النص المفهرس

صفحات 241-260

٤٤١
کتاب النكاح/ باب ٦٤
٥١٦٣ - وقال إبراهيمُ: عَنْ أبي عُثْمانَ وَأَسْمُهُ الْجَعْدُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ قالَ: مَرَّ بِنا في
مَسْجِدٍ بَني رِفَاعَةَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيِّ نَّهَ إذا مَرَّ بِجَنَبَاتٍ أُمَّ سُلَيْمِ دَخَلَ عَلَيْها فَسَلَّمَ
عَلَيْها. ثُمَّ قالَ: كَانَ النَّبِيِّ نَّهَ عَرُوسَا بَزَيْنَبَ، فَقالَتْ لِي أُمُّ سُلَيْمٍ: لَوْ أَهْدَيْنا بِرَسُولِ اللهِوَل
هَدِيَّةً، فَقُلْتُ لَهَا: افْعَلي. فَعَمَدَتْ إلى تَمْرِ وَسَمْنٍ وَأَقِطِ فَاتَّخَذَتْ حَيْسَةٌ فِي بُرْمَةٍ فَأَرْسَلَّتْ بِها
مَعِي إِلَيْهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهَا إِلَيْهِ فَقالَ لي: ((ضَعْها)). ثُمَّ أمَرَنِي فَقالَ: ((آدْعُ لي رِجالاً)) سَمَّاهُمْ، وَأَذْعُ
لي مَنْ لَقيتَ. قالَ: فَفَعَلْتُ الَّذِي أمَرَنِي فَرَجَعْتُ فَإِذَا الْبَيْتُ غاصٌ بِأهْلِهِ، فَرَأيْتُ النَّبِيِّ نَّهَ وَضَعَ
يَدَيْهِ عَلى تِلْكَ الْخَيْسَةِ وَتَكَلَّمَ بِها ما شاءَ اللهِ، ثُمّ جَعَلَ يَدْعُو عَشَرَةً عَشَرَةً يَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَقُولُ
لَهُمُ: ((آذْكُرُوا اسْمَ الله، وَلْيَأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَلِيهِ)) قالَ: حَتَّى تَصَدَّعُوا كُلُّهُمْ عَنْها. فَخَرَجَ مِنْهُم
مَنْ خَرَجَ، وَبَقِيَ نَفَرْ يَتَحَدَّثُونَ، قَالَ: وَجَعَلْتُ أَغْتَمُّ ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ وَرَ نَحْوَ الْحُجُراتِ،
وَخَرَجْتُ فِي إِثْرِهِ فَقُلْتُ: إِنَّهُمْ قَدْ ذَهَبُوا فَرَجَعَ فَدَخَلَ الْبَيْتَ وَأَرْخَى السِّتْرَ، وَإِنّي لَفي الْحُجْرَةِ
وَهْوَ يَقُولُ: ((﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلاَّ أنْ يُؤْذَّنَ لَكُمْ إِلى طَعامِ غَيْرَ ناظِرِينَ
إناهُ وَلِكِنْ إذا دُعيتُمْ فَادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَديثٍ إِنَّ ذِلِكُمْ كانَ يُؤْذِي
النَّبِيَّ فَيَسْتَخِي مِنْكُمْ وَالله لا يَسْتَخْبِي مِنَ الْحَقْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] قالَ أبُو عُثْمانَ: قَالَ أَنَسٌ إنَّهُ
خَدَمَ رَسُولَ اللهِ وَّهُ سِنِينَ.
(وقال إبراهيم) بن طهمان الهروي: (عن أبي عثمان واسمه الجعد) بفتح الجيم وسكون العين
المهملة ابن دينار اليشكري البصري (عن أنس بن مالك قال) أبو عثمان الجعد: (مرّ بنا) أنس
بالبصرة (في مسجد بني رفاعة) بكسر الراء وتخفيف الفاء وبالعين المهملة ابن الحارث (فسمعته
يقول: كان النبي ◌َّ﴿ إذا مرّ بجنبات) أمي (أم سليم) بفتح الجيم والنون والموحدة أي ناحيتها
(دخل عليها فسلم عليها ثم قال) أنس: (كان النبي ◌َّ ﴿ عروسًا بزينب) بنت جحش الأسدية
(فقالت لي) أمي: (أم سليم لو أهدينا لرسول الله) ولأبي ذر عن الكشميهني إلى رسول الله (اليه
هدية فقلت لها: افعلي) ذلك (فعمدت) بفتح الميم (إلى تمر وسمن وأقط فاتخذت حيسة) بفتح الحاء
المهملة وبعد التحتية سين مهملة (في برمة) في قدر من حجر (فأرسلت بها) بالحيسة (معي
إليه) وَ ل﴿ (فانطلقت بها إليه فقال لي):
(ضعها، ثم أمرني فقال: ادع لي رجالاً) سماهم (وادع لي من لقيت. قال) أنس: (ففعلت
الذي أمرني) به (فرجعت فإذا البيت غاص) بالغين المعجمة والصاد المهملة المشددة بينهما ألف أي
ممتلىء (بأهله فرأيت النبي (وَلهو وضع يديه) بالتثنية (على تلك الحيسة) التي أرسلتها أم سليم (وتكلم
بها) بالموحدة قبل الهاء مصححًا عليها بالفرع كأصله (ما شاء الله) أن يتكلم، وسقط لفظ بها لأبي
ذر (ثم جعل يدعو عشرة عشرة) من القوم الذين اجتمعوا (يأكلون منه) من الطعام المسمى بالحيسة
(ويقول لهم) عليه الصلاة والسلام: (اذكروا اسم الله وليأكل كل رجل مما يليه. قال: حتى

٤٤٢
کتاب النكاح/ باب ٦٥
تصدعوا) بتشديد الدال المهملة تفرقوا (كلهم عنها) عن الحيسة (فخرج منهم من خرج وبقي نفر)
ثلاثة رجال (يتحدثون) في الحجرة (قال) أنس (وجعلت أغتمّ) بالغين المعجمة وتشديد الميم أي
أحزن من عدم خروجهم (ثم خرج النبي وَلفيه نحو الحجرات) سكن أمهات المؤمنين (وخرجت في
أثره فقلت) له (إنهم قد ذهبوا فرجع) وَّر (فدخل البيت وأرخى الستر وإني لفي الحجرة وهو) عليه
الصلاة والسلام (يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾) أي إلا
مصحوبين بالإذن فهو في موضع الحال (﴿إلى طعام غير ناظرين إناء﴾) مصدر أنى الطعام إذا أدرك
أي لا ترقبوا الطعام إذا طبخ حتى إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول (﴿ولكن إذا دعيتم فادخلوا
فإذا طعمتم فانتشروا﴾) تفرقوا واخرجوا من منزله (﴿ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم﴾) الانتظار
والاستئناس (﴿كان يؤذي النبي﴾) لتضييق المنزل عليه وعلى أهله (﴿فيستحيي منكم﴾) أن
يخرجكم (والله لا يستحيي من الحق﴾) [الأحزاب: ٥٣] وسقط لأبي ذر قوله: ﴿ولكن إذا
دعيتم﴾ إلى آخره وقال بعد قوله: ﴿إناه) إلى قوله: ﴿والله لا يستحيي من الحق﴾ (قال أبو
عثمان) الجعد (قال أنس: إنه) أي أنسًا (خدم رسول الله ◌َّفي عشر سنين).
قال في الفتح: وقد استشكل القاضي ما وقع هنا أن الوليمة بزينب كانت من الحيس الذي
أهدته أم سليم وإن المشهور من الروايات أنه أولم عليها بالخبز واللحم ولم يقع في القصة تكثير
ذلك الطعام وإنما فيه أنه أشبع المسلمين خبزًا ولحمًا قال: وهذا وهم من رواية وتركيب القصة
على أخرى. وأجاب: بأن حضور الحيسة صادف حضور الخبز واللحم فأكلوا كلهم من ذلك.
وقال القرطبي: لعل الذين دعوا إلى الخبز واللحم أكلوا حتى شبعوا وذهبوا ولم يرجعوا وبقي النفر
الذين كانوا يتحدثون عنده حتى جاء أنس بالحيسة فأمر أن يدعو أناسًا آخرين ومَن لقي فدخلوا
فأكلوا أيضًا حتى شبعوا واستمر أولئك النفر يتحدثون.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في النكاح والترمذي في التفسير.
٦٥ - باب اسْتِعارَةِ الثيابِ لِلْعَرُوسِ وَغَيْرِها
(باب استعارة الثياب للعروس وغيرها) وغير الثياب مما تتجمل به العروس كالحلي أو غير
العروس.
٥١٦٤ - حدثني عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ
الله عَنْها أنَّها اسْتَعارَتْ مِنْ أسْماءَ قِلادَةً فَهَلَكَتْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ وَّ ناسًا مِنْ أَصْحابِهِ فِي
طَلَبِها، فَأَذْرَكَتْهُمُ الصَّلاةُ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ◌َِ شَكَوْا ذلِكَ إِلَيْهِ، فَتَزَلَتْ آيَةُ
الثَّيَّمْمِ، فقالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: جَزاكِ الله خَيْرًا، فَوالله ما نَزَلَ بِكِ أمْرٌ قَطْ إلاَّ جَعَلَ لَكِ مِنْهُ
مَخْرَجًا، وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (عبيد بن إسماعيل) قال: (حدّثنا أبو أسامة)

