النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كتاب تفسير القرآن/ سورة صّ
قالَ: دَخَلْنا عَلى عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: يا أيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ
فَلْيَقُلِ: الله أعْلَمُ. فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أنْ يَقُولُ لِما لا يَعْلَمُ الله أعْلَمُ. قالَ الله عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ وََّ:
﴿قُلْ ما أسْألُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلْفِينَ﴾ [صّ: ٨٦] وَسَأُحَدْتُكُمْ عَنِ الدُّخانِ، إنَّ
رَسُولَ اللهِوَرِ دَعا قُرَيْشًا إِلَى الإِسْلامِ، فَأَبْطَؤُوا عَلَيْهِ، فَقالَ: ((اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعٍ
يُوسُفَ))، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ فَحَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى أَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْجُلُودَ، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَرى
بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّماءِ دُخانًا مِنَ الْجُوعِ. قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ
يَغْشَى النَّاسَ هذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠] قالَ فَدَعَوْا ﴿رَبَّنَا أَكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ أَنَّى
لَهُمُ الذِّكْرِى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مَعَلَّمْ مَجْنُونٌ إِنَّ كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ
عائِدُونَ أَفَيُكْشَفُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [الدخان: ١٠ - ١٥] قالَ: فَكُشِفَ، ثُمَّ عادُوا في كُفْرِهِمْ
فَأَخَذَهُمُ الله يَومَ بَذْرٍ. قَالَ الله تَعالَى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرِى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦].
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) سقط لغير أبي ذر ابن سعيد قال: (حدّثنا جرير) هو ابن
عبد الحميد (عن الأعمش) سليمان (عن أبي الضحى) مقصور مسلم بن صبيح (عن مسروق) هو
ابن الأجدع أنه (قال: دخلنا على عبد الله بن مسعود) رضي الله عنه (قال: يا أيها الناس من علم
شيئًا فليقل به، ومَن لم يعلم فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم قال الله
عز وجل لنبيه وَليّ: ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر﴾) أي جعل على القرآن أو تبليغ الوحي (﴿وما
أنا من المتكلفين﴾) وكل من قال شيئًا من تلقاء نفسه فقد تكلف، (وسأحدثكم عن الدخان)
المذكور في قوله تعالى: ﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ [الدخان: ١٠] (إن رسول الله وَ لّفي دعا
قريشًا إلى الإسلام فأبطؤوا عليه فقال):
(اللهم أعني عليهم بسبع) من السنين (كسبع يوسف) المذكورة في قوله تعالى: ﴿ثم يأتي من
بعد ذلك سبع شداد﴾ [يوسف: ٤٨] (فأخذتهم سنة) قحط (فحصت) بالحاء والصاد المهملتين
أذهبت وأفنت (كل شيء حتى أكلوا الميتة والجلود) من شدّة الجوع (حتى جعل الرجل يرى بينه
وبين السماء دخانًا) لضعف بصره (من الجوع. قال الله عز وجل: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء
بدخان مبين يغشى الناس﴾) يحيط بهم صفة للدخان (﴿هذا عذاب أليم﴾) في موضع نصب بالقول
أي قائلين هذا عذاب أليم (قال: فدعوا) أي قريش (﴿ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون﴾) وعد
بالإيمان إن كشف العذاب عنهم (﴿أنى لهم الذكرى﴾) أي كيف يذكرون ويتعظون ويَفُون بما
وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب (﴿وقد جاءهم رسول مبين﴾) بيّن لهم ما هو أعظم وأدخل
في وجوب الاذكار من الآيات والمعجزات (﴿ثم تولوا عنه وقالوا معلم﴾) يعلمه غلام أعجمي
لبعض ثقيف وقال آخرون إنه (﴿مجنون إنّا كاشفوا العذاب﴾) بدعاء النبي ◌َّر كشفًا (﴿قليلاً﴾) أو

٢٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة الزمر
زمانًا قليلاً (﴿إنكم عائدون﴾) [الدخان: ١٠ - ١٥] إلى الكفر قال ابن مسعود: (أفيكشف) بهمزة
الاستفهام وضم الياء مبنيًّا للمفعول (﴿العذاب يوم القيامة﴾؟ قال): أي ابن مسعود رضي الله عنه
(فكشف) بضم الكاف مبنيًّا للمفعول أي العذاب عنهم، ولأبي ذر: فكشف بفتحها والفاعل
محذوف أي فكشف الله عنهم (ثم عادوا في كفرهم) عقب الكشف (فأخذهم الله يوم) وقعة (بدر.
قال الله) ولأبي ذر وقال الله (تعالى) ولأبي ذر عز وجل (﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾) يوم بدر
ظرف لفعل دلّ عليه (﴿إنّا منتقمون﴾﴾ [الدخان: ١٦] لا لمنتقمون فإن أن تحجزه عنه كذا قاله
البيضاوي کالزمخشري وقيل بدل من يوم تأتي أو بإضمار أذكر.
وهذا الحديث سبق في سورة الروم.
[٣٩] سورة الزُّمَرُ
(بسْمِ الله الرَّحْمْنِ الرَّحِيمِ) وَقال مُجاهِدٌ: ﴿يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾: يُجَرُّ عَلى وَجْهِهِ فِي النَّارِ،
وَهُوَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾. ﴿ذِي عِوَجٍ﴾: ◌َبْسٍ.
﴿وَرَجُلاً سَلَمَا لِرَجُلٍ﴾: صالِحًا؛ مَثَلٌ لإلَهِهِمُ الْبَاطِلِ وَالإِلّهِ الْحَقِّ. ﴿وَيُخَوْفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ
دُونِهِ﴾: بالأوْثانِ. ﴿خَوَّلْنا﴾: أعطَيْنا. ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصَّذْقِ﴾: الْقُرْآنِ. ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾:
الْمُؤْمِنُ. يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَقُولُ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِما فِيهِ. ﴿مُتَشَاكِسُون﴾: الرَّجُلُ
الشّكِسُ الْعَسِرُ لا يَرْضى بِالإنْصافِ. ﴿وَرَجُلاً سَلَمًا﴾ وَيُقالُ ﴿سالِمًا﴾: صالِحًا. ﴿اشْمَأْزَّتْ﴾:
نَفَرَتْ. ﴿بمَفازَتِهِمْ﴾: مِنَ الْفَوْزِ. ﴿حافّينَ﴾: أطافُوا بِهِ مُطيفينَ. ﴿بِحِفافَيْهِ﴾: بِجَوانِهِ.
﴿مُتَشَابِهَا﴾: لَيْسَ مِنَ الإِشْتِياءِ. وَلَكِنْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي التَّصْدِيقِ.
([٣٩] سورة الزمر)
مكية إلا ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ [الزمر: ٥٣] الآية وآيها خمس أو اثنتان
وسبعون، ولأبي ذر سورة الزمر (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه في قوله (﴿يتقي﴾) ولغير أبي
ذر: أفمن يتقي (﴿بوجهه﴾﴾ [الزمر: ٢٤] أي (يجر على وجهه في النار) يجر بالجيم المفتوحة مبنيًّا
للمفعول وللأصيلي كما في الفتح يخر بالخاء المعجمة المكسورة (وهو قوله تعالى: ﴿أفمن يلقى في
النار خير أم من يأتي آمنًا يوم القيامة﴾﴾ [فصلت: ٤٠] وقال عطاء يرمى به في النار منكوسًا فأول
شيء يمس النار منه وجهه وخبر أفمن يتقي بوجهه محذوف تقديره كمن هو آمن منه.
(﴿ذي﴾) ولأبي ذر: غير ذي (﴿عوج)) [الزمر: ٢٨] أي (لبس) بموحدة ساكنة وقال ابن
عباس غير مخلوق.
(﴿ورجلاً سلمًا﴾﴾ [الزمر: ٢٩] بفتح اللام من غير ألف مصدر وصف به ولأبي ذر وابن

