النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
كتاب فضائل القرآن/ باب ٨
لا سيما مع ما في هذه الأحاديث من الاضطراب في العدد والنفي والإطلاق وليس فيها شيء من
المرفوع إلى النبي بَله، وقد تعقب الإسماعيلي الحديثين الأخيرين باختلافهما بالحصر وعدمه مع ذكر
أبي الدرداء بدل أُّ بن كعب فقال: لا يجوزان في الصحيح مع تباينهما بل الصحيح أحدهما
وجزم البيهقي بأن ذكر أبي الدرداء وهم والصواب أبيّ بن كعب وقال الداودي: لا أرى ذكر أبي
الدرداء محفوظًا.
(قال) أنس (ونحن ورثناه) بكسر الراء مخففة أي أبا زيد لأنه مات ولم يترك عقبًا وهو أحد
عمومة أنس كما في المناقب وهو يردّ على من سمى أبا زيد المذكور سعد بن عبيد بن النعمان أحد
بني عمرو بن عوف لأن أنسًا خزرجي وسعد بن عبيد أوسي، وعند ابن أبي داود بإسناد على
شرط البخاري إلى ثمامة عن أنس أن أبا زيد الذي جمع القرآن اسمه قيس بن السكن قال: وكان
رجلاً منّا من بني عدي بن النجار أحد عمومتي ومات ولم يدع عقبًا ونحن ورثناه، وقال ابن أبي
داود حدّثنا أنس بن خالد الأنصاري قال هو قيس بن السكن بن زعوراء من بني عدي بن
النجار. قال ابن أبي داود: مات قريبًا من وفاة رسول الله وَ ل﴿ فذهب علمه ولم يؤخذ عنه وكان
عقبيًّا بدريًا قال الحافظ ابن حجر فهذا يرفع الإشكال من أصله.
٥٠٠٥ - حدثنا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أخْبَرَنا يَحْيى عَنْ سُفْيانَ عَنْ حَبيبٍ بْنِ أبي ثابتٍ عَنْ
سَعيدِ بْنِ جُبّيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ أُبَيِّ أَقْرَؤُنا، وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ لَحْنٍ أُبَيِّ وَأُبَيِّ يَقُولُ
أَخَذْتُهُ مِنْ فَي رَسُولِ اللهِ وَ فَلا أَتْرُكُهُ لِشَيءٍ، قَالَ الله تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَأْهَا نَأْتِ
بِخَيْرِ مِنْها أوْ مِثْلِها﴾.
وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي الحافظ قال: (أخبرنا يحيى) بن سعيد القطان
(عن سفيان) الثوري (عن حبيب بن أبي ثابت) الأسدي (عن سعيد بن جبير) الوالبي مولاهم أحد
الأعلام (عن ابن عباس) أنه (قال: قال عمر) رضي الله عنهم (أنّ) أي ابن كعب (أقرؤنا) لكتاب
الله (وإنّا لندع) لنترك (من لحن أبي) بفتح اللام والحاء المهملة في اليونينية مصححًا عليه وبسكونها
في الفرع أي من قراءته مما نسخت تلاوته (وأُّ) أي والحال أن أُبيًّا (يقول أخذته) أي الذي يتركه
عمر من لحنه (من في) أي فم (رسول الله وَلفي فلا أتركه لشيء) يقوله لي غير النبي ◌َّ لا لنسخ
ولا لغيره واستدل عليه عمر بقوله (قال الله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسأها﴾) ولأبي ذر أو
ننسها بضم النون وكسر السين من غير همز على قراءة نافع وابن عامر والكوفيين (﴿نأتِ بخير منها
أو مثلها﴾) [البقرة: ١٠٦] والنسخ يكون على أقسام ما نسخ قراءته وبقي حكمه كالشيخ والشيخة
إذا زنيا فارجموهما والحكم فقط نحو ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤]
والحكم والتلاوة نحو عشر رضعات يحرمن والمراد هنا الأول والأخير على ما لا يخفى.
والحديث مذكور في تفسير البقرة.

٢٨٢
كتاب فضائل القرآن/ باب ٩
٩ - باب فاتِحَةِ الْكِتابِ
(باب فاتحة الكتاب) ولأبوي ذر والوقت باب فضل فاتحة الكتاب قال علي لو أردت أن أملي
وقر بعير على الفاتحة لفعلت.
٥٠٠٦ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّه، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سَعيدٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قالَ: حَدَّثَني
خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عاصِمٍ عَنْ أبي سَعيدِ بْنِ المُعَلَّى قالَ: كُنْتُ أُصَلِّي،
فَدَعَانِي النَّبِيُّ وَّهِ فَلَمْ أُجِبْهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّه إنّي كُنْتُ أُصَلِّي. قالَ: ((أَلَمْ يَقُل الله ﴿أَسْتَجِيبُوا
لله وَلِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. ثُمَّ قالَ: ((ألا أُعَلِّمُكَ أعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أنْ
تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ)». فَأَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أرَدْنا أنْ نَخْرُجُ قُلْتُ: يا رَسُولَ الله، إنَّكَ قُلْتَ ألا
أُعَلْمُكَ أعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، قالَ: ((﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] هِيَ السَّبْعُ
الْمَثانِي وَالْقُرآنُ الْعَظِيمُ الَّذي أوتيتُهُ».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان قال:
(حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (شعبة) بن الحجاج (قال: حدّثني) بالإفراد (خبيب بن عبد الرحمن) بضم
الخاء المعجمة وفتح الموحدة الأنصاري المدني (عن حفص بن عاصم) أي ابن عمر بن الخطاب (عن
أبي سعيد بن المعلى) بضم الميم وفتح العين المهملة واللام المشددة واسمه الحارث أو رافع ونقل عن
الحافظ الدمياطي أنه قال: الصحيح هو الحارث بن أوس بن المعلى وما عداه باطل وحينئذٍ فيكون
ممن نسب إلى جده وهو كثير من فعل النسابة فلا يقال إنه خطأ أنه (قال: كنت أصلي فدعاني
النبي ◌ّله فلم أجبه) لأنه عليه الصلاة والسلام منعهم من الكلام في الصلاة ومن قطعها وزاد في
سورة الأنفال حتى صلّيت ثم أتيته (قلت: يا رسول الله إني كنت أصلي قال) عليه الصلاة والسلام
وللأصيلي فقال:
(ألم يقل الله) تعالى: ((استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم))، وحد الضمير لأن استجابة
الرسول كاستجابته تعالى والمراد بالاستجابة الطاعة والامتثال واستدل به على وجوب إجابته وهل
تقطع الصلاة أم لا فيه بحث مر في أول التفسير (ثم قال) عليه الصلاة والسلام: (ألا) بالتخفيف
(أعلمك أعظم سورة في القرآن) أجْرًا ومضاعفة في الثواب بحسب انفعالات النفس وخشيتها
وتدبرها (قبل أن تخرج من المسجد، فأخذ بيدي فلما أردنا أن نخرج) من المسجد (قلت: يا رسول
الله إنك قلت ألا أعلمك أعظم سورة من القرآن) ولأبي ذر والأصيلي في القرآن (قال: ﴿الحمد لله
رب العالمين﴾) خبر مبتدأ محذوف أي هي السورة التي أوّلها الحمد لله رب العالمين (هي السبع
المثاني) لأنها سبع آيات وتثنى في كل ركعة أو من الثناء لاشتمالها عليه (والقرآن العظيم الذي
أوتيته) واسم القرآن يقع على البعض كما يقع على الكل ويدل له قوله تعالى: ﴿بما أوحينا إليك
هذا القرآن﴾ [يوسف: ٣] يعني سورة يوسف.