٢٤٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة المسد
الحموي والمستملي أنه من قد علمتم (فدعا) بحذف ضمير المفعول أي دعا عمر ابن عباس ولأبي
ذر عن الكشميهني فدعاه (ذات يوم فأدخله معهم) أي مع الأشياخ وفي غزوة الفتح فدعاهم ذات
يوم ودعاني معهم (فما رئيت) بضم الراء وكسر الهمزة أي ما ظننت ولغير أبي ذر فما ربت بكسر
الراء وسكون الموحدة (أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم) مني مثل ما رأى هو مني من العلم. وعند ابن
سعد فقال: أما إني سأريكم اليوم ما تعرفون به فضيلته ثم (قال) لهم: (ما تقولون في قوله تعالى)
ولأبي ذر: عز وجل بدل قوله تعالى: (﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ فقال بعضهم: أمرنا نحمد)
ولأبي ذر: أن نحمد (الله ونستغفره إذا نصرنا) بضم النون على عدونا (وفتح علينا) وفي الباب
السابق قالوا: فتح المدائن والقصور (وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا فقال) عمر (لي: أكذاك تقول يا
ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله وَلخير أعلمه له) ولأبي ذر علمه
بتشديد اللام وإسقاط الهمزة (قال: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ وذلك علامة أجلك). وعند ابن
سعد فهو آيتك في الموت ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا﴾ [النصر: ٣] لأن الأمر
بالاستغفار يدل على دنو الأجل وكان ◌َلجر بعد نزولها يكثر من قول سبحان الله وبحمده أستغفر
الله وأتوب إليه. (فقال عمر) لابن عباس رضي الله عنهما: (ما أعلم منها إلا ما تقول) زاد أحمد
فقال عمر: فكيف تلومونني على حب ما ترون؟
[١١١] سُورَةٌ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ). ﴿تَبَابٌ﴾: خُسْرانٌ. ﴿تَتْبِيبٌ﴾: تَدْميرٌ.
([١١١] سورة ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾)
مكية وآيها خمس وسقط قوله وتب لأبي ذر وثبت له سورة وأسند الفعل لليدين في قوله: (﴿تبت
يدا أبي لهب وتب﴾) [المسد: ١] مجازًا لأن أكثر الأفعال تزاول بهما وإن كان المراد جملة المدعوّ عليه
وقوله تبت دعاء وتب إخبار أي وقد وقع ما دعي عليه به أو كلاهما دعاء، ويكون في هذا شبه
من مجيء العام بعد الخاص لأن اليدين بعض وإن كان حقيقة اليدين غير مرادة قاله في الدر.
وقال الإمام: يجوز أن يراد بالأول هلاك عمله، وبالثاني هلاك نفسه ووجهه أن المرء إنما
يسعى لمصلحة نفسه وعمله فأخبر الله تعالى أنه محروم من الأمرين ويوضحه أن قوله: ﴿ما أغنى
عنه ماله وما كسب﴾ [المسد: ٢] إشارة إلى هلاك عمله، وقوله: ﴿سيصلى نارا ذات لهب﴾
[المسد: ٣] إشارة إلى هلاك نفسه.
(بسم الله الرحمن الرحيم) كذا لأبي ذر وسقطت لغيره.
(﴿تباب﴾) في قوله عز وجل: ﴿وما كيد فرعون إلا في تباب﴾ [فاطر: ٣٧] (خسران).
(﴿تتبيب﴾) في قوله تعالى: ﴿وما زادوهم غير تتبيب﴾ [هود: ١٠١] (تدمير).

٢٤٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة المسد
١ - باب
٤٩٧١ - حدثنا يُوسُفُ بْنُ مُوسى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسامَةَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ
عَنْ سَعيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما قالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾
وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ. خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ بَرِ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا فَهَتَفَ، ((يا صَباحاهُ)) فَقالوا:
مَنْ هذا؟ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: ((أرَأيْتُمْ إِنْ أخْبَرْتُكُمْ، أنَّ خَيْلاَ تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ
مُصَدْقِي))؟ قالُوا: ما جَرَّبْنا عَلَيْكَ كَذِبًا. قالَ: ((فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَديدٍ)). قَالَ أَبُو
لَهَبٍ: تَبَّا لَكَ، ما جَمَعْتَنا إلاَّ لِهذا؟ ثُمَّ قَامَ. فَزَلَتْ ﴿قَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ وَقَدْ تَبَّ. هكذا
قَرَّأْهَا الأَعْمَشُ يَوْمَئِذٍ.
وبه قال: (حدّثنا يوسف بن موسى) بن راشد القطان الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة)
حماد بن أسامة قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا عمرو بن مرة) بفتح العين
ومرة بضم الميم وتشديد الراء ابن عبد الله الجملي الكوفي (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس
رضي الله عنهما) أنه (قال: لما نزلت ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾) [الشعراء: ٢١٤] (ورهطك
منهم المخلصين) تفسير لقوله عشيرتك أو قراءة شاذة قرأها ابن عباس ثم نسخت تلاوتها (خرج
رسول الله وَل﴿ حتى صعد الصفا) بكسر عين صعد (فهتف) أي صاح:
(يا صباحاه) بسكون الهاء في اليونينية كلمة يقولها المستغيث وأصلها إذا صاحوا للغارة لأنهم
أكثر ما كانوا يغيرون في الصباح وكأن القائل يا صباحاه يقول قد غشينا الصباح فتأهبوا للعدوّ
(فقالوا): يعني قريشًا (من هذا)؟ أي فقيل: هذا محمد (فاجتمعوا إليه فقال) لهم: (أرأيتم إن
أخبرتكم أن خيلاً) أي عسكرًا (تخرج من سفح هذا الجبل) أسفله حيث يسفح فيه الماء (أكنتم
مصدقي) أصله مصدقين لي سقطت النون لإضافته إلى ياء المتكلم وأدغمت ياء الجمع في ياء المتكلم
(قالوا: ما جربنا عليك كذبًا قال: فإني نذير) منذر (لكم بين يدي عذاب شديد. قال أبو لهب)
لعنه الله: (تبًّا لك) نصب على المصدر بإضمار فعل أي ألزمك الله هلاكًا وخسرانًا (ما جمعتنا إلا
لهذا) ولأبي ذر عن المستملي ألهذا جمعتنا؟ (ثم قام) صلوات الله وسلامه عليه (فنزلت: (﴿تبت يدا
أبي لهب وتب﴾) [المسد: ١] سقط وتب لأبي ذر (وقد تب هكذا قرأها الأعمش يومئذ) وهي تؤيد
أنها إخبار بوقوع ما دعي به عليه ولم يدرك ابن عباس هذه القصة.
٢ - باب قَوْلُهُ: ﴿وَتَبَّ ما أغْنِى عَنْهُ مالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾
(باب قوله): ﴿وتب﴾ ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله عز وجل: (﴿وتب ما أغنى عنه
ماله وما كسب﴾) [المسد: ٣] ما الأولى نافية أو استفهام إنكار وعلى الثاني تكون منصوبة المحل بما
بعدها أي أي شيء أغنى المال وقدمت لأن لها صدر الكلام والثانية بمعنى الذي فالعائد محذوف
أو مصدرية أي وكسبه.