٢٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة الزمر
عساكر سالمًا بكسرها مع الألف وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير اسم فاعل من الثلاثي (الرجل) أي
(صالحًا) كذا لأبي ذر عن الحموي والمستملي وفي رواية الكشميهني خالصًا بدل صالحا ومراده قوله
تعالى: ﴿ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون﴾ [الزمر: ٢٩] أي متنازعون كلٌّ يدّعي أنه
عبده فهم يتجاذبونه حوائجهم وهو متحير في أمره كلما أرضى أحدهم غضب الباقون وإذا احتاج
إليهم رده كل واحد إلى الآخر فهو في عذاب دائم ورجلاً سالمًا لرجل واحد لا يملكه غيره فهو
يخدمه على سبيل الإخلاص وسيده يعينه على مهماته هذا (مثل لآلهتهم) بمد الهمزة الإلّه (الباطل
والإله الحق) قاله مجاهد فيما وصله الفريابي.
(﴿ويخوفونك﴾) يعني قريشًا (﴿بالذين من دونه)) [الزمر: ٣٦] أي (بالأوثان) وذلك أنهم
قالوا له عليه الصلاة والسلام لتكفنّ عن شتم آلهتنا أو لنأمرنها فلتخبلتك فنزلت ويخوّفونك رواه
عبد الرزاق وسقط لأبي ذر من قوله مثل إلى هنا.
((خوّلنا﴾) في قوله تعالى: ﴿ثم خوّلناه نعمة﴾ [الزمر: ٤٩] أي (أعطينا) قاله أبو عبيدة.
(﴿والذي جاء بالصدق﴾) أي (القرآن) وفي نسخة القرآن بالرفع بتقدير هو (﴿وصدق به﴾)
[الزمر: ٣٣] هو (المؤمن يجيء يوم القيامة) حال كونه (يقول) رب (هذا الذي أعطيتني) يريد
القرآن (عملت بما فيه) رواه عبد الرزاق عن ابن عيينة عن منصور وقيل الذي جاء هو الرسول
عليه الصلاة والسلام والمصدق أبو بكر قاله أبو العالية قال في الأنوار وذلك يقتضي إضمار الذي
وهو غير جائز وقوله والذي جاء بالصدق لفظه مفرد ومعناه جمع لأنه أريد به الجنس فيتناول
الرسل والمؤمنين لقوله: ﴿أولئك هم المتقون﴾ [الزمر: ٣٣] فجمع أو الذي صفة لموصوف محذوف
بمعنى الجمع أي والفريق أو الفوج ولذلك قال أولئك.
(﴿متشاكسون﴾ الرجل الشكس) بكسر الكاف هو (العسر) الذي (لا يرضى بالإنصاف) قال
الكسائي يقال شكس يشكس شكوسًا وشكسًا إذا عسر وهو رجل شكس أي عسر وشاكس إذا
تعاسر (﴿ورجلاً سلمًا﴾) ويقال (﴿سالمًا﴾ صالحا) كذا أثبته هنا في الفرع کأصله وقد سبق.
(﴿اشمأزت﴾) في قوله: ﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة
وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾ [الزمر: ٤٥] قال مجاهد فيما وصله الطبري أي
(نفرت) وقال أبو زيد الاشمئزاز الذعر اشمأز فلان ذعر ووزنه افعلل كاقشعرّ قال الزمخشري ولقد
تقابل الاستبشار والاشمئزاز إذ كل واحد منهما غاية في بابه لأن الاستبشار أن يمتلىء قلبه سرورًا
حتى يظهر ذلك السرور في أسرّة وجهه ويتهلّل والاشمئزاز أن يمتلىء غيظًا وغمًّا حتى يظهر
الانقباض في أدیم وجهه.
(﴿بمفازتهم﴾) مفعلة (من الفوز) أي ينجيهم بفوزهم من النار بأعمالهم الحسنة. وقرأ
الأخوان وشعبة بمفازاتهم بالجمع لأن النجاة أنواع والمصادر إذا اختلفت أنواعها جمعت.

٢٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة الزمر
(﴿حافين﴾) في قوله تعالى: ﴿وترى الملائكة حافين من حول العرش﴾ [الزمر: ٧٥] أي
(أطافوا به) حال كونهم (مطيفين) دائرين (بحفافيه) بكسر الحاء المهملة مصححًا عليها في الفرع
كأصله وكذا قال العيني كفتح الباري والبرماوي والكرماني بكسرها وفاءين مفتوحتين مخففتين بينهما
ألف تثنية حفاف وفي الناصرية بفتح الحاء أي (بجوانبه) قال الليث حف القوم بسيدهم يحفون حقًّا
إذا طافوا به ولأبي ذر عن المستملي بجانبيه بدل بحفافيه وسقط بجوانبه لأبي ذر.
(﴿متشابهًا﴾) في قوله تعالى: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا﴾ [الزمر: ٢٣] (ليس
من الاشتباه ولكن يشبه بعضه بعضًا في التصديق) والحسن ليس فيه تناقض ولا اختلاف.
١ - باب قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أَنّفُسِهِمْ
لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ الله إنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
هذا (باب) بالتنوين (قوله: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا﴾) في المعاصي (﴿على أنفسهم لا
تقنطوا﴾) لا تيأسوا (﴿من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾) الكبائر وغيرها الصادرة عن
المؤمنين (﴿إنه هو الغفور﴾) لمن تاب (﴿الرحيم)) [الزمر: ٥٣] بعد التوبة لمن أناب، لكن قال
القاضي ناصر الدين تقييده بالتوبة خلاف الظاهر وإضافة العباد تخصصه بالمؤمنين كما هو عرف
القرآن، وفي الآية من أنواع المعاني والبيان إقباله عليهم ونداؤهم وإضافتهم إليه إضافة تشريف
والالتفات من التكلم إلى الغيبة في قوله من رحمة الله وإضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى وإعادة
الظاهر بلفظه في قوله إن الله وإبراز الجملة من قوله: ﴿إنه هو الغفور الرحيم﴾ مؤكدة بأن إعادة
الصفتين السابقتين والذين أسرفوا عامّ في جميع المسرفين ويغفر الذنوب جميعًا شامل لكبائرها
وصغائرها فتغفر مع التوبة أو بدونها خلافًا للمعتزلة حيث ذهبوا إلى أنه يعفو عن الصغائر قبل
التوبة وعن الكبائر بعدها، وجمهور أصحابنا أنه يعفو عن بعض الكبائر مطلقًا ويعذب ببعضها إلا
أنه لا علم لنا الآن بشيء من هذين البعضين بعينه. وقال كثير منهم لا نقطع بعفوه عن الكبائر
بلا توبة بل نجوّزه واحتج الجمهور بوجهين الأول أن العفو لا يعذب على الذنب مع استحقاق
العذاب ولا تقول المعتزلة بذلك الاستحقاق في غير صورة النزاع إذ لا استحقاق بالصغائر أصلاً
بالكبائر بعد التوبة فلم يبق إلا الكبائر قبلها فهو يعفو عنها كما ذهبنا إليه الثاني الآيات الدالّة على
العفو عن الكبيرة قبل التوبة نحو قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك
لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨] فإن ما عدا الشرك داخل فيه ولا يمكن التقييد بالتوبة لأن الكفر معفوّ
معها فيلزم تساوي ما نفي عنه الغفران وما أثبت له وذلك مما لا يليق بكلام عاقل فضلاً عن كلام
الله تعالى وقوله: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾ [الزمر: ٥٣] عامّ للكل فلا يخرج عنه إلا ما أجمع
عليه وسقط قوله: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾ الخ لأبي ذر ولفظ باب لغيره.
٤٨١٠ - حدثني إبْراهِيمُ بْنُ مُوسى أخْبَرَنا هِشامُ بْنُ يُوسُفَ أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ، قالَ

٢٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة الزمر
يَغْلى: إنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما، أنَّ ناسًا مِنْ أهْلِ الشِّرْكِ كانُوا
قَدْ قَتَلُوا وَأكْثَرُوا، وَزَنَوْا وَأكْثَرُوا، فَأَتَوْا مُحَمَّدًا وَّهِ فَقالُوا: إنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ
تُخْبِرُنا أنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً. فَنَزَّلَ ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ الله إِلَّهَا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي
حَرَّمَ الله إلاَّ بِالْحَقْ وَلاَ يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]. وَنَزَلَ ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ
لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله﴾ [الزمر: ٥٣].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير
قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) الصنعاني (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم)
قال: (قال يعلى) هو ابن مسلم بن هرمز كما في مسلم (أن سعيد بن جبير أخبره عن ابن عباس
رضي الله عنهما أن ناسًا من أهل الشرك) سمى الواقدي منهم وحشي بن حرب قاتل حمزة وكذا
هو عند الطبراني عن ابن عباس من وجه آخر (كانوا قد قتلوا وأكثروا) من القتل (وزنوا وأكثروا)
من الزنا (فأتوا محمدًا وَّ ر فقالوا إن الذي تقول وتدعو إليه) من الإسلام (لحسن) وفي نسخة به
بدل إليه (لو تخبرنا إن لما) أي للذي (عملنا) من الكبائر (كفارة فنزل ﴿والذين لا يدعون مع الله
إلَهَا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله﴾) أي حرّم قتلها (﴿إلا بالحق ولا يزنون﴾)
[الفرقان: ٦٨] قال في الأنوار نفى عنهم أمهات المعاصي بعدما أثبت لهم أصول الطاعات إظهار
الكمال إيمانهم وإشعارًا بأن الأجر المذكور موعود للجامع بين ذلك وتعريضًا للكفرة بأضداده
(ونزل) ولأبي ذر: ونزلت بتاء التأنيث (﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من
رحمة الله﴾).
وعند الإمام أحمد من حديث ثوبان مرفوعًا: ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية ﴿يا
عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ إلى آخرها فقال رجل: يا رسول الله فمن أشرك: فسكت
النبي وَّر ثم قال: ((إلا ومن أشرك)) ثلاث مرات. وعنده أيضًا عن أسماء بنت يزيد قالت
سمعته وَلهو يقول: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر
الذنوب جميعًا﴾ ولا يبالي. قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو
يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، ولما أسلم وحشي بن حرب فقال الناس: يا رسول الله إنّا أصبنا ما
أصاب وحشي فقال هي للمسلمين عامة. وقال ابن عباس: قد دعا الله سبحانه وتعالى إلى توبته
مَن قال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤]، وقال ما علمت لكم من إلّه غيري فمن آيس
العباد من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله، ولكن إذا تاب الله على العبد تاب.
٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾
(باب قوله: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾) [الزمر: ٦٧] أي ما عظموه حق عظمته حين
أشركوا به غيره وسقط باب لغير أبي ذر.

