النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ كتاب تفسير القرآن/ سورة الحج عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﴿فليمدد بسبب إلى السماء﴾ [الحج: ١٥] أي ليتوصل إلى بلوغ السماء فإن النصر إنما يأتي محمدًا وَلجر من السماء ثم ليقطع ذلك عنه إن قدر عليه، وقوله ابن عباس أظهر في المعنى وأبلغ في التهكم، فعلى هذا القول الثاني فيه استعارة تمثيلية والأمر للتعجيز وعلى الأوّل كناية عن شدّة الغيظ والأمر للإهانة. (﴿تذهل﴾) في قوله: ﴿يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت﴾ [الحج: ٢] أي (تشغل) بضم أوّله وفتح ثالثه لهول ما ترى عن أحب الناس إليها ويوم نصب بتذهل والضمير للزلزلة وتكون فيما قاله الحسن يوم القيامة أو عند طلوع الشمس من مغربها كما قاله علقمة والشعبي أو الضمير للساعة وعبر بمرضعة دون مرضع لأن المرضعة التي هي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي والمرضع التي من شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به فقيل مرضعة ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته من فيه لما يلحقها من الدهشة. ١ - باب ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ [الحج: ٢] هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ((وترى الناس سكارى﴾) [الحج: ٢] بضم السين وسقط باب وتاليه لغير أبي ذر. ٤٧٤١ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهُ: ((يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يا آدَمُ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وَسَعْدَيْكَ فَيُنادِي بِصَوْتٍ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْئًا إِلَى النَّارِ قالَ: يا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفِ أُراهُ قَالَ تِسْعَمِائَةً وَتَسْعَةً وَتِسْعِينَ فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الْحامِلُ حَمْلَها وَيَشِيبُ الْوَلِيدُ ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَما هُمْ بِسُكارى وَلْكِنَّ عَذَّابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾)) فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى تَغَيِّرَتْ وُجُوهَهُمْ فَقالَ النَّبِيُّ وَّهُ: ((مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَمِنْكُمْ واحِدٌ ثُمَّ أَنْتُمْ فِي النَّاسِ كَالشَّعْرَةِ السَّوْداءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأَبْيَضِ - أَوْ كَالشّعْرَةِ الْبَيْضاءِ فِي جَنْبٍ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ - وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُيُعَ أَهْلِ الْجَنَّ، فَكَبَّرْنَا ثُمّ قالَ: ((ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ) فَكَبِّرْنا ثُمَّ قالَ: ((شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ) فَكَبِّرْنا. وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الأَغْمَشِ ﴿َرَى النَّاسَ سُكَارَى وَما هُمْ بِسُكارَى﴾ قالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ. وَقَالَ جَرِيرٌ وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ وَأَبُو مُعاوِيَةَ: سَكْرِى وَما هُمْ بِسكرى. وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث بن طلق الكوفي قال: (حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا أبو صالح) ذكوان السمان (عن أبي سعيد الخدري) رضي الله عنه أنه (قال: قال النبي ◌َّ): ٠ ٤٢٢ كتاب تفسير القرآن/ سورة الحج (يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك) يا (ربنا وسعديك فينادي) بفتح الدال (بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار) بفتح الموحدة وسكون العين المهملة أي مبعوثًا أي نصيبًا والبعث الجيش والجمع أي أخرج من ذريتك الناس الذين هم أهل النار وابعثهم إليها (قال: يا رب وما بعث النار) أي وما مقدار مبعوث النار (قال من كل ألف أراه) بضم الهمزة أي أظنه (قال تسعمائة وتسعة وتسعين). وفي حديث أبي هريرة عند المؤلف في باب كيف الحشر من كتاب الرقاق فيقول: أخرج من كل مائة تسعة وتسعين وهو يدل على أن نصيب أهل الجنة من الألف عشرة، وحديث الباب على أنه واحد والحكم للزائد أو يحمل حديث الباب على جميع ذرية آدم فيكون من كل ألف واحد وحديث أبي هريرة على من عدا يأجوج ومأجوج فيكون من كل ألف عشرة. (فحينئذٍ تضع الحامل حملها) أي جنينها (ويشيب الوليد) من شدة هول ذلك وهذا على سبيل الفرض أو التمثيل وأصله أن الهموم تضعف القوى وتسرع بالشيب أو يحمل على الحقيقة لأن كل أحد يبعث على ما مات عليه فتبعث الحامل حاملاً والمرضع مرضعة والطفل طفلاً فإذا وقعت زلزلة الساعة، وقيل ذلك لآدم عليه الصلاة والسلام وسمعوا ما قيل له وقع بهم من الوجل ما تسقط معه الحامل ويشيب له الطفل وتذهل المرضعة قاله الحافظ أبو الفضل بن حجر وسبقه إليه القفال (وترى الناس سكارى) أي كأنهم سكارى من شدّة الأمر الذي أصابهم قد دهشت عقولهم وغابت أذهانهم فمن رآهم حسب أنهم سكارى (وما هم بسكارى) على الحقيقة (ولكن عذاب الله شديد) تعليل لإثبات السكر المجازي لما نفي عنهم السكر الحقيقي (فشق ذلك على الناس) الحاضرين (حتى تغيرت وجوههم) من الخوف (فقال النبي ◌َّر من يأجوج ومأجوج) وممن كان على الشرك مثلهم (تسعمائة وتسعة وتسعين) بنصب تسع على التمييز ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف (و) المخرج (منكم) أيها المسلمون وممن كان مثلكم (واحد ثم أنتم في الناس) في المحشر (كالشعرة السوداء) بفتح العين وبسكونها فقط في اليونينية (في جنب الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود) أو للتنويع أو شك الراوي. قال السفاقسي أطلق الشعرة وليس المراد حقيقة الواحدة لأنه لا يكون ثور ليس في جلده غير شعرة واحدة من غير لونه (إني) بالواو وسقطت لأبي ذر (لأرجو أن تكونوا) يريد أمته المؤمنين به (ربع أهل الجنة فكبّرنا) أي قلنا الله أكبر سرورًا بهذه البشارة (ثم قال) عليها السلام (ثلث أهل الجنة فكبرنا) سرورًا (ثم قال) عليه السلام: (شطر أهل الجنة) نصفها وثلث وشطر نصب خبر تكون (فكبرنا) سرورًا واستعظامًا في الثلاثة لهذه النعمة العظمى والمنحة الكبرى، فهذا الاستعظام بعد الاستعظام الأوّل إشارة إلى فوزهم بالبغية. وعند عبد الله ابن الإمام أحمد في زياداته والطبراني من حديث أبي هريرة زيادة أنتم ثلثا أهل الجنة. وفي الترمذي وصححه من حديث بريدة رفعه أهل الجنة عشرون ومائة صف أمتي منها ثمانون والظاهر أنه صلوات الله وسلامه عليه لما رجا من رحمة الله أن تكون أمته نصف أهل الجنة أعطاه ما رجاه وزاده. ٤٢٣ كتاب تفسير القرآن/ سورة الحج (وقال أبو أسامة) حماد بن أسامة مما وصله في أحاديث الأنبياء وسقطت واو وقال لغير أبي ذر (عن الأعمش) سليمان عن أبي صالح عن أبي سعيد (ترى الناس سكارى) وسقط هذا لأبي ذر (وما هم بسكارى) على وزن كسالى (قال): ولأبي ذر قال: (من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) فوافق حفص بن غياث في روايته عن الأعمش. (وقال جرير) هو ابن عبد الحميد فيما وصله المؤلف في الرقاق (وعيسى بن يونس) مما وصله إسحاق بن راهويه في مسنده عنه (وأبو معاوية) محمد بن خازم بالخاء والزاي المعجمتين مما وصله مسلم (سكرى وما هم بسكرى) بفتح السين وسكون الكاف فيهما من غير ألف وبذلك قرأ حمزة والكسائي على وزن صفة المؤنث بذلك واختلف هل هي صيغة جمع على فعلى كمرضى وقتلى أو صفة مفردة استغني بها في وصف الجماعة خلاف مشهور. والحديث ذكره في أحاديث الأنبياء في باب قصة يأجوج ومأجوج. ٢ - باب ﴿وَمِنَ النَّاسِ مِنْ يَعْبُدُ الله عَلى حَرْفٍ﴾ شَكِّ ﴿فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ أَطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ [الحج: ١١، ١٢] ﴿أَثْرَفْنَاهُمْ﴾: وَسَّعْنَاهُمْ هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف﴾) أي (شك) قاله مجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم وهو قول أكثر المفسرين وأصله من حرف الشيء وهو طرفه وقيل على انحراف أو على طرف الدين لا في وسطه كالذي يكون في طرف الجيش فإن أحس بظفر قرّ وإلا فر وهو المراد بقوله: (﴿فإِن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه﴾) أي ارتدّ فرجع إلى وجهه الذي كان عليه من الكفر حال كونه (﴿خسر الدنيا والآخرة﴾) بذهاب عصمته وحبوط عمله بالارتداد (إلى قوله: ﴿ذلك هو الضلال البعيد﴾) [الحج: ١١، ١٢] عن الحق والرشد وسقط لغير أبي ذر قوله شك وسقط لأبي ذر قوله فإن أصابه الخ. (أترفناهم) في قوله في سورة المؤمنين ﴿وأترفناهم في الحياة الدنيا﴾ [المؤمنون: ٣٣] أي (وسعناهم) قاله أبو عبيدة ولفظه في مجازه وسعنا عليهم. ٤٧٤٢ - حدثني إِبْراهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ قالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ الْمَدِينَةَ فَإِنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلامًا وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ قَالَ: هَذا دِينٌ صَالِحٌ وَإِنْ لَمْ تَلِدِ آمْرَأَتُهُ وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ قالَ: هذا دِينُ سَوْءٍ. وبه قال: (حدَّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إبراهيم بن المنذر) الكرماني قال: (حدّثنا ٤٢٤ كتاب تفسير القرآن/ سورة الحج يحيى بن أبي بكير) قيس الكوفي قاضي كرمان قال: (حدّثنا إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي (عن أبي حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان بن عاصم الأسدي (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه (قال) في قوله تعالى: (﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف﴾ قال: كان الرجل يقدم المدينة) يثرب (فإن ولدت امرأته غلامًا ونتجت خيله) بضم النون. قال الجوهري على ما لم يسم فاعله تنتج نتاجًا وقد نتجها أهلها نتجًا وأنتجت الفرس إذا حان نتاجها، وقال في الأساس: نتجت الناقة فهي منتوجة وأنتجت فهي منتجة إذا وضعت وقد نتجت إذا حملت . اهـ. وهي مثل نفست المرأة فهي منفوسة إذا ولدت وزاد العوفي عن ابن عباس فيما أخرجه ابن أبي حاتم وصح جسمه. (قال: هذا دين صالح) وفي رواية الحسن البصري فيما أخرجه ابن المنذر قال: لنعم الدين هذا وفي رواية جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عند ابن أبي حاتم قالوا إن ديننا هذا صالح فتمسكوا به (وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله) بضم التاء الأولى وفتح الثانية بينهما نون ساكنة مبنيًّا لما لم يسم فاعله (قال: هذا دين سوء) بفتح السين المهملة والجر على الإضافة. وفي رواية العوفي وإن أصابه وجع المدينة وولدت امرأته جارية وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان فقال له: والله ما أصبت على دينك هذا إلا شرًّا وذلك الفتنة. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هو المنافق إن صلحت له دنياه أقام على العبادة وإن فسدت عليه دنياه انقلب فلا يقيم على العبادة. واستشكل على هذا قوله: انقلب لأن المنافق في الحقيقة لم يسلم حتى ينقلب، وأجيب: بأنه أظهر بلسانه خلاف ما كان أظهره فصار يذم الدين عند الشدّة وكان من قبل يمدحه وذلك انقلاب على الحقيقة. وهذا الحديث من أفراده. ٣ - باب قَوْله: ﴿هَذانِ خَضْمانِ أَخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] هذا (باب) بالتنوين وسقط لغير أبي ذر (قوله) تعالى: (﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾﴾ [الحج: ١٩] أي في دين ربهم والخصم في الأصل مصدر فيوحد ويذكر غالبًا كقوله: ﴿نبأ الخصم إذ تسوّروا المحراب﴾ [ص: ٢١] ويجوز أن يثنى ويجمع ويؤنث كهذه الآية ولما كان كل خصم فريقًا يجمع طائفة قال اختصموا بصيغة الجمع كقوله: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: ٩] فالجمع مراعاة للمعنى. وقال في الكشاف: الخصم صفة وصف بها الفوج أو الفريق فكأنه قيل هذان فوجان أو فريقان يختصمان، وقوله (هذان) للفظ واختصموا للمعنى قال في الدار: إن عنى بقوله أن الخصم صفة بطريق الاستعمال المجازي فمسلم لأن المصدر يكثر الوصف به وإن أراد أنه صفة حقيقة فخطؤه ظاهر لتصريحهم بأن رجل خصم مثل رجل عدل. ٤٢٥ كتاب تفسير القرآن/ سورة الحج ٤٧٤٣ - حدّثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهالٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنا أَبُو هاشِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ فَيْسِ بْنِ عُبادٍ عَنْ أَبِي ذَرِّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ كانَ يُقْسِمُ فِيها إِنَّ هذِهِ الْآيَةَ: ﴿هَذَانٍ خَضْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ وَصاحِبَيْهِ وَعُتْبَةَ وَصاحِبَيْهِ يَوْمَ بَرَزُوا فِي يَوْمِ بَدْرٍ . رَواهُ سُفْيَانُ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ وَقالَ عُثْمَانُ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي هاشِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَوْلُهُ. وبه قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) الأنماطي السلمي مولاهم البصري قال: (حدّثنا هشيم) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة مصغرًا ابن بشير مصغرًا أيضًا قال: (أخبرنا أبو هاشم) يحيى بن دينار الرماني بضم الراء وتشديد الميم الواسطي (عن أبي مجلز) بكسم الميم وسكون الجيم وفتح اللام بعدها زاي لاحق بن حميد السدوسي (عن قيس بن عباد) بضم العين المهملة وتخفيف الموحدة البصري (عن أبي ذر) جندب بن جنادة (رضي الله عنه أنه كان يقسم فيها) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي قسمًا بفتح السين بدل قوله فيها وهو الصواب ورواية الكشميهني فيها تصحيف كما لا يخفى إذ المراد القسم الذي هو الحلف (إن هذه الآية ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ نزلت في حمزة) بن عبد المطلب (و) في (صاحبيه) علي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وهؤلاء الثلاثة الفريق المؤمنون (و) في (عتبة) بن ربيعة بن عبد شمس (و) في (صاحبيه) أخيه شيبة والوليد بن عتبة المذكور وهم الفريق الآخر (يوم برزوا في يوم) وقعة (بدر) والستة كلهم من قريش ثلاثة منهم مسلمون وهم من بني عبد مناف اثنان من بني هاشم والثالث وهو عبيدة من بني عبد المطلب، وباقيهم مشركون وهم من بني عبد شمس بن عبد مناف وتفصيل مبارزتهم على المشهور أن حمزة لعتبة وعبيدة لشيبة وعليًا للوليد. وقيل: إن عبيدة للوليد وعليًا لشبيه والسند بذلك أصح مما قبله إلا أن ذلك أنسب، وقتل كل واحد من المسلمين من برز له من الكفار إلا عبيدة فإنه اختلف مع من بارزه بضربتين فوقعت الضربة في ركبة عبيدة ومال حمزة وعلي إليه فأعاناه على قتله واستشهد عبيدة من تلك الضربة بالصفراء عند رجوعهم. (رواه) أي حديث الباب هذا بإسناده ومتنه (سفيان) الثوري فيما وصله المؤلف في المغازي (عن أبي هاشم) شيخ هشيم المذكور هنا عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي ذر بلفظ نزلت (﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾) في ستة من قريش علي وحمزة وعبيدة بن الحارث وشيبة بن ربيعة وأخيه عتبة والوليد بن عتبة (وقال عثمان) هو ابن أبي شيبة (عن جرير) هو ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي هاشم) هو ابن دينار الرماني (عن أبي مجلز) هو لاحق السدوسي (قوله) أي هو من قوله موقوفًا عليه، وقد وصله