٢٤٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة المسد
٤٩٧٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلام، أخْبَرَنا أَبُو مُعاوِيَةَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةً عَنْ
سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّ النَّبِيِّ وَّهِ خَرَجَ إِلَى الْبَطْحَاءِ، فَصَعِدَ إلَى الْجَبَلِ فَنادى: ((يا
صَباحا). فَاجْتَمَعَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ فَقالَ: ((أُرَأيْتُمْ إِنْ حَدَّثْتُكُمْ أنَّ الْعَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أَوْ مُمَسِّيكُمْ أُكُنْتُمْ
تُصَدِّقُوني))؟ قالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ((فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَديدٍ)). فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: ألِهذا
جَمَعْتَنَا تَبَّا لَكَ، فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ إلى آخِرِها. قَوْلُهُ ﴿سَيَضْلَى نارًا ذَاتَ
لَھب﴾ .
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سلام) السلمي مولاهم البيكندي قال: (أخبرنا أبو معاوية)
محمد بن خازم بالخاء والزاي المعجمتين الضرير قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان (عن عمرو بن
مرة) الجملي بفتح الجيم والميم (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس) رضي الله عنهما (أن النبي الفول
خرج إلى البطحاء) مسيل وادي مكة (فصعد إلى الجبل) يعني الصفا ورقي عليه (فنادى):
(با صباحاه. فاجتمعت إليه قريش فقال: أرأيتم) أي أخبروني (إن حدّثتكم أن العدوّ
مصبحکم أو ممسیکم أکنتم تصدقوني)؟ ولأبي ذر: تصدقونني (قالوا: نعم. قال: فإني نذير) منذر
(لكم بين يدي عذاب شديد) أي قدامه (فقال أبو لهب) عليه اللعنة: (ألهذا جمعتنا)؟ بهمزة
الاستفهام الإنكاري (تبًّا لك) أي ألزمك الله تبًّا وزاد في سورة الشعراء سائر اليوم أي بقيته (فأنزل
الله عز وجل: ﴿تبت يدا أبي لهب) إلى آخرها) أي خسرت جملته وعادة العرب أن تعبر ببعض
الشيء عن کله.
(قوله: ﴿سيصلى﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله تعالى: سيصلى (﴿نارًا ذات لهب﴾)
أي تلهب وتوقد.
٤٩٧٣ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنا أبي حَدَّثَنَا الأعْمَشُ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةً عَنْ
سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما قَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبَّا لَكَ ألِهذا جَمَعْتَنَا فَنَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ
يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾.
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا
الأعمش) سليمان قال: (حدّثني) بالإفراد (عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي
الله عنهما) أنه قال: (قال أبو لهب) لعنه الله لما صعد النبي ◌َّر على الصفا واجتمعوا إليه وقال:
إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد (تبًّا لك ألهذا) جمعتنا؟ فنزلت (﴿تبت يدا أبي لهب﴾) وزاد
أبو ذر إلى آخرها قيل وخص اليد لأنه رمى النبي ◌َّ بحجر فأدمى عقبه فلذا ذكرها وإن كان
المراد جملة بدنه وذكره بكنيته دون اسمه عبد العزى لأنه لما كان من أهل النار ومآله إلى نار ذات
لهب وافقت حالہ کنیته فکان جدیرًا أن یذکر بها.

٢٤٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإخلاص
٣ - باب ﴿وَأَمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْخَطَبِ﴾
وَقَالَ مُجاهِدٌ: حَمَّالَةَ الْخَطَبِ تَمْشي بِالنَّمِيمَةِ. ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ يُقالُ: مِنْ مَسَدٍ
ليفِ الْمُقْلِ وَهْيَ السِّلْسِلَةُ الَّتي في النَّارِ .
(﴿وامرأته﴾) ولأبي ذر باب قوله تعالى: وامرأته أم جميل العوراء بنت حرب بن أمية أخت
أبي سفيان بن حرب (﴿حمالة الحطب﴾) الشوك والسعدان تلقيه في طريق النبي وَلر وأصحابه
لتعقرهم بذلك وهو قول ابن عباس.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (حمالة الحطب تمشي) إلى المشركين (بالنميمة) توقع بها بين
النبي ◌َّه وبينهم وتلقي العداوة بينهم وتوقد نارها كما توقد النار للحطب فكنى عن ذلك بحملها
الحطب .
(﴿في جيدها﴾) عنقها (﴿حبل من مسد﴾ يقال من مسد ليف المقل) وذلك هو الحبل الذي
كانت تحتطب به فبينما هي ذات يوم حاملة الحزمة أعيت فقعدت على حجر لتستريح أتاها ملك
فجذبها من خلفها فأهلكها (و) قيل (هي السلسلة التي في النار) من حديد درعها سبعون ذراعا
تدخل في فمها وتخرج من دبرها ويكون سائرها في عنقها فتلت من جديد فتلاً محكمًا، وهذه
الجملة حال من حمالة الحطب الذي هو نعت لامرأته أو خبر مبتدأ مقدّر.
[١١٢] سُورَةُ ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمُنِ الرَّحِيمِ). يُقالُ: لا يُنَوَّنُ ﴿أَحَدْ﴾ أي واحِدٌ.
([١١٢] سورة ﴿قل هو الله أحد﴾)
ولأبي ذر: سورة الصمد وهي مكية أو مدنية وآيها أربع أو خمس.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر.
(يقال) هو قول أبي عبيدة في المجاز (لا ينون ﴿أحد﴾) في الوصل فيقال أحد الله بحذف
التنوين لالتقاء الساكنين ورويت قراءة عن زيد بن علي وأبان بن عثمان والحسن وأبي عمرو في
رواية عنه کقوله:
عمرو الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف
وقوله :
فألفيته غير مستعتب ولا ذاكر الله إلاّ قليلا
على إرادة التنوين فحذف لالتقاء الساكنين فبقى الله منصوبًا لا مجرورًا للإضافة وذاكر جرّ

٢٤٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإخلاص
عطفًا على مستعتب أي ذكرته ما كان بيننا من المودة فوجدته غير راجع بالعتاب من قبح ما فعل
والحمد هو التنوين وكسره لالتقاء الساكنين (أي واحد) يريد أن أحدًا واحدًا بمعنى وأصل أحد
وحد بفتحتين قال :
كأن رحلي وقد زال النهار بنا بذي الجليل على مستأنس وحد
فأبدلت الواو همزة وأكثر ما يكون في المكسورة والمضمومة كوجوه ووسادة وقيل ليسا
مترادفين. قال في شرح المشكاة والفرق بينهما من حيث اللفظ من وجوه.
الأول: أن أحدًا لا يستعمل في الإثبات على غير الله تعالى فيقال: الله أحد ولا يقال زيد
أحد كما يقال زيد واحد وكأنه بني لنفي ما يذكر معه من العدد.
الثاني: أن نفيه يعم ونفي الواحد قد لا يعم ولذلك صح أن يقال ليس في الدار واحد بل
فيها اثنان ولا يصح ذلك في أحد ولذلك قال الله تعالى: ﴿لستن كأحد من النساء﴾
[الأحزاب: ٣٢] ولم يقل كواحدة.
الثالث: أن الواحد يفتح به العدد ولا كذلك الأحد.
الرابع: أن الواحد تلحقه التاء بخلاف الأحد.
ومن حيث المعنى أيضًا وجوه:
الأول: أن أحدًا من حيث الثناء أبلغ من واحد كأنه من الصفات المشبهة التي بنيت لمعنى
الثبات ويشهد له الفروق اللفظية المذكورة.
الثاني: أن الوحدة تطلق ويراد بها عدم التثني والنظير كوحدة الشمس والواحد يكثر إطلاقه
بالمعنى الأول والأحد يغلب استعماله في الثاني ولذلك لا يجمع. قال الأزهري: سئل أحمد بن
يحيى عن الآحاد أنه جمع أحد فقال: معاذ الله ليس للأحد جمع ولا يبعد أن يقال جمع واحد
كالأشهاد في جمع شاهد ولا يفتح به الأحد.
الثالث: ما ذكره بعض المتكلمين في صفات الله تعالى خاصة وهو أن الواحد باعتبار الذات
والأحد باعتبار الصفات وحظ العبد أن يغوص لجة التوحيد ويستغرق فيه حتى لا يرى من الأزل
إلى الأبد غير الواحد الصمد.
قال الشيخ أبو بكر بن فورك: الواحد في وصفه تعالى له ثلاثة معان. أحدها: أنه لا قسم
لذاته وأنه غير متبعض ولا متحيز. والثاني: أنه لا شبيه له والعرب تقول فلان واحد في عصره
أي لا شبيه له. والثالث: أنه واحد على معنى أنه لا شريك له في أفعاله يقال فلان متوحد في
هذا الأمر أي ليس يشركه فيه أحد اهـ.
والضمير في ((هو)) فيه وجهان:

