النص المفهرس

صفحات 1-20

إِنْشَارُ السَّارِيْ
بِشِرْع مَحْيِ البَحَارِى
تَأْليف
الإمام شهاب الدين أبي العباس أحمد بن محمدالشافي القسطلاني
المتوفى سنة ٩٢٣ هـ.
ضَبِطَرَ وَصَحِّحَّه
محمّد عبدالعزيز الخالدي
الجُزء الثاني عشَر
يحتوي على الكتب التالية:
الطلاق - النفقات - الأطعمة - العقيقة - الذبائح والصيد والتسمية على الصيد
الأضاحي - الأشربة - المرضى والطب - الطب - اللباس
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان

جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب
العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة
أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا" أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة
كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات
ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيا".
Copyright C
All rights reserved
Exclusive rights by
DAR al-KOTOB al-
ILMIYAH Beirut - Lebanon. No part of this
publication may be translated, reproduced,
distributed in any form or by any means, or
stored in a data base or retrieval system,
without the prior written permission of the
publisher.
الطَّبعَة الأولى
١٤١٦ هــ - ١٩٩٦م.
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
: رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
العنوان
تلفون وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٦٠٢١٣٣ (١ ٩٦١) ..
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
-
DAR al-KOTOB al-ILMIYAH
Beirut - Lebanon
Address : Ramel al-Zarif, Bohtory st., Melkart bldg., 1st Floore.
Tel. & Fax : 00 (961 1) 60.21.33 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon

بِسمِ اللهِ الرَّحْمِ الرَّحِيمِ
٦٨ - كتاب الطلاق
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلْقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَخْصُوا الْعِدَّةِ﴾
[الطلاق: ١].
هو في اللغة رفع القيد يقال: أطلق الفرس والأسير، وفي التسرع رفع القيد الثابت شرعًا
بالنكاح فقوله شرعًا يخرج به القيد الثابت حسًّا وهو حلّ الوثاق وبالنكاح يخرج العتق لأنه رفع قيد
ثابت شرعًا لكنه لا يثبت بالنكاح واستعمل في النكاح بلفظ التفعيل وفي غيره بالإفعال ولهذا لو
قال لها: أنت مطلقة بتشديد اللام لا يفتقر إلى نية ولو خففها فلا بدّ منها، ويقال طلقت المرأة
بفتح الطاء وضم اللام وبفتحها أيضًا. وعن الأخفش نفي الضم، وفي ديوان الأدب أنه لغة ويقال :
طلقت أيضًا بضم أوله وكسر اللام المشددة فإن خففت فهو خاص بالولادة، وفي مشروعية النكاح
مصالح العباد الدينية والدنيوية، وفي الطلاق إكمال لها إذ قد لا يوافقه النكاح فيطلب الخلاص
عند تباين الأخلاق وعروض البغضاء الموجبة عدم إقامة حدود الله فمكّن من ذلك رحمة منه
سبحانه وفي جعله عددًا حكمة لطيفة لأن النفس كذوبة ربما تظهر عدم الحاجة إلى المرأة أو الحاجة
إلى تركها وتسوّله، فإذا وقع حصل الندم وضاق الصدر به وعيل الصبر فشرعه سبحانه وتعالى ثلاثًا
ليجرب نفسه في المرة الأولى فإن كان الواقع صدقها استمر حتى تنقضي العدّة وإلا أمكنه التدارك
بالرجعة، ثم إذا عادت النفس فمثل الأول وغلبته حتى عاد إلى طلاقها نظر أيضًا فيما يحدث له فما
يوقع الثالثة إلا وقد جرب وفقه في حال نفسه، ثم حرمها عليها بعد انتهاء العدد قبل أن تتزوج آخر
ليثاب بما فيه غيظه وهو الزوج الثاني على ما عليه من جبلة الفحولية بحكمته ولطفه تعالى بعباده.
١ - باب أخصَيْتَاهُ: حَفِظْتَاهُ وَعَدَدْتَاهُ.
وَطَلاَقُ السُّنَّةِ أنْ يُطَلِّقَها طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَيُشْهِدَ شَاهِدَيْنِ
(وقول الله تعالى): وسقطت الواو لغير أبي ذر (﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾) خص

٤
كتاب الطلاق/ باب ١
النبي ◌َّهو بالنداء وعمّ بالخطاب لأنه وَّر إمام أمته وقدوتهم كما يقال لرئيس القوم: يا فلان افعلوا
كذا إظهارًا لتقدمه فكأنه هو وحده في حكم كلهم وسادّ مسدّ جميعهم أو هو على إضمار قلّ،
والتقدير يا أيها النبي قل لأمتك ومعنى إذا طلقتم النساء إذا أردتم تطليقهن على تنزيل المقبل على
الأمر المشارف له منزلة الشارع فيه (﴿فطلقوهن لعدتهن﴾) أي فطلقوهن مستقبلات لعدتهن أي عند
ابتداء شروعهن في العدة واللام للتوقيت كقولك: أتيته لليلة بقيت من المحرم أي مستقبلاً لها،
والمراد أن يطلق المدخول بهن من المعتدات بالحيض في طهر لم يجامعهن فيه ثم يخلين حتى تنقضي
عدتهن، وهذا أحسن الطلاق. وفي حديث ابن عمر عند مسلم قرأ رسول الله وير: فطلقوهن في
قبل عدتهن (﴿وأحصوا العدة)) [الطلاق: ١] واضبطوها بالحفظ وأكملوها ثلاثة أقراء مستقبلات
كوامل لا نقصان فيهن يقال: (أحصيناه) أي (حفظناه وعددناه) وهذا التفسير لأبي عبيدة، وأخرج
الطبري معناه عن السدي والمراد الأمر أن يحفظ ابتداء وقت العدة لئلا يلتبس الأمر فتطول المدة
فتتأذى بذلك المرأة، وخوطب الزوج بذلك لغفلة النساء ثم إن الطلاق يكون بدعيًّا وسنيًّا وواجبًا
ومستحبًّا ومكروهًا.
فأما السني فأشار إليه البخاري بقوله: (وطلاق السُّنّة أن يطلقها) بعد الدخول بها حال كونها
(طاهرًا من غير جماع) في ذلك الطهر ولا في حيض قبله وليست بحامل ولا صغيرة ولا آيسة
وهي تعتدّ بالأقراء وذلك لاستعقابه الشروع في العدّة (ويشهد شاهدين) لقوله عز وجل:
﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] وعن ابن عباس فيما أخرجه ابن مردويه قال: كان
نفر من المهاجرين يطلقون لغير عدّة ويراجعون بغير شهود فنزلت، وأما تسميته بالسني فقال الشيخ
كمال الدين بن الهمام: الطلاق السني المسنون وهو كالمندوب في استعقاب الثواب، والمراد به هنا
المباح لأن الطلاق ليس عبادة في نفسه ليثبت له ثواب، فمعنى المسنون منه ما يثبت على وجه لا
يستوجب عتابًا. نعم لو وقعت له داعية أن يطلقها عقب جماعها أو حائضًا فمنع نفسه إلى الطهر
الآخر فإنه يُثاب لكن لا عن الطلاق في الطهر الخالي عن الحيض بل على كف نفسه عن ذلك
الإيقاع على ذلك الوجه امتناعًا عن المعصية.
وأما البدعي؛ فطلاق مدخول بها بلا عوض منها في حيض أو نفاس أو في عدّة طلاق
رجعي وهي تعتدّ بالإقراء وذلك لمخالفته قوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدّتهن﴾ وزمن الحيض والنفاس
لا يحسب من العدّة والمعنى فيه تضررها بطول مدة التربص أو في طهر جامعها فيه أو استدخلت
ماءه فيه ولو كان الجماع أو الاستدخال في حيض قبله؛ أو في الدبر إن لم يتبين حملها وكانت ممن
يحبل لأدائه إلى الندم عند ظهور الحمل لأن الإنسان قد يطلق الحائل دون الحامل، وعند الندم قد
لا يمكنه التدارك فيتضرر هو والولد وألحقوا الجماع في الحيض بالجماع في الطهر لاحتمال العلوق
فيه، والجماع في الدبر كالجماع في القُبل لثبوت النسب ووجوب العدّة به، وهذا الطلاق حرام
للنهي عنه، وقال النووي: أجمع الأمة على تحريمه بغير رضا المرأة فإن طلقها أثم ووقع طلاقه.