٢٨٣
كتاب فضائل القرآن/ باب ٩
وقد مر الحديث في أوّل التفسير وفي سورة الأنفال.
٥٠٠٧ - حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبٌ حَدَّثَنَا هِشامٌ عَنْ مُحَمْدٍ عَنْ مَعْبَدٍ عَنْ أبي
سَعيدٍ الْخُذْريَّ قالَ: كُنَّا فِي مَسيرٍ لَنا، فَنَزَلْنا، فَجاءَتْ جارِيَةٌ فَقالَتْ: إِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ، وَإِنَّ
نَفَرَنا غَيَبْ، فَهَلْ مِنْكُمْ راقٍ؟ فَقَامَ مَعَها رَجُل ما كُنَّا تَأْبُنُهُ بِرُقْيَةٍ، فَرَقَاهُ فَبَرَأْ، فَأَمَرَ لَهُ بَثَلاثينَ شاةً
وَسَقَانًا لَبَّنَا فَلَمَّا رَجَعَ قُلْنا لَهُ أُكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً أَوْ كُنْتَ تَرْقِي قَالَ: ما رَقَيْتُ إلاَّ بِأُمّ الْكِتَابِ قُلْنا:
لا تُحْدِثُوا شَيْئًا حَتَّى نَأْتِي أَوْ نَسْألَ النَّبِيِّ ◌ََّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَاهُ لِلنَّبِّ وَ﴿ فَقالَ: ((وَما
كانَ يُذْرِيهِ أَنَّها رُقْيَةٌ؟ آقْسِمُوا وَأَضْرِبُوا لي بِسَهْمٍ)). وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوارِثِ حَدَّثَنا
هِشامٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سيرينَ حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ سيرينَ عَنْ أبي سَعيدٍ الْخُذْرِيِّ بِهذا.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (محمد بن المثنى) العنزي البصري قال: (حدّثنا
وهب) هو ابن جرير بن حازم الأزدي الحافظ قال: (حدّثنا هشام) هو ابن حسان (عن محمد) هو
ابن سيرين (عن) أخيه (معبد) بفتح الميم والموحدة بينهما عين مهملة ساكنة ابن سيرين (عن أبي
سعيد) بكسر العين سعد بن مالك (الخدري) بالدال المهملة رضي الله عنه أنه (قال: كنا في مسير
لنا) وعند الدارقطني في سرية ولم يعينها (فنزلنا) أي ليلاً كما في الترمذي على حيٍّ من أحياء
العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم كما عند المؤلف في الإجارة (فجات جارية فقالت: إن
سيد الحيّ سليم) أي لديغ بعقرب ولم تسم الجارية ولا سيد الحي (وإن نفرنا غيب) بفتح الغين
المعجمة والتحتية جمع غائب كخادم وخدم وللأصيلي وأبي الوقت غيب بضم الغين وتشديد التحتية
المفتوحة كراكع وركع (فهل منكم راق) كقاض يرقيه (فقام معها رجل) هو أبو سعيد كما في
مسلم، ولا مانع من أن يكتّ الرجل عن نفسه، فلعل أبا سعيد صرّح تارة وكثّ أخرى والحمل
على التعدد بعيد جدًّا لا سيما مع اتحاد المخرج والسياق والسبب (ما كنا نأبنه) بنون فهمزة ساكنة
فموحدة مضمومة وتكسر فنون أي ما كنا نتهمه (برقية فرقاه فبرأ) وفي الإجارة فكأنما نشط من
عقال (فأمر له) سيد الحي ولأبي ذر لنا (بثلاثين شاة) جعلاً على الرقية (وسقانا لبنًا فلما رجع)
الذي رقاه (قلنا له) مستفهمين منه (أكنت تحسن رقية أو كنت ترقي)؟ بفتح التاء وكسر القاف
(قال: لا ما رقيت) ـه (إلا بأم الكتاب) بفتح القاف بغير ضمير (قلنا لا تحدثوا) بسكون الحاء
المهملة بعد ضم (شيئًا) في الثلاثين شاة (حتى نأتي أو نسأل النبي ◌ِّي) بالشك من الراوي (فلما
قدمنا المدينة ذكرناه للنبي وَّقر فقال):
(وما كان يدريه أنها) أي الفاتحة (رقية اقسموا) الجعل (واضربوا لي بسهم) أي بنصيب فعله
تطييبًا لقلوبهم.
فإن قلت: ما موضع الرقية من الفاتحة؟ أجيب: بأن الفاتحة كلها رقية لما اختصت به من
كونها مبدأ القرآن وحاوية لجميع علومه لاشتماله على الثناء على الله تعالى والإقرار بعبادته

٢٨٤
كتاب فضائل القرآن/ باب ١٠
والإخلاص له وسؤال الهداية منه والإشارة إلى الاعتراف بالعجز عن القيام بنعمه وإلى شأن المعاد
وبيان عاقبة الجاحدين إلى غير ذلك من السر البديع والبرهان الرفيع قاله الطبري فيما نقله في
الفتح.
(وقال أبو معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة عبد الله المقعد (حدّثنا
عبد الوارث) بن سعید مما وصله الإسماعيلي قال: (حدّثنا هشام) هو ابن حسان قال: (حدّثنا
محمد بن سيرين) قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (معبد بن سيرين عن أبي سعيد
الخدري بهذا) الحديث ومراده بسياقه التصريح بتحديث من عنعن عنه في السابق.
١٠ - باب فَضْلُ الْبَقَرَةِ
(باب فضل البقرة) ولأبي ذر: باب فضل سورة البقرة.
٥٠٠٨ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمانَ عَنْ إِنْراهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ الله عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((مَنْ قَرَأْ بِالآيَتَيْنِ)).
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) العبدي البصري قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (من
سليمان) بن مهران الأعمش (عن إبراهيم) النخعي (عن عبد الرحمن) بن يزيد النخعي (عن أبي
مسعود) عقبة بن عمرو البدري (رضي الله عنه عن النبي (وَ لفي قال: من قرأ بالآيتين) قال في
المصابيح فإن قلت: ما هذه الباء التي في قوله بالآيتين؟ قلت: ذهب بعضهم إلى أنها زائدة، وقيل
ضمن الفعل معنى التبرك فعدي بالباء، وعلى هذا نقول قرأت بالسورة ولا تقول قرأت بكتابك
لفوات معنى التبرك قاله السهيلي، ولأبي الوقت: قرأ الآيتين بحذف الباء.
٥٠٠٩ - حدثنا أَبُو نُعَيْم حَدَّثَنَا سُفْيانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمْنِ بْنِ يَزِيدَ
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيِّ وَِّ: (مَنْ قَرَأْ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَّرَةِ فِي لَيْلَةٍ
گفتاهُ».
قال المؤلف: (حدّثنا) ولأبي ذر وحدّثنا بالواو وفي نسخة ح وحدّثنا (أبو نعيم) الفضل بن
دكين قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن
عبد الرحمن بن يزيد) النخعي (عن أبي مسعود) عقبة البدري (رضي الله عنه) أنه (قال: قال
النبي ◌َ ر):
(من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة) وهما ﴿آمن الرسول﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخرها (في ليلة
كفتاه) أجزأتا عنه من قيام الليل أو عن قراءة القرآن مطلقًا أو من الشيطان وشره أو دفعتا عنه شرَّ الإنس
والجن. وعن ابن مسعود من طريق عاصم عن زر عن علقمة من قرأ خاتمة البقرة أجزأت عنه قيام
ليلة وعند الحاكم وصححه عن النعمان بن بشير رفعه: إن الله كتب كتابًا وأنزل منه آيتين ختم

٢٨٥
كتاب فضائل القرآن/ باب ١١
بهما سورة البقرة لا يقرآن في دار فيقربها الشيطان ثلاث ليال، وزاد أبو عبيد من مرسل ابن جبير
فاقرؤوهما وعلّموهما أبناءكم فإنهما قرآن وصلاة ودعاء.
٥٠١٠ - وقال عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَم: حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيّ
الله عَنْهُ قالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِحِفْظِ زَكاةِ رَمَضانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعام،
فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأزْفَعَنَّكَ إلى رَسُولِ اللهِ وَّرِ فَقَصَّ الْحَدِيثَ، فَقالَ: ((إذا أوَيْتَ إلى فِراشِكَ فَاقَرَأْ
آيَةَ الْكُرْسِيٌّ لَنْ يَزالَ مَعَكَ مِنَ الله حافِظٌ وَلا يَقْرَبُكَ شَيْطانٌ حَتَّى تُصْبحَ. وَقَالَ النَّبِيِّ ◌َِّره ـ
صَدَقَكَ وَهْوَ كَذُوبٌ، ذاكَ شَيْطانٌ)).
(وقال عثمان بن الهيثم) بن الجهم أبو عمرو العبدي البصري المؤذن مما وصله الإسماعيلي
وأبو نعيم من طرق إلى عثمان بن الهيثم ولم يصرح فيه المؤلف بالتحديث وزعم ابن العربي أنه
منقطع قال: (حدّثنا عوف) بالفاء ابن أبي جميلة بالجيم المفتوحة الأعرابي العبدي البصري (عن
محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال: وكلني رسول الله) ولأبي الوقت:
النبي (858* بحفظ زكاة) الفطر من (رمضان فأتاني آتٍ فجعل يحثو) بسكون الحاء المهملة وضم المثلثة
يقال: حثا يحثو وحتى يحثي أي يأخذ بكفّيه (من الطعام) وكان تمرًا (فأخذته) أي الذي حثي
(فقلت) له: (لأرفعتّك إلى رسول الله وَر فقص الحديث) بنحو ما سبق في الوكالة من قوله قال
إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة قال: فخليت عنه فأصبحت، فقال النبي وَلقر: ((يا أبا هريرة
ما فعل أسيرك البارحة)) قال: قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله.
قال: ((أما إنه قد كذبك وسيعود)) فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله وَّل﴿ أنه سيعود فرصدته،
فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله وَّر قال: دعني فإني محتاج وعلّ
عيال لا أعود فرحمته فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله وَلخير: ((يا أبا هريرة ما فعل
أسيرك))؟ قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله قال: ((أما إنه قد
كذبك وسيعود)) فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنّك إلى رسول الله وَلهم
وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم لا تعود ثم تعود. قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها. قلت:
ما هي (فقال إذا أويت) أي أتيت (إلى فراشك) للنوم وأخذت مضجعك (فاقرأ آية الكرسي لن
يزال) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لم يزل (معك من الله حافظ) يحفظك (ولا يقربك شيطان
حتى تصبح وقال): بالواو وسقطت لأبي الوقت ولأبي ذر والأصيلي فقال: (النبي ◌َّ: صدقك)
بتخفيف الدال فيما قاله في آية الكرسي (وهو كذوب) من التتميم البليغ وذلك لأنه لما أوهم
مدحه بوصفه بصفة الصدق استدرك نفيه عنه بصيغة المبالغة أي صدقك في هذا القول مع أن
عادته الكذب المستمر (ذاك شيطان) من الشياطين.
١١ - باب فَضْلِ الْكَهْفِ
(باب فضل الكهف) ولأبي الوقت: سورة الكهف وسقط لفظ باب لغير أبي ذر.

