النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
كتاب الأشربة/ باب ١٠
١٠ - باب
الْبَاذَقِ وَمَنْ نَهى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ مِنَ الأشْرِبَة، وَرَأى عُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَمُعاذٌ شُرْبَ الطَّلاءِ
عَلى الثُّلُثِ، وَشَرِبَ الْبَراءُ وَأَبُو جُحَيْفَةَ عَلَى النَّصْفِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَشْرَبِ الْعَصيرَ ما دامَ
طَرِيًّا، وَقَالَ عُمَرُ: وَجَدْتُ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ رِيحَ شَرابٍ، وَأَنَا سائِلٌ عَنْهُ فَإنْ كانَ يُسْكِرُ جَلَدْتُهُ.
(باب الباذق) بفتح الباء والمعجمة بينهما ألف وآخره قاف، وقال في القاموس: بكسر الذال
وفتحها ما طبخ من عصير العنب أدنى طبخة فصار شديدًا، وقال الجواليقي: أصله باذه وهو أن
يطبخ العصير حتى يصير مثل طلاء الإبل، وقال ابن قرقول: المطبوخ من عصير العنب إذا أسكر
أو إذا طبخ بعد أن اشتد وقال في المحكم: هو من أسماء الخمر (و) ذكر (من نهى عن كل مسكر
من الأشربة) لحديث كل مسكر حرام.
(ورأى عمر) بن الخطاب مما أخرجه مالك في الموطأ (وأبو عبيدة) بن الجراح (ومعاذ) هو
ابن جبل مما وصله عنهما أبو مسلم الكجي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة (شرب الطلاء) أي
رأوا جواز شربه إذا طبخ فصار (على الثلث) وذهب ثلثاه وقد صرح بعضهم بأن المحذور منه
السكر فمتى أسكر حرم.
(وشرب البراء) بن عازب مما أخرجه ابن أبي شيبة (وأبو جحيفة) وهب بن عبد الله مما
أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا الطلاء إذا طبخ فصار (على النصف. وقال ابن عباس) رضي الله عنهما
فيما وصله النسائي لرجل سأله عن العصير (اشرب العصير ما دام طريًا) زاد النسائي قال: إني
طبخت شرابًا وفي نفسي منه شيء قال: كنت شاربه قبل أن تطبخه قال: لا، قال: فإن النار لا
تحل شيئًا قد حرم وهذا تقييد لما أطلق في الآثار الماضية وهو أن الذي يطبخ إنما هو العصير
الطري قبل أن يتخمر أما لو صار خمرًا فطبخ فإن الطبخ لا يطهره ولا يحله إلا على رأي من يجيز
تخليل الخمر والجمهور على خلافه: (وقال عمر) بن الخطاب رضي الله عنه مما وصله مالك (وجت
من عبيد الله) بضم العين ابن عمر بن الخطاب (ريح شراب) فزعم أنه شرب الطلاء (وأنا سائل
عنه فإن كان يسكر جلدته) فسأل عنه فوجدته مسكرًا فجلده بعد أن أقر أو بالبينة.
٥٥٩٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنا سُفْيانُ عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ قالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ
الْبَاذَقِ فَقالَ: سَبَقَ مُحَمَّدٌ رََّ الْبَاذَقَ، فَما أسْكَرَ فَهُوَ حَرامٌ، قالَ: الشّرابُ الْحَلالُ الطَّيْبُ. قالَ:
لَيْسَ بَعْدَ الْحَلالِ الطَّيِّب إلاَّ الْحَرامُ الْخَبِيثُ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي البصري قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن
أبي الجويرية) بضم الجيم مصغرًا حطان بكسر الحاء وتشديد الطاء المهملتين وبعد الألف نون ابن
خفاف بضم الخاء المعجمة وتخفيف الفاء الأولى الجرمي بالجيم والراء (قال: سألت ابن عباس)

٣٤٢
كتاب الأشربة/ باب ١١
رضي الله عنهما (عن الباذق) قيل: وكان أول من صنعه وسماه بنو أمية لينقلوه عن اسم الخمر
(فقال: سبق محمد الباذق) أَێد .
(فما أسكر فهو حرام) والباذق بالنصب على المفعولية أي سبق حكمه ◌َّقر بتحريم الخمر
تسميتهم إياها بالباذق حيث قال: ((ما أسكر فهو حرام)). فليس التحريم منوطًا بمجرد الاسم حتى
يكون تغييره مغيرًا للحكم وإنما الاعتبار بالإسكار فإن وجد فالتحريم ثابت سواء سمي المسكر
باسمه الذي كان أو غير إلى اسم آخر، وقال الحافظ أبو ذر مما رأيت في هامش اليونينية: إن
الاسم حدث بعد الإسلام، ونقل في الفتح عن أبي الليث السمرقندي أنه قال: شارب المطبوخ إذا
كان يسكر أعظم ذنبًا من شارب الخمر لأن شارب الخمر يشربها وهو يعلم أنه عاص بشربها
وشارب المطبوخ يشرب المسكر ويراه حلالاً وقد قام الإجماع على أن قليل الخمر وكثيره حرام ومن
استحل ما هو حرام بالإجماع كفر. (قال) أبو الجويرية الباذق هو (الشراب الحلال الطيب) لأنه
عصير العنب الحلال الطيب (قال) ابن عباس اشرب الحلال الطيب فإنه (ليس بعد الحلال الطيب
إلا الحرام الخبيث) حيث تغير عن حالته الأولى إلى الخمرية.
٥٥٩٩ - حدثنا عَبْدُ الله بْنُ أبي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبيهِ عَنْ
عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها قالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهَ يُحِبُّ الْحَلْواءَ وَالْعَسَلَ.
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدّثني (عبد الله بن أبي شيبة) ولأبي ذر عبد الله بن
محمد بن أبي شيبة قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة قال: (حدّثنا هشام بن عروة عن أبيه)
عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت: كان النبي ◌َّر يحب الحلواء) بفتح الحاء
المهملة وبالمدّ ما دخلته الصنعة جامعًا بين الحلاوة والدسومة (والعسل) قال الخطابي: وليس
حبه وَّي لهما على معنى كثرة التشهي لهما وإنما إنه إذا قدّما نال منهما نيلاً صالحًا. وقال في
الكواكب: ومناسبة الحديث للباب، بيان أن العصير المطبوخ إذا لم يكن مسكرًا فهو حلال كما أن
الحلواء تطبخ وتنعقد والعسل يمزج بالماء فيشرب في ساعته ولا شك في طيبه وحله.
وهذا الحديث سبق في باب الحلواء والعسل من الأطعمة.
١١ - باب مَنْ رَأى أنْ لا يَخْلِطَ الْبُسْرَ
وَالتَّمْرَ إذا كانَ مُسْكِرًا، وَأَنْ لا يَجْعَل إدامَيْنِ في إدامٍ
(باب مَن رأى أن لا يخلط) بفتح التحتية وكسر اللام (البسر والتمر) بالنصب على المفعولية
(إذا كان) خلطهما (مسكرًا) قال ابن بطال: قوله إذا كان مسكرًا خطأ لأن النهي عن الخليطين عام
وإن لم يسكر كثيرهما لسرعة سريان الإسكار إليهما من حيث لا يشعر صاحبه به فليس النهي عن
الخليطين لأنهما يسكران حالاً بل لأنهما يسكران مالاً فإنهما إذا كانا مسكرين في الحال لا خلاف

