النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
كتاب تفسير القرآن/ سورة الجمعة
قدمي) بكسر الميم وتخفيف التحتية أي على أثري وزمان نبوّتي ليس بعدي نبي وقيل المراد أنه يحشر
أوّل الناس يوم القيامة. قال الطيبي: وهو من الإسناد المجازي لأنه سبب في حشر الناس لأن
الناس لم يحشروا ما لم يحشر (وأنا العاقب) أي الذي يخلف في الخير من كان قبله.
[٦٢] سُورَةُ الْجُمُعَةِ
([٦٢] سورة الجمعة)
مدنية وآيها إحدى عشرة ثبت لفظ سورة لأبي ذر، وكذا بسم الله الرحمن الرحيم باب
بالتنوين.
١ - باب قَوْلُهُ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾
وَقَرَأْ عُمَرُ ﴿فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ ال﴾
(قوله) تعالى: (﴿وآخرين منهم﴾) قال في الدر: مجرور عطفًا على الأميين أي وبعث في
آخرين من الأميين (﴿لما يلحقوا بهم﴾﴾ [الجمعة: ٣] صفة لآخرين أو آخرين منصوب عطفًا على
الضمير المنصوب في يعلمهم أي: ويعلم آخرين لم يلحقوا بهم وسيلحقون وكل من تعلم شريعة
محمد زَّل إلى آخر الزمان فرسول الله ور معلّمه بالقوّة لأنه أصل ذلك الخير العظيم والفضل
الجسیم.
(وقرأ عمر) بن الخطاب فيما رواه الطبري (﴿فامضوا إلى ذكر الله﴾) وهذا ساقط لغير
الکشمیھني.
٤٨٩٧ - حدّثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ أَبِي
الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: كُنَّا جُلُوسًا عَنْدَ النَّبِيِّ وَّهِ، فَأَنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْجُمُعَةِ
﴿وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قالَ: قُلْتُ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَلَمْ يُراجِعْهُ حَتَّى سَألَ ثَلاثًا
وَفِينا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَضَعَ رَسُولُ اللهِلَّهَ يَدَهُ عَلى سَلْمانَ ثُمَّ قالَ: (لَوْ كانَ الإيمانُ عِنْدَ الثُّرِيًّا
لَنالَهُ رِجالٌ. أوْ رَجُلٌ مِنْ هَؤُلاءِ». [الحديث ٤٨٩٧- طرفه في: ٤٨٩٨].
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولغير أبي ذر: حدّثني بالإفراد (عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي
قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (سليمان بن بلال) التيمي مولاهم (عن ثور) باسم
الحيوان المعروف بابن زيد الديلي بكسر الدال المهملة بعدها تحتية ساكنة (عن أبي الغيث) سالم مولى
عبد الله بن مطيع (عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال: كنا جلوسًا عند النبي ◌َّرِ فأنزلت عليه
سورة الجمعة) زاد مسلم فلما قرأ: (﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾ قال: قلت: من هم)؟ ولأبي
ذر عن الحموي والمستملي قالوا: من هم؟ (يا رسول الله. فلم يراجعه) عليه الصلاة والسلام

١٤٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة الجمعة
السائل أي لم يعد عليه الجواب (حتى سأل ثلاثًا وفينا سلمان الفارسي وضع رسول الله وَلقر يده
على سلمان ثم قال):
(لو كان الإيمان عند الثريا) النجم المعروف (لناله رجال أو رجل من هؤلاء) الفرس بقرينة
سلمان، والشك من سليمان بن بلال للجزم برجال من غير شك في الرواية اللاحقة. وزاد أبو
نعيم في آخره برقّة قلوبهم ومن وجه آخر يتبعون سنتي ويكثرون الصلاة علّ.
قال القرطبي: وقد ظهر ذلك في العيان فإنه ظهر فيهم الدين وكثر وكان وجود ذلك فيهم
دليلاً من أدلة صدقه عليه الصلاة والسلام.
٤٨٩٨ - حدثنا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، أخْبَرَنِي ثَوْرٌ عَنْ أبِي الْغَيْثِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َهِ: «لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلاءِ)».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (عبد الله بن عبد الوهاب) الحجبي البصري
قال: (حدثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (عبد العزيز) هو الدراوردي كما جزم به أبو نعيم والجياني ثم
المزني قال: (أخبرني) بالإفراد (ثور) هو ابن زيد الديلي (عن أبي الغيث) سالم (عن أبي هريرة عن
النبي ◌َّي: لناله رجال من هؤلاء) قال ابن كثير: ففي هذا الحديث دليل على عموم بعثته بَّه إلى
جميع الناس لأنه فسر قوله: ﴿وآخرين منهم﴾ بفارس، ولذا كتب كتبه إلى فارس والروم وغيرهم
من الأمم يدعوهم إلى الله وإلى اتّباع ما جاء به. وعند ابن أبي حاتم عن سهل بن سعد الساعدي
مرفوعًا: إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال ونساء من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب، ثم
قرأ ﴿وآخرين منهم﴾ الآية.
٢ - باب ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةَ﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿وإذا رأوا تجارة﴾) [الجمعة: ١١] زاد أبو ذر:
﴿أو لهوًا﴾ وسقط باب لغير أبي ذر.
٤٨٩٩ - حدثني حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنا خالِدُ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ عَنْ سَالِمِ بْنِ
أبِي الْجَعْدِ، وَعَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ الله رَضِيَ الله عَنْهُما قالَ: أقْبَلَتْ عيرٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ فَثارَ النَّاسُ، إلاَّ أَثْنَا عَشَرَ رَجُلاً فَأَنْزَلَ الله: ﴿وَإِذا رَأوْا تَجارَةً أَوْ لَهْوَا أَنْفَضُّوا
إلَیھا﴾ .
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (حفص بن عمر) الحوضي قال: (حدّثنا خالد بن عبد الله)
الطحان الواسطي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن
عبد الرحمن (عن سالم بن أبي الجعد) بفتح الجيم وسكون العين (وعن أبي سفيان) طلحة بن نافع
وأبو سفيان ليس على شرط البخاري وإنما أخرج له مقرونًا بسالم فاعتماده عليه لا على أبي سفيان

١٤٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة المنافقون
وكلٌّ منهما روى (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (رضي الله عنهما) أنه (قال: أقبلت عبر)
بكسر العين إبل تحمل الميرة وزعم مقاتل بن حيان أنها كانت لدحية بن خليفة قبل أن يسلم وكان
معها طبل (يوم الجمعة ونحن مع النبي (9) وعند أحمد رسول الله وَ له يخطب (فثار الناس) بالمثلثة
تفرقوا عنه (إلاّ اثنا) بالرفع وفي نسخة إلا اثني (عشر رجلاً، فأنزل الله) تعالى: (﴿وإذا رأوا تجارة
أو لهوا انفضّوا إليها﴾) أعاد الضمير على التجارة دون اللهو لأنها أهم في السبب أو المراد إذا رأوا
تجارة انفضّوا إليها أو لهوّا انفضوا إليه فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، وزاد أبو ذر: وتركوك
قائمًا وهي جملة حالية من فاعل انفضّوا وقد مقدّرة عند بعضهم.
[٦٣] سُورَةُ الْمُنافِقِينَ
١ - باب قَوْلُهُ:
﴿إذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله﴾ إلى ﴿لَكَاذِبُونَ﴾
([٦٣] سورة المنافقين)
سقط لغير أبي ذر وهي مدنية وآيها إحدى عشرة.
(قوله: ﴿إذا﴾) ولأبي ذر: بسم الله الرحمن الرحيم باب أي في قوله تعالى: إذا (﴿جاءك
المنافقون﴾) جواب الشرط (﴿قالوا نشهد إنك لرسول الله﴾) إلى (﴿لكاذبون﴾) [المنافقون: ١]
وسقط إلى ﴿لكاذبون﴾ لأبي ذر، وقال بعد قوله: ﴿لرسول الله﴾ الآية. وقيل: الجواب محذوف،
وقيل حال أي إذا جاؤوك قائلين كيت وكيت فلا تقبل منهم وقوله: ﴿والله يعلم إنك لرسوله﴾
جملة معترضة بين قوله: ﴿نشهد إنك لرسول الله﴾ وقوله: ﴿والله يشهد﴾ لفائدة أبداها الزمخشري
في كشافه وهي أنه لو قال قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يشهد أنهم لكاذبون لكان يوهم أن
قولهم هذا كذب فوسط بينهما قوله: ﴿والله يعلم إنك لرسوله﴾ ليميط هذا الإيهام.
قال الطيبي: وهذا نوع من التتميم لطيف المسلك، وقال في المصابيح: واستدل بقوله تعالى:
﴿والله يشهد أن المنافقين لكاذبون﴾ على أن الكذب هو عدم مطابقة الخبر لاعتقاد المخبر ولو كان
خطأ فإنه تعالى جعلهم كاذبين في قولهم: إنك لرسول الله لعدم مطابقته لاعتقادهم، وإن كان
مطابقًا للواقع وردّ هذا الاستدلال بأن المعنى لكاذبون في الشهادة وفي ادعائهم المواطأة، فالتكذيب
راجع إلى الشهادة باعتبار تضمنها خبرًا كاذبًا غير مطابق للواقع وهو أن هذه الشهادة من صميم
القلب وخلوص الاعتقاد بشهادة أن والجملة الاسمية؛ وبأن المعنى أنهم لكاذبون في تسمية هذا
الخبر شهادة لأن الشهادة ما تكون على وفق الاعتقاد والمعنى أنهم لكاذبون في قولهم إنك لرسول
الله، لكن لا في الواقع بل في زعمهم الفاسد واعتقادهم الباطل لأنهم يعتقدون أنه غير مطابق
للواقع فيكون كذبًا باعتبار اعتقادهم وإن كان صدقًا في نفس الأمر فكأنه قيل إنهم يزعمون أنهم
لكاذبون في هذا الخبر الصادق وحينئذ لا يكون الكذب إلا بمعنى عدم المطابقة للواقع اهـ.