٢٨٦
كتاب فضائل القرآن/ باب ١٢
٥٠١١ - حدثنا عَمْرُو بْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إسْحَقَ عَنِ الْبَراءِ قالَ: كَانَ رَجُلٌ
يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ، وَإلى جانِبِهِ حِصانٌ مَرْبُوطُ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو وَتَدْنُو،
وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَثْفِرُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيِّ نَّهِ فَذَكَرَ ذلِكَ لَهُ، فَقالَ: تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالْقُرْآنِ.
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن خالد) بفتح العين ابن فروخ الحراني الجزري سكن مصر قال:
(حدّثنا زهير) بضم الزاي وفتح الهاء بعدها تحتية ساكنة فراء ابن معاوية قال: (حدّثنا أبو إسحق)
عمرو بن عبد الله السبيعي (عن البراء) رضي الله عنه وللأصيلي زياد ابن عازب أنه (قال: كان
رجل) قيل هو أسيد بن حضير (يقرأ سورة الكهف) لكن سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا أن الذي
كان يقرؤه أسيد سورة البقرة (وإلى جانبه حصان) بكسر الحاء وفتح الصاد المهملتين فحل كريم من
الخيل (مربوط بشطنين) تثنية شطن بفتح الشين المعجمة والطاء المهملة آخره نون حبل، ولعله ربط
باثنين لشدة صعوبته (فتغشته) أي أحاطت به (سحابة فجعلت تدنو وتدنو) مرتين أي تقرب منه
(وجعل فرسه) المربوط بشطنين (ينفر) بفتح أوله وكسر الفاء (فلما أصبح أتى النبي ◌َّفير فذكر ذلك
له فقال) قال:
(تلك) التي غشيتك (السكينة) وهي فيما رواه الطبري وغيره عن علّ روح هفافة لها وجه
کوجه الإنسان وقيل غير ذلك (تنزلت) بتاء ونون وتشديد الزاي وبعد اللام تاء تأنيث ولأبي ذر
عن الكشميهني تنزل بتاءين بلا تاء تأنيث بعد اللام (بالقرآن) وللترمذي مع القرآن أو على القرآن.
١٢ - باب فَضْلِ سُورَةِ الْفَتْحِ
(باب فضل سورة الفتح) سقط لفظ باب لغير أبي ذر.
٥٠١٢ - حدثنا إسْمَاعِيلُ قالَ: حَدَّثَنِي مالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أنَّ رَسُولَ اللهِ وَلـ
كانَ يَسِيرُ فِي بَعْضٍ أسْفَارِهِ، وَعُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلاً، فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ
رَسُولُ اللهِوَّهَ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقالَ عُمَرُ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ نَزَرْتَ رَسُولَ
اللهِ وَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ كُلَّ ذلِكَ لا يُجِيبُكَ. قالَ عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِيري حَتَّى كُنْتُ أمامَ النَّاسِ
وَخَشِيتُ أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ، فَمَا نَشِبْتُ أنْ سَمِعْتُ صارِخًا يَصْرُغُ، قَالَ: فَقُلْتُ: لَقَدْ خَشِيْتُ أنْ
يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ، قالَ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِوَِّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقالَ: ((لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ
سُورَةٌ لَّهِيَ أحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَرَأْ: ﴿إِنَّا فَتَخْنالَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١].
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) إمام الأئمة (عن
زيد بن أسلم عن أبيه) أسلم مولى عمر بن الخطاب (أن رسول الله وَلو كان يسير في بعض
أسفاره) عند الطبراني أنه الحديبية (وعمر بن الخطاب يسير معه ليلاً) ظاهره الإرسال، لكن رواه
الترمذي من هذا الوجه متصلاً بلفظ عن أبيه سمعت عمر بل في هذا الحديث نفسه ما يدل

٢٨٧
كتاب فضائل القرآن/ باب ١٣
للاتصال حيث قال فيه قال عمر: فحركت بعيري إذ مقتضاه أنه سمعه يقول ذلك (فسأله عمر عن
شيء فلم يجبه رسول الله وَّر ثم سأله) عليه الصلاة والسلام عمر (فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه)
بتكرير السؤال ثالثًا لظنه أنه لم يسمعه (فقال عمر: ثكلتك) بفتح المثلثة وكسر الكاف الأولى فقدتك
(أمك) دعاء على نفسه لما وقع منه من الإلحاح (نزرت) بزاي مخففة في الفرع وتثقل بعدها راء
(رسول الله ( 18) ألححت عليه وبالغت في سؤاله (ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك قال عمر:
فحركت بعيري حتى كنت أمام الناس وخشيت) بكسر الشين المعجمة (أن ينزل) بفتح أوّله وكسر
الزاي (فيّ قرآن) بتشديد الياء (فما نشبت) بفتح النون وكسر الشين المعجمة أي فما لبثت (أن
سمعت صارخًا) لم يسم (يصرخ) زاد الأصيلي لي (قال: فقلت لقد خشيت أن يكون نزل فيّ قرآن
قال: فجئت رسول الله وَّر فسلمت عليه) أي فردّ عليّ السلام (فقال):
(لقد أنزلت علّ الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس) لما فيها من البشارة
بالفتح والمغفرة (ثم قرأ) عليه الصلاة والسلام: (﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾﴾ [الفتح: ١] أي
قضينا لك قضاءً بيّنًا على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك من قابل ليطوفوا بالبيت من الفتاحة
وهي الحكومة أو المراد فتح مكة عدة له بالفتح وجيء به على لفظ الماضي لأنه في تحققه بمنزلة
الكائن وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر به ما لا يخفى.
١٣ - باب فَضْلِ ﴿قُلْ هُوَ الله أحَدٌ﴾
فِيهِ عَمْرَةُ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ وَّد
(باب فضل ﴿قل هو الله أحد﴾) [الإخلاص: ١] سقط لفظ باب لغير أبي ذر (فيه) أي في
فضل ﴿قل هو الله أحد﴾ (عمرة) بنت عبد الرحمن (عن عائشة) رضي الله عنها (عن النبي ◌َّ).
وهذا طرف من حديث أوّله أن النبي وَ لّ بعث رجلاً على سرية فكان يقرأ لأصحابه في
صلاته فيختم بـ ﴿قل هو الله أحد) وفي آخره أخبروه أن الله يحبه وسيأتي موصولاً إن شاء الله
تعالى بعون الله وقوّته في أول كتاب التوحيد تامًا. وهذا التعليق ثبت لأبوي ذر والوقت.
٥٠١٣ - حدثنا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ، أخْبَرَنا مالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ أَبِي سَعيدِ الْخُذْرِيِّ. أنَّ رَجُلاً سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ: ﴿قُلْ
هُوَ الله أحَدٌ﴾ُ يُرَدِّدُها، فَلَمَّا أَصْبَحَ جاءَ إلى رَسُولِ اللهِ وَّرِ فَذَكَرَ ذلِكَ لَهُ، وَكَأنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُها.
فَقالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّها لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ)). [الحديث ٥٠١٣- أطرافه
في: ٦٦٤٣ - ٧٣٧٤].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) إمام دار الهجرة ابن
أنس الأصبحي (عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه) عبد الله (عن أبي سعيد الخدري) رضي

