النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
کتاب النكاح/ باب ١٥
(وقوله) عز وجل: (﴿وهو الذي خلق من الماء﴾) أي النطفة (﴿بشرًا﴾) إنسانًا (﴿فجعله
نسبًا وصهرًا﴾) يريد فقسم البشر قسمين ذوي نسب أي ذكورًا ينسب إليهم فيقال: فلان ابن فلان
وفلانة بنت فلان، وذوات صهر أي إناثًا يصاهر بهن وهو كقوله: ﴿فجعل منه الزوجين الذكر
والأنثى﴾ [القيامة: ٣٩] (﴿وكان ربك قديرًا﴾) [الفرقان: ٥٤] حيث خلق من النطفة الواحدة
بشرًا نوعين ذكرًا وأنثى، وقيل فجعله نسبًا قرابة وصهرًا أي مصاهرة يعني الوصلة بالنكاح منّ
بالأنساب لأن التواصل يقع بها وبالمصاهرة لأن التوالد بها يكون، وسقط لأبي ذر قوله ﴿وكان
ربك قديرًا﴾ وقال بعد وصهرًا الآية. ومراد المؤلف رحمه الله من سياق هذه الآية الإشارة إلى أن
النسب والصهر مما يتعلق به حكم الكفاءة، ونقل العيني عن ابن سيرين أن هذه الآية نزلت في
النبي ◌َّ﴿ وعلي وزوج عليه الصلاة والسلام فاطمة عليًّا وهو ابن عمه وزوج ابنته فكان نسبًا وكان
صهرًا.
٥٠٨٨ - حدّثنا أبُو الْيَمانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قالَ: أخْبَرَني عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ عَنْ
عائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها أنَّ أبا حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ ربيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍٍ، وَكانَ مِمْنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ
النّبِيِّ وَ ﴿ِ تَبَنَّى سالِمًا وَأَنْكَحَهُ بِنْتَ أخيهِ هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَهُوَ مَوْلَى الإِمْرَأَةٍ مِنْ
الأنصارِ، كَما تَبَتَّى النّبِيِّ بَهِ زَيْدًا، وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلاً فِي الْجَاهِلِيَّةِ دَعاهُ النَّاسُ إِلَيْهِ وَوَرِثَ مِنْ
مِيراثِهِ حَتَّى أَنْزَلَ الله ﴿آذعُوهُمْ لَآبَائِهِمْ﴾ . إلى قَوْلِهِ - ﴿وَمَوالِيكُمْ﴾ فَرُدُوا إلى آبَائِهِمْ فَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ
أبٌّ كانَ مَوْلَّى وَأَخَا فِي الدِّينِ فَجَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرِو الْقُرَشِيِّ ثُمَّ الْعامِرِيِّ وَهْيَ امْرَأَةٌ
أبي حُذَيفَةَ بْنِ عُثْبَةَ النَّبِيِّ وَّهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إنَّا كُنَّا نَرى سالِمًا وَلَدًا، وَقَدْ أَنْزَلَ الله فيهِ ما
قَدْ عَلِمْتَ فَذَكَرَ الْحَديثَ.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير عن عائشة رضي
الله عنها أن أبا حذيفة) مهشمًا على المشهور خال معاوية بن أبي سفيان (ابن عتبة بن ربيعة بن عبد
شمس) القرشي العبشمي (وكان ممن شهد بدرًا) والمشاهد كلها (مع النبي ﴿﴿ تبنى سالمًا) أي ابن
معقل بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف من أهل فارس المهاجري الأنصاري (وأنكحه)
زوّجه (بنت أخيه) بفتح الهمزة وكسر الخاء المعجمة (هند) غير مصروف للعلمية والتأنيث ولأبوي
الوقت وذر هندًا لسكون وسطه (بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة وهو) أي سالم (مولى لامرأة من
الأنصار) اسمها ثبيتة بضم المثلثة وفتح الموحدة وسكون التحتية وفتح الفوقية بنت يعار بفتح التحتية
والعين المهملة المخففة وبعد الألف راء ابن زيد بن عبيد الأنصارية زوج أبي حذيفة المذكور (كما
تبنى) أي كما اتخذ (النبي ﴿ ﴿ زيدًا) ابنًا (وكان من تبنى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس إليه)
فيقولون فلان ابن فلان للذي تبناه (وورث من ميراثه) كما يرث ابنه من النسب (حتى أنزل الله)
تعالى ((ادعوهم لآبائهم﴾ - إلى قوله - ﴿ومواليكم﴾﴾ [الأحزاب: ٥] (فردوا) بصيغة البناء

٣٦٢
كتاب النكاح/ باب ١٥
للمفعول (إلى آبائهم) أي الذين ولدوهم (فمن لم يعلم له أب) بضم التحتية مبنيًّا للمفعول (كان
مولى واًّا في الدين فجاءت سهلة) بفتح السين المهملة وسكون الهاء (بنت سهيل بن عمرو) بضم
السين وفتح الهاء وسكون التحتية وعمرو بفتح العين (القرشي ثم العامري وهي امرأة أبي
حذيفة بن عتبة) ضرّة معتقة سالم الأنصارية (النبي ◌َ ﴿ فقالت: يا رسول الله إنا كنا نرى) بفتح
النون نعتقد (سالمًا ولدًا) بالتبني (وقد أنزل الله فيه ما قد علمت) من قوله تعالى: ﴿ادعوهم
لآبائهم﴾ (فذكر) أبو اليمان الحكم بن نافع شيخ البخاري (الحديث) وتمامه كما عند أبي داود
والبرقاني: فكيف ترى؟ فقال رسول الله ﴿﴿: ((أرضعيه)) فأرضعته خمس رضعات فكان بمنزلة
ولدها من الرضاعة. فبذلك كانت عائشة تأمر بنات إخوتها وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبت
عائشة أن يراها ويدخل عليها وإن كان كبيرًا خمس رضعات ثم يدخل عليها، وأبت أم سلمة
وسائر أزواج النبي ( أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحدًا من الناس حتى يرضع في المهد
وقلن لعائشة: والله ما ندري لعلها رخصة من رسول الله صل﴿ لسالم دون الناس، وقد أخرج هذا
الحديث من طريق القاسم بن محمد عن عائشة ومن طريق زينب عن أم سلمة ففي رواية القاسم
عنده جاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو فقالت يا رسول الله إن في وجه أبي حذيفة من دخول
سالم وهو حليفه فقال: أرضعيه. قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟ فتبسم رسول الله وأَلجم
وقال: ((قد علمت أنه رجل كبير)) وفي لفظ فقالت: إن سالمًا قد بلغ ما يبلغ الرجال وإنه يدخل
علينا وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة شيئًا من ذلك فقال: أرضعيه تحرمي عليه فرجعت إليه
فقالت: إني قد أرضعته فذهب الذي في نفس أبي حذيفة وهذا مختص بسهلة وسالم أو منسوخ،
والجمهور على خلافه كما يأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوّته في أبواب الرضاع.
ومطابقة الحديث للترجمة من تزويج أبي حذيفة سالمًا الذي تبناه وهو مولى لامرأة من
الأنصار بنت أخيه هند ولم يعتبر فيه الكفاءة إلا في الدين، والحديث أخرجه النسائي أيضًا في
النكاح.
٥٠٨٩ - حدثنا عُبَيْدُ بْنُ إسْماعيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسامَةَ عَنْ هِشام عَنْ أبيهِ عَنْ عَائِشَةً قَالَتْ:
دَخَلَ رَسُولُ اللهِوَ﴿َ عَلى ضُباعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ فَقالَ لَها: ((لعَلَّكِ أَرَذْتِ الْحَجَّ))؟ قالَتْ: وَالله لا
أجِدُني إلاَّ وَجِعَةً، فَقالَ لَها: (حُجّي وَأَشْتَرِطِي، قولي اللَّهُمَّ مَحلِي حَيْثُ حَبَسْتَنِي))، وَكَانَتْ
تَحْتَ الْمِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ.
وبه قال: (حدّثنا عبيد بن إسماعيل) اسمه عبد الله أبو محمد الهباري القرشي الكوفي قال:
(حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) رضي الله عنها
أنها (قالت: دخل رسول الله وَل﴿ على ضباعة) بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة المخففة (بنت
الزبير) بن عبد المطلب الهاشمية بنت عم النبي وَلير (فقال لها):
(لعلك أردت الحج؟ قالت: والله لا). ولأبي ذر: ما (أجدني) أي ما أجد نفسي (إلا وجعة)

