النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
على وجه الأرض خمسمائة ذراع وعرضه خمسون (يريد أن ينقض) إسناده الإرادة إلى الجدار على
سبيل الاستعارة فإن الإرادة للجدار لا حقيقة لها وقد كان أهل القرية يمرون تحته خائفين (قال)
في معنى ينقض أنه (مائل فقام الخضر فأقامه بيده) أي فردّه إلى حالة الاستقامة وهذا خارق ولأبي
ذر فقال الخضر بيده فأقامه (فقال موسى) لما رأى من شدة الحاجة والاضطرار والافتقار إلى المطعم
وحرمان أصحاب الجدار لهم (قوم أتيناهم) فاستطعمناهم واستضفناهم (فلم يطعمونا ولم يضيفونا
لو شئت لاتخذت) بهمزة وصل وتشديد الفوقية وفتح الخاء وهي قراءة غير أبي عمرو وابن كثير
(عليه أجرًا) أي جعلاً نستعين به في عشائنا (قال) الخضر له (هذا فراق بيني وبينك) بإضافة
الفراق إلى البين إضافة المصدر إلى الظرف على الاتساع (إلى قوله ذلك تأويل ما لم تستطع عليه
صبرًا) أي هذا التفسير أي المذكور في الآية ما ضقت به ذرعًا ولم تصبر حتى أخبرك به ابتداء
(فقال رسول الله ◌َالقر: وددنا) بفتح الواو وكسر الدال الأولى وسكون الثانية (أن موسى كان صبر
حتى يقص الله علينا من خبرهما) إذ لو صبر لرأى أعجب الأعاجيب. (قال سعيد بن جبير)
بالسند السابق (فكان ابن عباس يقرأ: ﴿وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين﴾)
[الكهف: ٨٠] وهذه قراءة شاذة لمخالفتها المصحف العثماني لكنها كالتفسير.
وهذا الحديث سبق في كتاب العلم وأخرجه المؤلف في أكثر من عشرة مواضع من كتابه
الجامع.
٣ - باب قَوْلُهُ ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَأَتَّخَذَ سَبِيلَهُ
فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١] مَذْهَبًا يَسْرُبُ يَسْلُكُ وَمِنْهُ ﴿وَسَارِبُ بِالنَّهَارِ﴾
هذا (باب) بالتنوين (قوله) عز وجل: (﴿فلما بلغا مجمع بينهما﴾) أي مجمع البحرين وبينهما
ظرف أضيف إليه على الاتساع (﴿نسيا حوتهما﴾) نسي يوشع أن يذكر لموسى ما رأى من حياة
الحوت ووقوعه في البحر ونسي موسى أن يطلبه ويتعرف حاله ليشاهد منه تلك الأمارة التي
جعلت لها وذلك أن موسى عليه السلام وعد أن لقاء الخضر عند مجمع البحرين كما مرّ وأن فقد
الحوت علامة للقائه، فلما بلغ الموعد كان من حقهما أن يتفقد أمر الحوت أما الفتى فلكونه كان
خادمًا له وكان عليه أن يقدمه بين يديه، وأما موسى فلكونه كان أميرًا عليه أن يأمره بإحضاره
فنسي كل واحد ما عليه وإنما احتيج إلى التأويل لأن النسيان لا يتعلق بالذوات كما سبق عن
الراغب في تعريفه النسيان ترك ضبط ما استودع إما لضعف قلبه وإما عن غفلة أو عن قصد حتى
يحذف عن القلب ذكره قاله في فتوح الغيب. (﴿فاتخذ سبيله في البحر سربًا﴾﴾ [الكهف: ٦١]
بسكون الراء في الفرع كأصله ولأبي ذر سربًا بفتحها أي (مذهبًا يسرب يسلك ومنه) أي ومن
سربًا قوله: (﴿وسارب بالنهار﴾) قال أبو عبيدة أي سالك في سربه أي مذهبه وسقط لفظ باب
لغير أبي ذر وسقط له لفظ قوله.

٣٨٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
٤٧٢٦ - حدّثنا إبْراهِيمُ بْنُ مُوسى، أَخْبَرَنا مِشامُ بْنُ يُوسُفَ، أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَهُمْ
قالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِم، وَعَمْرُو بْنُ دِينارٍ، عَنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ يَزِيدُ أحَدُهُما عَلى صاحِبِهِ
وَغَيْرُهُما قَدْ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُهُ عَنْ سَعيدٍ قَالَ: إِنَّا لَعِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي بَيْتِهِ إِذْ قَالَ: سَلُوني؟ قُلْتُ: أَيْ
أبا عَبَّاسٍ جَعَلَنِي اللَّهُ فِداكَ بِالْكُوفَةِ رَجُلٌ قاصِّ يُقالُ لَهُ نَوْقٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُوسى بَنِي إِسْرائِيلَ
أمَّا عَمْرُو فَقالَ لي: قالَ: قَدْ كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ وَأمَّا يَعْلِى فَقالَ لي قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَدَّثَنِي أُبِيُّ بْنُ
كَعْبٍ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ((مُوسَى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ قَالَ: ذَكَّرَ النَّاسَ يَوْمًا حَتَّى إذا فاضَتِ
الْعُيُونُ وَرَقَّتِ الْقُلُوبُ وَلَّى فَأَذْرَكَهُ رَجُلٌ فقالَ: أَيْ رَسُولَ اللَّه هَلْ فِي الأَرْضِ أَحَدٌ أعْلَمُ مِنْكَ؟
قالَ: لاَ، فَعَتَبَ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمِ إلَى اللَّهِ قيلَ: بَلى، قالَ: جحر أيْ رَبِّ فَأَيْنَ؟ قَالَ
بِمَجْمَعِ الْبَخْرَيْنِ، قَالَ: أَيْ رَبِّ أَجْعَلْ لَي عَلَمَا أعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ - فَقالَ لي عَمْرٌو : - قالَ: حَيْثُ
يُفارِقُكَ الْحُوتُ - وَقَالَ لي يَعْلَى: قالَ: ((خُذْ نُونَا مَيْتًا حَيْثُ يُنْفَخُ فيهِ الرُّوحُ فَأَخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ
فِي مِكْتَلٍ فَقالَ: لِفَتَاهُ لا أُكَلِّفُكَ إِلاَّ أنْ تُخْبَرني بحَيْثُ يُفارقُكَ الْحُوتُ قَالَ: مَا كَلَّفْتَ كَثِيرًا؟
فَذلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسى﴾ لِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ)) لَيْسَتْ عَنْ سَعيدٍ قالَ: (( فَبَيْنَما هُوَ
فِي ظِلُ صَخْرَةٍ فِي مَكانٍ ثَرْيانَ إِذْ تَضَرَّبَ الْحُوتُ وَمُوسى نائِمٌ فَقالَ فَتَاهُ: لا أُوقِظَهُ حَتَّى إِذَا
اسْتَيْقَظَ فَتَسِيَ أَنْ يُخْبِرَهُ وَتَضَرَّبُ الْحُوتُ حَتَّى دَخَلَ الْبَحْرَ فَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُ جِزْيَةَ الْبَحْرِ حَتَّى كَأَنَّ
أَثَرَهُ فِي حَجَرٍ - قالَ لي عَمْرٌو هُكَذَا كَأنَّ أَثَرَهُ في جُحْرٍ وَحَلَّقَ بَيْنَ إِنْهَامَيْهِ وَاللَّتَيْنِ تَلِيانِهِما ((لَقَدْ
لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هُذَا نَصَبًا، قالَ: قَدْ قَطَعَ اللَّهُ عَنْكَ النَّصَبَ)) - لَيْسَتْ هذِهِ عَنْ سَعِيدٍ أَخْبَرَهُ .
((فَرَجَعا فَوَجَدا خَضِرًا)» قالَ لِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمانَ عَلى طِنْفِسَةٍ خَضْراءَ عَلى كَبِدِ الْبَحْرِ . قَالَ
سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ - ((مُسَجَّى بِثَوْبِهِ قَدْ جَعَلَ طَرَفَهُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ وَطَرَفَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى
فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ وَقالَ: هَلْ بِأَرْضي مِنْ سَلام مَنْ أَنْتَ؟ قالَ: أَنَا مُوسى، قالَ: مُوسَى بَني
إِسْرَائِيلَ قَالَ: نَعَمْ. قالَ: فَما شَأْتُكَ؟ قَالَ جِئْتُ لتُعَلَّمَني مِمَّا عُلْمْتَ رَشَدًا قالَ: أما يَكْفِيكَ أنَّ
التَّوْرَاةَ بِيَدَيْكَ وَأنَّ الْوَخْيَ يَأْتِيكَ يا مُوسى إنَّ لي عِلْمًا لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَعْلَمَهُ وَإِنَّ لَكَ عِلْمًا لا
يَنْبَغِي لَي أنْ أَعْلَمَهُ فَأَخَذَ طائِرٌ بِمِنْقارِهِ مِنَ الْبَحْرِ وَقالَ: وَاللَّهِ ما عِلْمِي وَما عِلْمُكَ فِي جَنْبِ عِلْمٍ
اللَّهِ إلاَّ كَما أخَذَ هذا الطَّائِرُ بِمِنْقَارِهِ مِنَ الْبَحْرِ حَتَّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ وَجَدا مَعابِرَ صِغارًا تَحْمِلُ
أهْلَ هذَا السَّاحِلِ إلى أهْلِ هَذَا السَّاحِلِ الآخَرِ عَرَفُوهُ فَقالُوا: عَبْدُ اللَّهِ الصَّالِحُ قَالَ: قُلْنا لِسَعيدٍ
خَضِرٌ قَالَ: نَعَمْ لا نَحْمِلُهُ بِأَجْرٍ فَخَرَقَها وَوَتَدَ فيها وَتِدًا قَالَ مُوسى: ﴿أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ
جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾((قالَ مُجاهِدٌ: مُنْكَرًا، ((﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ كانتِ
الأُولَى نِسْيانًا وَالْوُسْطَى شَرْطًا وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا، قالَ لا تُؤْاخِذْني بما نَسيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْري
عُسْرًا﴾ ﴿لَقِيا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾ قَالَ يَغْلى قالَ سَعيدٌ: ((وَجَدَ غِلْمَانًا يَلْعَبُونَ فَأَخَذَ غُلامًا كَافِرًا ظَرِيفًا
ي