٣٤٣
كتاب الأشربة/ باب ١١
في النهي عنهما. قال الكرماني: فعلى هذا فليس هو خطأ بل يكون أطلق على سبيل المجاز وهو
استعمال مشهور، وأجاب ابن المنير بأن ذلك لا يرد على البخاري إما لأنه كان يرى جواز
الخليطين قبل الإسكار وإما لأنه ترجم على ما يطابق الحديث الأول وهو حديث أنس المذكور في
الباب فإنه لا شك أن الذي كان يسقيه للقوم حينئذٍ كان مسكرًا، ولهذا دخل عندهم في عموم
تحريم الخمر حتى قال أنس: وإنا لنعدّها يومئذٍ الخمر فدل على أنه كان مسكرًا. قال: وأما قوله
وأن لا يجعل إدامين في إدام فيطابق حديث جابر وأبي قتادة ويكون النهي معلّلاً بعلل مستقلة إما
تحقق إسكار الخمر الكثير وإما توقع الإسكار بالخلط سريعًا وأما الإسراف والشّره والتعليل
بالإسراف مبين في حديث النهي عن قران التمر، وقال ابن حجر: والذي يظهر لي أن مراد
البخاري بهذه الترجمة الردّ على من أوّل النهي عن الخليط بأحد تأويلين أحدهما حمل الخليط على
المخلوط وهو أن یکون نبيذ تمر وحده مثلاً قد اشتدّ ونبيذ زبيب وحده مثلاً قد اشتد فيخلطان
ليصيرا خلاًّ فيكون النهي من أجل تعمد التخليل، وهذا مطابق للترجمة من غير كلفة ثانيهما أن
تكون علة النهي عن الخلط الإسراف فيكون كالنهي عن الجمع بين الأدميين.
وأما قوله: (وأن لا يجعل إدامين في إدام) بكسر الهمزة فيهما فیوافق حديث جابر نهى
النبي ◌ّر عن الزبيب والتمر والبسر والرطب، وقول أبي قتادة نهى أن يجمع إلى آخره فيكون النهي
معللاً بعلل مستقلة إما تحقق إسكار الخمر الكثير، وإما توقع الإسكار بالاختلاط سريعًا، وإما
الإسراف والتعليل بالإسراف مبين في حديث النهي عن قران التمر هذا والتمر كان من نوع واحد
فكيف بالتعدد، وقد تحرّج عمر رضي الله عنه من الجمع بين إدامين فروي أنه كان كثيرًا ما يسأل
حذيفة، هل عدّه رسول الله وَ﴿ في المنافقين؟ فيقول: لا فيقول: هل رأيت فيّ شيئًا من خلاف
النفاق؟ فيقول: لا إلا واحدة قال: وما هي؟ قال: رأيتك جمعت بين إدامين على مائدة ملح
وزيت وكنا نعدّ هذا نفاقًا فقال عمر: لله عليّ أن لا أجمع بينهما فكان لا يأكل إلا بزيت خاصة أو
بملح خاصة وهذا إنما هو طلب للمعالي من الزهد والتقلل وإلا فلا خلاف أن الجمع بينهما مباح
بشرطه .
٥٦٠٠ - حدّثنا مُسْلِمْ حَدَّثَنَا هِشاٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: إنّي لأسْقِي أبا طَلْحَةَ وَأبا
دُجانَةً وَسُهَيْلَ ابْنَ الْبَيْضاءِ خَلِيطَ بُسْرٍ وَتَمْرٍ إِذْ حُرْمَتِ الْخَمْرُ، فَقَذَفْتُها وَأَنَا ساقيهِمْ وَأَصْغَرُهُمْ،
وَإِنَّا نَعُدُّها يَوْمَئِذِ الْخَمْرَ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارثِ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ سَمِعَ أَنَسًا.
وبه قال: (حدّثنا مسلم) هو ابن إبراهيم الأزدي قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي قال:
(حدثنا قتادة) بن دعامة (عن أنس) رضي الله عنه أنه (قال: إني لأسقي) بفتح الهمزة وكسر
القاف (أبا طلحة) زوج أم أنس (وأبا دجانة) بضم الدال وتخفيف الجيم سماكًا الأنصاري
الساعدي (وسهيل ابن البيضاء) بضم السين مصغرًا (خليط بسر وتمر) أي خمرًا متخذًا من
خليطهما (إذ حرمت الخمر) حرمها الله تعالى بما أنزل على رسوله وَ هر (فقذفتها) بالذال المعجمة

٣٤٤
كتاب الأشربة/ باب ١١
(وأنا ساقيهم وأصغرهم وإنَّا) بكسر الهمزة وتشديد النون (نعدها يومئذٍ الخمر).
وهذا الحديث سبق قريبًا.
(وقال عمرو بن الحارث) بفتح العين المهملة (حدّثنا قتادة) بن دعامة أنه (سمع أنسًا) رضي
الله عنه وهذا وصله مسلم والبيهقي وفائدته بيان سماع قتادة لأن الرواية المتقدمة بالعنعنة.
٥٦٠١ - حدثنا أبُو عاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أخْبَرَني عَطاءٌ أنَّهُ سَمِعَ جابِرًا يَقُولُ: نَهَى
النَّبِيُّ وَّرِ عَنِ الزَّبيبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْبُسْرِ، وَالرُّطَبِ.
وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد النبيل (عن ابن جريج) عبد الملك بن
عبد العزيز أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عطاء) هو ابن أبي رباح (أنه سمع جابرًا) الأنصاري رضي
الله عنه (يقول: نهى النبي ( 98) نهي تنزيه وعن بعض المالكية نهي تحريم (عن) الجمع بين (الزبيب
والتمر و) عن الجمع بين (البسر والرطب) تنبيذًا لأن الإسكار يسرع إليه بسبب الخلط قبل أن يشتدّ
فيظن الشارب أنه لم يبلغ حد الإسكار ويكون قد بلغه.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الأشربة والنسائي فيه وفي الوليمة.
٥٦٠٢ - حدثنا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا هِشامْ أخْبَرَنا يَخْيَى بْنُ أبي كثيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي قَتَادَةً
عَنْ أبيهِ قالَ: نَهَى النَّبِيِّ وَّرَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الثَّمْرِ وَالزَّهْوِ، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَلْيُنْبَذْ كُلُّ واحِدٍ
مِنْهُما عَلى حِدَةٍ.
وبه قال: (حدّثنا مسلم) هو ابن إبراهيم قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي قال: (أخبرنا
يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة (عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه) أبي قتادة الحارث بن ربعي
الأنصاري أنه (قال: نهى النبي بَّر أن يجمع بين التمر) بالفوقية وسكون الميم (والزهو) وهو البسر
الملون (و) بين (التمر والزبيب) لأن أحدهما يشتد به الآخر فيسرع الإسكار (ولينبذ) بسكون اللام
وفتح الموحدة مبنيًّا للمفعول (كل واحد منهما) أي من كل اثنين منهما فيكون الجمع بين الأكثر
بطريق الأولى (على حدة) بكسر الحاء وفتح الدال المخففة المهملتين بعدها هاء أي وحده، ولأبي ذر
عن الكشميهني: على حدته. وفي حديث أبي سعيد عند مسلم: من شرب منكم النبيذ فليشربه
زبيبًا فردًا أو تمرًا فردًا أو بسرًا فردًا. وهل إذا خلط نبيذ البسر الذي لم يشتد مع نبيذ التمر الذي لم
يشتد يمتنع أو يختص النهي عن الخلط عند الانتباذ؟ فقال الجمهور: لا فرق ولو لم يسكر، وقال
الكوفيون: بالحل ولا خلاف أن العسل باللبن ليس بخليطين لأن اللبن لا ينبذ واختلف في
الخليطين للتخليل.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الأشربة وكذا أبو داود، وأخرجه النسائي في الوليمة وابن
ماجة في الأشربة .

٣٤٥
كتاب الأشربة/ باب ١٢
١٢ - باب شُرْبِ اللَّبَنِ وَقَوْلِ الله تَعالى:
﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَم لَبَّا خالِصًا سائِفًا لِلشَّارِبِينَ﴾
(باب) جواز (شرب اللبن) وهو بمفرده غير مسكر نعم قد يقع نادرًا بصفة تحدّث فيه
وحينئذٍ فيحرم شربه إن علم ذهاب عقله به. وفي حديث ابن سيرين عند سعيد بن منصور أنه
سمع ابن عمر يسأل عن الأشربة فقال: إن أهل كذا يتخذون من كذا وكذا خمرًا حتى عدّ خمسة
أشربة لم أحفظ منها إلا العسل والشعير واللبن. قال: فكنت أهاب أن أحدّث باللبن حتى أنبئت
أنه بأرمينية يصنع شراب من اللبن لا يلبث صاحبه أن يصرع، قاله في الفتح.
(وقول الله تعالى) ولأبي ذر عز وجل: (﴿من بين فرث ودم لبنًا خالصًا﴾) أي يخلق اللبن
وسطًا بين الفرث والدم يكتنفانه وبينه وبينهما برزخ لا ينبغي أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا
رائحة بل هو خالص من ذلك كله قيل: إذا أكلت البهيمة العلف فاستقر في كرشها طبخته فكان
أسفله فرثًا وأوسطه لبنًا وأعلاه دمًا والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها فتجري الدم
في العروق واللبن في الضروع وتبقي الفرث في الكرش ثم ينحدر وفي ذلك عبرة لمن اعتبر
وسئل شقيق عن الإخلاص فقال الإخلاص: تمييز العمر من العيوب كتمييز اللبن من بين فرث
ودم (﴿سائغًا للشاربين﴾) [النحل: ٦٦] سهل المرور في الحلق، ويقال: لم يغص أحد باللبن قط
ومن الأولى للتبعيض لأن اللبن بعض ما في بطونها والثانية لابتداء الغاية وسقط قوله ﴿لبنًا
خالصًا﴾ لأبي ذر.
٥٦٠٣ - حدثنا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله أخْبَرَنا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ
أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: أَتِيَ رَسُولُ اللهِهَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَقَدحٍ خَمْرٍ .
وبه قال: (حدّثنا عبدان) اسمه عبد الله بن عثمان المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك
المروزي قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن سعيد بن المسيب
عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال: أتي) بضم الهمزة وكسر الفوقية (رسول الله وَلفي ليلة أسري
به) إلى بيت المقدس (بقدح لبن وقدح خمر) زاد في أوّل كتاب الأشربة فنظر إليهما ثم أخذ اللبن
فقال جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة ولو أخذت الخمر غوت أمتك وبذلك تتم المطابقة بين
الترجمة والحديث على ما لا يخفى.
٥٦٠٤ - حدثنا الْحُمَيْدِيُّ سَمِعَ سُفْيَانَ أخْبَرَنا سالِمٌ أبُو النَّضْرِ أنَّهُ سَمِعَ عُمَيْرًا مَوْلِى أُم
الْفَضْلِ يُحَدِّثُ عَنْ أُمْ الْفَضْلِ قالَتْ: شَكَّ النَّاسُ في صِيامِ رَسُولِ اللهِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأَرْسَلْتُ
إِلَيْهِ بِإِناءٍ فيهِ لَبَن فَشَرِبَ، فَكانَ سُفْيَانُ رُبَّما قالَ: شَكَّ النَّاسُ في صِيامِ رَسُولِ اللهِوَّهِ يَوْمَ عَرَفَةً،
فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أُمُّ الْفَضْلِ فَإذا وُقْفَ عَلَيْهِ: قالَ: هُوَ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ.