١٤٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة المنافقون
٤٩٠٠ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجاءٍ، حَدَّثَنَا إِسْرائيلُ عَنْ أبي إِسْحُقَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ،
قالَ: كُنْتُ فِي غَزاةٍ فَسَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ أُبَيِّ يَقُولُ: لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى
يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ، وَلَوْ رَجَعْنا مِنْ عِنْدِهِ لَيُخْرِ جَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلِّ فَذَكَّرْتُ ذلكَ لِعَمّي أَوْ لِعُمَّرَ،
فَذَكَرَهُ لِلنَِّيِّ وَِّ فَدَعَانِي فَحَدَّثْتُهُ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِلى عَبْدِ الله بْنِ أُبَيِّ وَأصْحابِهِ، فَحَلَفُوا
ما قالُوا فَكَذَّبَنِي رَسُولُ اللهِ وَهِ وَصَدِّقَهُ فَأصابَتِي هَمَّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطْ فَجَلَسْتُ فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ
لِي عَمِّي: ما أرَدْتُ إلى أنْ كَذَّبَكَ رَسُولُ اللهِوَلِهِ وَمَقَتَكَ فَأَنْزَلَ الله تَعالى: ﴿إذا جاءَكَ
الْمُنافِقُونَ﴾ فَبَعَثَ إلَى النَّبِيِّ وَّهِ فَقَرَأْ فَقالَ: ((إنَّ الله قَدْ صَدَّقَكَ يا زَيْدُ)). [الحديث ٤٩٠٠ - طرفه
في: ٤٩٠١، ٤٩٠٢، ٤٩٠٣، ٤٩٠٤].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن رجاء) الغداني بضم الغين المعجمة والدال المهملة المخففة قال:
(حدّثنا إسرائيل) بن يونس (عن) جده (أبي إسحق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن زيد بن
أرقم) أنه (قال: كنت في غزاة) هي غزوة تبوك كما عند النسائي وعند أهل المغازي أنها غزوة بني
المصطلق ورجحه ابن كثير بأن عبد الله بن أبي لم يكن ممن خرج في غزوة تبوك بل رجع بطائفة
من الجيش لكن أيد في الفتح القول بأنها غزوة تبوك بقوله في رواية زهير الآتية إن شاء الله تعالى
في سفر أصاب الناس فيه شدة (فسمعت عبد الله بن أبي) هو ابن سلول رأس النفاق (يقول: لا
تنفقوا على من عند رسول الله) من المهاجرين (حتى ينفضوا) يتفرقوا (من حوله) وسمعته يقول
(ولو) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: ولئن (رجعنا من عنده) ولأبي ذر إلى المدينة من عنده
(ليخرجن الأعز) يريد نفسه (منها الأذل) يريد الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه قال زيد بن
" أرقم: (فذكرت ذلك) الذي قاله عبد الله بن أبي (لعمي) هو سعد بن عبادة كما عند الطبراني
وابن مردويه وليس هو عمه حقيقة وإنما هو سيد قومه الخزرج (أو لعمر) بن الخطاب بالشك،
وعند الترمذي كسائر الروايات الآتية عمي بدون شك (فذكره النبي ( لفر فدعاني) عليه الصلاة
والسلام (فحدّثته) بذلك (فأرسل رسول الله وَله إلى عبد الله بن أبي وأصحابه) فسألهم عن ذلك
(فحلفوا ما قالوا) ذلك (فكذبني رسول الله ( 38) بتشديد الذال المعجمة (وصدقه) بتشديد المهملة
أي صدق عبد الله بن أبي (فأصابني همّ لم يصبني مثله قط) في الزمن الماضي (فجلست في البيت
فقال لي عمي: ما أردت إلى أن كذّبك رسول الله (18) بتشديد المعجمة في الفرع وقف تنكز ما
أردت إلا بتشديد اللام وفي فرع غيره ككثير إلى الجارة وهو الذي في اليونينية (ومقتك) وعند
النسائي: ولامني قومي (فأنزل الله تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون﴾) وعند النسائي فنزلت: ﴿الذين
يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا﴾ حتى بلغ: ﴿لئن رجعنا إلى المدينة
ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ [المنافقون: ٧، ٨] (فبعث إليّ النبي ◌َّفيه فقرأ) ما أنزل الله عليه من
ذلك (فقال: إن الله قد صدقك یا زید).
وهذا الحديث أخرجه مسلم في التوبة والترمذي في التفسير وكذا النسائي.

١٤٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة المنافقون
٢ - باب ﴿أَتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً يَجْتَنُونَ بِها﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله عز وجل: (﴿اتخذوا أيمانهم)) حلفهم الكاذب (﴿جنة﴾)
[المنافقون: ٢] يستترون (بها) عن أموالهم ودمائهم وسقط لفظ باب لغير أبي ذر.
٤٩٠١ - هذهنا آدَمُ بْنُ أبي إياسٍ، حَدْثَنَا إِسْرائيلُ عَنْ أبي إِسْحُقَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ
الله عَنْهُ قالَ: كُنْتُ مَعَ عَمّي، فَسَمِعْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ أَبَيِّ ابْنَ سَلُولَ يَقُولُ: لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ
رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا. وَقالَ أيْضًا: لَئِنْ رَجَعْنا إلى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلِّ، فَذَكَرْتُ
ذلِكَ لِعَمّي، فَذَكَّرَ عَمّي لِرَسُولِ اللهِ﴿ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِوَهَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ أُبَيِّ وَأَصْحابِهِ
فَحَلَفُوا ما قالُوا: فَصَدْقَهُمْ رَسُولُ اللهِوَهُ وَكَذِّبَنِي، فَأصابَنِي هَمِّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ فَجَلَسْتُ فِي
بَيْتِي، فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى
مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزّ مِنْهَا الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٧، ٨] فأرسَلَ إلَيَّ رَسُولُ
اللهِوَ﴿ فَقَرَأْها عَلَيَّ ثُمَّ قالَ: ((إنَّ الله قَدْ صَدقَكَ)).
وبه قال: (حدّثنا آدم بن أبي إياس) قال: (حدّثنا إسرائيل) بن يونس (عن أبي إسحاق)
السبيعي (عن زيد بن أرقم رضي الله عنه) أنه قال: (كنت مع عمي) سعد بن عبادة أو
عبد الله بن رواحة لأنه كان في حجره قاله الكرماني (فسمعت عبد الله بن أبي) بالتنوين (ابن
سلول) بنصب ابن صفة لعبد الله وسلول اسم أمه غير منصرف والألف ثابتة في ابن (يقول: لا
تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا) من حوله (وقال) عبد الله بن أبي (أيضًا: لئن رجعنا)
وسقط لفظ أيضًا لأبي ذر (إلى المدينة ليخرجن الأعز منها) أي من المدينة (الأزل، فذكرت ذلك
لعمي فذكر عمي) ذلك (لرسول الله ﴿ فأرسل رسول الله و ﴿ إلى عبد الله بن أبي وأصحابه
فحلفوا) لما حضروا وذكر لهم ذلك أنهم (ما قالوا) ذلك (فصدقهم رسول الله وَلافير وكذّبني فأصابني
همّ لم يصبني مثله) وزاد الكشميهني قط (فجلست في بيتي) كئيبًا حزينًا (فأنزل الله عز وجل: ﴿إذا
جاءك المنافقون﴾ - إلى قوله : - ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله﴾ - إلى
قوله : - ﴿ليخرجن الأعز منها الأذل﴾). وقرأ الحسن: لنخرجن بالنون ونصب الأعز على المفعول
والأذل على الحال أي لنخرجن الأعز ذليلاً، وضعف بأن الحال لا تكون إلا نكرة والأذل معرفة
ومنهم من جوّزها والجمهور جعلوا أل مزيدة على حدّ أرسلها العراك وأدخلوا الأول فالأول
(فأرسل إلَّ) بالتشديد (رسول الله وَ﴿ فقرأها علي ثم قال: إن الله قد صدقك) فيما قلته.
٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا
ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾
(باب قوله): عز وجل: (﴿ذلك﴾) أي سوء عملهم (﴿بأنهم آمنوا﴾) بسبب أنهم آمنوا
إرشاد الساري/ ج ١١ / م ١٠