٢٤٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإخلاص
أحدهما: أنه يعود على ما يفهم من السياق فإنه جاء في سبب نزولها عن أبيّ بن كعب أن
المشركين قالوا للنبي وهر انسب لنا ربك فنزلت. رواه الترمذي والطبري والأول من وجه آخر
مرسلاً وقال: هذا أصح وصحح الموصول ابن خزيمة والحاكم وحينئذ فجوز أن يكون الله مبتدأ
وأحد خبره والجملة خبر الأول ويجوز أن يكون الله بدلاً وأحد الخبر وأن يكون الله خبرًا أول
وأحد خبرًا ثانيًا وأن يكون أحد خبر مبتدأ محذوف أي هو أحد.
والثاني: أنه ضمير الشأن لأنه موضع تعظيم والجملة بعده خبره مفسرة ولم يثبت لفظ الأحد
في جامع الترمذي والدعوات للبيهقي نعم ثبت اللفظان في جامع الأصول.
١ - باب
٤٩٧٤ - حدثنا أبُو الْيَمانِ حَدَّثَنَا شُعَيْبُ، حَدَّثَنَا أبُو الزِّنادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ
الله عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ ◌ِّ قالَ: ((قالَ الله تَعالى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذلِكَ، وَشَتَّمَنِي وَلَمْ يَكُنْ
لَهُ ذلِكَ. فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ، فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعيدَني كَمَا بَدَأني وَلَيْسَ أوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ
إعادَتِهِ. وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: أَتَّخَذَ الله وَلَدَا وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ، لَمْ أَلِذْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ
لي كُفُوًا أحَدٌ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (شعيب) هو
ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن
أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (وَلِ﴾ أنه (قال):
(قال الله تعالى: كذبني ابن آدم) بتشديد الذال المعجمة أي بعض بني آدم وهم من أنكر
البعث (ولم يكن له ذلك) التكذيب (وشتمني ولم يكن له ذلك) الشتم (فأما تكذيبه إياي فقوله لن
يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علّ من إعادته وأما شتمه إيّاي فقوله اتخذ الله ولدًا)
وإنما كان شتمًا لما فيه من التنقيص لأن الولد إنما يكون عن والد يحمله ثم يضعه ويستلزم ذلك
سبق نكاح والناكح يستدعي باعثًا له على ذلك والله تعالى منزّه عن ذلك (وأنا الأحد الصمد) فعل
بمعنى مفعول كالقنص والنقص (لم ألد ولم أُولد) لأنه لما كان تعالى واجب الوجود ذاته قديمًا
موجودًا قبل وجود الأشياء وكان كل مولود محدثًا انتفت عنه الوالدية ولما كان لا يشبهه أحد من
خلقه ولا يجانسه حتى يكون له من جنسه صاحبة فيتوالد انتفت عنه الوالدية ولأبي ذر لم يلد ولم
يولد (ولم يكن لي كفوًا أحد) أي مكافئًا ومماثلاً فلي متعلق بكفوًا وقدم عليه لأنه محط القصد بالنفي
وأخر أحد وهو اسم يكن عن خبرها رعاية للفاصلة، وقوله لم يكن لي بعد قوله لم يلد التفات.
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى السلوب الواجبة الله تعالى على قسمين
أحدهما سلب نقيصة كالسنة والنوم والموت، والثاني ليس سلبًا للنقص بل سلبًا للمشارك في
الكمال كسلب الشريك، وأما قوله تعالى: ﴿لم يلد ولم يولد﴾ فإنه سلب للنقص إذ الولد والوالد

٢٤٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإخلاص
لا يكونان إلا من جسمين وهما من الأغيار والأغيار نقص وإن كانا يدلان بالتزام على أن الولد
مثل الوالد فيعود إلى سلب المشاركة في الكمال.
٢ - باب قَوْلُهُ: ﴿الله الصَّمَدُ﴾
وَالْعَرَبُ تُسَمّي أَشْرافَهَا الصَّمَدَ، قَالَ أَبُو وائِلِ: هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهِى سُؤْدَدُهُ
(قوله: ﴿الله الصمد﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين أي قوله عز وجل: ﴿الله الصمد﴾ (والعرب
تسمي أشرافها الصمد. قال أبو وائل): بالهمز شقيق بن سلمة مما وصله الفريابي (هو السيد الذي
انتهى سُؤْدَدُه) وقال ابن عباس: الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم وهو من صمد إذا
قصد وهو الموصوف به على الإطلاق فإنه مستغنٍ عن غيره مطلقًا وكل ما عداه محتاج إليه في جميع
جهاته. وقال الحسن وقتادة: هو الباقي بعد خلقه وعن الحسن الصمد الحي القيوم الذي لا زوال له،
وعن عكرمة الذي لم يخرج منه شيء ولا يطعم، وعن الضحاك والسدي الذي لا جوف له! وعن
عبد الله بن يزيد الصمد نور يتلألأ وكل هذه الأوصاف صحيحة في صفاته تعالى على ما لا يخفى.
٤٩٧٥ - حدّثنا إسحقُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أبي
هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّرَ: ((كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذلِكَ، وَشَتَمني وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذلِكَ،
أمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ، أنْ يَقُولَ إنّي لَنْ أعيدَهُ كَمَا بَدَأْتُهُ، وَأمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ أنْ يَقُولَ أَتَّخَذَ الله وَلَدًا، وَأَنَا
الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ ألِذْ وَلَمْ أُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لي كُفُوّا أحَدٌ». ﴿لَمْ يَلِذْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوّا
أحَدٌ﴾ ﴿كُفُوًا﴾ وَكَفيئًا وَكِفاءَ واحِدٌ.
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن منصور) المروزي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا
(عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرني معمر) هو ابن راشد (عن همام) هو ابن منبه (عن أبي هريرة)
رضي الله عنه أنه (قال: قال رسول الله وَّله) زاد أبو ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر. قال الله
تعالی کما في الفرع کأصله.
(كذبني ابن آدم) المنكر للبعث (ولم يكن له ذلك) التكذيب (وشتمني ولم يكن له ذلك)
الشتم، وثبت ذلك للكشميهني (أما) ولأبي ذر فأما (تكذيبه إيّاي أن يقول إني لن أعيده كما بدأته)
بغير فاء قبل همزة أن، وبه استدل من جوّز حذف الفاء من جواب أما (وأما شتمه إياي أن يقول)
بغير فاء أيضًا (اتخذ الله ولدا وأنا الصمد الذي لم ألد ولم أُولد ولم يكن لي كفوًا أحد) ولأبي ذر عن
الحموي والمستملي ولم يكن له على طريق الالتفات.
(﴿لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾) قدّم لم يلد وإن كان العرف سبق المولود لأنه
الأهم لقولهم ولد الله وقوله ولم يولد كالحجة على أنه لم يلد، وقال في هذه السورة لم يلد وفي
الإسراء لم يتخذوا ولدًا لأن من النصارى من يقول عيسى ولد الله حقيقة ومنهم من يقول إن الله

٢٥٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة الفلق
اتخذه ولدًا تشريفًا فنفى الأمرين وسقط قوله لم يلد الخ لأبي ذر.
(﴿كفوًا﴾) بضمتين (وكفيئًا) بفتح الكاف وبعد الفاء المكسورة تحتية فهمزة بوزن فعيل.
(وكفاء) بكسر الكاف وفتح الفاء ممدودًا (واحد) في المعنى. ونقل في فتوح الغيب عن الغزالي أنه
قال: الواحد هو الواحد الذي هو مدفوع الشركة والأحد الذي لا تركيب فيه فالواحد نفي
للشريك والمثل والأحد نفي للكثرة في ذاته فالصمد الغني المحتاج إليه غيره وهو أحدي الذات
وواحديّ الصفات، لأنه لو كان له شريك في ملكه لما كان غنيًّا يحتاج إليه غيره بل كان محتاجًا في
قوامه ووجوده إلى أجزاء تركيبية فالصمد دليل على الوحدانية والأحدية، ولم يلد دليل على أن
وجوده المستمر ليس مثل وجود الإنسان الذي يبقى نوعه بالتوالد والتناسل بل هو وجود مستمر
أزلي ولم يولد دليل على أن وجوده ليس مثل وجود الإنسان الذي يتحصل بعد العدم، ويبقى دائمًا
إما في جنة عالية لا يفنى وإما في هاوية لا ينقطع ولم يكن له كفوا أحد دليل على أن الوجود
الحقيقي الذي له تعالى هو الوجود الذي يفيد وجود غيره ولا يستفيد هو الوجود من غيره فقوله
تعالى أحد دليل على إثبات ذاته المقدسة المنزهة والصمدية تقتضي نفي الحاجة عنه واحتياج غيره إليه
ولم يلد إلى آخر السورة سلب ما يوصف به غيره عنه ولا طريق في معرفته تعالى أوضح من سلب
صفات المخلوقات عنه.
ولما اشتملت هذه السورة مع قصرها على جميع المعارف الإلّهية والرد على مَن ألحد فيها جاء
أنها تعدل ثلث القرآن كما سيأتي ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى في كتاب فضائل القرآن، وهل يحمل
ذلك على الأجزاء أو على غيرها فذهب الفقهاء والمفسرون إلى أن لقارئها من الثواب ثلث ما
القارىء جملته وليس في الجواب أكثر من أن الله يهب ما يشاء لمن يشاء، وأجاب المتكلفون بجواب
يمكن إرادته قالوا: القرآن ثلاثة أقسام: قسم فيما يجوز أن يوصف به وما لا يجوز، وقسم من أمر
الدنيا، وقسم من أمر الآخرة ولم تتضمن سورة الإخلاص غير القسم الواحد فصارت تعدل ثلثه
ولهذا سميت سورة الإخلاص لأنها خلصت في صفاته خاصة، ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى
في محله قريبًا بعون الله وقوته وسقط قوله: كفوًا وكفيئًا الخ لغير أبي ذر.
[١١٣] سُورَةٌ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾
(بِسْمِ الله الرَّحْمْنِ الرَّحِيمِ). وَقَالَ مُجاهِدٌ ﴿الْفَلَقُ﴾: الصُّبْحُ. ﴿وَغاسِقٌ﴾: اللَّيْلُ. ﴿إذا
وَقَبَ﴾: غُرُوبُ الشَّمْسِ. يُقالُ: أَبْيَنُ مِنْ فَرَقٍ وَفَلَقِ الصُّبْحِ. ﴿وَقَبَ﴾: إذا دَخَلَ في كُلُّ شَيْءٍ
وَأُظْلَّمَ.
([١١٣] سورة ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾)
مكية أو مدنية وآيها خمس.