٣٨٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ بِالسِّكْينِ قالَ: ﴿أَقَتَلْتَ نَّفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف: ٧٤] لَمْ تَعْمَلْ بالْحِنْثِ؟
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسِ قَرَأَهَا زَكِيَّةً. زاكِيَةٌ - مُسْلِمَةٌ ((﴿فَانْطَلَقَا فَوَجَدا جِدَارًا يُريدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾))
[الكهف: ٧٧] قالَ سَعيدٌ بِيَدِهِ هكذا وَرَفَعَ يَدَهُ فَاسْتَقَامَ قالَ يَعْلَى: حَسِبْتُ أنَّ سَعيدًا قالَ ((فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ
فَاسْتَقَامَ ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾)) [الكهف: ٧٧] قالَ سَعِيدْ أجْرًا نَأْكُلُهُ ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ﴾
وَكَانَ أمامَهُمْ قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ أمامَهُمْ مَلِكٌ يَزْعَمُونَ عَنْ غَيْرِ سَعيدٍ أَنَّهُ هُدَدُ بْنُ بُدَدِ الْغُلامُ الْمَقْتُولُ اسْمُهُ
يَزْعُمُونَ جَيْسُورُ ﴿مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا فَأَرَدْتُ﴾ [الكهف: ٧٩] إذا هِيَ مَرَّتْ بِهِ أنْ يَدَعَها
لِعَيِْها فَإِذا جَاوَزُوا أَصْلَحُوها فَانْتَفَعُوا بِها وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: سَدُوها بِقارُورَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بِالْقارِ كانَ
أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ وَكانَ كافِرًا فَخَشينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا أنْ يَحْمِلَهُما حُبُّهُ عَلى أنْ يُتابعاهُ عَلى دِينِهِ
فَأَرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا لِقَوْلِهِ: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ﴾ [الكهف: ٧٤]
وَأَقْرَبَ رُحْمًا هُما بِهِ أرْحَمُ مِنْهُما بِالأَوَّلِ الَّذِي قَتَلَ خَضِرٌ وَزَعَمَ غَيْرُ سَعيدٍ أَنَّهُما أُبْدِلا جارِيَةً وَأمَّا
دَاوُدُ بْنُ أَبي عاصِمٍ فَقالَ: عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ إِنَّها جارِيَةٌ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر بالإفراد (إبراهيم بن موسى) الفراء الصغير الرازي قال: (أخبرنا
هشام بن يوسف) اليماني قاضيها (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم قال: أخبرني)
بالإفراد (يعلى بن مسلم) بن هرمز المكي البصري الأصل (وعمرو بن دينار عن سعيد بن جبير
يزيد أحدهما على صاحبه) قال الحافظ ابن حجر: فتستفاد زيادة أحدهما على الآخر من الإسناد
الذي قبله فإن الأوّل من رواية سفيان عن عمرو بن دينار فقط وهو أحد شيخي ابن جريج فيه
(وغيرهما) هو من كلام ابن جريج أي وغير يعلى وعمرو (قد سمعته) حال كونه (يحدثه) أي يحدث
الحديث المذكور (عن سعيد) وكان الأصل أن يقول يحدث به لكنه عداه بغير الباء، ولأبي ذر عن
الكشميهني يحدث بحذف الضمير المنصوب، وقد عين ابن جريج بعض من أبهمه في قوله وغيرهما
كعثمان بن أبي سليمان، وروى شيئًا من هذه القصة عن سعيد بن جبير من مشايخ ابن جريج
عبد الله بن عثمان بن خثيم وعبد الله بن هرمز وعبد الله بن عبيد بن عمير، وممن روى هذا
الحديث عن سعيد بن جبير أبو إسحاق السبيعي وروايته عند مسلم وأبي داود وغيرهما والحكم بن
عتيبة وروايته في السيرة الكبرى لابن إسحاق كما نبه على ذلك في الفتح وفي رواية أبي ذر عن
سعيد بن جبير أنه (قال: إنا لعند ابن عباس) حال كونه (في بيته) واللام في لعند للتأكيد (إذ
قال: سلوني) قال سعيد بن جبير (قلت أي أبا عباس) يعني يا أبا عباس وهي كنية عبد الله بن
عباس (جعلني الله فداك بالكوفة رجل قاص) بتشديد الصاد المهملة يقص على الناس الأخبار من
المواعظ وغيرها ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أن بالكوفة رجلاً قاصًا (يقال له نوف) بفتح النون
وسكون الواو آخره فاء منونًا منصرفًا في الفصحى بطن من العرب وعلى تقدير أن يكون أعجميا
فمنصرف كنوح لسكون وسطه واسمه فضالة وهو ابن امرأة كعب الأحبار (يزعم أنه) أي موسى
صاحب الخضر (ليس بموسى بن إسرائيل) المرسل إليهم والباء زائدة للتوكيد وأضيف إلى بني

٣٨٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
إسرائيل مع العلمية لأنه نكر بأن أول بواحد من الأمة المسماة به ثم أضيف إليه قال ابن جريج
(أما عمرو) يعني ابن دينار (فقال لي) في تحديثه لي عن سعيد (قال) أي ابن عباس (قد كذب عدوّ
الله) يعني نوفًا وسقط لأبي ذر قال قد (وأما يعلى) بن مسلم (فقال لي) في تحديثه لي عن سعيد
(قال ابن عباس حدثني) بالإفراد (أبي بن كعب قال: قال رسول الله (وَل﴿):
هو (موسى رسول الله وَي) وفي الفرع كأصله عليه السلام (قال ذكر الناس يومًا) بتشديد
الكاف من التذكير أي وعظهم (حتى إذا فاضت العيون) بالدموع (ورقت القلوب) لتأثير وعظه في
قلوبهم (ولى) تخفيفًا لئلا يملوا وهذا ليس في رواية سفيان فظهر أنه من رواية يعلى بن مسلم عن
عمرو وقال العوفي عن ابن عباس فيما ذكره ابن كثير لما ظهر موسى وقومه على مصر أمره الله أن
يذكرهم بأيام الله فخطبهم فذكرهم إذ أنجاهم الله من آل فرعون وذكرهم هلاك عدوّهم وقال كلم
الله موسى نبيكم تكليمًا واصطفاه لنفسه وأنزل عليه محبة منه وآتاكم من كل ما سألتموه فنبيكم
أفضل أهل الأرض (فأدركه رجل) لم يسم (فقال) موسى (أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم
منك؟ قال: لا).
فإن قلت: هل بين هذا وبين قوله في رواية سفيان السابقة هنا فسئل أي الناس أعلم فقال
أنا فرق؟ أجيب بأن بينهما فرقًا لأن رواية سفيان تقتضي الجزم بالأعلمية له وهذه تنفي الأعلمية
عن غيره عليه فيبقى احتمال المساواة قاله في الفتح.
(فعتب) بفتح العين (عليه إذ لم يردّ العلم إلى الله) في الرواية السابقة وغيرها فعتب الله عليه
إذ لم يرد العلم إليه على التقديم والتأخير (قيل بلى) زاد في رواية الحر بن قيس عبدنا خضر ولمسلم
من رواية أبي إسحق أن في الأرض رجلاً هو أعلم منك (قال) موسى (أي رب فأين) أي فأين
أجده أو فأين هو وللنسائي فادللني على هذا الرجل حتى أتعلم منه ولأبي ذر وأين (قال بمجمع
البحرين) بحري فارس والروم أو بحري الشرق والمغرب المحيطين بالأرض أو العذب والملح (قال)
موسى (أي رب اجعل لي علمًا أعلم ذلك) المطلوب (منه) وفي نسخة به قال ابن جريج (فقال)
ولأبي ذر قال (لي عمرو) هو ابن دينار (قال): العلم على ذلك المكان (حيث يفارقك الحوت) فإنك
تلقاه (وقال لي يعلى) بن مسلم (قال: خذ نونًا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي خذ حوتًا (ميتًا)
ولمسلم في رواية أبي إسحق فقيل له تزود حوتًا مالحا فإنه حيث يفقد الحوت (حيث ينفخ فيه) أي
في الحوت (الروح) بيان لقوله حيث يفارقك الحوت (فأخذ) موسى (حوتًا) ميتًا مملوحًا وقيل شق
حوت مملح ولابن أبي حاتم أن موسى وفتاه اصطاداه (فجعله في مكتل فقال لفتاه لا أكلفك إلا أن
تخبرني بحيث يفارقك الحوت قال) فتاه (ما كلفت) أي ما كلفتني (كثيرًا) بالمثلثة ولأبي ذر عن
الكشميهني كبيرًا بالموحدة (فذلك قوله جل ذكره ﴿وإذ قال موسى لفتاه﴾ يوشع بن نون) بالصرف
قال ابن جريج (ليست) تسمية الفتى (عن سعيد) هو ابن جبير (قال فبينما) بالميم (هو) أي موسى
وفتاه تبع له (في ظل صخرة) حال كونه (في مكان ثريان) بمثلثة مفتوحة وراء ساكنة فتحتية

٣٨٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
مفتوحة وبعد الألف نون صفة لمكان مجرور بالفتحة لا ينصرف لأنه من باب فعلان فعلى أو
منصوب حالاً من الضمير المستتر في الجار والمجرور ويجوز ثريانًا بالنصب حالاً كما مر وبالتنوين
منصرفًا على لغة بني أسد لأنهم يصرفون كل صفة على فعلان ويؤنثونه بالتاء ويستغنون فيه بفعلاته
عن فعلى فيقولون سكرانة وغضبانة فلم تكن الزيادة عندهم في فعلان شبيهة بألفي حمراء فلم تمنع
من الصرف وفي بعض الأصول ثريان بالجر صفة لمكان وبالتنوين كما مر وهو من الثرى قال: في
النهاية يقال مكان ثريان وأرض ثریی إذا كان في ترابهما بلل وندى (إذ تضرب الحوت) بضاد
معجمة وراء مشددة تفعل أي اضطرب وتحرك إذا حيي في المكتل (و) الحال إن (موسى نائم) عند
الصخرة (فقال فتاه) يوشع (لا أوقظه حتى إذا استيقظ) سار (فنسي) بالفاء ولغير أبي ذر نسي
بحذفها (أن يخبره) بحياة الحوت (وتضرب الحوت) أي اضطرب سائرًا من المكتل (حتى دخل
البحر) وفي نسخة في البحر (فأمسك الله عنه) عن الحوت (جرية البحر حتى كأن أثره) نصب
بكأن (في حجر) بفتح الحاء والجيم خبرها.
قال ابن جريج: (قال لي عمرو) هو ابن دينار (هكذا كأن أثره في حجر) بتقديم الجيم
المفتوحة على الحاء المفتوحة على كشط في الفرع مصححًا عليها وفي اليونينية وغيرها بتقديم المهملة
وفتحهما وفي نسخة بالفرع وأصله حجر بجيم مضمومة فمهملة ساكنة قال ابن حجر وهي أوضح
(وحلق بين إبهاميه واللتين تليانهما) يعني الوسطى والتي بعدها ولأبي ذر عن الحموي والمستملي
والتي ولأبي ذر أيضًا أخرة تليانهما بفتح الهمزة والخاء المعجمة والراء يعني الوسطي (لقد لقينا) فيه
حذف اختصره وقع مبينًا في رواية سفيان فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كانا من الغد قال
موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا (من سفرنا هذا نصبًا) تعبًا ولم يجد موسى النصب حتى جاوز
المكان الذي أمر الله به (قال) فتى موسى له: (قد قطع الله عنك النصب).
قال ابن جريج: (ليست هذه عن سعيد) هو ابن جبير (أخبره) بسكون المعجمة وموحدة
مفتوحة من الإخبار أي أخبر يوشع موسى بقصة تضرب الحوت وفقده الذي هو علامة على وجود
الخضر (فرجعا) في الطريق الذي جاء فيه يقصان آثارهما قصصًا حتى انتهيا إلى الصخرة التي حيي
الحوت عندها (فوجدا خضرًا) نائمًا في جزيرة من جزائر البحر.
قال ابن جريج: (قال لي عثمان بن أبي سليمان) بن جبير بن مطعم وهو ممن أخذ هذا
الحديث عن سعيد بن جبير (على طنفسة خضراء) بكسر الطاء المهملة والفاء بينهما نون ساكنة
ولأبي ذر طنفسة بفتح الفاء ويجوز ضم الطاء والفاء وكلها لغات أي فرش صغير أو بساط له خمل
(على كبد البحر) أي وسطه وعند عبد بن حميد من طريق ابن المبارك عن ابن جريج عن عثمان بن
أبي سليمان قال: رأى موسى الخضر على طنفسة خضراء على وجه الماء وعند ابن أبي حاتم من
طريق العوفي عن ابن عباس أنه وجده في جزيرة في البحر (قال) ولأبي ذر فقال: (سعيد بن
جبير) بالإسناد السابق (مسجى) بضم الميم وفتح المهملة وتشديد الجيم منونة أي مغطى كله (بثوبه
إرشاد الساري/ ج ١٠/ م ٢٥

٣٨٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه) الآخر (تحت رأسه) وعند ابن أبي حاتم عن السدي فرأى
الخضر وعليه جبة من صوف وكساء من صوف ومعه عصا قد ألقى عليها طعامه (فسلم عليه
موسى فكشف) الثوب (عن وجهه) زاد مسلم في رواية أبي إسحق وقال وعليكم السلام (وقال:
هل بأرضي من سلام) لأنهم كانوا كفارًا أو كانت تحيتهم غير السلام ولأبي ذر عن الحموي
والكشميهني هل بأرض بالتنوين ثم قال الخضر لموسى (من أنت؟ قال: أنا موسى قال) له:
(أموسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: فما شأنك)؟ أي ما الذي تطلب (قال: جئت) إليك
(لتعلمني مما علمت رشدًا) أي علمًا ذا رشد (قال) الخضر يا موسى (أما يكفيك أن التوراة بيديك)
بالتثنية (وأن الوحي يأتيك) من الله على لسان جبريل وهذه الزيادة ليست في رواية سفيان فالظاهر
أنها من رواية يعلى بن مسلم (يا موسى إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه) أي كله (وإن لك
علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه) أي كله وتقدير هذا ونحوه متعين كما قال في الفتح لأن الخضر
كان يعرف من الحكم الظاهر ما لا غنى للمكلف عنه وموسى كان يعرف من الحكم الباطن ما
يأتيه بطريق الوحي. وقال البرماوي كالكرماني: وإنما قال لا ينبغي لي أن أعلمه لأنه إن كان
نبيًا فلا يجب عليه تعلم شريعة نبي آخر وإن كان وليًا فلعله مأمور بمتابعة نبي غيره وقوله يا
موسى ثابت لأبي ذر عن الحموي ساقط لغيره (فأخذ طائر) عصفور (بمنقاره من البحر) ماء
(وقال) بالواو ولأبي ذر فقال أي الخضر: (والله ما علمي وما علمك في جنب علم الله إلا كما
أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر).
وفي الرواية السابقة ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا
البحر ولفظ النقص ليس على ظاهره، وإنما معناه أن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله تعالى
كنسبة ما أخذه العصفور بمنقاره إلى ماء البحر وهذا على التقريب إلى الإفهام وإلا فنسبة علمهما
إلى علم الله أقل.
وروى النسائي من وجه آخر عن ابن عباس أن الخضر قال لموسى أتدري ما يقول هذا
الطائر؟ قال: لا. قال: يقول ما علمكما الذي تعلمان في علم الله إلا مثل ما نقص منقاري من
جميع هذا البحر وظاهر هذه الرواية كما في الفتح أن الطائر نقر في البحر عقب قول الخضر لموسى
يا موسى إن لي علمًا. وفي رواية سفيان أن ذلك وقع بعدما خرق السفينة فيجمع بأن قوله فأخذ
طائر بمنقاره معقب بمحذوف وهو ركوبهما السفينة لتصريح سفيان بذكر السفينة.
(حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر) بفتح الميم والعين المهملة وبعد الألف موحدة
مكسورة فراء غير منصرف أي سفنًا (صغارًا) قال في الفتح وجدا معابر تفسير لقوله ركبا في
السفينة لا جواب إذا لأن وجودهما المعابر كان قبل ركوبهما السفينة وقال ابن إسحق بسنده إلى ابن
عباس فيما ذكره ابن كثير في تفسيره فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان
من يحملهما حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن شيء أحسن ولا أجمل ولا
أوثق منها (تحمل أهل هذا الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر عرفوه) أي أهل السفينة عرفوا

٣٨٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
الخضر (فقالوا) هو (عبد اللَّه الصالح قال): يحتمل أن يكون القائل يعلى بن مسلم (قلنا لسعيد)
هو ابن جبير (خضر) أي هو خضر (قال: نعم) هو خضر (لا نحمله بأجر) أي بأجرة (فخرتها)
بأن قلع لوحًا من ألواحها بالقدوم (ووتد فيها وتدًا) بتخفيف الفوقية الأولى مفتوحة وكسر الثانية
مخففة ولأبي ذر وتد فيها بإسقاط الواو الأولى أي جعل فيها وتدًا مكان اللوح الذي قلعه (قال
موسى) له: (أخرقتها لتغرق أهلها) اللام للعاقبة (لقد جئت شيئًا إمرًا).
(قال مجاهد) فيما رواه ابن جريج عنه في قوله إمرًا (منكرًا) ووصله عبد بن حميد من طريق
ابن أبي نجيح عنه مثله قيل ولم يسمع ابن جريج من مجاهد (قال) الخضر: ((ألم أقل إنك لن
تستطيع معي صبرًا﴾) أي لما ترى مني من الأفعال المخالفة لشريعتك لأني على علم من علم الله ما
علمكه الله وأنت على علم من علم الله ما علمنيه الله فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه
قاله ابن كثير (كانت الأولى) في رواية سفيان قال: قال رسول الله وَ ل﴿ وكانت بإثبات الواو
(نسيانًا) أي من موسى حيث قال لا تؤاخذني بما نسيت (والوسطى) حيث قال إن سألتك عن
شيء بعدها (شرطًا، والثالثة) حيث قال لو شئت لاتخذت عليه أجرًا (عمدًا قال) موسى (لا
تؤاخذني بما نسيت) أي تركت من وصيتك (ولا ترهقني من أمري عسرًا) أي لا تشدد على (﴿لقيا
غلامًا﴾) في رواية سفيان السابقة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلامًا (﴿فقتله﴾) الفاء
للدلالة على أنه لما لقيه قتله من غير ترو واستكشاف حال فالقتل تعقب اللقاء.
(قال يعلى) بن مسلم بالإسناد السابق (قال سعيد) هو ابن جبير (وجد) أي الخضر (غلمانًا
يلعبون فأخذ غلامًا) منهم (كافرًا ظريفًا) بالظاء المعجمة (فأضجعه ثم ذبحه بالسكين) بكسر المهملة
(قال) موسى منكرًا عليه أشد من الأولى (أقتلت نفسًا زكية) بحذف الألف والتشديد وهي قراءة
ابن عامر والكوفيين (بغير نفس لم تعمل بالحنث) بالحاء المهملة المكسورة والنون الساكنة لأنها لم
تبلغ الحلم وهو تفسير لقوله زكية أي أقتلت نفسًا زكية لم تعمل الحنث بغير نفس ولأبي ذر لم
تعمل الخبث بخاء معجمة وموحدة مفتوحتين.
(وكان ابن عباس) ولأبي ذر وابن عباس (قرأها زكية) بالتشديد (زاكية) بالتخفيف والمشددة
أبلغ لأن فعيلاً المحوّل من فاعل يدل على المبالغة كما مر (زاكية) أي (مسلمة) بضم الميم وكسر
اللام (كقولك غلامًا زكيًا) بالتشديد وهذا تفسير من الراوي وأطلق ذلك موسى على حسب ظاهر
حال الغلام لكن قال البرماوي وفي بعضها مسلمة بفتح المهملة واللام المشددة قال السفاقسي وهو
أشبه لأنه كان كافرًا (فانطلقا فوجدا جدارًا يريد أن ينقض) أن يسقط والإرادة هنا على سبيل المجاز
(فأقامه) الخضر (قال سعيد) من رواية ابن جريج عن عمرو بن دينار عنه (بيده) بالإفراد أي أقامه
الخضر بيده (هكذا ورفع يده فاستقام. قال يعلى) بن مسلم (حسبت أن سعيدًا) يعني ابن جبير
(قال فمسحه بيده) بالإفراد أيضًا ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بيديه بالتثنية (فاستقام)، وقيل
دعمه بدعامة تمنعه من السقوط أو هدمه وبل طينًا وأخذ في بنائه إلى أن كمل وعاد كما كان وكلها

٣٨٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
حكايات حال لا تثبت إلا بنقل صحيح والذي دل عليه القرآن الإقامة لا الكيفية وأحسن هذه
الأقوال أنه مسحه أو دفعه بيده فاعتدل لأن ذلك أليق بحال الأنبياء وكرامات الأولياء إلا أن يصح
عن الشارع أنه هدمه وبناه فيصار إليه (لو شئت) أي قال موسى للخضر: قوم أتيناهم فلم
يطعمونا ولم يضيفونا كما في رواية سفيان لو شئت (لاتخذت) بتشديد التاء بعد وصل الهمزة
(عليه) أي على تسوية الجدار (أجرًا قال سعيد أجرًا نأكله) أي جعلا نأكل به وإنما قال موسى:
ذلك لأنه كان حصل له جهد كبير من فقد الطعام وخشى أن يختل قوام البنية البشرية (وكان
وراءهم) أي (وكان) ولأبي ذر وكان وراءهم ملك وكان (أمامهم قرأها ابن عباس أمامهم ملك)
وهي قراءة شاذة مخالفة للمصحف لكنها مفسرة كقوله من ورائه جهنم وقول لبيد:
أليس ورائي إن تراخت منيتي لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
قال أبو علي: إنما جاز استعمال وراء بمعنى أمام على الاتساع لأنها جهة مقابلة لجهة وكانت
كل واحدة من الجهتين وراء الأخرى إذا لم يرد معنى المواجهة والآية دالة على أن معنى وراء أمام
لأنه لو كان بمعنى خلف كانوا قد جاوزوه فلا يأخذ سفينتهم قال ابن جريج: (يزعمون عن غير
سعيد) يعني ابن جبير (أنه) أي الملك الذي كان يأخذ السفن غصبًا اسمه (هدد بن بدد) بضم الهاء
وفتح الدال الأولى وبدد بضم الموحدة وفتح الدال الأولى أيضًا مصروف ولأبي ذر بدد غير
مصروف. وحكى ابن الأثير فتح هاء هدد وباء بدد قال الحافظ ابن كثير: وهو مذكور في التوراة
في ذرية العيص بن إسحاق وهو من الملوك المنصوص عليهم في التوراة (الغلام) بغير واو وفي
اليونينية والغلام (المقتول اسمه يزعمون جيسور) بجيم مفتوحة فتحتية ساكنة فسين مهملة وبعد
الواو الساكنة راء، ولأبي ذر عن الكشميهني حيسور بالحاء بدل الجيم وعند القابسي حنسور بنون
بدل التحتية وعند عبدوس حيسون بنون بدل الراء (﴿ملك يأخذ كل سفينة غصبًا﴾) وفي قراءة أبي
كل سفينة صالحة غصبًا رواه النسائي وكان ابن مسعود يقرأ كل سفينة صحيحة غصبًا (فأردت إذا
هي مرّت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا) أي جاوزوا الملك (أصلحوها فانتفعوا بها) وبقيت لهم
(ومنهم من يقول سدوها بقارورة ومنهم من يقول بالقار) وهو الزفت واستشكل التعبير بالقارورة
إذ هي من الزجاج وكيف يمكن السد به فقيل يحتمل أن توضع قارورة بقدر الموضع المخروق فيه
أو يسحق الزجاج ويخلط بشيء كالدقيق فيسد به وهذا قاله الكرماني. قال في الفتح: ولا يخفى
بعده قال: وقد وجهت بأنها فاعولة من القار (كان أبواه) يعني الغلام المقتول (مؤمنين) بالتثنية
للتغليب يريد أباه وأمه فغلب المذكر كالقمرين (وكان) هو (كافرًا) طبع على الكفر وهذا موافق
لمصحف أبيّ وقوّة الكلام تشعر به لأنه لو لم يكن الولد كافرًا لم يكن لقوله وكان أبواه مؤمنين فائدة
إذ لا مدخل لذلك في القصة لولا هذه الفائدة والمطبوع على الكفر الذي لا يرجى إيمانه كان قتله
في تلك الشريعة واجبًا لأن أخذ الجزية لم يشرع إلا في شريعتنا وكان أبواه قد عطفا عليه.
(فخشينا أن يرهقهما) أي أن يغشاهما وعظم نفسه لأنه اختص من عند الله بموهبة لا يختص
بها إلا من هو من خواص الحضرة وقال بعضهم لما ذكر العيب أضافه إلى نفسه وأضاف الرحمة في

٣٨٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
قوله أراد ربك إلى الله تعالى وعند القتل عظم نفسه تنبيهًا على أنه من العظماء في علوم الحكمة،
ويجوز أن يكون فخشينا حكاية لقول الله تعالى، والمعنى أن الله تعالى أعلمه بحاله وأطلعه على سره
وقال له اقتل الغلام لأنا نكره كراهية من خاف سوء العاقبة أن يغشى الغلام الوالدين المؤمنين
(طغيانًا وكفرًا) قال ابن جريج عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير معناه (أن يحملهما حبه على
أن يتابعاه على دينه) فإن حب الشيء يعمي ويصم، وقال أبو عبيدة في قوله يرهقهما أي يغشاهما.
وقال قتادة فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل ولو بقي كان فيه هلاكهما فليرض المرء
بقضاء الله فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يجب وصح في الحديث ((لا
يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له)) (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه) أي أن يرزقهما بدله
ولدًا خيرًا منه (زكاة) طهارة من الذنوب والأخلاق الرديئة (وأقرب رحما) وذكر هذا مناسبة
(لقوله: ﴿أقتلت نفسًا زكية﴾) بالتشديد (وأقرب رحما) أي (هما) أي الأبوان (به) أي بالولد الذي
سيرزقانه (أرحم منهما بالأول الذي قتل خضر). وقيل رحمة وعطفًا على والديه، وسقط لأبي ذر
وأقرب رّما واقتصر على واحدة منهما. قال ابن جريج (وزعم غير سعيد) أي ابن جبير (أنهما
أبدلا جارية) مكان المقتول فولدت نبيًا من الأنبياء رواه النسائي ولابن أي حاتم من طريق السدي
قال: ولدت جارية فولدت نبيًا وهو الذي كان بعد موسى فقالوا له ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل
الله واسم هذه النبي شمعون واسم أمه حنة. وفي تفسير ابن الكلبي فولدت جارية ولدت عدة
أنبياء فهدى الله بهم أتما وقيل عدة من جاء من ولدها من الأنبياء سبعون نبيًا وعند ابن مردويه من
حديث أبيّ بن كعب أنها ولدت غلامًا لكن إسناده ضعيف كما قاله في الفتح قال ابن جريج.
(وأما داود بن أبي عاصم) أي ابن عروة الثقفي التابعي الصغير (فقال: عن غير واحد أنها
جارية) وهذا هو المشهور وروي مثله عن يعقوب أخي داود مما رواه الطبري، وقال ابن جريج لما
قتله الخضر كانت أمه حاملاً بغلام مسلم ذكره ابن كثير وغيره ويستنبط من الحديث فوائد لا تخفى
على متأمل فلا نطيل بها.
٤ - باب قَوْله: ﴿فَلَمَّا جاوَزًا قالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنا لَقَدْ لَقينا مِنْ سَفَرُنا هَذا نَصَبًا
قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ آوَنِنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٢، ٦٣]
صُنْعًا: عَمَلاً، حِوَلاَ: تَحَوَّلاً. قالَ: ﴿ذُلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدًا عَلى آثَارِههما قَصَصًا﴾
[الكهف: ٦٤] إمْرًا وَنُكْرًا داهِيَةَ، يَنْقَضَّ يَنْقَاضُ كَما يَنْقَاضُ السِّنُّ. لَتَخِذْتَ
وَأَتَّخَذْتَ واحِدٌ. رُحْمًا مِنَ الرُّحْمِ وَهيَ أَشَدُّ مُبالَغَةً مِنَ الرَّحْمَةِ وَنَظُنُّ أنَّهُ مِنَ الرَّحِيمِ
وَتُدْعِى مَكَّةٌ أُمَّ رُخم أي الرَّحْمَةُ تَنْزِلُ بِها
هذا (باب) بالتنوين وهو ثابت في رواية أبي ذر ساقط لغيره (قوله: ﴿فلما جاوزا﴾) موسى

٣٩٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
وفتاه مجمع البحرين (﴿قال﴾) موسى (﴿لفتاه)) يوشع (﴿آتنا غداءنا﴾) ما نتغدى به (﴿لقد لقينا
من سفرنا هذا نصبًا﴾) قيل لم يعن موسى في سفر غير ما ساره من مجمع البحرين ويؤيده التقييد
باسم الإشارة (﴿قال﴾) يوشع (﴿أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة﴾) يعني الصخرة التي رقد عندها
موسى (﴿فإني نسيت الحوت)) [الكهف: ٦٢، ٦٣] أي نسيت أن أخبرك بما رأيت منه وسقط
قوله قال أرأيت لأبي ذر قال بعد نصبًا إلى قوله عجبًا .
((صنعًا﴾) في قوله: ﴿وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] أي (عملاً)
وذلك لاعتقادهم أنهم على الحق (﴿حولاً﴾) في قوله: ﴿لا يبغون عنها حولاً﴾ أي (تحولاً) لأنهم
لا يجدون أطيب منها أو المراد به تأكيد الخلود وسقط قول صنعا الخ لأبي ذر (﴿قال﴾) أي موسى
(﴿ذلك﴾) أي أمر الحوت (﴿ما كنا نبغ﴾) بغير تحتية بعد الغين أي نطلب لأنه علامة على
المطلوب (﴿فارتدا على آثارهما قصصًا﴾) [الكهف: ٦٤] أي يتبعان آثار مسيرهما اتباعًا.
(﴿إمرًا﴾) في قوله: (﴿لقد جئت شيئًا إمرًا﴾) [الكهف: ٧١] (﴿ونكرًا﴾) في قوله: ﴿لقد
جئت شيئًا نكرًا﴾ [الكهف: ٧٤] معناهما (داهية) وسقط قوله إمرًا وواو ونكرًا لأبي ذر وقال أبو
عبيدة إمرًا داهية ونكرًا أي عظيمًا ففرق بينهما.
(﴿ينقض﴾) بتشديد الضاد في قوله: ﴿فوجد فيها جدارًا يريد أن ينقض﴾ [الكهف: ٧٧]
(ينقاض كما ينقاض السن) بألف بعد القاف مع تخفيف الضاد المعجمة فيهما حكاه الحافظ شرف
الدين اليونيني عن أئمة اللغة قال: ونبهني عليه شيخنا الإمام جمال الدين بن مالك وقت قراءتي
بين يديه وهو الذي في المشارق للإمام أبي الفضل ولأبي ذر كما قاله البرماوي والدماميني ينقاض
بتشديد المعجمة فيهما. قال أبو البقاء. بوزن يحمار ومقتضى هذا التشبيه أن يكون وزنه يفعال
والألف قراءة الزهري. قال الفارسي: هو من قولهم قضته فانقاض أي هدمته فانهدم. قال في
الدر: فعلى هذا يكون وزنه ينفعل والأصل انقيض فأبدلت الياء ألفًا أي فصار بعد الإبدال انقاض
والسن بالسين المهملة المكسورة والنون، ولأبي ذر عن الكشميهني الشيء بالشين المعجمة والتحتية
الساكنة والهمزة بدل السن ومعنى ينقض ينكسر وينقاض ينقلع من أصله وعن علي أنه قرأ ينقاض
بالصاد المهملة. قال ابن خالويه أي انشقت طولاً (﴿لتخذت﴾) بالتخفيف في قوله: ﴿لتخذت
عليه أجرًا﴾ (واتخذت) بالتشديد (واحد) في المعنى.
(﴿رحمًا﴾) بضم الراء وسكون الحاء المهملة في قوله: ﴿وأقرب رحمًا﴾ [الكهف: ٨١]
(من الرحم) بضم فسكون وهو الرحمة قال رؤبة:
يا منزل الرحم على إدريسا ومنزل اللعن على إبليسا
وفي نسخة من الرحم بفتح فكسر (وهي أشد مبالغة من الرحمة) المفتوحة الراء التي هي رقة
القلب لأنها تستلزمها غالبًا من غير عكس (ويظن) بالنون المفتوحة وضم الظاء المعجمة وفي

٣٩١
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
نسخة: ويظن بالتحتية المضمومة وفتح المعجمة مبنيًّا للمفعول (أنه) أي رحمًا مشتق (من الرحيم)
المشتق من الرحمة (وتدعى مكة) المشرفة (أم) بنصب الميم (رحم) بضم فسكون (أي الرحمة تنزل بها)
وفي حديث ابن عباس مرفوعًا ((ينزل الله في كل يوم على حجاج بيته الحرام عشرين ومائة رحمة
ستين للطائفين وأربعين للمصلين وعشرين للناظرين)) رواه البيهقي بإسناد حسن.
٤٧٢٧ - حدثني قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيدٍ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دينارٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لايْنِ عَبَّاسِ: إِنَّ نَوْفًا الْبَكالِيِّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسى نَبِيَّ اللَّهِ لَيْسَ بِمُوسَى
الْخَضِرِ فَقالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ حَدْثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ قَالَ: (قَامَ مُوسَى خَطيبًا
في بَنِي إِسْرائيلَ فَقيلَ لَهُ أيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ قالَ: أَنَا فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ وَأَوْحِى
إِلَيْهِ بَلَى عَبْدٌ مِنْ عِبادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ: أَيْ رَبِّ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَيْهِ؟ قالَ:
تَأْخُذُ حُوتًا في مِكْتَلِ فَحَيْثُما فَقَّدْتَ الْحُوتَ فَأَتَبِعْهُ قالَ: فَخَرَجَ مُوسَى وَمَعَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ
وَمَعَهُمَا الْخُوتُ حَتَى أَنْتَهَيا إلَى الصَّخْرَةِ فَنَزَلا عِنْدَها قالَ فَوَضَعَ مُوسىْ رَأْسَهُ فَنامَ)) - قالَ سُفْيَانُ
وَفِي حَدِيثٍ غَيْرِ عَمْرٍو قالَ: ((وَفِي أَصْلِ الصَّخْرَةِ عَيْنٌ يُقالُ لَهَا الْحَياةُ لا يُصِيبُ مِنْ مائِها شَيْءٌ
إِلَّ حَبِيَ فَأَصابَ الْحُوتَ مِنْ ماءِ تِلْكَ الْعَيْنِ قالَ - فَتَحَرَّكَ وَأَنْسَلَّ مِنَ الْمِكْتَلِ فَدَخَلَ الْبَحْرَ فَلَمَّا
اسْتَيْقَظَ موسى قالَ لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنا﴾ [الكهف: ٦٢] الآيَةَ قالَ: وَلَمْ يَجِدِ النَّصَبَ حَتَّى جاوَزَ ما أُمِرَ بِهِ قالَ
لَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣] الآيَةَ قالَ: فَرَجَعَا
يَقُصَّانِ في آثارِهِمَا فَوَجَدا في الْبَحْرِ كَالطَّاقٍ مَمَرَّ الْحُوتِّ فكانَ لِفَتَاهُ عَجَبًا وَلِلْحُوتٍ سَرَبًا قال: فَلَمَّا
أنّتَهيا إِلَى الصَّخْرَةِ إِذا هُمَا بِرَجُلٍ مُسَجّى بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى قالَ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلامُ؟ فَقالَ: أنا
مُوسى. قالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرائيلَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلَّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ
رَشَدًا؟ قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: يا مُوسَى إِنَّكَ عَلى عِلْم مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لا أعْلَمُهُ وَأَنَا عَلى عِلْم
مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ لا تَعْلَمُهُ قَالَ: بَلْ أَتَّبِعُكَ قالَ: فَإِن أَتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى
أُحدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا فَأَنْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلَى السَّاحِلِ فَمَرَّتْ بِهِما سَفينَةٌ فَعُرِفَ الْخَضِرُ فَحَمَلُوهُمْ فِي
سَفِينَتِهِمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ)) - يَقُولُ بِغَيْرِ أَجْرٍ - ((فَرَكِبا السَّفينَةَ قَالَ: وَوَقَعَ عُصْفُورٌ عَلى حَرْفِ السَّفينَةِ
فَغَمَسَ مِنْقَارَهُ الْبَحْرَ فَقالَ الْخَضِرُ لِمُوسى: ما عِلْمُكَ وَعِلْمِي وَعِلْمُ الْخَلائِقِ في عِلْمِ اللَّهِ إلاَّ
مِقْدارُ ما غَمَسَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْقَارَهُ قَالَ: فَلَمْ يَفْجَأُ مُوسَى إِذْ عَمَدَ الْخَضِرُ إِلى قَدُومِ فَخَرَقَ
السَّفينَةَ فَقالَ لَهُ مُوسى: قَوْمُ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلى سَفِينَتِهِم فَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ
جِئْتَ الآيَةَ فَأَنْطَلَقَا إِذا هُما بِغُلامِ يَلْعَبُ مَعَ الْغُلْمَانِ فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَقَطَعَهُ قَالَ لَهُ مُوسى:
﴿أَقَتَلْتَ نَفْسَا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتطيعَ مَعِي صَبْرًا﴾
[الكهف: ٧٤ و٧٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ فَقالَ بِيَدِهِ

٣٩٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
هكَذا ﴿فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧] فَقالَ لَهُ مُوسى: إِنَّا دَخَلْنا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَلَمْ يُضَيِّقُونا وَلَمْ يُطْعِمُونا ﴿لَوْ
شِئْتَ لاتَخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلٍ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾
[الكهف: ٧٧ و٧٨] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((وَدِدْنا أنَّ مُوسى صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنا مِنْ أمْرِهِما)). قالَ:
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ وَكانَ أمامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا وَأمَّا الْغُلامُ فَكَانَ كافِرًا.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (قتيبة بن سعيد) الثقفي أبو رجاء البغلاني بفتح
الموحدة وسكون المعجمة قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر أيضًا حدّثنا (سفيان بن عيينة) بن أبي
عمران ميمون الهلالي الكوفي ثم المكي الإمام الحافظ الحجة تغير حفظه بأخرة وربما دلس عن
الثقات وهو من أثبت الناس في عمرو بن دينار (عن عمرو بن دينار) المكي الجمحي مولاهم (عن
سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي أنه (قال: قلت لابن عباس أن نوفًا) كذا في اليونينية
وفي الفرع نوف بغير ألف (البكالي) بكسر الموحدة نسبة إلى بني بكال بطن من حمير ونوف بغير
صرف وصرفه أشهر كما مر ولأبي ذر البكالي بفتح الموحدة (يزعم أن موسى نبي الله) المرسل إلى
بني إسرائيل كذا في الفرع موسى نبي الله والذي في اليونينية يزعم أن موسى نبي بني إسرائيل
(ليس بموسى الخضر) بل موسى آخر (فقال) ابن عباس رضي الله عنهما (كذب عدوّ الله) يعني
نوفًا وعبّر بذلك للزجر والتحذير لا قدحا فيه (حدّثنا أبيّ بن كعب عن رسول الله وَلخير) أنه (قال):
(قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل) يذكرهم بنعم الله عليهم وعليه يذكر ما أكرمه الله به من
رسالته وتكريمه وتفضيله (فقيل له: أي الناس أعلم) أي منهم (قال) ولأبي ذر فقال: (أنا) أي
أعلم (فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه) كأن يقول الله أعلم (وأوحى إليه) بفتح الهمزة والحاء
(بلى عبد من عبادي) كائن (بمجمع البحرين هو أعلم منك) أي بشيء مخصوص والعالم بالعلم
الخاص لا يلزم منه أن يكون أعلم من العالم بالعلم العام (قال: أي رب كيف السبيل إليه) أي إلى
لقائه (قال: تأخذ حوتًا في مكتل فحيثما فقدت الحوت) بفتح القاف (فاتبعه) بهمزة وصل وتشديد
الفوقية وكسر الموحدة ولأبي ذر عن الكشميهني فاتبعه بسكون الفوقية وفتح الموحدة أي اتبع أثر
الحوت فإنك ستلقى العبد الأعلم (قال: فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون) مجرور بالإضافة
منصرف كنوح على الفصحى (ومعهما الحوت) المأمور به (حتى انتهيا إلى الصخرة) التي عند مجمع
البحرين (فنزلا عندها قال فوضع موسى رأسه فنام قال سفيان) بن عيينة بالإسناد السابق (وفي
حديث غير عمرو) لعل الغير المذكور كما قال في الفتح قتادة لما عند ابن أبي حاتم من طريقه (قال
وفي أصل الصخرة عين يقال لها) ولأبي الوقت والأصيلي له (الحياة) بتاء التأنيث آخره (لا يصيب
من مائها شيء) من الحيوان (إلا حيي) وعند ابن اسحق من شرب منه خلد ولا يقاربه شيء ميت
إلا حيي ولأبي ذر عن الكشميهني والمستملي لا تصيب بالفوقية أي العين شيئًا أي من الحيوان إلا
حيي (فأصاب الحوت من) رشاش (ماء تلك العين قال فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر)
ولعل هذه العين إن ثبت النقل فيها هي التي شرب منها الخضر فخلد كما قال به جماعة كما مر

٣٩٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
(فلما استيقظ موسى قال لفتاه: ﴿آتنا غداءنا﴾ الآية) أي بعد أن نسي الفتى أن يخبره بأن الحوت
حيي وانطلاقهما سائرين بقية يومهما وليلتهما حتى كان من الغد قال له إذ ذاك آتنا غداءنا (قال
ولم يجد النصب حتى جاوز ما أمر به) فألقى الله عليه الجوع والنصب (قال له فتاه يوشع بن نون
﴿أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت﴾) أي أن أخبرك بخبره (الآية) إلى قوله: ﴿ذلك
ما كنا نبغ﴾ [الكهف: ٦٤] (قال فرجعا يقصّان في آثارهما) حتى انتهيا إلى الصخرة (فوجدا في البحر
كالطاق ممر الحوت) مفعول وجدا (فكان لفتاه عجبًا) إذ هو أمر خارق (وللحوت سربًا) مسلكًا وروى
ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: رجع موسى فوجد الحوت فجعل موسى يقدم
عصاه يفرج بها عنه الماء ويتبع الحوت وجعل الحوت لا يمس شيئًا من البحر إلا يبس حتى يصير صخرة
(قال: فلما انتهيا إلى الصخرة إذا) والذي في اليونينية إذ (هما برجل مسجى) مغطى (بثوب) وفي
رواية الربيع عن أنس عند ابن أبي حاتم قال انجاب الماء عن مسك الحوت فصارت كوّة فدخلها
موسى على اثر الحوت فإذا هو بالخضر (فسلم عليه موسى قال) الخضر بعد أن رد السلام عليه
وكشف الثوب عن وجهه (وأنى) بهمزة نون مشددة مفتوحتين أي وكيف (بأرضك السلام) وأهلها
كفار أو لم يكن السلام تحيتهم (فقال) موسى بعد أن قال له الخضر من أنت: (أنا موسى قال)
الخضر (موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال) له موسى: (﴿هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت
رشدًا﴾) أي علمًا ذا رشد أسترشد به (قال) ولأبي ذر فقال (له الخضر: يا موسى إنك على علم من
علم الله علمكه الله لا أعلمه وأنا على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه) فكل منا مكلف بأمور
من الله دون صاحبه (قال) موسى (بل أتبعك) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي هل والأولى أوضح
(﴿قال﴾) الخضر: (﴿فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء﴾) تنكره ابتداء (﴿حتى أحدث لك منه ذكرًا﴾)
حتى أبدأك ببيانه (فانطلقا يمشيان على الساحل فمرت بهما سفينة) ولأبي ذر: بهم أي بموسى ويوشع
والخضر (فعرف الخضر فحملوهم في سفينتهم بغير نول) بفتح النون وسكون الواو (يقول بغير
أجر) أي أجرة (فركبا السفينة) ولم يذكر يوشع لأنه تابع غير مقصود بالأصالة ولأبي ذر عن
الحموي والمستملي فركبا في السفينة (قال: ووقع عصفور) بضم العين (على حرف السفينة فغمس
منقاره البحر) بنصبهما ولأبي ذر في البحر (فقال الخضر لموسى) ولأبي ذر: يا موسى (ما علمك
وعلمي وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار) بالرفع (ما غمس هذا العصفور منقاره) وفي رواية ما
نقص علمي وعلمك من علم الله والعلم يطلق ويراد به المعلوم وعلم الله لا يدخله نقص ونقص
العصفور لا تأثير له فكأنه لم يأخذ شيئًا فهو كقوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
أي لا عيب فيهم.
(قال: فلم يفجأ موسى) بالهمزة (إذ عمد الخضر) بفتح الميم (إلى قدوم) بفتح القاف وتخفيف
الدال أي الآلة المعروفة (فخرق السفينة فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت) بفتح الميم

٣٩٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
أيضًا (إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت الآية). وسقط لأبي ذر لقد جئت والآية
(فانطلقا) بعد أن خرجا من السفينة (إذ هما بغلام يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأسه) ولأبي ذر
عن الحموي والكشميهني فأخذ الخضر رأسه بحذف الجار والنصب مفعول أخذ (فقطعه قال) ولأبي
الوقت فقال (له موسى: ﴿أقتلت نفسًا زكية﴾) بالتشديد طاهرة (﴿بغير نفس﴾) قيل وكان القتل في أبلة
بضم الهمزة والموحدة وتشديد اللام المفتوحة مدينة قرب بصرة وعبادان (﴿لقد جئت شيئًا نكرًا﴾)
منكرًا (﴿قال﴾) الخضر: ((ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا﴾) وأتى بلك مع نكرًا بخلاف أمرًا
قيل لأن النكر أبلغ لأن معه القتل الحتم بخلاف خرق السفينة فإنه يمكن تداركه (إلى قوله: ﴿فأبوا أن
يضيفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض﴾) أن يسقط (فقال) الخضر (بيده هكذا ﴿فأقامه﴾ فقال
له موسى: إنّا دخلنا هذه القرية فلم يضيفونا ولم يطعمونا ﴿لو شئت لاتخذت عليه أجرًا قال هذا فراق
بيني وبينك﴾) قال في الأنوار: الإشارة إلى الفراق الموعود بقوله فلا تصاحبني أو إلى الاعتراض
الثالث أو الوقت أي هذا الاعتراض سبب فراقنا أو هذا الوقت وقته (﴿سأنبئك بتأويل ما لم تستطع
عليه صبرًا﴾) لكونه منكرًا من حيث الظاهر وقد كانت أحكام موسى كغيره من الأنبياء مبنيّة على
الظواهر ولذا أنكر خرق السفينة وقتل الغلام إذ التصرف في أموال الناس وأرواحهم بغير حق
حرام في الشرع الذي شرعه لأنبيائه عليهم السلام إذ لم يكلفنا إلى الكشف عن البواطن لما في
ذلك من الحرج وأما وقوع ذلك من الخضر فالظاهر أنه قد شرع له أن يعمل بما كشف له من
بواطن الأسرار واطلع عليه من حقائق الأستار فلما علم الخضر علمًا يقينًا أنه إن لم يعب السفينة
بالخرق غصبها الملك وجب عليه ذلك دفعًا للضرر عن ملاكها إذ لو تركها ولم يعبها فاتت بالكلية
عليهم بأخذ الملك لها وكذا قتل الغلام فإنه علم بالوحي أنه إن لم يقتله تبعه أبواه على الكفر لمزيد
محبتهما له فكانت المضرة بقتله أيسر من إبقائه لا سيما والمطبوع على الكفر الذي لا يرجى إيمانه
كان قتله في شريعتهم واجبًا لأن أخذ الجزية لم يكن سائغًا لهم وقد رزقهما الله خيرًا منه كما مرّ
ولو ترك الجدار حتى يسقط ضاع مال أولئك الأيتام فكانت المصلحة التامة في إقامته ولعل ذلك
کان واجبًا علیه.
(فقال رسول الله وسلم: وددنا) بكسر الدال الأولى وسكون الثانية (إن موسى صبر حتى
يقص) بضم أوله وفتح آخره مبنيًا للمفعول (علينا من أمرهما قال وكان ابن عباس بقرأ وكان
أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة) غير معيبة (غصبًا وأما الغلام فكان كافرًا) وقد سبق أن أمام
يستعمل موضع وراء فهي مفسّرة للآية كما مرّ وقوله تعالى: ﴿وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين)
[الكهف: ٨٠] فيه إشعار بأن الغلام كان كافرًا كما في هذه القراءة لكنها كقراءة أمامهم وصالحة
من الشواذ المخالفة لمصحف عثمان والله الموفق.
٥ - باب قَوْلُهُ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَحْسَرِينَ أَعْمالاً﴾ [الكهف: ١٠٣]
(باب) بالتنوين (قوله: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً﴾﴾ [الكهف: ١٠٣] زاد أبو ذر