٣٤٦
كتاب الأشربة/ باب ١٢
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير أنه (سمع سفيان) بن عيينة يقول: (أخبرنا
سالم أبو النضر) بالنون المفتوحة والضاد المعجمة (أنه سمع عميرًا) بضم العين وفتح الميم (مولى أم
الفضل) زوج العباس بن عبد المطلب (يحدّث عن أم الفضل) رضي الله عنها أنها (قالت: شك
الناس في صيام رسول الله وَل﴿ يوم عرفة) بعرفة (فأرسلت) بسكون اللام وضم الفوقية (إليه) وَل
(بإناء) ولأبي ذر فأرسلت إليه أم الفضل بإناء (فيه لبن فشرب) منه وَّر، قال الحميدي: (فكان)
ولغير أبي ذر وكان (سفيان) بن عيينة (ربما قال شك الناس في صيام رسول الله وَّ ر يوم عرفة)
سقط لأبي ذر يوم عرفة (فأرسلت إليه) صلوات الله وسلامه عليه (أم الفضل) أي بإناء فيه لبن
(فإذا وقف) بضم الواو وبعدها قاف مشددة ولأبي ذر ووقف (عليه) بزيادة واو ساكنة بعد الواو
المضمومة أي كان إذا أرسل الحديث فلم يقل في إسناده عن أم الفضل فإذا سئل عنه هل هو
موصول أو مرسل (قال: هو عن أم الفضل) فهو في قوّة قول هو موصول والحديث تقدم في
الحج والصوم.
٥٦٠٥ - حدّثنا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أبي صالِحٍ وَأبي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرِ بِنِ
عَبْدِ الله قالَ: جاءَ أَبُو حُمَيْدٍ بِقَدَحِ مِنْ لَبَنِ مِنَ النَّقيعِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَهَ: ((ألا خَمَّرْتَهُ وَلَو أنْ
تَعْرُضَ عَلَيْهِ عُودًا)). [الحديث ٥٦٠٥ _ أطرافه في: ٥٦٠٦].
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد البلخي قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن
الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (عن أبي صالح) ذكوان (وأبي سفيان) طلحة بن نافع القرشي
كلاهما (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري رضي الله عنهما أنه (قال: جاء أبو حميد) بضم الحاء
مصغرًا عبد الرحمن الساعدي (بقدح من لبن) ليس مخمرًا (من النقيع) بفتح النون وكسر القاف
وبعد التحتية الساكنة عين مهملة موضع بوادي العقيق حماه وَّ لرعي النعم كان يستنقع فيه الماء
أي يجتمع وقيل هو غيره (فقال له رسول الله (وَلَا﴾):
(ألا) بفتح الهمزة وتشديد اللام أي هلا (خمرته) بخاء معجمة وميم مشددة مفتوحتين غطيته
(ولو أن تعرض) بفتح الفوقية وضم الراء أي ولو أن تنصب (عليه عودًا) عرضًا قيل والحكمة في
الاكتفاء بذلك اقترانه بالتسمية فيكون العرض علامة على التسمية فلا يقربه الشيطان.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الأشربة أيضًا.
٥٦٠٦ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أبي حَدَّثَنا الأعمَشُ قالَ: سَمِعْتُ أبا صالِحٍ يَذْكُرُ
أُرَاهُ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ جاءَ أَبُو حُمَيْدٍ رَجُلٌ مِنَ الأنصارِ، مِنَ النَّقيعِ بِإناءٍ مِنْ لَّبَّنٍ إِلَى
النّبِيِّ وَه فَقالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((ألاَّ خَمَّرْتَهُ، وَلَوْ أنْ تَعْرُضَ عَلَيْهِ عُودًا)). وَحَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ عَنْ
جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ بِهذا.

٣٤٧
كتاب الأشربة/ باب ١٢
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) بضم العين قال: (حدثنا أبي) حفص بن غياث قال:
(حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: سمعت أبا صالح) ذكوان (يذكر أراه) بضم الهمزة (عن
جابر رضي الله عنه) أنه (قال: جاء أبو حميد رجل من الأنصار، من النقيع بإناء من لبن إلى
النبي ◌ٌَّ) غير محمر (فقال النبي ◌َّ) له:
(ألا) أي هلا (خْرته) غطيته صيانة من الشيطان إذ إنه لا يكشف غطاء ومن الوباء الذي قيل
أنه ينزل في ليلة من السماء ومن النجاسة والقاذورات والحشرات ونحوها (ولو أن تعرض) تمدّ
(عليه عودًا) عرضًا لا طولاً. قال الأعمش (وحدثني) بالإفراد (أبو سفيان) طلحة بن نافع (عن
جابر عن النبي وجه بهذا) الحديث، وأخرجه الإسماعيلي عن حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي
سفيان عن جابر، وعن أبي صالح عن أبي هريرة والمحفوظ عن جابر، ويأتي إن شاء الله تعالى بقوة
الله الكلام على حكم تغطية الإناء قريبًا.
٥٦٠٧ - حدثني مَحْمُودٌ أخْبَرَنَا النَّضْرُ أخْبَرَنا شُعْبَةُ عَنْ أبي إسْحُقَ قالَ: سَمِعْتُ الْبَراءَ
رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيِّ وَّهِ مِنْ مَكَّةَ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَرَرْنا بِراعٍ وَقَدْ عَطِشَ
رَسُولُ اللهِوَ﴿ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ فَحَلَبْتُ كُثْبَةً مِنْ لَبَنِ فِي قَدَحِ فَشَرِبَ حَتَّى رَضيتُ وَأتانا
سُراقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ عَلَى فَرَسٍ، فَدَعا عَلَيْهِ فَطَلَبَ إِلَيْهِ سُراقَةُ أنْ لا يَدْعُو عَلَيْهِ وأنْ يَرْجِعَ، فَفَعَلَ
النَّبِيُّ ◌َّد.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمود) هو ابن غيلان قال: (أخبرنا النضر) بالنون المفتوحة
والمعجمة الساكنة ابن شمير قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) عمرو السبيعي أنه
(قال: سمعت البراء) بن عازب (رضي الله عنه قال: قدم النبي ◌َّر من مكة) لما هاجر منها إلى
المدينة (وأبو بكر) الصديق رضي الله عنه (معه قال أبو بكر: مررنا) في طريقنا (براع وقد) أي
والحال أنه قد (عطش رسول الله ﴿ قال أبو بكر رضي الله عنه: فحلبت كثبة) بضم الكاف
وسكون المثلثة بعدها موحدة مفتوحة قطعة من اللبن أو ملء القدح أو قدر حلبة ناقة (من لبن في
قدح) وفي الهجرة أنه أمر الراعي فحلب فنسب الحلب لنفسه هنا على طريق المجاز (فشرب) وَل
منه (حتى رضيت) أي علمت أنه شبع (وأتانا) ولأبي ذر وابن عساكر وأتاه أي النبي وَّل
(سراقة بن جعشم) بضم الجيم وسكون العين المهملة وضم الشين المعجمة الكناني بنونين المدلجي
أسلم آخرًا (على فرس فدعا عليه) النبي وَّر (فطلب إليه) صلوات الله وسلامه عليه (سراقة أن لا
يدعو عليه وأن يرجع ففعل النبي ◌َّ) أي فلم يدع عليه.
وهذا الحديث سبق في الهجرة.
٥٦٠٨ - حدثنا أَبُو الْيَمانِ أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ حَدَّثَنا أَبُو الزّنادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ عَنْ أبي
هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللهِوَّرَ قالَ: ((نِعْمَ الصَّدَقَةُ اللَّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، وَالشَّاءُ