٢٨٨
كتاب فضائل القرآن/ باب ١٣
الله عنه (أن رجلاً) هو أبو سعيد الخدري كما عند أحمد (سمع رجلاً) قيل: هو قتادة بن النعمان
لأنه أخوه لأمه وكانا متجاورين وجزم بذلك ابن عبد البر فكأنه أبهم نفسه وأخاه (يقرأ ﴿قل هو
الله أحد﴾) [الإخلاص: ١] كلها حال كونه (يرددها فلما أصبح) أبو سعيد (جاء إلى رسول
الله* فذكر ذلك) الذي سمعه من الرجل (له) عليه الصلاة والسلام (وكأن الرجل) الذي جاء
وذكر (يتقالها) بتشديد اللام أي يعتدّ أنها قليلة في العمل لا في التنقيص. وعند الدارقطني من
طريق إسحق بن الطباع عن مالك في هذا الحديث إن لي جارًا يقوم بالليل فما يقرأ إلا بـ ﴿قل
هو الله أحد﴾ (فقال رسول الله وَلاغير):
(والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن) باعتبار معانيه لأنه أحكام وأخبار وتوحيد، وقد
اشتملت هي على الثالث فكانت ثلثًا بهذا الاعتبار واعترض بأنه يلزم منه أن تكون آية الكرسي
وآخر الحشر كلٍّ منهما ثلث القرآن ولم يرد ذلك لكن قال أبو العباس القرطبي: إنها اشتملت على
اسمين من أسماء الله تعالى متضمنين جميع أوصاف الكمال لم يوجدا في غيرها من السور وهما
الأحد الصمد لأنهما يدلان على أحديّة الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصاف الكمال وبيان ذلك
أن الأحد يشعر بوجوده الخاص الذي لا يشاركه فيه غيره، والصمد يشعر بجميع أوصاف الكمال
لأنه الذي انتهى سؤدده فكان يرجع الطلب منه وإليه ولا يتم ذلك على وجه التحقيق إلا لمن حاز
جميع فضائل الكمال، وذلك لا يصلح إلاّ لله تعالى، فلما اشتملت هذه السورة على معرفة الذات
المقدسة كانت بالنسبة إلى تمام المعرفة بصفات الذات وصفات الفعل ثلثًا . اهـ.
وقال قوم: أي تعدل ثلث القرآن في الثواب، وضعفه ابن عقيل فقال: لا يجوز أن يكون
المعنى فله أجر ثلث القرآن، واحتج بحديث من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات، واستدل
ابن عبد البر لذلك بقول إسحاق بن راهويه ليس المراد أن من قرأها ثلاث مرات كمن قرأ القرآن
كله هذا لا يستقيم ولو قرأها مائتي مرة ثم قال ابن عبد البر على أني أقول السكوت في هذه
المسألة أفضل من الكلام فيها وأسلم . اهـ.
وظاهر الأحاديث ناطق بتحصيل الثواب مثل من قرأ ثلث القرآن كحديث مسلم والترمذي
احشدوا فسأقرأ عليكم ثلث القرآن فخرج يقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ ثم قال: ألا إنها تعدل ثلث
القرآن، وإذا حملناه على ظاهره فهل ذلك الثلث معين أو أي ثلث كان منه فيه نظر وعلى الثاني فمن
قرأها ثلاثًا كان كمن قرأ ختمة كاملة.
٥٠١٤ - وزاد أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أبِي صَعْصَعَةً عَنْ أَبِيهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ
أخْبَرَنِي أَخِي فَتَادَةُ بْنُ النُّعْمانِ أنَّ رَجُلاً قَامَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ وَلِهِ يَقْرَأُ مِنَ السَّحَرِ: ﴿قُلْ هُوَ الله
أحَدٌ﴾ لا يَزِيدُ عَلَيْها، فَلَمَّا أَصْبَحْنا أتى رَجُلٌ النِّيَّ وَِّ نَحْوَهُ.

٢٨٩
كتاب فضائل القرآن/ باب ١٣
(وزاد أبو معمر) بسكون العين بين فتحتين عبد الله بن عمرو المنقري قاله الدمياطي. وقال
المزي كابن عساكر أنه إسماعيل بن إبراهيم الهذلي وصوّبه في الفتح بأن الحديث إنما يعرف بالهذلي
بل لا نعرف للمنقري عن إسماعيل بن جعفر شيئًا وقد وصله النسائي عن إسماعيل الهذلي به.
قال (حدّثنا إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاري الزرقي (عن مالك بن أنس) الإمام وسقط
ابن أنس للأصيلي (عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي
سعيد الخدري) أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (أخي) لأمي (قتادة بن النعمان أن رجلاً قام في زمن
النبي ◌َ﴾ يقرأ من السحر: ﴿قل هو الله أحد﴾ لا يزيد عليها فلما أصبحنا أتى رجل) ولأبي ذر
أتى الرجل (النبي وَله نحوه) أي نحو الحديث السابق ولفظه عند الإسماعيلي فقال: يا رسول الله
إن فلانًا قام الليلة يقرأ من السحر ﴿قل هو الله أحد﴾ فساق السورة يرددها لا يزيد عليها وكأن
الرجل يتقالها فقال النبي وَ له: ((إنها لتعدل ثلث القرآن)).
٥٠١٥ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفَصٍ حَدَّثَنا أبِي، حَدَّثَنا الأعمَشُ حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ وَالضَّحَّاكُ
الْمَشْرِقِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ النِّيُّ وََّ لأَصْحابِهِ: ((أَيَعْجِزُ أحَدُكُمْ أنْ
يَقْرَأُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ)). فَشَقَّ ذلِكَ عَلَيْهِمْ، وَقالُوا: أَيُّنا يُطيقُ ذلِكَ يا رَسُولَ اللهِ فَقالَ: ((الله
الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ)». قَالَ الْفِرَبْرِيُّ: سَمِعْتُ أبا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حاتِمٍ وَرَّاقَ أَبِي
عَبْدِ الله قالَ أَبُو عَبْدِ الله: عَنْ إِبْراهِيمَ مُرْسَلٌ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ الْمَشْرِقِيِّ مُسْنَدٌ.
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال. (حدّثنا
الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا إبراهيم) النخعي (والضحاك) بالضاد المعجمة والحاء
المهملة المشددة ابن شراحيل وقيل شرحبيل (المشرقي) بفتح الميم وكسر الراء في الفرع كالدارقطني
وابن ماكولا وكذا هو عند أبي ذر وقيده العسكري بكسر الميم وفتح الراء نسبة إلى مشرق بن
زيد بن جشم بن حاشد بطن من همدان وقال من فتح الميم صحف قال في الفتح وكأنه يشير إلى
قول ابن أبي حاتم مشرق موضع وهو بالقاف اتفاقًا وبالفاء تصحيف كلاهما أعني إبراهيم
والضحاك (عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه) وسقط الخدري للأصيلي أنه (قال: قال النبي ◌َّفيه
لأصحابه):
(أيعجز أحدكم) بكسر الجيم من باب ضرب يضرب والهمزة للاستفهام الاستخباري في
القاموس والعجوز بالضم الضعف والفعل كضرب وسمع فهو عاجز من عواجز (أن يقرأ ثلث
القرآن في ليلة) ولأبوي ذر والوقت بثلث بزيادة الموحدة ولأبي ذر وحده في ليلته (فشق ذلك
عليهم، وقالوا: أتنا يطبق ذلك يا رسول الله فقال) عليه الصلاة والسلام: (الله الواحد الصمد
ثلث القرآن) وعند الإسماعيلي من رواية أبي خالد الأحمر عن الأعمش فقال: يقرأ ﴿قل هو الله
أحد﴾ فهي ثلث القرآن.
إرشاد الساري/ ج ١١ / م ١٩

٢٩٠
كتاب فضائل القرآن/ باب ١٣
قال في الفتح: فكأن رواية الباب بالمعنى، ويحتمل أن يكون بعض رواته كان يقرؤها كذلك
كما جاء أن عمر كان يقرأ الله أحد الله الصمد بغير قل في أولها أو سمى السورة بهذا الاسم
لاشتمالها على الصفتين المذكورتين، وقد قيل في معنى الثلث غير ما ذكر أن المراد من عمل بما
تضمنته من الإخلاص والتوحيد كان كمن قرأ ثلث القرآن.
وقال الطيبي: ﴿قل هو الله أحد﴾ في معنى لا إله إلا الله لوجهين أحدهما: أنه تعالى
وحده هو الصمد المرجوع إليه في حوائج المخلوقات ولا صمد سواه ولو صوّر سواه صمد
لفسد نظام العوالم ومن ثم كرر الله وأوقع الصمد المعرف خبرًا له وقطعه جملة مستأنفة على بيان
الموجب، ثانيهما أن الله هو الأحد في الإلهية إذ لو تصوّر غيره لكان إما أن يكون فوقه فيها
وهو محال وإليه الإشارة بقوله: ﴿لم يولد﴾ أو دونه فلا يستقيم أيضًا وإليه لمح بقوله: ﴿لم يلد)
أو مساويًا له وهو محال أيضًا وإليه رمز بقوله: ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾، ويجوز أن يكون
الجمل المنفية تعليلاً للجملة الثانية المثبتة كأنه لما قيل هو الصمد المعبود الخالق الرازق المثيب
المعاقب ولا صمد سواه. قيل: لِمَ كان كذلك؟ أجيب: لأنه ليس فوقه أحد يمنعه من ذلك
ولا مُساوٍ يعاونه ولا دونه يستقل به، وقد أخرج الترمذي عن ابن عباس وأنس بن مالك قالا:
قال رسول الله وَ ل9: ((﴿إذا زلزلت﴾ تعدل نصف القرآن، و﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث
القرآن، و﴿قل يا أيها الكافرون﴾ تعدل ربع القرآن)).
وأخرج الترمذي أيضًا وابن أبي شيبة وأبو الشيخ من طريق سلمة بن وردان عن أنس:
الكافرون والنصر تعدل كلِّ منهما ربع القرآن وإذا زلزلت تعدل ربع القرآن زاد ابن أبي شيبة وأبو
الشيخ، وآية الكرسي تعدل ربع القرآن. قال في الفتح: وهو حديث ضعيف لضعف سلمة وإن
حسنه الترمذي فلعله تساهل فيه لكونه في فضائل الأعمال وكذا صححه الحاكم من حديث ابن
عباس وفي سنده يمان بن المغيرة وهو ضعيف عندهم . اهـ.
وأبدى القاضي البيضاوي الحكمة فقال: يحتمل أن يقال المقصود الأعظم بالذات من القرآن
بيان المبدأ والمعاد وإذا زلزلت مقصورة على ذكر المعاد مستقلة ببيان أحواله فتعادل نصفه، وأما ما
جاء أنها ربعه فلأنه يشتمل على تقرير التوحيد والنبوّات وبيان أحكام المعاش وأحوال المعاد وهذه
السورة مشتملة على القسم الأخير، وأما الكافرون فمحتوية على القسم الأول منها لأن البراءة عن
الشرك إثبات للتوحيد فيكون كل واحد منهما كأنه ربع.
فإن قلت: هلا حملوا المعادلة على التسوية في الثواب على المقدار المنصوص عليه؟ أجيب:
بأنه منعهم من ذلك لزوم فضل إذا زلزلت على سورة الإخلاص والقول الجامع فيه ما ذكره الشيخ
التوربشتي رحمه الله من قوله نحن، وإن سلكنا هذا المسلك بمبلغ علمنا نعتقد ونعترف أن بيان
ذلك على الحقيقة إنما يتلقى من قبل الرسول صلوات الله وسلامه عليه فإنه هو الذي ينتهى إليه
في معرفة حقائق الأشياء والكشف عن خفيات العلوم، فأما القول الذي نحن بصدده ونحوم حوله