١٤٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة المنافقون
ظاهرًا (﴿ثم كفروا﴾) سرًّا (﴿فطبع﴾) ختم (﴿على قلوبهم﴾) بالكفر (﴿فهم لا يفقهون﴾﴾
[المنافقون: ٣] حقيقة الإيمان ولا يعرفون صحته وسقط باب قوله لغير أبي ذر.
٤٩٠٢ - حدثنا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبِ الْقُرَظِي قال:
سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أرْقَمَ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: لَمَّا قَالَ عَبْدُ الله بْنُ أَبَيِّ: لا تُنفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولٍ
الله وَقالَ أيْضًا: لَئِنْ رَجَعْنا إلَى الْمَدينَةِ، أخْبَرْتُ بِهِ النَّبِيَّ وََّ فَلامَنِي الآنصارُ، وَحَلَفَ
عَبْدُ الله بْنُ أُبَيِّ ما قالَ ذلِكَ فَرَجَعْتُ إِلَى الْمَنْزِلِ فَنِمْتُ، فَدَعاني رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَأَتَيْتُهُ: فَقالَ:
((إنَّ الله قَدْ صَدَقَكَ)). وَنَزَلَ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا﴾ [المنافقون: ٧] الآيَةَ وَقَالَ ابْنُ أبي زائِدَةً
عَنِ الأعْمَشِ عَنْ عَمْرٍ وَعَنِ ابْنِ لَيْلِى، عَنْ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ.
وبه قال: (حدثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج (من الحكم) بفتحتين
ابن عتيبة مصغرًا أنه (قال: سمعت محمد بن كعب القرظي) بالقاف والظاء المعجمة (قال: سمعت
زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: لما قال عبد الله بن أبي) رأس النفاق لأصحابه (لا تنفقوا على من
عند رسول الله) من المهاجرين وكان الأنصار يواسونهم لما قدموا المدينة (وقال أيضًا: لئن رجعنا إلى
المدينة) أي إلى آخر قوله المحكي في الآية (أخبرت به النبي (وَي) بعد إنكار عبد الله ذلك أو
أخبرته على لسان عمي (فلامني الأنصار) على ذلك (وحلف عبد الله بن أبي) أنه (ما قال ذلك
فرجعت إلى المنزل) مهمومًا حزينًا (فنمت فدعاني) أي فطلبني (رسول الله(*) ولأبي ذر فأتاني
رسول الله مَ﴾ (فأتيته فقال):
(إن الله قد صدقك ونزل) قوله تعالى: (﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا﴾) الآية.
(وقال ابن أبي زائدة): هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة فيما وصله النسائي (عن الأعمش)
سليمان بن مهران (عن عمرو) بفتح العين ابن مرة (عن ابن أبي ليلى) عبد الرحمن (عن زيد)
هوابن أرقم رضي الله عنه (عن النبي (وَّر).
٤ - باب ﴿وَإِذا رَأيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ
أجسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ
يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ الله أنَّى يُؤْفَكُونَ﴾
(باب) قوله عز وجل: (﴿وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم﴾) لحسن منظرهم كما يأتي (﴿وإن
يقولوا تسمع لقولهم﴾) لفصاحتهم (﴿كأنهم خُشب مستّدة﴾) جملة مستأنفة أو خبر مبتدأ محذوف
تقديره كأنهم أو في محل نصب على الحال من الضمير في قولهم أي تسمع لما يقولونه مشبهين
بأخشاب منصوبة مسندة إلى الحائط في كونهم أشباحًا خالية عن العلم والنظر (﴿يحسبون كل
صيحة﴾) تصاح واقعة ((عليهم)) لما في قلوبهم من الرعب وعليهم هو المفعول الثاني للحسبان

١٤٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة المنافقون
وقوله: (﴿هم العدوّ﴾) جملة مستأنفة أخبر الله عنهم بذلك (﴿فاحذرهم﴾) فلا تأمنهم على سرك
لأنهم عيون لأعدائك ينقلون إليهم أسرارك (﴿قاتلهم الله﴾) أهلكهم (﴿أنّى يؤفكون﴾)
[المنافقون: ٤] أي كيف يصرفون عن الإيمان بعد قيام البرهان وسقط لأبي ذر قوله: كأنهم الخ
وقال الآية بعد قوله لقولهم وسقط لغيره لفظ باب.
٤٩٠٣ - حدثنا عَمْرُو بْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحُق قالَ: سَمِعْتُ
زَيْدَ بْنَ أرْقَمَ قَالَ: خَرَجْنا مَعَ النَّبِيِّ وَّرِ فِي سَفَرِ أصابَ النَّاسَ فِيهِ شِدّةٌ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ
لأصحابِهِ: لا تُنفِقُوا عَلى مَنْ عَنْدَ رَسُولِ الله حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ، وَقالَ: لَئِنْ رَجَعْنا إلَى
الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْها الأذَلَّ، فَأَتَيْتُ النَِّيَّ نَّرِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَرْسَلَ إلى عَبْدِ الله بْنِ أَبِيِّ فَسَأَلَهُ،
فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ ما فَعَلَ قَالُوا كَذَبَ زَيْدٌ رَسُولَ اللهِ وََّ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِمَّا قَالُوا شِدَّةٌ، حَتَّى أَنْزَلَ
الله عَزَّ وَجَلَّ تَصْديقي في ﴿إذا جاءَكُ الْمُنافِقُونَ﴾ فَدَعاهُمُ النَّبِي ◌َّ لِيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ فَلَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ قالَ: كانُوا رِجالاً أَجْمَلَ شَيْءٍ.
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن خالد) بفتح العين الحراني الجزري قال: (حدّثنا زهير بن معاوية)
الجعفي الكوفي قال: (حدّثنا أبو إسحاق) عمرو السبيعي (قال: سمعت زيد بن أرقم) رضي الله
عنه (قال: خرجنا مع النبي ◌َّه في سفر) غزوة تبوك أو بني المصطلق (أصاب الناس فيه شدّة) من
قلة الزاد وغيره. قال ابن حجر: وهو يؤيد أنها غزوة تبوك (فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: لا
تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله) كذا في قراءة عبد الله وهو مخالف لرسم
المصحف ويحتمل أن يكون من تفسير عبد الله (وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها
الأذل) وأخرج الحاكم في الإكليل من طريق أبي الأسود عن عروة أن هذا القول وقع من
عبد الله بن أبي بعد أن قفلوا من الغزو. قال زيد: (فأتيت النبي ◌َّ﴾ فأخبرته فأرسل إلى
عبد الله بن أبيّ فسأله) عن ذلك (فاجتهد يمينه) في اليونينية فاجتهد يمينه بسكون الدال أي بذل
وسعه وبالغ فيها أنه (ما فعل) أي ما قال ذلك (قالوا) يعني الأنصار (كذب زيد رسول الله وَير)
بتخفيف المعجمة ورسول نصب على المفعولية (فوقع في نفسي مما قالوا شدة حتى أنزل الله عز
وجل تصديقي في ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ فدعاهم النبي ( * ليستغفر لهم) مما قالوا (فلؤوا
رؤوسهم) عطفوها إعراضًا واستكبارًا عن استغفار الرسول عليه الصلاة والسلام لهم وقوله:
(﴿خشب﴾) بإسكان الشين وضمها (﴿مسندة﴾ قال: كانوا رجالاً أجمل شيء).
قال الحافظ ابن حجر: وهذا وقع في نفس الحدیث ولیس مدرحًا فقد أخرجه أبو نعيم من
وجه آخر عن عمرو بن خالد شيخ المؤلف فيه بهذه الزيادة، وكذا أخرجه الإسماعيلي من وجه
آخر عن زهير.

١٤٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة المنافقون
٥ - باب قَوْلُهُ: ﴿وَإِذا قيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله
لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾
حَرَّكُوا أَسْتَهْزَؤُوا بِالنَّبِيِّ نَّهِ وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ مِنْ لَوَيْتُ
(باب قوله: ﴿وإذا قيل﴾) ولأبي ذر: باب بالتنوين وإذا قيل (﴿لهم تعالوا﴾) معتذرين
(﴿يستغفر لكم رسول الله﴾) عدّ هذه النحاة من الأعمال لأن تعالوا يطلب رسول الله مجرورًا بإلى
أي تعالوا إلى رسول الله ويستغفر يطلبه فاعلاً فأعمل الثاني ولذلك رفعه وحذف من الأول إذ
التقدير تعالوا إليه، ولو أعمل الأول لقيل: تعالوا إلى رسول الله يستغفر لكم فيضمر في يستغفر
فاعل قاله في الدر (﴿لوّوا رؤوسهم﴾) بالتشديد للتكثير ونافع بالتخفيف مناسبًا لما جاء في القرآن
من مستقبله نحو: يلوون ولا ينافي التكثير هذا جواب إذا (﴿ورأيتهم يصدون﴾) يعرضون عن
الاستغفار ويصدون حال لأن الرؤية بصرية (﴿وهم مستكبرون﴾) [المنافقون: ٥]. حال أيضًا وأتى
بيصدون مضارعًا ليدل على التجدد والاستمرار وسقط ورأيتهم الخ لأبي ذر وقال بعد قوله:
﴿رؤوسهم﴾ إلى قوله: ﴿وهم مستكبرون﴾ (حركوا) هو تفسير قوله لوّوا رؤوسهم (استهزؤوا
بالنبي ﴿ ويقرأ بالتخفيف) كما مرّ (من لويت) معتل العين واللام وسقط ويقرأ الخ لغير
الکشمیھني.
٤٩٠٤ - حدّثنا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسى عَنْ إِسْرائيلَ عَنْ أبي إسْحُقَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، قَالَ:
كُنْتُ مَعَ عَمّي فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِيِّ ابْنَ سَلُولَ يَقُولُ: لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله حَتَّى
يَنْفَضُّوا، وَلَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِ جَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِعَمِّي فَذَكَرَهُ لِلنَِّيِّ وَّو
وَصَدَّقَهُمْ، فَدَعاني فَحَدَّثْتُهُ فَأَرْسَلَ إلى عَبْدِ اللهِ بْنٍ أُبَيِّ وَأصْحابِهِ فَحَلَفُوا ما قالُوا وَكَذِّبَنِي
النّبِيِّ ◌َّهِ فَأصابَنِي هَمَّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطْ، فَجَلَسْتُ في بَيْتِي وَقالَ عَمّي: ما أرَدْتَ إلى أنْ
كَذِّبَكَ النَّبِيُّ وَّهِ وَمَقَتَكَ، فَأَنْزَلَ الله تَعالى: ﴿إذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ الله﴾،
وَأَرْسَلَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ◌َِّ فَقَرَأْها وَقالَ: ((إِنَّ اللهَ قَدْ صَدَّقَكَ)).
وبه قال: (حدّثنا عبيد الله بن موسى) بضم العين مصغرًا أو محمد العبسي مولاهم الكوفي
(عن إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق (عن) جده (أبي إسحاق) عمرو السبيعي (عن زيد بن
أرقم) رضي الله عنه أنه (قال: كنت مع عمي) قيل زيادة على ما مرّ أنه ثابت بن قيس بن زيد
وهو أخو أرقم بن زيد أو أراد عمه زوج أمه ابن رواحة وكانوا في غزاة بني المصطلق أو تبوك،
وعورض بأن المسلمين كانوا بتبوك أعزّاء والمنافقين أذلة وبأن ابن أبي لم يشهدها إنما كان في
الخوالف كما مرّ والإعادة لمزيد الإفادة. (فسمعت عبد الله بن أبي ابن سلول يقول): أي لأصحابه
(لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ
فذكرت ذلك لعمي فذكره عمي للنبي وَ﴿ وصدقهم) أي صدق رسول الله عليه الصلاة والسلام