كتاب الطلاق/ باب ١
٥٢٥١ - حدّثنا إسْماعيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قال: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ تَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَّرَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأْتَهُ وَهيَ حائِضٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وََّ، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ
رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ عَنْ ذُلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((مُزْهُ فَلْيُرَاجِعْها، ثُمَّ لْيُمْسِكُهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ
تَحيضَ ثُمَّ تَظْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتي أمَرَ اللَّهُ
أنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ)» .
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) الأويسي (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) هو ابن
أنس الإمام (عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه طلّق امرأته) هي آمنة بمدّ الهمزة
وكسر الميم بنت غفار بكسر المعجمة وتخفيف الفاء أو بنت عمار بعين مهملة مفتوحة ثم ميم
مشددة. قال ابن حجر: والأول أولى وفي مسند أحمد أن اسمها النوار ويمكن أن يكون اسمها
آمنة ولقبها النوّار (وهي حائض) جملة حالية (على عهد رسول الله صل* فسأل عمر بن الخطاب)
رضي الله عنه (رسول الله وَلّ ر عن ذلك) عن حكم طلاق ابنه على الصفة المذكورة. زاد الزهري
كما في التفسير عن سالم أن ابن عمر أخبره فتغيّظ فيه رسول الله وَّ (فقال رسول الله (وَله)
لعمر :
(مُره) أصله أأمره بهمزتين الأولى للوصل مضمومة تبعًا للعين مثل: اقتل والثانية فاء الكلمة
ساكنة تبدل تخفيفًا من جنس حركة سابقتها فتقول أومر فإذا وصل الفعل بما قبله زالت همزة
الوصل وسكنت الهمزة الأصلية كما في قوله تعالى: ﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾ [طه: ٣٢]. لكن
استعملها العرب بلا همزة فقالوا: مر لكثرة الدور ولأنهم حذفوا أولاً الهمزة الثانية تخفيفًا ثم
حذفوا همزة الوصل استغناء عنها لتحرك ما بعدها وكذا حكم أخذ وأكل أي: مُر ابنك عبد الله
(فليراجعها) والأمر المندب عند الشافعية والحنابلة والحنفية. وقال المالكية: وصححه صاحب
الهداية من الحنفية للوجوب ويجبر على مراجعتها ما بقي من العدّة شيء. قال ابن القاسم وأشهب
وابن الموّاز: يجبر عندنا بالضرب والسجن والتهديد انتهى.
لنا، قوله تعالى: ﴿فأمسكوهن بمعروف﴾ [البقرة: ٢٣١] وغيرها من الآيات المقتضية
للتخيير بين الإمساك بالرجعة أو الفراق بتركها فجمع بين الآيات والحديث بحمل الأمر على الندب
ولأن الرجعة لاستدراك النكاح وهو غير واجب في الابتداء. قال الإمام: ومع استحباب الرجعة
لا نقول إن تركها مكروه، لكن قال في الروضة فيه نظر وينبغي كراهته لصحة الخبر فيه ولدفع
الإيذاء ويسقط الاستحباب بدخول الطهر الثاني. وقال ابن دقيق العيد: ويتعلق بالحديث مسألة
أصولية وهي الأمر بالأمر بالشيء هل هو أمر بذلك الشيء أم لا؟ فإن النبي وَ لّ قال لعمر: (مره)
فأمره بأمره، وقد أطال في الفتح البحث في هذه المسألة، والحاصل أن الخطاب إذا توجه لمكلف
أن يأمر مكلفًا آخر بفعل شيء كان المكلف الأول مبلغًا محضًا والثاني مأمور من قبل الشارع كما
هنا وإن توجه من الشارع لمكلف أن يأمر غير مكلف كحديث: ((مروا أولادكم بالصلاة لسبع)) لم

٦
كتاب الطلاق/ باب ١
يكن الأمر بالأمر بالشيء أمرًا بالشيء لأن الأولاد غير مكلفين فلا يتجه عليهم الوجوب، وإن
توجه الخطاب من غير الشارع بأمر من له عليه الأمر أن يأمر من لا أمر للأول عليه لم يكن الأمر
بالأمر بالشيء أمرًا بالشيء أيضًا بل هو متعدِّ بأمره للأول أن يأمر الثاني.
(ثم ليمسكها) بإعادة اللام ويجوز تسكينها كقراءة ﴿ثم ليقضوا تفئهم﴾ [الحج: ٢٩]
فالكسر على الأصل في لام الأمر فرقًا بينها وبين لام التأكيد والسكون للتخفيف إجراء للمنفصل
مجرى المتصل والمراد الأمر باستمرار الإمساك لها وإلا فالرجعة إمساك، وفى رواية عبيد الله بن
عمر عن نافع عن ابن عمر عند مسلم ثم ليدعها (حتى تطهر ثم تحيض) حيضة أخرى (ثم تطهر
ثم إن شاء أمسك) ـها (بعد) أي بعد الطهر من الحيض الثاني (وإن شاء طلق) ـها (قبل أن
يمس)ـها أي يجامعها.
واختلف في علة هذه الغاية فقيل لئلا تصير الرجعة لمجرد غرض الطلاق لو طلق في أول
الطهر بخلاف الطهر الثاني وكما ينهى عن النكاح لمجرد الطلاق ينهى عن الرجعة له ولا يستحب
الوطء في الطهر الأول اكتفاء بإمكان التمتع، وقيل عقوبة وتغليظ، وعورض بأن ابن عمر لم يكن
يعلم تحريمه. وأجيب: بأن تغيظه ◌َ * دون أن يعذره يقتضي أن ذلك في الظهور لا يكاد يخفى
على أحد، وفي مسلم من رواية محمد بن عبد الرحمن عن سالم مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرًا أو
حاملاً. قال الشافعي وابن عبد البر: رواه جماعة غير نافع بلفظ: ((حتى تطهر من الحيضة التي
طلقها فيها ثم إن شاء أمسكها)) رواية يونس بن جبير وأنس بن سيرين وسالم فلم يقولوا ثم تحيض ثم
تطهر، نعم رواية الزهري عن سالم موافقة لرواية نافع كما نبّه عليه أبو داود والزيادة من الثقة
مقبولة خصوصًا إذا كان حافظًا واختلف في جواز تطليقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع
فيها الطلاق والرجعة فقطع المتولي بالمنع، وهو الذي يقتضيه ظاهر الزيادة التي في الحديث. وذكر
الطحاوي أنه يطلقها في الطهر الذي يلي الحيضة. قال الكرخي: وهو قول أبي حنيفة لرواية سالم
رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة لأن أثر الطلاق قد انعدم بالمراجعة فصار كأنه
لم يطلقها. وقال أبو يوسف ومحمد: في طهر ثانٍ أي إذا طهرت من تلك الحيضة التي وقع فيها
الطلاق ثم حاضت ثم طهرت.
(فتلك العدة) أي فتلك زمن العدة وهي حالة الطهر (التي أمر الله) أي أذن (أن يطلق لها
النساء) في قوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾. واستدل به على أن القرء المذكور في قوله تعالى:
﴿ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] المراد به الطهر كما ذهب إليه مالك والشافعي.
وأما الطلاق الواجب ففي الإيلاء على المولي لأن المدة إذا انقضت وجب عليه الفيئة أو
الطلاق، وفي الشقاق على الحكمين إذا أمر المظلومة ولا بدعة فيه للحاجة إليه مع طلب الزوجة.
وأما المستحب فعند خوف تقصيره في حقها لبغض أو غيره أو بأن لا تكون عفيفة لحديث
الرجل الذي قال: يا رسول الله إن امرأتي لا تردّ يدَ لامس. فقال عليه الصلاة والسلام: ((طلقها)»