٣٤٨
كتاب الأشربة/ باب ١٢
الصَّفِيُّ مِنْحَةً، تَغْدُو بِإناءٍ وَتَرُوحُ بِآخَرَ)).
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال:
(حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن عبد الرحمن) بن هرمز الأعرج (عن أبي هريرة رضي الله
عنه أن رسول الله وَله قال):
(نعم الصدقة اللقحة) بكسر اللام وتفتح وسكون القاف وبالحاء المهملة الناقة الحلوب
(الصفي) بفتح الصاد المهملة وكسر الفاء وتشديد التحتية الكثيرة اللبن أي مصطفاة مختارة فعيل إذا
كان بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث (منحة) بكسر الميم وسكون النون وفتح الحاء المهملة
نصب على التمييز عطية تعطيها غيرك ليحتلبها ثم يردها إليك (و) نعم الصدقة (الشاة الصفي
منحة) تعطيها غيرك فيحتلبها (تغدو) أول النهار (بإناء) من اللبن (وتروح) آخره (بآخر) بالمد وفيه
إشارة إلى أن المستعير لا يستأصل لبنها قاله في الفتح.
والحديث سبق في باب فضل المنحة من العارية.
٥٦٠٩ - هذلنا أبُو عاصِم عَنِ الأوزاعِيِّ عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله عَنِ ابْنٍ
عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّةِ، شَرِبَ لَبَنَا فَمَضْمَضَ وَقالَ: ((إنَّ لَهُ دَسَمًا)).
وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك النبيل بن مخلد (عن الأوزاعي) عبد الرحمن (عن ابن
شهاب) الزهري (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) بن عتبة بن مسعود (عن ابن عباس
رضي الله عنهما أن رسول الله وَ ﴿و شرب لبنًا فمضمض) منه (وقال):
(إن له) أي اللبن (دسمًا) بفتحتين بيان لعلة المضمضة منه.
٥٦١٠ - وقال إبراهيمُ بْنُ طَهْمانَ: عَنْ شُعْبَةً عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أنسِ بْنِ مالِكِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ
الله ◌ََّ: ((رُفِعْتُ إلَى السِّدْرَةِ، فَإذا أَرْبَعَةُ أَنْهارِ: نَهْرانِ ظاهِرانٍ، وَنَهْرانِ باطِنانٍ، فَأُمَّا الظَّاهِرانِ
فَالنِيلُ وَالْفُراتُ، وَأمَّا الْبَاطِنانِ فَنَهْرانِ فِي الْجَنَّةَ، فَأُتيتُ بِثَلاثَةٍ أُقْداحٍ: قَدَحٌ فِيهِ لَبَنْ، وَقَدحْ فيهِ
عَسَلْ، وَقَدَحْ فِيهِ خَمْرٌ. فَأَخَذْتُ الَّذِي فِيهِ اللَّبَنُ فَشَرِبْتُ، فَقيلَ لي: أصَبْتَ الْفِطْرَةَ أَنْتَ وَأُمَّتُكَ))
وَقَالَ هِشَامٌ وَسَعيدٌ وَهَمَّامٌ: عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ عَنْ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةً عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ فِي
الأنْهارِ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرُوا ثَلاثَةَ أقْداحٍ .
(وقال إبراهيم بن طهمان) بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء الهروي مما وصله عوانة
والإسماعيلي والطبراني في معجمه الصغير من طريقه (عن شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة
السدوسي (عن أنس بن مالك) رضي الله عنه أنه (قال: قال رسول الله (وَ لاغير):
(رفعت) بسكون العين المهملة وضم الفوقية وللحموي والكشميهني دفعت بالدال المهملة

٣٤٩
كتاب الأشربة/ باب ١٣
بدل الراء (إلى السدرة) جار ومجرور، وقال في الفتح: رفعت كذا للأكثر بضم الراء وكسر الفاء
وفتح العين المهملة وسكون المثناة على البناء للمجهول وإلّ بتشديد التحتية والسدرة مرفوعة،
وللمستملي: دفعت بدال بدل الراء وسكون العين وضم المثناة بنسبة الفعل إلى المتكلم وإلى حرف
جر، والمراد سدرة المنتهى وسميت بذلك لأن علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحد إلا سيدنا
محمد رسول الله وَّر وشرف وكرّم، وعن ابن مسعود وسميت بذلك لكونها ينتهي إليها ما يهبط
من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله تعالى ومعنى الرفع تقريب الشيء وكأنه أراد أن سدرة
المنتهى استبينت له بنعوتها كل الاستبانة حتى اطّلع عليها كل الاطّلاع بمثابة الشيء المقرّب إليه
(فإذا أربعة أنهار نهران ظاهران ونهران باطنان فأما) النهران (الظاهران فـ) هما (النيل) وهو نهر
مصر (والفرات) بضم الفاء والمثناة الفوقية المجرورة وهو نهر الكوفة وأصله من أطراف أرمينية
(وأما) النهران (الباطنان فنهران في الجنة) وهما فيما قاله مقاتل السلسبيل والكوثر والظاهر أن النيل
والفرات يخرجان من أصلهما ثم يسيران حيث أراد الله ثم يخرجان من الأرض ويسيران فيها وهذا
لا يمنعه شرع ولا عقل وهو ظاهر الحديث فوجب المصير إليه (فأتيت) بفاء فهمزة مضمومة ولأبي
الوقت وأتيت بالواو بدل الفاء (بثلاثة أقداح) ومفهوم العدد لا اعتبار له فلا منافاة بين قوله هنا
بثلاثة، وقوله في السابق قدحان وأيضًا فالقدحان قبل رفعه إلى السدرة وهو في بيت المقدس
والثلاثة بعده وهو عند السدرة أحدها (قدح فيه لبن و) الثاني (قدح فيه عسل و) الثالث (قدح فيه
خمر فأخذت الذي فيه اللبن فشربت فقيل لي أصبت الفطرة) أي علامة الإسلام والاستقامة (أنت)
تأكيد للضمير الذي في أصبت (و) لتصب (أمتك). قال ابن المنير: ذكر السر في عدوله عن
الخمر ولم يذكر في عدوله عن العسل وظاهره تفضيل اللبن على العسل لأنه الأيسر والأنفع وهو
بمجرده قوت وليس من الطيبات التي تدخل في السرف بوجه وهو أقرب إلى الزهد فكأنه ترك
العسل الذي هو حلال لأنه من اللذائذ التي يخشى على صاحبها أن يندرج في قوله عز وجل:
﴿أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا﴾ [الأحقاف: ٢٠] وأما اللبن فلا شبهة فيه ولا منافاة بينه
وبين الورع بوجه، وأما ما ورد من محبته وَلّر للعسل فعلى وجه الاقتصاد في تناوله إلا أنه جعله
ديدنّا والنبي ◌ِّر مشرع بفعل ما يجوز للبيان.
(وقال هشام) الدستوائي: (وسعيد) هو ابن أبي عروبة فيما وصله المؤلف عنهما في باب
ذكر الملائكة من كتاب بدء الخلق (وهمام) بتشديد الميم الأولى ابن يحيى كلهم (عن قتادة) بن دعامة
(عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبي وَلي في الأنهار) أي اتفقوا من متن الحديث
على ذكر الأنهار (نحوه) أي نحو المذكور في الحديث السابق (ولم يذكروا) هؤلاء في روايتهم ولأبي
ذر عن الكشميهني ولم يذكر أي هشام (ثلاثة أقداح).
١٣ - باب أَسْتِغْذابِ الْماءِ
(باب استعذاب الماء) أي طلب الماء الحلو.

٣٥٠
كتاب الأشربة/ باب ١٣
٥٦١١ - حدّثنا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مالِكِ عَنْ إسْحُقَ بْنِ عَبْدِ الله أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بْنَ
مالِكِ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ أنْصارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مالاً مِنْ نَخْلِ، وَكانَ أحَبَّ مالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحاءٍ،
وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ يَدْخُلُها وَيَشْرَبُ مِنْ ماءِ فيها طَيِّبٍ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا
نَزَّلَتْ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقالَ: يَا رَسُولَ الله، إنَّ اللهَ يَقُولُ:
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أحَبَّ مالي إلَيَّ بَيْرُحاءِ. وَإِنَّها صَدَقَةٌ له أرْجُو بِرِّها
وَذُخْرَها عِنْدَ اللهِ، فَضَعْها يا رَسُولَ الله حَيْثُ أراكَ الله. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (بَخِ، ذلِكَ مالٌ
رابحْ أوْ رايحٌ)) شَكَّ عَبْدُ الله ((وَقَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ وَإنّ أرى أنْ تَجْعَلَها فِي الأَقْرَبِينَ)) فَقالَ أبو
طَلْحَةَ أفْعَلُ يا رَسُولَ الله فَقَسَمَها أَبُو طَلْحَةَ في أقارِبِهِ وَفِي بَنِي عَمِّهِ. وَقَالَ إِسْماعيلُ وَيَحْيَى بْنُ
یخیی: رايحْ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب القعنبي الحارث أحد الأعلام (عن مالك)
إمام الأئمة (عن إسحاق بن عبد الله) بن أبي طلحة (أنه سمع) عنه (أنس بن مالك) رضي الله عنه
(يقول: كان أبو طلحة) زيد الأنصاري (أكثر أنصاري بالمدينة مالاً) نصب على التمييز (من نخل)
الجار للبيان (وكان أحب ماله إليه بيرحاء) برفع الراء اسم كان وأحب نصب خبرها أو أحب
اسمها وبير خبرها وحاء بالهمز والمد ولأبي ذر بالقصر، واختلف في فتح الموحدة وكسرها وهل
بعدها همزة ساكنة أو تحتية أو غير ذلك مما سبق في الزكاة فارجع إليه إن أردته ففيه ما يكفي
ويشفي وفي الفائق أنها فيعلاه من البراح وهي الأرض الطاهرة (وكانت مستقبل المسجد) وفي
رواية أبي ذر كالزكاة مستقبلة المسجد (وكان رسول الله * يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب)
بالجر صفة للمجرور (قال أنس رضي الله عنه (فلما نزلت: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما
تحبون﴾ قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله إن الله) عز وجل (يقول: ﴿لن تنالوا البر﴾) أي لن
تكونوا أبرارًا محسنين فكأنه جعل البر شيئًا متناولاً مبالغة (﴿حتى تنفقوا مما تحبون))
[آل عمران: ٩٢]. (وإن أحب مالي) بالإفراد (إلي بيرحاء) ولأبي ذر بيرحا بالقصر (وإنها صدقة لله
أرجو برها) خيرها (وذخرها) بضم الذال وسكون الخاء المعجمتين أي أقدمها فأدخرها لأجدها
(عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله (وَلَةٍ):
(بخ) فيه لغتان إسكان الخاء وكسرها منوّنة كلما يقولها المتعجب من الشيء وعند المدح
والرضا بالشيء وقد تكرر للمبالغة فيقال: بخ بخ (ذلك مال رابح) بالموحدة ذو ربح (أو) قال:
(رايح) بالتحتية بدل الموحدة من الرواح نقيض الغدوّ أي قريب الفائدة يصل نفعه إلى صاحبه
(شك عبد الله) بن مسلمة (وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين) فإن أفضل البر
ما أولي إلى الأقرباء (فقال أبو طلحة: أفعل) برفع اللام ذلك (يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في
أقاربه وفي بني عمه) من باب عطف الخاص على العام (وقال إسماعيل) بن أبي أويس مما وصله