١٤٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة المنافقون
ابن أُتّ وأصحابه لما حلفوا على عدم صدور المقالة المذكورة ولأبوي ذر والوقت (فدعاني) رسول
الله ◌َّ (فحدثته) بما قال ابن أَبّ (فأرسل إلى عبد الله بن أبيّ وأصحابه) فسألهم (فحلفوا ما قالوا)
ذلك (وكذّبني النبي ◌َّهر فأصابني همّ لم يصبني مثله قط فجلست في بيتي، وقال عمي: ما أردت
إلى أن كذبك النبي) وفي نسخة رسول الله (* ومقتك فأنزل الله تعالى): وفي نسخة عز وجل
(﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله﴾ وأرسل) ولأبي ذر: فأرسل بالفاء بدل الواو
(إِّ النبي ◌َّ﴾ فقرأها وقال: إن الله قد صدقك).
قيل: وليس في الحديث ما ترجم به. وأجيب: بأن عادة المؤلف أن يشير إلى أصل
الحديث، وفي مرسل الحسن فقال قوم لعبد الله بن أبيّ: فلو أتيت رسول الله وَ له فاستغفر لك
فجعل يلوي رأسه فنزلت.
٦ - باب قَوْلُهُ: (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أُسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ
تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ الله لَهُمْ إِنَّ الله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾
هذا (باب) بالتنوين (قوله) تعالى: ((سواء عليهم أستغفرت لهم﴾) يا محمد وهمزة أستغفرت
مفتوحة من غير مدّ في قراءة الجمهور وهي همزة التسوية التي أصلها للاستفهام (﴿أم لم تستغفر
لهم لن يغفر الله لهم﴾) لرسوخهم في الكفر (﴿إن الله لا يهدي القوم الفاسقين)) [المنافقون: ٦].
وسقط لأبي ذر: أم لم تستغفر لهم الخ وقال بعد قوله: أستغفرت لهم الآية، وسقط لغيره لفظ
باب.
٤٩٠٥ - حدثنا عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قالَ عَمْرُو سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ الله عَنْهُما
قالَ: كُنَّا فِي غَزاةٍ قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً في جَيْشٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المهاجرين رجلاً مِنَ الأنْصارِ، فقالَ
الأنصاري: يا للأنصار، وقال الْمُهاجِرِيُّ: يا لَلْمُهَاجِرِينَ. فَسَمِعَ ذاكَ رَسُولُ اللهِوَّرِ فَقَالَ: ((ما
بالُ دَعْوى جاهِلِيَّةٍ». قالُوا: يا رَسُولَ الله، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ، فَقالَ:
(دَعُوها فَإِنَّها مُثْنِنَةٌ)). فَسَمِعَ بِذلِكَ عَبْدُ الله بْنُ أَبَيِّ فَقَالَ: فَعَلُوها أما وَالله لَيْنْ رَجَعْنا إلَى الْمَدِينَةِ
لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْها، الأَذَلَّ فَبَلَغَ النَّبِيِّ نَّهِ: فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يا رَسولَ الله دَعني أضْرِبْ عُثْقَ هذا
الْمُنافِقِ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّرِ: ((دَعْهُ لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ)). وَكانَتِ الأنصارُ أكْثَرَ
مِنَ الْمُهاجِرِينَ، حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةِ ثُمَّ إِنَّ الْمُهاجِرِينَ كَثُرُوا بَعْدُ، قَالَ سُفْيانُ: فَحَفِظْتُهُ مِنْ عَمْرٍ
وَقَالَ عَمْرٌو سَمِعْتُ جَابِرًا كُنَّا مَعَ النَّبِّ ◌َِّ.
وبه قال: (حدّثنا علي) هو ابن عبد الله المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال عمرو):
هو ابن دينار (سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري (رضي الله عنهما قال: كنا في غزاة) قال ابن
إسحق: غزوة بني المصطلق (قال سفيان) بن عيينة (مرة في جيش) بدل في غزاة (فكسع) بكاف

١٥٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة المنافقون
فسين فعين مهملتين بفتح أي ضرب (رجل من المهاجرين) هو جهجاه بن قيس بفتح الجيمين
وسكون الهاء الأولى أو ابن سعيد الغفاري وكان أجيرًا لعمر بن الخطاب يقود فرسه بيده أو رجله
(رجلاً من الأنصار) هو سنان بن وبرة الجهني حليف لابن أبي ابن سلول على دبره (فقال
الأنصاري: يا للأنصار) بفتح اللام للاستغاثة (وقال المهاجري يا للمهاجرين) بفتح اللام للاستغاثة
أيضًا، وفي تفسير ابن مردويه أن ملاحاتهما كانت بسبب حوض شربت منه ناقة الأنصاري (فسمع
ذاك) ولأبي ذر ذلك باللام (رسول الله وَلخير فقال):
(ما بال) ما شأن (دعوى الجاهلية) ولأبي ذر: الجاهلية يريد يا لفلان ونحوه (قالوا: يا
رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار فقال) عليه الصلاة والسلام (دعوها) أي
اتركوا دعوى الجاهلية (فإنها منتنة) بضم الميم وسكون النون وكسر الفوقية أي كلمة خبيثة قبيحة
(فسمع بذلك عبد الله بن أبيّ) رأس النفاق (فقال: فعلوها) بحذف همزة الاستفهام أي افعلوا
الأثرة يريد شركناهم فيما نحن فيه فأرادوا الاستبداد به علينا.
وعند ابن إسحاق فقال عبد الله بن أبي أقد فعلوها نافرونا وكاثرونا في بلادنا ما مثلنا
وجلابيب قريش هذه إلاّ كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، ثم أقبل على من عنده من قومه
وقال: هذا ما صنعتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو كففتم عنهم
لتحوّلوا عنکم من بلادکم إلى غيرها.
(أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فبلغ) ذلك النبي وَلقر فقام عمر"
رضي الله تعالى عنه (فقال: يا رسول الله دعني أضرب) بالجزم (عنق هذا المنافق) ابن أُبيّ (فقال
النبي بلهو: دعه) انركه (لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) أدخله معهم اعتبارًا بظاهر أمره
ويتحدّث رفع على الاستئناف والكسر على جواب الأمر، وزاد ابن إسحق فقال: مر به عبادة بن
بشر بن وقش فليقتلنه فقال: لا ولكن أذن بالرحيل فراح في ساعة ما كان يرحل فيها فلقيه
أسيد بن حضير فسأله عن ذلك فأخبره فقال: فأنت يا رسول الله الأعز وهو الأذل. قال: وبلغ
عبد الله بن عبد الله بن أبيّ ما كان من أمر أبيه فأتى النبي وَ له فقال: بلغني أنك تريد قتل أبي
فيما بلغك عنه فإن کنت فاعلاً فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه فقال: بل نرفق به ونحسن صحبته.
(وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة ثم إن المهاجرين كثروا بعد) أي بعد
هذه القصة لما انضاف إليهم من مسلمة الفتح وغيرهم وهو يؤيد أن القصة لم تكن بتبوك لأن
المهاجرین کثروا بها جدًا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الأدب وكذا مسلم وأخرجه الترمذي في التفسير والنسائي
في السير والتفسير.
(قال سفيان) بن عيينة (فحفظته) أي الحديث ولأبي ذر تحفظته بفوقية مفتوحة بدل الفاء