٧
كتاب الطلاق/ باب ٢
والأمر للاستحباب، يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام لما أن قال له: إني أحبها: أمسكها،
وألحق به ابن الرفعة طلاق الولد إذا أمره به والده لحديث الأربعة، وصححه الترمذي وابن حبان
أن ابن عمر قال: كان تحتي امرأة أحبها وكان عمر يكرهها فقال: طلقها فأتيت النبي وَّ فقال:
((أطع أباك)).
وأما المكروه فعند سلامة الحال لحديث: ((ليس شيء من الحلال أبغض إلى الله من الطلاق)).
وأما المباح فطلاق من ألقي عليه عدم اشتهائها بحيث يعجز ويتضرر بإكراهه نفسه على
جماعها فهذا إذا وقع فإن كان قادرًا على طول غيرها مع استبقائها ورضيت بإقامتها في عصمته بلا
وطء أو بلا قسم فيكره طلاقها كما كان بين رسول الله وَل وبين سودة، وإن لم يكن قادرًا على
طولها أو لم ترض هي بترك حقها فهو مباح لأن مقلب القلوب ربّ العالمين.
وهذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي في الطلاق.
٢ - باب إذا طُلِّقَتِ الْخَائِضُ يُعْتَدُّ بِذَلِكَ الطَّلاَقِ
هذا (باب) بالتنوين (إذا طلقت) المرأة (الحائض) بضم الطاء مبنيًّا للمفعول (يعتدّ بذلك
الطلاق) بضم التحتية مبنيًّا للمفعول وبفوقية مفتوحة أجمع على ذلك أئمة الفتوى خلافًا للظاهرية
والخوارج والرافضة حيث قالوا: لا يقع لأنه منهي عنه فلا يكون مشروعًا. لنا قوله عليه الصلاة
والسلام لعمر: ((مره فليراجعها)) وكان طلقها في حالة الحيض كما مرّ، والمراجعة بدون الطلاق
محال ولا يقال: المراد بالرجعة الرجعة اللغوية وهى الرد إلى حالها الأول لا أنه يجب عليه طلقة
لأن هذا غلط إذ حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية مقدم على حمله على الحقيقة اللغوية كما تقرر في
الأصول، ولأن ابن عمر صرّح في الحديث الآتي بأنه حسبها عليه طلقة.
٥٢٥٢ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ سيرينَ قُالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَّرَ
قَالَ: طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأْتَهُ وَهِيَ خَائِضٌ فَذَكَرَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ وَرَ فَقَالَ: ((لِيُرَاجِعْها))، قُلْتُ:
أَتُخْتَسَبُ؟ قَالَ: ((فَمَه)). وَعَنْ قَتَادَةً عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «مُزْهُ فَلْيُرَاجِعها)) .
قُلْتُ: تُحْتَسَبُ؟ قَالَ: ((أرَأيْتَ إنْ عَجَزَ وَأَسْتَحْمَقَ)).
وبه قال: (حدثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن
أنس بن سيرين) أخي محمد بن سيرين أنه (قال: سمعت ابن عمر) رضي الله عنهما (قال: طلق
ابن عمر امرأته) آمنة (وهي) أي والحال أنها (حائض) وسقط قوله قال: طلق ابن عمر لأبي ذر،
وفي نسخة بدل الساقط أنه طلق امرأته، وقال الكرماني فإن قلت: أين المطابقة بين المبتدأ والخبر؟
وأجاب بأن التاء للفرق بين المذكر والمؤنث الصفة خاصة بالنساء فلا حاجة إليها (فذكر عمر
للنبي ◌ّ ة) ذلك (فقال) عليه الصلاة والسلام:

٨
كتاب الطلاق/ باب ٢
(ليراجعها) إلى عصمته من الطلقة التي أوقعها بالصفة المذكورة قال أنس بن سيرين: (قلت)
لابن عمر (أتحتسب) طلقة بضم الفوقية الأولى وفتح الثانية (قال) ابن عمر: (فمه) هي ما
الاستفهامية أدخل عليها هاء السكت في الوقف مع أنها غير مجرورة وهو قليل أي فما يكون إن لم
تحتسب أو هي كلمة كف وزجر أي انزجر عنه فإنه لا شك في وقوع الطلاق وكونه محسوبًا في
عدد الطلاق .
وهذا نص في موضع النزاع يرد على القائل بعدم الوقوع فيجب المصير إليه، وعند
الدار قطني من رواية شعبة عن أنس بن سيرين فقال عمر: يا رسول الله أفنحتسب بتلك الطلقة؟
قال: ((نعم)). وعنده أيضًا من طريق سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن عبيد الله بن عمر عن نافع
عن ابن عمر أن رجلاً قال: إني طلقت امرأتي البتة وهي حائض فقال: عصيت ربك وفارقت
امرأتك، فإن رسول الله وَلو أمر ابن عمر أن يراجع امرأته. قال: إنه أمر ابن عمر أن يراجعها
بطلاق بقي له وأنت لم يبق لك ما ترتجع به امرأتك وقد وافق ابن حزم من المتأخرين التقي بن
تيمية واحتجوا له بما عند مسلم من حديث أبي الزبير عن ابن عمر فقال رسول الله وَان :
((ليراجعها)) فردّها وقال: ((إذا طهرت فليطلق أو ليمسك)) وزاد النسائي وأبو داود فيه ولم يرها
شيئًا، لكن قال أبو داود: روى هذا الحديث عن ابن عمر جماعة وأحاديثهم كلها على خلاف ما
قال أبو الزبير، وقال أبو عمر بن عبد البر: لم يقلها غير أبي الزبير وليس بحجة فيما خالفه فيه
مثله فكيف بمن هو أثبت منه، وقال الخطابي: لم يروِ أبو الزبير حديثًا أنكر من هذا، وقال
الشافعي فيما نقله البيهقي في المعرفة: نافع أثبت من أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن
يؤخذ به إذا تخالفا، وقد وافق نافعًا غيره من أهل الثبت وحمل قوله لم يرها شيئًا على أنه لم
يعدّها شيئًا صوابًا فهو كما يقال للرجل إذا أخطأ في فعله أو أخطأ في جوابه: لم تصنع شيئًا
أي لم تصنع شيئًا صوابًا. وقال الخطابي: لم يرها شيئًا تحرم معه المراجعة، وقد تابع أبا الزبير
غيره، فعند سعيد بن منصور من طريق عبد الله بن مالك عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي
حائض فقال رسول الله وَّلر: (ليس ذلك بشيء)) وكل ذلك قابل للتأويل وهو أولى من تغليظ
بعض الثقات.
وقال ابن القيم منتصرًا لشيخه ابن تيمية: الطلاق ينقسم إلى حلال وحرام فالقياس أن حرامه
باطل كالنكاح وسائر العقود وأيضًا فكما أن النهي يقتضي التحريم فكذلك يقتضي الفساد وأيضًا
فهو طلاق منع منه الشرع فأفاد منعه عدم جواز إيقاعه، فكذلك يفيد عدم نفوذه وإلاّ لم يكن
للمنع فائدة لأن الزوج لو وكّل رجلاً أن يطلّق امرأته على وجه فطلّقها على غير الوجه المأذون فيه
لم ينفذ، فكذلك لم يأذن الشارع لمكلّف في الطلاق إلاّ إذا كان مباحًا، فإذا طلّق طلاقًا محرمًا لم
يصح وأيضًا فكل ما حرمه الله من العقود مطلوب الإعدام فالحكم ببطلان ما حرّمه أقرب إلى
تحصيل هذا المطلوب من تصحيحه، ومعلوم أن الحلال المأذون فيه ليس كالحرام الممنوع منه ثم ذكر
معارضات أخرى لا تنهض مع التنصيص على صريح الأمر بالرجعة فإنها فرع وقوع الطلاق وعلى

٩
كتاب الطلاق/ باب ٢
تصريح صاحب القصة بأنها حسبت عليه تطليقة، والقياس في معارضة النص فاسد الاعتبار انتهى
ملخصًا من الفتح.
وقد عطف المؤلف على قوله في السند عن أنس بن سيرين قوله: (وعن قتادة) بن دعامة
(عن يونس بن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة الباهلي البصري (عن ابن عمر) أنه (قال) قال
رسول الله وَّ لعمر: (مره) أي مر ابنك (فليراجعها) أي امرأته التي طلقها في الحيض قال
يونس بن جبير: (قلت) لابن عمر (تحتسب) مبني للمفعول التطليقة (قال: أرأيت) أي أخبرني،
ولأبي ذر عن الكشميهني: أرأيته (إن عجز) عن فرض فلم يقمه (واستحمق) فلم يأتِ به أيكون
ذلك عذرًا له وقال النووي الهمزة في أرأيت للاستفهام الإنكاري أي نعم يحتسب الطلاق ولا
يمنع احتسابه لعجزه وحماقته. وقال غيره: استحمق بفتح التاء والميم مبنيًّا للفاعل أي طلب الحمق
بما فعله من طلاق امرأته وهي حائض أي أرأيت إن عجز الزوج عن السُّنّة أو جهل السُّنّة فطلّق
في الحيض أيعذر لحمقه فلا يلزمه طلاق استبعادًا من ابن عمر أن يعذر أحد بالجهل بالشريعة وهو
القول الأشهر أن الجاهل غير معذور، وقال ابن الخشاب: أي فعل فعلاً يصير به أحمق عاجزًا
فيسقط عنه حكم الطلاق عجزه أو حمقه والسين والتاء فيه إشارة إلى أنه تكلف الحمق بما فعله من
تطليق امرأته وهي حائض.
وقال الكرماني: يحتمل أن تكون أن نافية بمعنى لم يعجز ابن عمر ولا استحمق لأنه ليس
بطفل ولا مجنون حتى لا يقع طلاقه والعجز لازم الطفل والحمق لازم الجنون فهو من إطلاق
اللازم وإرادة الملزوم انتهى.
قال النووي: والقائل هذا الكلام ابن عمر يريد نفسه وإن عاد الضمير بلفظ الغيبة، وقد
جاء في مسلم أن ابن عمر قال: ما لي لا أعتد بها وإن كنت عجزت واستحمقت.
٥٢٥٣ - وقال أبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ سَعيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
قَالَ: حُسِبَتْ عَلَيَّ بِتَطْلِيقَةٍ.
(وقال) ولأبي ذر حدّثنا (أبو معمر) عبد الله بن عمرو المنقري قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن
سعيد قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن سعيد بن جبير عن ابن عمر) أنه (قال حسبت) بضم
الحاء مبنيًّا للمفعول (علي) بتشديد التحتية الطلقة التي طلقتها في الحيض (بتطليقة) فيه ردّ على ما
تمسك به الظاهرية ومن نحا نحوهم في قوله: إنه لم يعتدّ بها ولم يرها شيئًا لأنه وإن لم يصرّح برفع
ذلك إلى النبي وَّر فإن فيه تسليم أن ابن عمر قال: إنها حسبت عليه بتطليقة فكيف يجتمع هذا مع
قوله إنه لم يعتد بها ولم يرها شيئًا على المعنى الذي ذهب إليه المخالف لأنه إن جعل الضمير
للنبي وَّ لزم منه أن ابن عمر خالف ما حكم به النبي ◌َّ في هذه القصة بخصوصها لأنه قال:
حسبت عليه بتطليقة فيكون من حسبها عليه خالف كونه لم يرها شيئًا، أو كيف يظن به ذلك مع