٣٥١
كتاب الأشربة/ باب ١٤
في التفسير (ويحيى بن يحيى) أبو زكريا التميمي الحنظلي مما وصله في الوصايا كلاهما عن مالك
(رايح) بالمثناة التحتية من الرواح.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: ويشرب من ماء فيها طيب. وفي حديث عائشة عند أبي
داود كان رسول الله ◌َي9 يستعذب له الماء من بيوت السقيا بضم السين المهملة وبالقاف والتحتية
عين بينها وبين المدينة يومان فاستعذاب الماء لا ينافي الزهد ولا يدخل في الترفه المذموم، نعم كره
مالك رحمه الله تطبيب الماء بنحو المسك لما فيه من السرف.
وهذا الحديث سبق في الزكاة والوصايا والوكالة والتفسير.
١٤ - باب شَوْبِ اللَّبَنِ بِالْماءِ
(باب شوب اللبن بالماء) بفتح المعجمة وسكون الواو أي خلط اللبن بالماء، ولأبي ذر عن
الحموي والمستملي: شرب بضم الشين والراء الساكنة بدل الواو أي شرب اللبن ممزوجًا بالماء البارد
كسرًا لحرارته عقب حلبه مع شدّة حر القطر.
٥٦١٢ - حدثنا عَبْدَانُ أَخْبَرَنا عَبْدُ الله أخْبَرَنا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ
مالِكِ رَضِيَ الله عَنْهُ أنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ وَهَ، شَرِبَ لَبَنَا وَأتى دارَهُ فَحَلَبْتُ شاةً فَشُبْتُ لِرَسُولٍ
الله وَ مِنَ الْبِثْرِ فَتَناوَلَ الْقَدَحَ فَشَرِبَ وَعَنْ يَسارِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعَنْ يَمِينِهِ أعْرابِيٌّ فَأعطى الأغرابِيَّ
فَضْلَهُ ثُمَّ قالَ: ((الأيْمَنَ فَالأنْمَنَ)).
وبه قال: (حدّثنا عبدان) عبد الله بن عثمان المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك
المروزي قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم (قال: أخبرنا)
بالإفراد (أنس بن مالك رضي الله عنه أنه رأى رسول الله وَلخير شرب لبنّا وأتى داره) أي دار
أنس والجملة حالية أي رآه حين أتى داره (فحلبت شاة فشبت) بضم الشين المعجمة أي خلطت
(لرسول الله وَ*) اللبن الذي حلبته بماء (من البئر) ليبرد (فتناول) بَير (القدح فشرب) منه (وعن
يساره أبو بكر الصديق (وعن يمينه أعرابي) زاد في رواية أبي طوالة السابقة في الهبة وعمر
تجاهه وفي الشرب من طريق شعيب عن الزهري في هذا الحديث فقال عمر: وخاف أن يعطيه
الأعرابي أعط أبا بكر، وفي رواية أبي طوالة فقال عمر: هذا أبو بكر (فأعطى) عليه الصلاة
والسلام (الأعرابي فضله) أي اللبن الذي فضل منه بعد شربه (ثم قال): ولأبي ذر عن
الكشميهني، وقال بالواو بدل ثم قدموا (الأيمن فالأيمن) أو النصب على الحال أي اشربوا
مترتبين على هذا النمط، ويجوز الرفع أي الأيمن مقدم أو أحق بالشرب من غيره. وفي الحديث
أن السنة تقديم الأيمن وإن كان مفضولاً ولا يلزم من ذلك حط رتبة الفاضل، ولعل عمر
رضي الله عنه كان احتمل عنده أنه ﴿ يقدم أبا بكر فيكون سنّة في تقديم الأفضل في الشرب

٣٥٢
كتاب الأشربة/ باب ١٥
على الأيمن، فلذا ذكر أبا بكر فبين له وَّله أن السنّة تقديم الأيمن على الأفضل.
وهذا الحديث سبق في الهبة.
٥٦١٣ - حدثنا عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أبُو عامِرٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمانَ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ
الْحَارِثِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْد الله رَضِيَ الله عَنْهُما أنَّ النَّبِيِّ وََّ، دَخَلَ عَلى رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ وَمَعَهُ
صاحِبٌ لَهُ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ وَّهِ: ((إنْ كانَ عِنْدَكَ ماءٌ باتَ هذِهِ اللَّيْلَةَ فِي شَنَّةٍ وَإلاَّ كَرَغْنا)). قالَ:
والرَّجُلُ يُحَوِّلُ الْمَاءَ فِي حَائِطِهِ قالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ الله، عِنْدِي ماءٌ بائِتٌ فَانْطَلِقْ إلَى
الْعَريشِ قالَ: فَانْطَلَقَ بِهِما فَسَكْبَ فِي قَدَحِ ثُمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ دَاجِنٍ لَهُ قالَ: فَشَرِبَ رَسُولُ
اللهِ وَ ثُمَّ شَرِبَ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ مَعَهُ. [الحديث ٥٦١٣ - أطرافه في: ٥٦٢١].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي الجعفي قال: (حدّثنا أبو عامر) عبد الملك
العقدي بفتح العين المهملة والقاف قال: (حدّثنا فليح بن سليمان) بفاء مضمومة آخره مهملة وضم
السين مصغرين العدوي مولاهم المدني (عن سعيد بن الحارث) الأنصاري قاضي المدينة (عن
جابر بن عبد الله) الأنصاري (رضي الله عنه أن النبي ◌َّار دخل على رجل من الأنصار) قيل هو أبو
الهيثم بن التيهان الأنصاري (ومعه صاحب له) هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه (فقال له) أي
للرجل الأنصاري الذي دخل عليه (النبي ◌َّ):
(إن كان عندك ماء بات هذه الليلة في شنة) بفتح الشين المعجمة والنون المشدّدة قربة خلقة
فاسقنا منها (وإلا كرعنا) بفتح الراء وتكسر شربنا من غير إناء ولا كف بل بالفم (قال) جابر
(والرجل) الأنصاري (يحول الماء في حائطه) ينقله من عمق البئر إلى ظاهرها أو يجري الماء جانب
إلى جانب من بستانه ليعم أشجاره بالسقي (قال) جابر (فقال الرجل) الأنصاري وسقط لابن
عساكر لفظ الرجل (يا رسول الله عندي ماء بائت فانطلق) بكسر اللام وسكون القاف (إلى
العريش) المسقف من البستان بالأغصان وأكثر ما يكون في الكروم (قال فانطلق) الرجل الأنصاري
(بهما) بالنبي ◌َّ وبالصديق رضي الله عنه إلى العريش (فسكب في قدح) ماء (ثم حلب عليه) لبنًا
(من داجن له) بالجيم والنون شاة تألف البيوت (قال) جابر (فشرب رسول الله وض عقار ثم شرب
الرجل الذي جاء معه) وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجة في الأشربة.
١٥ - باب شَرابِ الْحَلْواءِ وَالْعَسَلِ
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لا يُحَلَّ شُرْبُ بَوْلِ النَّاسِ لِشِدَّةٍ تَنْزِلُ، لأَنَّهُ رِجْسٌ قَالَ الله تعالى: ﴿أُحِلَّ
لَكُمُ الطَِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي السَّكْرِ: إِنَّ اللّه لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ.