٢٥١
كتاب تفسير القرآن/ سورة الفلق
(بسم الله الرحمن الرحيم). ثبت لفظ سورة والبسملة لأبي ذر.
(وقال مجاهد): فيما وصله الفريابي (﴿الفلق﴾: الصبح) لأن الليل يفلق عنه ويفرق فعل
بمعنى مفعول أي مفلوق وتخصيصه لما فيه من تغير الحال وتبدّل وحشة الليل بسرور النور وقيل
هو كل ما يفلقه الله كالأرض عن النبات والسحاب عن المطر والأرحام عن الأولاد، وثبت قوله
الفلق الصبح لأبي ذر وسقط لغيره.
(﴿وغاسق﴾) بالرفع وبالجر وهو الموافق للتنزيل (الليل) أي العظيم ظلامه.
(﴿إذا وقب﴾) أي (غروب الشمس يقال: أبين من فرق وفلق الصبح) الأول بالراء والثاني
باللام.
(﴿وقب﴾: إذا دخل في كل شيء وأظلم) بغروب الشمس، وقيل المراد القمر فإنه يكسف
فيغسق ووقوبه دخوله في الكسوف. وفي حديث عائشة عند الترمذي والحاكم أنه ◌َلّ أخذ بيدها
فأراها القمر حين طلع وقال: تعوّذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب.
قال في شرح المشكاة لما سحر النبي وَّ استشفى بالمعوذّتين لأنهما من الجوامع في هذا
الباب فتأمل في أولاهما كيف خص وصف المستعاذ به برب الفلق أي بفالق الإصباح لأن هذا
الوقت وقت فيضان الأنوار ونزول الخيرات والبركات وخص المستعاذ منه بما خلق فابتدأ بالعام في
قوله: ﴿من شر ما خلق) أي من شر خلقه ثم ثنى بالعطف عليه ما هو شره أخفى وهو نقيض
انفلاق الصبح من دخول الظلام واعتكاره المعني بقوله: ﴿ومن شر غاسق إذا وقب﴾ [الفلق: ٣]
لأن انبثاث الشر فيه أكثر والتحرز منه أصعب ومنه قولهم الليل أخفى للويل.
٤٩٧٦ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيانُ عَنْ عَاصِمٍ وَعَبْدَةً عَنْ زِرْ بْنِ حُبَيْشٍ قالَ:
سَألْتُ أَبَيِّ بْنَ كعبٍ عَنِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فَقالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ فقالَ: ((قِيلَ لِي)) فَقُلْتُ: فَنَحْنُ
نَقُولُ كَما قالَ رَسُولُ الله ◌َّ. [الحديث ٤٩٧٦- أطرافه في: ٤٩٣٧].
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) البغلاني الثقفي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن
عاصم) هو ابن أبي النجود بفتح النون وبالجيم المضمومة آخره دال مهملة أحد القراء السبعة
(وعبدة) بفتح العين وسكون الموحدة ابن أبي لبابة بضم اللام وتخفيف الموحدة الأسدي كلاهما (عن
زر بن حبيش) بكسر الزاي وتشديد الراء وحبيش بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة آخره معجمة
مصغرًا وسقط ابن حبيش لأبي ذر أنه (قال: سألت أبيّ بن كعب عن المعوذتين) بكسر الواو
المشددة وعند ابن حبان وأحمد من طريق حماد بن سلمة بن عاصم قلت لأبيّ بن كعب إن ابن
مسعود لا يكتب المعوذتين في مصحفه (فقال) أُبّ (سألت رسول الله وَّر) عنهما (فقال): ولأبي ذر
قال (قيل لي) بلسان جبريل (فقلت) قال أبي (فنحن نقول كما قال رسول الله (وَلغيره).

٢٥٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة الناس
وعند الحافظ أبي يعلى عن علقمة قال: كان عبد الله يحك المعوذتين من المصحف ويقول:
إنما أمر رسول الله وَ﴿ أن يتعوّذ بهما ولم يكن عبد الله يقرأ بهما، ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد
عن عبد الرحمن بن يزيد وزاد ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله وهذا مشهور عند كثير من القرّاء
والفقهاء أن ابن مسعود كان لا يكتبهما في مصحفه، وحينئذ فقول النووي في شرح المهذب أجمع
المسلمون على أن المعوّذتين والفاتحة من القرآن وأن من جحد شيئًا منها كفر، وما نقل عنه ابن
مسعود باطل ليس بصحيح فيه نظر كما نبه عليه في الفتح إذ فيه طعن في الروايات الصحيحة
بغير مستند وهو غير مقبول وحينئذ فالمصير إلى التأويل أولى، وقد تأوّل القاضي أبو بكر الباقلاني
ذلك بأن ابن مسعود لم ينكر قرآنيتهما وإنما أنكر إثباتهما في المصحف فإنه كان يرى أن لا يكتب
في المصحف شيء إلاّ إن كان النبي وي أذن في كتابته فيه وكأنه لم يبلغه الإذن في ذلك فليس فيه
جحد لقرآنيتهما، وتعقب بالرواية السابقة الصريحة التي فيها ويقول إنهما ليستا من كتاب الله.
وأجيب: بإمكان حمل لفظ كتاب الله على المصحف فيتمشى التأويل المذكور قاله في فتح الباري،
ويحتمل أيضًا أنه لم يسمعهما من النبي ◌َّر ولم يتواترا عنده، ثم لعله قد رجع عن قوله ذلك إلى
قول الجماعة فقد أجمع الصحابة عليهما وأثبتوهما في المصاحف التي بعثوها إلى سائر الآفاق.
[١١٤] سُورَةُ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْوَسْواسُ إذا وُلِدَ خَتَسَةُ الشَّيْطانُ، فَإذا ذُكِرَ الله عَزَّ وَجَلَّ ذَهَبَ،
وَإِذا لَمْ يُذْكَرِ الله ثَبَتَ عَلى قَلْبِهِ.
([١١٤] سورة ﴿قل أعوذ برب الناس﴾)
مكية أو مدنية وآيها ست، فإن قلت: إنه تعالى رب جميع العالمين فلِمَ خص الناس؟ أجيب:
لشرفهم أو لأن المأمور هو الناس.
وسقط لفظ سورة لغير أبي ذر.
(وُذکر عن ابن عباس) ولأبي ذر وقال ابن عباس: (الوسواس إذا ولد) بضم الواو وكسر
اللام (خنسه الشيطان) اعترضه السفاقسي بأن المعروف في اللغة خنس إذا رجع وانقبض، وقال
الصغاني الأولى نخسه مكان خنسه فإن سلمت اللفظة من الانقلاب والتصحيف فالمعنى أزاله عن
مكانه لشدّة نخسه وطعنه بإصبعه في خاصرته (فإذا ذكر الله عز وجل ذهب وإذا لم يذكر الله) بضم
أوله مبنيًّا للمفعول (ثبت على قلبه) والتعبير بيذكر أولى لأن إسناده إلى ابن عباس ضعيف أخرجه
الطبراني وغيره.
وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس قال: الوسواس هو الشيطان يولد المولود
والوسواس على قلبه فهو یصرفه حيث شاء فإذا ذكر الله خنس وإذا غفل جثم على قلبه فوسوس،
وعند سعيد بن منصور من طريق عروة بن رويم قال: سأل عيسى عليه السلام ربه أن يريه

٢٥٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة الناس
موضع الشيطان من ابن آدم فأراه فإذا رأسه مثل رأس الحية واضع رأسه على ثمرة القلب فإذا ذكر
العبد ربه خنس وإذا ترك منّاه وحدّثه وقوله: ﴿يوسوس في صدور الناس﴾ [الناس: ٥] هل
يختص ببني آدم أو يعم بني آدم والجن فيه قولان. ويكونون قد دخلوا في لفظ الناس تغليبًا.
٤٩٧٧ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّه حَدَّثَنا سُفْيانُ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أبي لُبابَةً عَنْ زِرُ بْنِ
حُبَيْشٍ ح. وَحَدَّثَنا عاصِمٌ عَنْ زِرْ قالَ: سَألْتُ أُبَيِّ بْنَ كَعْبٍ قُلْتُ: أبَا الْمُنْذِرِ إِنَّ أخاكَ ابْنَ
مَسْعُودٍ يَقُولُ كَذَا وَكَذا. فَقالَ أُبَيٍّ: سَألْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ فَقالَ لي ((قِيلَ لِي)): فَقُلْتُ. قالَ:
فَتَحْنُ نَقُولُ کَما قالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا
عبدة بن أبي لبابة) بضم اللام وبين الموحدتين الخفيفتين ألف الأسدي (عن زر بن حبيش) قال
سفيان: (وحدّثنا) أيضًا (عاصم) هو ابن أبي النجود (عن زر) أنه (قال: سألت أبي بن كعب قلت)
له يا (أبا المنذر): هي كنية أُبّ (إن أخاك) في الدين (ابن مسعود) عبد الله (يقول: كذا وكذا)
يعني أن المعوذتين ليستا من القرآن كما مرّ التصريح به في حديث (فقال أُبيّ: سألت رسول
الله وَ﴾ عنهما (فقال لي: قيل لي) بلسان جبريل ولأبي ذر فقيل لي (فقلت) كما قيل لي (قال) أُبي:
(فنحن نقول كما قال رسول الله(*) وهذا مما اختلف فيه ثم ارتفع الخلاف ووقع الإجماع عليه
فلو أنكر أحد اليوم قرآنيته كفر.
وفي مسلم من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله وَله: ((ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة
لم يرَ مثلهن قط ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ [الفلق: ١] و﴿قل أعوذ برب الناس﴾ [الناس: ١]. وعنه
أيضًا أمرني رسول الله وَ ﴿ أن أقرأ بالمعوّذات في دُبر كل صلاة، رواه أبو داود والترمذي، وعند
النسائي عنه أيضًا أن النبي ◌َّر قرأ بهما في صلاة الصبح، وقد روي ذلك من طرق قد تفيد التواتر
يطول إيرادها والله الموفق للصواب.
تمّ التفسير والله أعلم بأسرار كتابه في يوم الاثنين الحادي والعشرين من شعبان سنة عشر
وتسعمائة أحسن الله تعالى بمنّه وكرمه عاقبتنا وللمسلمين فيها وكفانا كل مهمة ويسر إكمال هذا
المجموع ونفع به وجعله خالصًا لوجهه الكريم أستودعه تعالى ذلك فإنه الحفيظ الجواد الكريم
الرؤوف الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم أفضل الصلاة وأتمّ التسليم آمين.

بسم الله الرحمن الرحيم
٦٦ - كتاب فضائل القرآن
جمع فضيلة، واختلف هل في القرآن شيء أفضل من شيء؟ فذهب الأشعري والقاضي أبو
بكر إلى أنه لا فضل لبعضه على بعض، لأن الأفضل يُشعِر بنقص المفضول، وكلام الله حقيقة واحدة
لا نقص فيه. وقال قوم بالأفضلية لظواهر الأحاديث كحديث أعظم سورة في القرآن، ثم اختلفوا
فقال قوم: الفضل راجع إلى عظم الأجر والثواب، وقال آخرون: بل لذات اللفظ وأن ما تضمنته آية
الكرسي وآخر سورة الحشر وسورة الإخلاص من الدلالة على وحدانيته تعالى وصفاته ليس موجودًا
مثلاً في: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ [المسد: ١] فالتفضيل بالمعاني العجيبة وكثرتها لا من حيث الصفة.
وقال الخوبي: من قال إن ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] أبلغ من: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ بجعل
المقابلة بين ذكر الله وذكر أبي لهب وبين التوحيد والدعاء على الكافرين فذلك غير صحيح، بل ينبغي أن
يقال ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ دعاء عليه بالخسران فهل توجد عبارة للدعاء بالخسران أحسن من هذه؟
وكذلك في: ﴿قل هو الله أحد﴾ لا توجد عبارة تدل على الوحدانية أبلغ منها، فالعالم إذا نظر
إلى: تبت في باب الدعاء بالخسران ونظر إلى ﴿قل هو الله أحد﴾ في باب التوحيد لا يمكنه أن
يقول أحدهما أبلغ من الآخر، وهذا التقييد يغفل عنه من لا علم عنده بعلم البيان ولعل الخلاف
في هذه المسألة يلتفت إلى الخلاف المشهور أن كلام الله شيء واحد أم لا؟ وعند الأشعري أنه لا
يتنوّع في ذاته بل بحسب متعلقاته، وليس لكلام الله الذي هو صفة ذاته بعض، لكن بالتأويل
والتعبير وفهم السامعين اشتمل على أنواع المخاطبات ولولا تنزله في هذه المواقع لما وصلنا إلى فهم
شيء منه، وسقطت البسملة لأبي ذر وثبت له لفظ كتاب وسقط لغيره.
١ - باب كَيْفَ نُزُولُ الْوَخِي، وَأوَّلُ مَا نَزَلَ
قالَ ابْنُ عَبَّاسِ: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ الأمينُ. الْقُرْآنُ أمينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابِ قَبْلَهُ
(باب كيف نزول الوحي)؟ ولأبي ذر: نزل الوحي بلفظ الماضي، وسقط له لفظ باب

٢٥٥
كتاب فضائل القرآن/ باب ١
(وأول ما نزل) منه.
(وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم (﴿المهيمن﴾) في قوله تعالى بالمائدة: ﴿ومهيمنًا
عليه﴾ [المائدة: ٤٨] هو (الأمين) وهو أيضًا (القرآن أمين على كل كتاب قبله) من الكتب السماوية.
٤٩٧٨- ٤٩٧٩ - حدّثنا عُبَيْدُ اللَّه بْنُ مُوسى عَنْ شَيْبانَ عَنْ يَحْيى عَنْ أبي سَلَمَةَ قالَ:
أُخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ قالا: لَبِثَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِمَكّةَ عَشَرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَبِالْمَدِينَةِ
عَشْرًا.
وبه قال: (حدّثنا عبيد الله بن موسى) بضم العين العبسي مولاهم الكوفي (عن شيبان) بفتح
الشين المعجمة ابن عبد الرحمن النحوي التميمي مولاهم البصري أبي معاوية (عن يحيى) بن أبي
كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف أنه (قال: أخبرتني) بالإفراد (عائشة وابن عباس)
رضي الله عنهم (قالا: لبث النبي ◌َّله بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن) نزولاً متتابعًا بعد مدة
وحي المنام وفترة الوحي سنتين ونصفًا أو ثلاثًا (وبالمدينة عشرًا) ولأبي ذر عن الكشميهني عشر
سنين، ومباحث ذلك سبقت آخر المغازي.
وأخرج النسائي عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة
القدر، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة الحديث. وظاهر حديث الباب أنه نزل كله بمكة
والمدينة خاصة وهو كذلك، نعم نزل منه في غيرهما حيث كان ◌َلّ في سفر حج أو عُمرة أو
غزاة، ولكن الاصطلاح أن كل ما نزل قبل الهجرة فمكي وما بعدها فمدني.
٤٩٨٠ - حدثنا مُوسَى بْنُ إسْماعيلَ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرْ سَمِعْتُ أبي عَنْ أبي عُثْمانَ قالَ: أُنْبِئْتُ
أنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيِّ ◌َّهِ وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ، فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ، فَقالَ النَِّيُّ وَّهِ لِأُمُّ سَلَمَةَ: ((مَن هذا))؟
أوْ كَما قالَ: قَالَتْ: هذا دِخْيَةُ. فَلمًّا قامَ قالَتْ: وَالله ما حَسِبْتُهُ إلاَّ إِيَّاهُ، حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةً
النَّبِيِّ بَّهِ يُخْبِرُ خَبَرَ جِبْرِيلَ أَوْ كَما قالَ: قالَ أبي قُلْتُ لأبي عُثْمانَ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هذا؟ قالَ: مِنْ
أُسَامَةَ بْن زَيْدٍ .
وبه قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدّثنا معتمر) هو ابن سليمان التيمي
قال: (سمعت أبي) هو سليمان (عن أبي عثمان) عبد الرحمن النهدي أنه (قال: أُنبئت) بضم الهمزة
مبنيًّا للمفعول أي أخبرت (أن جبريل أتى النبي ( لفر وعنده أم سلمة) زوجته رضي الله عنها
(فجعل يتحدّث) معه (فقال النبي وَّ لأم سلمة):
(من هذا؟ أو كما قال) شك من الراوي مع بقاء المعنى في ذهنه (قالت: هذا دحية) الكلبي
(فلما قام) عليه الصلاة والسلام (قالت) أم سلمة (والله ما حسبته إلاّ إياه) أي دحية (حتى سمعت
خطبة النبي ◌َّر يخبر خبر جبريل أو كما قال):

٢٥٦
كتاب فضائل القرآن/ باب ١
قال في الفتح: ولم أقف في شيء من الروايات على بيان هذا الخبر في أيّ قصة، ويحتمل
أن يكون في قصة بني قريظة ففي دلائل البيهقي والغيلانيات من رواية عبد الرحمن بن القاسم عن
أبيه عن عائشة أنها رأت النبي ◌َّلهو يكلم رجلاً وهو راكب فلما دخل قلت: من هذا الرجل الذي
كنت تكلمه؟ قال: بمن تشبّهيه؟ قلت: بدحية بن خليفة. قال: ذاك جبريل أمرني أن أمضي إلى
بني قريظة اهـ.
وتعقبه العيني: بأن الرائية في حديث الباب أم سلمة وهنا عائشة وباختلاف الرواة، وأجاب
في انتقاض الاعتراض: بأنه ليس في شيء من ذلك ما يمنع احتمال اتحاد القصة فرآه كلٍّ من
عائشة وأم سلمة، كذا قال فليتأمل، وسقط لأبي ذر لفظ خبر قال معتمر.
" (قال أبي) سليمان (قلت لأبي عثمان) النهدي (من سمعت هذا)؟ الحديث (قال): سمعته
(من أسامة بن زيد) حِب رسول الله وَلـ
٤٩٨١ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا سَعيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أبيهِ عَنْ أَبي
هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيِّ وَّهِ: ((ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيٍّ إلاَّ أُعْطِيَ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ،
وَإِنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيَا أَوْحَاهُ الله إلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أكْثَرَهُمْ تابِعًا يَوْمَ الْقِيامَةِ)). [الحديث
٤٩٨١- أطرافه في: ٧٢٧٤].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام قال:
(حذّثنا سعيد المقبري) بضم الموحدة (عن أبيه) كيسان (عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال: قال
النبي ◌َ ر):
(ما من الأنبياء نبيّ إلاّ أُعطي) من المعجزات (ما) موصول مفعول ثانٍ لأُعطي أي الذي
(مثله) مبتدأ خبره (آمن) بالمدّ (عليه) أي لأجله (البشر) والجملة صلة الموصول وعلى بمعنى اللام
وعبّر بها لتضمنها معنى الغلبة أي يؤمنون بذلك مغلوبًا عليهم بحيث لا يستطيعون دفعه عن
أنفسهم.
وقال الطيبي: لفظ عليه حال أي مغلوبًا عليه في التحدي والمباراة أي ليس نبي إلاّ قد
أعطاه الله من المعجزات الشيء الذي صفته أنه إذا شوهد اضطر الشاهد إلى الإيمان به، وتحريره أن
كل نبيّ اختص بما يثبت دعواه من خارق العادات بحسب زمانه كقلب العصا ثعبانًا لأن الغلبة في
زمن موسى عليه السلام للسحر فأتاهم بما يوافق السحر فاضطرهم إلى الإيمان به، وفي زمان
عيسى عليه الصلاة والسلام الطبّ فجاء بما هو أعلى من الطب وهو إحياء الموتى، وفي زمان
نبينا ◌َّر البلاغة وكان بها فخارهم فيما بينهم حتى علّقوا القصائد السبع بباب الكعبة تحديًا
لمعارضتها فجاء بالقرآن من جنس ما تناهوا فيه بما عجز عنه البلغاء الكاملون في عصره اهـ.
ويحتمل أن يكون المعنى أن القرآن ليس له مثل لا صورة ولا حقيقة. قال تعالى: ﴿فأتوا

٢٥٧
كتاب فضائل القرآن/ باب ١
بسورة من مثله﴾ [البقرة: ٢٣]. بخلاف معجزات غيره فإنها وإن لم يكن لها مثل حقيقة يحتمل
أن يكون لها صورة.
(وإنما كان الذي أُوتيت) من المعجزات ولأبي ذر: أُوتيته (وحيًا أوحاه الله إلي) وهو القرآن
وليست معجزاته ﴿ ﴿ منحصرة في القرآن فالمراد أنه أعظمها وأكثرها فائدة فإنه يشتمل على الدعوة
والحجّة وينتفع به إلى يوم القيامة ولذا رتب عليه قوله (فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا) أي أمة (يوم
القيامة) إذ باستمرار المعجزة ودوامها يتجدد الإيمان ويتظاهر البرهان، وهذا بخلاف معجزات سائر
الرسل فإنها انقرضت بانقراضهم وأما معجزة القرآن فإنها لا تبيد ولا تنقطع وآياته متجددة لا
تضمحل وخرقه للعادة في أسلوبه وبلاغته وأخباره بالمغيبات لا تتناهى، فلا يمر عصر من
الأعصار إلاّ ويظهر فيه شيء مما أخبر به عليه الصلاة والسلام.
ســ.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الاعتصام ومسلم في الإيمان والنسائي في التفسير وفضائل
القرآن.
٤٩٨٢ - حدثنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ إبراهيمَ، حَدَّثَنا أبي عَنْ صالِح بْنِ
كَيْسانَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: أخْبَرَني أنَسُ بْنُ مالِكِ رَضِيَ الله عَنْهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى تابَعَ عَلى
رَسُولِهِ وَ﴿ الْوَخِيَ قَبْلَ وَفَاتِهِ حَتَّى تَوَفَّاهُ أَكْثَرَ ما كانَ الْوَخِيُ، ثُمَّ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِوَّهِ بَعْدُ.
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن محمد) بفتح العين البغدادي الناقد قال: (حدّثنا يعقوب بن
إبراهيم) قال: (حدّثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح بن
كيسان) بفتح الكاف (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد
(أنس بن مالك رضي الله عنه أن الله تعالى تابع على رسوله وَل﴿ الوحي) أي أنزله متتابعًا متواترًا
(قبل وفاته) أي قربها (حتى توفاه) أي إلى الزمن الذي وقعت فيه وفاته (أكثر ما كان الوحي) نزولاً
عليه من غيره من الأزمنة لأنه في أول البعثة فتر فترة ثم كثر ولم ينزل بمكة من السور الطوال إلاّ
القليل ثم كان الزمن الأخير من الحياة النبوية أكثر نزولاً لأن الوفود بعد فتح مكة كثروا وكثر
سؤالهم عن الأحكام.
وقد ذكر ابن يونس في تاريخ مصر في ترجمة سعيد بن أبي مريم مما حكاه في الفتح أن
سبب تحديث أنس بذلك سؤال الزهري له: هل فتر الوحي عن النبي وَ ل ﴿ قبل أن يموت؟ قال:
بل أكثر ما كان وأجمه، وسقطت التصلية لأبي ذر، وثبت قوله الوحي من قوله تابع على رسول
الله * الوحي للكشميهني وسقط لغيره.
(ثم توفي رسول الله وَّ ر بعد) بالضم مبنيًّا لقطع الإضافة عنه أي بعد ذلك.
وهذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي في فضائل القرآن.
إرشاد الساري/ ج ١١ / م ١٧

٢٥٨
كتاب فضائل القرآن/ باب ٢
٤٩٨٣ - حدّثنا أبُو نُعَيْم حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، قالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبًا يَقُولُ:
اشْتَكَى النَّبِيُّ ◌َهِ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةٌ أَوْ لَيْلَتَيْنٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ ما أُرِى شَيْطَانَكَ إِلاَّ قَدْ
تَرَكَكَ، فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إذا سَجَى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ [الضحى: ١-٣].
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن الأسود بن
قيس) العبدي أنه (قال: سمعت جندبًا) بضم الجيم والدال المهملة ابن عبد الله بن سفيان البجلي
رضي الله عنه (يقول: اشتكى) مرض (النبي ◌ِ ◌ّر فلم يقم) للتهجد (ليلة أو ليلتين فأتته امرأة)
وهي حمالة الحطب العوراء أخت أبي سفيان بن حرب (فقالت: يا محمد ما أرى) بضم همزة أرى،
ولأبي ذر بفتحها (شيطانك) إلاّ قد تركك فأنزل الله عز وجل (﴿والضحى)) وهو صدر النهار
حين ترتفع الشمس وخصه بالقسم لأنه الساعة التي كلم الله تعالى فيها موسى أو المراد النهار كله
لمقابلته بالليل بقوله: (﴿والليل إذا سجى﴾) أي سكن والمراد سكون الناس والأصوات فيه وجواب
القسم ((ما ودعك ربك وما قلى﴾) أي ما تركك منذ اختارك وما أبغضك منذ أحبك والتوديع
مبالغة في الودع لأن من ودعك مفارقًا فقد بالغ في تركك وسقط قوله: ﴿والليل﴾ الخ لأبي ذر وقال
إلى قوله: ﴿وما قلى﴾.
والحديث سبق في تفسير سورة الضحى.
٢ - باب نَزَّلَ الْقُرْآنُ بِلِسانِ قُرَيْشِ وَالْعَرَبِ،
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ﴿بِلِسانِ عَرَبِيِّ مُبِينٍ﴾
هذا (باب) بالتنوين (نزل القرآن بلسان قريش) أي بلغة معظمهم (والعرب) من عطف العام
على الخاص.
﴿قرآنًا﴾ ولأبي ذر وقول الله تعالى: (﴿قرآنًا عربيًا﴾ ﴿بلسان عربي مبين﴾) قال القاضي أبو
بكر الباقلاني: لم تقم دلالة قاطعة على نزول القرآن جميعه بلسان قريش بل ظاهر قوله تعالى: ﴿إنا
جعلناه قرآنًا عربيًّا﴾ [الزخرف: ٣] أنه نزل بجميع ألسنة العرب لأن اسم العرب يتناول الجميع
تناولاً واحدًا، وقال أبو شامة أي ابتداء نزوله بلغة قريش ثم أبيح أن يقرأ بلغة غيرهم.
٤٩٨٤ - حدّثنا أبُو الْيَمانِ أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَأَخْبَرَني أَنَسُ بْنُ مالِكِ قَالَ: فَأَمَرَ
عُثْمانُ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ وَسَعيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَعَبْدَ الرَّحْمْنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشامٍ
أنْ يَنْسَخُوها فِي الْمَصاحِفِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِذَا اخْتَلَقْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ فِي عَرَبِيَّةٍ مِنْ عَرَبِيَّةِ
الْقُرْآنِ، فَاكْتُبُوها بِلِسانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ بِلِسانِهِمْ، فَفَعَلُوا.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا) ولغير أبي ذر حدّثنا (شعيب) هو
ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (وأخبرني) بالإفراد والواو للعطف على مقدّر