أبو هاشم في رواية الثوري وهشيم إلى أبي ذر كما مر قريبًا والحكم للواصل إذا كان حافظًا على ما لا يخفى والثوري أحفظ من منصور فتقدم روايته. ٤٧٤٤ - حقثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهالٍ، حَدَّثَنا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ، قالَ: سَمِعْتُ أَبِي قالَ: ٤٢٦ كتاب تفسير القرآن/ سورة المؤمنون حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسٍ بْنِ عُبادٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنٍ أَبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو بَيْنَ يَدَىِ الرَّحْمْنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيامَةِ قالَ قَيْسٌ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿هَذَانٍ خَضْمانِ أَخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: هُمُ الْذِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ عَلِيٍّ وَحَمْزَةُ، وَعُبَيْدَةُ وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةٌ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُثْبَةً. وبه قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) بكسر الميم قال: (حدّثنا معتمر بن سليمان قال: (سمعت أبي) سليمان بن طرخان بالخاء المعجمة التيمي (قال: حدّثنا أبو مجلز) لاحق السدوسي (من قيس بن عباد) بضم العين وتخفيف الموحدة (عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه) وسقط لأبي ذر ابن أبي طالب أنه (قال: أنا أوّل من يجثو) بالجيم أي يجلس على ركبتيه (بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة قال قيس): هو ابن عباد من قوله موقوفًا عليه (وفيهم) أي في حمزة وصاحبيه وعتبة وصاحبيه (نزلت ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ قال هم الذين بارزوا يوم بدر علي وحمزة) بن عبد المطلب (وعبيدة) بن الحارث بن عبد المطلب والثلاثة مسلمون (وشيبة بن ربيعة) بن عبد شمس (و) أخوه (عتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة) المذكور. ومقتضى رواية سليمان بن طرخان هذه الاقتصار على قوله: أنا أوّل من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة فقط كما أن مقتضى رواية أبي هاشم السابقة قريبًا الاقتصار على سبب النزول فليس في رواية قيس بن عباد عن أبي ذر وعلى اختلاف عليه، لكن أخرج النسائي من طريق يوسف بن يعقوب عن سليمان التيمي بهذا الإسناد إلى علي قال: فينا نزلت هذه الآية وفي مبارزتنا يوم بدر ﴿هذان خصمان﴾ وزاد أبو نعيم في مستخرجه ما في رواية معتمر بن سليمان وهو قوله أنا أوّل من يجثو وكذا أخرجه الحاكم من طريق أبي جعفر الرازي ورواه عبد بن حميد عن يزيد بن هارون وعن حماد بن مسعدة كلاهما عن سليمان التيمي كرواية معتمر فإن كان محفوظًا فيكون الحديث عند قيس عن أبي ذر وعن علي معًا بدليل اختلاف سياقهما قاله في الفتح. وقد روي أن الآية نزلت في أهل الكتاب والمسلمين قال أهل الكتاب: نحن أحق بالله وأقدم منكم كتابًا ونبينا قبل نبيكم، وقال المؤمنون: نحن أحق بالله آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وما أنزل الله من كتاب فأفلج الله الإسلام على من ناوأه وأنزل ﴿هذا خصمان﴾ قاله قتادة بنحوه. وقال عكرمة: هما الجنة والنار قالت النار: خلقني الله لعقوبته، وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته فقص الله على محمد خبرهما وخصوص السبب لا يمنع العموم في نظير ذلك السبب وقول عطاء ومجاهد أن المراد الكافرون والمؤمنون يشمل الأقوال كلها وينتظم فيه قصة بدر وغيرها. سُورَةُ الْمُؤْمِنِينَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: سَبْعَ طَرائِقَ: سَبْعَ سَمُواتٍ، لَها سابِقُونَ: سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعادَةُ. قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ: خَائِفِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: هَيْهاتَ هَيْهاتَ: بَعِيدٌ بَعِيدٌ. فَأَسْأَلِ ٤٢٧ كتاب تفسير القرآن/ سورة المؤمنون الْعادِينَ: الْمَلائِكَةَ، لَناكِبُونَ: لَعادِلُونَ، كالِحُونَ، عابِسُونَ، وَقالَ غَيْرُهُ: مِنْ سُلالَةٍ: الْوَلَدُ، وَالنُّطْفَةُ: السُّلالَةُ، وَالْجِنَّةُ: وَالْجُنُونُ وَاحِدٌ، وَالْغُثاءُ الزَّبَدُ وَمَا أَرْتَفَعَ عَنِ الْماءِ وَما لا يُنْتَفَعُ بِهِ. يَجْأَرُونَ: يَرْفَعُونَ أَضواتَهُمْ كَما تَجْأَرُ الْبَقَّرَةُ، عَلى أَعْقائِكُمْ: رَجَعَ عَلى عَقِبَيْهِ. سامِرًا مِنَ السَّمَرِ وَالْجَمِيعُ السَّمَّارُ وَالسَّامِرُ هُهُنا فِي مَوْضِعِ الْجَمْعِ. تُسْحَرُونَ: تَعْمَوْنَ مِنَ السِّخْرِ. (سورة المؤمنين) بالياء، وفي نسخة سورة المؤمنون بالواو مكية مائة وتسع عشرة آية في البصري وثمان عشرة في الكوفي. (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر. (قال ابن عيينة) سفيان مما وصله في تفسيره من رواية سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عنه في قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا فوقكم﴾ (﴿سبع طرائق﴾) [المؤمنون: ١٧] أي (سبع سموات) سميت طرائق لتطارقها وهو أن بعضها فوق بعض يقال طارق النعل إذا أطبق نعلاً على نعل وطارق بين الثوبين إذا لبس ثوبًا على ثوب قاله الخليل والزجاج والفراء أو لأنها طرق الملائكة في العروج والهبوط قاله علي بن عيسى، وقيل لأنها طرق الكواكب في مسيرها والوجه في إنعامه علينا بذلك أنه جعلها موضعًا لأرزاقنا بإنزال الماء منها وجعلها مقرًا للملائكة ولأنها موضع الثواب ومكان إرسال الأنبياء ونزول الوحي. (﴿لها سابقون﴾) في قوله تعالى: ﴿أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾ [المؤمنون: ٦١] أي (سبقت لهم السعادة) قاله ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة وضمير لها يرجع إلى الخيرات لتقدمها في اللفظ واللام قيل بمعنى إلى يقال سبقت له وإليه بمعنى ومفعول سابقون محذوف تقديره سابقون الناس إليها وقيل اللام للتعليل أي سابقون الناس لأجلها وسقط هذا لأبي ذر. (﴿قلوبهم وجلة﴾﴾ [المؤمنون: ٦٠] قال ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم أي (خائفين) أن لا يقبل منهم ما آتوا من الصدقات وهذا ثابت لأبي ذر عن المستملي (قال) ولأبي ذر وقال: (ابن عباس) فيما وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة (هيهات هيهات) بالفتح من غير تنوين لغة الحجازيين بني لوقوعه أي (بعيد بعيد). قال في المصابيح: المعروف عند النحاة أنها اسم فعل أي سمي بها الفعل الذي هو بعد وهذا تحقيق لكونه اسمًا مع أن مدلوله وقوع البعد في الزمن الماضي والمعنى أن دلالته على معنى بعد ليست من حيث إنه موضوع لذلك المعنى ليكون فعلاً بل من حيث إنه موضوع لفعل دال على بعد يقترن بالزمان الماضي وهو بعد كوضع سائر الأسماء لمدلولاتها . اهـ. ٤٢٨ كتاب تفسير القرآن/ سورة المؤمنون وفسره الزجاج في ظاهر عبارته بالمصدر فقال: البعد لما توعدون أو بعد لما توعدون فظاهرها أنه مصدر بدليل عطف الفعل عليه ويمكن أن يكون فسر المعنى فقط وجمهور القرّاء على فتح التاء من غير تنوين فيهما وهي لغة الحجازيين وإنما بنوه لشبهه بالحرف وفيه لغات تزيد على الأربعين وکرر للتوكيد وليست المسألة من التنازع قال جرير: فهيهات هيهات العقيق وأهله وهيهات خل بالعقيق نواصله (﴿فاسأل العادّين﴾) أي (الملائكة) يعني الذين يحفظون أعمال بني آدم ويحصونها عليهم وهذا قول عكرمة وقيل الملائكة الذي يعدّون أيام الدنيا وقيل المعنى سل من يعرف عدد ذلك فإنا نسيناه . (لناكبون) ولأبي ذر قال ابن عباس لناكبون (لعادلون) عن الصراط السويّ. (كالحون) أي (عابسون) وفي حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا تشويه النار فتقلص شفته العليا وتسترخي