ لايْنِ آدَمَ وَادِيَا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِياٍ، وَلَنْ يَمْلأَ فاهُ إِلاَّ التّرابُ، وَيَتُوبُ الله عَلى مَنْ تَابَ)). وبه قال: (حدثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين المهملة بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (أنس بن مالك) رضي الله عنه (أن رسول الله) ولأبي ذر أن النبي (َّيُ قال): (لو أن لابن آدم واديًا من ذهب أحب) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لأحب (أن يكون له واديان) أي من ذهب (ولن يملأ) ولأبي ذر عن الكشميهني ولا يملأ (فاه) أي فمه (إلا التراب) عبر في الأولى والثالثة بالجوف وفي الثانية بالعين وفي الأخيرة بفاه، وعند الإسماعيلي من رواية حجاج بن محمد عن ابن جريج بالنفس، وعند أحمد من حديث أبي واقد بالبطن قال في الكواكب: ليس المراد الحقيقة في عضو بعينه بقرينة عدم الانحصار في التراب إذ غيره يملؤه أيضًا بل هو كناية عن الموت لأنه مستلزم للامتلاء فكأنه قال: لا يشبع من الدنيا حتى يموت فالغرض من العبارات كلها واحد وليس فيها إلا التفنن من الكلام اهـ. قال في الفتح: وهذا يحسن فيما إذا اختلفت مخارج الحديث، وأما إذا اتحدت فهو من تصرف الرواة ثم نسبة الامتلاء للجوف واضحة والبطن بمعناه وأما النفس فعبر بها عن الذات وأطلق الذات وأراد البطن من باب إطلاق الكل وإرادة البعض، ويحتمل أن يكون المراد بالنفس العين وأما النسبة إلى الفم فلكونه طريق الوصول إلى الجوف وأما العين فلأنها الأصل في الطلب لأنه يرى ما يعجبه فيطلبه ليحوزه إليه وخص البطن في أكثر الروايات لأن أكثر ما يطلب المال لتحصيل المستلذات وأكثرها تكرار الأكل والشرب. (ويتوب الله على من تاب). قال في شرح المشكاة: يمكن أن يقال معناه أن بني آدم مجبولون على حب المال والسعي في طلبه وأن لا يشبع منه إلا من عصمه الله تعالى ووفقه لإزالة هذه الجبلة عن نفسه وقليل ما هم فوضع ويتوب الله على من تاب موضعه إشعارًا بأن هذه الجبلة المذكورة فيه مذمومة جارية مجرى الذنب، وأن إزالتها ممكنة، ولكن بتوفيق الله تعالى وتسديده ونحوه قوله تعالى ﴿ومن یوق شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [الحشر: ١٩؛ والتغابن: ١٦] أضاف الشح إلى النفس دلالة على أنه غريزة فيها وبين إزالته بقوله (يوق) ورتب عليه قوله: (﴿فأولئك هم المفلحون)). وههنا نكتة دقيقة فإن في ذكر بني آدم تلويحا إلى أنه مخلوق من التراب ومن طبعه القبض واليبس فيمكن إزالته بأن يمطر الله سبحان وتعالى عليه السحاب من غمائم توفيقه فيثمر حينئذ الخلال الزكية والخصال المرضية والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا ٤٣٩ كتاب الرقاق/ باب ١١ فمن لا يتداركه التوفيق وتركه وحرصه لم يزدد إلا حرصًا وتمالكًا على جمع المال قال: وموقع قوله: ويتوب الله على من تاب موقع الرجوع يعني أن ذلك لعسير صعب، ولكن يسير على من يسره الله عليه فحقيق أن لا يكون هذا من كلام البشر بل هو من كلام خالق القوى والقدر اهـ. وفي الحديث ذم الحرص والشره، ولذا آثر أكثر السلف التقلل من الدنيا والقناعة والرضا باليسير قال البخاري بالسند السابق إليه: ٦٤٤٠ - وقال لَنا أَبُو الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثابِتٍ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أُبَيِّ قالَ: كُنَّا نَرى هذا مِنَ الْقُرْآنِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿أَلْهَاكُمْ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]. (وقال لنا أبو الوليد): هشام بن عبد الملك الطيالسي وهذا ظاهره الوصل وليس للتعليق وإن قيل إنه للإجازة أو للمناولة أو للمذاكرة لأن ذلك في حكم الموصول نعم الذي يظهر بالاستقراء من صنيع المؤلف أنه لا يأتي بهذه الصيغة إلا إذا كان المتن ليس على شرطه في أصل موضوع كتابه كأن يكون ظاهره الوقف أو في السند من ليس على شرطه في الاحتجاج قاله في الفتح (حدثنا حماد بن سلمة) بفتحتين (عن ثابت) البناني (عن أنس عن أبي) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد التحتية ابن كعب الأنصاري رضي الله عنه أنه (قال: كنا نرى) بفتح النون أي نعتقد ولأبي ذر نرى بضمها أي نظن (هذا) الحديث لو كان لابن آدم واديان من مال لتمنى واديًا ثالثًا كما عند الإسماعيلي (من القرآن حتى نزلت ﴿ألهاكم التكاثر﴾) [التكاثر: ١] السورة التي هي بمعنى الحديث فيما تضمنه من ذم الحرص على الاستكثار من جمع المال والتقريع بالموت الذي يقطع ذلك ولا بد لكل