٢٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة الزمر
٤٨١١ - حدّثنا آدَمُ، حَدَّثَنا شَيْبانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ الله رَضِيَ
الله عَنْهُ قالَ: جاءَ حَبْرٌ مِنَ الأخبارِ إلى رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَقال: يا مُحَمَّدُ، إنَّا نَجِدُ أنَّ الله يَجْعَلُ
السَّمَواتِ عَلى إصْبَعٍ، وَالأَرَضينَ عَلى إِصْبَعٍ، والشَّجَرَ عَلى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلى إِصْبَعِ،
وَسَائِرَ الْخَلَائِقِ عَلى إِصْبَعِ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ◌َِّ حَتَّى بَدَتْ نَواجِذُهُ تَصْدِيقًا
لِقَوْلِ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأْ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. [الحديث
٤٨١١- أطرافه في: ٧٤١٤، ٧٤١٥، ٧٤٥١، ٧٥١٣].
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شيبان) بن عبد الرحمن (عن منصور) هو
ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن عبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة السلماني (عن
عبد الله) بن مسعود (رضي الله عنه) أنه (قال: جاء حبر) بفتح الحاء المهملة (من الأحبار) عالم من
علماء اليهود قال الحافظ ابن حجر لم أقف على اسمه (إلى رسول الله بَ﴿﴿ فقال: يا محمد إنّا نجد)
أي في التوراة (أن الله يجعل السموات على إصبع) وفي رواية مسدّد عن يحيى عن سفيان عن
منصور في التوحيد أن الله يمسك بدل يجعل (والأرضين على إصبع والشجر على إصبع والماء على
إصبع وسائر الخلائق على إصبع) وفي بعض النسخ والماء على إصبع والثرى على إصبع وسقط في
بعضها والماء على إصبع (فيقول: أنا الملك) المتفرّد بالملك (فضحك النبي وَلقر حتى بدت نواجذه)
بالجيم والذال المعجمة أي أنيابه وهي الضواحك التي تبدو عند الضحك حال كونه (تصديقًا لقول
الحبر، ثم قرأ رسول الله وَلجر: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾) وقراءته عليه الصلاة والسلام هذه
الآية تدل على صحة قول الحبر كضحكة قاله النووي.
وفي التوحيد قال يحيى بن سعيد وزاد فيه فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن
عبيدة عن عبد الله فضحك رسول الله وَ له تعجبًا مما قاله الحبر وتصديقًا له، ورواه الترمذي وقال
حسن صحيح، وعند مسلم تعجبًا مما قاله الحبر وتصديقًا له. وعند ابن خزيمة من رواية إسرائيل
عن منصور حتى بدت نواجذه تصديقًا له، وعند الترمذي من حديث ابن عباس قال: مرّ يهودي
بالنبي ◌ّ﴿ فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السموات على ذه والأرضين على ذه والماء
على ذه والجبال على ذه وسائر الخلق على ذه وأشار محمد بن الصلت أبو جعفر لخنصره أوّلاً ثم
تابع حتى بلغ الإبهام وهذا من شديد الاشتباه، وقد حمله بعضهم على أن اليهود مشبهة ويزعمون
فيما أنزل إليهم ألفاظًا تدخل في التشبيه ليس القول بها من مذهب المسلمين، وبهذا قال الخطابي
وقال: إنه روى هذا الحديث غير واحد عن عبد الله من طريق عبيدة فلم يذكروا قوله تصديقًا
لقول الحبر ولعله من الراوي ظنّ وحسبان، وضحكه وَ ل﴿ تعجب من كذب اليهودي، فظن الراوي
أن ذلك التعجب تصديق وليس كذلك.
وقال أبو العباس القرطبي في المفهم: هذه الزيادة من قول الراوي باطلة لأن النبي وَلقول لا

٢٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة الزمر
يصدّق بالمحال لأن نسبة الأصابع إلى الله تعالى محال، وقوله: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ أي
ما عرفوه حق معرفته ولا ريب أن الصحابة كانوا أعلم بما رووه، وقد قالوا إنه ضحك
تصديقًا، وقد ثبت في الحديث الصحيح: ((ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن))
رواه مسلم. وفي حديث ابن عباس قال رسول الله وَلاير: ((أتاني الليلة ربي في أحسن صورة)»
الحديث. وفيه فوضع يده بين كتفي، وفي رواية معاذ فرأيته وضع كفه بين كتفي فوجدت برد
أنامله بين ثديي، فهذه روايات متظافرة على صحة ذكر الأصابع وكيف يطعن في حديث أجمع
على إخراجه الشيخان وغيرهما من أئمة النقد والإتقان، لا سيما وقد قال ابن الصلاح ما اتفق
عليه الشيخان هو بمنزلة المتواتر وكيف يسمع و # وصف ربه تعالى بما لا يرضاه فيضحك ولم
ينكره أشد الإنكار حاشاه الله من ذلك، وإذا تقرر صحة ذلك فهو من المتشابه كغيره كالوجه
واليدين والقدم والرجل والجنب في قوله تعالى: ﴿أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في
جنب الله﴾ [الزمر: ٥٦].
واختلف أئمتنا في ذلك هل نؤوّل المشكل أم نفوّض معناه المراد إليه تعالى مع اتفاقهم على
أن جعلنا بتفصيله لا يقدح في اعتقادنا المراد منه، والتفويض مذهب السلف وهو أسلم والتأويل
مذهب الخلف وهو أعلم أي أحوج إلى مزيد علم فنؤوّل الأصبع هنا بالقدرة إذ إرادة الجارحة
مستحيلة، وقد قال الزمخشري في كشافه بعد ذكر نحو حديث الباب إنما ضحك أفصح العرب
وتعجب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصوّر إمساك ولا أصبع ولا هز ولا
شيء من ذلك، ولكن فهمه وقع أوّل شيء وآخره على الزبدة والخلاصة التي هي الدلالة على
القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظام التي تتحير فيها الأذهان ولا تكتنهها الأوهام هيئة عليه هوانًا
لا يوصل السامع إلى الوقوف عليه إلا إجراء العبارة وفي مثل هذه الطريقة من التخييل، ولا ترى
بابًا في علم البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب ولا أنفع وأعون على تعاطي تأويل المشتبهات من
كلام الله تعالى في القرآن وسائر الكتب السماوية وكلام الأنبياء فإن أكثره وعليته تخييلات قد زلّت
فيها أقدام وما أتى الزالّون إلا من قلة عنايتهم بالبحث والتنقير حتى يعلموا أن في عداد العلوم
الدقيقة علمًا لو قدّروه حق قدره لما خفي عليهم أن العلوم كلها مفتقرة إليه وعيال عليه إذ لا يحل
عقدها الموربة ولا يفك قيودها المكربة إلا هو، وكم آية من آيات التنزيل وحديث من أحاديث
الرسول قد ضيم وسيم الخسف بالتأويلات الغثة والوجوه الرئّة لأن مَن تأوّل ليس من هذا العلم
في عير ولا نفير ولا يعرف قبيلاً من دبير.
وقال ابن فورك: يحتمل أن يكون المراد أصبع بعض مخلوقاته.
وسيكون لنا عودة إلى الإلمام بشيء من مبحث هذا الحديث إن شاء الله تعالى بعونه وتوفيقه.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التوحيد ومسلم في التوبة والترمذي والنسائي في التفسير.

٢٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة الزمر
٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ
يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
(باب قوله) تعالى: (﴿والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة)) القبضة بفتح القاف المرة من
القبض أطلقت بمعنى القبضة بالضم وهي المقدار المقبوض بالكف تسمية بالمصدر أو بتقدير ذات
قبضته (﴿والسموات مطويات بيمينه﴾) قال ابن عطية اليمين هنا والقبضة عبارة عن القدرة وما
اختلج في الصدور من غير ذلك باطل وما ذهب إليه القاضي يعني أبا الطيب من أنها صفات
زائدة على صفات الذات قول ضعيف وبحسب ما يختلج في النفوس قال عز وجل: (﴿سبحانه
وتعالى عما يشركون﴾﴾ [الزمر: ٦٧] أي هو منزه عن جميع ما وصف به المجسمون المشبهون
وتأكيد الأرض بالجميع لأن المراد بها الأرضون السبع أو جميع أبعاضها البادية والغائرة وخص ذلك
بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا يظهر كمال قدرته في
الإعدام عند خراب الدنيا وسقط لأبي ذر قوله والسموات الخ.
٤٨١٢ - حدثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرِ قالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قالَ: حَدْثَنِي عَبْدُ الرَّحْمْنِ بْنُ خالِدِ بْنِ
مُسافِرٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((يَقْبِضُ
اللَّهُ الأرضَ، وَيَطْوِي السَّمُواتِ بَيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأرضِ))؟ [الحديث
٤٨١٢- أطرافه في: ٦٥١٩، ٧٣٨٣، ٧٤١٣].
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) بضم العين المهملة وفتح الفاء مصغرًا نسبه لجدّه لشهرته به
واسم أبيه كثير المصري (قال: حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام (قال: حدثني) بالإفراد
(عبد الرحمن بن خالد بن مسافر) الفهمي المصري (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن
أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (أن أبا هريرة) رضي الله عنه: (قال: سمعت رسول الله وَله.
يقول):
(يقبض الله الأرض ويطوي السموات) وفي نسخة السماء ((بيمينه)) يطلق الطيّ على الأدراج
كطيّ القرطاس كما قال الله تعالى: ﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب﴾ [الأنبياء: ١٠٤]
وعلى الإفناء تقول العرب طويت فلانًا بسيفي أي أفنيته وقال القاضي عبر عن إفناء الله تعالى هذه
المظلة والمقلة ورفعهما من البين وإخراجهما من أن يكونا مأوى ومنزلاً لبني آدم بقدرته الباهرة التي
تهون عليها الأفعال العظام التي تتضاءل دونها القوى والقدر وتتحير فيها الأفهام والفكر على طريقة
التمثيل والتخييل (ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض).
ولمسلم من حديث ابن عمر مرفوعًا (يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهنّ بيده
اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرض بشماله ثم يقول أنا الملك»