٣٥٣
كتاب الأشربة/ باب ١٥
(باب شراب الحلواء) بالمد للمستملي وبالقصر لغيره لغتان (و) شراب (العسل) وليس المراد
بقوله شراب الحلواء الحلواء المعهودة المعقودة بالنار بل كل حلواء تشرب من نقيع حلو وغيره مما
يشبهه وقوله الحلواء شامل للعسل فذكره بعدها من التخصيص بعد التعميم.
(وقال الزهري) محمد بن مسلم فيما وصله عبد الرزاق (لا يحل شرب بول الناس لشدّة) أي
لضرورة عطش ونحو (تنزل الآية) أي البول (رجس) نجس (قال الله تعالى: ((أحل لكم
الطيبات﴾) [المائدة: ٤]. وقال عز وجل: ﴿ويحرّم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف: ١٥٧] والرجس:
من جملة الخبائث وأورد عليه جواز أكل الميتة عند الشدّة وهي رجس وقد جوّز شرب البول
للتداوي. وأجيب: باحتمال أن يكون الزهري يرى أن القياس لا يدخل الرخص فإن الرخصة قد
وردت في الميتة لا في البول، وفي شُعب البيهقي أن الزهري كان يصوم يوم عاشوراء في السفر
فقيل له: أنت تفطر في رمضان في السفر؟ فقال: إن الله عز وجل قال في رمضان: ﴿فعدّة من
أيام أُخر﴾ [البقرة: ١٨٤] وليس ذلك لعاشوراء.
(وقال ابن مسعود) عبد الله (في السكر) بفتح السين المهملة والكاف بعدها راء الخمر بلغة
العجم وفي فوائد علي بن حرب الطائي عن سفيان بن عيينة عن منصور أخرجه ابن أبي شيبة
بسند صحيح على شرط الشيخين عن جرير عن منصور عن أبي وائل قال: اشتكى رجل منا يقال
له خيثم بن العداء داء ببطنه يقال له الصفر فنعت له السكر فأرسل إلى ابن مسعود يسأله فقال:
(إن الله لم يجعل شفاءكم فيما) ولأبي ذر مما (حرم عليكم).
فإن قلت: قد جوزوا إساغة اللقمة بالجرعة من الخمر فلِم لم يجوزوا التداوي به وأي فرق
بينهما؟ أجيب: بأن الإساغة يتحقق بها المراد بخلاف الشفاء فإنه غير محقق كما لا يخفى، وقد قال
بعضهم: إن المنافع في الخمر قبل التحريم سلبت بعده فتحريمها مجزوم به وكونها دواء مشكوك فيه
بل الراجح أنها ليست بدواء بإطلاق الحديث. نعم يجوز تناولها في صورة واحدة وهي ما إذا
اضطر إلى إزالة عقله لقطع عضو من الأكلة والعياذ بالله تعالى، فقد خرّجه الرافعي على الخلاف في
جواز التداوي بالخمر وصحح النووي هنا الجواز وهو المنصوص. قال في الفتح: ينبغي أن يكون
محله فيما إذا تعين ذاك طريقًا إلى سلامة بقية الأعضاء ولم يجد مرقدًا غيرها.
فإن قلت: ما وجه المطابقة بين الترجمة والأثرين؟ أجاب ابن المنير بأنه ترجم على شيء
وأعقبه بضده قال: وبضدها تتبين الأشياء ثم عاد إلى ما يطابق الترجمة نصًّا، ويحتمل أن يكون
مراده بقول الزهري الإشارة بقوله تعالى: ﴿أُحلّ لكم الطيبات﴾ [المائدة: ٤] إلى أن الحلواء
والعسل من الطيبات فهما حلال وبقول ابن مسعود الإشارة إلى قوله تعالى: ﴿فيه شفاء للناس﴾
[النحل: ٦٩] فدلّ الامتنان به على حلّه فلم يجعل الله الشفاء فيما حرم.
٥٦١٤ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الله حَدَّثَنَا أَبُو أُسامَةَ قالَ: أخْبَرَنِي هِشامٌ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ
إرشاد الساري/ ج ١٢ / م ٢٣

٣٥٤
كتاب الأشربة/ باب ١٦
رَضِيَ الله عَنْها قالَتْ: كَانَ النَّبِيِّ وَهِ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة قال:
(أخبرني) بالإفراد (هشام عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة رضي الله عنها) أنها
(قالت: كان النبي ◌َليفي يعجبه الحلواء) بالمد ويجوز القصر (والعسل) قال النووي: المراد بالحلواء في
هذا الحديث كل شيء حلو وذكر العسل بعدها للتنبيه على شرفه ومزيته، وفي شعب البيهقي عن
أبي سليمان الداراني قول عائشة كان يحب الحلواء ليس على معنى كثرة التشهي لها وشدّة نزاع
النفس إليها وتأنق الصنعة في اتخاذها كفعل أهل الترف والشره وإنما كان إذا قدمت إليه نال منها
نيلاً جيدًا فيعلم بذلك أنها تعجبه قاله في الفتح.
وهذا الحديث قد مرّ في كتاب الأطعمة.
١٦ - باب الشُّزْبِ قائِمًا
(باب) حكم (الشرب) حال كون الشارب (قائمًا.
٥٦١٥ - حدثنا أبُو نُعَيْم حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنِ النَّزَّالِ قَالَ أتَى عَلِيٍّ
رَضِيَ الله عَنْهُ عَلى بابِ الرَّحَبَةِ فَشَرِبَ قائِمًا فَقالَ: إنَّ ناسًا يَكْرَهُ أحَدُهُمْ أَنْ يَشْرَبَ وَهُوَ قَائِمٌ،
وَإِنِّي رَأيْتُ النَّبِيِّ ◌َ﴿ فَعَلَ كَمَا رَأيْتُمونِي فَعَلْتُ. [الحديث ٥٦١٥ - أطرافه في: ٥٦١٦].
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون السين
وفتح العين المهملتين آخره راء ابن كدام الكوفي (عن عبد الملك بن ميسرة) ضد الميمنة الزراد (عن
النزال) بالنون والزاي المشددة المفتوحتين أنه (قال: أتى علي رضي الله عنه) بفتح الهمزة ولأبي ذر أُتي
بضمها وكسر تاليها (على باب الرحبة) بفتح الراء والحاء المهملة والموحدة أي رحبة المسجد والمراد
مسجد الكوفة ولأبي ذر زيادة بماء (فشرب) منه حال كونه (قائمًا فقال: إن ناسًا يكره أحدهم أن
يشرب) أي بأن وأن مصدرية أي يكره الشرب (وهو قائم) أي في حالة القيام (وإني رأيت
النبي ◌َّله فعل كما رأيتموني فعلت) من الشرب قائمًا.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في الأشربة والنسائي في الطهارة.
٥٦١٦ - حدثنا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ سَمِعْتُ النَّزَّالَ بْنَ سَبْرَةَ
يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى الظُهْرَ ثُمَّ قَعَدَ في ◌َوائِجِ النَّاسِ فِي رَحَبَةِ الْكُوفَةِ حَتَّى
حَضَرَتْ صَلاةُ الْعَصْرِ، ثُمَّ أُتِيَ بِمَاءٍ فَشَرِبَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَذَكَرَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ ثُمَّ قَامَ
فَشَرِبَ فَضْلَهُ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قالَ: إنَّ ناسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قَائِمًا، وَإِنَّ النَّبِيِّ نَّهِ صَنَعَ مِثْلَ مَا
صَنَعْتُ.

٣٥٥
كتاب الأشربة/ باب ١٧
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا
عبد الملك بن ميسرة) قال: (سمعت النزال بن سبرة) بفتح السين المهملة وسكون الموحدة بعدها
راء فهاء (يحدّث عن علي رضي الله عنه أنه صلى الظهر ثم قعد في حوائج الناس) جمع حاجة على
غير قياس. قال في القاموس: الجمع حاج وحاجات وحوج وحوائج غير قياسي أو مولدة أو
كأنهم جمعوا حائجة (في رحبة الكوفة) قال في القاموس: ورحبة المكان وتسكن ساحته ومتسعه
(حتى حضرت صلاة العصر ثم أتي) بضم الهمزة (بماء فشرب وغسل وجهه ويديه وذكر رأسه
ورجليه) زاد النسائي من طرق عن شعبة وهذا وضوء من لم يحدّث وهي على شرط الصحيح (ثم
قام فشرب فضله) أي فضل الماء الذي توضأ منه (وهو قائم ثم قال: إن ناسًا يكرهون الشرب
قائمًا) أي يكرهون أن يشرب كلٌّ منهم قائمًا، ولأبي ذر عن الكشميهني قيامًا وهي واضحة (وإن
النبي ◌َّر صنع مثل ما صنعت) من شرب فضل الوضوء قائمًا.
٥٦١٧ - حدّثنا أبُو نُعَيْم حَدَّثَنَا سُفْيانُ عَنْ عَاصِمِ الأخْوَلِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
شَرِبَ النَّبِيُّ نَ ◌ّهِ قَائِمًا مِنْ زَمْزَمَ.
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري أو ابن عيينة
ورجح الأول في الفتح وجزم به المزي لأنه أشهر بصحبته وأكثر رواية عنه من ابن عيينة (عن
عاصم الأحول عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن ابن عباس) رضي الله عنهما أنه (قال: شرب
النبي ◌ِّ ر) حال كونه (قائمًا من زمزم) وقد كان ◌َل ـ طاف على بعيره ثم أناخه بعد طوافه فصلى
ركعتين ثم شرب إذ ذاك من زمزم قبل أن يعود إلى بعيره، واستدل بهذه الأحاديث على جواز
الشرب قائمًا وهو مذهب الجمهور، وكرهه قوم لحديث أنس عند مسلم أن النبي ◌َّ زجر عن
الشرب قائمًا، وحديث أبي هريرة في مسلم أيضًا: لا يشربن أحدكم قائمًا فمن نسي فليستقىء.
وعند أحمد من حديثه أنه ﴿﴿ رأى رجلاً يشرب قائمًا فقال: (قه) قال: لمه؟ قال: ((أيسرك أن
يشرب معك الهر» قال: لا. قال: ((قد شرب معك من هو شر منه الشيطان)) لكنهم حملوا النهي
على الاستحباب والحث على ما هو أولى وأكمل وذلك لأن في الشرب قائمًا ضررًا ما فكره من
أجله لأنه يحرك خلطًا يكون القيء دواءه، وقوله في الحديث فمن نسي لا مفهوم له بل يستحب
ذلك للعامد أيضًا بطريق الأولى، وقد سلك الأئمة في هذه الأحاديث مسالك أحسنها حمل
الأحاديث النهي على كراهة التنزيه وأحاديث الجواز على بيانه، وقيل النهي إنما هو من جهة الطب
مخافة وقوع ضرر به فإن الشرب قاعدًا أمكن وأبعد من السرف وحصول وجع الكبد والحلق وقد
لا يأمن منه من شرب قائمًا على ما لا يخفى.
١٧ - باب مَنْ شَرِبَ وَهُوَ واقِفٌ عَلى بَعِيرِهِ
(باب) حكم (من شرب وهو) أي والحال أنه (واقف على بعيره) استشكل قوله واقف على