أحد منه، فلما نزلت هذه السورة وتضمنت معنى ذلك مع الزيادة عليه علموا أن الحديث من كلامه وسي* وأنه ليس قرآنًا وقيل إنه كان قرآنًا فلما نزلت (﴿ألهاكم التكاثر﴾) نسخت تلاوته دون حكمه ومعناه. ١١ - باب قَوْلِ النَّبِيّ ◌ََِّ: ((هذَا الْمَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ)) وَقَالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقْتُطَرَةِ مِنَ الذّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنَّعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤] قالَ عُمَّرُ: اللَّهُمَّ إِنَّا لا نَسْتَطِيعُ إِلاَّ أَنْ نَفْرَحَ بِمَا زَيَّتَهُ لَنا، آللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقْهِ. (باب قول النبي ◌َّر هذا المال خضرة حلوة) التاء للمبالغة أو باعتبار أنواع المال أو صفة المحذوف كالبقلة. (وقال الله) ولأبي ذر وقوله (تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات﴾) المزين هو الله تعالى عند الجمهور للابتلاء لقوله تعالى: ﴿إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً﴾ [الكهف: ٧] وعن الحسن الشيطان، وقد يجمع بين القولين بأن نسبة ذلك إلى الله تعالى لأنه هو الفاعل حقيقة فهو ٤٤٠ كتاب الرقاق/ باب ١١ الذي أوجد الدنيا وما فيها وجعل القلوب مائلة إليها، وإلى ذلك أشار بالتزيين ليدخل فيه حديث النفس ووسوسة الشيطان فنسبة ذلك إليه تعالى باعتبار الخلق والتقدير إلى الشيطان باعتبار ما أقدره الله تعالى عليه من التسلط على الآدمي بالوسوسة الناشىء عنها حديث النفس وقرأ مجاهد زين للناس مبنيًا للفاعل حب مفعول به، والفاعل ضمير الله تعالى لتقدّم ذكره الشريف في قوله والله يؤيد بنصره من يشاء أو ضمير الشيطان أضمر وإن لم يجر له ذكر لأنه أصل ذلك فذكر هذه الأشياء مؤذن بذكره وأضاف المصدر لمفعوله في حب الشهوات وهي جمع شهوة بسكون العين فحرّكت في الجمع ولا يجوز التسكين إلا في ضرورة كقوله: وحملت زفرات الضحى فأطقتها ومالي بزفرات العشيّ يدان بتسكين الفاء والشهوة مصدر يراد به اسم المفعول أي المشتهيات فهو من باب رجل عدل حيث جعلت نفس المصدر مبالغة والشهوة ميل النفس إلى الشيء فجعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة كأنه أراد تخسيسها بتسميتها شهوات إذ الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية فكأن المقصود من ذكر هذا اللفظ التنفير عنها ولفظ الناس عام دخله حرف التعريف فيفيد الاستغراق، فظاهر اللفظ يقتضي أن هذا المعنى حاصل لجميع الناس والعقل أيضًا يدل عليه لأن كل ما كان لذيذًا ونافعًا فهو محبوب ومطلوب لذاته والمنافع قسمان جسماني وروحاني فالجسماني حاصل لكل أحد في أوّل الأمر فلا جرم كان الغالب على الخلق هو الميل الشديد إلى اللذات الجسمانية (﴿من النساء)) والإماء داخلة فيها (﴿والبنين﴾) جمع ابن وقد يقع في غير هذا الموضع على الذكور والإناث وهنا أريد الذكور لأنهم المشتهون في الطباع والمعدون في الدفاع وقدّم النساء لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم والفتنة بهن أشد ولله تعالى في إيجاد حب الزوجة والولد في قلب الإنسان حكمة بالغة لولا هذا الحب لما حصل التوالد والتناسل (﴿والقناطير﴾) جمع قنطار وهو المال الكثير أو سبعون ألف دينار أو سبعة آلاف دينار أو مائة وعشرون رطلاً أو مائة رطل أو ألف ومائتا أوقية (﴿المقنطرة﴾) مفعللة من القنطار وهو للتأكيد كقولهم ألوف مؤلفة ودراهم مدرهمة وقال قتادة: الكثير بعضها فوق بعض وقال: وقيل المدفونة (﴿من الذهب والفضة﴾) وإنما كانا محبوبين لأنهما ثمن الأشياء فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء (﴿والخيل المسوّمة﴾) المعلمة أو المرعية من أسام الدابة وسوّمها (﴿والأنعام)) جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم (﴿والحرث﴾) مصدر واقع المفعول به فلذلك وحد ولم يجمع كما جمعت أخواته (﴿ذلك﴾) المذكور (﴿متاع الحياة الدنيا)) [آل عمران: ١٤] يتمتع به في الدنيا وقد تضمنت هذه الآية الكريمة أنواعًا من الفصاحة والبلاغة منها الإتيان بها مجملة ومنها جعله لها نفس الشهوات مبالغة في التنفير عنها كما مر ومنها البداءة بالأهم فذكر أوّلاً النساء لأنهن أكثر امتزاجًا ومخالطة بالإنسان وهن حبائل الشيطان وقيل فيهن فتنتان وفي البنين فتنة واحدة لأنهن يقطعن الأرحام والصلات بين الأهل غالبًا وهن سبب في جمع المال من حرام وحلال غالبًا والأولاد يجمع لأجلهم المال فلذلك ثنى بهم، ولأنهم فروع منهن وثمرات نشأت