٢٥٩
كتاب فضائل القرآن/ باب ٢
ذكره في الباب اللاحق ولأبي ذر: فأخبرني (أنس بن مالك قال: فأمر عثمان) رضي الله عنه
(زيد بن ثابت) كاتب الوحي وقدوة الفرضيين (وسعيد بن العاص) بن أحيحة الأموي
(وعبد الله بن الزبير) بن العوّام (وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها) أي الآيات أو
السور أو الصحف المحضرة من بيت حفصة ولأبي ذر عن الكشميهني أن ينسخوا ما (في
المصاحف) أي ينقلوا الذي فيها إلى مصاحف أخرى والأول هو الأولى لأنه كان في مصحف لا
مصاحف (وقال لهم) عثمان (إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في) لغة (عربية من عربية القرآن
فاكتبوها بلسان قريش فإن القرآن أنزل بلسانهم) أي معظمه (ففعلوا) ما أمرهم به عثمان.
وهذا الحديث مرّ في باب نزول القرآن بلسان قريش في المناقب.
٤٩٨٥ - حدّثنا أبُو نُعَيْم حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا عَطاءٌ، وَقَالَ مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعيدٍ
عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ قالَ: أخْبَرَني عَطاءً، قالَ: أخْبَرَنِي صَفْوانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أنَّ يَعْلى كانَ يَقُولُ:
لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللهِ وَّهِ حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَلَمَّا كَانَ النَبِيِّ ◌َ بِالْجِعْراَةِ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ قَدْ
أَظَلّ عَلَيْهِ وَمَعَهُ ناسٌ مِنْ أصْحابِهِ، إِذْ جاءَهُ رَجُلٌ مُتَضَمِّخْ بِطِيبٍ فَقالَ: يَا رَسُولَ الله كَيْفَ تَرى
فِي رَجُلٍ أحْرَمَ في جُبَّةٍ بَعْدَما تَضَمََّخَ بِطِيبٍ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ نَّهِ ساعَةً فَجَاءَهُ الْوَحْيُ، فَأَشارَ عُمَرُ إلى
يَعْلَى أَنْ تَعالَ، فَجَاءَ يَعْلِىْ فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ، فَإِذا هُوَ مُخْمَرُ الْوَجْهِ يَغِطُ كَذلِكَ سَاعَةٌ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقالَ:
(أيْنَ الَّذي يَسْألُنِي عَنِ الْعُمْرَةِ آنِفًا)؟ فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَجِيءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ فَقالَ: ((أمَّ الطَّبُ
الَّذي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْها، ثُمَّ أَصْنَعْ في عُمْرَتِكَ كُمَا تَصْنَعُ في
حجّكَ».
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا همام) بفتح الهاء والميم المشددة
ابن يحيى بن دينار العوذي بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر الذال المعجمة قال: (حدّثنا
عطاء) أي ابن أبي رباح (وقال) وفي نسخة ح وقال: (مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا
يحيى بن سعيد) القطان سقط لغير أبي ذر ابن سعيد (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز
أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عطاء) هو ابن أبي رباح المذكور (قال: أخبرني) بالإفراد أيضًا
(صفوان بن يعلى بن أمية أن) أباه (يعلى كان يقول: ليتني أرى رسول الله ( في حين ينزل) بضم
أوله وفتح ثالثه (علیه الوحي) رفع مفعول ناب عن الفاعل ولأبي ذر بفتح أوله وکسر ثالثه (فلما
كان النبي (وَ﴿ بالجعرانة) بكسر الجيم وسكون العين المهملة وقد تكسر وتشدد الراء موضع قريب
من مكة أحد مواقيت الإحرام (وعليه ثوب قد أظلّ عليه) بفتح الهمزة والظاء المعجمة (ومعه ناس)
ولأبي ذر عن الحموي ومعه الناس (من أصحابه إذ جاءه رجل). قال في المقدمة حكى ابن فتحون
في الذيل أن اسمه عطاء بن منبه وعزاه لتفسير الطرسوسي وفيه نظر، وقال: إن صح فهو أخو
يعلى بن منبه، وفي الشفاء للقاضي عياض ما يُشعِر أن اسمه عمرو بن سواد والصواب أنه

٢٦٠
كتاب فضائل القرآن/ باب ٣
يعلى بن أمية راوي الحديث كما أخرجه الطحاوي من حديث شعبة عن قتادة عن عطاء أن رجلاً
يقال له يعلى بن أمية أحرم وعليه جبة (متضمخ) بالضاد والخاء المعجمتين متلطخ (بطيب فقال: يا
رسول الله كيف ترى في رجل أحرم) أي بعمرة كما في الحج (في جبة بعدما تضمخ) تلطخ
(بطيب؟ فنظر النبي وَلفي ساعة فجاءه الوحي فأشار عمر إلى يعلى أن) ولأبي ذر عن الحموي أي
(تعال فجاء يعلى فأدخل رأسه) ليرى النبي وَلقر حال نزول الوحي (فإذا هو) عليه الصلاة والسلام
(محمزّ الوجه بغط) بكسر الغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة يتردد صوت نفسه من شدة ثقل
الوحي (كذلك ساعة ثم سرّي) بضم السين المهملة وتشديد الراء المكسورة أي كشف (عنه) ما كان
يجده من شدة الثقل الوحي (فقال):
(أين الذي يسألني عن العُمرة آنفًا فالتمس الرجل) بضم التاء مبنيًّا للمفعول (فجيء به إلى
النبي وَ﴿ فقال) له: (أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات) هل قوله ثلاث مرات من جملة
مقوله عليه الصلاة والسلام فيكون نصًّا في تكرار الغسل ثلاثًا أو العامل فيه قال: أي قال له عليه
الصلاة والسلام ثلاث مرات اغسله فلا يكون نصًا على التثليث.
وسبق مزيد لذلك في الحج.
(وأما الجبة فانزعها) عنك (ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجّك) من الطواف والسعي
والحلق والاحتراز عن محظورات الإحرام.
وهذا الحديث صورته صورة المرسل لأن صفوان بن يعلى ما حضر ذلك وقد ساقه في كتاب
العمرة من الحج بالإسناد المذكور هنا عن أبي نعيم فقال فيه عن صفوان بن يعلى عن أبيه فوضح
أنه ساقه هنا على لفظ رواية ابن جريج.
قيل: وجه دخول هذا الحديث هنا التنبيه على أن الوحي بالقرآن والسُّنّة على صفة واحدة
ولسان واحد.
٣ - باب جَمْعِ الْقُرْآنِ
(باب جمع القرآن) في الصحف ثم جمع تلك الصحف في المصحف بعد النبي وَّة وإنما ترك
النبي وَّر جمعه في مصحف واحد لأن النسخ كان يرد على بعضه فلو جمعه ثم رفعت تلاوة بعضه
لأدى إلى الاختلاف والاختلاط فحفظه الله تعالى في القلوب إلى انقضاء زمن النسخ فكان التأليف
في الزمن النبوي والجمع في الصحف في زمن الصديق والنسخ في المصاحف في زمن عثمان وقد
كان القرآن كله مكتوبًا في عهده وَّو لكنه غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور.
٤٩٨٦ - حدثنا مُوسَى بْنُ إسْماعيلَ، عَنْ إبراهيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْن شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ
السّبَّاقِ أنَّ زَيْدَ بْنَ ثابتٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: أَرْسَلَ إلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أهْلِ الْيَمَامَةِ، فَإذا عُمَرُ بْنُ