السفلى رواه الحاكم (وقال غيره) أي غير ابن عباس وثبت وقال غيره لأبي ذر وسقط لغيره. (من سلالة: الولد والنطفة السلالة) لأنه استل من أبيه وهو مثل البرادة والنحاتة لما يتساقط الشيء بالبرد والنحت وقال الكرماني ليس الولد تفسيرًا للسلالة بل مبتدأ خبره السلالة وهي فعالة وهو بناء يدل على القلة كالقلامة. (والجنة) في قوله ﴿أم يقولون به جنة﴾ (والجنون واحد) في المعنى وقيل كانوا يعملون بالضرورة أنه أرجحهم عقلاً وأثقبهم نظرًا فالمجنون كيف يمكنه أن يأتي بمثل ما أوتي به من الدلائل القاطعة والشراع الكاملة الجامعة. (والغثاء) في قوله: ﴿فجعلناهم غثاء﴾ هو (الزبد وما ارتفع عن الماء وما لا ينتفع به) وهو من غثا الوادي يغثو غثوًا بالواو وأما غثت نفسه تغثي غثيانًا أي خبثت فهو قريب من معناه ولكنه من مادّة الياء. (يجأرون) أي (يرفعون أصواتهم) بالاستغاثة والضجيج (كما تجار البقرة) لشدة ما نالهم. (﴿على أعقابكم﴾﴾ [المؤمنون: ٦٦] يقال (رجع على عقبيه) أي أدبر يعني أنهم مدبرون عن سماع الآيات. (سامرًا) نصب على الحال من فاعل تنكصون أو من الضمير في مستكبرين مأخوذ (من السمر) وهو سهر الليل مأخوذ وهو ما يقع على الشجر من ضوء القمر فيجلسون إليه يتحدثون مستأنسين به قال: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر ٤٢٩ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور وقال الراغب السامر الليل المظلم (والجميع السمار) بوزن الجمار (والسامر ههنا في موضع الجمع) وهو الأفصح تقول قوم سامر ونظيره نخرجكم طفلاً. (تسحرون) أي فكيف (تعمون من السحر) حتى يخيل لكم الحق باطلاً مع ظهور الأمر وتظاهر الأدلة وثبت من قوله تجارون إلى هنا في رواية النسفي وسقط لغيره كما نبه عليه في الفتح. [٢٤] سُورَةُ النُّورِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) ﴿مِنْ خِلالِهِ﴾ مِنْ بَيْنِ أَضْعافِ السَّحابِ ﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾ وَهُوَ الضّياءُ. مُذَّعِنِينَ يُقالُ لِلْمُسْتَخْذِيَ مُذْعِنْ. أَشْتَاتًا وَشَتَّى وَشَتاتْ وَشَتُّ واحِدٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾: بَيْنَاها. وَقالَ غَيْرُهُ: سُمّيَ الْقُرْآنُ لِجَمَاعَةِ السُّوَرِ، وَسُمِّيَتِ السُّورَةُ لأَنَّها مَقْطُوعَةٌ مِنَ الأُخْرِى، فَلَمَّا قُرِنَ بَعْضُها إِلى بَعْضِ سُمِّيَ قُرْآنًا. وَقَالَ سَعْدُ بْنُ عِياضِ الثُّماليّ ﴿الْمِشْكَاةُ﴾ الْكُوَّةُ بِلِسانِ الْحَبَشَةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾: تَأْلِيفَ بَعْضِهِ إِلى بَعْضٍ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَبَعْ قُرْآنَهُ﴾: فَإِذا جَمَعْنَاهُ وَأَلَّفْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ أَيْ ما جُمِعَ فِيهِ فَاعْمَلْ بِما أمَرَكَ وَأَنَّتَهِ عَمَّا نَهاكَ الله، وَيُقالُ لَيْسَ لِشِعْرِهِ قُرْآنٌ أَيْ تَأْلِيفٌ، وَسُمْيَ الْفُرْقَانَ لأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَيُقالُ لِلْمَرْأَةِ مَا قَرَّأَتْ بِسَلاً قَطُ أَيْ لَمْ تَجْمَعْ فِي بَطْنِها وَلَدًا. وَقَالَ: ﴿فَرَّضْنَاهَا﴾ أَنْزَلْنا فِيهَا فَرائِضَ مُخْتَلِفَةً، وَمَنْ قَرَأَ: ﴿فَرَضْناها﴾ يَقُولُ: فَرَضْنَا عَلَيْكُمْ وَعَلَى مَنْ بَعْدَكُمْ. قَالَ مُجاهِدٌ أَوِ الطَّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا لَمْ يَدْرُوا لِما بِهِمْ مِنَ الصُّغَرِ. وَقالَ الشَّعْبِيُّ أُولِي الإزْبَةِ مَنْ لَيْسَ لَهُ إِرْبٌ وَقَالَ مُجاهِدٌ: لا يُهِمَّهُ إِلاَّ بَطْنُهُ وَلا يُخافُ عَلَى النِّساءِ وَقالَ طاوُسٌ: هُوَ الأَحْمَقُ الَّذي لا حاجّةً لَهُ فِي النِّساءِ. ([٢٤] سورة النور) مدنية وهي ثنتان أو أربع وستون آية. (بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتت البسملة لأبي ذر وفي بعض النسخ ثبوتها مقدمة على السورة. (من خلاله) في قوله تعالى: ﴿فترى الودق يخرج من خلاله﴾ [النور: ٤٣] أي فترى المطر يخرج (من بين أضعاف السحاب) وخلال مفرد كحجاب أو جمع كجبال جمع جبل. (سنا برقه وهو الضياء) يقال: سنا يسنو سنا أي أضاء يضيء قال امرؤ القيس: يضيء سناه أو مصابيح راهب ٤٣٠ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور والسناء بالمد الرفعة والمعنى هنا يكاد ضوء برق السحاب يذهب بالأبصار من شدة ضوئه والبرق الذي صفته كذلك لا بد وأن يكون نارًا عظيمة خالصة والنار ضد الماء والبرد فظهوره يقتضي ظهور الضد من الضد وذلك لا يمكن إلا بقدرة قادر حكيم وسقط لغير أبي ذر قوله وهو من قوله وهو الضياء. (مذعنين) في قوله تعالى: ﴿وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين﴾ [النور: ٤٩] (يقال للمستخذي) بالخاء والذال المعجمتين اسم فاعل من استخذى أي خضع (مذعن) بالذال المعجمة أي منقاد يريد إن كان لهم الحكم لا عليهم يأتوا إليه منقادين لعلمهم بأنه يحكم لهم. (أشتاتًا وشتى) بتشديد التاء (وشتات) بتخفيفها (وشت) بتشديدها (واحد) في المعنى ومراده ما في قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعًا أو أشتاتًا﴾ [النور: ٦١] وجميعًا حال من فاعل تأكلوا وأشتاتًا عطف عليه والأكثرون على أن الآية نزلت في بني ليث بن عمرو حيّ من كنانة كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده فيمكث يومه حتى يجد ضيفًا يأكل معه فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئًا وربما قعد الرجل والطعام بين يديه من الصباح إلى الرواح فنزلت هذه الآية فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاؤوا جميعًا مجتمعين أو أشتاتًا متفرقين. (وقال ابن عباس) رضي الله عنهما فيما وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى: ((سورة أنزلناها﴾) [النور: ١] أي (بيناها) قال الزركشي تبعًا للقاضي عياض كذا في النسخ والصواب أنزلناها وفرضناها بيناها فبيناها تفسير فرضناها لا تفسير أنزلناها ويدل عليه قوله بعد هذا ويقال في فرضناها أنزلنا فيها فرائض مختلفة فإنه يدل على أنه تقدم له تفسير آخر . اهـ. وتعقب الزركشي صاحب المصابيح فقال: يا عجبًا لهذا الرجل وتقويله لابن عباس ما لم يقله فالبخاري نقل عن ابن عباس تفسير أنزلناها ببيناها وهو نقل صحيح ذكره الحافظ مغلطاي من طريق ابن المنذر بسنده إلى ابن عباس فما هذا الاعتراض البارد . اهـ. وقد روى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله وفرضناها يقول بیناها. قال في الفتح: وهو يؤيد قول عیاض. (وقال غيره) أي غير ابن عباس (سمي القرآن لجماعة السور) بفتح الجيم والعين وتاء التأنيث والسور مجرور بالإضافة ويجوز كسر الجيم والعين وهاء الضمير والسور نصب مفعول لجماعه (وسميت السورة لأنها) منزلة بعد منزلة (مقطوعة من الأخرى) والجمع سور بفتح الواو وقال الراعي: سود المحاجر لا يقرأن بالسور وفيها لغتان الهمز وتركه فبتركه هي المنزلة من منازل الارتفاع ومن ثم سمي سور البلد لارتفاعه على ما يحويه ومنه قول النابغة: ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب ٤٣١ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور يعني منزلة من منازل الشرف التي قصرت عنها منازل الملوك فسميت السورة لارتفاعها وعلو قدرها وبالهمز القطعة التي فصلت من القرآن عما سواها وأبقيت منه لأن سؤر كل شيء بقیته بعد ما يؤخذ منه. (فلما قرن بعضها إلى بعض سمي) المجموع (قرآنًا). قال أبو عبيدة سمي القرآن لأنه يجمع السور فيضمها (وقال سعد بن عياض) بسكون العين (الثمالي) بضم المثلثة وتخفيف الميم نسبة إلى ثمالة قبيلة من الأزد الكوفي التابعي مما وصله ابن شاهين من طريقه (المشكاة) هي (الكوّة) بضم الكاف وفتحها وتشديد الواو وهي الطاقة غير النافذة (بلسان الحبشة) ثم عرّب وقال مجاهد هي القنديل وقيل هي الأنبوبة