٢٩١
كتاب فضائل القرآن/ باب ١٤
على مقدار فهمنا فهو وإن سلم من الخلل والزلل لا يتعدى عن ضرب من الاحتمال نقله الطيبي
في شرح المشكاة.
(قال الفربري) أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح: (سمعت أبا جعفر محمد بن
أبي حاتم) بالحاء المهملة والفوقية (وراق أبي عبد الله) محمد بن إسماعيل البخاري أي كاتبه الذي
كان يكتب له (قال أبو عبد الله) البخاري (عن إبراهيم) النخعي عن أبي سعيد: (مرسل) أي
منقطع (وعن الضحاك المشرقي) بفتح ميم المشرقي وکسر الراء لأبي ذر قال اليونيني وقد اختلف
فيه الحفاظ: (مسند) ظاهره أن المؤلف كان يطلق على المنقطع لفظ المرسل وعلى المتصل لفظ المسند
والمشهور في الاستعمال أن المرسل ما يضيفه التابعي إلى النبي ◌َّر والمسند ما يضيفه الصحابي إلى
النبي ◌ّ# بشرط أن يكون ظاهر الإسناد إليه الاتصال وثبت قال الفربري إلى آخر قوله أبي عبد الله
لأبي ذر وسقط لغيره قال أبو عبد الله الخ ...
١٤ - باب فَضْلِ الْمُعَوِّذاتِ
(باب فضل المعوّذات) بكسر الواو وثبت لفظ باب لأبي ذر.
٥٠١٦ - حدثنا عَبْدُ الله بْنُ يوسُفَ أخْبَرَنا مالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةً عَنْ عَائِشَةً
رَضِيَ الله عَنْها أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ كانَ إذا اشْتَكى يَقْرَأُ عَلى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذاتِ وَيَنْفُتُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ
وَجَعُهُ كُنْتُ أقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجاءَ بَرَكَتِها.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام الأعظم (عن ابن
شهاب) الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله وَل* كان إذا
اشتكى) أي مرض (يقرأ على نفسه بالمعوّذات) الثلاث الإخلاص والفلق والناس. وفي حديث ابني
حبان وخزيمة وأحمد تعيينهن وأطلق على الأولى لما اشتملت عليه من صفة الرب تعالى وخصّ
المستعاذ منه في الثانية بما خلق فابتدأ بالعام في قوله: ﴿من شر ما خلق﴾ [الفلق: ٢] ثم ثنى
بالعطف في قوله: ﴿ومن شر غاسق﴾ [الفلق: ٣] لأن انبثاث الشر فيه أكثر والتحرز منه أصعب
ووصف المستعاذ به في الثالثة بالرب ثم بالملك ثم بالإلَه وأضافها إلى الناس وكرره وخص المستعاذ
منه بالوسواس المعنيّ به الموسوس من الجنة والناس، فكأنه قيل كما قال الزمخشري أعوذ من شر
الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم وهو إلّههم ومعبودهم كما يستغيث بعض
الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالي أمرهم (وينفث) بضم الفاء بعدها مثلثة أي
يخرج الريح من فمه في يده مع شيء من ريقه ويمسح جسده الشريف المقدس (فلما اشتد وجعه)
في مرضه الذي توفي فيه (كنت أقرأ عليه) المعوّذات (وأمسح بيده) على جسده (رجاء بركتها)
وكذا كان عليه الصلاة والسلام يقرأ بهن على نفسه.
٥٠١٧ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضالَةً عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ

٢٩٢
كتاب فضائل القرآن/ باب ١٤
عُزْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ وََّ كانَ إذا أوى إلى فِراشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِما فَقَرَأ
فِيهِما: ﴿قُلْ هُوَ الله أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] وَ﴿قُلْ أعُوذُ
بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِما مَا اسْتَطاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِما عَلى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَما
أقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. [الحديث ٥٠١٧ - أطرافه في: ٥٧٤٨، ٦٣١٩].
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) سقط لأبي ذر ابن سعيد قال: (حدّثنا المفضل) بضم الميم
وفتح الفاء والضاد المعجمة المشددة (ابن فضالة) بن عبيد بن ثمامة أبو معاوية الرعيني القتباني
بكسر القاف وسكون الفوقية وبعدها موحدة المصري قاضي مصر فاضل عابد مجاب الدعوة ثقة
أخطأ ابن سعد في تضعيفه وثبت ابن فضالة للأصيلي وأبي ذر وهو بفتح الفاء (عن عقيل) بضم
العين ابن خالد (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة) بن الزبير بن العوّام (عن عائشة) رضي الله
عنها (أن النبي ◌َ﴿ كان إذا أوى إلى فراشه) للنوم وأخذ مضجعه (كل ليلة جمع كفيه ثم نفث
فيهما فقرأ فيهما).
قال المظهري: الفاء للتعقيب وظاهره يدل على أنه وَّر نفث في كفيه أوّلاً، ثم قرأ وهذا لم
يقل به أحد وليس فيه فائدة، ولعل هذا سهو من الكاتب أو من راوٍ لأن النفث ينبغي أن يكون
بعد التلاوة ليوصل بركة القرآن واسم الله تعالى إلى بشرة القارىء أو المقروء له . اهـ.
وتعقبه الطيبي فقال من ذهب إلى تخطئة الرواة الثقات العدول ومن اتفقت الأمة على صحة
روايته وضبطه وإتقانه بما سنح له من الرأي الذي هو أوهن من بيت العنكبوت فقد خطأ نفسه
وخاض فيما لا يعنيه هلاّ قاس هذه الفاء على ما في قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ﴾
[النحل: ٩٨] وقوله: ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾ [البقرة: ٥٤] على أن التوبة عين القتل
ونظيره في كلام الله تعالى العزيز غير عزيز والمعنى جمع كفيه ثم عزم على النفث فيهما فقرأ فيهما،
أو لعل السر في تقديم النفث على القراءة مخالفة السحرة البطلة على أن أسرار الكلام النبوي جلت
عن أن تكون مشرع كل وارد وبعض من لا يد له في علم المعاني لما أراد التقصي عن الشبهة
تشبث بأنه جاء في صحيح البخاري بالواو وهي تقتضي الجمعية لا الترتيب وهو زور وبهتان حيث
لم أجد فيه وفي كتاب الحميدي وجامع الأصول إلا بالفاء اهـ وقد ثبت في رواية أبي ذر عن
الكشميهني يقرأ بلا فاء ولا واو فيهما (﴿قل هو الله أحد﴾ و﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و﴿قل أعوذ
برب الناس﴾ ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما) أي يبدأ بالمسح بيديه (على رأسه
ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات).
قال في شرح المشكاة: قوله يبدأ بيان لجملة قوله يمسح بهما ما استطاع لكن قوله: ما
استطاع من جسده وقوله يبدأ يقتضيان أن يقدر يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده،
ثم ينتهي إلى ما أدبر من جسده، ورواية عقيل عن ابن شهاب هذه وإن اتحد سندها بالسابقة، لكن