١٥١
كتاب تفسير القرآن/ سورة المنافقون
وتشديد الفاء مفتوحة (من عمرو) هو ابن دينار (قال عمرو: سمعت جابرًا كنا مع النبي (َّهِ) زاد
أبو ذر عن الكشميهني الكسع أن تضرب بيدك على شيء أو برجلك ويكون أيضًا إذا رميته بشيء
يسوءه.
٧ - باب قَوْله: ﴿هُمُ الذينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله
حَتَّى يَنْفَضُّوا وَيَتَفَرَّقُوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾
هذا (باب) بالتنوين (قوله: ﴿هم الذين﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله عز وجل:
﴿هم الذين﴾ (﴿يقولون﴾) للأنصار (﴿لا تنفقوا على من عند رسول الله﴾) من فقراء المهاجرين
(﴿حتى ينفضوا ويتفرقوا﴾) هو تفسير ينفضوا.
(﴿والله خزائن السموات والأرض﴾) بيده الأرزاق والقسم فهو يرزق رسوله ومن عنده
(﴿ولكن المنافقين لا يفقهون﴾﴾ [المنافقون: ٧] ذلك لجهلهم بالله، فإن قلت: فلِمَ قال هنا لا
يفقهون وقال في الآية اللاحقة لا يعلمون؟ أجيب: بأن إثبات الفقه للإنسان أبلغ من إثبات العلم
له فنفي العلم أبلغ من نفي الفقه فآثر ما هو أبلغ لما هو أدعى له، وسقط لفظ قوله: ويتفرقوا إلى
آخره لأبي ذر وقال بعد قوله: حتى ينفضوا الآية.
٤٩٠٦ - حدثنا إسْماعيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قالَ: حَدَّثَنِي إِسْماعيلُ بْنُ إبراهيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ
مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الْفَضْلِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مالِكِ يَقُولُ: حَزِنْتُ عَلى
مَنْ أُصيبَ بِالْحَرَّةِ، فَكَتَب إِلَيَّ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ، وَبَلَغَهُ شِدَّةُ حُزْني يَذْكُرُ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَلـ
يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلأنصارِ وَلأبناءِ الأنْصارِ))، وَشَكَّ ابْنُ الْفَضْلِ في أبناءِ أبناءِ الأنْصَارِ فَسَأَلَ أَنَسّا
بَعْضُ مَنْ كانَ عِنْدَهُ فَقالَ: هُوَ الَّذِي يَقُولُ رَسُولُ اللهِ: ((هذا الَّذِي أَوْفَى اللهِ لَهُ بِأُذُنِهِ)).
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) الأويسي ابن أخت إمام الأئمة مالك (قال: حدّثني)
بالإفراد (إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن) عنه (موسى بن عقبة) الإمام في المغازي (قال:
حدّثني) بالإفراد أيضًا (عبد الله بن الفضل) بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب
الهاشمي المدني (أنه سمع أنس بن مالك) رضي الله عنه (يقول: حزنت) بكسر الزاي (على من
أصيب) بالقتل (بالحرة) بفتح الحاء والراء المشددة المهملتين عند الوقعة بها سنة ثلاث وستين لما خلع
أهل المدينة بيعة يزيد بن معاوية فأرسل يزيد جيشًا كثيرًا فاستباحوا المدينة وقتل من الأنصار خلق
كثير جدًّا وكان أنس يومئذ بالبصرة فبلغه ذلك فحزن على من أصيب من الأنصار. قال أنس:
(فكتب إلي ((زيد بن أرقم و) الحال أنه (بلغه شدة حزني) على من أصيب من الأنصار (يذكر أنه
سمع رسول الله * يقول):
(اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار وشك ابن الفضل) عبد الله (في أبناء أبناء الأنصار)

١٥٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة المنافقون
هل ذكرهم أم لا وهو ثابت عند مسلم من غير شك (فسأل أنسًا بعض من كان عنده) قال الحافظ
ابن حجر: لم أعرف السائل ويحتمل أن يكون النضر بن أنس فإنه روى حديث الباب عن زيد بن
أرقم (فقال هو) أي زيد بن أرقم (الذي يقول رسول الله ﴿) فيه (هذا الذي أوفى الله) أي صدق
(له بإذنه)؟ .
قال الكرماني: كأنه جعل إذنه في السماع كالضامنة بتصديق ما سمعت فلما نزل القرآن به
صارت كأنها وافية بضمانها وزاد في النهاية خارجة عن التهمة فيما أدّته إلى اللسان في مرسل
الحسن أنه # أخذ بإذنه فقال وفي الله بإذنك يا غلام وكان عليه الصلاة والسلام لما حلف له ابن
أبي قال لابن أرقم لعله أخطأ سمعك، وللكشميهني بأذنه بفتح الهمزة والذال أي أظهر صدقه فيما
أخبر.
وهذا الحديث من أفراد البخاري.
٨ - باب ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ
الأَعَزُّ مِنْها الأَذَلَّ وَلله الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُون﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها
الأذل ولله العزة﴾) [المنافقين: ٨] الغلبة والقوة (﴿ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون﴾)
من فرط جهلهم وغرورهم أنه تعالى معزّ أوليائه بطاعتهم له ومذلّ أعدائه لمخالفتهم أمره وسقط
لأبي ذر ما بعد قوله الأذل ولغيره باب.
٤٩٠٧ - حدّثنا الْحُمَيْدِيِّ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ قالَ: حَفِظْناهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ دينارٍ، قَالَ سَمِعْتُ
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله رَضِيَ الله عَنْهُما يَقُولُ: كُنا في غَزاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهاجِرينَ رَجلاً مِنَ
الأنصارِ، فَقالَ الأنْصارِيُّ: يا لَلأَنْصَارِ، وَقالَ الْمُهاجِرِيُّ: يا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمَّعَهَا الله رَسُولَهُ وَّهِ
قالَ: ((ما هذا»؟ فَقالُوا: كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهاجِرينَ رَجُلاً مِنَ الأنْصارِ، فَقالَ الأنصارِيُّ: يا
لَلأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهاجِرِيُّ: يا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَقالَ النَّبِيِّ نََّ: ((دَعُوهَا فَإِنَّها مُنْتِنَةٌ)). قالَ جابِرُ:
وَكَانَتِ الأَنْصَارُ حينَ قَدِمَ النّبِيِّ ◌َ﴿ أَكْثَرَ ثمّ كَثُرَ الْمُهَاجِرُونَ بَعْدُ، فَقالَ عَبْدُ الله بْنُ أُبِيُّ أَوَ قَدْ
فَعَلُوا وَالله لَئِنْ رَجَعْنا إلَى الْمَدينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ الله
عَنْهُ: دَعْني يا رَسُولَ الله أضْرِبُ عُثْقَ هذَا الْمُنافِقِ. قالَ النَّبِيِّ وَهُ: ((دَعْهُ لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ
مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ)) .
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حفظناه)
أي الحديث (من عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: كنا في
غزاة) سبق أنها غزوة بني المصطلق (فكسع) بالعين والسين المهملتين (رجل من المهاجرين) يسمى

١٥٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة التغابن
جهجاهًا الغفاري (رجلاً من الأنصار) يسمى سنانًا الجهني أي ضرب بيده على دبره (فقال
الأنصاري: يا للأنصار) أغيثوني (وقال المهاجري: يا للمهاجرين) أغيثوني (فسمعها الله) بتشديد
الميم (رسوله ◌َّاخر قال):
(ما هذا؟ فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار فقال الأنصاري: يا للأنصار)
مستغيثًا بهم (وقال المهاجري: يا للمهاجرين) مستغيئًا بهم (فقال النبي ◌َّير: دعوها) أي كلمة
الاستغاثة (فإنها منتنة) بضم الميم خبيثة.
(قال جابر) بالسند السابق (وكانت الأنصار حين قدم النبي بَّر أكثر) من المهاجرين (ثم كثر
المهاجرون بعد) أي بعد هذه القصة (فقال عبد الله بن أبي: أوَقد فعلوا) الأثرة (والله لئن رجعنا إلى
المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) وفي الترمذي فقال غير عمرو فقال له ابنه عبد الله بن
عبد الله بن أبي والله لا تنقلب أي إلى المدينة حتى تقول: إنك أنت الذليل ورسول الله العزيز
ففعل (فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه) بعد أن بلغ النبي ◌َّر ذلك (دعني يا رسول الله
أضرب) بالجزم (عنق هذا المنافق) ابن أبيّ (قال) ولأبي ذر فقال (النبي ◌َلقى: دعه لا يتحدث الناس
أن محمدًا) زاد في نسخة وَّه وهي ثابتة في اليونينية (يقتل أصحابه).
فإن قلت: الصحابي لا بدّ أن يكون مسلمًا والإسلام والنفاق لا يجتمعان، وهذا كان رأس
المنافقين فكيف أدخله في الأصحاب؟ أجيب: أدخله فيهم باعتبار الظاهر لنطقه بالشهادتين، وفي
قتله تنفير غيره عن الإسلام والتزام مفسدة لدفع أعظم المفسدين جائز.
[٦٤] سُورَةُ التَّغابُنِ
(بِسْمِ الله الرَّحْمْنِ الرَّحِيمِ). وَقَالَ عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ الله ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾: هُوَ
الَّذي إذا أصابَتْهُ مُصيبَةٌ رَضِيَ بِهَا وَعَرَفَ أَنَّهَا مِنَ الله. وَقَالَ مُجاهِدٌ: التَّغَابُنُ غَبْنُ أهْلِ الْجَنَّةِ أهْلَ
النَّارِ. ﴿إِنِ أَرْتَبْتُمْ﴾: إنْ لَمْ تَعْلَمُوا أَتَحيضُ أمْ لا تَحيضُ. ﴿فَاللَّتِي قَعَدْنَ عَنِ الْمَحِيضِ وَاللَّي
لَمْ يَحِضْنَ بَعْدُ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾.
([٦٤] سورة التغابن)
قيل: مكية، وقيل مدنية وآيها ثمان عشرة ولأبي ذر زيادة والطلاق.
(بسم الله الرحمن الرحيم) وسقطت البسملة لغير أبي ذر.
(وقال علقمة) بن قيس فيما وصله عبد الرزاق (عن عبد الله) بن مسعود في قوله تعالى:
(﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾) [التغابن: ١١] مجزوم بالشرط (هو الذي إذا أصابته مصيبة رضي بها
وعرف أنها من الله) عز وجل فيسلم لقضائه وعن محيي السُّنّة فيما ذكره في فتوح الغيب يهد قلبه
يوفقه لليقين حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه فيسلم لقضائه.