٢٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة الزمر
الحديث فأضاف طيّ السموات وقبضها إلى اليمين وطيّ الأرض إلى الشمال تنبيهًا وتخييلاً لما بين
المقبوضين من التفاوت والتفاضل.
وحديث الباب أخرجه أيضًا في التوحيد.
٤ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَتُفِخَ فِي الصُّورِ
فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْض
إِلاَّ مَنْ شَاءَ الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾
(باب قوله) تعالى: (﴿ونفخ في الصور﴾) النفخة الأولى وقرأ الحسن بفتح الواو وجمع صورة
وفيه رد على ابن عطية حيث قال إن الصور هنا يتعين أن يكون القرن ولا يجوز أن يكون جمع
صورة (﴿فصعق مَن في السموات ومَن في الأرض﴾) خرّ ميتًا أو مغشيًا عليه (﴿إلا مَن شاء
الله﴾) متصل والمستثنى قيل جبريل وميكائيل وإسرافيل فإنهم يموتون بعد وقيل حملة العرش وقيل
رضوان والحور والزبانية وقال الحسن: الباري تعالى فالاستثناء منقطع وفيه نظر من حيث قوله: ﴿مَن
في السموات ومَن في الأرض﴾ فإنه لا يتحيز (﴿ثم نفخ فيه أخرى﴾) هي القائمة مقام الفاعل وهي
في الأصل صفة لمصدر محذوف أي نفخة أخرى أو القائم مقامه الجار (﴿فإذا هم قيام﴾) قائمون
من قبورهم حال كونهم (﴿ينظرون﴾) [الزمر: ٦٨] البعث أو أمر الله فيهم واختلف في الصعقة
فقيل إنها غير الموت لقوله تعالى في موسى: ﴿وخرّ موسى صعقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] وهو لم
يمت فهذه النفخة تورث الفزع الشديد وحينئذٍ، فالمراد من نفخ الصعقة ونفخ الفزع واحد وهو
المذكور في النمل في قوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور ففزع من في السموات ومَن في الأرض﴾
[النمل: ٨٧] وعلى هذا فنفخ الصور مرتان فقط وقيل الصعقة الموت فالمراد بالفزع كيدودة الموت
من الفزع وشدة الصوت فالنفخة ثلاث مرات نفخة الفزع المذكورة في النمل ونفخة الصعق ونفخة
القيام وسقط باب لغير أبي ذر وله ثم نفخ فيه أخرى إلى آخره.
٤٨١٣ - حدثني الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ عَنْ زَكَرِيًّا بْنِ أَبِي
زائِدَةً عَنْ عَامِرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((إِنِّي أوَّلُ مَنْ يَرْفِعُ رَأْسَهُ بَعْدَ
النَّفْخَةِ الآخِرَةِ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسى مُتَعَلِّقْ بِالْعَرْشِ فَلا أذرِي، أَكَذلِكَ كانَ أمْ بَعْدَ النَّفْخَةِ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (الحسن) غير منسوب وقد جزم أبو حاتم
سهل بن السري الحافظ فيما نقله الكلاباذي بأنه الحسن بن شجاع البلخي الحافظ قال: (حدّثنا
إسماعيل بن خليل) الكوفي وهو من مشايخ المؤلف قال: (أخبرنا عبد الرحيم) بن سليمان
الرازي سكن الكوفة (عن زكريا بن أبي زائدة) بن ميمون الهمداني الأعمى الكوفي (عن عامر) هو
ابن شراحيل الشعبي (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَ﴿) أنه (قال):

٣٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة الزمر
(إني أوّل) ولأبي ذر من أوّل (مَن يرفع رأسه بعد النفخة الآخرة) بمد الهمزة (فإذا أنا
بموسى) عليه السلام (متعلق بالعرش فلا أدري أكذلك كان) أي أنه لم يمت عند النفخة الأولى
واكتفى بصعقة الطور (أم) أحيي (بعد النفخة) الثانية قبلي وتعلق بالعرش كذا قرره الكرماني وقال
الداودي فيما حكاه السفاقسي قوله أكذلك الخ وهم لأن موسى مقبور ومبعوث بعد النفخة فكيف
یکون ذلك قبلها اهـ.
وأجيب: بأن في حديث أبي هريرة السابق في الأشخاص فإن الناس يصعقون يوم القيامة
فأصعق معهم فأكون أوّل مَن يفيق فإذا موسى باطش جانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق
فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله أي فلم يصعق والمراد بالصعق غشي يلحق من سمع صوتًا أو
رأى شيئًا ففزع منه وقد وقع التصريح في هذه الرواية بالإفاقة بعد النفخة الثانية.
وأما ما وقع في حديث أبي سعيد فإن الناس يصعقون فأكون أول مَن تنشقّ عنه الأرض
فيمكن الجمع بأن النفخة الأولى يعقبها الصعق من جميع الخلق أحيائهم وأمواتهم وهو الفزع كما
وقع في النمل ففزع مَن في السموات ومَن في الأرض، ثم يعقب ذلك الفزع للموتى زيادة فيما
هم فيه وللأحياء موتًا، ثم ينفخ الثانية للبعث فيفيقون أجمعون فمن كان مقبورًا انشقت عنه الأرض
فخرج من قبره ومن ليس بمقبور لا يحتاج إلى ذلك، وقد ثبت أن موسى ممن قبر في الحياة الدنيا
كما في مسلم أن النبي ◌ّ قال: ((مررت على موسى ليلة أُسرِيَ بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم
يصلي في قبره)). أخرجه عقب حديث أبي هريرة وأبي سعيد.
وقد استشكل كون جميع الخلق يصعقون مع أن الموتى لا إحساس لهم فقيل: المراد أن الذين
يصعقون هم الأحياء، وأما الموتى فهم في الاستثناء في قوله: إلا مَن شاء الله أي إلا مَن سبق له
الموت قبل ذلك فإنه لا يصعق وإلى هذا جنح القرطبي، ولا يعارضه ما ورد في الحديث أن موسى
ممن استثنى الله لأن الأنبياء أحياء عند الله وإن كانوا في صورة الأموات بالنسبة إلى أهل الدنيا.
وقال عياض: يحتمل أن يكون المراد صعقة فزع بعد البعث حين تنشق السماء والأرض وتعقبه
القرطبي بأنه ولهو صرح بأنه حين يخرج من قبره يلقى موسى وهو متعلق بالعرش، وهذا إنما هو
عند نفخة البعث اهـ.
ويرده قوله صريحا كما تقدم أن الناس يصعقون فأصعق معهم الخ قاله في الفتح.
٤٨١٤ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا أبِي. حَدَّثَنَا الأعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ أبا صالِحِ قالَ:
سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةً عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ))، قالُوا: يا أبا هُرَيْرَةَ أرْبَعُونَ يَوْمًا؟
قالَ: أَبَيْتُ قالَ أرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ أَبَيْتُ قالَ: أَرْبَعُونَ شَهْرًا: قالَ أَبَيْتُ، وَيَبْلِى كُلُّ شَيْءٍ مِنَ
الإنْسانِ إلاَّ عَجْبَ ذَنَبِهِ فِيهِ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ. [الحديث ٤٨١٤ - طرفه في: ٤٩٣٥].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (عمر بن حفص) بضم العين قال: (حدّثنا)