٢٩٣
كتاب فضائل القرآن/ باب ١٥
فيها أنه كان يقرأ بالمعوّذات عند النوم فهي مغايرة لحديث مالك السابق فالذي يترجح أنهما حديثان
عن ابن شهاب بسند واحد قاله في الفتح.
١٥ - باب تُزُولِ السَّكِينَةِ وَالْمَلائِكَةِ عِنْدَ قِراءَةِ الْقُرْآنِ
(باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن) وسقط لأبي ذر لفظ قراءة وله في رواية عند
القراءة .
٥٠١٨ - وقال اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِنْراهِيمَ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ
حُضَيْرٍ قالَ: بَيْنَما هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَفَرَسُهُ مَرْبُوطْ عِنْدَهُ إِذْ جَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ
فَسَكَنَتْ، فَقَرَأْ فَجَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ وَسَكَّنَتِ الْفَرَسُ، ثُمَّ قَرَأْ فَجَالَتِ الْفَرَسُ فَانْصَرَفَ، وَكَانَ
آبْتُهُ يَخيى قَرِيبًا مِنْها فَأَشْفَقَ أنْ تُصِيبَهُ، فَلَمَّا أَجْتَرَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّماءِ حَتَّى ما يَراها، فَلَمَّا
أَصْبَحَ حَدِّثَ النَّبِيِّ وَ﴿ فَقالَ لَهُ: ((آقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ، آقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ)). قالَ: فَأَشْفَقْتُ يا
رَسُولَ الله أنْ تَطَأَ يَحيى، وَكانَ مِنْها قَرِيبًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهٍ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى
السَّماءِ، فَإِذا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيها أمْثالُ الْمَصابِيحِ، فَخَرَجْتُ حَتَّى لا أراها، قالَ: ((وَتَذْرِي ما ذاكَ))؟
قالَ: لا. قالَ: ((تِلْكَ الْمَلائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْها، لا تَتَوارى
مِنْهُمْ)). قالَ ابْنُ الْهَادِ، وَحَدَّثَنِي هذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ الله بْنُ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ عَنْ
أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ.
(وقال الليث) بن سعد الإمام فيما وصله أبو عبيد في فضائل القرآن عن يحيى بن بكير عن
الليث بالإسنادين الآتيين قال: (حدّثني) بالإفراد (يزيد بن الهاد) بلا ياء هو ابن أسامة بن
عبد الله بن شدّاد بن الهاد (عن محمد بن إبراهيم) التيمي التابعي الصغير (عن أسيد بن حضير)
بضم الهمزة وحضير بالحاء المهملة والضاد المعجمة وتصغيرهما ويزيد بن الهاد لم يدرك أسيدًا
فروايته عنه منقطعة لكن الاعتماد في وصل الحديث على السند الآخر (قال بينما) بالميم (هو) أي
أسيد (يقرأ من الليل سورة البقرة) في السابقة سورة الكهف فيحتمل التعدد (وفرسه مربوط)
بالتذكير ولأبي ذر والأصيلي مربوطة (عنده) بالتأنيث والقياس الأول لأنه مذكر (إذ جالت الفرس)
بالجيم أي اضطربت شديدًا (فسكت) عن القراءة (فسكنت) أي الفرس عن الاضطراب (فقراً
فجالت الفرس) سقط لفظ الفرس لأبي ذر (فسكت وسكنت الفرس ثم قرأ فجالت الفرس
فانصرف) أسيد (وكان ابنه يحيى) في ذلك الوقت (قريبًا منها) من الفرس (فأشفق) خاف أسيد
(أن تصيبه) أي ابنه يحيى (فلما اجترّه) بالجيم وتشديد الراء أي اجتر أسيد ابنه يحيى من المكان
الذي هو فيه حتى لا يصيبه الفرس (رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها فلما أصبح) أسيد (حدّث
النبي وَر) بذلك (فقال له) عليه الصلاة والسلام:

٢٩٤
كتاب فضائل القرآن/ باب ١٦
(اقرأ يا ابن حضير اقرأ يا ابن حضير) مرتين وليس أمرًا بالقراءة حالة التحديث، بل المعنى
كان ينبغي لك أن تستمر على قراءتك وتغتنم ما حصل لك من نزول السكينة والملائكة وتستكثر
من القراءة، التي هي سبب بقائها قاله النووي. قال الطيبي: يريد أن اقرأ لفظه أمر وطلب للقراءة
في الحال ومعناه تحضيض وطلب للاستزادة في الزمان الماضي أي هلا زدت، وكأنه وَلتر استحضر
تلك الحالة العجيبة الشأن فأمره تحريضًا عليه، والدليل على أن المراد من الأمر الاستزادة وطلب
دوام القراءة والنهي عن قطعها قوله (قال: فأشفقت) أي خفت (يا رسول الله) إن دمت على
القراءة (أن تطأ) الفرس ابني (يحيى وكان منها) أي من الفرس (قريبًا فرفعت رأسي فانصرفت)
وللأصيلي وانصرفت (إليه فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة) بضم الظلة المعجمة وتشديد
اللام قال ابن بطال هي السحابة كانت فيها الملائكة ومعها السكينة فإنها تنزل أبدًا مع الملائكة
(فيها) في الظلة (أمثال المصابيح) وفي رواية إبراهيم بن سعد أمثال السرج (فخرجت) بالخاء
والجيم كذا لجميعهم قال عياض: وصوابه فعرجت بالعين (حتى لا أراها) وعند أبي عبيد عرجت
إلى السماء حتى ما يراها (قال) عليه الصلاة والسلام:
(وتدري ما ذاك؟ قال: لا. قال: تلك الملائكة دنت) أي قربت (لصوتك) وكان أسيد حسن
الصوت وفي رواية يحيى بن أيوب عن يزيد بن الهاد عند الإسماعيلي اقرأ أسيد فقد أوتيت من
مزامير آل داود ففيه إشارة إلى الباعث على استماع الملائكة لقراءته (ولو قرأت) أي ولو دمت على
قراءتك (لأصبحت) أي الملائكة (ينظر الناس إليها لا تتوارى) لا تستتر (منهم) وعند أبي عبيد من
رواية ابن أبي ليلى عن أسيد لرأيت الأعاجيب.
(قال ابن الهاد) فيما وصله أبو نعيم عن أبي بكر بن خلاد عن أحمد بن إبراهيم بن ملحان
عن يحيى بن بكير عن الليث عن ابن الهاد (وحدّثني) بالإفراد (هذا الحديث) السابق (عبد الله بن
خباب) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى مولى بني عدي بن النجار (عن أبي سعيد
الخدري عن أسيد بن حضير) بالحاء المهملة والضاد المعجمة وهذا موصول فالاعتماد عليه. قال في
الفتح: وجاء عن الليث فيه إسناد ثالث أخرجه النسائي من طريق شعيب بن الليث وداود بن
منصور كلاهما عن الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن يزيد بن الهاد بإسناده
هذا السابق فقط.
١٦ - باب مَنْ قالَ: لَمْ يَتْرُكِ النَّبِيُّ وَه إلاَّ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ
(باب من قال لم يترك النبي وَلجه إلاَّ ما) جمعه الصحابة من القرآن (بين الدفتين) بفتح الدال
والفاء المشدّدة أي اللوحتين ولم يفتهم منه شيء بذهاب حملته ولم يكتموا منه شيئًا خلافًا لما ادّعته
الروافض لتصحيح دعواهم الباطلة أن التنصيص على إمامة علي بن أبي طالب واستحقاقه للخلافة
كان ثابتًا عند موت النبي ◌َّهر في القرآن فكتموه.

٢٩٥
كتاب فضائل القرآن/ باب ١٧
٥٠١٩ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْع قالَ: دَخَلْتُ أَنَا
وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما، فَقَالَ لَهُ شَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ: أَتَرَكَ النَّبِيِّ وَّهِ مِنْ
شَيْءٍ؟ قالَ: ما تَرَكَ إلاَّ ما بَيْنَ الدَّفَتَيْنِ. قَالَ: وَدَخَلْنَا عَلى مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَسَألْناهُ، فَقالَ: ما
تَرَكَ إلاَّ مَا بَيْنَ الدَّفْتَيْنِ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن
عبد العزيز بن رفيع) بضم الراء وفتح الفاء الأسدي المكي أنه (قال: دخلت أنا وشداد بن معقل)
بفتح الشين المعجمة وتشديد الدال الأولى المهملة ومعقل بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر
القاف الأسدي الكوفي التابعي الكبير (علي بن عباس رضي الله عنه) وعن أبيه (فقال له شداد بن
معقل) مستفهمًا منه (أترك النبي وَي) بعد موته (من شيء) زاد الإسماعيلي سوى القرآن (قال) ابن
عباس مجيبًا له (ما ترك إلا ما بين الدفتين) وللإسماعيلي اللوحين بدل الدفتين أي لم يدع من القرآن
مما يتلى (قال) ابن رفيع (ودخلنا على محمد ابن الحنفية فسألناه) عن ذلك أيضًا (فقال ما ترك) عليه
الصلاة والسلام (إلا ما بين الدفتين) ولا يرد على هذا حديث على السابق في العلم ما عندنا إلا
كتاب الله وما في هذه الصحيفة لأنه أراد الأحكام التي كتبها عنه وَ له ولم ينفِ أن عنده أشياء أُخْر
من الأحكام لم يكن كتمها. ونفي ابن عباس وابن الحنفية وارد على ما يتعلق بالنص في القرآن من
إمامة علي. واستدل المؤلف رحمه الله على بطلان مذهب الرافضة بمحمد ابن الحنفية أحد أئمتهم في
دعواهم وهو ابن علي وبابن عباس ابن عمه وأشدّ الناس له لزومًا فلو كان شيء مما ادعوه لكانا
أحق الناس بالاطّلاع عليه ولما وسعهما كتمانه فللَّهِ درَّ المؤلف ما أدق نظره وألطف إشارته رحمه
الله وإيانا .
١٧ - باب فَضْلِ الْقُرْآنِ عَلى سَائِرِ الْكَلامِ
(باب فضل القرآن على سائر الكلام) هذه الترجمة كما نبّه عليه في الفتح لفظ حديث أخرج
الترمذي معناه بسند رجاله ثقات إلا عطية الكوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول
الله ◌َّل: ((يقول الرب عز وجل من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي
السائلين وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه)) أي من شغله القرآن عن الذكر
والمسألة اللذين ليسا في القرآن كالدعوات والدليل عليه التذييل بقوله وفضل كلام الله الخ وقال
المظهري ينبغي أن لا يظن القارىء أنه إذا لم يطلب من الله حوائجه لا يعطيه أكمل الإعطاء فإنه
من كان لله كان الله له.
وعن العارف أبي عبد الله بن خبيق قدّس الله سره شغل القرآن القيام بموجباته من إقامة
فرائضه والاجتناب عن محارمه فإن الرجل إذا أطاع الله فقد ذكره وإن قلّ صلاته وصومه وإن
عصاه نسيه وإن كثر صلاته وصومه وعند ابن الضريس من طريق الجراح بن الضحاك عن