١٥٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة الطلاق
(وقال مجاهد): فيما وصله الفريابي (التغابن) هو (غبن أهل الجنة أهل النار) لنزول أهل الجنة
منازل أهل النار لو كانوا سعداء، وبالعكس مستعار من تغابن التجار كذا قرره القاضي کالكشاف،
لكن قال في فتوح الغيب لا يستقيم باعتبار الأشقياء لأنهم لا يغبنون لسعداء بنزولهم في منازلهم
من النار إلا بالاستعارة التهكمية، ولذا قال في الكشاف: وفيه تهكم بالأشقياء لأن نزولهم ليس
بغين، وجعل الواحدي التغابن من طرف واحد للمبالغة حيث قال يوم التغابن يغبن فيه أهل الحق
أهل الباطل وأهل الإيمان أهل الكفر ولا غبن أبين من هذا هؤلاء يدخلون الجنة وهؤلاء يدخلون
النار وأحسن منهما ما ذكره محيهي السُّنّة قال: هو تفاعل من الغبن وهو فوت الحظ والمراد فالمغبون
من غبن في أهله ومنازله في الجنة فظهر يومئذٍ غبن كل كافر بترك الإيمان وغبن كل مؤمن
بتقصيره في الإحسان.
(﴿إن ارتبتم﴾) أي (إن لم تعلموا أتحيض أم لا تحيض ﴿فاللائي قعدن عن المحيض﴾) ينسن
منه لكبرهن (﴿واللائي لم يحضن بعد﴾) كذا قال مجاهد فيما وصله الفريابي ولابن المنذر عنه التي
كبرت ولم تبلغ (﴿فعدتهن ثلاثة أشهر﴾﴾ [الطلاق: ٤] في غير المتوفى عنها زوجها أما هي فعدتها
ما في يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا وسقط قوله التغابن الخ لغير الحموي.
[٦٥] سُورَةُ الطَّلاقِ
١ - باب ﴿وَبالَ أَمْرِها﴾: جَزاءَ أمْرِها
([٦٥] سورة الطلاق)
مدنية وآيها اثنتا عشرة وسقطت لأبي ذر.
(باب ﴿وبال أمرها﴾) [الطلاق: ٩] أي (جزاء أمرها) قاله مجاهد فيما وصله عبد بن حميد.
٤٩٠٨ - حدثنا يَخْيّى بْنُ بُكَيْرِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قَالَ: أَخْبَرَني
سالِمْ أنَّ عَبْدَ اللَّه بْنَ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما أخْبَرَهُ أَنَّهُ طَلَّقَ آمْرَأْتَهُ وَهْيَ حائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ لِرَسُولٍ
اللهَ وََّ فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ اللهِوَ ◌ّهِ ثُمَّ قالَ: ((لِيُراجِعْها ثُمَّ يُمْسِكُها حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحيضَ فَتَظْهُرَ
فَإِنْ بَدا لَهُ أنْ يُطَلِّقَها فَلْيُطَلِّقْها طاهِرًا قَبْلَ أنْ يَمَسَّها، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ كَما أمَرَهُ الله)). [الحديث
٤٩٠٨- أطرافه في: ٥٢٥١، ٥٢٥٢، ٥٢٥٣، ٥٢٥٨، ٥٢٦٤، ٥٣٣٢، ٥٣٣٣، ٧١٦٠].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي مولاهم المصري
بالميم قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام قال: (حدّثني) بالإفراد (عقيل) بضم العين ابن خالد
(عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (قال أخبرني) بالإفراد (سالم أن) أباه (عبد الله بن عمر)
ابن الخطاب (رضي الله عنهما أخبره أنه طلق امرأته) آمنة بنت غفار بغين معجمة ففاء كما ضبطه
ابن نقطة فيما أفاده في مقدمة فتح الباري وإن تسميتها بذلك في الجزء التاسع من حديث قتيبة

١٥٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة الطلاق
جمع سعيد العيار، وللكشميهني طلق امرأة له (وهي حائض فذكر عمر لرسول الله وَ ل38) أنه طلقها
وهي حائض (فتغيظ) أي غضب (فيه رسول الله وَ ﴿) لأن الطلاق في الحيض بدعة (ثم قال
ليراجعها) إلى عصمته (ثم يمسكها حتى تطهر) من حيضها (ثم تحيض فتطهر) بالنصب فيهما عطفًا
على السابق (فإن بدا) ظهر (له أن يطلقها فليطلقها) حال كونها (طاهرًا قبل أن يمسها) يجامعها
(فتلك العدة كما أمره الله) ولأبي ذر كما أمر الله عز وجل أي في قوله تعالى: ﴿فطلقوهن
لعدتهن﴾ [الطلاق: ١] وطلاق البدعة حرام والمعنى فيه تضرر المطلقة بطول مدة التربص لأن زمن
الحيض لا يحسب من العدة ومثله النفاس ولادائه فيما بقي إلى الندم عند ظهور الحمل فإن الإنسان
قد يطلق الحائل دون الحامل وعند الندم قد لا يمكنه التدارك فيتضرر هو والولد وهذا الحديث
أخرجه أيضًا في الطلاق والأحكام وأخرجه أصحاب السُّنن في الطلاق.
٢ - باب ﴿وَأولاتُ الأحمالِ أجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ
الله يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أمْرِهِ يُسْرَا﴾ وَأولاتُ الأحمالِ واحِدُها ذاتُ حَمْلٍ
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿وأولات الأحمال أجلهن﴾) أي انقضاء عدتهن
مطلقات أو متوفّ عنهن أزواجهن (﴿أن يضعن حملهن ومن يتق الله﴾) في أحكامه فيراعي حقوقها
(﴿يجعل له من أمره يسرًا﴾﴾ [الطلاق: ٤] في الدنيا والأخرى (وأولات الأحمال: واحدها) وفي
نسخة واحدتها (ذات حمل) قاله أبو عبيدة وسقط باب لغير أبي ذر وثبت وأولات الأحمال الخ
للکشميهني .
٤٩٠٩ - حدثنا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبانُ عَنْ يَحيى قالَ: أخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةً قَالَ: جاءً
رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ جالِسٌ عِنْدَهُ فَقالَ: أَفْتِنِي فِي امْرَأَةٍ وَلَدَتْ بَعْدَ زَوْجها بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: آخِرُ الآجَلَينَ قُلْتُ أنا: ﴿وَأُوْلاتُ الأحمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ قَالَ أَبُو
هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أخي، يَعْني أبا سَلَمَةَ، فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ غُلامَهُ كُرَيْبًا إلى أُمُ سَلَمَةَ يَسْألُها،
فَقَالَتْ: قُتِلَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّةِ وَهْيَ حُبْلِى، فَوَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَخُطِبَتْ فَأَنْكَحَها
رَسُولُ اللهِ وَلِّ، وَكَانَ أَبُو السَّنابِل فيمَنْ خَطَبَها. [الحديث ٤٩٠٩ - أطرافه في: ٥٣١٨].
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن حفص) بسكون العين الطلحي الكوفي قال: (حدّثنا شيبان) بن
عبد الرحمن النحوي (عن يحيى) بن أبي كثير صالح البصري سكن اليمامة أنه (قال: أخبرني)
بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (قال: جاء رجل) قال ابن حجر لم أقف على اسمه
(إلى ابن عباس رضي الله عنهما (وأبو هريرة) رضي الله عنه والواو للحال (جالس عنده فقال
أفتني) بقطع الهمزة (في امرأة ولدت بعد) وفاة (زوجها بأربعين ليلة) هل انقضت عدتها بولادتها
أم لا (فقال ابن عباس آخر الأجلين) عدّتها ولأبي ذر آخر بالنصب أي تتربص آخر الأجلين أربعة
أشهر وعشرًا وإن ولدت قبلها فإن مضت ولم تلد تتربص حتى تلد قال أبو سلمة (قلت أنا) قال:

١٥٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة الطلاق
الله تعالى: (﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾) [الطلاق: ٤] زاد الإسماعيلي فقال ابن
عباس إنما ذاك في الطلاق (قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي يعني أبا سلمة) قاله على عادة العرب
وإلا فليس هو ابن أخيه حقيقة (فأرسل ابن عباس غلامه كريبًا) نصب عطف بيان (إلى أم سلمة)
رضي الله عنها (يسألها) عن ذلك (فقالت قتل زوج سبيعة) بنت الحارث (الأسلمية) بضم السين
المهملة وفتح الموحدة وبعد التحتية الساكنة مهملة سعد بن خولة شهد بدرًا والمشهور أنه مات
(وهي حبلى فوضعت بعد موته بأربعين ليلة فخطبت) بضم الخاء المعجمة مبنيًّا للمفعول (فأنكحها
رسول الله وَّر وكان أبو السنابل فيمن خطبها) بفتح السين المهملة وبعد النون ألف فموحدة فلام
ابن بعكك بموحدة بوزن جعفر وبعكك هو ابن الحارث بن عميلة بفتح العين القرشي قيل اسمه
عمرو، وقيل غير ذلك أسلم يوم الفتح وكان من المؤلفة وكان شاعرًا وبقي زمنًا بعد النبي ◌َّه
فيما جزم به ابن سعد، لكن نقل الترمذي عن البخاري أنه قال: لا نعلم أن أبا السنابل عاش بعد
النبي ◌َّ كذا قال:
وعند ابن عبد البر أن أبا السنابل تزوّج سبيعة بعد ذلك وأولدها سنابل بن أبي السنابل
ووقع في الموطأ فخطبها رجلان أحدهما شاب وكهل فخطبت إلى الشاب فقال الكهل لم تحلي،
وأفاد محمد بن وضاح فيما حكاه ابن بشكوال وغيره أن اسم الشاب الذي خطبها هو وأبو السنابل
فآثرته على أبي السنابل أبو البشر بكسر الموحدة وسكون المعجمة ابن الحارث ..
وتأتي بقية مباحث هذا الحديث إن شاء الله تعالى في العدد في باب: ﴿وأولات الأحمال
أجلهن﴾ وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي في الطلاق وقال المؤلف بالسند إليه.
٤٩١٠ - وَقَالَ سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ: وَأَبُو النَّغْمانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ
مُحَمَّدٍ قالَ: كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ فيها عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ أبي لَيْلِى وَكانَ أصْحابُهُ يُعَظِّمُونَهُ فَذَكَرَ آخِرَ
الأجَلَيْنِ، فَحدَّثْتُ بِحَديثِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ، قَالَ: فَضَمَّزَ لي بَعْضُ
أصحابِهِ، قالَ مُحَمَّدٌ فَفَطِنْتُ لَهُ فَقُلْتُ إِنِّي إِذَا لَجَرِيءٌ، إنْ كَذَبْتُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَهْوَ في
ناحِيَّةِ الْكُوفَةِ فَاسْتَحْيى وَقالَ: لكِنَّ عَمَّهُ لَمْ يَقُلْ ذاكَ، فَلَقيتُ أبا عَطِيَّةَ مالِكَ بْنَ عامِرٍ فَسَألْتُهُ
فَذَهَبَ يُحَدِّثُنِي حَديثَ سُبَيْعَةَ، فَقُلْتُ هَلْ سَمِعْتَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِيها شَيْئًا؟ فَقالَ: كُنَّا عِنْدَ
عَبْدِ اللَّهِ، فَقالَ: أَتَجْعَلُونَ عَلَيْها التَّغْليظَ وَلا تَجْعَلُونَ عَلَيْهَا الرُّخْصَةَ؟ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ
الْقُصْرى بَعْدَ الطُّولى ﴿وَأُولاتُ الأخمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
(وقال سليمان بن حرب) الواشحي (وأبو النعمان) محمد بن الفضل عارم شيخا المؤلف مما
وصله الطبراني في الكبير قالا (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم الجهضمي (عن أيوب) السختياني
(عن محمد) هو ابن سيرين أنه (قال: كنت في حلقة) بسكون اللام وقد تفتح (فيها عبد الرحمن بن
أبي ليلى) الأنصاري المدني ثم الكوفي (وكان أصحابه يعظمونه فذكر) ولأبي ذر فذكروا أي أصحابه

١٥٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة التحريم
(آخر الأجلين) أي أقصاهما للمتوفى عنها زوجها في العدة (فحدّثت بحديث سبيعة بنت الحارث)
الأسلمية (عن عبد الله بن عتبة) بن مسعود قال الحافظ ابن حجر وساق الإسماعيلي من وجه آخر
عن حماد بن زيد بهذا الإسناد قصة سبيعة بتمامها (قال) ابن سيرين (فضمر لي بعض أصحابه)
بتشديد الميم آخره زاي معجمة ولأبي ذر فضمر بتخفيف الميم قال ومعناه عض له شفته غمزًا وقال
عياض للقابسي فضمرني بالراء مع التخفيف ولأبي الهيثم فضمزني بنون وتحتية ساكنة بعد الزاي
مخففًا وللأصيلي فضمن بنون بعد التشديد وللباقين فضمن بكسر الميم مخففة قال وهذا كله غير
مفهوم المعنى وأشبهها رواية أبي الهيثم بالزاي لكن مع تشديد الميم وزيادة نون بعدها ياء أي
أسكتني يقال ضمز سكت وضمز غيره ولابن السكن فغمض لي فإن صحّت فمعناها من تغميض
عينيه له على المسكوت.
(قال محمد) هو ابن سيرين: (فقطنت له) بكسر الطاء وتفتح أي لإنكاره (فقلت إني إذًا
لجريء إن كذبت على عبد الله بن عتبة وهو في ناحية الكوفة فاستحيا) مما صدر من الإشارة إلى
الإنكار علّ (وقال) ابن أبي ليلى: (لكن عمه) يعني ابن مسعود ولأبي ذر لكن عمه بتخفيف النون
(لم يقل ذاك) قال ابن سيرين (فلقيت) بكسر القاف (أبا عطية مالك بن عامر) الهمداني الكوفي
التابعي (فسألته) عن ذلك تثبيتًا (فذهب) مالك (يحدثني حديث سبيعة) مثل ما حدّث به
عبد الله بن عتبة عنها ولأبي ذر بحديث سبيعة (فقلت) له أي ليستخرج ما عنده في ذلك عن ابن
مسعود لما وقع من التوقف فيما أخبر به ابن أبي ليلى عنه (هل سمعت عن عبد الله) بن مسعود
(فيها شيئًا؟ فقال: كنا عند عبد الله) بن مسعود (فقال أتجعلون عليها التغليظ) أي طول العدة
بالحمل إذا زادت مدته على مدة الأشهر (ولا تجعلون عليها الرخصة) إذا وضعت لأقل من أربعة
أشهر وعشر (لنزلت) أي والله لنزلت فهو جواب قسم محذوف (سورة النساء القصرى) سورة
الطلاق (بعد الطولى) البقرة (﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾) [الطلاق: ٤] بعد
قوله: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾
[البقرة: ٢٣٤] وهو عام في كل مَن مات عنها زوجها يشمل الحامل وغيرها وآية سورة الطلاق
شاملة للمطلقة والمتوفى عنها زوجها لكن حديث سبيعة نص بأنها تحلّ بوضع الحمل فكان فيها بيان
المراد بقوله: ﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ أنه حق من لم تضع وإلى ذلك أشار ابن
مسعود بقوله إن آية الطلاق نزلت بعد آية البقرة وليس مراده أنها ناسخة لها بل مراده أنها مخصصة
لها فإنها أخرجت منها بعض متناولاتها.
[٦٦] سُورَةُ التَّخريم
(بِسْمِ الله الرَّحمنِ الرَّحِيمِ).
([٦٦] سورة التحريم)
مدنية وآيها اثنتا عشرة ولأبي ذر سورة ﴿لِمَ تحرِّم﴾ ..

١٥٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة التحريم
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر.
١ - باب ﴿يا أيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ
ما أحَلَّ الله لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاةَ أزواجِكَ وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
(باب) وهو ساقط لغير الكشميهني (﴿يا أيها النبي لم تحرّم ما أحل الله لك﴾) [التحريم: ١]
من شرب العسل أو مارية القبطية. قال ابن كثير والصحيح أنه كان في تحريمه العسل، وقال
الخطابي: الأكثر على أن الآية نزلت في تحريم مارية حين حرمها على نفسه، ورجحه في فتح
الباري بأحاديث عند سعيد بن منصور والضياء في المختارة والطبراني في عِشرة النساء وابن مردويه
والنسائي، ولفظه عن ثابت عن أنس أن النبي وَل# كانت له أمة يطؤها فلم تزل به حفصة وعائشة
رضي الله عنهما حتى حرمها فأنزل الله تعالى: (﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي
مرضاة أزواجك﴾) حال من فاعل تحرم أي لم تحرم مبتغيًا به مرضاة أزواجك أو تفسير لتحريم أو
مستأنف فهو جواب للسؤال ومرضاة اسم مصدر وهو الرضا (﴿والله غفور رحيم﴾).
قال في فتوح الغيب: أردفه بقوله غفور رحيم جبرانًا له ولولا الإرداف به لما قام بصولة
ذلك الخطاب على أنه # ما ارتكب عظيمة بل كان ذلك من باب ترك الأولى والامتناع من المباح
وإنما شدد ذلك رفعًا لمحله وربا لمنزلته ألا ترى كيف صدر الخطاب بذكر النبي وَّ وقرن بياء
البعيد وها التنبيه أي تنبيه لجلالة شأنك فلا تبتغ مرضاة أزواجك فيما أبيح لك، وسقط لأبي ذر
تبتغي الخ وقال بعد: ﴿أحل الله لك﴾ الآية.
٤٩١١ - حدثنا مُعاذُ بْنُ فَضالَةَ، حَدَّثَنَا هِشامٌ عَنْ يَحيى بن حَكِيمٍ عَنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أنَّ
ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما قالَ: فِي الْحَرامِ يُكَفِّرُ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله
أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: ٢١]. [الحديث ٤٩١١ - أطرافه في: ٥٢٦٦].
وبه قال: (حدّثنا معاذ بن فضالة) بفتح الفاء والضاد المعجمة الزهراني قال: (حدّثنا هشام)
الدستوائي (عن يحيى) بن أبي كثير بالمثلثة (عن ابن حكيم) بفتح الحاء المهملة وكسر الكاف ولأبي
ذر هو يعلى بن حكيم الثقفي البصري (عن سعيد بن جبير أن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
في الحرام) إذا قال هذا عليّ حرام أو أنت علي حرام (يكفّر) بكسر الفاء كفارة يمين وعند الشافعي
إن نوى طلاقًا أو ظهارًا وقع المنوي لأن كلاً منهما يقتضي التحريم فجاز أن يكنى عنه بالحرام أو
نواهما معًا أو مرتبًا تخير وثبت ما اختاره منهما ولا يثبتان جميعًا لأن الطلاق يزيل النكاح والظهار
يستدعي بقاءه وإن نوى تحريم عينها أو نحوها كوطئها أو فرجها أو رأسها أو لم ينوِ شيئًا فلا تحرم
عليه لأن الأعيان وما ألحق بها لا توصف بذلك وعليه كفارة يمين، وكذا إذا قال لأمته ذلك فإنها
تحرم عليه وعليه كفارة يمين أخذًا من آية الباب.