٣١
كتاب تفسير القرآن/ سورة غافر
ولأبي ذر قال: قال (أبي) حفص بن غياث بن طلق النخعي الكوفي قال: (حدّثنا الأعمش)
سليمان بن مهران (قال: سمعت أبا صالح) ذكوان السمان (قال سمعت أبا هريرة) رضي الله عنه
(عن النبي وَي) أنه (قال):
(بين النفختين) ولأبي ذر عن الكشميهني ما بين النفختين أي نفخة الإماتة ونفخة البعث
(أربعون، قالوا) أي أصحاب أبي هريرة ولم يعرف الحافظ ابن حجر اسم أحد منهم (يا أبا هريرة
أربعون يومًا؟ قال) أبو هريرة (أبيت) بموحدة أي امتنعت عن تعيين ذلك (قال) أي السائل
(أربعون سنة؟ قال) أبو هريرة: (أبيت. قال) السائل: (أربعون شهرًا؟ قال) أبو هريرة (أبيت) أي
امتنعت عن تعيين ذلك لأني لا أدري الأربعين الفاصلة بين النفختين أيام أم سنون أم شهور، وعند
ابن مردويه من طريق زيد بن أسلم عن أبي هريرة قال بين النفختين أربعون قالوا أربعون ماذا؟
قال: هكذا سمعت وعنده أيضًا من وجه ضعيف عن ابن عباس قال بين النفختين أربعون سنة،
وعند ابن المبارك عن الحسن مرفوعًا بين النفختين أربعون سنة يميت الله تعالى بها كل حيّ
والأخرى يحيي الله تعالى بها كل ميت، وقال الحليمي: اتفقت الروايات على أن بين النفختين
أربعين سنة، وفي جامع ابن وهب أربعين جمعة وسنده منقطع.
(ويبلى) بفتح أوّله أي يفنى (كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه) بفتح العين المهملة
وسكون الجيم بعدها موحدة ويقال عجم بالميم أيضًا وهو عظيم لطيف في أصل الصلب وهو
رأس العصعص بين الأليتين وعند أبي داود والحاكم وابن أبي الدنيا من حديث أبي سعيد الخدري
مرفوعًا أنه مثل حبة الخردل ولمسلم من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة كل ابن آدم
يأكله التراب إلا عجب الذنب (فيه يركب الخلق).
ولمسلم أيضًا من طريق همام عن أبي هريرة أن في الإنسان عظمًا لا تأكله الأرض أبدًا فيه
يركب يوم القيامة. قال: أي عظم؟ قال: عجب الذنب وهو يرد على المزني حيث قال: إن إلاّ هنا
بمعنى الواو أي وعجب الذنب أيضًا يبلى.
وقوله: يبلى كل شيء من الإنسان عامّ يخصّ منه الأنبياء لأن الأرض لا تأكل أجسادهم،
وقد ألحق ابن عبد البر بهم الشهداء والقرطبي المؤذِّن المحتسب.
[٤٠] سورة الْمُؤْمِن
قالَ مُجاهِدٌ: حم مَجازُها مَجازُ أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَيُقالُ: بَلْ هُوَ اسْمٌ لِقَوْلِ شُرَيْحِ بْنِ أبِي
أوْفَى الْعَبْسِيِّ :
يُذَكُرُنِي حامِيمَ وَالرُّمْحُ شاجِرُ فَهَلاَّتَلا حامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُمِ
﴿الطَّوْلُ﴾: التَّفَضُّلُ. ﴿داخِرِينَ﴾: خاضِعِينَ. وَقَالَ مُجاهِدٌ: ﴿إِلَى النَّجاةِ﴾: الإيمانِ.

٣٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة غافر
لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ: يَعْنِي الْوَثَنَ. ﴿يُسْجَرُونَ﴾: تُوقَدُ بِهِمُ النَّارُ. ﴿تَمْرَحُون﴾: تَبْطَرُونَ. وَكانَ
الْعَلَاءُ بْنُ زِيادٍ يَذْكُرُ النَّارَ، فَقَالَ رَجُلٌ: لِمَ تُقَنِّطُ النَّاسَ؟ قالَ: وَأَنَا أَقْدِرُ أنْ أُقَنِّطَ النَّاسَ؟ وَالله عَزَّ
وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ [الزمر: ٥٣]
وَيَقُولُ: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣] وَلكِنَّكُمْ تُحِبُّونَ أنْ تُبَشِّرُوا بِالْجَنَّةِ عَلى
مَساوِي أعْمالِكُمْ. وَإِنَّما بَعَثَ الله مُحَمَّدًا وَ مُبَشْرًا بِالْجَنَّةِ لِمَنْ أطاعَهُ، وَمُنْذِرًا بِالنَّارِ مَنْ عَصاهُ.
([٤٠] سورة المؤمن)
مكية وآيها خمس أو ثمان وثمانون.
(قال مجاهد: حَم مجازها) أي حم ولأبي ذر والأصيلي سورة المؤمن ولغيرهما حم ولأبي ذر
بسم الله الرحمن الرحيم قال البخاري ويقال حم مجازها (مجاز أوائل السور) أي حكمها حكم
الأحرف المقطعة في أوائل السور، فكل ما يقال في الم وصّ يقال في حّم. وقد اختلف في هذه
الحروف المقطعة التي في أوائل السور على أكثر من ثلاثين قولاً. فقيل هي علم مستور وسر
محجوب استأثر الله بعلمه، وقال الصديق لله في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور،
وعن علي لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجّي، وذهب آخرون إلى أن المراد منها
معلوم فيقال مما رُوِيّ عن ابن عباس في ألم الألف إشارة إلى الأحدية واللام إلى لطفه والميم إلى
ملكه، ويقال بعضها يدل على أسماء الذات وبعضها على أسماء الصفات، ويقال في ((الّ)) أنا الله
أعلم، وفي ((الَّص)) أنا الله أفصل وفي ((الّر)) أنا الله أرى.
(ويقال) ولأبي ذر فيقال في حّم (بل هو اسم) أي من أسماء القرآن أو اسم للسورة كغيرها
من الفواتح واختاره كثير من المحققين (لقول شريح بن أبي أوفى) بإثبات أبي في الفرع كغيره
ونسبها في الفتح لرواية القابسي وقال إن ذلك خطأ والصواب إسقاطها فيصير شريح بن أبي أوفى
(العبسي) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة بعدها مهملة، وكان مع علي بن أبي طالب يوم
الجمل. وكان على محمد بن طلحة بن عبيد الله عمامة سوداء فقال علي: لا تقتلوا صاحب العمامة
السوداء فإنما أخرجه برّه لأبيه فلقيه شريح بن أبي أوفى فأهوى له بالرمح فتلا حَم. فقتله فقال
شريح :
(يذكرني حاميم والرمح شاجر) بالشين المعجمة والجيم والجملة حالية والمعنى والرمح مشتبك
مختلط (فهلا) حرف تحضيض (تلا) قرأ (حاميم قبل التقدم) أي إلى الحرب. وقال الكرماني: وجه
الاستدلال به هو أنه أعربه ولو لم يكن اسمًا لما دخل عليه الإعراب اهـ.
وبذلك قرأ عيسى بن عمر وهي تحتمل وجهين أنها منصوبة بفعل مقدّر أي اقرأ حّم ومنعت
من الصرف للعلمية والتأنيث أو العلمية وشبه العجمة لأنه ليس في الأوزان العربية وزن فاعيل
بخلاف الأعجمية نحو قابيل وهابيل أو أنها حركة بناء تخفيفًا كأين وكيف قيل كان مراد محمد بن

٣٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة غافر
طلحة بقوله أذكرك حم قوله تعالى في حم عسق ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودّة في القربى﴾
[الشورى: ٢٣] كأنه يذكره بقرابته ليكون ذلك دافعًا له عن قتله.
(﴿الطول﴾) في قوله تعالى: ﴿شديد العقاب ذي الطول﴾ [غافر: ٣] هو (التفضل). وقال
قتادة النعم وأصله الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه.
(﴿داخرين﴾) في قوله تعالى: ﴿سيدخلون جهنم داخرين﴾ [غافر: ٦٠] قال أبو عبيدة أي
(خاضعین) وقال السدي: صاغرین ذلیلین.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح (﴿إلى النجاة﴾) في قوله تعالى:
﴿ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة﴾ [غافر: ٤١] هي (الإيمان) المنجي من النار (ليس له دعوة
يعني الوثن) الذي تعبدونه من دون الله تعالى ليست له استجابة دعوة أو ليست له عبادة في الدنيا
لأن الوثن لا يدّعي ربوبية ولا يدعو إلى عبادته وفي الآخرة يتبرأ من عابديه (﴿يسجرون﴾) في
قوله: ﴿ثم في النار يسجرون﴾ [غافر: ٧٢] أي (توقد بهم النار) قاله مجاهد فيما وصله الفريابي
وهو كقوله تعالى: ﴿وقودها الناس والحجارة﴾ [البقرة: ٢٤].
(﴿تمرحون﴾) في قوله تعالى: ﴿ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم
تمرحون﴾ [غافر: ٧٥] أي (تبطرون) وفي قوله: تفرحون وتمرحون التجنيس المحرّف وهو أن يقع
الفرق بين اللفظين بحرف.
(وكان العلاء بن زياد) العدوي البصري التابعي الزاهد وليس له في البخاري إلا هذا
(يذكر) بفتح أوله وتخفيف الكاف ولأبي ذر يذكر بضم أوله وتشديد الكاف مصحّحًا عليها في
الفرع كأصله ولم يذكر الحافظ ابن حجر غيرها. وقال في انتقاض الاعتراض: إنها الرواية،
واعترض العيني ابن حجر في التشديد وصحّح التخفيف أي يخوف الناس (النار)، فهو على حذف
أحد المفعولين (فقال) له (رجل) لم يعرف الحافظ ابن حجر اسمه مستفهمًا (لم تقتط الناس) أي من
رحمة الله (قال) ولأبي ذر فقال: (وأنا أقدر أن أقنط الناس والله عز وجل يقول: (﴿يا عبادي الذين
أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾﴾ [الزمر: ٥٣] ويقول: (﴿وإن المسرفين)) في
الضلالة والطغيان كالإشراك وسفك الدماء (﴿هم أصحاب النار﴾﴾ [غافر: ٤٣] أي مُلازموها
(ولكنكم) وللأصيلي ولكن (تحبون أن تبشروا بالجنة) بفتح الموحدة والمعجمة مبنيًّا للمفعول (على
مساوي أعمالكم، وإنما بعث الله محمدًاً وَّجِ مبشّرًا بالجنة لمن أطاعه ومنذرًا) بضم الميم وكسر
المعجمة وللأصيلي وينذر بلفظ المضارع (بالنار من) ولأبي ذر عن المستملي: لمن (عصاه).
٤٨١٥ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي
يَخْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، حَدَّثَنِي عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قالَ: قُلْتُ
لِعَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَخْبِرْنِي بِأَشَدّ ما صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللهِوَّهِ قَالَ: بَيْنا رَسُولُ
إرشاد الساري/ ج ١١ / م ٣