١٠
كتاب الطلاق/ باب ٣
اهتمامه واهتمام أبيه بسؤال النبي وسلّر عن ذلك ليفعل ما يأمره به وإن جعل الضمير في لم يعتدّ بها
ولم يرها لابن عمر لزم منه التناقض في القصة الواحدة فيفتقر إلى الترجيح، ولا شك أن الأخذ
بما رواه الأكثر والأحفظ أولى من مقابله عند تعذر الجمع عند الجمهور، وأما قول ابن القيم في
الانتصار لشيخه لم يرد التصريح بأن عمر احتسب بتلك التطليقة إلا في رواية سعيد بن جبير عنه
عند البخاري وليس فيها التصريح بالرفع قال: فانفراد سعيد بن جبير بذلك كانفراد أبي الزبير
بقوله لم يرها شيئًا فإما أن يتساقطا وإما أن ترجح رواية ابن الزبير لتصريحها بالرفع، وتحمل رواية
سعيد بن جبير على أن أباه هو الذي حسبها عليه بعد موت النبي ◌ّ في الوقت الذي ألزم الناس
فيه بالطلاق الثلاث بعد أن كانوا في زمن النبي وَ لّو لا يحتسب عليهم به ثلاثًا إذا كان بلفظ واحد.
وأجيب: بأنه قد ثبت في مسلم من رواية أنس بن سيرين سألت ابن عمر عن امرأته التي
طلقها وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي وَلّ فقال: ((مره فليراجعها)) فإذا طهرت فليطلقها
لطهرها قال: فراجعتها ثم طلقتها لطهرها قلت فاعتددت بتلك التطليقة وهي حائض فقال: ما لي
لا أعتدّ بها وإن كنت عجزت واستحمقت. وعند مسلم أيضًا من طريق ابن أخي ابن شهاب عن
عمه عن سالم في حديث الباب: وكان ابن عمر طلّقها تطليقة فحسبت من طلاقها فراجعها كما
أمره رسول الله وَّر ففيه موافقة أنس بن سيرين سعيد بن جبير وأنه راجعها في زمنه وَّل، قاله
في فتح الباري. وما في الحديث من الفوائد لا يخفى على متأمل، والله الموفّق.
٣ - باب مَنْ طَلَّقَ وَهَلْ يُوَاجِهُ الرَّجُلُ امْرَأْتَهُ بِالطَّلاَق؟
(باب من طلّق) امرأته جاز له ذلك لأن الله تعالى شرع الطلاق كما شرع النكاح، وقال
تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة: ٢٢٩] و﴿يا أيها النبي إذا طلّقتم النساء﴾ [الطلاق: ١] وأما
حديث ((ليس شيء من الحلال أبغض إلى الله من الطلاق)) المروي في سنن أبي داود بإسناد صحيح
وصححه الحاكم، وفي لفظ ((إن أبغض المباحات عند الله الطلاق)) فمحمول على ما إذا وقع عن
غير سبب مع كونه أعلّ بالإرسال بل قال الشيخ كمال الدين بن الهمام: إنه نص على إباحته
وكونه مبغوضًا وهو لا يستلزم ترتب لازمه المكروه الشرعي إلا لو كان مكروهًا بالمعنى
الاصطلاحي ولا يلزم ذلك من وصفه بالبغض إلا لو لم يصفه بالإباحة لكنه وصفه بها لأن أفعل
التفضيل بعض ما أضيف إليه وغاية ما فيه أنه مبغوض إليه سبحانه وتعالى، ولم يرتب عليه ما
رتب على المكروه ودليل نفي الكراهة قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم
تمسوهن﴾ [البقرة: ٢٣٦] وطلاقه وَّلتر حفصة (وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق)؟ الأولى ترك
ذلك إلا إن احتیج إليه.
٥٢٥٤ - حدثنا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ أَيُّ أزْوَاجِ
النَّبِيِّ وََّ اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ؟ قَالَ: أخْبَرَنِي عُرْوَةُ عُنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ لَمَّا أُدْخِلَثَ

١١
كتاب الطلاق/ باب ٣
عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهَ وَدَنَا مِنْهَا قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، فَقَالَ لَها: ((لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيم، الْحقي
بِأهْلِكِ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رَوَاهُ حَجَّاجُ بْنُ أبي مَنيعٍ عَنْ جَدِّهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ عُزْوَةً أُخْبَرَهُ أنَّ
عَائِشَةَ قَالَتْ:
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا الوليد) بن مسلم قال: (حدّثنا
الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو (قال: سألت الزهري) محمد بن مسلم (أي أزواج النبي ◌َّ
استعاذت منه؟ قال) مجيبًا عن ذلك (أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها
أن ابنة الجون) بفتح الجيم وبعد الواو الساكنة نون أميمة بنت النعمان بن شراحيل على الصحيح
وقيل أسماء (لما أدخلت) بضم الهمزة وكسر الخاء المعجمة (على رسول الله وَلير ودنا) أي قرب
(منها) بعد أن تزوجها (قالت) لما كتبه الله عليها من الشقاء (أعوذ بالله منك فقال) وَ التّر (لها):
(لقد عذت بعظيم) وهو الله تعالى (الحقي بأهلك) بفتح الحاء وكسر الهمزة وقيل بالعكس
كناية عن الطلاق يشترط فيها النية بالإجماع، والمعنى الحقي بأهلك لأني طلّقتك سواء كان لها أهل
أم لا؟
وهذا الحديث أخرجه النسائي في النكاح وابن ماجة.
(قال أبو عبد الله) أي المؤلف وسقط قال أبو عبد الله لأبي ذر: (رواه) أي الحديث المذكور
(حجاج بن أبي منيع) بفتح الميم وكسر النون وبعد التحتية الساكنة عين مهملة ونسبه لجدّه واسم
أبيه يوسف الوصافي بفتح الواو والصاد المهملة المشددة فيما وصله يعقوب بن سفيان في تاريخه
(عن جده) أبي منيع عبيد الله بن أبي زياد (عن الزهري) محمد بن مسلم (أن عروة) بن الزبير
(أخبره أن عائشة) رضي الله عنها (قالت) فذكره ووصله الذهلي في الزهريات، ورواه ابن أبي ذئب
أيضًا بنحوه وزاد في آخره قال الزهري: جعلها تطليقة أخرجه البيهقي.
٥٢٥٥ - حدّثنا أبُو نُعَيْم حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ غَسبلٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أبي أُسَيْدٍ عَنْ أبي
أُسَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ نَِّ حَتَّى أَنْطَلَقْنا إلى حائِطِ يُقَالُ لَهُ الشَّوْطِ، حَتَّى
أَنْتَهَيْنَا إِلَىْ حَائِطَيْنِ، فَجَلَسْنَا بَيْنَهُمَا فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّةِ: ((أَجْلِسُوا هُهُمْ))، وَدَخَلَ، وَقَدْ أُتِيَ بِالْجَوْنِيَّةِ.
فَأُنْزِلَتْ فِي بَيْتٍ فِي نَخْلٍ فِي بَيْتِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ الثَّعْمَانِ بْنِ شَرْاحيلَ، وَمَعَهَا دَايَتُها حَاضِنَةٌ لَهَا، فَلَمَّا
دَخَلَ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((هَبِي نَفْسَكِ لي))، قَالَتْ: وَهَلْ تَهَبُ الْمَلِكَةُ نَفْسَهَا لِلسُّوْقَةِ؟ قالَ: فَأَهْوَىُ
بِيَدِهِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْها لِتَسْكُنَ فَقَالَتْ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ فَقَالَ: ((قَدْ عُذْتِ بِمِعَاذٍ))، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنًا
فَقَالَ: ((يَا أَبْا أُسَيْدٍ، اكْسُهُا رَازِقِتَيْنِ، وَأَلْحِقْهُا بِأهْلِهَا)). [الحديث ٥٢٥٥- طرفه في: ٥٢٥٧].
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا عبد الرحمن بن غسيل) هو
عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة الأنصاري وحنظلة هو غسيل الملائكة لما استشهد

١٢
كتاب الطلاق/ باب ٣
بأُحُد وهو جُنُب (عن حمزة بن أبي أسيد) بضم الهمزة وفتح السين المهملة (عن) أبيه (أبي أسيد)
مالك بن ربيعة الأنصاري الساعدي (رضي الله عنه) أنه (قال: خرجنا مع النبي ◌َّ) من المسجد
أو من منزله (حتى انطلقنا إلى حائط) بستان عليه جدار (يقال له الشوط) بفتح الشين المعجمة وبعد
الواو الساكنة طاء مهملة (حتى انتهينا إلى حائطين فجلسنا) ولأبي ذر جلسنا (بينهما) بإسقاط الفاء
(فقال النبي زَّ):
(اجلسوا هلهنا، ودخل) إلى الحائط (وقد أتي بالجونية) بضم الهمزة وفتح الجيم فيهما نسبة
القبيلة من الأزد فيما قاله ابن الأثير، وقال الرشاطيّ: الجون في كندة والأزد فالذي في كندة
الجون هو معاوية بن حجر آكل المرار ثم قال: ومنهم أسماء بنت النعمان بن الأسود بن الحارث
ابن شراحيل بن كندة تزوّج بها النبي وَالر فتعوّذت منه فطلّقها. وقال ابن حبيب: الجونية امرأة من
كندة وليست بأسماء والذي في الأزد الجون بن عوف بن مالك. وقال الكرماني: وقيل اسم
الجونية أمامة (فأنزلت) بضم الهمزة (في بيت في نخل) بالتنوين فيهما وسقط لفظ في لأبي ذر
(في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل) بإضافة بيت لأميمة كذا في الفرع وأصله وغيرهما مما
رأيته في الأصول. وقال الحافظ ابن حجر، وتبعه العيني كالكرماني بالتنوين في الكل: وأميمة
بالرفع إما بدلاً من الجونية وإما عطف بيان، وزاد في الفتح فقال: وظن بعض الشراح أنه
بالإضافة فقال: في الكلام على الرواية التي بعدها تزوّج رسول الله وَّر أميمة بنت شراحيل لعل
التي نزلت في بيتها بنت أخيها وهو مردود فإن مخرج الطريقين واحد، وإنما جاء الوهم من إعادة
لفظ في بيت. وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه فقال في
بيت في النخل في بيت أميمة إلى آخره انتهى. فليتأمل.
وعند ابن سعد أن النعمان بن الجون الكندي أتى النبي وسل* فقال: ألا أزوّجك أجمل أيم في
العرب فتزوّجها وبعث معه أبا أسيد الساعدي قال أبو أسيد: فأنزلتها في بني ساعدة فدخل عليها
نساء الحي فرحين بها وخرجن فذكرن من جمالها .
(ومعها دايتها حاضنة لها) بالرفع ولأبي ذر بالنصب. قال في الفتح كالكواكب: الداية الظئر
المرضع وهي معربة، وقال العيني: ليس كما قالا وإنما الداية المرأة التي تولّد الأولاد وهي القابلة
وهو لفظ معرّب ولم يعرف اسمها الحافظ ابن حجر (فلما دخل عليها النبي ◌َّو قال) لها: (هبي
نفسك لي) أمر للمؤنث وأصله أوهبي حذفت الواو تبعًا لمضارعه واستغني عن الهمزة فصار هبي
بوزن علي، قال لها ذلك تطييبًا لقلبها واستمالة لها، وإلا فقد كان له وَلجر أن يزوّج من نفسه بغير
إذن المرأة وبغير إذن وليّها وكان مجرد إرساله إليها وإحضارها ورغبته فيها كافيًا في ذلك (قالت)
لسوء حظها وشقائها وعدم معرفتها بجلالة قدره الرفيع (وهل تهب الملكة) بكسر اللام (نفسها
للسوقة)؟ بضم السين المهملة لواحد من الرعية. وقال في القاموس: السوقة الرعية للواحد والجمع
والمذكر والمؤنث، ولأبي ذر: لسوقة (قال: فأهوى بيده) الشريفة أي أمالها (يضع يده عليها لتسكن

١٣
كتاب الطلاق/ باب ٣
فقالت: أعوذ بالله منك. فقال) ولأبي ذر قال: (قد عذت بمعاذ) بفتح الميم أي بالذي يستعاذ به
قال أبو أسيد (ثم خرج علينا) وَّ (فقال: يا أبا أسيد اكسها) بضم السين ثوبين (رازقيين) براء
ثم زاي فقاف مكسورتين بالتثنية صفة موصوف محذوف للعلم به، والرازقية ثياب من كتاب بيض
طوال. قال السفاقسي: أي متعها بذلك إما وجوبًا وإما تفضلاً. وسيأتي إن شاء الله تعالى بعون
الله حكم المتعة. (وألحقها بأهلها) بهمزة قطع مفتوحة وكسر الحاء وسكون القاف أي ردّها إليهم
لأنه هو الذي كان أحضرها. وعند ابن سعد قال أبو أسيد: فأمرني فرددتها إلى قومها، وفي أخرى
له فلما وصلت بها تصايحوا وقالوا: إنك لغير مباركة فما دهاك؟ قالت: خدعت. قال: وحدّثني
هشام بن محمد بن أبي خيثمة زهير بن معاوية: أنها ماتت كمدًا.
٥٢٥٦ - ٥٢٥٧ - وقال الْحُسَيْنُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّيْسُابُورِيُّ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ عَنْ عَبَّاسٍ بْنِ
سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي أُسَيْدٍ قُالأُ تَزَوْجَ النّبِيِّ وَ أُمَيْمَةَ بِنْتَ شَرَاحِيلَ، فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ بَسَطَ يَدَهُ
إِلَيْهَا، فَكَأَنَّهَا كَرِهَتْ ذُلِكَ، فَأَمَرَ أَبْا أُسَيْدِ أنْ يُجَهْزَهَا وَيَكْسُوَهُا ثَوْبَيْنِ رَازِقِيَّيْنِ. [الحديث ٥٢٥٦ -
طرفه في: ٥٦٣٧].
(وقال الحسين) بضم الحاء (ابن الوليد النيسابوري) الفقيه لم يدركه البخاري (عن عبد
الرحمن) بن غسيل (عن عباس بن سهل عن أبيه) سهل بن سعد (وأبي أسيد) كلاهما (قالا: تزوّج
النبي * أميمة بنت شراحيل) نسبها لجدّها واسم أبيها النعمان كما مرّ (فلما أدخلت عليه) وَلـ
(بسط يده إليها فكأنها كرهت ذلك) لما أراد الله تعالى بها من المكروه (فأمر) النبي وَلجر (أبا أسيد أن
يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين).
وهذا التعليق وصله أبو نعيم في مستخرجه من طريق أبي أحمد الفرّاء عن الحسين، ومراد
المؤلف منه أن الحسين بن الوليد شارك أبا نعيم الفضل بن دكين في روايته لهذا الحديث عن عبد
الرحمن بن الغسيل، لكن اختلفا في شيخ عبد الرحمن فقال أبو نعيم: حمزة. وقال الحسين: عباس
ابن سهل.
٠٠٠٠ . حقّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أبِي الْوَزِيرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ عَنْ
حَمْزَةَ عَنْ أَبِهِ، وَعَنْ عَبَّاسٍ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ بِهُذْا.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا
إبراهيم بن أبي الوزير) عمر بن مطرف الحجازي أدركه المؤلف ولم يلقه وليس له في البخاري إلا
هذا الحديث قال: (حدّثنا عبد الرحمن) بن غسيل (عن حمزة) بالحاء المهملة (عن أبيه) أبي أسيد
(وعن) بالواو أي حمزة يروي عن أبيه وعن (عباس بن سهل بن سعد عن أبيه) سهل بن سعد
(بهذا) الحديث المذكور.

١٤
كتاب الطلاق/ باب ٤
٥٢٥٨ - حدثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيِى عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي غَلاَّبٍ يُونُسَ بْنِ
جُبَيْرِ قَالَ: قُلْتُ لايْنِ عُمَرَ رَجُلٌ طَلَّقَ آمْرَأَتَهُ وَهِيَ خَائِضٌ. فَقَالَ: تَعْرِفُ ابْنَ عُمَّرَ إِنَّ ابْنَ عُمَرَ
طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ خَائِضٌ فَأَتِى عُمَرُ النَّبِيَّ نَّهِ فَذَكَرَ ذُلِكَ لَهُ فَأَمَرَهُ أنْ يُرَاجِعَهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَأْرَادَ
أنْ يُطَلِّقَها فَلْيُطَلِّقْها. قُلْتُ: فَهَلْ عَدَّ ذُلِكَ طَلاَقًا؟ قَالَ: ((أَرَأيْتَ إنْ عَجَزَ وَأَسْتَحْمَقَ)).
وبه قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) بكسر الميم قال: (حدّثنا همام بن يحيى) بن دينار
البصري (عن قتادة) بن دعامة (عن أبي غلاب) بفتح الغين المعجمة وتشديد اللام آخره موحدة
(يونس بن جبير) الباهلي البصري أنه (قال: قلت لابن عمر رجل طلق امرأته وهي حائض فقال)
له (تعرف ابن عمر) قال له ذلك لتقريره على اتّباع السُّنة والقبول من ناقلها وأنه يلزم العامّة
الاقتداء بمشاهير العلماء لا أنه ظن أنه لا يعرفه كذا قاله الحافظ ابن حجر وتبعه العيني (أن ابن
عمر طلّق امرأته) آمنة بنت غفار (وهي حائض فأتى عمر النبي ◌َّي فذكر ذلك) الطلاق الصادر في
الحيض (له فأمره) أي أمر ابن عمر (أن يراجعها) من التطليقة التي طلقها لها (فإذا طهرت) بضم
الهاء (فأراد أن يطلقها فليطلقها) في ذلك الطهر قال يونس بن جبير: (قلت) لابن عمر (فهل عدّ
ذلك) عليه الصلاة والسلام (طلاقًا؟ قال: أرأيت) أي أخبرني (إن عجز واستحمق) قال المهلب:
يعني إن عجز من المراجعة التي أمر بها عن إيقاع الطلاق أو فقد عقله فلم تمكن منه الرجعة أتبقى
المرأة معلقة؟ لا هي ذات بعل ولا مطلقة، وقد نهى الله عن ذلك فلا بدّ أن يحتسب بتلك
التطليقة التي أوقعها على غير وجهها كما أنه لو عجز عن فرض آخر فلم يقمه واستحمق فلم يأت
به ما کان یعذر بذلك ویسقط عنه.
٤ - باب مَنْ أجازَ طَلاَقَ الثَّلاثِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى:
﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسُاٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي مَرِيضٍ طَلَّقَ:
لا أرىُ أنْ تَرِثَ مَبْتُوتَةً. وَقَالَ الشّعْبِيُّ: تَرِثُهُ: وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: تَزَوَّجُ إِذَا أَنْقَضَتِ الْعِدَّةُ؟ قَالَ:
نَعَمْ. قَالَ: أَرَأيْتَ إنْ مَاتَ الزَّوْجُ الآخَرُ فَرَجَعَ عَنْ ذُلِكَ؟
(باب من أجاز) ولأبي ذر من جوّز (طلاق الثلاث) وفي نسخة الطلاق الثلاث أي دفعة
واحدة أو مفرقًا (لقول الله تعالى: ﴿الطلاق مرّتان﴾) أي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع
(﴿فإمساك بمعروف﴾) برجعة (﴿أو تسريح بإحسان)) [البقرة: ٢٢٩] وهذا عامّ يتناول إيقاع
الثلاث دفعة واحدة، وقد دلّت الآية على ذلك من غير نكير خلافًا لمن لم يجز ذلك لحديث ((أبغض
الحلال إلى الله الطلاق)). وعند سعيد بن منصور بسند صحيح أن عمر كان إذا أتي برجل طلق
امرأته ثلاثًا أوجع ظهره. وقال الشيعة وبعض أهل الظاهر: لا يقع إذا أوقعه دفعة واحدة. قالوا:
لأنه خالف السُّنّة فيردّ إلى السُّنّة. وفي الأشراف عن بعض المبتدعة أنه إنما يلزم بالثلاث إذا كانت
مجموعة واحدة وهو قول محمد بن إسحاق صاحب المغازي وحجاج بن أرطأة، وتمسكوا في ذلك

١٥
كتاب الطلاق/ باب ٤
بحديث ابن إسحق عن داود بن الحسين عن عكرمة عن ابن عباس المرويّ عند أحمد وأبي يعلى
وصححه بعضهم قال: طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثًا في مجلس واحد فحزن عليها حزنًا
شديدًا، فسأله النبي ◌َ﴿ كيف طلقتها؟ قال: ثلاثًا في مجلس واحد. فقال النبي وَليقول: ((إنما تلك
واحدة فارتجعها إن شئت فارتجعها)).
وأجيب: بأن ابن إسحق وشيخه مختلف فيهما مع معارضته بفتوى ابن عباس بوقوع الثلاث
كما سيأتي إن شاء الله تعالى وبأنه مذهب شاذ فلا يعمل به إذ هو منكر، والأصح ما رواه أبو داود
والترمذي وابن ماجة أن ركانة طلّق زوجته البتة فحلفه رسول الله و لير أنه ما أراد إلا واحدة فردّها
إليه، فطلقها الثانية في زمن عمر، والثالثة في زمن عثمان. قال أبو داود: وهذا أصح. وعورض
بأنه نقل عن علي وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير كما نقله ابن مغيث في كتاب الوثائق
له، ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس كعطاء وطاوس وعمرو بن دينار، بل في مسلم من
طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن طاوس عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد
رسول الله وَ ل﴿ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة. فقال عمر: إن الناس قد
استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم، وقال الشيخ خليل من أئمة
المالكية في توضيحه: وحكى التلمساني عندنا قولاً بأنه إذا أوقع الثلاث في كلمة إنما يلزمه واحدة
وذكر أنه في النوادر قال: ولم أره انتهى.
والجمهور على وقوع الثلاث، فعند أبي داود بسند صحيح من طريق ابن مجاهد قال: كنت
عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلّق امرأته ثلاثًا فسكت حتى ظننت أنه رادها | إليه، ثم
قال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة ثم يقول: يا ابن عباس يا ابن عباس إن الله قال: ﴿ومن يتق
الله يجعل له مخرجًا﴾ [الطلاق: ٢] وأنت لم تتق الله فلم أجد لك مخرجًا عصيت ربك وبانت منك
امرأتك. وقد روي عن ابن عباس من غير طريق أنه أفتى بلزوم الثلاث لمن أوقعها مجتمعة. وفي
الموطأ بلاغًا قال رجل لابن عباس: إني طلّقت امرأتي مائة طلقة فماذا ترى؟ فقال ابن عباس:
طلّقت منك ثلاثًا، وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزوًا، وقد أجيب عن قوله كان طلاق
الثلاثة واحدة بأن الناس كانوا في زمنه # يطلقون واحدة، فلما كانوا في زمان عمر كانوا
يطلقون ثلاثًا. ومحصله أن المعنى أن الطلاق الموقع في زمن عمر ثلاثًا كان يوقع قبل ذلك واحدة
لأنهم كانوا لا يستعجلون الثلاث وكانوا يستعملونها نادرًا وأما في زمن عمر فكثر استعمالهم لها.
وأما قوله: فأمضاه عليهم فمعناه أنه صنع فيه من الحكم بإيقاع الطلاق ما كان يصنع قبله انتهى.
وقال الشيخ كمال الدين بن الهمام: تأويله أن قول الرجل أنت طالق، أنت طالق، كان
واحدة في الزمن الأول لقصدهم التأكيد في ذلك الزمان ثم صاروا يقصدون التجديد فألزمهم عمر
بذلك لعلمه بقصدهم قال: وما قيل في تأويله أن الثلاث التي يوقعونها الآن إنما كانت في الزمن
الأول واحدة تنبيه على تغير الزمان ومخالفة السُّنّة فيشكل، إذ لا يتجه حينئذٍ قوله فأمضاه عمر،

١٦
كتاب الطلاق/ باب ٤
واختلفوا مع الاتفاق على الوقوع ثلاثًا هل يكره أو يحرم أو يباح أو يكون بدعيًّا أو لا؟ فقال
الشافعية: يجوز جمعها ولو دفعة، وقال اللخمي من أئمة المالكية: إيقاع الاثنتين مكروه: والثلاث
ممنوع لقوله تعالى: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ [الطلاق: ١] أي من الرغبة في
المراجعة والندم على الفرقة. ولنا قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلّقتم النساء﴾ [البقرة: ٢٣٦]
و﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١] وهذا يقتضي الإباحة، وطلّق رسول الله والهم
حفصة وكان الصحابة يطلقون من غير نكير حتى روي أن مغيرة بن شعبة كان له أربع نسوة
فأقامهنّ بين يديه صفًّا فقال: أنتنّ حسنات الأخلاق، ناعمات الأوراق، طويلات الأعناق، اذهبن
فأنتن الطلاق. وكل هذا يدل على الإباحة. نعم الأفضل عندنا أن لا يطلّق أكثر من واحدة ليخرج
من الخلاف. وقال الحنفية: يكون بدعيًّا إذا أوقعه بكلمة لحديث ابن عمر عند الدارقطني قلت يا
رسول الله: أرأيت لو طلّقتها ثلاثًا؟ قال: ((إذًا قد عصيت ربك وبانت منك امرأتك)) ولأن الطلاق
إنما جعل متعددًا ليمكنه التدارك عند الندم فلا يحلّ له تفويته.
وفي حديث محمود بن لبيد عند النسائي بسند رجاله ثقات قال: أخبر النبي ◌َّ عن رجل
طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا فقام مغضبًا فقال: ((أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم)) لكن
محمود بن لبيد ولد في زمنه وَّر ولم يثبت له منه سماع وهو مع ذلك محتمل لإنكاره عليه إيقاعها
مجموعة وغير ذلك.
(وقال ابن الزبير) عبد الله فيما وصله الشافعي وعبد الرزاق (في) رجل (مريض طلق) امرأته
(لا أرى) بفتح الهمزة (أن ترث مبتوتة) بالمثناتين الفوقيتين بينهما واو ساكنة، وقبل أولاهما موحدة
منصوبة في اليونينية من قيل لها أنت طالق البتّة ويطلق على من أنبتت بالثلاث ولغير أبي ذر مبتوتة
أي مبتوتة المريض.
(وقال الشعبي) عامر بن شراحيل (ترثه) ما كانت في العدة وهذا وصله سعيد بن منصور.
(وقال ابن شبرمة): بضم الشين المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة عبد الله قاضي الكوفة
التابعي الشعبي (تزوّج) استفهام حذفت منه الأداة أي هل تزوّج (إذا انقضت العدة. قال) الشعبي:
(نعم) تزوّج (قال) ابن شبرمة (أرأيت) أي أخبرني (إن مات الزوج الآخر) ترثه أيضًا فيلزم إرثها
من الزوجين معًا واحدة (فرجع) الشعبي (عن ذلك) القول الذي قاله من أنها ترثه ما كانت في
العدة وهذا وصله سعيد بن منصور، وساقه المؤلف مختصرًا استطرادًا.
٥٢٥٩ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ
السَّاعِدِيَّ أخْبَرَهُ أنَّ عُوَيْمِرَا الْعَجْلاَنِيَّ جَاءَ إلى عَاصِمِ بْنِ عَدِيِّ الأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ: يَا عَاصِمُ،
أُرَأيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأْتِهِ رَجُلاً أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي يُا عَاصِمُ عَنْ ذُلِكَ
رَسُولَ اللَّهِ وَّرَ: فَسَألَ عَاصِمْ عَنْ ذُلِكَ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ فَكْرِهَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ الْمَسائِلَ وَعَابَها،

١٧
كتاب الطلاق/ باب ٤
حَتَّى كَبْرَ عَلى عَاصِم مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ بِّهِ؟ فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إلى أهْلِهِ جَاءَ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ:
يَا عَاصِمُ، ماذا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ وَ؟ فَقَالَ: عَاصِمْ لَمْ تَأْتِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ
الْمَسْألَةَ الَّتِي سَألْتُهُ عَنْهَا قَالَ: عُوَيْمِرٌ: وَاللَّهِ لأُ أنْتَهِي حَتَى أسْألَهُ عَنْهَا. فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرْ حَتَّى أتى
رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ وَسَطَ النَّاسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأْتِهِ رَجُلاً، أيَقْتُلُهُ
فَتَقْتُلُونَهُ، أمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَأْتِ
بِهَا)). قَالَ سَهْلٌ: فَتَلأَعَنَا، وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَ فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيْمِرْ كَذَبْتُ عَلَيْها
يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أمْسَكْتُها، فَطَلَّقَها ثَلاَثًا قَبْلَ أنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَتْ
تِلْكَ سُنَّةَ الْمُتَلأَعِنَيْنِ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب)
محمد بن مسلم (أن سهل بن سعد الساعدي) رضي الله عنه (أخبره أن عويمرًا) بضم العين مصغرًا
ابن الحارث (العجلاني) بفتح العين المهملة وسكون الجيم (جاء إلى) ابن عمه (عاصم بن عدي
الأنصاري فقال له: يا عاصم أرأيت رجلاً) أي أخبرني عن رجل (وجد مع امرأته رجلاً) على
بطنها (أيقتله فتقتلونه) قصاصًا لآية ﴿النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥] (أم كيف يفعل سل لي يا
عاصم عن ذلك رسول الله وَ﴿، فسأل عاصم عن ذلك رسول الله وَالقول، فكره رسول اللهمرحله
المسائل) المذكورة لما فيها من البشاعة والشناعة على المسلمين والمسلمات (وعابها حتى كبر) بضم
الباء الموحدة عظم وشق (على عاصم ما سمع من رسول الله يَّر، فلما رجع عاصم إلى أهله جاء
عويمر، فقال: يا عاصم ماذا قال لك رسول الله وَلي؟ فقال) له (عاصم: لم تأتني بخير قد كره
رسول الله وير المسألة التي سألته عنها. قال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها فأقبل عويمر
حتى أتى رسول الله وَ﴿ وسط الناس فقال: يا رسول الله أرأيت رجلاً) أي أخبرني عن رجل
(وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال: رسول الله (وَل ◌ٍ):
(قد أنزل الله فيك) ولأبي ذر قد أنزل فيك (وفي صاحبتك) زوجتك خولة بنت قيس على
المشهور آية اللعان (فاذهب فأتِ بها) قال سهل: (فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله وَ ل*) زاد
في تفسير سورة النور بما سمى الله في كتابه (فلما فرغا) من تلاعنهما (قال عويمر: كذبت عليها
يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله (وَ لخر).
قيل: المطابقة بين الحديث والترجمة في قوله فطلقها ثلاثًا لأنه وَّر أمضاه ولم ينكر عليه،
وهذا فيه نظر لأن اللعان تعلق به انفساخ النكاح ظاهرًا وباطنًا كالرضاع والحرمة المؤبدة، لكن قد
يقال: إن ذكره للطلاق الثلاث مجموعة ولم ينكره عليه الصلاة والسلام عليه يدل له، والظاهر أن
عويمرًا لم يظن أن اللعان يحرمها عليه فأراد تحريمها بالطلاق الثلاث.
وهذا الحديث قد سبق في تفسير النور.
إرشاد الساري/ ج ١٢ / م ٢

١٨
كتاب الطلاق/ باب ٤
(قال ابن شهاب) الزهري بالسند السابق (فكانت تلك) التفرقة (سُنّة المتلاعنين) فلا يجتمعان
بعد الملاعنة .
٥٢٦٠ - حدثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرِ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أخْبَرَنِي
عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عَائِشَةَ أخْبَرَتْهُ أنَّ امْرَأَةَ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيّ جَاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ وَلِ فَقَالَتْ: يُا
رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ رِفَاعَةً طَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلأُقِي، وَإِنِّي نَكَحْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ الزُّبَيرِ الْقُرَظِيِّ،
وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْلُ الْهُذْبَةِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَعَلَّكِ تُريدينَ أنْ تَرْجِعِي إلى رِفَاعَةَ؟ لأَ حَتَّى
يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَّهُ)) .
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) بضم العين وفتح الفاء وهو اسم جده واسم أبيه كثير
قال: (حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (عقيل) بضم العين
ابن خالد الأيلي ولأبي ذر عن عقيل (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة
ابن الزبير أن عائشة) رضي الله عنها (أخبرته أن امرأة رفاعة) بكسر الراء وتخفيف الفاء (القرظي)
بالقاف المضمومة والظاء المعجمة من بني قريظة واسمها تميمة بنت وهب وقيل غير ذلك (جاءت
إلى رسول الله ﴿ فقالت: يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي) بالموحدة المفتوحة والفوقية
المشددة أي قطعه قطعًا كليًّا وفي كتاب الأدب من وجه آخر أنها قالت: طلّقني آخر ثلاث
تطليقات (وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير) بفتح الزاي وكسر الموحدة ابن باطا (القرظي
وإن ما معه) أي وإن الذي معه تعني فرجه (مثل الهدبة) بضم الهاء وسكون الدال المهملة، وفي
رواية مثل هدية الثوب أي طرفه الذي لم ينسج شبهوه بهدب العين وهو شعر جفنها وشبهته بذلك
إما لصغره أو لاسترخائه، والثاني أظهر إذ يبعد أن يكون صغيرًا إلى حدّ لا يغيب معه مقدار
الحشفة (قال رسول الله ( *) لها:
(لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا) ترجعين إليه (حتى يذوق) عبد الرحمن (عسيلتك
وتذوقي عسيلته) بضم العين على التصغير كناية عن الجماع شبه لذته بلذة العسل وحلاوته، وأنّث
في التصغير لأن العسل يذكّر ويؤنّث لأنه تصغير عسلة أي قطعة من العسل أو على إرادة اللذة
لتضمنه ذلك.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: فبتّ طلاقي إذ هو محتمل للثلاث دفعة واحدة ومتفرقة.
٥٢٦١ - حدثني مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنًا يَحْيِى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ
عَنْ عَائِشَةَ أنَّ رَجُلاً طَلَّقَ آمْرَأْتَهُ ثَلاثًا، فَتَزَوَّجَتْ فَطَلَّقَ. فَسُئِلَ النَّبِيِّ نَّهِ أَتَجِلُّ لِلأَوَّلِ؟ قَالَ: ((لأ
حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا كَمَا ذَاقَ الأَوَّلُ)).
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن بشار) بندار قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان

١٩
كتاب الطلاق/ باب ٥
(عن عبيد الله) بضم العين ابن عمر العمري أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (القاسم بن محمد) أي ابن
أبي بكر الصديق (عن عائشة) رضي الله عنها (أن رجلاً طلّق امرأته) ولأبي ذر عن الكشميهني
امرأة (ثلاثًا فتزوجت) زوجًا غيره (فطلّق) الزوج الثاني قبل أن يجامعها (فسئل النبي ◌َّ) بضم
السين مبنيًّا للمفعول (أتحل للأول) الذي طلّقها ثلاثًا (قال):
(لا) تحل له (حتى يذوق) الثاني (عسيلتها كما ذاق) ـها (الأول) قال في الفتح: وهذا
الحديث إن كان مختصرًا من قصة رفاعة فقد سبق توجيهه وإن كان في أخرى، فالمراد منه طلقها
ثلاثًا فإنه ظاهر في كونها مجموعة ولا يبعد التعدد.
٥ - باب مَنْ خَيَّرَ نِسَاءَهُ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿قُلْ لأَزْوَاجِكَ
إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرُّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً﴾
(باب من خير نساءه) وفي نسخة: أزواجه أي بين أن يطلقن أنفسهن أو يستمرنّ في
العصمة. (وقول الله تعالى) لرسوله ويليقول: (﴿قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها﴾) أي
السعة في الدنيا وزهرتها (﴿فتعالين﴾) أقبلن بإرادتكن واختياركن لأحد أمرين ولم يرد نهوضهن إليه
بأنفسهن (﴿أمتعكن﴾) أعطكن متعة الطلاق (﴿وأسرحكن﴾) وأطلقكن (﴿سراحًا جميلاً﴾)
[الأحزاب: ٢٨] لا ضرر فيه، وهذا أمر من الله تعالى لرسوله وَ﴾ أن يخيّر نساءه بين أن يفارقهن
فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الدنيا وزخرفها وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال
ولهن عند الله في ذلك الثواب الجزيل، فاخترن رضي الله عنهن رضا الله ورسوله والدار الآخرة،
فجمع الله تعالى لهن بعد ذلك بين خيري الدنيا وسعادة الآخرة.
٥٢٦٢ - حدثنا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ حَدَّثَنَا أبِي حَدِّثَنَا الأَغْمَشُ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ
عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَاخْتَرْنَا الله وَرَسُولَهُ فَلَمْ يُعَدَّ ذُلِكَ عَلَيْئًا شَيْئًا.
[الحديث ٥٢٦٢ - أطرافه في: ٥٢٦٣].
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا
الأعمش) سليمان قال (حدّثنا مسلم) أبو الضحى بن صبيح (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن
عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت: خيّرنا) أي أمهات المؤمنين (رسول الله وَّه) بين الدنيا والآخرة
فإن اخترن الدنيا طلّقهن طلاق السُّنّة (فاخترنا الله ورسوله فلم يعد) بضم أوله وفتح العين والدال
المهملة المشددة (ذلك) التخيير (علينا شيئًا) من الطلاق.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الطلاق والترمذي في النكاح والنسائي فيه وفي الطلاق وابن
ماجة في الطلاق.
٥٢٦٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيى عَنْ إسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَامِرٌ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْتُ

٢٠
كتاب الطلاق/ باب ٦
عَائِشَةَ عَنِ الْخِيْرَةِ فَقَالَتْ: خَيَّنَا النَّبِيِّ وَِّ أَفَكَانَ طَلاَقًا؟ قَالَ مَسْرُوقٌ: لا أُبَالِي أَخَيَّرْتُهَا وَاحِدَةً أوْ
مِائَةً بَعْدَ أنْ تَخْتَارَنِي.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن
إسماعيل) بن أبي خالد قال: (حدّثنا عامر) هو ابن شراحيل الشعبي (عن مسروق) أو (قال:
سألت عائشة) رضي الله عنها (عن الخيرة) بكسر الخاء المعجمة وفتح التحتية والراء أي تخيير الرجل
زوجته في الطلاق وعدمه (فقالت): ليس طلاقًا واستدلت لذلك بقولها (خيّرنا النبي ◌َّ﴿) أي
أزواجه فاخترنا (أفكان) تخييره (طلاقًا) استفهام على سبيل الإنكار.
(قال مسروق) بالإسناد السابق: (لا أبالي أخيرتها واحدة أو مائة بعد أن تختارني). واختلف
فيما إذا اختارت نفسها هل تقع طلقة واحدة رجعية أم بائنًا أو تقع ثلاثًا؟ فقال المالكية: تقع ثلاثًا
لأن معنى الخيار بتّ أحد الأمرين إما الأخذ أو الترك، فلو قلنا إذا اختارت نفسها تكون طلقة
رجعية لم يعمل بمقتضى اللفظ لأنها تكون بعده في أسر الزوج. وقال الحنفية: واحدة بائنة. وقال
الشافعية: التخيير كناية فإذا خيّر الزوج امرأته وأراد بذلك تخييرها بين أن تطلق منه وبين أن تستمرّ
في عصمته فاختارت نفسها وأرادت بذلك الطلاق طلقت لقول عائشة: فاخترناه فلم يكن ذلك
طلاقًا إذ مقتضاه أنها لو اختارت نفسها كان طلاقًا لكن مفهوم قوله تعالى: ﴿فتعالين أمتعكن
وأسرحكن﴾ [الأحزاب: ٢٨] أي بعد الاختيار أن ذلك بمجرده لا يكون طلاقًا بل لا بدّ من
إنشاء الزوج الطلاق فلو قالت لم أرد باختيار نفسي الطلاق صدّقت، فلو وقع التصريح بالتطليق
يقع جزمًا. واختلفوا في التخيير هل هو بمعنى التمليك أو التوكيل، والصحيح عندنا أنه تمليك
فلو قال الرجل لزوجته: طلّقي نفسك إن شئت فتمليك للطلاق لأنه يتعلق بغرضها فنزل منزلة
قوله ملّكتك طلاقك، ويشترط أن يكون فورًا لتضمنه القبول وهو على الفور فلو أخّرت بقدر ما
ينقطع به القبول عن الإيجاب ثم طلّقت لم يقع إلا إن قال: طلّقي نفسك متى شئت فلا يشترط
الفور وللزوج الرجوع قبل التطليق ولا يصح تعليقه، فلو قال: إذا جاء الغد أو زيد مثلاً فطلّقي
نفسك لغا. وقال المالكية والحنفية: لا يشترط الفور بل متى طلقت نفذ.
٦ - باب
إِذَا قَالَ: فَارَقْتُكِ، أَوْ سَرَّحْتُكِ، أوِ الْخَلِيَّةُ أوِ الْبَرِيَّةُ، أَوْ مَا عُنِيَ بِهِ الطَّلاَقُ، فَهُوَ عَلى نَيَّتِهِ قَوْلُ
الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَميلاً﴾ [الأحزاب: ٤٩] وَقَالَ: ﴿وَأُسَرَّ حْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً﴾
[الأحزاب: ٢٨] وَقَالَ تَعَالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَقَالَ: ﴿أوْ
غَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] وَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ عَلِمَ النَِّيِّ نَّهِ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونًا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ.
هذا (باب) بالتنوين في كنايات الطلاق وهي ما يحتمل الطلاق وغيره ولا يقع الطلاق بها إلا
بالنية لأنها غير موضوعة للطلاق بل موضوعة لما هو أعمّ من حكمه والأعم في المادة الاستعمالية