في وسط القنديل. وقوله تعالى: (﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾) أي (تأليف بعضه إلى بعض ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾) [القيامة: ١٧، ١٨] أي (فإذا جمعناه وألفناه فاتبع قرآنه) أي (ما جمع فيه فاعمل بما أمرك) الله فيه (وانته عما نهاك الله) فيه وسقطت الجلالة لأبي ذر وفي الأول للكل (ويقال ليس لشعره قرآن أي تأليف وسمي الفرقان) بالنصب (لأنه يفرق) بضم التحتية وفتح الفاء وتشديد الراء مكسورة (بين الحق والباطل ويقال للمرأة ما قرأت بسلى قط) بفتح السين المهملة منونًا من غير همز وهي الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد (أي لم تجمع في بطنها ولدًا) والحاصل أن القرآن عنده مشتق من قرأ بمعنى جمع لا من قرأ بمعنى تلا. (وقال فرضناها) بتشديد الراء ولأبي ذر ويقال في فرضناها أي (أنزلنا فيها فرائض مختلفة) فالتشديد لتكثير المفروض وقيل للمبالغة في الإيجاب. ومن قرأ (فرضناها) بالتخفيف وفي قراءة غير أبي عمرو وابن كثير (يقول): المعنى (فرضنا عليكم) أي فرضناها فأسقط الضمير (وعلى من بعدكم) إلى يوم القيامة والسورة لا يمكن فرضها لأنها قد دخلت في الوجود وتحصيل الحاصل محال فوجب أن يكون المراد فرضنا ما بين فيها من الأحكام. (قال): ولأبي ذر وقال (مجاهد) فيما وصله الطبري في قوله: ﴿أو الطفل الذين لم يظهروا﴾ [النور: ٣١] أي (لم يدروا) بسكون الدال العورة من غيرها (لما بهم) أي لأجل ما بهم (من الصغر) وقال الفراء والزجاج لم يبلغوا أن يطيقوا إتيان النساء وقيل لم يبلغوا حد الشهوة والطفل يطلق على الجمع والمثنى فلذا وصف بالجمع أو لما قصد به الجنس روعي فيه الجمع. (وقال الشعبي) بفتح المعجمة فيما وصله الطبري (أولي الإربة) هو (من ليس له إرب) بكسر الهمزة أي حاجة النساء وهم الشيوخ الهم والممسوحون وقال ابن جبير المعتوه وقال ابن عباس المغفل الذي لا شهوة له وقال مجاهد المخنث الذي لا يقوم ذكره. (وقال مجاهد) فيما وصله الطبري هو الذي (لا يهمه إلا بطنه ولا يخاف على النساء) لبلهه (وقال طاوس): فيما وصله بعد الرزاق عنه عن أبيه (هو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء) ٤٣٢ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور وقيل هو الذي لا تشتهيه المرأة وثبت من قوله وقال الشعبي إلى هنا للنسفي وسقط من فرع اليونينية كأصله كبعض الأصول. ١ - باب قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (باب قوله عز وجل ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾) يقذفون أزواجهم بالزنا (﴿ولم يكن لهم شهداء﴾) يشهدون على صحة ما قالوا (﴿إلا أنفسهم فشهادة﴾) فالواجب شهادة (﴿أحدهم أربع شهادات بالله﴾) بنصب أربع على المصدر وحفص وحمزة الكسائي برفعها خبر المبتدأ وهو قوله فشهادة (﴿إنه لمن الصادقين﴾) [النور: ٦] فيما رماها به من الزنا. قال ابن كثير: وهذه الآية فيها فرج للأزواج وزيادة مخرج إذا قذف أحدهم زوجته وعسر عليه إقامة البينة وثبت التبويب لأبي ذر وقال بعد قوله شهداء الآية وأسقط باقيها. ٤٧٤٥ - هذّثنا إِسْحَقُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيابيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزاعِيُّ قالَ: حَدَّثَني الزُّهْرِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ عُوَيْمِرًا أَتَى عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي عَجْلانَ فَقالَ: كَيْفَ تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ سَلْ لِي رَسُولَ وِ هِ عَنْ ذَلِكَ، فَأَتَى عَاصِمُ النَّبِيِّ وَّهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكْرِهَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ الْمَسائِلَ، فَسَأَلَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَرِهِ الْمَسائِلَ وَعابَها قالَ عُوَيْمِرٌ: وَالله لاَ أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ عَنْ ذَلِكَ فَجاءَ عُوَيْمِرٌ فَقالَ: يا رَسُولَ الله، رَجُلٌ وَجَدَ مَعَ أَمْرَأَتِهِ رَجُلاً أَيْقَتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((قَدْ أَنْزَلَ الله الْقُرْآنَ فيكَ وَفِي صاحِبَتِكَ)) فَأَمَرَهُما رَسُولُ اللَّهِ وَهَ بِالْمُلاعَنَةِ بِمَا سَمَّى الله في كِتَابِهِ فَلاعَنَها ثُمَّ قالَ: يا رَسُولَ الله، إِنْ حَبَستُهَا فَقَدْ ظَلَمْتُها فَطَلَّقَها، فَكانَتْ سُنَّةً لِمَنْ كانَ بَعْدَهُما فِي الْمُتَلاعِنَيْنِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((أَنْظُرُوا فَإِنْ جاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ عَظيمَ الأَلْيَتَيْنِ خَدَلْجَ السَّاقَيْنِ فَلا أَحْسِبُ عُوَيْمِرَا إِلاَّ قَدْ صَدَقَ عَلَيْها وَإِنْ جاءَتْ بِهِ أُخَيْمِرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةً فَلا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلاَّ قَدْ كَذَبَ عَلَيْها)) فَجاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ رَسُولُ اللهِ﴿ مِنْ تَصْدِيقِ عُوَيْمِرٍ فَكَانَ بَعْدُ يُنْسَبُ إِلى أُمِّهِ. وبه قال: (حدّثنا إسحلق) هو ابن منصور بن بهرام أبو يعقوب الكوسج المروزي قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي وهو من مشايخ المؤلف روى عنه هنا بالواسطة قال: (حدّثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو (قال حدَّثني) بالإفراد (الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سهل بن سعد) الساعدي الأنصاري رضي الله عنه (أن عويمرًا) بضم العين المهملة وفتح الواو تصغير عامر بن الحارث بن زيد بن الجد بفتح الجيم وتشديد الدال ابن عجلان وفي رواية القعنبي عن مالك عويمر بن أشقر وكذا أخرجه أبو داود وأبو عوانة وفي الاستيعاب عويمر بن أبيض قال ٤٣٣ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور الحافظ ابن حجر: فلعل أباه كان يلقب أشقر وأبيض وفي الصحابة عويمر بن أشقر آخر وهو مازني أخرج له ابن ماجة (أتى عاصم بن عدي) العجلاني (وكان سيد بني عجلان) بفتح العين وسكون الجيم وهو ابن عم والد عويمر ولأبي ذر بني العجلان (فقال) له: (كيف تقولون في رجل وجد مع امرأته رجلاً أيقتله) بهمزة الاستفهام الاستخباري أي أيقتل الرجل (فتقتلونه) قصاصًا لقوله تعالى: ﴿النفس بالنفس﴾. وفي قصة العجلاني من حديث ابن عمر المروي في مسلم فقال: أرأيت إن وجد مع امرأته رجلاً فإن تكلم به تكلم بأمر عظيم وإن سكت سكت على مثل ذلك. وفي حديث ابن مسعود عنده أيضًا إن تكلم جلدتموه وإن قتل قتلتموه وإن سكت سكت على غيظ. وفي رواية عن ابن عباس لما نزلت ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ [النور: ٤] الآية. قال عاصم بن عدي: إن دخل رجل منا بيته فرأى رجلاً على بطن امرأته فإن جاء بأربعة رجال يشهدون بذلك فقد قضى الرجل حاجته وذهب وإن قتله قتُل به، وإن قال وجدت فلانًا معها ضرب وإن سكت سكت على غيظ. (أم كيف يصنع؟) أم تحتمل أن تكون متصلة يعني إذا رأى الرجل هذا المنكر الشنيع والأمر الفظيع وثارت عليه الحمية أيقتله فتقتلونه أم يصبر على ذلك، ويحتمل أن تكون منقطعة فسأل أولاً عن القتل مع القصاص ثم أضرب عنه إلى سؤاله لأن أم المنقطعة متضمنة لبل والهمزة قبل تضرب الكلام السابق والهمزة تستأنف كلامًا آخر، والمعنى كيف يصنع أيصبر على العار أو يحدث الله له أمرًا آخر فلذا قال: (سل لي) يا عاصم (رسول الله وَّر عن ذلك فأتى عاصم النبي وَل* فقال: با رسول الله) حذف المقول لدلالة السابق عليه أي كيف تقول في رجل وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع (فكره رسول الله وَلقر المسائل) المذكورة لما فيها من البشاعة والإشاعة على المسلمين والمسلمات وتسليط العدوّ في الدين بالخوض في أعراضهم، وزاد في اللعان والطلاق من طريق مالك عن ابن شهاب وعابها حتى كبر عاصم ما سمع من رسول الله وَّر، فلما رجع عاصم إلى أهله (فسأله عويمر) فقال: يا عاصم ماذا قال لك رسول الله وَّر (فقال) عاصم: لم تأتني بخبر (إن رسول الله وي كره المسائل وعابها) ثبت لفظ وعابها هنا وسقط من الأولى (قال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأل رسول الله وَّ ر عن ذلك فجاء عويمر) إلى رسول الله الخير (فقال: يا رسول الله؟ رجل وجد مع امرأته رجلاً) يزني بها (أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟ فقال رسول الله ◌َد) : (قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك) هي زوجته خولة بنت قيس فيما ذكره مقاتل، وذكر ابن الكلبي أنها بنت عاصم المذكور واسمها خولة والمشهور أنها بنت قيس. وأخرج ابن مردويه من طريق الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عاصم بن عدي لما نزلت ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ قال: يا رسول الله أين لأحدنا أربعة شهداء فابتلي به في بنت أخيه. وفي سنده مع إرساله ضعيف. وأخرج ابن أبي حاتم في التفسير عن مقاتل بن حيان قال: إرشاد الساري/ ج ١٠/ م ٢٨ ٤٣٤ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور لما سأل عاصم عن ذلك ابتلي به في أهل بيته فأتاه ابن عمه تحته ابنة عمه رماها بابن عمه المرأة والزوج والخليل ثلاثتهم بنو عم عاصم. وعند ابن مردويه من مرسل ابن أبي ليلى أن الرجل الذي رمى عويمر امرأته به هو شريك ابن سحماء وهو يشهد لصحة هذه الرواية لأنه ابن عم عويمر لأنه شريك بن عبدة مغيث بن الجد بن العجلان. وفي مرسل مقاتل بن حيان عند ابن أبي حاتم فقال الزوج لعاصم: يا ابن عم أقسم بالله لقد رأيت شريك ابن سحماء يلي بطنها وإنها لحبلى وما قربتها منذ أربعة أشهر. وفي حديث عبد الله بن أبي جعفر عند الدارقطني لاعن بين عويمر العجلاني وامرأته فأنكر حملها الذي في بطنها وقال: هو لابن سحماء، وإذا جاء الخبر من طرق متعددة فإن بعضها يعضد بعضًا، وظاهر السياق يقتضي أنه كان تقدّم من عويمر إشارة إلى خصوص ما وقع له مع امرأته، والظاهر أن في هذا السياق اختصارًا ويوضحه ما في حديث ابن عمر في قصة العجلاني بعد قوله: إن تكلم تكلم بأمر عظيم وإن سكت سكت على مثل ذلك فسكت عنه النبي ◌َّتي، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به فدلّ على أنه لم يذكر امرأته إلا بعد أن انصرف ثم عاد. (فأمرهما رسول الله ﴿ بالملاعنة) بضم الميم قال في المغرب لعنه لعنًا ولاعنه ملاعنة ولعانًا وتلاعنوا لعن بعضهم بعضًا وهو لغة الطرد والإبعاد وشرعًا كلمات معلومة جعلت حجة للمضطر إلى قذف من لطخ فراشه وألحق العار به أو إلى نفي ولد قال النووي إنما سمي لعانًا لأن كلاً من الزوجين يبعد عن صاحبه (بما سمى الله في كتابه) في هذه الآية بأن يقول الزوج أربع مرات أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به هذه من الزنا، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا ويشير إليها في الحضور ويميزها في الغيبة ويأتي بدل ضمائر الغائب بضمائر المتكلم فيقول لعنة الله عليّ إن كنت الخ وإن كان ولد ينفيه ذكره في الكلمات الخمس لينتفي عنه فيقول إن الولد الذي ولدته أو هذا الولد من زنا ليس مني. (فلاعنها) أي لاعن عويمر زوجته خولة بعد أن قذفها وأتت عند النبي وَليزر وسألها فأنكرت وأصرّا في السنة الأخيرة من زمانه وَل﴿، وجزم الطبري وأبو حاتم وابن حبان بأنها في شعبان سنة تسع، وعند الدارقطني من حديث عبد الله بن جعفر أنها كانت منصرف النبي وب لير من تبوك ورجح بعضهم أنها كانت في شعبان سنة عشر لا سنة تسع. وفي حديث ابن مسعود عند مسلم أنها كانت ليلة جمعة. (ثم قال) عويمر (يا رسول الله إن حبستها فقد ظلمتها فطلقها) زاد في باب من أجاز طلاق الثلاث من طريق مالك عن ابن شهاب ثلاثًا وتمسك به من قال لا تقع الفرقة بين المتلاعنين إلا بإيقاع الزوج وهو قول عثمان الليثي واحتج بأن الفرقة لم تذكر في القرآن وأن ظاهر الأحاديث أن الزوج هو الذي طلق ابتداء. ٤٣٥ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور وقال الشافعي وسحنون من المالكية: تقع بعد فراغ الزوج من اللعان لأن التعان المرأة إنما شرع لدفع الحدّ عنها بخلاف الرجل فإنه يزيد على ذلك في حقه نفي النسب ولحاق الولد وزوال الفراش. وقال مالك بعد فراغ المرأة وتظهر فائدة الخلاف في التوارث لو مات أحدهما عقب فراغ الرجل وفيما إذا علق طلاق امرأة بفراق أخرى ثم لاعن الأخرى. وقال أبو حنيفة لا تقع حتى يوقعها الحاكم لظاهر ما وقع في أحاديث اللعان وتكون فرقة طلاق. وعن أحمد روايتان وقول النووي في شرح مسلم كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها هو كلام مستقل وقوله فطلقها أي ثم عقب ذلك لأنه ظن أن اللعان لا يحرمها عليه فأراد تحريمها بالطلاق فقال هي طالق ثلاثًا فقال له النبي وَّرِ ((لا سبيل لك عليها)) أي لا ملك لك عليها فلا يقع طلاقًا تعقبه في الفتح بأنه يوهم أن قوله لا سبيل لك عليها وقع منه وَّر عقب قول الملاعن هي طالق ثلاثًا، وأنه موجود كذلك في حديث سهل بن سعد الذي شرحه وليس كذلك فإن قوله لا سبيل لك عليها لم يقع في حديث سهل وإنما وقع في حديث ابن عمر عقب قوله: الله يعلم أن أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها وقال الخطابي لفظ فطلقها يدل على وقوع الفرقة باللعان ولولا ذلك لصارت في حكم المطلقات وأجمعوا على أنها ليست في حكمهن فلا يكون له مراجعتها إن كان الطلاق رجعيًا ولا يحل له أن يخطبها إن كان بائنًا وإنما اللعان فرقة فسخ. (فكانت) أي الفرقة بينهما (سنّة لمن كان بعدهما فى المتلاعنين) فلا يجتمعان بعد الملاعنة. وقال ابن عبد البر أبدى له بعض أصحابنا فائدة وهو أن لا يجتمع ملعون مع غير ملعون لأن أحدهما ملعون في الجملة بخلاف ما إذا تزوّجت المرأة غير الملاعن فإنه لا يتحقق، وعورض بأنه لو كان كذلك لامتنع عليهما معًا التزويج لأنه يتحقق أن أحدهما ملعون ويمكن أن يجاب بأن في هذه الصورة افتراقًا في الجملة وفي رواية الباب الآتي من طريق فليح عن الزهري فكانت سنة أن يفرق بين المتلاعنين وكانت حاملاً فأنكر حملها. (ثم قال رسول الله بَّه: انظروا فإن جاءت به) أي بالولد لدلالة السياق عليه (أسحم) بفتح الهمزة وسكون السين وفتح الحاء المهملتين آخره ميم أي أسود (أدعج العينين) بالعين المهملة والجيم أي شديد سواد الحدقة (عظيم الأليتين) بفتح الهمزة أي العجز (خدلج الساقين) بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة واللام المشددة آخره جيم أي عظيمهما (فلا أحسب عويمرًا إلا قد صدق عليها وإن جاءت به أحيمر) بضم الهمزة وفتح الحاء المهملة وكسر الميم مصغر أحمر وقول صاحب التنقيح أن الصواب صرف أحيمر وهو الأبيض تعقبه في المصابيح فقال: عدم الصرف كما في المتن هو الصواب وما ادعى هو أنه عين الصواب هو عين الخطأ (كأنه وحرة) بفتح الواو والحاء المهملة والراء دويبة تترامى على الطعام واللحم فتفسده وهي من أنواع الوزغ وشبهه بها لحمرتها وقصرها (فلا أحسب عويمرًا إلا قد كذب عليها فجاءت به على النعت الذي نعت رسول الله) ٤٣٦ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور ولغير أبي ذر نعت به رسول الله (َ﴿ من تصديق عويمر) وفي باب التلاعن في المسجد من طريق ابن جريج عن الزهري فجاءت به على المكروه من ذلك (فكان) أي الولد (بعد ينسب إلى أمه) فاعتبر الشبه من غير حكم به لأجل ما هو أقوى من الشبه وهو الفراش كما فعل في وليدة زمعة وإنما يحكم بالشبه وهو حكم القافة إذا استوت العلائق كسيدين وطئا في طهر. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الطلاق والتفسير والاعتصام والأحكام والمحاربين والتفسير أيضًا ومسلم في اللعان وأبو داود في الطلاق وكذا النسائي وابن ماجه. ٢ - باب ﴿وَالْخَامِسَةُ أنَّ لَعَنَةَ الله عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكاذِبِين﴾ [النور: ٧] هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ((والخامسة﴾) أي والشهادة الخامسة (﴿أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين﴾﴾ [النور: ٧] فيما رمى به زوجته من الزنا وهذا لعان الرجل وحكمه سقوط حد القذف وحصول الفرقة بينهما بنفسه فرقة فسخ في مذهبنا لقوله عليه السلام المروي في البيهقي وغيره: المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا، وعند أبي حنيفة رحمه الله بتفريق الحاكم فرقة طلاق ونفي الولد إن تعرض له فيه وسقط لفظ باب لغير أبي ذر. ٤٧٤٦ - حدّثني سُلَيْمَانُ بْنُ داوُدَ أَبُو الرَّبيع، حَدْثَنَا فُلَيْحٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أنَّ رَجُلاً أَتَى رَسُولَ اللهِ وَّهِ فَقالَ: يا رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ رَجُلاً رَأَى مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَأَنْزَلَ الله فِيهِما ما ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ التَّلاعُنِ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِّهِ: ((قَدْ قُضِيَ فيكَ وَفِي أَمْرَأَتِكَ)) قالَ: فَتَلاعَنَا وَأَنَا شاهِدٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِوَِّ فَفارَقَها فَكَانَتْ سُنَّ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلاعِنَيْنِ، وَكانَتْ حَامِلاً فَأَنْكَرَ حَمْلَهَا وَكَانَ أَبْنُها يُدْعِى إِلَيْها ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ فِي الْميراثِ أَنْ يَرِثَها وَتَرِثَ مِنْهُ ما فَرَضَ الله لَها. وبه قال: (حذّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدَّثنا (سليمان بن داود) العتكي (أبو الربيع) الزهراني المقرىء البصري قال: (حدّثنا فليح) بضم الفاء وفتح اللام آخره حاء مهملة مصغرًا ابن سليمان الخزاعي وفليح لقبه واسمه عبد الملك (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن سهل بن سعد) الساعدي رضي الله عنه (أن رجلاً) هو عويمر العجلاني (أتى رسول الله # فقال: يا رسول الله أرأيت رجلاً) أي أخبرني عن حكم رجل (رأى مع امرأته رجلاً) استعمل الكناية ومقصوده معية خاصة وأنه كان وحده عند الرؤية (أيقتله) لأجل ما وقع مما لا يقدر على الصبر عليه غالبًا من الغيرة التي طبع عليها البشر (فتقتلونه) قصاصًا (أم كيف يفعل؟) أي أم يصبر على ما به من المضض فأم متصلة ويحتمل أن تكون منقطعة بمعنى الإضراب أي بل هنا حكم آخر (فأنزل الله) تعالى (فيهما) في عويمر وخولة زوجته (ما ذكر في القرآن من التلاعن فقال له رسول الله (ص): ٤٣٧ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور (قد قضي) بضم القاف وكسر الضاد المعجمة وفي نسخة قد قضى الله (فيك وفي امرأتك) بآية اللعان (قال) سهل (فتلاعنا) بعد أن قذفها وأنكرت لما سألها رسول الله و الجر (وأنا شاهد) حاضر (عند رسول الله * ففارقها) فرقة مؤبدة (فكانت) أي الملاعنة (سنة أن يفرق) أي في التفريق (بين المتلاعنين) فأن مصدرية (وكانت حاملاً فأنكر) عويمر (حملها) زاد في رواية العباس بن سهل بن سعد عن أبيه عند أبي داود فقال النبي وَّ لعاصم بن عدي: أمسك المرأة عندك حتى تلد (وكان ابنها) الذي وضعته بعد الملاعنة (يدعى إليها) لأنه يظهر ألحقه بها لأنه متحقق منها فلو أكذب الزوج نفسه ثبت النسب ولزمه الحد ولم ترتفع الحرمة المؤبدة (ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها) ولدها الذي نفاه زوجها بالملاعنة (وترث) هي (منه ما فرض الله لها) والظاهر أن هذا من قول سهل حيث قال فتلاعنا الخ. ومطابقة الحديث للترجمة في قوله فأنزل الله فيهما . ٣ - باب ﴿وَيَدْرَأْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهادَاتٍ بالله إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٨] هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿ويدرأ عنها﴾) أي عن المقذوفة (﴿العذاب﴾) أي الحد (﴿أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين﴾) [النور: ٨] فيما رماني به وسقط لفظ باب لغير أبي ذر. ٤٧٤٧ - حدثني مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ هِشَامٍ بْنِ حَسَّانٍ، حَدَّثَنا عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ آَمْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ نَّهَ بِشَرِيكِ ابْنِ سَخْمَاءَ فَقالَ النَّبِيِّ وَّرِ: ((الْبَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ)) فَقالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذا رَأَى أَحَدُنا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلاً يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيْنَةَ؟ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَقُولُ: ((الْبَيِّنَةَ وَإِلَّ حَدَّ فِي ظَهْرِكَ) فَقالَ هِلالٌ: وَالَّذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ الله ما يُبَرِّىءُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدْ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَّلَ عَلَيْهِ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فَقَرَّأَ حَتَّى بَلَغَ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا. فَجَاءَ هِلالٌ فَشَهِدَ. وَالنَّبِيُّ ◌َهِ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُما تَائِبٌ)»؟ ثُمَّ قامَتْ فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كانَتْ عِنْدَ الْخامِسَةِ وَقَّفُوهَا وَقالُوا: إِنَّها مُوجِبَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ◌َظَنَنَّا أَنَّها تَرْجِعُ، ثُمَّ قَالَتْ: لا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ، فَمَضَتْ. فَقالَ النَّبِيِّ ◌َ: «أَبْصِرُوها فَإِنْ جاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ سَابِغَ الأَلْيَتَيْنِ خَدَلْجَ السَّاقَيْنِ فَهْوَ لِشَرِيكِ ابْنِ سَخماءَ)) فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ فَقالَ النَّبِيُّ وَّر: ((لَوْلا ما مَضى مِنْ كِتابِ الله لَّكانَ لي وَلَها شَأْنٌ)). ٤٣٨ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (محمد بن بشار) بفتح الموحدة والشين المعجمة المشددة بندار العبدي البصري قال: (حدّثنا ابن أبي عدي) محمد واسم أبي عدي إبراهيم البصري (عن هشام بن حسان) منصرف وغير منصرف الأزدي القردوسي بضم القاف وسكون الراء وضم الدال البصري أنه قال: (حدّثنا عكرمة) بن عبد الله البربري مولى ابن عباس (عن ابن عباس) رضي الله عنهما (أن هلال بن أمية) بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التحتية الواقفي بكسر القاف والفاء الأنصاري أحد الثلاثة المتخلفين عن غزوة تبوك وتيب عليهم (قذف امرأته) خولة بنت عاصم كما رواه ابن منده وكانت حاملاً (عند النبي ◌ِّر بشريك ابن سحماء) بفتح السين وسكون الحاء المهملتين ممدودًا اسم أمه. وفي تفسير مقاتل أنها كانت حبشية وقيل يمانية واسم أبيه عبدة بن معتب أو مغيث ولا يمتنع أن يتهم شريك ابن سحماء بهذه المرأة وامرأة عويمر معًا، وأما قول ابن الصباغ في الشامل أن المزني ذكر في المختصر أن العجلاني قذف زوجته بشريك ابن سحماء وهو سهو في النقل، وإنما القاذف لشريك هلال بن أمية فلعله لم يعرف مستند المزني في ذلك، وقد سبق في الباب الذي قبله مستند ذلك فليلتفت إليه والجمع ممكن فيتعين المصير إليه وهو أولى من التغليظ على ما لا يخفى. (فقال النبي ◌َلغير: البينة) بالنصب بتقدير أحضر البينة (أو حدّ) بالرفع أي أتحضر البيئة أو يقع حد (في ظهرك) أي على ظهرك كقوله