٣٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة السجدة
اللهِ وَ يُصَلِّي بِفِناءِ الْكَعْبَةِ إِذْ أقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أبي مُعَيْطٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبٍ رَسُولِ اللهِ وَّهَ وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي
عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَيْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللهِّهِ وَقَالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ
رَجُلاً أنْ يَقُولَ رَبِيَ الله وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيَِّاتِ مِنْ رَبَّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا الوليد بن مسلم) الدمشقي قال:
(حدثنا الأوزاعي) عبد الرحمن (قال: حدّثني) بالإفراد (يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة صالح اليمامي
الطائي ولأبي ذر والأصيلي عن يحيى بن أبي كثير قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن إبراهيم التيمي)
نسبة إلى تيم قريش المدني قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (عروة بن الزبير) بن العوام أنه (قال: قلت
لعبد الله بن عمرو بن العاص أخبرني بأشد ما صنع المشركون) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن
عساكر: ما صنعه المشركون (برسول الله ◌َ ر؟ قال: بينا) بغير ميم (رسول الله وَليل يصلي بفناء
الكعبة) بكسر الفاء (إذ أقبل عقبة بن أبي معيط) الأموي المقتول كافرًا بعد انصرافه وَ طه من بدر
بيوم (فأخذ بمنكب رسول الله وَ*) بفتح الميم وكسر القاف (ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا)
ولأبي ذر: فخنقه به خنقًا والنون من خنقًا ساكنة في الروايتين في اليونينية وفرعها ومكسورة في
بعضها (شديدًا، فأقبل أبو بكر الصديق رضي الله عنه (فأخذ بمنكبه ودفع) عقبة (عن رسول
الله ﴿ وقال) وللأصيلي ثم قال أي مستفهمًا استفهامًا إنكاريًّا (﴿أتقتلون رجلاً﴾) كراهية (﴿ أن
يقول ربي الله﴾) أو لأن يقول (﴿وقد جاءكم بالبينات من ربكم)) [غافر: ٢٨] جملة حالية.
قال جعفر بن محمد: كان أبو بكر خيرًا من مؤمن آل فرعون لأنه كان يكتم إيمانه. وقال
أبو بكر جهارًا: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله، وقال غيره: إن أبا بكر أفضل من مؤمن آل
فرعون لأن ذلك اقتصر حيث انتصر على اللسان، وأما أبو بكر رضي الله عنه فاتبع اللسان يدًا
ونصر بالقول والفعل محمدًا.
وهذا الحديث ذكره المؤلف في مناقب أبي بكر، وفي باب ما لقي النبي ◌َّر وأصحابه من
المشركين بمكة.
[٤١] سورة حّم السَّجْدَةِ
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) وَقَالَ طاوُسٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﴿أَتَّتِيا طَوْعًا﴾: أعْطِيا. ﴿قَالَتَا:
أَيْنَا طَائِعِينَ﴾: أعْطَيْنَا. وَقَالَ الْمِنْهالُ عَنْ سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لايْنِ عَبَّاسِ إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ
أُشْياءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ، قالَ: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ
يَتَسَاءَلُونَ﴾، ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا رَبّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَقَدْ كَتَمُوا فِي هذِهِ الآيَةِ وَقالَ:
السَّماءُ بَناها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿دَحاها﴾ فَذَكَرَ خَلْقَ السَّماءِ قَبْلَ خَلْقِ الأرضِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أَئِنْكُمْ
لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرض في يَوْمَيْنٍ﴾ - إلى - ﴿طائِعِينَ﴾ فَذَكَرَ في هذِهِ خَلْقَ الأرضِ قَبْلَ

٣٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة السجدة
السَّماءِ وَقالَ تَعالى: ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا عَزِيزًا حَكِيمًا سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فَكَأنَّهُ كانَ ثُمَّ مَضى،
فَقالَ: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ فِي النَّفْخَةِ الأُولى، ثُمَّ يُنْفَعُ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمُواتِ وَمَنْ
فِي الأرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ الله فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ ذلِكَ وَلا يَتَساءَلُونَ. ثُمَّ فِي النَّفْخَةِ الآخِرَةِ
﴿ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ وَأمَّا قَوْلُهُ: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ وَلا يَكْتُمُونَ الله﴾ فَإنَّ الله يَغْفِرُ
لِأهْلِ الإخلاصِ ذُنُوبَهُمْ. وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: تَعالَوْا نَقُولُ لَمْ نَكُنْ مُشْرِكِينَ، فَخُتِمَ عَلى أقْواهِهِمْ
فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ، فَعِنْدَ ذلِكَ عُرِفَ أنَّ الله لا يُكْتَمُ حَدِيثًا، وَعِنْدَهُ ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ وَخَلَقَ
الأرْضَ في يَوْمَيْنِ ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ، ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ ثُمَّ دَحَا
الأرْضَ، وَدَحْوُهَا أنْ أخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعِى وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَالْجِمالَ وَالآكامَ وَما بَيْنَهُما فِي
يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ فَذلِكَ قَوْلُهُ: ﴿دَحاها﴾ وَقْوْلُهُ: ﴿خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ فَجُعِلَتِ الأرْضُ وَما
فِيها مِنْ شَيْءٍ فِي أزْبَعَةٍ أَيَّامٍ، وَخُلِقَتِ السَّمُواتُ فِي يَوْمَيْنِ ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا﴾ سَمَّى نَفْسَهُ ذلِكَ،
وَذلِكَ قَوْلُهُ: أَيْ لَمْ يَزَلْ كَذلِكَ فَإِنَّ الله لَمْ يُرِدْ شَيْئًا إلاَّ أصابَ بِهِ الَّذِي أرادَ فَلا يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ
الْقُرْآنُ فَإِنَّ كُلاَّ مِنْ عِنْدِ الله.
([٤١] سورة حم السجدة)
مكية وآيها خمسون وثنتان أو ثلاث أو أربع ولأبي ذر: سورة حم السجدة (بسم الله الرحمن
الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر (وقال طاوس) فيما وصله الطبري وابن أبي حاتم بإسناد على
شرط المؤلف (عن ابن عباس ﴿ائتيا طوعًا﴾) زاد أبو ذر والأصيلي ﴿أو كرهًا﴾ أي (أعطيا) بكسر
الطاء (﴿قالتا: أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١] أي (أعطينا) استشكل هذا التفسير لأن انتيا وأتينا
بالقصر من المجيء فكيف يفسر بالإعطاء وإنما يفسر به نحو قولك آتيت زيدًا مالاً بمد همزة القطع
وهمزة ائتيا همزة وصل.
وأجيب: بأن ابن عباس ومجاهدًا وابن جبير قرؤوا آتيا قالتا آتينا بالمد فيهما وفيه وجهان.
أحدهما: أنه من المؤاتاة وهي الموافقة أي لتوافق كلِّ منهما الأخرى لما يليق بها وإليه ذهب الرازي
والزمخشري فوزن آتيا فاعلاً كقاتلا وآتينا فاعلنا كقاتلنا، والثاني: أنه من الإيتاء بمعنى الإعطاء
فوزن آتيا افعلا كأكرما ووزن آتينا أفعلنا كأكرمنا، فعلى الأوّل يكون قد حذف مفعولاً، وعلى الثاني
مفعولين إذ التقدير أعطيا الطاعة من أنفسكما من أمركما: قالتا أتينا الطاعة وفي مجيء طائعين
مجيء جمع المذكرين العقلاء وجهان. أحدهما: أن المراد بآتينا من فيهما من العقلاء وغيرهم فلذا
غلب العقلاء على غيرهم. الثاني: أنه لما عاملهما معاملة العقلاء في الإخبار عنهما والأمر لهما
جمعهما كجمعهم كقوله رأيتهم لي ساجدين وهل هذه المحاورة حقيقة أو مجاز وإذا كانت مجازًا فهل
هو تمثيل أو تخییل خلاف.
(وقال المنهال): بكسر الميم وسكون النون ابن عمرو الأسدي مولاهم الكوفي وثّقه ابن معين

٣٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة السجدة
والنسائي وغيرهما (عن سعيد) وللأصيلي عن سعيد بن جبير أنه (قال: قال رجل) هو نافع بن
الأزرق الذي صار بعد ذلك رأس الأزارقة من الخوارج (لابن عباس) رضي الله عنهما وكان
يجالسه بمكة ويسأله ويعارضه (إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي) لما بين ظواهرها من التدافع
زاد عبد الرزاق فقال ابن عباس: ما هو أشك في القرآن؟ قال: ليس بشك ولكنه اختلاف،
فقال: هات ما اختلف عليك من ذلك (قال: ﴿فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون﴾)
[المؤمنون: ١٠١] وقال: ((وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾) [الصافات: ٢٧] فإن بين قوله
ولا يتساءلون وبين يتساءلون تدافعًا نفيًا وإثباتًا. وقال تعالى (﴿ولا يكتمون الله حديثًا﴾)
[النساء: ٤٢] وقوله: (﴿ربنا﴾) ولأبي ذر والله ربنا (﴿ما كنا مشركين﴾) [الأنعام: ٢٣] (فقد
كتموا في هذه الآية) كونهم مشركين وعلم من الأولى أنهم لا يكتمون الله حديثًا (وقال: ﴿أم
السماء بناها﴾ إلى قوله) تعالى: ((دحاها)) [النازعات: ٢٧] (فذكر خلق السماء قبل خلق
الأرض) في هذه الآية (ثم قال) في سورة السجدة: (﴿أنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في
يومين﴾) - إلى - (﴿طائعين)) [فصلت: ٩- ١١] وللأصيلي وابن عساكر إلى قوله طائعين (فذكر
في هذه) الآية (خلق الأرض قبل السماء) وللأصيلي قبل خلق السماء والتدافع ظاهر (وقال
تعالى: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾) وقال وكان الله (﴿عزيزًا حكيمًا﴾) وكان الله (﴿سميعًا
بصيرًا﴾ فكأنه كان) موصوفًا بهذه الصفات (ثم مضى) أي تغير عن ذلك (فقال) أي ابن عباس
مجيبًا عن ذلك، أما قوله تعالى: (﴿فلا أنساب بينهم﴾) أي (في النفخة الأولى ثم ينفخ في
الصور فصعق مَن في السموات ومن في الأرض إلا مَن شاء الله فلا أنساب بينهم عند ذلك)
تنفعهم لزوال التعاطف والتراحم من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة بحيث يفرّ المرء من أخيه وأمه
وأبيه وصاحبته وبنيه قال:
لا نسب اليوم ولاخلة اتسع الخرق على الراقع
وليس المراد قطع النسب (ولا يتساءلون) لاشتغال كلٌّ بنفسه (ثم في النفخة الآخرة ﴿أقبل
بعضهم على بعض يتساءلون﴾) فلا تناقض والحاصل أن للقيامة أحوالاً ومواطن ففي موطن يشتد
عليهم الخوف فيشغلهم عن التساؤل وفي موطن يفيقون فيتساءلون (وأما قوله) تعالى: (﴿ما كنا
مشركين﴾) وقوله تعالى: (﴿ولا يكتمون الله﴾) زاد أبو ذر والأصيلي وابن عساكر حديثًا (فإن الله
يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون) ولأبي ذر فقال المشركون بالفاء بدل الواو (تعالوا
نقول لم نكن مشركين فختم) بضم الخاء المعجمة مبنيًّا للمفعول ولأبي ذر فختم بفتحات مبنيًّا
للفاعل (على أفواههم فتنطق أيديهم فعند ذلك) أي عند نطق أيديهم (عرف) بضم العين وكسر
الراء وللأصيلي عرفوا بفتحهما والجمع (إن الله لا يكتم حديثًا) بضم أوّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول
(وعنده ﴿يود الذين كفروا﴾ [الحجر: ٢] الآية) إلى ولا يكتمون الله حديثًا والحاصل أنهم يكتمون
بألسنتهم فتنطق أيديهم وجوارحهم (وخلق الأرض في) مقدار (يومين) أي غير مدحوّة (ثم خلق
السماء ثم استوى إلى السماء فسؤاهنّ في يومين آخرين ثم دحا الأرض) بعد ذلك في يومين

٣٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة السجدة
(ودحوها) وللأصيلي وابن عساكر ودحيها بالمثناة التحتية بدل الواو ولأبي ذر ودحاها أي (أن
أخرج) أي بأن أخرج (منها الماء والمرعى وخلق الجبال والجمال) بكسر الجيم الإبل (والآكام) بفتح
الهمزة جمع أكمة بفتحتين ما ارتفع من الأرض كالتل والرابية ولأبي ذر عن الحموي والمستملي
والأكوام جمع كوم (وما بينهما في يومين آخرين فذلك قوله) تعالى: (﴿دحاها) و) أما (قوله:
﴿خلق الأرض في يومين﴾ فجعلت الأرض) ولأبي ذر عن الكشميهني: فخلقت الأرض (وما فيها
من شيء في أربعة أيام وخلقت السموات في يومين) والحاصل أن خلق نفس الأرض قبل خلق
السماء ودحوها بعده (﴿وكان الله غفورًا﴾) وزاد أبو ذر والأصيلي: رحيمًا (سمى نفسه) أي ذاته
(ذلك) وهذه تسمية مضت وللأصيلي بذلك (و) أما (ذلك) أي (قوله) ما قال من الغفرانية
والرحيمية (أي لم يزل كذلك) لا ينقطع (فإن الله لم يرد) أن يرحم (شيئًا) أو يغفر له (إلا أصاب
به الذي أراد) قطعًا (فلا يختلف) بالجزم على النهي (عليك القرآن فإن كلاً من عند الله). وعند ابن
أبي حاتم فقال له ابن عباس: هل بقي في قلبك شيء أنه ليس من القرآن شيء إلا نزل فيه شيء
ولكن لا تعلمون وجهه.
..... متدني يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أَنَيْسَةَ عَنِ
الْمِنْهالِ بِهِذَا. وَقَالَ مُجاهِدٌ: ﴿مَمْنُونٍ﴾: مَحْسُوبٍ. ﴿أقْواتَها﴾: أزْزَاقَها. فِي كُلِّ سَماءِ أمْرَها:
ممَّا أمَرَ بِهِ. ﴿نَحساتٍ﴾: مَشاييمَ. ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ﴾: قَرَنَّاهُمْ بِهِم. ﴿تَتَنَّزَّلُ عَلَيْهِمْ
الْمَلائِكَةُ﴾: عِنْدَ الْمَوْتِ. ﴿اهْتَزَّتْ﴾: بِالنَّباتِ، وَرَبَتْ: ارْتَفَعَتْ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أْمامِها حينَ
تَطْلُعُ. ﴿لَيَقُولَنَّ هِذَا لي﴾: بِعَمَلِي، أيْ أَنَا مَحْقُوقٌ بِهِذَا. سَواءٌ لِلسَّائِلِينَ: قَدَّرَها سواءً.
﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾: دَلَلْنَاهُمْ عَلَى الْخَيْرِ وَالشّرّ كَقَوْلِهِ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ وَكَقَوْلِهِ: ﴿هَدَيْنَاهُ
السَّبيلَ﴾. وَالْهُدَى الَّذِي هُوَ الإرشادُ بِمَنْزِلَةٍ أَسْعَدْناهُ، مِنْ ذلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله
فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾. ﴿يُوزَعُونَ﴾: يُكَفُّونَ. ﴿مِنْ أكْمَامِها﴾: قِشْرُ الْكُفُرَّى، هِيَ الْكُمُّ: وَقَالَ غَيْرُهُ
وَيُقالُ لِلْعِنَبِ إِذَا خَرَجَ أيْضًا كافُورٌ وَكُفُرَّى. ﴿وَلِيٍّ حَمِيمٌ﴾: الْقَرِيبُ. ﴿مِنْ مَحيصٍ﴾: حاصَ
عَنْهُ حادَ . ﴿مِرْيَةٍ﴾ و﴿مُزْيَةٍ﴾: واحِدٌ أي امْتِراء. وقَالَ مُجاهِدٌ: ﴿أَعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾: الْوَعِيدُ. وَقَالَ
ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿بِالَّتِي هِيَ أخْسَنُ﴾: الصَّبْرُ عِنْدَ الْغَضَبِ وَالْعَفْوُ عِنْدَ الإساءَةِ، فَإِذَا فَعَلُوهُ عَصَمَهُمُ
الله وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوُهُمْ ﴿كَأنَّهُ وَلِيٍّ حَمِيمٌ﴾ .
وهذا التعليق وصله المؤلف حيث قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي الوقت: قال أبو عبد الله أي
البخاري حدّثنيه أي الحديث السابق (يوسف بن عدي) بفتح العين وكسر الدال المهملتين وتشديد
التحتية ابن زريق التيمي الكوفي نزيل مصر وليس له في هذا الجامع إلا هذا قال: (حدّثنا
عبيد الله بن عمرو) بضم العين في الأول مصغرًا وفتحها في الثاني الرقي بالراء والقاف (عن
زيد بن أبي أنيسة) بضم الهمزة مصغرًا الحريري (عن المنهال) بن عمرو الأسدي المذكور (بهذا)