٣٦٣
كتاب النكاح/ باب ١٥
واتحاد الفاعل والمفعول مع كونهما ضميرين لشيء واحد من خصائص أفعال القلوب وقوله وجعة
بفتح الواو وكسر الجيم أي ذات مرض (فقال) وَليزر (لها: حجي واشترطي) أنك حيث عجزت عن
الإتيان بالمناسك واحتبست عنها بحسب قوّة المرض تحللت (قولي) ولأبي ذر وقولي (اللهم محلي)
بفتح الميم وكسر الحاء، ولأبي ذر بفتحها أي مكان تحللي من الإحرام (حيث حبستني) فيه عن
النسك بعلة المرض.
ومباحث ذلك سبقت في الحج في أبواب المحصر (وكانت) ضباعة (تحت المقداد بن الأسود)
هو ابن عمرو بن ثعلبة بن مالك الكندي ونسب إلى الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد
مناف بن زهرة لكونه تبناه فكان من حلفاء قريش، وتزوّج ضباعة وهي هاشمية ففيه أن النسب لا
يعتبر في الكفاءة وإلا لما جاز له أن يتزوّجها لأنها فوقه في النسب. وأجيب: باحتمال أنها وأولياءها
أسقطوا حقهم من الكفاءة.
٥٠٩٠ - حدثنا مُسَدَّدٌ يَخيى عَنْ عُبَيْدِ الله، قالَ: حَدَّثَنِي سَعيدُ بْنُ أبي سَعيدٍ عَنْ أبيهِ عَنْ
أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: «تُنْكَّحُ الْمَرْأةُ لأزْبَع: لِمَالِها، وَلِحَسَبِها، وَجَمالِها،
وَلِدِينِها، فَاظْفَرْ بِذاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَداكَ)).
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن
عبيد الله) بضم العين ابن عمر العمري أنه (قال: حدثني) بالإفراد (سعيد بن أبي سعيد) كيسان
(عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َّي) أنه (قال):
(تنكح المرأة) بضم التاء وفتح الكاف مبنيًّا للمفعول والمرأة رفع به (لأربع) من الخصال
(لمالها) بدل من السابق بإعادة العامل لأنها إذا كانت ذات مال قد لا تكلفه في الإنفاق وغيره فوق
طاقته، وقول المهلب إن في الحديث دليلاً على أن للزوج الاستمتاع بمال زوجته فإن طابت نفسها
بذلك حل له وإلا فله من ذلك قدر ما بذل لها من الصداق تعقب بأنه ليس في الحديث ما ذكره
من التفصيل ولم ينحصر قصده في الاستمتاع بمالها فقد يقصد ترجي حصول ولد منها فيعود إليه
مالها بالإرث أو أن تستغني عنه بمالها عن مطالبته بما يحتاج إليه غيرها من النساء كما مر وأما
استدلال بعض المالكية به على أن للرجل أن يحجر على زوجته في مالها معلّلاً بأنه إنما تزوجها
لمالها فليس لها تفويته ففيه نظر لا يخفى (و) تنكح المرأة أيضًا (لحسبها) بإعادة الجار أيضًا وفتح
الحاء والسين المهملتين ثم موحدة أي لشرفها والحسب في الأصل الشرف بالآباء وبالأقارب مأخوذ
من الحساب لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدّوا مناقبهم ومآثر آبائهم وقومهم وحسبوها فيحكم لمن زاد
عدده على غيره وقد قال أكثم بالمثلثة ابن صيفي: يا بني تميم لا يغلبنكم جمال النساء على صراحة
الحسب فإن المناكح الكريمة مدرجة للشرف. وقال بكير الأسدي:
وأول خبث المرء خبث ترابه وأول لوم المرء لؤم المناكح
1

٣٦٤
كتاب النكاح/ باب ١٥
وقال آخر :
وإذا كنت تبغي أيمًا بجهالة من الناس فانظر من أبوها وخالها
كقدّك نعلاً أن أريد مثالها
فإنهما منها كما هي منهما
ولا تطلب البيت الدنيء فعاله ولا يدذا عقل لورهاء مالها
فإن الذي ترجو من المال عندها سيأتي عليه شؤمها وخبالها
وقيل: المراد بالحسب المال وردّ بذكر المال قبله وعطفه عليه، وعند النسائي وصححه ابن
حبان والحاكم من حديث بريدة رفعه إن أحساب أهل الدنيا الذين يذهبون إليه المال. وفي حديث
ميمونة المرفوع مما صححه الترمذي والحاكم الحسب المال والكرم التقوى، وحمل على أن المراد أن
المال حسب من لا حسب له. وروى الحاكم حديث: تخيروا لنطفكم، فیکره نكاح بنت الزنا
وبنت الفاسق. قال الأذرعي: ويشبه أن تلحق بهما اللقيطة ومن لا يعرف أبوها (و) تنكح أيضًا
الأجل (جمالها) ولم يعد العامل في هذه والجمال مطلوب في كل شيء لا سيما في المرأة التي
تكون قرينة وضجيعة، وعند الحاكم حديث خير النساء من تسرّ إذا نظرت وتطيع إذا أمرت. قال
الماوردي: لكنهم كرهوا ذات الجمال الباهر فإنها تزهو بجمالها (و) تنكح (لدينها) بإعادة اللام،
وفي مسلم بإعادتها في الأربع وحذفت هنا في قوله وجمالها فقط (فاظفر بذات الدين) ولمسلم من
حديث جابر فعليك بذات الدين، والمعنى كما قال القاضي ناصر الدين البيضاوي: إن اللائق
بذوي المروءات وأرباب الديانات أن يكون الدين مطمح نظرهم في كل شيء لا سيما فيما يدوم
أمره ويعظم خطره، فلذا اختاره و # بآكد وجه وأبلغه فأمر بالظفر الذي هو غاية البغية ومنتهى
الاختيار والطلب الدال على تضمن المطلوب لنعمة عظيمة وفائدة جليلة. وقال في شرح المشكاة
قوله: فاظفر جزاء شرط محذوف أي إذا تحققت ما فصلت لك تفصيلاً بيّنًا فاظفر أيها المسترشد
بذات الدين فإنها تكسبك منافع الدارين، قال: واللامات المكررة مؤذنة بأن كلاً منهن مستقلة في
الغرض. وروى ابن ماجة حديث ابن عمر مرفوعًا لا ترجو النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن
يرديهن أي يهلكهن ولا تزوّجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهنّ ولكن تزوّجوهن على الدين
ولأمة سوداء ذات دين أفضل.
(تربت يداك) أي افتقرتا إن خالفت ما أمرتك به يقال ترب الرجل إذا افتقر وهي كلمة
جارية على ألسنتهم لا يريدون بها حقيقتها. وقيل: فيه تقدير شرط كما مر ورجحه ابن العربي
لتعدية ذوات الدين إلى ذوات الجمال والمال، ورجح عدم إرادة الدعاء عليه وذلك لأنهم كانوا إذا
رأوا مقدامًا في الحرب أبلى فيه بلاءً حسنًا يقولون قاتله الله ما أشجعه، وإنما يريدون به ما يزيد
قوته وشجاعته وكذلك ما نحن فيه فإن الرجل إنما يؤثر تلك الثلاثة على ذات الدين لإعدامها مالاً
وجمالاً وحسبًا فينبغي أن يحمل الدعاء على ما يجبر عليه من الفقر أي عليك بذات الدين يغنك الله
فيوافق معنى الحديث النص التنزيلي: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن

٣٦٥
كتاب النكاح/ باب ١٥
يكونوا فقراء يغنهم الله من فضلهِ﴾ [النور: ٣٢]. والصالح هو صاحب الدين قاله في شرح
المشكاة وفي الحديث كما قال النووي الحث على مصاحبة أهل الصلاح في كل شيء لأن من
صاحبهم استفاد من أخلاقهم وبركتهم وحسن طرائقهم ويأمن المفسدة من جهتهم.
وحكى محيي السُّنّة أن رجلاً قال للحسن: إن لي بنتًا أحبها وقد خطبها غير واحد فمن ترى
أن أُزوّجها؟ قال: زوّجها رجلاً يتقي الله فإنه إن أحبها أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها.
وقال الغزالي في الإحياء: وليس أمره وَله بمراعاة الدين نهيًا عن مراعاة الجمال ولا أمرًا
بالإضراب عنه وإنما هو نهي عن مراعاته مجردًا عن الدين فإن الجمال في غالب الأمر يرغب
الجاهل في النكاح دون التفات إلى الدين ولا نظر إليه فوقع النهي عن هذا. قال: وأمر النبي وَله
لمن يريد التزوج بالنظر إلى المخطوبة يدل على مراعاة الجمال إذ النظر لا يفيد معرفة الدين، وإنما
يعرف به الجمال أو القبح، ومما يستحب في المرأة أيضًا أن تكون بالغة كما نص عليه الشافعي إلا
لحاجة كأن لا يعفه إلا غيرها أو مصلحة كتزوّجه وَلقر عائشة وأن تكون عاقلة. قال في المهمات:
ويتجه أن يراد بالعقل هنا العقل العرفي وهو زيادة على مناط التكليف انتهى.
والمتجه أن يراد أعم من ذلك وأن تكون قرابة غير قريبة لقوله ◌َّيو لا تنكحوا القرابة القريبة
فإن الولد يخلق ضاويًا ذكره في الإحياء. وقوله: ضاويًا أي نحيفًا لضعف الشهوة. قال الزنجاني:
ولأن من مقاصد النكاح اشتباك القبائل لأجل التعاضد واجتماع الكلمة وهو مفقود في نكاح
القريبة. وتوقف السبكي في هذا الحكم لعدم صحة الحديث الدال عليه فقد قال ابن الصلاح: لم
أجد له أصلاً معتمدًا. قال السبكي: فلا ينبغي إثباته لعدم الدليل انتهى.
وقال الحافظ زين الدين العراقي: والحديث المذكور إنما يعرف من قول عمر أنه قال لآل
السائب قد أضويتم فانكحوا في الغرائب. وقال الشاعر:
تخيرتها للنسل وهي غريبة فقد أنجبت والمنجبات الغرائب
وما ذكر في الروضة من أن القريبة أولى من الأجنبية هو مقتضى كلام جماعة، لكن ذكر
صاحب البحر والبيان أن الشافعي نص على أنه يستحب أن لا يتزوج من عشيرته، ولا يشكل ما
ذكر بتزوج النبي وَّه زينب مع أنها بنت عمته لأنه تزوّجها بيانًا للجواز ولا بتزوّج عليّ فاطمة لأنها
بعيدة في الجملة إذ هي بنت ابن عمه لا بنت عمه وأن لا تكون ذات ولد لغيره إلا لمصلحة كما
تزوّج النبي ◌َّي أم سلمة ومعها ولد أبي سلمة للمصلحة وأن لا يكون لها مطلق يرغب في
نكاحها وأن لا تكون شقراء فقد أمر الشافعي الربيع أن يرد الغلام الأشقر الذي اشتراه له وقال:
ما لقيت من أشقر خيرًا.
وحديث الباب أخرجه مسلم أيضًا في النكاح وكذا أبو داود والنسائي.
٥٠٩١ - هذّثنا إبراهيمُ بْنُ حَمْزَةً، حَدَّثَنَا ابْنُ أبي حازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ، قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ

٣٦٦
كتاب النكاح/ باب ١٦
عَلَى رَسُولِ اللهِوَ ﴿ فَقالَ: ((ما تَقُولُونَ في هذا)): قالُوا: حَرِيٍّ إنْ خَطَبَ أنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ،
أنْ يُشَفِّعَ وَإِنْ قالَ أنْ يُسْتَمَعَ قالَ: ثُمَّ سَكَتَ فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَراءِ الْمُسْلِمِينَ فَقالَ: ((ما تَقُولُونَ في
هذا)؟ قالُوا حَرِيٍّ إنْ خَطَبَ أنْ لا يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أنْ لا يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أنْ لا يُسْتَمَعَ فَقالَ رَسُولُ
اللهِ وَله: (((هذا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأرْضِ مِثْلَ هذا)). [الحديث ٥٠٩١ - أطرافه في: ٦٤٤٧].
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي أبو إسحاق الزبيري الأسدي قال:
(حدّثنا ابن أبي حازم) عبد العزيز (عن أبيه) أبي حازم سلمة بن دينار (عن سهل) أي ابن سعد
الساعدي الأنصاري رضي الله عنه أنه (قال: مرّ رجل) غني لم يقف الحافظ ابن حجر على اسمه
(على رسول الله وَ﴿ فقال) للحاضرين من أصحابه:
(ما تقولون في هذا؟ قالوا حريّ) بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وتشديد التحتية أي حقيق
(إن خطب) امرأة (أن ينكح) بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (وإن شفع) في أحد (أن يشفع)
بضم أوله وتشديد الفاء المفتوحة أي أن تقبل شفاعته (وإن قال أن يستمع) قوله (قال) سهل: (ثم
سكت) رسول الله وَ الفر (فمرّ رجل) آخر قيل إنه جعيل بن سراقة كما في مسند الروياني وفتوح
مصر لابن عبد الحكم وغيرهما (من فقراء المسلمين فقال) بَير: (ما تقولون في هذا) الفقير المار
(قالوا) هو (حريّ) حقيق (إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع وإن قال أن لا يستمع)
لقوله لفقره وكان صالحًا دميمًا قبيحًا (فقال رسول الله وَل:"هذا) الفقير (خير من ملء الأرض
مثل هذا) الغني وإطلاقه التفضيل على الغني المذكور لا يلزم منه تفضيل كل فقير على كل غني كما
لا يخفى. نعم فيه تفضيله مطلقًا في الدين فيطابق الترجمة وقوله ملء بالهمز ومثل بالنصب والجر.
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الرقاق وابن ماجة في الزهد.
١٦ - باب الأكْفاءِ فِي الْمالِ، وَتَزْوِجِ الْمُقِلُّ الْمُثْرِيَةَ
(باب) حكم (الأكفاء في المال) واختلف فيه، والأشهر عند الشافعي أنه لا أثر له في
الكفاءة فالمعسر كفء للموسرة لأن المال غاد ورائح ولا يفتخر به أهل المروءات والبصائر نعم لو
زوج الولي بالإجبار موليته معسرًا بغير رضاها بمهر المثل لم يصح النكاح لأنه بخس حقها كتزويجها
بغير كفء نقله في الروضة عن فتاوى القاضي ومنعه البلقيني، وقال الزركشي: هو مبني على
اعتبار اليسار مع أنه نقل عن عامة الأصحاب عدم اعتباره انتهى. ونقل صاحب الإفصاح فيما
حكاه في الفتح عن الشافعي أنه قال: الكفاءة في الدين والمال والنسب، وجزم باعتباره أبو الطيب
والصيمري وجماعة، واعتبره الماوردي في أهل الأمصار وخص الخلاف بأهل البوادي والقرى
المتفاخرين بالنسب دون المال انتهى.
(وتزويج المقل) بالجر عطفًا على سابقه والمقل بضم الميم وكسر القاف وتشديد اللام الفقير
(المثرية) بضم الميم وسكون المثلثة وفتح التحتية التي لها ثراء بفتح المثلثة والراء والمد هو الغنى.

٣٦٧
كتاب النكاح/ باب ١٧
٥٠٩٢ . حدثني يَخْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدِّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، قَالَ أَخْبَرَني
عُزْوَةَ أَنَّهُ سَألَ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامى﴾ قَالَتْ: يَا ابْنَ
أُخْتِي، هذِهِ الْيَتَيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرٍ وَلِيُّهَا، فَيَرْغَبُ في جَمالِها وَمالِها، وَيُريدُ أنْ يَنْتَقِصَ صَداقَها،
فَنُهُوا عَنْ نِكاحِهِنَّ، إلاَّ أنْ يُقْسِطُوا في إكْمالِ الصَّداقِ، وَأُمِرُوا بِنِكاحِ مَنْ سِواهُنَّ. قَالَتْ:
وَأَسْتَفْتَى النَّاسُ رَسُولَ اللهِوَهَ بَعْدَ ذلِكَ فَأَنْزَلَ الله تَعالى ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ إلى وَتَرْغَبُونَ أنْ
تَنْكِحُوهُنَّ﴾ فَأَنْزَلَ الله لَهُمْ أَنَّ الْيَتِيمَةَ إذا كانَتْ ذاتَ جَمالٍ وَمالٍ رَغِبُوا في نِكَاحِها وَنَسَبِها في
إكمالِ الصَّداقِ، وَإِذا كانَتْ مَرْغوبَةً عَنْها في قِلَّةِ الْمالِ وَالجَمالِ تَرَكُوها وَأَخَذُوا غَيْرَها مِنَ النساءِ
قالَتْ: فَكَما يَتْرُكُونَها حينَ يَرْغَبُونَ عَنْها فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَتْكِحُوها إذا رَغِبُوا فيها، إلاَّ أنْ يُقْسِطُوا
لَها وَيُعْطُوها حَقَّها الأوْفى في الصَّداقِ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الکاف قال: (حدّثنا
الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم
الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (أنه سأل عائشة رضي الله عنها) عن تفسير قوله
تعالى: (﴿وإن خفتم﴾) وللأربعة فإن خفتم (﴿أن لا تقسطوا في اليتامى﴾) [النساء: ٣] (قالت: يا
ابن أختي) أسماء (هذه) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي هي (اليتيمة) التي مات أبوها (تكون في
حجر وليها) القائم بأمورها (فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن ينتقص صداقها) عن مهر مثلها
(فنهوا) بضم النون والهاء (عن نكاحهن إلا أن يقسطوا) بضم أوله وكسر ثالثه يعدلوا (في إكمال
الصداق) على عادتهن في ذلك (وأمروا بنكاح من سواهن) أي من النساء كما في الرواية الأخرى
(قالت) أي عائشة: (واستفتى الناس رسول الله ## بعد ذلك فأنزل الله تعالى: ﴿ويستفتونك))
سقطت واو ويستفتونك الأولى عند الأربعة (﴿في النساء﴾) إلى ((وترغبون أن تنكحوهن﴾)
[النساء: ١٢٧] لجمالهن أو عن أن تنكحوهن لدمامتهن (فأنزل الله لهم أن اليتيمة إذا كانت ذات
جمال ومال رغبوا في نكاحها ونسبها) ولأبي ذر عن الكشميهني وسنتها (في إكمال الصداق وإذا)
ولأبي ذر عن الكشميهني وإن (كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها وأخذوا غيرها من
النساء. قالت: فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن
يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى في) ولأبي ذر عن الكشميهني: من (الصداق) وكان عمر بن
الخطاب إذا جاءه ولي اليتيمة نظر فإن كانت جميلة غنية قال: زوّجها غيرك والتمس لها من هو خير
منك وإن كانت دميمة ولا مال لها قال: تزوجها فأنت أحق بها، وحديث الباب مر في التفسير.
١٧ - باب ما يُتَّقى مِنْ شُؤْم الْمَرْأةِ
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأولادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾
(باب ما يتقى من شؤم المرأة وقوله تعالى: ﴿إن من أزواجكم وأولادكم عدوًّا لكم))

٣٦٨
كتاب النكاح/ باب ١٧
[التغابن: ١٤] قدم الأزواج لأن المقصود الإخبار بأن منهم أعداء ووقوع ذلك في الأزواج أكثر
منه في الأولاد فكان أقعد في المعنى المراد فكان تقديمه أولى وأشار البخاري بإيراد ذلك إلى
اختصاص الشؤم ببعض الأزواج دون بعض لما دلت عليه الآية من التبعيض.
٥٠٩٣ - حدثنا إسماعيلُ قالَ: حَدْثَني مالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حَمْزَةً وَسالِمٍ أَبْنَيْ
عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما: أنَّ رَسُولَ اللهِّرِ قَالَ: (الشُّؤْمُ فِي
الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ» .
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام الأعظم
(عن ابن شهاب) الزهري (عن حمزة) بالحاء المهملة والزاي (وسالم ابني عبد الله بن عمر) بن
الخطاب (عن) أبيهما (عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله) ولأبي ذر النبي (وَالقر قال):
(الشؤم) الذي هو ضدّ اليمن يقال تشاءمت بكذا وتيمنت بكذا وواو الشؤم همزة لكنها
خففت فصارت واوًا غلب عليها التخفيف حتى لم ينطق بها مهموزة (في المرأة والدار والفرس).
ونقل الحافظ أبو ذر الهروي عن البخاري أن شؤم الفرس إذا كان حرونًا وشؤم المرأة سوء خلقها
وشؤم الدار سوء جارها وقال غيره: شؤم الفرس أن لا يغزى عليها، وشؤم المرأة أن لا تلد،
وشؤم الدار ضيقها. وقيل: شؤم المرأة غلاء مهرها. وللطبراني من حديث أسماء: إن من شقاء
المرء في الدنيا سوء الدار والمرأة والدابة وفيه سوء الدار ضيق ساحتها وخبث جيرانها، وسوء الدابة
منعها ظهرها وسوء طبعها، وسوء المرأة عقم رحمها وسوء خلقها. وفي حديث سعد بن أبي
وقاص مرفوعًا عند أحمد وصححه ابن حبان والحاكم: من سعادة ابن آدم ثلاثة المرأة الصالحة
والمسكن الصالح والمركب الصالح، ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة: المرأة السوء والمسكن السوء
والمركب السوء. وفي رواية لابن حبان: المركب الهنيء والمسكن الواسع، وفي رواية للحاكم:
وثلاث من الشقاء المرأة تراها فتسوءك وتحمل لسانها عليك، والدابة تكون قطوفًا فإن ضربتها
أتعبتها وإن تركتها لم تلحق أصحابك، والدار تكون ضيقة قليلة المرافق.
وحديث الباب سبق في الجهاد.
٥٠٩٤ . هقلنا مُحَمّدُ بْنْ مِنْهالٍ، حَدْثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعِ حَدْثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمِّدِ الْعَسْقَلَانَيُّ
عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عْمَرَ قَالَ: ذَكَرُوا الشُّؤْمُ عِنْدَ النَّبِيْ رَ فَقَالَ النّبِيِّ نَّهِ: ((إنْ كانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ
فَفَي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ».
وبه قال: (حذثنا محمد بن منهال) البصري ولأبي ذر المنهال قال: (حدثنا يزيد بن زريع)
بضم الزاي وفتح الراء قال: (حذّثنا عمر بن محمد) بضم العين (العسقلاني عن أبيه) محمد بن
زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب (عن ابن عمر) رضي الله عنهما أنه (قال: ذكروا الشؤم عند
النبي * فقال النبي ـ(*):

٣٦٩
كتاب النكاح/ باب ١٧
(إن كان الشؤم في شيء) حاصلاً (ففي الدار والمرأة والفرس) يعني أن الشؤم لو كان له
وجود في شيء لكان في هذه الأشياء فإنها أقبل الأشياء له، لكن لا وجود له فيها أصلاً. وعلى
هذا فالشؤم في الحديث السابق وغيره محمول على الإرشاد منه و # يعني إن كانت له دار يكره
سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس لا تعجبه، فليفارق بالانتقال من الدار ويطلق المرأة ويبيع
الفرس حتى يزول عنه ما يجده في نفسه من الكراهة.
٥٠٩٥ - حدثنا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ، أخْبَرَنا مالِكٌ عَنْ أبي حازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أنَّ
رَسُولَ اللهِوَّ قَالَ: ((إنْ كانَ فِي شَيْءٍ، فَفِي الْفَرَسِ وَالْمَرأةِ وَالْمَسْكَّنِ)).
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي حازم)
سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) الساعدي رضي الله عنه (أن رسول الله وَالفجر قال):
(إن كان) أي الشؤم حاصلاً (في شيء ففي الفرس والمرأة والمسكن) زاد مالك في الموطأ في
آخره يعني الشؤم. واتفقت نسخ البخاري كلها على إسقاط الشؤم في هذه الرواية.
وسبق هذا الحديث في الجهاد وفي ذكر هذين الحديثين بعد الآية السابقة، كما قال الشيخ
تقي الدين السبكي إشارة إلى تخصيص الشؤم بمن تحصل منها العداوة والفتنة لا كما يفهمه بعض
الناس من التشاؤم بكعبها وأن لها تأثيرًا في ذلك وهو شيء لا يقول له أحد من العلماء ومن
قال: إنها سبب ذلك فهو جاهل، وقد أطلق الشارع على من ينسب المطر إلى النوء الكفر فكيف
بمن ينسب ما يقع من الشر إلى المرأة مما ليس لها فيه مدخل؟ وإنما يتفق موافقة قضاء وقدر فتنفر
النفس من ذلك فمن وقع له ذلك فلا يضره أن يتركها من غير أن يعتقد نسبة الفعل إليها.
٥٠٩٦ - حدثنا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ قالَ: سَمِعْتُ أبا عُثْمانَ النَّهْدِيَّ عَنْ
أَسامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ الله عَنْهُما، عَنِ النّبِيِّ رَِّ قالَ: ((ما تَرَكْتُ بَعْدي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجالِ مِنَ
النّساءِ».
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن
طرخان (التيمي) البصري أنه (قال: سمعت أبا عثمان) عبد الرحمن بن مل (النهدي) بفتح النون
وسكون الهاء وكسر الدال المهملة (عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي ◌َ ﴾) أنه (قال):
(ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء) فالفتنة بهن أشدّ من الفتنة بغيرهن ويشهد
لذلك قوله تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء﴾ [آل عمران: ١٤] فجعل الأعيان التي
ذكرها شهوات حين أوقع الشهوات أولاً مبهمًا ثم بيّنها بالمذكورات فعلم أن الأعيان هي عين
الشهوات فكأنه قيل زين حب الشهوات التي هي النساء فجرد من النساء شيء يسمى شهوات
وهي نفس الشهوات، كأنه قيل هذه الأشياء خلقت للشهوات والاستمتاع بها لا غير لكن المقام
يقتضي الذم، ولفظ الشهوة عند العارفين مسترذل والتمتع بالشهوة نصيب البهائم وبدأ بالنساء قبل
إرشاد الساري/ ج ١١ / م ٢٤

!
٣٧٠
کتاب النكاح/ باب ١٨
بقية الأنواع إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك وتحقيق كون الفتنة بهن أشدّ أن الرجل يحب الولد
لأجل المرأة، وكذا يحب الولد الذي أمه في عصمته ويرجحه على الولد الذي فارق أمه بطلاق أو
وفاة غالبًا وقد قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿إن من أزواجكم وأولادكم عدوًّا لكم﴾
[التغابن: ١٤] قال: تحمل الرجل على قطيعة الرحم أو معصية ربه فلا يستطيع مع حبه إلا
الطاعة، وقال بعض الحكماء: النساء شرّ كلهم وأشرّ ما فيهن عدم الاستغناء عنهن، ومع أنهن
ناقصات عقل ودين يحملن الرجل على تعاطي ما في نقص العقل والدين كشغله عن طلب أمور
الدين وحمله على التهالك على طلب الدنيا وذلك أشدّ الفساد.
١٨ - باب الْحُرَّةِ تَحْتَ الْعَبْدِ
(باب) جواز كون (الحرة تحت العبد) زوجة له إذا رضيت بذلك.
٥٠٩٧ - حدثنا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ، أخْبَرَنا مالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمْنِ عَنٍ
الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها قالَتْ: كانَتْ فِي بَرِيرَةَ ثَلاثُ سُنَنٍ، عَتَقَتْ فَخُيْرَتْ،
وَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: (الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ))، وَدَخَلَ رَسُولُ اللهِوَّهِ وَبُرْمَةُ عَلَى النَّارِ فَقْرَّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ
وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ فَقالَ: ((لَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ»؟ فَقِيلَ لَحْمْ تُصُدْقَ بِهِ عَلى بَرِيرَةَ وَأَنْتَ لا تَأْكُلُ
الصَّدَقَةَ، ((قَالَ: هُوَ عَلَيْها صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ربيعة بن أبي
عبد الرحمن) المشهور بربيعة الرأي (عن القاسم بن محمد) أي ابن أبي بكر الصديق (عن عائشة
رضي الله عنها) أنها (قالت: كان في بريرة) بفتح الموحدة وكسر الراء الأولى (ثلاث سنن) بضم
السين وفتح النون الأولى أي طرق جمع سنة وهي الطريقة وإذا أطلقت في الشرع فالمراد بها ما أمر
به النبي وَّر ونهى عنه وندب إليه قولاً وفعلاً مما لم ينطق به الكتاب العزيز ولذا يقال في أدلة
الشرع الكتاب والسنة.
إحداها أنها (عتقت) بفتحات أعتقتها عائشة (فخيرت) بضم الخاء المعجمة مبنيًّا للمفعول
خيرها # في فسخ نكاحها من زوجها مغيث وبين المقام معه وكان عبدًا فاختارت نفسها. وفي
مرسل عامر الشعبي عند ابن سعد في طبقاته أنه * قال لها لما أعتقت: قد عتق بضعك معك
فاختاري، وهذا مذهب المالكية والشافعية لتضررها بالمقام تحته من جهة أنها تتعير به وأن لسيده
منعه عنها وأنه لا ولاية له على ولده وغير ذلك، وهذا بخلاف ما إذا عتقت تحت حر لأن الكمال
الحادث لها حاصل له فأشبه ما إذا أسلمت كتابية تحت مسلم ولو عتق بعضها فلا خيار لبقاء
النقصان وأحكام الرق، ويستثنى من ذلك ما إذا أعتقها مريض قبل الدخول وهي لا تخرج من ثلثه
إلا بالصداق فلا خيار لها لأنها لو فسخت سقط مهرها وهو من جملة المال فيضيق الثلث عن
الوفاء بها فلا تعتق كلها فلا يثبت الخيار وكل ما أدّى ثبوته إلى عدمه استحال ثبوته وهذه من صور

٣٧١
كتاب النكاح/ باب ١٩
الدور الحكمي، وليس في هذا الحديث التصريح بكون زوج بريرة عبدًا ولا حرًّا، لكن صحيح
البخاري يدل على أنه يميل إلى أنه كان حين عتقت عبدًا، وعنده في الطلاق من حديث عكرمة عن
ابن عباس أنه كان عبدًا، وعند أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث الأسود عن
عائشة أنه كان حرًّا، وحمله بعض الحنفية على أنه كان حرًّا عندما خيرت وعبدًا قبل قال: الحرية
تعقب الرق ولا ينعكس فمن أخبر بعبوديته لم يعلم بحريته ولم يخيرها وَ### لأنه كان عبدًا ولا لأنه
كان حرًّا وإنما خيرها للعتق لأن الأمة إذا أعتقت لها الخيار في نفسها سواء كان زوجها حرًّا أم
عبدًا. وقد أفرد ابن جرير الطبري وابن خزيمة مؤلفًا في الاختلاف هل كان مغيث حرًّا أم عبدًا.
وبقية مباحث هذا تأتي إن شاء الله تعالى في الطلاق.
(وقال رسول الله (14): في شأن بريرة لما أرادت عائشة أن تشتريها وتعتقها وشرط مواليها
أن يكون الولاء لهم (الولاء لمن أعتق) الجار والمجرور خبر المبتدأ الذي هو الولاء أي كائن أو
مستقر لمن أعتق وبه يتعلق حرف الجر، ومن موصول وأعتق في موضع الصلة والعائد ضمير
الفاعل، وسبق في العتق ما في الحديث من المباحث.
(ودخل رسول الله (صَ﴿ وبرمة على النار) بضم الموحدة وسكون الراء قال: ابن الأثير هي
القدر مطلقًا وجمعها برام وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز والواو في قوله
وبرمة للحال (فقرب إليه) بضم القاف وتشديد الراء المكسورة (خبز وأدم من أدم البيت) جمع أدام
كإزار وأزر وهو ما يؤكل مع الخبز أي شيء كان والإضافة إضافة تخصيص (فقال) مَر: (لم)
وللأربعة ألم (أر البرمة) أي على النار فيها لحم والهمزة للتقرير والفعل مجزوم بحذف الألف المنقلبة
عن الياء (فقيل) له عليه الصلاة والسلام هو (لحم تصدق به على بريرة) بضم التاء والصاد وكسر
الدال المشددة مبنيًّا لما لم يسم فاعله جملة في محل رفع صفة للحم، وسقط لغير أبي ذر لفظ به
(وأنت لا تأكل الصدقة) لحرمتها عليك (قال) عليه الصلاة والسلام: (هو) أي اللحم (عليها) أي
على بريرة ولأبي ذر عن الكشميهني لها (صدقة ولنا هدية) والفرق بينهما أن الصدقة إعطاء للثواب
والهدية للإكرام.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الطلاق والأطعمة، وأخرجه مسلم في الزكاة والعتق
والنسائي في الطلاق.
١٩ - باب لا يَتَزَوَّجُ أُكْثَرَ مِنْ أَرْبَع، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾، وَقَالَ
عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِما السَّلامُ: يَعْني مَثْنِى أوْ ثُلاثَ أوْ رُباعَ، وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ:
﴿أُوْلِي أجْنِحَةٍ مَثْنِى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ يَعْني مَثْنِى أَوْ ثُلاثَ أوْ رُباعَ
هذا (باب) بالتنوين (لا يتزوج) الرجل (أكثر من أربع) من النساء كما اتفق عليه الأربعة

٣٧٢
كتاب النكاح/ باب ١٩
وجمهور المسلمين (لقوله تعالى: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾) وأجاز الروافض تسعًا من الحرائر، ونقل
عن النخعي وابن أبي ليلى لأنه بيّن العدد المحلل بمثنى وثلاث ورباع وكذا المدبرة وأم الولد
بحرف الجمع، والحاصل عن ذلك تسع. وقد تزوج عليه الصلاة والسلام تسعًا والأصل عدم
الخصوصية إلا بدليل. وأجاز الخوارج ثمان عشرة لأن مثنى وثلاث ورباع معدول عن عدد
مكرر على ما عرف في العربية فيصير الحاصل ثمانية عشر، وحكي عن بعض الناس إباحة أيّ
عدد شاء بلا حصر للعمومات من نحو ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ ولفظ مثنى إلى
آخره تعداد عرفي لا قيد كما يقال خذ من البحر ما شئت قربة وقربتين وثلاثًا والحجة عليهم أن
الإحلال، وهو قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣] لم يسق إلا لبيان
العدد المحلل لا لبيان نفس الحل لأنه عرف من غيرها قبل نزولها كتابًا وسُنّة فكان ذكره هنا
معقبًا بالعدد ليس إلا لبيان قصر الحل عليه أو هي لبيان الحل المقيد بالعدد لا مطلقًا، كيف وهو
حال من طاب فيكون قيدًا في العامل وهو الإحلال المفهوم من ﴿فانكحوا﴾ ثم إن مثنى معدول
عن عدد مكرر لا يقف عند حد هو اثنان اثنان هكذا إلى ما لا يقف وكذا ثلاث في ثلاثة
ومثله رباع في أربعة أربعة فمؤدى التركيب على هذا ما طاب لكم ثنتين ثنتين جمعًا في العقد أو
على التفريق وثلاثًا ثلاثًا جمعًا أو تفريقًا وأربعًا أربعًا كذلك، ثم هو قيد في الحل على ما ذكر
فانتهى الحل إلى أربع مخير فيهن بين الجمع والتفريق، وأما حل الواحدة فقد كان ثابتًا قبل هذه
الآية بحل النكاح لأن أقل ما يتصور بالواحدة، فحاصل الحال أن حل الواحدة كان معلومًا
وهذه لبيان حل الزائد عليها إلى حد معين مع بيان التخيير بين الجمع والتفريق في ذلك، وبه
يتم جواب الفريقين قاله في فتح القدير.
قال في الكشاف: معدولة عن أعداد مكررة أي فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد
اثنين اثنين وثلاثًا ثلاثًا وأربعًا أربعًا، ولما كان الخطاب للجميع وجب التكرير ليصيب كل ناكح
يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له كما تقول للجماعة: اقتسموا هذا المال وهو ألف
درهم درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة ولو أفردت لم يكن له معنى.
(وقال علي بن الحسين) بن علي بن أبي طالب (عليهما) وعلى أبيهما (السلام يعني مثنى أو
ثلاث أو رباع وقوله جل ذكره) في سورة فاطر: (﴿أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع﴾﴾ [فاطر: ١]
(يعني مثنى أو ثلاث أو رباع) أراد أن الواو بمعنى أو فهي للتنويع أو هي عاطفة على العامل،
والتقدير: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى، وانكحوا ما طاب لكم من النساء ثلاث،
وانكحوا ما طاب لكم من النساء رباع. قال في الفتح: وهذا من أحسن الأدلة في الرد على
الرافضة لكونه من تفسير زين العابدين، وهو من أئمتهم الذين يرجعون إلى قولهم ويعتقدون
عصمتهم انتهى.
وقال حمزة بن الحسين الأصفهاني في رسالته المعربة عن شرف الأعراب: القول بأن الواو

٣٧٣
کتاب النكاح/ باب ١٩
بمعنى أو عجز عن درك الحق واعلم أن الأعداد التي تجتمع قسمان قسم يؤتى به ليضم بعضه إلى
بعض وهو الأعداد الأصول نحو ﴿ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة﴾
[البقرة: ١٩٦] و﴿ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾ [الأعراف: ١٤٢].
وقسم يؤتى به لا ليضم بعضه إلى بعض وإنما يراد به الانفراد لا الاجتماع وهو الأعداد المعدولة
كهذه الآية وآية فاطر أي منهم جماعة ذوو جناحين جناحين وجماعة ذوو ثلاثة ثلاثة وجماعة ذوو
أربعة أربعة فكل جنس مفرد بعدد وقال:
ولكنما أهلي بواد أنيسه ذئاب يبغي الباس مثنى وموحد
ولم يقولوا ثلاث وخماس ويريدون ثمانية كما قال تعالى: ﴿ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا
رجعتم﴾ وللجهل بموقع هذه الألفاظ استعملها المتنبي في غير موضع التقسيم فقال:
أحاد أم سداس في أحاد ليلتنا المنوطة بالتناد
٥٠٩٨ - حدثنا مُحَمَّدُ أخْبَرَنا عَبْدَةُ عَنْ هِشامٍ عَنْ أبيهِ عَن عَائِشَةَ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أنْ لا
تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قالَ: الْيَتيمَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ وَهْوَ وَلِيُّها فَيَتَزوَّجُها عَلى مالِها وَيُسيءُ
صُحْبَتَها وَلا يَعْدِلُ في مالِها فَلْيَتَزوَّجْ ما طابَ لَهُ مِنَ النِّساءِ سِواها مَثْنِى وَثُلاثَ وَرُباعَ.
وبه قال: (حدّثنا محمد) هو ابن سلام البيكندي قال: (أخبرنا عبدة) بسكون الموحدة ابن
سليمان (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) رضي الله عنها أنها قالت: في قوله
تعالى: (﴿وإن خفتم﴾) بالواو ولأبي ذر فإن خفتم (﴿أن لا تقسطوا في اليتامى﴾) [النساء: ٣] أي
أن لا تعدلوا فيهم (قال) أي عروة عن عائشة ولأبي ذر قالت: هي (اليتيمة تكون عند الرجل)
سقط لفظ تكون لأبي ذر (وهو وليها) القائم بأمورها (فيتزوجها على مالها ويسيء صحبتها) بضم
الياء من الإساءة (ولا يعدل في مالها فليتزوج ما) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي من (طاب له
من النساء سواها مثنى وثلاث ورباع) والإجماع على أنه لا يجوز للحر أن ينكح أكثر من أربع لما
سبق إلا قول رافضي ونحوه ممن لا يعتد بخلافه، فإن احتجوا بأنه بَّر توفي عن تسع ولنا به
أسوة قلنا: هذا من خصائصه ولو كغيره من الأنبياء فلا دليل فيه وهو معارض بقوله: وَّله الغيلان
وقد أسلم وتحته عشر نسوة: أمسك أربعًا وفارق سائرهن. رواه ابن حبان والحاكم وغيرهما
وصححوه وهو يدل على تخصيصه ◌ّير بذلك، فلو جمع الرجل خمسًا في عقد واحد لم يصح
نكاحهن إذ لا أولوية لإحداهن على الباقيات فإن كان فيهن أختان اختصتا بالبطلان دون غيرهما
عملاً بتفريق الصفقة، وإنما بطل فيهما معًا لأنه لا يمكن الجمع بينهما ولا أولوية لإحداهما على
الأخرى أو مرتبًا فالخامسة.
وهذا الحديث قد سبق غير مرة.

٣٧٤
كتاب النكاح/ باب ٢٠
٢٠ - باب ﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاتي أَرْضَعْتَكُمْ﴾
وَيَخْرُمُ مِنَ الرَّضاعَةِ ما يَخْرُُ مِنَ النَّسَبِ
هذا (باب) بالتنوين في حكم الرضاع لقوله تعالى: ((وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾) هو
معطوف على قوله تعالى: ﴿حرّمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣] قال في الفتح: ووقع هنا في
بعض الشروح كتاب الرضاع ولم أره في شيء من الأصول انتهى. والرضاع بفتح الراء وكسرها
اسم لمص الثدي وشرب لبنه، وهذا جرى على الغالب الموافق للغة وإلا فهو اسم لحصول لبن
امرأة أو ما حصل منه في جوف طفل والأصل في تحريمه قبل الإجماع هذه الآية (و) حديث
(يحرم من الرضاعة) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي من الرضاع (ما يحرم من النسب) وهو مروي
في الصحيحين وجعل سببًا للتحريم لأن جزءًا من المرضعة وهو اللبن صار جزءًا للرضيع باغتذائه به
فأشبه منيَّها وحيضها وأركانه ثلاثة: المرضع فيشترط كونها امرأة حية بلغت سنّ الحيض وإن لم تلد
فلا تحريم بلبن رجل وخنثى ولا لبن بهيمة ولا لبن انفصل عن ميتة، والثاني: اللبن فيثبت به
التحريم وإن تغير كالجبن والزبد أو عجن به دقيق أو خالطه ماء أو مائع وغلب اللبن على الخليط
وكذا لو كان مغلوبًا بحيث لم يبق من صفاته الثلاث الطعم واللون والريح حسًّا وتقديرًا شيء فإنه
يثبت به التحريم لكن يشترط شرب الجميع وكون اللبن المخلوط مقدار ما لو كان منفردًا أثر في
التحريم بأن يمكن أن يسقى منه خمس دفعات، والثالث: المحل وهي معدة الطفل الحي أو دماغه
لا ابن حولين ولا أثر له عند الشافعية دون خمس رضعات إلا إن حكم به حاكم يراه فلا ينقض
حکمه.
٥٠٩٩ - حدثنا إسماعيلُ، حَدَّثَنِي مالِكٌ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ
عَبْدِ الرَّحمْنِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وَّهِ أَخْبَرَتْها أنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ كَانَ عِنْدَها، وَأنَّها سَمِعَتْ
صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، قَالَتْ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله، هذا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ،
فَقالَ النَّبِيِّ وَّرِ: ((أُرَاهُ فُلانًا، لِعِمّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ). قالَتْ عَائِشَةُ: لَوْ كَانَ فُلانٌ حَيًّا لِعِمُها
مِنَ الرَّضَاعَةِ دَخَلَ عَلَيَّ؟ فَقالَ: ((الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ ما تُحَرِّمُ الْوَلادَةُ)).
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) إمام الأئمة ودار
الهجرة (عن عبد الله بن أبي بكر) أي ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري (عن عمرة بنت
عبد الرحمن أن عائشة زوج النبي ◌َ﴿) رضي الله عنها (أخبرتها أن رسول الله وَلفي كان عندها) في
حجرتها (وأنها سمعت صوت رجل) لم يقف الحافظ ابن حجر على اسمه (يستأذن في بيت حفصة)
أم المؤمنين (قالت) عائشة: (فقلت: يا رسول الله هذا رجل يستأذن في بيتك) على حفصة (فقال
النبي ◌َ﴿):
(أراه) بضم الهمزة أي أظنه وفي اليونينية بفتحها (فلانًا، لعم حفصة) أي عن عم حفصة أو

٣٧٥
كتاب النكاح/ باب ٢٠
اللام للتعليل، أي قال لأجل عم حفصة (من الرضاعة. قالت عائشة): كان السياق يقتضي أن
تقول: قلت لكنه من باب الالتفات (لو كان فلان حيًّا لعمها) أي لعم عائشة (من الرضاعة دخل
علي). قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه أيضًا ووهم من فسره بأفلح أخي أبي القعيس لأن
القعيس والد عائشة من الرضاعة وأما أفلح فهو أخوه وهو عمها من الرضاعة كما سيأتي أنه عاش
حتى جاء يستأذن على عائشة فأمرها و # أن تأذن له بعد أن امتنعت، وقولها هنا لو كان حيًّا يدل
على أنه كان مات فيحتمل أن يكون أخًا لها آخر، ويحتمل أن تكون ظنت أنه مات لبعد عهدها به
ثم قدم بعد ذلك فاستأذن (فقال) وَله: (نعم) كان له أن يدخل عليكِ (الرضاعة) المعتبرة (تحرم ما
تحرم الولادة) من تحريم النكاح ابتداءً ودوامًا وانتشارًا لحرمة بين الرضيع وأولاد المرضعة فيحرم
عليها هو ويحرم عليها فروعه من النسب والرضاع ولا يسري التحريم من الرضيع إلى آبائه وأمهاته
وإخوته وأخواته فلأبيه أن ينكح المرضعة إذ لا منع من نكاح أم الابن وأن ينكح ابنتها، وكما صار
الرضيع ابن المرضعة تصير هي أمه فتحرم عليه هي وأصولها من النسب والرضاع وفروعها من
النسب والرضاع وإخوتها وأخواتها من النسب والرضاع فهم أخواله وخالاته وإن ثار اللبن من حمل
من زوج صار الرضيع ابنًا للزوج فيحرم عليه الرضيع ولا يثبت التحريم من الرضيع بالنسبة إلى
صاحب اللبن إلى أصوله وحواشيه فلأم الرضيع أن تنكح صاحب اللبن وصار الزوج أباه، فيحرم
على الرضيع هو وأصوله وفصوله من النسب والرضاع فهم أعمامه وعماته ويحرم إخوته وأخواته
من النسب والرضاع إذ هم أعمامه وعماته وتنزيلهم منزلتهم في جواز النظر وعدم نقض الطهارة
باللمس والخلوة والمسافرة دون سائر أحكام النسب كالميراث والنفقة والعتق بالملك وسقوط
القصاص ورد الشهادة.
وهذا الحديث قد سبق في باب الشهادة على الأنساب من كتاب الشهادات.
٥١٠٠ - هذّلنا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيِى عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
قالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ وَّهِ: ألا تَزَوَّجُ ابْنَةَ حَمْزَةَ؟ قال: إنَّها أبْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ. وَقَالَ بِشْرُ بْنُ
عُمَرَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ سَمِعْتُ قَتَادَةً سَمِعْتُ جابِرَ بْنَ زَيْدٍ مِثْلَهُ.
وبه قال: (حذّثنا مسدد) بالسين وتشديد الدال الأولى المهملات ابن مسرهد قال: (حدّثنا
يحيى) بن سعيد القطان (عن شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن جابر بن زيد) هو أبو
الشعثاء البصري (عن ابن عباس) رضي الله عنهما أنه (قال: قيل للنبي ◌ٍّ): قال في الفتح:
القائل علي بن أبي طالب كما في مسلم (ألا تزوّج) بحذف إحدى التاءين ولأبي ذر عن الكشميهني
ألا تتزوج بإثبات التاءين (ابنة حمزة) عمك زاد سعيد بن منصور فإنها من أحسن فتاة في قريش
(قال) عليه الصلاة والسلام:
(إنها ابنة أخي من الرضاعة) ولعل عليًّا لم يكن علم أن حمزة رضيع النبي و # أو جوّز
الخصوصية .

٣٧٦
کتاب النكاح/ باب ٢٠
(وقال بشر بن عمر): بكسر الموحدة وسكون المعجمة الزهراني مما وصله مسلم (حدّثنا
شعبة) بن الحجاج قال: (سمعت قتادة) قال: (سمعت جابر بن زيد مثله) أي مثل الحديث السابق
ومراد البخاري بسياق هذا التعليق بيان سماع قتادة من جابر بن زيد لأنه مدلس والله أعلم.
٥١٠١ - حدثنا الْحَكَمُ بْنُ نافِعٍ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ
أنَّ زَيْنَبَ أَبْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ أخْبَرَتْهُ أنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ أخْبَرَتْها أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ الله،
أَنْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، فَقالَ: (أوَ تُحِبِينَ ذلِكَ))؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُ
مَنْ شارَكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي. فَقالَ النّبِيِّ نَّهَ: ((إنَّ ذلِكَ لا يَحِلُ لِي)). قُلْتُ: فَإِنَّا نُحَدِّثُ أنَّكَ
تُرِيدُ أنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ. قالَ: ((بِنْتَ أُمَّ سَلَمَةَ))؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: (لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيَتِي
في حَجْرِي ما حَلْتْ لِي. إنَّها لابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأبا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلا تَعْرِضْنَ
عَلَيَّ بَناتِكُنْ وَلا أَخَواتِكُنَ)). قالَ عُزْوَةُ: وَتُوَيْبَةُ مَوْلاةٌ لأبِي لَهَبٍ كَانَ أَبُو لَهَبِ أَعْتَقَّهَا فَأَرْضَعَتِ
النِّيِّ وََّ، فَلَمَّا ماتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أهْلِهِ بِشَرْ حِيبَةٍ، قَالَ لَهُ: ماذا لَقِيتَ؟ قَالَ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ
أَلْقَ بَعْدَكُمْ، خَيْرَا غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ في هذِهِ بِعَتاقَتِي ثُوَيْبَةَ. [الحديث ٥١٠١ - أطرافه في: ٥١٠٦،
٥١٠٧، ٥١٣٣، ٥٣٧٢].
وبن قال: (حدّثنا الحكم بن نافع) قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري)
محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن زينب ابنة)
ولأبي ذر بنت (أبي سلمة أخبرته أن أم حبيبة) رملة (بنت أبي سفيان) صخر بن حرب (أخبرتها أنها
قالت: يا رسول الله انكح) بكسر الهمزة لأنه من نكح ينكح فثالث المضارع مكسور ومتى كسر
ثالثه أو فتح كسر الأمر منه ومتى ضم ثالثه ضم الأمر منه كقتل يقتل الأمر منه اقتل بضم الهمزة
أي تزوج (أختي) ولمسلم أختي عزة. وعند أبي موسى في الدلائل درة، وعند الطبراني قلت: يا
رسول الله هل لك في حمنة (بنت) ولأبي ذر ابنة (أبي سفيان). وجزم المنذري بأن اسمها حمنة.
وقال القاضي عياض لا نعلم لعزة ذكرًا في بنات أبي سفيان إلا في رواية يزيد بن أبي حبيب وقال
أبو موسى الأشهر أنها عزة (فقال) عليه الصلاة والسلام:
(أوَ تحبين ذلك)؟ الهمزة للاستفهام والواو عاطفة على ما قبل الهمزة عند سيبويه وعلى مقدّر
عند الزمخشري وموافقيه، فعلى مذهب سيبويه معطوف على انكح أختي، وعلى مذهب الزمخشري
أأنكحها وتحبين ذلك وهو استفهام تعجب من كونها تطلب أن يتزوج غيرها مع ما طبع عليه النساء
من الغيرة (فقلت: نعم) حرف جواب مقرّر لما سبق نفيًا أو إثباتًا (لست لك بمخلية) بضم الميم
وسكون الخاء المعجمة وكسر اللام والباء زائدة في النفي أي لست خالية من ضرّة غيري. قال في
النهاية: المخلية التي تخلو بزوجها وتنفرد به أي لست لك بمتروكة لدوام الخلوة به وهذا البناء إنما
يكون من أخليت ويقال: أخلت المرأة فهي مخلية فأما من خلوت فلا وقد جاء أخليت بمعنى

٣٧٧
کتاب النكاح/ باب ٢٠
أخلوت، وقال ابن الأثير في موضع آخر: أي لم أجدك خاليًا من الزوجات غيري وليس من
قولهم امرأة مخلية إذا خلت من الزوج (وأحب) بفتح الهمزة والمهملة (من شاركني) بألف بعد
الشين (في خير أختي) أحب مبتدأ وهو أفعل تفضيل مضاف إلى من ومن نكرة موصوفة أي
وأحب شخص شاركني فجملة شاركني في محل جر صفة لمن، ويحتمل أن تكون موصولة والجملة
صلتها، والتقدير أحب المشاركين لي في خير أختي وفي خير متعلق بشاركني وأختي الخبر، ويجوز
أن تكون أختي المبتدأ وأحب خبر مقدم لأن أختي معرفة بالإضافة وأفعل لا يتعرف بها في
المعروف. قيل: والمراد بالخير صحبة النبي وَلقر المتضمنة لسعادة الدارين الساترة لما لعله يعرض من
الغيرة التي جرت بها العادة بين الزوجات وفي رواية هشام الآتية إن شاء الله تعالى وأحب من
شركني فيك أختي قال في الفتح: فعرف أن المراد بالخير ذاته وَّر.
(فقال النبي ◌َ له: إن ذلك) بكسر الكاف خطاب لمؤنث (لا يحل لي) لأن فيه الجمع بين
الأختين (قلت فإنا نحدّث) بضم النون وفتح الحاء والدال (إنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة) درة
بضم الدال المهملة وتشديد الراء (قال) عليه الصلاة والسلام (بنت أم سلمة) مفعول مقدر أي
اأنكح بنت أم سلمة أو تعنين (قلت: نعم) وعدل عن قوله أبي سلمة إلى قوله أم سلمة توطئة
لقوله: (فقال: لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري) بفتح الحاء وقد تكسر واسم كان ضمير بنت أم
سلمة وربيبتي خبرها وربيبة فعيلة بمعنى مفعول لأن زوج الأم يربها وقال القاضي عياض الربيبة
مشتقة من الرب وهو الإصلاح لأنه يربها ويقوم بأمورها وإصلاح حاله ومن ظن من الفقهاء أنه
مشتق من التربية فقد غلط لأن شرط الاشتقاق الاتفاق في الحروف الأصلية والاشتراك فيها فإن
آخر رب باء موحدة وآخر ربي ياء مثناة تحتية وجواب لو قوله (ما حلت لي) يعني لو كان بها مانع
واحد لكفى في التحريم فكيف وبها مانعان وقوله في حجري تأكيد وراعى فيه لفظ الآية ولا
مفهوم له عند الجمهور بل خرج مخرج الغالب وقد تمسك بظاهره داود الظاهري فأحل الربيبة
البعيدة التي لم تكن في الحجر (إنها لابنة أخي من الرضاعة) اللام في قوله لابنة هي الداخلة في
خبر إن (أرضعتني وأبا سلمة ثويبة) بضم المثلثة وفتح الواو وبعد التحتية الساكنة موحدة والجملة
مفسرة لا محل لها من الإعراب ولا يجوز أن تكون بدلاً من خبر إن ولا خبرًا بعد الخبر لعدم
الضمير. وأبا سلمة معطوف على المفعول أو مفعول معه (فلا تعرضن علي) بتشديد الياء (بناتكن
ولا أخواتكن) لا ناهية وتعرضن فعل مضارع والنون الخفيفة نون جماعة النسوة والفعل معها مبنيّ
ومع أختيها الشديدة والخفيفة وشرط ابن مالك أن تكون مباشرة مثل لينبذن فإن لم تكن مباشرة
نحو ولا تتبعان فأما ترين وليسجننه فهو معرب والأكثرون على أن المؤكد بالنون مبني مطلقًا باشرته
النون أم لم تباشره، وزعم آخرون أنه معرب مطلقًا باشرته أم لم تباشره، والصحيح التفصيل الذي
اختاره ابن مالك من جهة القياس، وتعرضن هنا بفتح الفوقية وسكون العين والضاد المعجمة
بينهما راء مكسورة وآخره نون خفيفة كذا في الفرع بناء على أنه لم يتصل به نون تأكيد وإنما اتصل
بالفعل نون جماعة المؤنث فإن روي فلا تعرضن بضم الضاد فالخطاب للمذكرين لأنه لو كان

٣٧٨
کتاب النكاح/ باب ٢٠
لمؤنثات لكان فلا تعرضنان لأنه يجتمع ثلاث نونات فيفرق بينها بالألف ومتى قدر أنه اتصل به
ضمير جماعة المذكرين فتغليبًا لهم في الخطاب على المؤنثات الحاضرات فأصله لا تعرضونن فاستثقل
اجتماع ثلاث نونان فحذف نون الرفع فالتقى ساكنان فحذفن الواو لاعتلالها وبقي النون المشددة
لصحتها وإن كان الخطاب لأم حبيبة وحدها فبكسر الضاد وتشديد النون. وقال القرطبي جاء بلفظ
الجمع وإن كانت القصة لاثنتين وهما أم حبيبة وأم سلمة ردعًا وزجرًا أن تعود واحدة منهما أو
غيرهما إلى مثل هذا.
(وقال غيره) بن الزبير بالإسناد السابق (وثويبة) المذكورة (مولاة لأبي لهب) واختلف في
إسلامها قال أبو نعيم لا نعلم أحدًا ذكر إسلامها غير ابن منده (كان أبو لهب أعتقها فأرضعت
النبي (9) معطوف على أعتقها وظاهره أن عتقه لها كان قبل إرضاعها والذي في السير أن أبا
لهب أعتقها قبيل الهجرة وذلك بعد الإرضاع بدهر طويل (فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله) في
المنام قيل هو العباس (بشرّ حيبة) بكسر الحاء المهملة وبعد التحتية الساكنة موحدة والباء في بشر
باء المصاحبة وهي باء الحال أي متلبسًا بسوء حال أو كائنًا به وهذه الرؤية حلمية فتتعدّى إلى
مفعولين كالعلمية عند ابن مالك وموافقيه فبعض المرفوع قائم مقام المفعول الأول والثاني المتصل
به، وقيل يتعدى لواحد فيكون تعدّيه هنا إلى اثنين بالنقل بالهمزة ولا بد من تقدير في المنام
وحذف للعلم به والجملة معترضة لا محل لها من الإعراب وعند المستملي كما قال في الفتح خيبة
بفتح الخاء المعجمة أي في حالة خائبة من كل خير وعزاها في الفرع كأصله لغير الحموي
والمستملي (قال) ولأبي ذر فقال (له) الرائي: (ماذا لقيت)؟ بعد الموت (قال أبو لهب: لم ألق
بعدكم خيرًا) كذا في الفرع بإثبات المفعول. وقال في الفتح: إنه بحذفه في الأصول. قلت:
والذي في اليونينية هو الحذف، وقال ابن بطال: سقط المفعول من رواية البخاري ولا يستقيم
الكلام إلا به، وفي رواية الإسماعيلي لم ألق بعد رخاء ولعبد الرزاق عن معمر عن الزهري لم ألق
بعدكم راحة (غير أني سقيت) بضم السين مبنيًّا للمفعول (في هذه) زاد عبد الرزاق وأشار إلى
النقرة التي تحت إبهامه وغير نصب على الاستثناء (بعتاقتي ثوببة) بفتح العين مصدر عتق يقال عتق
يعتق بالكسر عتقًا وعتاقًا وعتاقة والمصدر هنا مضاف إلى الفاعل وثويبة مفعول للمصدر وفي رواية
عبد الرزاق بعتقي.
قال في الفتح: وهو أوجه والوجه أن يقول بإعتاقي لأن المراد التخلص من الرق انتهى.
وتعقبه العيني فقال: هذا أخذه من كلام الكرماني فإنه قال: معناه التخلص من الرقيّة فالصحيح أن
يقال بإعتاقي قال: وكلٌّ منهما لم يحرر كلامه فإن العتق والعتاقة والعتاق كلها مصادر من عتق
العبد وقوله وهو أوجه غير موجه لأن العتق والعتاقة واحد في المعنى فكيف يقول: العتق أوجه؟
ثم قوله: والوجه أن يقول بإعتاقي لأن المراد التخلص من الرق كلام من ليس له وقوف على كلام
القوم فإن صاحب المغرب قال: العتق الخروج من المملوكية وهو التخلص من الرقيّة وقد تقدم أن
العتق يقوم مقام الإعتاق الذي هو مصدر أعتقه مولاه انتهى.

٣٧٩
کتاب النكاح/ باب ٢١
واستدل بهذا على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة وهو مردود بظاهر قوله:
﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] لا سيما والخبر مرسل
أرسله عروة ولم يذكر من حدّثه به وعلى تقدير أن يكون موصولاً فلا يحتج به إذ هو رؤيا منام لا
يثبت به حكم شرعي لكن يحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبي ◌َّهو مخصوصًا من ذلك بدليل التخفيف
عن أبي طالب المروي في الصحيح والله أعلم.
٢١ - باب مَنْ قالَ: لَا رَضاعَ بَعْدَ حَوْلَيْنِ، لِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾
وَمَا يُحَرِّمُ مِنْ قَليلِ الرَّضاعِ وَكَثِيرِهِ
باب من قال: لا رضاع بعد حولين لقوله تعالى: ﴿حولين كاملين لمن أراد أن يتم
الرضاعة﴾﴾ [البقرة: ٢٣٣].
قال في الكشاف: فإن قلت: كيف اتصل قوله لمن أراد بما قبله؟ قلت: هو بيان لمن توجه
إليه الحكم كقوله تعالى: ﴿هيت لك﴾ بيان للمهيت به أي هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاع وعن
قتادة حولين كاملين. ثم أنزل الله اليسر والتخفيف. فقال: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ أراد أنه
يجوز النقصان. وعن الحسن ليس ذلك بوقت لا ينقص منه بعد أن لا يكون في الفطام ضرر،
وقيل اللام متعلقة بيرضعن كما تقول أرضعت فلانة لفلان ولده أي يرضعن حولين لمن أراد أن
يتم الرضاعة من الآباء لأن الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم وعليه أن يتخذ له ظهرًا إلا إذا
تطوعت الأم بإرضاعه وهي مندوبة إلى ذلك ولا تجبر عليه انتهى. فقد جعل تعالى تمام الرضاعة
في الحولين فأشعر بأن الحكم بعدها بخلافه لأن الولد يستغني غالبًا بغير اللبن ولا يشبعه بعد ذلك
إلا اللحم والخبز ونحوهما. وفي حديث ابن مسعود عند أبي داود لا رضاع إلا ما شدّ العظم
وأنبت اللحم وهو عنده أيضًا مرفوع بمعناه وقال: أنشز العظم.
وقد ورد ظواهر أحاديث تمسك بها العلماء فذهب الشافعي والجمهور إلى إناطة الحكم
بالحولين بالأهلة من تمام انفصال الولد، وعن أبي حنيفة إناطته بحولين ونصف وعن زفر بثلاثة
وعن مالك بزيادة أيام بعد الحولين وعنه بزيادة شهر وشهرين ورواية بثلاثة أشهر لأنه يغتفر بعد
الحولين مدة يدمن فيها الطفل على الفطام لأن العادة أن الطفل لا يفطم دفعة واحدة بل على
التدريج، وقيل لا يُزاد على الحولين وهو رواية ابن وهب عن مالك، وبه قال الجمهور لحديث ابن
عباس عند الدارقطني مرفوعًا لا رضاع إلا ما كان في الحولين، وللترمذي وحسنه: لإرضاع إلا
ما فتق الأمعاء وكان قبل الحولين.
وأما حديث سهلة السابق بعضه في باب الأكفاء في الدين أنها قالت: يا رسول الله إنا كنا
نرى سالمًا ولدًا وقد أنزل الله فيه ما قد علمت فماذا تأمرني؟ فقال: ((أرضعيه خمس رضعات يحرم

٣٨٠
کتاب النكاح/ باب ٢١
بهن عليك)) ففعلت فكانت تراه ابنًا فأجاب عنه الشافعي وغيره: بأنه مخصوص بسالم. قال
القاضي: ولعل سهلة حلبت لبنها فشربه من غير أن يمص ثديها ولا التقت بشرتاهما. قال
النووي: وهو حسن، ويحتمل أنه عفي عن مسّه للحاجة كما خصّ بالرضاعة مع الكبر انتهى.
وظاهر قوله و9: أرضعيه يقتضي ذلك لا الحلب، وقد نقل التاج ابن السبكي أن والده قال
لامرأة أرادت أن تحج مع كبير أجنبي: أرضعيه تحرمي عليه وفيه دلالة على أنه كان يرى مذهب
عائشة فإنها كانت تأمر بنات إخوتها وأخواتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها
وإن كان كبيرًا خمس رضعات ثم يدخل عليها. وقال ابن المنذر: لا يخلو أن يكون حديث سهلة
منسوخًا.
(وما يحرم من قليل الرضاع و کثیره) تمسگًا بعمومات أحاديث کحديث الباب وهو قول
مالك وأبي حنيفة ومشهور مذهب أحمد وذهب آخرون إلى أن الذي يحرم ما زاد على رضعة وورد
عن عائشة عشر رضعات أخرجه مالك في الموطأ. وعنها أيضًا سبع أخرجه ابن أبي خيثمة بإسناد
صحيح، وعنها أيضًا في مسلم كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات ثم نسخن
بخمس رضعات محرمات، ثم توفي رسول الله وَل ﴿ وهن مما يقرأ وإلى هذا ذهب إمامنا الشافعي
رحمه الله تعالى.
٥١٠٢ - حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأشْعَثِ عَنْ أبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ
الله عَنْها: أنَّ النَّبِيِّ وََّ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَها رَجُلٌ فَكَأنَّهُ تَغَيِّرَ وَجْهُهُ، كَأَنَّهُ كَرِهَ ذلِكَ، فَقالَتْ: إنَّهُ
أخِي، فَقالَ: ((أَنْظُرْنَ مَنْ إخْوانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضاعَةُ مِنَ الْمَجاعَةِ)).
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج
(عن الأشعث) بالشين المعجمة والعين المهملة والمثلثة (عن أبيه) أبي الشعثاء سليم بن الأسود
المحاربي الكوفي (عن مسروق) أي ابن الأجدع (عن عائشة رضي الله عنها أن النبي وَل قر دخل
عليها) حجرتها (وعندها رجل). قال في الفتح: لم أقف على اسمه وأظنه ابنًا لأبي القعيس، وغلط
من قال إنه عبد الله بن يزيد رضيع عائشة لأن عبد الله هذا تابعي باتفاق الأئمة وكأن أمه التي
أرضعت عائشة عاشت بعد النبي و # فلذا قيل له رضيع عائشة (فكأنه) وَلقر (تغير وجهه كأنه كره
ذلك) ولمسلم فاشتدّ عليه ذلك ورأيت الغضب في وجهه (فقالت) عائشة: (إنه) أي الرجل (أخي)
من الرضاعة (فقال) عليه الصلاة والسلام:
(انظرن) أي اعرفن وتأملن (من إخوانكن) ومن استفهامية مفعول به ولأبي ذر عن الحموي
والمستملي ما إخوانكن إيقاعًا لما موقع من والأوّل أوجه والإخوان جمع أخ لكنه أكثر ما يستعمل
لغة في الأصدقاء بخلاف غيرهم ممن هو بالولادة فيقال فيهم إخوة وكذا الرضاع كما في هذا
الحديث (فإنما الرضاعة من المجاعة) تعليل للحث على إمعان النظر والتفكر فإن الرضاعة تجعل