لأصلبنكم في جذوع النخل (فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق) حال كونه (يلتمس البينة) أي يطلبها (فجعل النبي وَ لقر يقول: البينة وإلا حدّ في ظهرك فقال هلال والذي بعثك بالحق إني لصادق فلينزلن الله) بفتح اللام وضم التحتية وسكون النون (ما يبرىء ظهري من الحدّ) في موضع نصب بقوله فلينزلن الله (فنزل جبريل) عليه السلام (وأنزل عليه) وَّر(﴿والذين يرمون أزواجهم﴾) فقرأ حتى بلغ (﴿إن كان من الصادقين﴾) أي فيما رماها الزوج به (فانصرف النبي وير فأرسل إليها) أي إلى خولة بنت عاصم زوج هلال فحضرت بين يديه (فجاء هلال فشهد) أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما رماها به. والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين في الرمي (والنبي ◌َّر يقول: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب). قال القاضي عياض، وتبعه النووي في قوله أحدكما رد على من قال من النحاة إن لفظ أحد لا يستعمل إلا في النفي وعلى من قال منهم لا يستعمل إلا في الوصف وأنه لا يوضع في موضع واحد ولا يقع موقعه وقد أجازه المبرد وجاء في هذا الحديث في غير وصف ولا نفي بمعنى واحد اهـ. وتعقب الفاكهاني ذلك فقال: هذا من أعجب ما وقع للقاضي عياض مع براعته وحذقه فإن الذي قاله النحاة إنما هو في أحد التي للعموم نحو ما في الدار من أحد وما جاءني من أحد وأما أحد بمعنى واحد فلا خلاف في استعمالها في الإثبات نحو قل هو الله أحد ونحوه فشهادة أحدهم ونحو أحدكما كاذب. ٤٣٩ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور (فهل منكما تائب)؟ عرض لهما بالتوبة بلفظ الاستفهام الإبهام الكاذب منهما فلذلك لم يقل لهما توبا ولا لأحدهما بعينه تب ولا قال ليتب الكاذب منكما وزاد جرير بن حازم عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس عند الطبري والحاكم والبيهقي فقال هلال: الله إني لصادق (ثم قامت) أي زوجته (فشهدت) أي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به (فلما كانت عند) المرّة (الخامسة وقفوها) بتشديد القاف ولأبي ذر وقفوها بتخفيفها (وقالوا: إنها موجبة) للعذاب الأليم إن کنت كاذبة. (قال ابن عباس) بالسند السابق: (فتلكأت) بهمزة مفتوحة بعد الكاف المشددة بوزن تفعلت أي تباطأت عن ذلك (ونكصت) أي أحجمت (حتى ظننا أنها ترجع) عن مقالتها في تكذيب الزوج ودعوى البراءة عما رماها به (ثم قالت: لا أفضح) بفتح الهمزة والمعجمة (قومي سائر اليوم) أي جميع الأيام أيام الدهر أو فيما بقي من الأيام بالأعراض عن اللعان والرجوع إلى تصديق الزوج وأريد باليوم الجنس ولذلك أجراه مجرى العام (فمضت) أي في تمام اللعان (فقال النبي ◌َّلام: أبصروها) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وكسر المهملة (فإن جاءت به) أي الولد (أكحل العينين) أي شديد سواد جفونهما خلقة من غير اكتحال (سابغ الاليتين) أي غليظهما (خدلج الساقين) بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة وبعد اللام المشددة جيم عظيمهما (فهو لشريك ابن سحماء فجاءت به كذلك، فقال النبي وَّير: لولا ما مضى من كتاب الله) في آية اللعان (لكان لي ولها شأن) في إقامة الحدّ عليها وفي ذكر الشأن وتنكيره تهويل عظيم لما كان يفعل بها أي لفعلت بها لتضاعف ذنبها ما يكون عبرة للناظرين وتذكرة للسامعين. قال الكرماني، فإن قلت: الحديث الأول يدل على أن عويمرًا هو الملاعن والآية نزلت فيه والولد شابهه والثاني أن هلالاً هو الملاعن والآية نزلت فيه والولد شابهه. وأجاب بأن النووي قال: اختلفوا في نزول آية اللعان هل هو بسبب عويمر أم بسبب هلال؟ والأكثرون أنها نزلت في هلال، وأما قوله عليه الصلاة والسلام لعويمر: إن الله قد أنزل فيك وفي صاحبتك، فقالوا معناه الإشارة إلى ما نزل في قصة هلال لأن ذلك حكم عام لجميع الناس ويحتمل أنها نزلت فيهما جميعًا فلعلهما سألا في وقتين متقاربين فنزلت الآية فيهما وسبق هلال باللعان . اهـ. قال في الفتح: ويؤيد التعدد أن القائل في قصة هلال سعد بن عبادة كما أخرجه أبو داود والطبري والقائل في قصة عويمر عاصم بن عدي كما في حديث سهل السابق ولا مانع أن تتعدّد القصص ويتحد النزول وجنح القرطبي إلى تجويز نزول الآية مرتين وأنكر جماعة ذكر هلال فيمن لاعن والصحيح ثبوت ذلك وكيف يجزم بخطأ حديث ثابت في الصحيحين بمجرد دعوى لا دليل عليها. وقول النووي في تهذيبه اختلفوا في الذي وجد مع امرأته رجلاً وتلاعنا على ثلاثة أقوال: هلال بن أمية، أو عاصم بن عدي، أو عويمر العجلاني؟ قال الواحدي: أظهر هذه الأقوال أنه عويمر لكثرة الأحاديث، واتفقوا على أن الموجود زانيًا شريك ابن سحماء تعقبوه بأن قصتي ملاعنة ٤٤٠ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور عويمر وهلال ثبتتا فكيف يختلف فيهما، وإنما المختلف فيه سبب نزول الآية في أيهما، وقد سبق تقريره وبأن عاصمًا لم يلاعن قط وإنما سأل لعويمر العجلاني عن ذلك وبأن قوله: واتفقوا على أن الموجود زانيًا شريك ممنوع إذا لم يوجد زانيًا وإنما هم اعتقدوا ذلك ولم يثبت ذلك في حقه في ظاهر الحكم فصواب العبارة أن يقال واتفقوا على أن المرمي به شريك ابن سحماء. وهذا الحديث قد مرّ في باب إذا ادعى أو قذف فله أن يلتمس البينة من كتاب الشهادات. ٤ - باب قَوْلِهِ ﴿وَالْخامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَا إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] (باب قوله) عز وجل (﴿والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾) [النور: ٩] فيما رماها به وخصها بالغضب لأن الغالب أن الرجل لا يتجشم فضيحة أهله ورميها بالزنا إلا وهو صادق معذور وهي تعلم صدقه فيما رماها به فلذا كانت الخامسة في حقها أن غضب الله عليها والمغضوب عليه هو الذي يعلم الحق ثم يحيد عنه وسقط باب قوله لغير أبي ذر. ٤٧٤٨ - حدّثنا مُقَدَّمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَخْيَىُ، حَدَّثَنَا عَمّيٍ الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ عَنْ نَافِع عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا، أَنَّ رَجُلاً رَمَى آمْرَأَتَهُ فَانْتَفْى مِنْ وَلَدِها في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ وََّ، فَأَمَرَ بِهِما رَسُولُ اللهِوَِّ فَتَلاعَنا كما قالَ اللهِ، ثُمَّ قَضى بِالْوَلَدِ للْمَرْأَةِ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلاعِنَيْنِ. [الحديث ٤٧٤٨ - أطرافه في: ٥٣٠٦ - ٥٣١٣- ٥٣١٤- ٥٣١٥- ٦٧٤٨]. وبه قال: (حدّثنا مقدم بن محمد بن يحيى) بضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المفتوحة الهلالي الواسطي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدَّثني بالإفراد (عمي القاسم بن يحيى عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عمرو بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب قال البخاري (وقد سمع) القاسم (منه) أي من عبيد اللّه (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً) هو عويمر العجلاني (رمى امرأته) بالزنا (فانتفى من ولدها في زمن رسول الله صلفر فأمر بهما رسول الله ◌َ﴿ فتلاعنا كما قال الله) تعالى في كتابه (﴿والذين﴾ - إلى قوله - ﴿والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾ ثم قضى) وَلثر: (بالولد للمرأة) واستدل به على مشروعية اللعان لنفي الولد بمجرّد اللعان ولو لم يتعرض الرجل لذكره في اللعان وفيه نظر لأنه لو استلحقه لحقه وإنما يؤثر اللعان بالرجل دفع حد القذف عنه وثبوت زنا المرأة ثم يرتفع عنها الحد بالتعانها. وقال الشافعي إن نفى الولد في الملاعنة انتفى وإن لم يتعرض له فله أن يعيد اللعان لانتفائه ولا إعادة على المرأة وإن أمكنه الرفع إلى الحاكم فأخره بغير عذر حتى ولدت لم يكن له أن ينفيه.