٣٥٦
كتاب الأشربة/ باب ١٨
بعيره لأن الراكب على البعير قاعد لا قائم وأجيب بأن الراكب من حيث كونه سائرًا يشبه القائم
ومن حيث كونه مستقرًا على الدابة يشبه القاعد فمراده بيان حكم هذه الحالة، هل تدخل تحت
النهي أم لا؟.
٥٦١٨ - حدثنا مالِكُ بْنُ إسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ أخْبَرَنا أَبُو النَّضْرِ عَنْ
عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَباسٍ عَنْ أمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ أنَّها أرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ
واقِفْ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَشَرِبَهُ. زادَ مالِكٌ عَنْ أبِي النَّضْرِ عَلى بَعِيرِهِ.
وبه قال: (حدّثنا مالك بن إسماعيل) أبو غسان النهدي قال: (حدّثنا عبد العزيز بن أبي
سلمة) الماجشون واسم أبي سلمة دينار وهو جد عبد العزيز لأنه ابن عبد الله بن أبي سلمة قال:
(أخبرنا أبو النضر) بالضاد المعجمة سالم بن أبي أمية مولى عمر بن عبد الله (عن عمير) بضم العين
وفتح الميم مصغرًا (مولى ابن عباس عن أم الفضل) لبابة (بنت الحارث أنها أرسلت إلى النبي وأصل قوله
بقدح لبن وهو واقف عشية عرفة فأخذ) وَليزر (بيده) الكريمة القدح (فشربه) ولأبي ذر وابن عساكر
فأخذّه وشربه (زاد مالك) الإمام في روايته (عن أبي النضر) سالم (على بعيره) تابع عبد العزيز بن
أبي سلمة على روايته هذا الحديث عن أبي النضر وقال: شرب وهو واقف على بعيره.
وهذا الحديث قد سبق في الحج والله أعلم.
١٨ - باب الأيمَنَ فَالأيمَنَ فِي الشُرب
(باب الأيمن فالأيمن في الشرب) ماء وغيره ونصب الأيمن بفعل مقدر وهو الذي على
يمين الشارب.
٥٦١٩ - حدّثنا إسماعيلُ حَدَّثَني مالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ أَنَس بْنِ مالِكِ رَضِيَ الله عَنْهُ أنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ أَتِيَ بَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ أعْرابِيٍّ وَعَنْ شِمالِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَشَرِبَ ثُمَّ أَغْطَى
الأعْرابِيَّ وَقَالَ: الأيْمَنَ فَالأَيْمَنَ.
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن ابن
شهاب) الزهري (عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله وَ في أتي) بضم الهمزة (بلبن قد
شيب) بكسر الشين المعجمة وأصل شيب شوب قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها أي مزج
(بماء وعن يمينه أعرابي) لم أقف على اسمه (وعن شماله أبو بكر) الصديق رضي الله عنه
(فشرب) بَّر منه (ثم أعطى الأعرابي) قبل أبي بكر (وقال):
قدّموا (الأيمن فالأيمن) وقد كان ◌َّر يحب التيامن في الأكل والشرب وجميع الأمور لما
شرف الله به أهل اليمين وقيل إن الأعرابي كان من كبراء قومه فلذا جلس عن يمينه عليه الصلاة
والسلام.

٣٥٧
كتاب الأشربة/ باب ١٩ و٢٠
وهذا الحديث سبق مرارًا.
١٩ - باب هَلْ يَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ فِي الشُّربِ لِيَعْطِيَ الأكْبَرَ؟
هذا (باب) بالتنوين (هل يستأذن الرجل من) أي هل يطلب الإذن من الذي هو جالس (عن
يمينه في الشرب ليعطي الأكبر).
٥٦٢٠ - حدثنا إسْماعِيلُ قالَ: حَدَّثَني مالِكٌ عَنْ أبي حازِمٍ بْنِ دينارٍ عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ
رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَتِيَ بِشَرابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلامٌ وَعَنْ يَسارِهِ الأشْياخُ
فَقَالَ لِلْغُلامِ: ((أَتَأْذَنُ لي أنْ أُعْطِيَ هُؤُلاء)»؟ فَقَالَ الْغُلامُ: وَالله يا رَسُولَ الله، لا أُوثِرُ بَنَصيبي مِنْكَ
أَحَدًا قالَ فَلَّهُ رَسُولُ اللهِ وَ ◌ّرِ فِي يَدِهِ .
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) الأويسي قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) هو ابن أنس الإمام
(عن أبي حازم بن دينار) سلمة (عن سهل بن سعد) الساعدي (رضي الله عنه أن رسول الله الجديد
أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام) هو ابن عباس (وعن يساره الأشياخ) خالد بن الوليد
وغيره (فقال) بَّ (للغلام):
(أتأذن لي أن أعطي هؤلاء) الذين على اليسار (فقال الغلام) له: (والله يا رسول الله لا أوثر
بنصيبي منك أحدًا. قال) سهل: (فتله) بفتح الفوقية واللام المشددة أي وضعه (رسول الله وَّفي في
يده) في يد ابن عباس وفيه بيان استحباب التيامن في كل ما كان من أنواع الإكرام وأن الأيمن في
الشرب ونحوه يقدم وإن كان صغيرًا أو مفضولاً وأما تقديم الأفاضل والكبار فهو عند التساوي
في باقي الأوصاف.
٢٠ - باب الْكَرْعِ فِي الْحَوْضِ
(باب الكرع في الحوض) بسكون الراء أي تناول الماء بالفم من الحوض بغير إناء ولا كف.
٥٦٢١ - حدثنا يَخْيَى بْنُ صالِحِ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمانَ عَنْ سَعيدِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ الله عَنْهُمَا أنَّ النَّبِيَّ وََّ دَخَلَ عَلى رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ وَمَعَهُ صاحِبٌ لَهُ،
فَسَلَّمَ النَّبِيُّ وَِّ وَصاحِبُهُ، فَرَدَّ الرَّجُلُ فَقالَ: يَا رَسُولَ الله، بِأبي أنْتَ وَأُمّي، وَهِيَ ساعَةٌ حارّةٌ،
وَهُوَ يُحَوِّلُ فِي خَائِطٍ لَهُ يَعْنِي الْمَاءَ فَقالَ النَّبِيُّ ◌َ ((إِنْ كَانَ عِنْدَكَ ماءٌ باتَ فِي شَنَّةٍ). وَإلاَّ كَرَّغْنا
وَالرَّجُلُ يُحَوِّلُ الماءَ في حائِطٍ فَقالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ الله، عِنْدي ماءٌ باتَ فِي شَنَّةٍ فَانْطَلَقَ إلَى
الْعَريشِ فَسَكْبَ في قَدَحِ ماءً ثُمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ داجِنٍ لَهُ فَشَرِبَ النَّبِيِّي ◌َِّ ثُمَّ أَعادَ فَشَرِبَ الرَّجُلُ
الَّذِي جاءَ مَعَهُ.