٣٩٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
الآية أي هل نخبركم بالأخسرين ثم فسرهم بقوله ﴿الذين ضل سعيهم﴾ أي عملوا أعمالاً باطلة
على غير شريعة مشروعة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا أي يعتقدون أنهم على هدى فضل
سعيهم وأعمالاً نصب على التمييز وجمع لأنه من أسماء الفاعلين أو لتنوّع أعمالهم فليسوا مشتركين
في عمل واحد وفي قوله تعالى: ﴿وهم يحسبون أنهم يحسنون﴾ تجنيس التصحيف وهو أن يكون
النقط فرقا بين الكلمتين وقوله هل ننبئكم استفهام تقريري، وفي قوله: ﴿الأخسرين أعمالاً﴾
[الكهف: ١٠٣] الاستعارة استعارة الخسران الذي هو حقيقة في ضدّ الربح لكون أعمالهم الصالحة نفدت
أجورها واستعار الضلال الذي هو حقيقة في التيه عن الطريق المستقيم لإسقاط أعمالهم وإذهابها،
وفي قوله: قل هل ننبئكم الحذف أي قل هل ننبئكم بما يحل بالأخسرين وسقط لفظ باب لغير أبي ذر.
٤٧٢٨ - حدثني مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ
مُصْعَبٍ قالَ: سَأَلْتُ أَبي ﴿قُلْ هَلْ نُبَّكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أعْمالاً﴾ هُمُ الْحَرُورِيَّةُ قالَ: لا هُمُ الْيَهُودُ
وَالنَّصارى أمَّا الْيَهُودُ فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا وَِّ وأمَّا النَّصارى كَفَرُوا بِالْجَنَّةِ، وَقالُوا: لا طَعامَ فِيهَا وَلا
شَرابَ وَالْحَرُورِيَّةُ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَكَانَ سَعْدٌ يُسَمّيهِمُ الْفاسِقِينَ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن بشار) بموحدة فمعجمة مشددة
الملقب ببندار قال: (حدّثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري المعروف بغندر قال: (حدّثنا شعبة) بن
الحجاج (عن عمرو) بفتح العين ولأبي ذر زيادة ابن مرة بضم الميم وتشديد الراء ابن عبد الله
المرادي الأعمى الكوفي (عن مصعب) بضم الميم وفتح العين بينهما مهملة ساكنة وآخره موحدة،
ولأبي ذر: ابن سعد بسكون العين ابن أبي وقاص أنه (قال: سألت أبي) سعد بن أبي وقاص عن
قوله تعالى: (﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً﴾ هم الحرورية)؟ بفتح الحاء المهملة وضم الراء
الأولى وكسر الثانية بينهما واو ساكنة والمثناة التحتية مشددة بعدها تاء تأنيث نسبة إلى حروراء قرية
بقرب الكوفة كان ابتداء خروج الخوارج على عليّ منها ولعل سبب سؤال مصعب أباه عن ذلك ما
روى ابن مردويه من طريق القاسم بن أبي بزة عن أبي الطفيل في هذه الآية قال: أظن أن بعضهم
الحرورية. وعند الحاكم من وجه آخر عن أبي الطفيل قال: قال علي: منهم أصحاب النهروان،
وذلك قبل أن يخرجوا وأصله عند عبد الرزاق بلفظ قام ابن الكوّاء إلى علي فقال: ما الأخسرين
أعمالاً؟ قال: ويلك منهم أهل حروریا.
(قال) أي سعد بن أبي وقاص: (لا) ليس هم الحرورية (هم اليهود والنصارى) وللحاكم قال
لا أولئك أصحاب الصوامع ولابن أبي حاتم من طريق أبي خميصة بفتح الخاء المعجمة والصاد
المهملة واسمه عبيد الله بن قيس قال هم الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في السواري (أما اليهود
فكذبوا محمدًاً وَ﴿، وأما النصارى كفروا) ولأبي ذر فكفروا (بالجنة وقالوا لا طعام فيها ولا شراب
والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه وكان سعد) هو ابن أبي وقاص (يسميهم
الفاسقين) والصواب الخاسرين، ووقع على الصواب كذلك عند الحاكم لقوله: (﴿قل هل ننبئكم

٣٩٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
بالأخسرين﴾) [الكهف: ١٠٣] ووجه خسرانهم أنهم تعبّدوا على غير أصل فابتدعوا فخسروا الأعمار
والأعمال وعن على أنهم كفرة أهل الكتاب كان أوائلهم على حق فأشركوا بربهم وابتدعوا في دينهم وقيل هم
الصابئون وقيل المنافقون بأعمالهم المخالفون باعتقادهم، وهذه الأقوال كلها تقتضي التخصيص بغير
مخصص والذي يقتضيه التحقيق أنها عامة، فأما قول على أنهم الحرورية فمعناه أن الآية تشملهم
كما تشمل أهل الكتابين وغيرهم لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص بل أعم من ذلك لأنها
مكية قبل خطاب أهل الكتاب ووجود الحرورية وإنما هي عامة في كل من دان بدين غير الإسلام
وكل من راءى بعمله أو أقام على بدعة فكل من الأخسرين، وقد قال ابن عطية ويضعف قول من
قال إن المراد أهل الأهواء والحرورية قوله تعالى بعد ذلك ﴿أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه﴾
[الكهف: ١٠٥] وليس في هذه الطوائف من يكفر بآيات الله وإنما هذه صفة مشركي عبدة
الأوثان اهـ.
فاتضح بهذا ما قلناه إن الآية عامة.
٦ - باب ﴿أَولِئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمٍ﴾ [الكهف: ١٠٥] ألآيَةً
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿أولئك﴾) إشارة للأخسرين أعمالاً السابق ذكرهم
(﴿الذين كفروا بآيات ربهم﴾) بالقرآن أو به وبالإنجيل أو بمعجزات الرسول صلوات الله وسلامه
عليه (﴿ولقائه﴾) بالبعث أو بالنظر إلى وجه الله الكريم أو لقاء أجزائه ففيه حذف وقد كذب
اليهود بالقرآن والإنجيل والنصارى بالقرآن وقريش بلقاء الله والبعث (﴿فحبطت أعمالهم﴾)
[الكهف: ١٠٥] بطلت بكفرهم وتكذيبهم فلا ثواب لهم عليها (الآية). أي فلا نقيم لهم يوم
القيامة وزنًا وهذا هو المراد لما سيورده من الحديث.
٤٧٢٩ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سَعيدُ بْنُ أَبي مَزْيَم، أَخْبَرَنَا الْمُغيرَةُ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ، حَدَّثَنِي أَبُو الزّنادِ، عَنِ الأَغْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهـ
قالَ: ((إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ وَقَالَ: ﴿اقْرَؤُوا
فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنَا﴾ [الكهف: ١٠٥]. وَعَنْ يَخْيَى بْنِ بُكَيْرِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرّحمْنِ
عَنْ أَبِي الزنادِ مثله.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد اللَّه) هو محمد بن يحيى بن عبد اللّه الذهلي نسبة إلى جده
قال: (حدثنا سعيد بن أبي مريم) شيخ المؤلف روي عنه هنا بالواسطة قال: (أخبرنا المغيرة بن
عبد الرحمن) الحزامي بالحاء المهملة المكسورة والزاي وسقط لغير أبي ذر ابن عبد الرحمن قال:
(حدّثني) بالإفراد (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي
هريرة رضي الله عنه عن رسول الله وَ﴿) أنه (قال):

٣٩٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة مريم
(إنه ليأتي الرجل العظيم) في الطول أو في الجاه (السمين) ولابن مردويه من وجه آخر عن
أبي هريرة رضي الله عنه الطويل العظيم الأكول الشروب (يوم القيامة لا يزن عند الله جناح
بعوضة) وعند ابن أبي حاتم من طريق صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة مرفوعًا فيوزن بحبة فلا
يزنها (وقال) أي النبي والير أو أبو هريرة (﴿اقرؤوا فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا﴾) أي لا نجعل
لهم مقدارًا أو لا نضع لهم ميزانًا توزن به أعمالهم لأن الميزان إنما ينصب للذين خلطوا عملاً
صالحًا وآخر سيئًا أو لا نقيم لأعمالهم وزنًا لحقارتها، وفي هذه الآية من أنواع البديع التجنيس
المغاير وفيها أيضًا الاستعارة فاستعار إقامة الوزن التي هي حقيقة في اعتداله لعدم الالتفات إليهم
وإعراض الله عنهم كما استعار الحبوط في قوله: ﴿حبطت أعمالهم﴾ الذي هو حقيقة في البطلان
الذهاب جزاء أعمالهم الصالحة والحذف في فحبطت أعمالهم أي ثمرات أعمالهم إذ ليس لهم
عمل فنقيم لهم وزنًا واستدل به على أن الكفار لا يحاسبون لأنه إنما يحاسب من له حسنات
وسيئات والكافر ليس له في الآخرة حسنات فتوزن ثم عطف المؤلف على سعيد بن أبي مريم
فقال :
(وعن يحيى بن بكير) بضم الموحدة مصغرًا ونسبه إلى جدّه واسم أبيه عبد الله وهو شيخ
المؤلف أيضًا روي عنه بالواسطة والتقدير حدثنا محمد بن عبد الله عن سعيد بن أبي مريم وعن
يحيى بن بكير (عن المغيرة بن عبد الرحمن) الخزامي (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (مثله) أي
الحديث السابق.
وهذا الحديث قد أخرجه مسلم في التوبة وذكر المنافقين.
[١٩] گھیعص
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمْنِ الرَّحِيمِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِر اللَّهُ يَقُولُهُ: وَهُمُ الْيَوْمَ لا
يَسْمَعُونَ وَلا يُبْصِرُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يَغْنِي قَوْلَهُ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِر الْكُفَّارُ يَوْمَئِذٍ أَسْمَعُ شَيْءٍ
وَأَبْصَرُهُ، لأَرْجُمَنَّكَ: لِأَشْتِمَنَّكَ، وَرِثْيًا: مَنْظَرًا. وَقَالَ أَبُو وائِلٍ: عَلِمَتْ مَرْيَمُ أَنَّ النَّقِيَّ ذُو نُهْيَةٍ،
حَتَّى قالَتْ: ﴿إِنِي أعُوذُ بِالرَّحْمُنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨ ] وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: تَؤُزُّهُمْ أَزَّا تُزْعِجُهُمْ
إلى الْمَعاصِي إزْعاجًا. وَقالَ مُجاهِدٌ: إذَا عِوَجًا. قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وِردًا: عِطاشًا. أثاثًا: مالاً. إذًّا
قَوْلاً عَظِيمًا، رِكْزًا: صَوْتًا، وَقالَ غَيْرُهُ غَيًّا: خُسْرانًا، بُكِيًّا: جَماعَةُ باكِ. صِليًّا: صَلِيَ يَضْلُى.
نَدِيًّا وَالنَّادِي: وَاحِدٌ مَجْلِسًا.
([١٩] كهيعص)
مكية. وقال مقاتل: إلا آية السجدة فمدنية وهي ثمان وتسعون آية واختلف في معناها،
فقيل الكاف من كريم والهاء من هادي والياء من حكيم والعين من عليم والصاد من صادق قاله

٣٩٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة مريم
ابن عباس فيما رواه الحاكم من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه، وروى الطبري
عنه أن كهيعص من أسماء الله وعن علي أنه كان يقول يا كهيعص اغفر لي، وعن قتادة اسم من
أسماء القرآن رواه عبد الرزاق، وسأل رجل محمد بن علي المرتضى عن تفسيرها فقال لو أخبرتك
بتفسيرها لمشيت على الماء لا يواري قدميك، ولأبي ذر سورة كهيعص، وفي نسخة بفرع اليونينية
كأصلها باب سورة مريم.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتت هذه البسملة لأبي ذر بعد الترجمة وسقطت لغيره.
(قال ابن عباس) رضي الله عنهما مما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: (﴿أسمع بهم
وأبصر﴾) [مريم: ٣٨] ولأبي ذر أبصر بهم وأسمع على التقديم والتأخير والأوّل هو الموافق للفظ
التنزيل (الله يقوله) جملة اسمية (وهم) أي الكفار (﴿اليوم﴾) نصب على الظرفية ولأبي ذر عن
الحموي والمستملي القوم بالقاف (لا يسمعون ولا يبصرون ﴿وفي ضلال مبين﴾) هو معنى قوله:
﴿لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين﴾ قال في الأنوار أوقع الظالمين موقع الضمير أي لكنهم اليوم
إشعارًا بأنهم ظلموا أنفسهم حيث أغفلوا الاستماع والنظر حين ينفعهم (يعني قوله ﴿أسمع بهم
وأبصر﴾ الكفار يومئذٍ) أي يوم القيامة (أسمع شيء وأبصره) حين لا ينفعهم ذلك كما قال تعالى:
﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فأرجعنا نعمل صالحا﴾
[السجدة: ١٢] وقول الزركشي في التنقيح يريد أن قوله: ﴿أسمع بهم وأبصر﴾ أمر بمعنى الخبر
كما قال تعالى: (صم بكم عمي فهم لا يرجعون) تعقبه، في المصابيح فقال أظنه لم يفهم كلام ابن
عباس ولذلك ساقه على هذا الوجه وكونه أمر بمعنى الخبر لا يقتضي انتفاء سماعهم وأبصارهم بل
يقتضي ثبوته ثم هو ليس أمرًا بمعنى الخبر بل هو لإنشاء التعجب أي ما أسمعهم وما أبصرهم
والأمر المفهوم منه بحسب الظاهر غير مراد بل انمحى الأمر فيه وصار متمحضًا لإنشاء التعجب،
ومراد ابن عباس أن المعنى ما أسمع الكفار وأبصرهم في الدار الآخرة وإن كانوا في دار الدنيا لا
يسمعون ولا يبصرون، ولذا قال الكفار يومئذٍ أسمع شيء وأبصره انتهى.
وأصح الأعاريب فيه كما في الدر أن فاعله هو المجرور بالباء والباء زائدة وزيادتها لازمة
إصلاحًا للفظ لأن أفعل أمرًا لا يكون فاعله إلا ضميرًا مستترًا ولا يجوز حذف هذه الباء إلا مع
أن وإن فالمجرور مرفوع المحل ولا ضمير في أفعل وقيل بل هو أمر حقيقة والمأمور هو
رسول الله وَل والمعنى أسمع الناس وأبصر بهم وبحديثهم ماذا يصنع بهم من العذاب وهو منقول
عن أبي العالية.
(﴿الأرجمنك﴾) في قوله: ﴿يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك﴾ [مريم: ٤٦] أي (لأشمتنك)
بكسر المثناة الفوقية قاله ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم أيضًا.
(﴿ورئيًا﴾) في قوله تعالى: ﴿هم أحسن أثاثًا ورئيًا﴾ [مريم: ٧٤] قال ابن عباس فيما
وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه أي (منظرًا) بفتح المعجمة .

٣٩٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة مريم
(وقال أبو وائل) شقيق بن سلمة في قوله حكاية عن مريم قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن
كنت تقيّا (علمت مريم أن التقي ذو نهية) بضم النون وسكون الهاء وفتح التحتية أي صاحب عقل
وانتهاء عن فعل القبيح (حتى قالت) إذ رأت جبريل عليه الصلاة والسلام (﴿إني أعوذ بالرحمن
منك إن كنت تقيّا﴾) وهذا وصله عبد بن حميد من طريق عاصم وسقط لغير الحموي وذكره
المؤلف في باب قول الله تعالى: ﴿واذكر في الكتاب مريم﴾ [مريم: ١٦] من أحاديث الأنبياء.
(وقال ابن عيينة) سفيان فيما ذكره في تفسيره في قوله: (﴿تؤزهم أزًا﴾﴾ [مريم: ٨٣] أي
(تزعجهم) أي الشياطين (إلى المعاصي إزعاجًا) وقيل تغريهم عليها بالتسويلات وتحبيب الشهوات
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿إِذَا﴾) في قوله: ﴿لقد جئتم شيئًا إذًا﴾ [مريم: ٨٩] أي
(عوجًا) بكسر العين وفتح الواو وفي نسخة عوجًا بضم العين وسكون الواو وفي أخرى لدًا باللام
المضمومة بدل الهمزة المكسورة وقال ابن عباس وقتادة إذًا عظيمًا وهذا ساقط لأبي ذر.
(قال ابن عباس ﴿وردًا﴾) في قوله تعالى: ﴿ونسوق المجرمين إلى جهنم وردًا﴾ [مريم: ٨٦]
أي (عطاشًا) فإن من يرد الماء لا يرده إلا لعطش وهذا ساقط أيضًا لأبي ذر.
(﴿أثاثًا﴾) أي مالاً (﴿إِدًا﴾) أي (قولاً عظيمًا) وقد مرّ ذكره لكنه فسره بغير الأول وقد مر
أنه عن ابن عباس وقتادة (﴿ركزًا﴾) في قوله: ﴿أو تسمع لهم ركزًا﴾ أي (صوتًا) أي خفيًا لا
مطلق الصوت.
(وقال غيره) أي غير ابن عباس وسقط ذا لغير أبي ذر (﴿غيًا﴾) في قوله تعالى: ﴿فسوف
يلقون غيًا﴾ [مريم: ٥٩] أي (خسرانًا) وقيل واد في جهنم تستعيذ منه أوديتها وقيل شرًا وكل
خسران وهذا ساقط لأبي ذر.
(﴿بكيًّا﴾) في قوله تعالى: ﴿خرّوا سجدًا وبكيًّا﴾ [مريم: ٥٨] (جماعة باك) قاله أبو عبيدة
وأصله بکوي على وزن فعول بواو ویاء کقعود جمع قاعد فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما
بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء فصار بكيًّا هكذا ثم كسرت ضمة الكاف لمجانسة الياء
بعدها وهذا ليس بقياسه بل قياس جمعه على فعلة كقاض وقضاة وغزاة ورماة وقيل ليس بجمع وإنما
هو مصدر على فعول نحو: جلس جلوسًا وقعد فعودًا، والمعنى إذا سمعوا كلام الله خروا ساجدين
لعظمته باكين من خشيته روى ابن ماجة من حديث سعيد مرفوعًا نزل القرآن بحزن فإذا قرأتموه
فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا. وقال صالح المري بالراء المهملة المشددة بعد ضم الميم قرأت القرآن على
رسول الله * في المنام فقال لي: يا صالح هذه القراءة فأين البكاء ويروى أنه كان إذا قص قال
هات جونة المسك والترياق المجرب يعني القرآن ولا يزال يقرأ ويدعو ويبكي حتى ينصرف.
(﴿صلیًا﴾) في قوله: ﴿أولى بها صليًا﴾ أي هو مصدر (صلي) بكسر اللام (يصلى) قاله أبو
عبيدة والمعنى احترق احتراقًا.

٤٠٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة مريم
(نديًا والنادي) يريد قوله وأحسن نديًا وإن معناهما (واحد) أي (مجلسًا) ومجتمعًا وثبت واحد
لأبي ذر.
١ - باب ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩]
(وأنذرهم) ولأبي ذر باب قوله عز وجل: (﴿وأنذرهم يوم الحسرة﴾) [مريم: ٣٩] هو
من أسماء يوم القيامة كما قاله ابن عباس وغيره.
٤٧٣٠ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ بْنِ غِياتٍ حَدَّثَنَا أَبِي، حَدْثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صالِحِ
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يُؤْتِى بِالْمَوْتِ كَھَيْئَةٍ كَبْشٍ
أَمْلَحَ فَيُنادِي مُنادٍ يا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. هذَا
الْمَوْتُ وَكُلُهُمْ قَدْ رَآهُ ثُمَّ يُنادِي يا أَهْلَ النَّارِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا؟
فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. هَذا الْمَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ وَيا
أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ)) ثُمَّ قَرَأَ: ((﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾
وَهَؤُلاءِ فِي غَفْلَةٍ أَهْلُ الدُّنْيَا وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)).
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) بالغين المعجمة والمثلثة آخره النخعي الكوفي
قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث بن طلق بن معاوية قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران
قال: (حدَّثنا أبو صالح) ذكوان السمان (عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه) أنه (قال: قال
رسول الله) وفي نسخة قال النبي (مَ﴿):
(يؤتى بالموت) الذي هو عرض من الأعراض جسمًا (كهيئة كبش أملح) بالحاء المهملة فيه
بياض وسواد لكن سواده أقل (فينادي مناد) لم يسم (يا أهل الجنة فيشرئبون) بفتح التحتية وسكون
الشين المعجمة وفتح الراء وبعد الهمزة المكسورة موحدة مشددة فواو ساكنة فنون آخره أي يمدون
أعناقهم ويرفعون رؤوسهم (وينظرون) وعند ابن حبان في صحيحه وابن ماجه عن أبي هريرة
فيطلعون خائفين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه (فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا
الموت وكلهم قد رآه) أي وعرفه بما يلقيه الله في قلوبهم أنه الموت (ثم ينادي) أي المنادى (يا أهل
النار فيشرئبون وينظرون) وعند ابن حبان وابن ماجة فيطلعون فرحين مستبشرين أن يخرجوا من
مكانهم الذي هم فيه (فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه فيذبح).
وفي باب صفة الجنة والنار من كتاب الرقاق جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم
يذبح، وعند ابن ماجه فيذبح على الصراط، وعند الترمذي في باب خلود أهل الجنة من حديث
أبي هريرة فيضجع فيذبح ذبحًا على السور الذي بين أهل الجنة وأهل النار وفي تفسير إسماعيل بن
أبي زياد الشامي أحد الضعفاء في آخر حديث السور الطويل أن الذابح له جبريل عليه السلام كما