٢٩٦
كتاب فضائل القرآن/ باب ١٧
علقمة بن مرثد عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان رفعه ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)) ثم
قال: ((وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه)) وذلك أنه منه وقد بيّن العسكري أن
هذه الزيادة من قول أبي عبد الرحمن السلمي.
٥٠٢٠ - حدثنا هُذْبَةُ بْنُ خالِدٍ أبو خَالِد، حَدِّثْنَا هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ حَدِّثَنَا أَنَسُ بْنُ مالِكٍ
عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ عَنِ النَّبِيَِِّهَ قَالَ: ((مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرآنَ كَالأُتْرُجَّةُ، طَعْمُها طَيِّبٌ
وَرِيحُها طَيِّبٌ، وَالَّذِي لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُها طَيِّبٌ لا رِيحَ لَها. وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ
الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحانَةِ رِيحُها طيِّبٌ، وَطَعْمُها مُرِّ، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلٍ
الْحَنْظَلَةِ طَعْمُها مُرٍّ، وَلَا رِيحَ لَها)). [الحديث ٥٠٢٠ - أطرافه في: ٥٠٥٩، ٥٤٢٧، ٧٥٦٠].
وبه قال: (حدّثنا هدية بن خالد) بضم الهاء وسكون الدال المهملة (أبو خالد) وسقطت
الكنية لأبي ذر قال: (حدّثنا همام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى ابن يحيى بن دينار الشيباني
البصري قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة السدوسي قال: (حدّثنا أنس بن مالك) ثبت ابن مالك في
رواية الأصيلي (عن أبي موسى الأشعري) سقط قوله الأشعري لغير الأصيلي (من النبي (وَلاغير) أنه
(قال):
(مثل الذي يقرأ القرآن) ويعمل به (كالأترجة) بضم الهمزة وسكون الفوقية وضم الراء وفتح
الجيم المشددة وتخفف ويزاد قبلها نون ساكنة وتحذف الهمزة مع الوجهين فهي أربعة ومع التخفيف
ثمان (طعمها طيب وريحها طيب) ومنظرها حسن وملمسها لين فاقع لونها تسرّ الناظرين تتوق إليها
النفس قبل التناول يفيد أكلها بعد الالتذاذ بذوقها طيب نكهة ودباغ معدة وقوّة هضم ويستخرج
من حبها دهن له منافع وحامضها يسكن غلمة النساء ويجلو اللون والكلف وقشرها في الثياب
يمنع السوس ويتداوى به وهو مفرح بالخاصية وقيل إن الجن لا تقرب البيت الذي فيه الأترج
فناسب أن يمثل به قارىء القرآن الذي لا يقربه شيطان وغلاف قلبه أبيض فيناسب قلب المؤمن
(والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة) بالفوقية وسكون الميم (طعمها طيب ولا ريح لها ومثل الفاجر) أي
المنافق (الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر) ونبّه في اليونينية أن قوله ومثل
الفاجر الخ ثابت في أصل أبي الوقت وأن سقوطه غلط (ومثل الفاجر) أي المنافق ((الذي لا يقرأ
القرآن کمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها».
قال شارح مشكاة المصابيح: إن هذا التشبيه والتمثيل في الحقيقة وصف لموصوف اشتمل
على معنى معقول صرف لا يبرزه عن مكنونه إلا تصويره بالمحسوس المشاهد، ثم إن كلام الله
المجيد له تأثير في باطن العبد وظاهره وإن العباد متفاوتون في ذلك، فمنهم مَن له النصيب الأوفر
من ذلك التأثير وهو المؤمن القارىء ومنهم مَن لا نصيب له البتّة وهو المنافق الحقيقي، ومنهم مَن
تأثر ظاهره دون باطنه وهو المرائي أو بالعكس وهو المؤمن الذي لا يقرؤه وإبراز هذه المعاني

٢٩٧
كتاب فضائل القرآن/ باب ١٧
وتصويرها في المحسوسات ما هو مذكور في الحديث ولم يجد ما يوافقها ويلائمها أقرب ولا أحسن
ولا أجمع من ذلك لأن المشبهات والمشبه بها واردة على التقسيم الحاصر، لأن الناس إما مؤمن أو
غير مؤمن. والثاني إما منافق صرف أو ملحق به، والأول إما مواظب على القراءة أو غير مواظب
عليها، فعلى هذا قس الأثمار المشبه بها ووجه التشبيه في المذكورات مركب منتزع من أمرين
محسوسين طعم وريح ثم إن إثبات القراءة في قوله 98 يقرأ القرآن على صيغة المضارع ونفيها في
قوله لا يقرأ ليس المراد منهما حصولها مرة ونفيها بالكلية بل المراد منهما الاستمرار والدوام عليها
وإن القراءة دأبه وعادته أو ليس ذلك من هجيراه كقولك فلان يقري الضيف ويحمي الحرم اهـ.
وفي هذا الحديث فضيلة حامل القرآن، ومطابقته للترجمة من حيث ثبوت فضل قارىء
القرآن على غيره فيستلزم فضل القرآن على سائر الكلام كما فضل الأترج على سائر الفواكه، وفيه
رواية تابعي عن صحابي وصحابي عن صحابي، وهي رواية قتادة عن أنس عن أبي موسى.
وأخرجه أيضًا في التوحيد، ومسلم في الصلاة، وأبو داود في الأدب، والترمذي في الأمثال،
والنسائي في الوليمة .
٥٠٢١ - حدّثنا مُسَدّدٌ عَنْ يَحْيى عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بْنُ دِينارٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ
عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ قَالَ: ((إنَّما أجَلُكُمْ فِي أَجَلٍ مَنْ خَلا مِنَ الأَمَمِ، كَما بَيْنَ
صَلاةِ الْعَصْرِ وَمَغْرِبِ الشّمْسِ، وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصارى، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالاً،
فَقالَ: مَنْ يَعْمَلُ لي إلى نِصْفِ النَّهارِ عَلى قِيراطِ قِيراطِ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ، فَقالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ
نِصْفِ النّهارِ إلى الْعَصْرِ؟ فَعَمِلَتِ النَّصارى، ثُمَّ أنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنَ الْعَصْرِ إلى الْمَغْرِبِ بِقِيراطَيْنِ
قِيراطَيْنٍ، قالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمْلاً وَأَقَلْ عَطاءَ، قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقْكُمْ؟ قالُوا: لا. قالَ:
فَذَاكَ فَضْلِي أُوتِهِ مَنْ شِئْتُ)).
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (عن يحيى) بن سعيد الأنصاري (عن سفيان)
الثوري أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما عن
النبي (وَ) أنه (قال):
(إنما أجلكم في أجل من) وللأصيلي ما (خلا) مضى (من الأمم كما بين) أجزاء وقت
(صلاة العصر ومغرب الشمس ومثلكم) مع نبيكم (ومثل اليهود والنصارى) مع أنبيائهم (كمثل
رجل استعمل عمالاً فقال من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط) مرتين لأبي ذر عن
الكشميهني ولغيره مرة واحدة (فعملت اليهود) إلى نصف النهار (فقال من يعمل لي من نصف
النهار إلى العصر) وزاد الأصيلي على قيراط (فعملت النصارى) إلى العصر (ثم أنتم) أيها المسلمون
(تعملون من العصر إلى المغرب بقيراطين قيراطين) بالتكرار مرتين واستكملوا أجر الفريقين (قالوا)
أي اليهود والنصارى (نحن أكثر عملاً) لأن الوقت من الصبح إلى العصر أكثر من وقت العصر إلى

٢٩٨
كتاب فضائل القرآن/ باب ١٨ و١٩
الغروب (وأقل عطاء قال: هل ظلمتكم) أي نقصتكم (من حقكم)؟ أي الذي شرطته لكم (قالوا:
لا) لم تنقصنا من أجْرنا شيئًا (قال: فذاك) ولأبي ذر فذلك باللام (فضلي أُوتيه مَن شئت).
ومطابقة هذا الحديث من جهة ثبوت فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم وثبوت الفضل
لها بما ثبت من فضل كتابها الذي أمرت بالعمل به. وهذا الحديث سبق في باب مَن أدرك ركعة
من العصر من كتاب الصلاة.
١٨ - باب الْوَصاةِ بِكِتابِ الله عَزَّ وَجَلَّ
(باب الوصاة) بألف بعد الصاد ولأبي ذر عن الكشميهني الوصية بالتحتية المشددة بدل الألف
(بکتاب الله عز وجل).
٥٠٢٢ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنا مالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، حَدَّثَنا طَلْحَةُ قالَ: سَألْتُ
عَبْدَ الله بْنَ أبِي أَوْفِى أَوْصَى النَّبِيِّ وََّ؟ فَقَالَ: لا، فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةُ، أُمِرُوا
بِها وَلَمْ يُوصِ؟ قالَ: أوصى بِكِتابِ الله.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) بن واقد الفريابي قال: (حدّثنا مالك بن مغول) بكسر
الميم وسكون الغين المعجمة وبعد الواو المفتوحة لام البجلي قال: (حدّثنا طلحة) بن مصرف بكسر
الراء بوزن الفاعل اليامي بالتحتية والميم (قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى) بفتح الهمزة والفاء
بينهما واو ساكنة علقمة (آوصى) بمد الهمزة وسكون الواو (النبي ◌َ*) بالأمارة لأحد أو بالمال
(فقال: لا) لم يوصٍ قال طلحة (فقلت: كيف كتب) بضم الكاف (على الناس الوصية) في قوله
تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية﴾ [البقرة: ١٨٠] (أُمروا بها ولم
بوصٍ) وَّر (قال) ابن أبي أوفى (أوصى) عليه الصلاة والسلام (بكتاب الله) أي التمسك به والعمل
بمقتضاه وحفظه حسًّا ومعنى فيكرم ويصان ولا يسافر به إلى أرض العدوّ ويُدام على تلاوته وتعلمه
وتعليمه.
وهذا الحديث قد مرّ في الوصايا.
١٩ - باب مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَقَوْلِهِ تَعالى:
﴿أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُثْلى عَلَيْهِمْ﴾
(باب من لم يتغن) أي يستغن (بالقرآن وقوله تعالى: ﴿أو لم يكفهم أنّا أنزلنا عليك الكتاب﴾)
[العنكبوت: ٥١] آية القرآن العظيم الذي فيه خبر ما قبلهم ونبأ ما بعدهم وحكم ما بينهم (﴿يتلى
عليهم)) [العنكبوت: ٥١] في كل مكان وزمان فلا يزال معهم آية ثابتة لا يزول. وقال أحمد عن وكيع
أي يستغنى به عن أخبار الأمم الماضية فليس المراد بالاستغناء في الآية الاستغناء الذي هو ضد الفقر،

٢٩٩
كتاب فضائل القرآن/ باب ١٩
·وقد أخرج الطبري وغيره كما قال في الفتح من طريق عمرو بن دينار عن يحيى بن جعفر قال:
جاء ناس من المسلمين بكتب قد كتبوا فيها بعض ما سمعوه من اليهود فقال النبي ◌َّر: كفى بقوم
ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم فنزلت ﴿أو لم يكفهم أنّا
أنزلنا عليك الكتاب﴾ [العنكبوت: ٥١] الآية وفي ذكر المؤلف هذه الآية عقب الترجمة إشارة إلى أن
معنى التغني الاستغناء وسقط ﴿يتلى عليهم﴾ لغير أبي ذر عن الكشميهني.
٥٠٢٣ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرِ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي
أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهَ: ((لَمْ يَأْذَنِ الله لِشَيْءٍ
ما أذِنَ لِلنَّبِيِّ وَِّ يَتَغَنِى بِالْقُرْآنِ)). وَقَالَ صاحِبٌ لَهُ يُرِيدُ يَجْهَرُ بِهِ. [الحديث ٥٠٢٣- أطرافه في
٥٠٢٤، ٧٤٨٢، ٧٥٤٤].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة (قال: حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد
الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال:
أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أنه كان
يقول قال رسول الله (*):
(لم يأذن الله) بفتح المعجمة لم يستمع (لشيء) بالشين المعجمة (ما أذن) بكسر المعجمة ما
استمع أي كاستماعه (للنبي و * يتغنى بالقرآن) يحسن صوته به أو يستغني به ولأبي ذر للنبي أن
يتغنى بالقرآن ولأبي الوقت للنبي يتغنى (قال صاحب له) أي لأبي سلمة (يريد) بقوله يتغنى به
(يجهر به) والصاحب المذكور هو عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب كما بيّنه الزبيدي
عن ابن شهاب في هذا الحديث فيما أخرجه ابن أبي داود عن محمد بن يحيى الذهلي في
الزهريات.
وحديث الباب أخرجه المؤلف أيضًا في التوحيد.
٥٠٢٤ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنا سُفْيانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ وَّ قَالَ: ((ما أذِنَ الله لِشَيءٍ ما أذِنَ لِلنَّبِيََِِّّ أنْ يَتَغَنَّى
بِالْقُرْآنِ)). قالَ سُفْيَانُ: تَفْسِيرُهُ يَسْتَغْنِي بِهِ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري)
محمد بن مسلم (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) سقط لفظ ابن عبد الرحمن لغير أبي ذر (عن أبي
هريرة) رضي الله عنه (عن النبي ◌َّه) أنه (قال: ما أذِنَ الله لشيء) بالمعجمة وبعد التحتية الساكنة
همزة ولأبي ذر عن الكشميهني لنبي (ما أذن للنبي ◌َ#) بزيادة لام ولأبي ذر عن الكشميهني لنبي
بإسقاطها وقول الحافظ ابن حجر إن كانت رواية زيادة اللام محفوظة فهي للجنس ووهم مَن ظنها
للعهد وتوهم أن المراد نبينا # وشرحه على ذلك تعقبه العيني فقال هذا الذي ذكره عين الوهم

٣٠٠
كتاب فضائل القرآن/ باب ١٩
والأصل في الألف واللام أن تكون للعهد خصوصًا في الفرد وعى ما ذكره يفسد المعنى لأنه يكون على
هذه الصورة لم يأذن الله لنبي من الأنبياء ما أذن لجنس النبي وهذا فاسد . اهـ.
وأجاب في انتقاض الاعتراض بأنه إنما شرحه على رواية الأكثر وهي ما أذن لشيء بشين
معجمة وياء مهموزة ولا فساد فيه . اهـ.
وثبتت التصلية لأبي الوقت وقوله أذن بفتح الهمزة وكسر الذال المعجمة في الماضي وكذا في
المضارع مشترك بين الإطلاق والاستماع تقول أذنت آذن بالمد فإن أردت الإطلاق فالمصدر بكسر
ثم سكون وإن أردت الاستماع فالمصدر بفتحتين أي ما استمع كاستماعه لصوت نبي (أن يتغنى
بالقرآن) وسقط لفظ أن عند أبي نعيم من وجه آخر وصوّبه ابن الجوزي، وقال إن إثباتها وهم من
بعض الرواة لروايتهم بالمعنى، فظن المثبت المساواة فوقع في الخطأ لأن الحديث لو كان بإثبات أن
لكان من الإِذن بكسر الهمزة وسكون الذال بمعنى الإباحة والإطلاق، وليس مرادًا هنا وإنما هو
من الأُذن بفتحتين وهو الاستماع والمراد به هنا إجزال مثوبة القارىء وإكرامه لا حقيقته التي هي
أن يميل المستمع بأذنه إلى جهة مَن يسمعه إذ هو محال في حقه تعالى فالمراد ثمرة ذلك على ما لا
يخفى (قال سفيان) بن عيينة بالسند السابق (تفسيره) أي قوله يتغنى (يستغني به) عن غيره من
الكتب السالفة أو من الإكثار من الدنيا وارتضى ذلك أبو عبيد في تفسيره وقال إنه جائز في كلام
العرب واحتج بقول ابن مسعود من قرأ آل عمران فهو غني وقيل المراد به الغنى المعنوي وهو غنى
النفس وهو القناعة لا المحسوس الذي هو ضد الفقر فإن ذلك لا يحصل بمجرد ملازمة القرآن
وقال النووي معناه عند الشافعي وأصحابه وأكثر العلماء تحسين الصوت به اهـ.
ويؤيده قوله في الرواية السابقة. وقال صاحب له يجهر به قال الطيبي: لأنها جملة مبنية لقوله
يتغنى بالقرآن فلم يكن المبين على خلاف البيان كذلك يتغنى بالقرآن في الرواية الأولى بيان لقوله ما
أذن لنبي أي صوته فكيف يحمل على غير حسن الصوت على أن الاستماع ينبو عن الاستغناء
وينصره الحديث المروي بلفظ ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به قال الشافعي: ولو كان
معنى يتغنى بالقرآن على الاستغناء لقال يستغني وتحسين الصوت هو يتغنى وتعقبه بعضهم فقال:
إن في صدق الملازمة نظرًا إذا ثبت أن تغنى بمعنى استغنى وصرّح بعضهم بصحته كما مرّ،
واستشهد بقوله و * في الخيل ورجل ربطها تغنيًّا وتعفّفًا ولا خلاف في هذا أنه مصدر تغنى
بمعنى استغنى وتعفف ونقل ابن الجوزي عن الشافعي أن المراد به التحزن قال في الفتح: ولم أره
صريحًا إنما قال في مختصر المزني وأحب أن يقرأ حدرًا وتحزينًا . اهـ.
والحدر الإدراج من غير تمطيط والتحزين رقة الصوت وتصييره كصوت الحزين، وقال ابن
الأنباري في الزاهر المراد بالتغني التلذّذ به كما يستلذ أهل الطرب بالغناء فأطلق عليه تغنيًا من
حيث إنه يفعل عنده كما يفعل عند الغناء، وقيل المراد الترنم به لحديث ابن أبي داود والطحاوي
عن أبي هريرة حسن الترنم بالقرآن. قال الطبري: والترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه القارىء