٣٥٨
كتاب الأشربة/ باب ٢١
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن صالح) الحمصي الحافظ الفقيه قال: (حدّثنا فليح بن سليمان)
العدوي مولاهم المدني (عن سعيد بن الحارث) قاضي المدينة (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري
(رضي الله عنهما أن النبي وَّر دخل على رجل من الأنصار) سبق فيما قبل أنه أبو الهيثم بن
التيهان بستانه (ومعه) عليه الصلاة والسلام (صاحب له) وهو أبو بكر رضي الله عنه (فسلّم
النبي ◌َّ﴿ وصاحبه) أبو بكر عليه (فرد الرجل) الأنصاري عليهما (فقال: يا رسول الله بأبي أنت
وأمي) أي مفدي بأبي وأمي (وهي) أي الساعة التي أتيت فيها (ساعة حارة وهو) أي والحال أنّ
الرجل (يحوّل في حائط له يعني الماء) من قعر البئر إلى ظاهرها (فقال النبي ◌َّ) للرجل:
(إن كان عندك ماء بات في شنة) بفتح المعجمة قربة خلقة (وإلا كرعنا) شربنا بفينا
(والرجل) أي والحال أن الرجل (يحوّل الماء في حائط) يجريه من جانب إلى جانب في بستانه (فقال
الرجل: يا رسول الله عندي ماء بات) وللكشميهني بائت (في شنة فانطلق) بفتحات النبي وَلقول
ومعه أبو بكر (إلى العريش) موضع مظلل عليه في البستان بخشب وثمام (فسكب) الرجل (في
قدح ماء ثم حلب عليه) لبنًا (من) شاة (داجن له) وهي التي تألف البيوت (فشرب النبي ◌َّر ثم
أعاد فشرب الرجل الذي جاء معه) وهو أبو بكر رضي الله عنه، ولأحَمد وسقى صاحبه.
فإن قلت: ما المطابقة بين الترجمة والحديث؟ أجيب: من جهة أن جابرًا أعاد قوله وهو يحوّل
الماء في أثناء مخاطبة النبي وَّ للرجل مرتين وإن كان الظاهر أنه كان ينقله من أسفل البئر إلى
أعلاها فكأنه كان هناك حوض يجمعه فيه ثم يحوّله من جانب إلى جانب.
وهذا الحديث سبق قريبًا في باب شوب اللبن بالماء.
٢١ - باب خِذْمَةِ الصّغارِ الْكِبارَ
(باب خدمة الصغار الكبار).
٥٦٢٢ - حدثنا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أبيهِ قالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: كُنْتُ
قائِمًا عَلَى الْخَيِّ أسْقيهِمْ عُمُومَتِي وَأنَا أَصْغَرُهُمُ الْفَضِيخَ، فَقيلَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، فَقالُوا: أكْفِثُها،
فَكَفَأْنَا، قُلتُ لأَنَسٍ: ما شَرابُهُمْ؟ قالَ: رُطَبْ وَبُسْرٌ. فَقالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أنَسٍ: وَكَانَتْ خَمْرَهُمْ.
فَلَمْ يُتْكِرْ أنَسٌ وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أصْحابِي أَنَّهُ سَمِعَ أنَسًا يَقُولُ: كانَتْ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا معتمر عن أبيه) سليمان أنه (قال:
سمعت أنسًا رضي الله عنه قال: كنت قائمًا على الحيّ أسقيهم) بالحاء المهملة والتحتية المشددة
واحد أحياء العرب (عمومتي) جمع عم (وأنا أصغرهم الفضيخ) بالمعجمتين أي الخمر المتخذ من
البسر المشدوخ (فقيل حرمت الخمر) بضم الحاء المهملة مبنيًّا للمفعول (فقالوا: أكفئها) بكسر
الهمزة هنا في الفرع كأصله وكسر الفاء بعدها همزة ساكنة (فكفأنا) بحذف ضمير المفعول ولأبي ذر

٣٥٩
كتاب الأشربة/ باب ٢٢
عن الكشميهني فكفأناها، قال سليمان: (قلت لأنس ما) كان (شرابهم؟ قال: رطب وبسر) أي
خمر متخذ منهما (فقال أبو بكر بن أنس: وكانت خمرهم) يومئذ (فلم ينكر أنس) ذلك قال
بكر بن عبد الله المزني، أو قتادة (وحدّثني) بالإفراد (بعض أصحابي أنه سمع أنسًا) رضي الله عنه
(يقول: كانت) خمرة الفضيخ (خمرهم يومئذ).
وهذا الحديث سبق في باب نزول تحريم الخمر وهي من البسر والتمر أوائل كتاب الأشربة
وهو ظاهر فيما ترجم له هناك.
٢٢ - باب تَغْطِيَةِ الإناءِ
(باب تغطية الإناء).
٥٦٢٣ - حدثنا إسْحُقُ بْنُ مَنْصُورٍ أخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ أخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ قالَ: أَخْبَرَني
عَطاءْ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله رَضِيَ الله عَنْهُما يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ وَّهِ: ((إذا كانَّ جُنْحُ اللَّيْلِ أَوْ
أمْسَيْتُمْ فَكُفُوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حينَئِذٍ، فَإِذا ذَهَبَ ساعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَحُلُوهُمْ، وَأَغْلِقُوا
الأبْوابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ الله، فَإِنَّ الشَّيْطانَ لا يَفْتَحُ بابًا مُغْلَقًا، وَأوْكُوا قِرَبَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ الله،
وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ الله، وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا وَأَطْفِئُوا مَصابيحَكُمْ)).
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (إسحق بن منصور) الكوسج أبو يعقوب
المروزي قال: (أخبرنا روح بن عبادة) بفتح الراء في الأول وضم العين وتخفيف الموحدة في الثاني
قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: أخبرني) بالإفراد (عطاء) هو ابن أبي
رياح (أنه سمع جابر بن عبد الملك) الأنصاري (رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله إليه):
(إذا كان جنح الليل) بكسر الجيم في الفرع كأصله وتضم طائفة من الليل وأراد به همهنا
الطائفة الأولى منه عند ابتداء فحمة العشاء (أو أمسيتم) شك من الراوي أي دخلتم في المساء
(فكفوا) بضم الكاف والفاء المشددة امنعوا (صبيانكم) من الخروج حينئذٍ (فإن الشياطين تنتشر)
تذهب وتجيء (حينئذ) فربما يحصل لهم إيذاء منهم من صرع أو غيره (فإذا ذهب ساعة من الليل
فحلوهم) بضم الحاء المهملة واللام المشددة (وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله فإن الشيطان)
بالإفراد، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فخلوهم بالخاء المعجمة المفتوحة واللام المشددة فإن
الشياطين بالجمع (لا يفتح بابًا مغلقًا) إذا ذكر اسم الله عليه (وأوكوا) بضم الكاف وسكون الواو
بلا همز (قربكم) شدوا رؤوسها بالوكاء (واذكروا اسم الله) عند ذلك (وخمروا) بفتح الخاء المعجمة
وتشديد الميم مكسورة غطوا (آنيتكم واذكروا اسم الله) عند تغطيتها (ولو أن تعرضوا) بضم الراء
(عليها) على الآنية ولأبي ذر عن الحموي والمستملي عليه أي الإناء (شيئًا) وجواب لو محذوف أي
لو خمرتموها بشيء نحو العود وذكرتم اسم الله عليها لكان كافيًا والمقصود ذكر اسم الله تعالى مع

٣٦٠
کتاب الأشربة/ باب ٢٣
كل فعل صيانة عن الشيطان والوباء والحشرات والهوام على ما ورد بسم الله الذي لا يضرّ مع
اسمه شيء في الأرض ولا في السماء (وأطفئوا مصابيحكم) بكسر الفاء بعدها همزة مضمومة فإن
الفأرة ربما تضرم عليكم البيوت بالنار.
وفي هذا الحديث جملة من الآداب من جلب المصالح ودفع المضار من كف الصبيان وغلق
الأبواب وإيكاء القرب وغير ذلك مما لا يخفى.
وهذا الحديث سبق في صفة إبليس.
٥٦٢٤ - حدثنا مُوسَى بْنُ إسْماعيلَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ عَطاءٍ عَنْ جَابِرٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ وَلـ
قالَ: ((أَطْفِئُوا الْمَصابيحَ إذا رَقَدْتُمْ، وَغَلِّقُوا الأبوابَ وَأَوْكُوا الأسْقِيَةَ وَخَمْرُوا الطَّعامَ وَالشَّرابَ،
وَأَحْسِبُهُ، قَالَ: وَلَوْ بِعَودٍ تَعْرُضُهُ عَلَيْهِ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا همام) بفتح الهاء والميم المشددة
ابن يحيى (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (عن جابر) الأنصاري رضي الله عنه (أن رسول الله الجو
قال):
(اطفئوا المصابيح إذا رقدتم) خوف الفويسقة أن تضرم على أهل البيت بيتهم، وفي حديث
ابن عباس عند أبي داود: جاءت فأرة فأخذت تجرّ الفتيلة فجاءت بها فألقتها بين يدي رسول
الله ◌َ﴿ على الخمرة التي كان قاعدًا عليها فأحرقت منها موضع درهم، وفي الصحيح أنه تَّ
قال: (لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون) قال النووي: هذا عام يدخل فيه نار السراج
وغيرها وأما القناديل المعلقة في المساجد وغيرها فإن خيف حريق بسببها دخلت في الأمر بالإطفاء
وإن أمن ذلك كما هو الغالب، فالظاهر أنه لا بأس بها لانتفاء العلة التي علل بها وَّر وإذا انتفت
العلة زال المنع (وغلقوا) بتشديد اللام المكسورة ولأبي ذر وأغلقوا (الأبواب وأوكوا الأسقية) بلا
همز بعد الكاف المضمومة (وخمروا) بالخاء المعجمة غطوا (الطعام والشراب، وأحسبه) وَلخير (قال:
ولو) أن تخمروها (بعود تعرضه عليه) على الإناء فإنه كاف في ذلك مع التسمية قال: في شرح
المشكاة يقال: عرضت العود على الإناء أعرضه بكسر الراء في قول عامة الناس إلا الأصمعي فإنه
قال أعرضه مضمومة الراء في هذا خاصة والمعنى هلا تغطيه بغطاء فإن لم تفعل فلا أقل من أن
تعرض علیه شيئًا .
٢٣ - باب اخْتِنَاثِ الأسْقِيَةِ
(باب اختناث الأسقية) المتخذة من الأدم والاختناث بالخاء المعجمة الساكنة والفوقية المكسورة
وبعد النون ألف فمثلثة افتعال من الخنث وهو الانطواء والتكسر والانثناء.
٥٦٢٥ - حدثنا آدَمُ حَدَّثَنَا ابْنُ أبي ذِئبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةً عَنْ