٣٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة السجدة
الحديث السابق، قيل: وإنما غيّر البخاري سياق الإسناد عن ترتيبه المعهود إشارة إلى أنه ليس على
شرطه وإن صارت صورته صورة الموصول، وهذا ثابت لأبي ذر والأصيلي وابن عساكر في نسخة.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿ممنون﴾) ولأبي ذر والأصيلي ﴿لهم أجر غير ممنون﴾
[فصلت: ٨] أي غير (محسوب) وقال ابن عباس غير مقطوع وقيل غير ممنون به عليهم.
(﴿أقواتها﴾) في قوله تعالى: ﴿وقدّر فيها أقواتها﴾ [فصّلت: ١٠] قال مجاهد: (أرزاتها) أي
من المطر فعلى هذا فالأقوات للأرض لا للسكان أي قدّر لكل أرض حظها من المطر وقيل أقواتًا
تنشأ منها بأن خصّ حدوث كل قوت بقطر من أقطارها وقيل أرزاق أهلها وقال محمد بن كعب
قدر أقوات الأبدان قبل أن يخلق الأبدان.
(في كل سماء أمرها) قال مجاهد (مما أمر به) بفتح الهمزة والميم ولأبي ذر أمر بضم الهمزة
وكسر الميم، وعن ابن عباس فيما رواه عنه عطاء خلق في كل سماء خلقها من الملائكة وما فيها
من البحار وجبال البرد وما لا يعلمه إلا الله قال السدي فيما حكاه عنه في اللباب، ولله في كل
سماء بيت يحج إليه وتطوف به الملائكة كل واحد منها مقابل الكعبة بحيث لو وقعت منه حصاة
لوقعت على الكعبة.
(﴿نحسات﴾) بكسر الحاء في قراءة ابن عامر والكوفيين في قوله تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم
ريجًا صرصرًا في أيام نحسات﴾ [فصلت: ١٦] قال مجاهد أي (مشاييم) بفتح الميم والشين المعجمة
وبعد الألف تحتيتان الأولى مكسورة والثانية ساكنة جمع مشومة أي من الشوم ونحسات نعت لأيام
والجمع بالألف والتاء مطرد في صفة ما لا يعقل كأيام معدودات قيل كانت الأيام النحسات آخر
شوّال من الأربعاء إلى الأربعاء وما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء.
(﴿وقيضنا لهم قرناء﴾) [فصلت: ٢٥] أي (قرناهم بهم) بفتح القاف والراء والنون المشددة
وسقط هذا التفسير لغير الأصيلي والصواب إثبات إذ ليس للتالي تعلق به وقال الزجاج سببنا لهم
قيل قدرنا للكفرة قرناء أي نظراء من الشياطين يستولون عليهم استيلاء القيض على البيض وهو
القشر حتى أضلّوهم وفيه دليل على أن الله تعالى يريد الكفر من الكافر.
(﴿تنزل عليهم الملائكة﴾) [فصلت: ٣٠] أي (عند الموت) وقال قتادة إذ قاموا من قبورهم
وقال وكيع بن الجراح البشري تكون في ثلاثة مواطن عند الموت وفي القبر وعند البعث.
(﴿اهتزت﴾) في قوله: ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت﴾ [فصلت: ٣٩] أي (بالنبات وربت)
أي (ارتفعت) لأن النبت إذا قرب أن يظهر تحركت له الأرض وانتفخت ثم تصدعت عن النبات
(وقال غيره) أي غير مجاهد في معنى وربت أي ارتفعت (من أكمامها) بفتح الهمزة جمع كم
بالكسر (حين تطلع) بسكون الطاء وضم اللام.
(﴿ليقولن هذا لي﴾﴾ [فصلت: ٥٠] أي (بعملي) بتقديم الميم على اللام أي (أنا محقوق بهذا)

٣٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة السجدة
أي مستحق لي بعلمي وعملي، وما علم الأبله أن أحدًا لا يستحق على الله شيئًا لأنه كان عاريًا من
الفضائل فكلامه ظاهر الفساد وإن كان موصوفًا بشيء من الفضائل فهي إنما حصلت له بفضل الله
وإحسانه واللام في ليقولن جواب القسم لسبقه الشرط وجواب الشرط محذوف وقال أبو البقاء
ليقولن جواب الشرط والفاء محذوفة قال في الدرّ وهذا لا يجوز إلا في شعر كقوله:
من يفعل الحسنات الله یشکرها
حتى أن المبرّد يمنعه في الشعر ويروي البيت.
مَن يفعل الخير فالرحمن يشكره
(سواء للسائلين) ولأبي ذر والأصيلي وقال غيره أي غير مجاهد سواء للسائلين أي (قدرها
سواء) وسواء نصب على المصدر أي استوت استواء. وقال السدي وقتادة: المعنى سواء لمن سأل
عن الأمر واستفهم عن حقيقة وقوعه وأراد العبرة فيه فإنه يجده.
(﴿فهديناهم﴾) في قوله: ﴿وأما ثمود فهديناهم﴾ [فصلت: ١٧] أي (دللناهم) دلالة مطلقة
(على الخير والشر) على طريقهما (كقوله) تعالى في سورة البلد (﴿وهديناه النجدين﴾) أي طريق
الخير والشر (وكقوله) تعالى في سورة الإنسان (﴿هديناه النجدين)) [الإنسان: ٣] (و) أما (الهدى
الذي هو الإرشاد) إلى البغية (بمنزلة) أي بمعنى (أصعدناه) بالصاد في الفرع كغيره ولأبوي ذر
والوقت أسعدناه بالسين بدل الصاد قال السهيلي فيما نقله عنه الزركشي والبرماوي وابن حجر
وغيرهم بالصاد أقرب إلى تفسير أرشدناه من أسعدناه بالسين لأنه إذا كان بالسين كان من السعد
والسعادة ضد الشقاوة وأرشدت الرجل إلى الطريق وهديته السبيل بعيد من هذا التفسير، فإذا قلت
أصعدناهم بالصاد خرج اللفظ إلى معنى الصعدات في قوله: إياكم والقعود على الصعدات
وهي الطرق وكذلك أصعد في الأرض إذا سار فيها على قصد فإن كان البخاري قصد هذا وكتبها
في نسخته بالصاد التفاتًا إلى حديث الصعدات فليس بمنكر . اهـ.
قال الشيخ بدر الدين الدماميني: لا أدري ما الذي أبعد هذا التفسير مع قرب ظهوره فإن
الهداية إلى السبيل والإرشاد إلى الطريق إسعاد لذلك الشخص المهدي إذ سلوكه في الطريق مُفْضٍ
إلى السعادة ومجانبته لها مما يؤدي إلى ضلاله وهلاكه. وأما قوله فإذا قلت: أصعدناه بالصاد الخ
ففيه تكلّف لا داعي له وما في النسخ صحیح بدونه. اهـ.
(من ذلك) ولأبي ذر ومن ذلك أي من الهداية التي بمعنى الدلالة الموصلة إلى البغية التي
عبّر عنها المؤلّف الإرشاد والإسعاد (قوله) تعالى بالأنعام: (﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم
اقتده﴾) [الأنعام: ٩٠] ونحوه مما هو كثير في القرآن.
(﴿يوزعون﴾) في قوله تعالى: ﴿ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون﴾
[فصلت: ١٩] أي (يكفون) بفتح الكاف بعد الضم أي يوقف سوابقهم حتى يصل إليهم تواليهم

٤٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة السجدة
وهو معنى قول السدّي يحبس أوّلهم على آخرهم ليتلاحقوا.
(﴿من أكمامها﴾) في قوله تعالى: ﴿إليه يردّ علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها)
[فصلت: ٤٧] هو (قشر الكفرّى) بضم الكاف وضم الفاء وفتحها وتشديد الراء وعاء الطلع قال
ابن عباس قبل أن ينشق (هي الكم) بضم الكاف. وقال الراغب: الكم ما يغطي اليد من القميص
وما يغطي الثمرة وجمعه أكمام وهذا يدل على أنه مضموم الكاف إذ جعله مشتركًا بين كم القميص
وبين كم الثمرة ولا خلاف في كم القميص أنه بالضم وضبط الزمخشري كم الثمرة بكسر الكاف
فيجوز أن يكون فيه لغتان دون كم القميص جمعًا بين القولين (وقال غيره: ويقال للعنب إذا خرج
أيضًا كافور وكفرى) قاله الأصمعي وهذا ساقط لغير المستملي ووعاء كل شيء كافوره (﴿ولي
حميم﴾) أي الصديق (القريب) وللأصيلي قريب.
(﴿من محيص﴾) في قوله تعالى: ﴿وظنوا ما لهم من محيص﴾ [فصلت: ٤٨] يقال (حاص
عنه حاد) والأصيلي أي حاد وزاد أبو ذر عنه والمعنى أنهم أيقنوا أن لا مهرب لهم من النار.
(﴿مرية﴾) بكسر الميم في قوله تعالى: ﴿ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم﴾ [فصلت: ٥٤]
(﴿ومرية﴾) بضمها في قراءة الحسن لغتان كخفية وخفية ومعناهما (واحد أي امتراء) أي في شك
من البعث والقيامة.
(وقال مجاهد) فيما وصله عبد بن حميد ((اعملوا ما شئتم﴾) معناه (الوعيد) وللأصيلي هي
وعید .
(وقال ابن عباس) فيما وصله الطبري (﴿بالتي﴾) ولأبي ذر (﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾)
[فصلت: ٣٤] الصبر عند الغضب والعفو (عند الإساءة فإذا فعلوه) أي الصبر والعفو (عصمهم
الله وخضع لهم عدوّهم) وصار بينه وبينهم عداوة (﴿كأنه ولي حميم﴾) أي كالصديق القريب
وسقط لأبي ذر كأنه ولي حميم ولغيره ادفع من قوله ادفع بالتي.
١ - باب قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْمُكُمْ
وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَتْتُمْ أَنَّ الله لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ .
(باب قوله: ﴿وما كنتم﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله: ﴿وما كنتم (تستترون))
تستخفون عند ارتكاب القبائح خيفة أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم لأنكم
تنكرون البعث والقيامة ولكن ذلك الاستتار لأجل أنكم (﴿ظننتم أن الله لا يعلم كثيرًا مما
تعملون﴾) [فصلت: ٢٢] من الأعمال التي تخفونها فلذلك اجترأتم على ما فعلتم وفيه تنبيه على
أن المؤمن ينبغي أن يتحقق أنه لا يمرّ عليه حال إلا وعليه رقيب وسقط قوله ولا أبصاركم الخ
للأصيلي ولأبي ذر ولا جلودكم الخ وقالا الآية.