١٥٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة التحريم
(وقال ابن عباس: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾﴾ [الأحزاب: ٢١] في كفارة
الیمین.
٤٩١٢ - حدثنا إبراهيمُ بْنُ مُوسى، أخْبَرَنَا هِشامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ جُرَيجِ عَنْ عَطاءٍ عَنْ
عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها قالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِّهِ يَشْرَبُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ آبْنَةٍ
جَحْشٍ، وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا فَوَاطَأْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ عَنْ أَيْتِنَا دَخَلَ عَلَيْهَا فَلْتَقُلْ لَهُ أَكَلْتَ مَغْافِيرَ إِنِّي أَجِدُ
مِنْكَ رِيحَ مَغافيرَ قالَ: ((لا، وَلكِنِّي كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ فَلَنْ أَعُودَ لَهُ وَقَدْ
حَلَفْتُ لا تُخْبِرِي بِذلِكَ أُحَدًا».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير
قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) الصنعاني أبو عبد الرحمن القاضي (عن ابن جريج) عبد الملك بن
عبد العزيز (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (عن عبيد بن عمير) بضم العين فيهما مصغرين الليثي
(عن عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت: كان رسول الله وَل﴿ يشرب عسلاً عند) أم المؤمنين (زينب
بنت جحش) ولأبي ذر بنت جحش (ويمكث عندها فواطأت) بهمزة ساكنة في الفرع. وقال
العيني: هكذا في جميع النسخ أي بترك الهمزة وأصله فواطأت بالهمزة، وقال في المصابيح لامه
همزة إلا أنها أبدلت هنا ياء على غير قياس ولأبي ذر فتواطأت بزيادة فوقية قبل الواو مع الهمزة
أيضًا مصححًا عليه في الفرع أي توافقت (أنا وحفصة) أم المؤمنين بنت عمر (عن) ولابن عساكر
والأصيلي على (أيتنا) أي أيّ زوجة منا (دخل عليها) عليه الصلاة والسلام (فلتقل له أكلت مغافير)
استفهام محذوف الأداة ومغافير بفتح الميم والمعجمة وبعد الألف فاء جمع مغفور بضم الميم وليس
في كلامهم مفعول بالضم إلا قليلاً والمغفور صمغ حلو له رائحة كريهة ينضحه شجر يسمى
العرفط بعين مهملة وفاء مضمومتين بينهما راء ساكنة آخره طاء مهملة وزاد في الطلاق من طريق
حجاج عن ابن جريج فدخل على إحداهما فقالت له: (إني أجد منك ريح مغافير قال) عليه الصلاة
والسلام:
(لا) ما أكلت مغافير وكان يكره الرائحة الكريهة (ولكني كنت أشرب عسلاً عند زينب ابنة
جحش) ولأبي ذر بنت جحش (فلن أعود له وقد حلفت) على عدم شربه (لا تخبري بذلك أحدًا)
وقد اختلف في التي شرب عندها العسل ففي طريق عبيد بن عمير السابقة أنه كان عند زينب
وعند المؤلف من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في الطلاق أنها حفصة بنت عمر ولفظه
قالت: كان رسول الله ﴿ يحب العسل والحلواء وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه
فيدنو من إحداهن فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس فغرت فسألت عن
ذلك فقيل لي أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل فسقت النبي وَّه منها شربة فقلت أما والله
لنحتالن له فقلت لسودة بنت زمعة إنه سيدنو منك فإذا دنا منك فقولي له ما هذه الريح التي أجد
منك؟ الحديث، وفيه: وقولي أنت يا صفية ذاك وعند ابن مردويه من طريق ابن أبي مليكة عن ابن

١٦٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة التحريم
عباس أن شربه كان عند سودة وأن عائشة وحفصة هما اللتان تظاهرتا على وفق ما في رواية
عبيد بن عمير وإن اختلفا في صاحبة العسل فيحمل على التعدّد أو رواية ابن عمير أثبت لموافقة
ابن عباس لها على أن المتظاهرين حفصة وعائشة، فلو كانت حفصة صاحبة العسل لم تقرن في
المظاهرة بعائشة.
وفي كتاب الهبة عن عائشة أن نساء النبي و * كنَّ حزبين أنا وسودة وحفصة وصفية في
حزب، وزينب بنت جحش وأم سلمة والباقيات في حزب، وهذا يرجح أن زينب هي صاحبة
العسل، ولذا غارت عائشة منها لكونها من غير حزبها ويأتي مزيد بحث لفوائد هذا الحديث إن
شاء الله تعالى في الطلاق بعون الله .
وحديث الباب أخرجه المؤلف أيضًا في الطلاق والأيمان والنذور ومسلم في الطلاق وأبو
داود في الأشربة والنسائي في الأيمان والنذور وعشرة النساء والطلاق والتفسير.
٢ - باب قوله: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَةَ أَزْواجِكَ
قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَجِلَّةَ أيْمانِكُم وَالله مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في (قوله) جل وعلا: (﴿تبتغي مرضاة أزواجك﴾) أي رضاهن
((قد فرض الله لكم﴾) أي شرع لكم (﴿تحلة أيمانكم)) تحليلها بالكفارة وقد كفر عليه الصلاة
والسلام قال مقاتل أعتق رقبة في تحريم مارية وقال الحسن لم يكفر لأنه مغفور له (﴿والله
مولاكم﴾) متولي أمركم (﴿وهو العليم﴾) بما يصلحكم (﴿الحكيم﴾) [التحريم: ٢] المتقن في
أفعاله وأحكامه وسقط لغير أبي ذر لفظ باب وقوله ﴿والله مولاكم﴾ الخ.
٤٩١٣ - حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ عَنْ يَخيى عَنْ عُبَيْدِ بْنِ
حُنَيْنِ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما يُحَدِّثُ أنَّهُ قالَ: مَكَثْتُ سَنَةً أُريدُ أنْ أسْألَ عُمَرَ بْنَ
الْخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ فَما أَسْتَطِيعُ أنْ أَسْأَلَهُ هَنْبَةً لَهُ، حَتَى خَرَجَ حاجًّا فَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ وَكُنَّا
بِبَعْضِ الطَّريقِ، عَدَلَ إلَى الأراكِ لِحاجَّةٍ لَهُ، قَالَ فَوَقَفْتُ لَهُ حَتَّى فَرَغَ، ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ فَقُلْتُ لَهُ:
يا أميرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنِ اللَّانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى النَّبِيِّ وَيهِ مِنْ أزواجِهِ، فَقالَ: تِلْكَ حَفْصَةُ وَعائِشَةُ، قَالَ:
فَقُلْتُ: وَالله إنْ كُنْتُ لِأُريدُ أنْ أسْألَكَ عَنْ هذا مُنْذُ سَنَةٍ فَمَا أَسْتَطِيعُ هَيْبَةٌ لَكَ، قَالَ: فَلا تَفْعَلْ ما
ظَبَنْتُ أنَّ عِنْدي مِنْ عِلْمِ فَاسألْنِي فَإنْ كانَ لِي عِلْمٌ خَبَّرْتُكَ به، قالَ: ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: وَالله إنْ كُنَّا
فِي الْجَاهِلِيَّةِ ما نَعُدُّ لِلنَّسَاءِ أمْرًا حَتَّى أَنْزَلَ الله فيهِنَّ ما أَنْزَلَ وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ، قَالَ: فَبَيْنا أنَا في
أمْرٍ أَتَأَمَّرُهُ إِذْ قَالَتِ امْرَأْتِي لَوْ صَنَعْتَ كَذا وَكَذا، قالَ: فَقُلْتُ لَها: ما لَكِ وَلِما هُهُنا، فيما
تَكَلُّفُكِ في أمْرٍ أُريدُهُ فَقالَتْ لي: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ما تُريدُ أنْ تُراجَعَ أنْتَ وَإِنَّ أَبْنَتَكَ
لَتْرَاجِعُ رَسُولَ اللهِ وَه حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ. فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ مَكَانَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلى