النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
وبه قال: (حدّثنا بشر بن خالد) بموحدة مكسورة فشين معجمة ساكنة أبو محمد الفرائضي
العسكري قال: (أخبرنا محمد بن جعفر) الملقب بغندر (عن شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن
مهران الأعمش (عن إبراهيم) النخعي (عن أبي معمر) عبد الله بن سخبرة بفتح السين المهملة
وسكون الخاء المعجمة بعدها موحدة (عن عبد اللّه) بن مسعود (رضي الله عنه) أنه قال: (في هذه
الآية ﴿الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾ قال): ولأبي ذر عن المستملي كان (ناس من الجن
يعبدون) بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول ولأبي ذر عن الحموي والمستملي كانوا يعبدون
(فأسلموا) وهذا طريق آخر للحديث السابق ذكره مختصرًا.
٩ - باب ﴿وَمَا جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ((وما جعلنا الرؤيا التي أريناك﴾) ليلة المعراج (﴿إلا
فتنة للناس﴾﴾ [الإسراء: ٦٠] أي اختبارًا وامتحانًا ولذا رجع ناس عن دينهم لأن عقولهم لم تحمل
ذلك بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه وسقط لفظ باب لغير أبي ذر.
٤٧١٦ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّه، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
رَضِيَ اللَّه عَنْهُما ﴿وَمَا جَعَلْنا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَبْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ قَالَ: هِيَ رُؤْيا عَيْنٍ أَرِيها
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾ شَجَرَةُ الزَّقُومِ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو
ابن دينار (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه قال: في قوله تعالى:
(﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾). وهذه الجملة من قوله: حدثنا علي بن عبد الله
إلى هنا ساقطة من الفرع المعتمد المقابل على اليونينية وقف تنكزبغا ثابتة في غيره من الفروع
المعتمدة (قال) أي ابن عباس (هي رؤيا عين) لا منام وفيه رد صريح على من أنكر مجيء المصدر
من رأى البصرية على رؤيا كالحريري وغيره وقالوا إنما يقال في البصرية رؤية وفي الحلمية رؤيا
(أريها رسول الله (*) بضم الهمزة وكسر الراء من الإراءة (ليلة أسري به) ولم يصرح بالمرئي وعند
سعيد بن منصور من طريق أبي مالك قال هو ما أري في طريقه إلى بيت المقدس (﴿والشجرة
الملعونة﴾) عطف على الرؤيا والملعونة نعت زاد في نسخة في القرآن هي (شجرة الزقوم) وكذا رواه
أحمد وعبد الرزاق عن ابن عيينة به روى أنه لما سمع المشركون ذكرها قالوا: إن محمدًا يزعم أن
الجحيم تحرق الحجارة ثم يقول تنبت فيها الشجرة رواه بمعناه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ولم
يعلموا أن من قدر أن يحمي وبر السمندل من أن تأكله النار وأحشاء النعامة من أذى الحجر وقطع
الحديد المحماة التي تبتلعها قادر أن يخلق في النار شجرة لا تحرقها ولعنها في القرآن قيل هو مجاز
إذ المراد طاعموها لأن الشجرة لا ذنب لها وقيل على الحقيقة ولعنها إبعادها من رحمة الله لأنها
تخرج في أصل الجحيم فإنه أبعد مكان من الرحمة.

٣٦٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
١٠ - باب ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾
[الإسراء: ٧٨] قالَ مُجاهِدٌ: صَلاةَ الْفَجْرِ
(باب قوله) تعالى: (﴿إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾﴾ [الإسراء: ٧٨] (قال مجاهد) فيما
وصله ابن المنذر عن ابن أبي نجيح عنه في قوله قرآن الفجر أي (صلاة الفجر) عبر عنها ببعض
أركانها وسقط باب قوله لغير أبي ذر.
٤٧١٧ - حدثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ
أَبِي سَلَمَةَ، وَابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنِ النَّبِّ وَّهِ قالَ: ((فَضْلُ صَلاةِ الْجمِيعِ
عَلى صَلاةِ الْوَاحِدِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً، وَتَجْتَمِعُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلائِكَةُ النَّهارِ فِي صَلاةِ
الصُّبْحِ)) يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ .
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (عبد الله بن محمد) المسندي بفتح النون قال:
(حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) بسكون العين المهملة وفتح الميمين هو ابن راشد
(عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف اسمه عبد الله
أو إسماعيل (وابن المسيب) بفتح التحتية المشددة سعيد كلاهما (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن
النبي وَ﴾﴾ أنه (قال): وسقط لفظ قال لأبي ذر عن الحموي والكشميهني.
(فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد) منفردًا (خمس وعشرون درجة) وفي نسخة خمس
بفتح السين كذا في الفرع كأصله مصححًا عليه أي تزيد خمس درجات وعشرين بالياء أي درجة
(وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح) لأنه وقت صعودهم بعمل الليل ومجيء
الطائفة الأخرى لعمل النهار ولأبي ذر عن الحموي والمستملي في صلاة الفجر (يقول) وفي فضل
صلاة الفجر في جماعة من كتاب الصلاة من طريق شعيب عن الزهري ثم يقول (أبو هريرة)
مستشهدًا لذلك (اقرؤوا إن شئتم ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾) أي تشهده
ملائكة الليل وملائكة النهار رواه أحمد عن ابن مسعود مرفوعًا وفي الأنوار أو شواهد القدرة من
تبدّل الظلمة بالضياء والنوم الذي هو أخو الموت بالانتباه أو كثير من المصلين أو من حقه أن
يشهده الجم الغفير.
١١ - باب قَوْلِهِ: ﴿عسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]
(باب قوله) تعالى: ((عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾﴾ [الإسراء: ٧٩] يحمده فيه
الأوّلون والآخرون والمشهور أنه مقام الشفاعة للناس ليريحهم الله من کرب ذلك اليوم وشدته.
٤٧١٨ - هذّثنا إِسْماعِيلُ بْنُ أَبانٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الأخوَصِ، عَنْ آدَمَ بْنِ عَلِي، قَالَ: سَمِعْتُ

٣٦٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ الْقِيامَةِ جُثًا، كُلِّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّها يَقُولُونَ:
يا فُلانُ أَشْفَعْ حَتَّى تَنْتَهِيَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيّ ◌َِّ فَذلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ الله الْمَقامَ الْمَحْمُودَ.
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولغير أبي ذر حدّثني (إسماعيل بن أبان) بفتح الهمزة وتخفيف
الموحدة أخره نون منصرف وغير منصرف أبو إسحاق الوراق الأزدي الكوفي قال: (حدّثنا أبو
الأحوص) بالحاء والصاد المهملتين سلام بتشديد اللام ابن سليم الحنفي الكوفي (عن آدم بن علي)
العجلي بكسر العين المهملة وسكون الجيم أنه (قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إن
الناس يصيرون يوم القيامة جثًا) بضم الجيم وفتح المثلثة المخففة منوّنًا مقصورًا جمع جثوة كخطوة
وخطًا أي جماعات (كل أمة تتبع نبيها يقولون يا فلان اشفع) أي لنا وزاد أبو ذر يا فلان اشفع
فيكون مرتين (حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي وَّر) زاد في الرواية المعلقة في الزكاة فيشفع ليقضي
بين الخلق (فذلك) أي مقام الشفاعة (يوم يبعثه الله المقام المحمود) وفي المقام المحمود أقوال أخر
تأتي إن شاء الله تعالى بعون الله في الرقاق.
٤٧١٩ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنكَدِرِ،
عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ الله عَنْهُما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ قَالَ: ((مَنْ قالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ اللَّهُمَّ
رَبَّ هذِهِ الدَّغْوَةِ التَّمَّةِ وَالصَّلاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقامًا مَحمُودًا الَّذي
وَعَذْتَهُ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيامَةِ»: رَوَاهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيّ ◌َّر .
وبه قال: (حدّثنا علي بن عياش) بتشديد التحتية آخره شين معجمة الألهاني الحمصي قال:
(حدّثنا شعيب بن أبي حمزة) بالحاء المهملة والزاي الحمصي (عن محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن
الهدير بالتصغير التيمي المدني (عن جابر بن عبد اللَّه) الأنصاري (رضي الله عنهما أن
رسول الله ◌َ* قال):
(من قال حين يسمع النداء) أي الأذان (اللهم رب هذه الدعوة التامة) لجمعها العقائد بتمامها
(والصلاة القائمة) الدائمة التي لا تغيرها ملة ولا تنسخها شريعة (آت محمدًا) ولأبي ذر عن الحموي
والمستملي انت محمدًا وَل﴿ (الوسيلة) المنزلة العلية في الجنة التي لا تنبغي إلا له (والفضيلة) المرتبة
الزائدة على سائر المخلوقين (وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته) بقولك تباركت وتعاليت ﴿عسى أن يبعثك
ربك مقامًا محمودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] والموصول مع الصلة إما بدل من النكرة على طريق إبدال المعرفة من
النكرة أو صفة لها على رأي الأخفش لأنها وصفت وإنما نكر لأنه أفخم وأجزل كأنه قيل مقامًا
وأي مقام يغبطه فيه الأوّلون والآخرون محمودًا تكلّ عن أوصافه ألسنة الحامدين وتشرف به على
جميع العالمين تسأل فتعطى وتشفع فتشفع وليس أحد إلا تحت لوائك (حلت) أي وجبت (له
شفاعتي يوم القيامة) الشاملة للأوّلين والآخرين في خلاصهم من كرب يوم الدين وتوصيلها إلى
جنات النعيم ولقاء الله رب العالمين جعلنا الله منهم بمنه وكرمه (رواه) أي الحديث المذكور

٣٦٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
(حمزة بن عبد اللَّه عن أبيه) عبد الله بن عمر فيما وصله الإسماعيلي (عن النبي ◌ٍَّ).
وهذا الحديث قد سبق في باب الدعاء عند الأذان من كتاب الصلاة.
١٢ - باب ﴿وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ
إِنَّ الْبَاطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. يَزْهَقُ: يَهْلِكُ
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وقل جاء الحق﴾) الإسلام (﴿وزهق الباطل)) أي
ذهب وهلك الشرك وقال قتادة الحق القرآن والباطل الشيطان وقال ابن جريج الحق الجهاد والباطل
الشرك وقيل غير ذلك والصواب تعميم اللفظ بالغاية الممكنة فيكون التعبير جاء الشرع بجميع ما
انطوى فيه والباطل كل ما لا تنال به غاية نافعة (﴿إن الباطل كان زهوقًا﴾﴾ [الإسراء: ٨١]
مضمحلاً ذاهبًا غير ثابت قال:
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها إقدامه من آلة لم تزهق
وقال أبو عبيدة (يزهق) بفتح أوّله وثالثه معناه (يهلك) بفتح أوّله وكسر ثالثه، والمراد بهلكته
وضوحه فيكون هالكًا لا يعمل به المحق وسقط لأبي ذر أن الباطل كان زهوقًا وقال بعد الباطل
الآية وسقط لغيره لفظ باب.
٤٧٢٠ - حدّثنا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجيحِ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ أَبي
مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قالَ: دَخَلَ النَّبيُّ ◌َّهِ مَّةَ وَحَوْلَ الْبَيْتِ سِنُونَ
وَثَلاثُمِائَةٍ نُصُبٍ، فَجَعَلَ يَطْعُها بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ: ((﴿جاءَ الْحَقِّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كانَ
زَهُوقًا﴾ ﴿جاءَ الْحَقِّ وَمَا يُبْدِىءُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾)).
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن ابن أبي
نجيح) عبد الله واسم أبي نجيح بفتح النون وكسر الجيم يسار ضد اليمين (عن مجاهد) هو ابن
جبر (عن أبي معمر) بفتح الميمين عبد الله بن سخبرة الأزدي الكوفي (عن عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه) أنه (قال: دخل النبي وَلِّ مكة) أي عام الفتح (وحول البيت) أي والحال أن البيت
حوله (ستون وثلاثمائة نصب) بضم النون والصاد ولأبي ذر نصب بفتح النون وسكون الصاد
مجرور فيهما وقد تسكن الصاد مع ضم النون.
قال في فتح الباري: كتنقيح الزركشي والسفاقسي واللفظ للأول كذا للأكثر هنا بغير ألف
وكذا وقع في رواية سعيد بن منصور لكن وقع بلفظ صنم والأوجه نصبه على التمييز إذ لو كان
مرفوعًا لكان صفة والواحد لا يقع صفة للجمع اهـ قال في المصابيح متعقبًا لما قاله في التنقيح من
ذلك هنا عدد أن كل منهما يحتاج إلى مميز فالأول مميزه منصوب يعني ستون نصبًا والثاني مميزه
مجرور يعني ثلاثمائة نصب فإن عنى أنه مميز لكلا العددين فخطأ والظاهر أنه مجرور كما وقع في

٣٦٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
بعض النسخ تمييز لثلاثمائة ومميز ستون محذوف لوجود الدال عليه وأما قوله ولا وجه للرفع إذ لو
كان مرفوعًا لكان صفة الخ فلم ينحصر وجه الرفع فيما ذكر حتى يتعين فيه الخطأ لجواز أن يكون
نصب خبر مبتدأ محذوف أي كل منها نصب انتهى.
وقال العيني النصب واحد الأنصاب قال الجوهري وهو ما يعبد من دون الله وكذلك
النصب بالضم واحد الأنصاب قال وفي دعوى الأوجهية نظر لأنه إنما يتجه إذا جاءت الرواية
بالنصب على التمييز وليست الرواية إلا بالرفع فحينئذٍ الوجه أن يقال النصب ما نصب أعم من أن
يكون واحدًا أو جمعًا وأيضًا هو في الأصل مصدر نصبت الشيء إذا أقمته فيتناول عموم الشيء اهـ
ومراده الاستدلال على كون النصب هنا جمعًا فيصح أن يكون صفة للجمع لكن قوله وليست
الرواية إلا بالرفع فيه نظر فليحرر.
والذي رأيته في جملة من الفروع المعتمدة المقابلة على اليونينية المجمع عليها في الاتقان
وتحرير الضبط بالجر ولم أر غيره في نسخة ومن علم حجة على من لم يعلم لكن قول الحافظ ابن
حجر بعد ذكره ما مر أو هو منصوب لكنه كتب بغير ألف على بعض اللغات يدل على أنه لم يثبت
عنده فيه رواية فيجزم بها فتأمله.
(فجعل) عليه الصلاة والسلام (يطعنها) بضم العين (بعود في يده) وفي الفرع كأصله فتح
العين من يطعنها أيضًا لكن المعروف أن المفتوح للطعن في القول (ويقول: ﴿جاء الحق وزهق
الباطل إن الباطل كان زهوقًا﴾) الواو للعطف على فجعل يطعن أو للحال (﴿جاء الحق﴾) أي
القرآن أو التوحيد أو المعجزات الدالة على نبوّته عليه الصلاة والسلام (﴿وما يبدىء الباطل وما
يعيد﴾) يجوز في ما أن تكون نفيًا وأن تكون استفهامًا ولكن يؤول معناها إلى النفي ولا مفعول
للفعلين إذ المراد لا يوقع هذين الفعلين كقوله:
أقفر من أهله عبيد أصبح لا يبدي ولا يعيد
أو حذفًا أي ما يبدىء لأهله خبرًا ولا يعبده والمعنى ذهب الباطل وزهق فلم تبق منه بقية
تبدىء شيئًا أو تعيد.
١٣ - باب ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥]
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿ويسألونك عن الروح﴾﴾ [الإسراء: ٨٥] وسقط باب
لغير أبي ذر.
٤٧٢١ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ بْنِ غِياثٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي إِبْراهِيمُ
عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: بَيْنا أَنَا مَعَ النَّبِيّ وَ فِي حَرْثٍ وَهُوَ مُتْكِىءٌ عَلى
عَسيبٍ، إِذْ مَرِّ الْيَهُودُ فَقالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ؟ فَقالَ: ما رَابَكُمُ إِلَيْهِ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ

٣٦٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
لا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ فَقالُوا سَلُوهُ فَسَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ فَأَمْسَكَ النَّبِيِّ وَّهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِم شَيْئًا
فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحِى إِلَيْهِ فَقُمْتُ مَقَامِي فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ قَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ
أمْرِ رَبّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْم إِلاَّ قَليلاً﴾ [الإسراء: ٨٥].
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) بكسر الغين المعجمة وآخره مثلثة ابن طلق بفتح
الطاء وسكون اللام الكوفي قال: (حدّثنا أبي) حفص قال: (حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران
قال: (حدّثني) بالإفراد (إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس النخعي (عن عبد اللَّه) بن مسعود
(رضي الله عنه) أنه (قال بينا) بغير ميم (أنا مع النبي ◌َّر في حرث) بفتح الحاء المهملة آخره مثلثة
وفي العلم من وجه آخر في قرب المدينة بخاء معجمة ثم موحدة آخره بدل المثلثة، وعند مسلم
في نخل (وهو متكىء على عسيب) بفتح العين وكسر السين المهملتين وبعد التحتية الساكنة
موحدة عصًا من جريد النخل (إذا مرّ اليهود) رفع على الفاعلية (فقال بعضهم لبعض: سلوه
عن الروحِ) الذي يحيا به بدن الإنسان ويدبره أو جبريل أو القرآن أو الوحي أو ملك يقوم
وحده صفًّا يوم القيامة أو ملك له أحد عشر ألف جناح ووجه أو ملك له سبعون ألف لسان
أو خلق كخلق بني آدم يقال لهم الروح يأكلون ويشربون أو سلوه عن كيفية مسلك الروح
في البدن وامتزاجها به أو عن ماهيتها وهل هي متحيزة أم لا وهل هي حالة في متحيز أم
لا وهل هي قديمة أو حادثة وهل تبقى بعد انفصالها من الجسد أو تفنى وما حقيقة تعذيبها
وتنعيمها وغير ذلك من متعلقاتها قال الإمام فخر الدين وليس في السؤال ما يخصص أحد
هذه المعاني إلا أن الأظهر أنهم سألوه عن الماهيّة وهل الروح قديمة أو حادثة (فقال) أي
بعضهم (ما رأيكم إليه) بلفظ الفعل الماضي من غير همز من الريب ولأبي ذر عن الحموي
كما قال في فتح الباري ما رأبكم بهمزة مفتوحة وضم الموحدة من الرأب وهو الإصلاح يقال
فيه رأب بين القوم إذا أصلح بينهم قال وفي توجيهه هنا بعد. وقال الخطابي: الصواب ما
أربكم بتقديم الهمزة وفتحتين من الأرب وهو الحاجة. قال الحافظ ابن حجر: وهذا واضح
المعنى لو ساعدته الرواية نعم رأيته في رواية المسعودي عن الأعمش عند الطبري كذلك،
وذكر ابن التين أن في رواية القابسي كرواية الحموي لكن بتحتية بدل الموحدة ما رأيكم أي
بسكون الهمزة من الرأي انتهى. وهذا الذي حكاه عن رواية القابسي رأيته كذلك في فرع
اليونينية كأصله عن أبي ذر عن الحموي.
(وقال بعضهم لا يستقبلكم بشيء) بالرفع على الاستئناف ويجوز الجزم على النهي وفي العلم
وقال بعضهم لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء (تكرهونه) إن لم يفسره لأنهم قالوا إن فسره فليس بنبي
وذلك أن في التوراة أن الروح مما انفرد الله بعلمه ولا يطلع عليه أحدًا من عباده فإذا لم يفسره دل
على نبوّته وهم يكرهونها وفيه قيام الحجة عليهم في نبوّته (فقالوا: سلوه فسألوه عن الروح،
فأمسك النبي وقال﴿ فلم يرد عليهم) ولأبي ذر عن الكشميهني فلم يرد عليه (شيئًا) بالإفراد أي على

٣٦٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
السائل وفي العلم فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟ قال ابن مسعود (فعلمت أنه
يوحى إليه) في التوحيد فظننت بدل فعلمت وإطلاق الظن على العلم معروف (فقمت مقامي) أي
في مقامي أي لأحول بينه وبين السائلين أو فقمت عنه أي لئلا يتشوش بقربي منه وفي الاعتصام
فتأخرت عنه (فلما نزل الوحي) عليه وَالتّر (قال: ﴿ويسألونك عن الروح)) قال البرماوي وغيره
ظاهر السياق يقتضي أن الوحي لم يتأخر لكن في مغازي ابن إسحاق أنه تأخر خمس عشرة ليلة،
وكذا قال القاضي عياض أنه ثبت كذلك في مسلم أي ما يقتضي الفورية وهو وهم بين لأنه إنما
جاء هذا القول عند انكشاف الوحي وفي البخاري في كتاب الاعتصام فلما صعد الوحي وهو
صحيح، قال في المصابيح: هذه الاطلاقات صعبة في الأحاديث لا سيما ما اجتمع على تخريجه
الشيخان ولا أدري ما هذا الوهم ولا كيف هو ولما حرف وجود لوجود أي أن مضمون الجملة
الثانية وجد لأجل مضمون الأولى كما تقول لما جاءني زيد أكرمته فالإكرام وجد لوجود المجيء
كذلك تلاوته عليه الصلاة والسلام لقوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الروح﴾ الآية كانت لأجل وجود
إنزالها ولا يضر في ذلك كون الإنزال تأخر عن وقت السؤال وأما قوله أن هذا القول إنما كان
بعد انكشاف الوحي فمسلم إذ هو لا يتكلم بالمنزل عليه في نفس وقت الإنزال، وإنما يتكلم به
بعد انقضاء زمن الوحي واتحاد زمني الفعلين الواقعين في جملتي لما غير شرط كما إذا قلت لما
جاءني زيد أكرمته فلا يشترط في صحة هذا الكلام أن يكون الإكرام والمجيء واقعين في زمن
واحد لا يتقدم أحدهما على الآخر ولا يتأخر بل هذا التركيب صحيح إذا كان الإكرام متعقبًا
للمجيء.
فإن قلت: لعله بناه على رأي الفارسي ومن تبعه في أن لما ظرف بمعنى حين فيلزم أن
يكون الفعل الثاني واقعًا في حين الفعل الأول؟ قلت: ليس مراد الفارسي ولا غيره من كونها
بمعنى حين ما فهمته من اتحاد الزمنين باعتبار الابتداء والانتهاء إلا أنه يصح أن تقول جئت حين
جاء زيد وإن كان ابتداء مجيئك في آخر مجيء زيد ومنتهاه بعد ذلك والمشاحة في مثل هذا
والمضايقة فيه مما لم تبن لغة العرب عليه أهـ.
(﴿قل الروح من أمر ربي﴾) أي مما استأثر الله بعلمه فهو من أمر ربي لا من أمري فلا أقول
لكم ما هي والأمر بمعنى الشأن أي معرفة الروح من شأن الله لا من شأن غيره ولا يلزم من عدم
العلم بحقيقته المخصوصة نفيه فإن أكثر حقائق الأشياء وماهيتها مجهولة ولم يلزم من كونها مجهولة
نفيها ويؤيده قوله تعالى: (﴿وما أوتيتم من العلم إلا﴾) علمًا أو إيتاءً (﴿قليلاً﴾) ولأبي ذر عن
الحموي والمستملي وما أوتوا بضمير الغائب وهي قراءة شاذة مروية عن الأعمش مخالفة للمصحف
ليست من طرق كتابي الذي جمعته في القراءات الأربعة عشر وإنما رأيتها في كتب التفسير قيل:
وليس في الآية دلالة على أن الله تعالى لم يطلع نبيه على حقيقة الروح بل يحتمل أن يكون أطلعه ولم
يأمره أن يطلعهم، وقد قالوا في علم الساعة نحو هذا فالله أعلم.

٣٦٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
وقد قرر السهيلي فيما ذكره ابن كثير أن الروح هي ذات لطيفة كالهواء سارية في الجسد
كسريان الماء في عروق الشجر وإن الروح التي ينفخها الملك في الجنين هي النفس بشرط اتصالها
بالبدن واكتسابها بسببه صفات مدح أو ذم فهي إما نفس مطمئنة أو أمارة بالسوء كما أن الماء حياة
الشجر ثم يكتسب بسبب اختلاطه معها اسمًا خاصًا فإذا اتصل بالعنبة وعصر منها صار ماء
مصطارًا وخمرًا ولا يقال له ماء حينئذٍ إلا على سبيل المجاز وهكذا لا يقال للنفس روح إلا على هذا
النحو وكذلك لا يقال للروح نفس إلا على هذا النحو باعتبار ما تؤول إليه فحاصل ما نقول إن
الروح هي أصل النفس ومادتها والنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن فهي هي من وجه لا من
كل وجه وهذا معنى حسن انتهى. ثم إن ظاهر سياق هذا الحديث يقتضي أن هذه الآية مدنية وإن
نزولها إنما كان حين سأل اليهود عن ذلك بالمدينة مع أن السورة كلها مكية وقد يجاب باحتمال أن
تكون نزلت مرة ثانية بالمدينة كما نزلت بمكة قبل.
وهذا الحديث سبق في كتاب العلم وأخرجه أيضًا في التوحيد والاعتصام ومسلم في التوبة
والترمذي والنسائي في التفسير.
١٤ - باب ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها﴾ [الإسراء: ١١٠]
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾) [الإسراء: ١١٠]
سقط لفظ باب لغير أبي ذر.
٤٧٢٢ - حدثنا يَعْقُوبُ بْنُ إبراهيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِهَا﴾ قالَ:
نَزَّلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ وَّهِ مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ كانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ فَإِذا سَمِعَ
الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جاءَ بِهِ فَقَالَ اللَّهُ تَعالَى لِنَبِّهِ وَِّ ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾
أيْ بِقِراءَتِكَ فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا الْقُرْآنَ ﴿وَلا تُخافِتْ بِها﴾ عَنْ أَصْحابِكَ فَلا تُسْمِعُهُمْ
﴿وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾. [الحديث: ٤٧٢٢ - أطرافه في: ٧٤٩٠ - ٧٥٢٥ - ٧٥٤٧].
وبه قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) الدورقي قال: (حدّثنا هشيم) بضم الهاء مصغرًا ابن
بشير مصغر بشر الواسطي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (أبو بشر) بكسر الموحدة وسكون
المعجمة جعفر بن أبي وحشية الواسطي (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه
قال: (في قوله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ قال: نزلت ورسول الله اص لا مختف
بمكة) يعني في أوّل الإسلام ولأبي ذر عن الحموي والمستملي مختفي بإثبات التحتية بعد الفاء (كان
إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمع) ولأبي ذر سمعه (المشركون سبوا القرآن ومن أنزله
ومن جاء به فقال الله تعالى) ولأبي ذر عز وجل (لنبيه) محمد (وَلاجر: ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾ أي
بقراءتك) أي بقراءة صلاتك فهو على حذف المضاف (فيسمع المشركون فيسبوا القرآن) وللطبري

٣٦٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
من وجه آخر عن سعيد بن جبير فقالوا له أي المشركون لا تجهر فتؤذي آلهتنا فنهجو إلّهك (﴿ولا
تخافت﴾) لا تخفض صوتك (بها عن أصحابك فلا تسمعهم) وإنما حذف المضاف لأنه لا يلبس من
قبل أن الجهر والمخافتة صفتان تعتقبان على الصوت لا غير والصلاة أفعال وأذكار (﴿وابتغ بين
ذلك﴾) الجهر والمخافتة (﴿سبيلاً﴾) وسطًا.
٤٧٢٣ - حدّثنا طَلْقُ بْنُ غَنَّامِ، حَدْثَنَا زائِدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهَا قَالَتْ: أُنْزِلَ ذلِكَ فِي الدُّعاءِ. [َالحديث ٤٧٢٣ - أطرافه في: ٦٣٢٧ - ٧٥٢٦].
وبه قال: (حدّثنا) ولغير أبي ذر حدثني بالإفراد (طلق بن غنام) بفتح الطاء المهملة وسكون
اللام ثم قاف وغنام بالغين المعجمة والنون المشددة وبعد الألف ميم أبو محمد النخعي الكوفي
قال: (حدّثنا زائدة) بن قدامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها) أنها
(قالت: أنزل ذلك) أي قوله ولا تجهر الخ (في الدعاء) من باب إطلاق الكل على الجزء إذ الدعاء
من بعض أجزاء الصلاة. وأخرج الطبري وابن خزيمة والحاكم من طريق حفص بن غياث عن
هشام الحديث وزاد فيه في التشهد وهو مخصص لحديث عائشة إذ ظاهره أعم من أن يكون داخل
الصلاة وخارجها. وعند ابن مردويه من حديث أبي هريرة كان رسول الله وَل ﴿ إذا صلى عند البيت
رفع صوته بالدعاء فنزلت أو مراده معناها اللغوي على ما لا يخفى.
وهذا الحديث من أفراده.
[١٨] سُورَةُ الْكَهْفِ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمُنِ الرَّحيمِ) وَقَالَ مُجاهِدٌ ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ تَتْرُكُهُمْ ﴿وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ﴾ ذَهَبٌ
وَفِضَّةٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: جَمَاعَةُ الثَّمَرِ ﴿بَاخِعْ﴾ مُهْلِكٌ ﴿أَسَفًا﴾ نَدَمًا ﴿الْكَهْفُ﴾ الْفَتْحُ في الْجَبَلِ،
﴿وَالرَّقِيمُ﴾ الْكِتابُ: مَرْقُومُ مَكْتُوبٌ مِنَ الرَّقْمِ ﴿رَبَطْنا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أَلْهَمْنَاهُمْ صَبْرًا. ﴿لَوْلا أنْ
رَبَطْنا عَلَى قَلْبِها﴾: ﴿شَطَطًا﴾ إِفْراطًا ﴿اَلْوَصِيدُ﴾ الْفِناءُ، جَمْعُهُ وَصَائِدُ وَوُصُدٌ وَيُقالُ الْوَصيدُ
الْبَابُ، مُؤْصَدَةٌ مُطْبَقَةٌ آصَدَ الْبَابَ وَأَوْصَدَ ﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾ أخْبَيْنَاهُمْ. أَزْكى: أَكْثَرُ وَيُقالُ أَحلُ وَيُقالُ:
أكْثَرُ رَيْعًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: ﴿أُكلُها وَلَمْ تَظْلِمْ﴾ لَمْ تَنْقُصْ، وَقَالَ سَعيدٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
﴿الرَّقِيمُ﴾ اللَّوْحُ مِنْ رَصاصٍ كَتَبَ عامِلُهُمْ أسْماءَهُمْ ثُمَّ طَرَحَهُ في خِزانَتِهِ ﴿فَضَرَبَ اللَّهُ عَلى
آذانِهِمْ﴾ فَنَامُوا. وَقَالَ غَيْرُهُ وَأَلَتْ تَئِلُ تَنْجُو وَقالَ مُجاهِدٌ: مَوْئِلاً: مَخْرِزًا ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾
لا يَعْقِلُونَ.
([١٨] سورة الكهف)
مكية قيل إلا قوله: ﴿واصبر نفسك﴾ الآية وهي مائة وإحدى عشرة آية.
إرشاد الساري/ ج ١٠ / م ٢٤

٣٧٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
(بسم الله الرحمن الرحيم).
قال الحافظ ابن حجر ثبتت البسملة لغير أبي ذر اهـ. أي وسقطت له والذي رأيته في الفرع
كأصله ثبوتها له فقط مصححًا على علامته فالله أعلم.
(وقال مجاهد) فیما وصله الفریابي في قوله تعالى: (﴿تقرضھم﴾) أي (تتر کھم) وروی عبد
الرزاق عن قتادة نحوه، وقول مجاهد هذا ساقط عند أبي ذر.
(﴿وكان له ثمر﴾) بضم المثلثة قال مجاهد فيما وصله الفريابي أي (ذهب وفضة) وعن مجاهد
أيضًا ما كان في القرآن ثمر بالضم فهو المال وما كان بالفتح فهو النبات وقال ابن عباس بالضم
جميع المال من الذهب والفضة والحيوان وغير ذلك قال النابغة:
مهلاً فداء لك الأقوام كلهم وما أثمر من مال ومن ولد
(وقال غيره) غير مجاهد الثمر بالضم (جماعة الثمر) بالفتح.
(﴿باخع﴾) في قوله تعالى: ﴿لعلك باخع﴾ [الكهف: ٦] قال أبو عبيدة (مهلك) نفسك إذا
ولوا عن الإيمان.
(﴿أسفًا﴾) أي (ندمًا) كذا فسره أبو عبيدة وعن قتادة حزنًا وعن غيره فرط الحزن.
(﴿الكهف﴾) في قوله: ﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف﴾ هو (الفتح في الجبل)
(﴿والرقيم﴾﴾ [الكهف: ٩] هو (الكتاب مرقوم) أي (مكتوب من الرقم) بسكون القاف قيل هو
لوح رصاصي أو حجري رقمت فيه أسماؤهم وقصصهم وجعل على باب الكهف، وقيل الرقيم
اسم الجبل أو الوادي الذي فيه كهفهم أو اسم قريتهم أو كلبهم وقيل غير ذلك وقيل مكانهم بين
غضبان وأيلة دون فلسطين وقيل غير ذلك مما فيه تباين وتخالف ولم ينبئنا الله ولا رسوله عن ذلك
في أي الأرض هو إذ لا فائدة لنا فيه ولا غرض شرعي.
(﴿ربطنا على قلوبهم﴾﴾ [الكهف: ١٤] أي (ألهمناهم صبرًا) على هجر الوطن والأهل والمال
والجراءة على إظهار الحق والرد على دقيانوس الجبار ومن هذه المادة قوله تعالى: في سورة القصص
﴿لولا أن ربطنا على قلبها﴾ [القصص: ١٠] أي أم موسى وذكره استطرادًا.
(شططا) في قوله تعالى: ﴿لقد قلنا إذًا شططا﴾ [الكهف: ١٤] أي (إفراطًا) في الظلم ذا
بعد عن الحق.
(﴿الوصيد﴾) في قوله تعالى: ﴿وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد﴾ [الكهف: ١٨] هو (الفناء)
بكسر الفاء تجاه الكهف (جمعه وصائد) كمساجد (ووصد) بضمتين (ويقال الوصيد) هو (الباب)
وهو مروي عن ابن عباس وعن عطاء عتبة الباب وقوله تعالى في الهمزة مما ذكره استطرادًا
(مؤصدة) أي (مطبقة) يعني النار على الكافرين واشتقاقه من قوله (آصد الباب) بمد الهمزة

٠
٣٧١
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
(وأوصد) أي أطبقه وحذف المفعول من الثاني للعلم به من الأوّل.
(﴿بعثناهم﴾) في قوله تعالى: ﴿ثم بعثناهم لنعلم أيّ الحزبين﴾ [الكهف: ١٢] أي
(أحييناهم) قاله أبو عبيدة والمراد أيقظناهم من نومهم إذ النوم أخو الموت وقوله: ﴿لنعلم أي
الحزبين أحصى﴾ عبارة عن خروج ذلك الشيء إلى الوجود أي لنعلم ذلك موجودًا وإلا فقد كان
الله تعالى علم أيّ الحزبين أحصى الأمد.
(﴿أزكى﴾) في قوله تعالى: ﴿فلينظر أيها أزكى طعامًا﴾ [الكهف: ١٩] معناه (أكثر) أي
أكثر أهلها طعامًا (ويقال أحل) وهذا أولى لأن مقصودهم إنما هو الحلال سواء كان كثيرًا أو قليلاً
وقيل المراد أحل ذبيحة قاله ابن عباس وسعيد بن جبير قيل لأن عامتهم كانوا مجوسًا وفيهم قوم
مؤمنون يخفون إيمانهم (ويقال أكثر ريعًا) أي نماء على الأصل.
(قال ابن عباس ﴿أكلها)) سقط لأبي ذر من قوله الكهف إلى هنا (﴿ولم تظلم﴾) أي (لم
تنقص) بفتح أوّله وضم ثالثه أي من أكلها شيئًا يعهد في سائر البساتين فإن الثمار تتم في عام
وتنقص في عام غالبًا.
(وقال سعيد) هو ابن جبير مما وصله ابن المنذر (عن ابن عباس) رضي الله عنهما
(﴿الرقيم﴾ اللوح من رصاص كتب عاملهم) فيه (أسماءهم ثم طرحه في خزانته) بكسر الخاء
المعجمة وسبب ذلك أن الفتية طلبوا فلم يجدوهم فرفع أمرهم للملك فقال ليكونن لهؤلاء شأن
فدعا باللوح وكتب ذلك (فضرب الله على آذانهم) يريد تفسير قوله: ﴿فضربنا على آذانهم﴾ (فناموا)
نومة لا تنبههم فيها الأصوات كما ترى المستثقل في نومه يصاح به فلا ينتبه.
(وقال غيره) أي غير ابن عباس وسقط وقال سعيد عن ابن عباس إلى هنا لأبي ذر في قوله
تعالى: ﴿بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلاً﴾ [الكهف: ٥٨] مشتق من (وألت تئل) من باب
فعل يفعل بفتح العين في الماضي وكسرها في المستقبل أي (تنجو) يقال وأل إذا نجا ووأل إليه إذا
لجأ إليه والموثل الملجأ (وقال مجاهد موئلاً) أي (محرزًا) بفتح الميم وكسر الراء بينهما حاء مهملة
ساكنة.
(﴿لا يستطيعون سمعًا﴾) في قوله تعالى: ﴿الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا
لا يستطيعون سمعًا﴾ [الكهف: ١٠١] أي (لا يعقلون) وهذا وصله الفريابي عن مجاهد أي لا
يعقلون عن الله أمره ونهيه والأعين هنا كناية عن البصائر لأن عين الجارحة لا نسبة بينها وبين
الذكر والمعنى الذين فكرهم بينها وبين ذكري والنظر في شرعي حجاب وعليها غطاء ولا
يستطيعون سمعًا لإعراضهم ونفارهم عن الحق لغلبة الشقاء عليهم.

٣٧٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
١ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ الإنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾
(باب قوله) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿وكان الإنسان﴾) يريد الجنس أو
النضر بن الحارث أو أبي بن خلف (﴿أكثر شيء﴾) يتأتى منه الجدل (﴿جدلاً)) [الكهف: ٥٤]
خصومة ومماراة بالباطل وانتصابه على التمييز يعني أن جدل الإنسان أكثر من جدل كل شيء
ونحوه ﴿فإذا هو خصیم مبين﴾ [يس: ٧٧] وفي حديث مرفوع «ما ضل قوم بعد هدى كانوا
عليه إلا أوتوا الجدل)).
٤٧٢٤ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إبراهيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبي، عَنْ
صالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: أَخْبَرَنِي عَليُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ، أَخْبَرَهُ عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ طَرَّقَهُ وَفَاطِمَةَ قَالَ: ((أَلَا تُصَلْيانِ؟)) رَجْمًا بِالْغَيْبِ لَمْ يَسْتَبِنْ يُقالُ فُرُطًا:
نَدَمًا. سُرادِقُها مِثْلُ السُّرادِقِ وَالْحُجْرَةِ الَّتي تُطِيفُ بِالْفَساطيطِ. يُحاوِرُهُ مِنَ الْمُحاوَرَةِ، لَكِنَّا هُوَ
اللَّهُ رَبّ أْ لَكِنْ أَنَا هُوَ اللَّهُ رَبّي ثُمَّ حَذَفَ الأَلِفَ وَأَذْغَمَ إحْدَى النُّونَيْنِ فِي الأُخْرِى، وَفَجِّرْنا
خِلالَهُما نَهَرًا يَقُولُ: بَيْنَهُمَا نَهَرًا: زَلَقًا: لا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ، هُنالِكَ الْوَلايَةُ: مَصْدَرُ الْوَلْي عُقُبًا:
عاقِبَةً وَعُقْبِى وَعُقْبَةً واحِدٌ وَهِيَ الآخِرَةُ، قِبَلاً وَقُبُلاً وَقَبَلاً أَسْتَثْنَافًا. لِيُذْحِضُوا لِيُزيلُوا الدَّحَضُ
الزَّلَقُ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد)
بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: (حدّثنا أبي) إبراهيم (عن صالح) هو ابن
كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (علي بن حسين) بضم
الحاء هو زين العابدين (أن) أباه (حسين بن علي أخبره عن) أبيه (علي رضي الله عنه أن
رسول الله (َّ﴾ طرقه وفاطمة) أي أتاهما ليلاً (قال) ولأبي ذر وقال أي لهما حثًا وتحريضًا (ألا
تصليان) كذا ساقه مختصرًا ولم يذكر المقصود منه هنا جريًا على عادته في التعمية وتشحيذ الأذهان
فأشار بطرفه إلى بقيته وهو قول علي فقلت: يا رسول الله أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا
فانصرف حين قلنا ذلك ولم يرجع إليّ شيئًا ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه وهو يقول ﴿وكان
الإنسان أكثر شيء جدلاً﴾ وهذا يدل على أن المراد بالإنسان الجنس ففيه ردّ على من قال المراد
بالإنسان هنا الكافر لكن في الآية مع قوله: ويجادل الذين كفروا بالباطل إشعار بالتخصيص لأن
ذلك صفة ذم ولا يستحقه إلا من هو له أهل وهم الكفار.
وهذا الحديث قد مر في التهجد من أواخر كتاب الصلاة.
(﴿رجمًا بالغيب﴾) في قوله: ﴿ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجمًا بالغيب﴾
[الكهف: ٢٢] أي (لم يستبن) لهم فهو قول بلا علم وقد حكي ثلاثة أقوال في اختلاف الناس

٣٧٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
في عددهم، فمنهم من قال ثلاثة رابعهم كلبهم قيل وهو قول اليهود، وقيل هو قول السيد من
نصارى نجران وكان يعقوبيّا. وقال النصارى أو العاقب منهم خمسة سادسهم كلبهم وقد أتبع
هذين القولين بقوله رجمًا بالغيب، وقال المسلمون بأخبار الرسول سبعة وثامنهم كلبهم ورجمًا
يجوز كونه مفعولاً من أجله وكونه في موضع الحال أي ظانين وقوله رجمًا الخ ساقط لأبي ذر.
(يقال ﴿فرطًا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وكان أمره فرطًا﴾ [الكهف: ٢٨] أي (ندمًا) وهذا
وصله الطبري من طريق داود بن أبي هند بلفظ ندامة وقال أبو عبيدة تضييعًا وإسرافًا وسقط قوله
يقال لغير أبي ذر.
((سرادقھا﴾) في قوله: ﴿إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها﴾ [الكهف: ٢٩]
والضمير يرجع إلى النار والمعنى أن سرادق النار (مثل السرادق والحجرة) بالراء (التي تطيف
بالفساطيط) أي تحيط بها والفساطيط جمع فسطاط وهي الخيمة العظيمة والسرداق الذي يمدّ فوق
صحن الدار ويطيف به وقيل سرادقها دخانها وقيل حائط من نار.
(﴿يحاوره﴾) في قوله تعالى: ﴿قال له صاحبه وهو يحاوره﴾ [الكهف: ٣٧] هو (من
المحاورة) وهي المراجعة.
(﴿لكنا هو الله ربي﴾ أي لكن أنا هو الله ربي) كما كتبت في مصحف أبي بإثبات أنا (ثم
حذف الألف) التي هي صورة الهمزة والهمزة (وأدغم إحدى النونين في الأخرى) عند التقاء
المثلين وقوله ثم حذف الألف يحتمل أن يكون بنقل حركة الهمزة لنون لكن أو حذفت من غير
نقل على غير قياس قال في الدور الأول: أحسن الوجهين. وقال في المصابيح: قول بعضهم
نقلت حركة الهمزة إلى النون ثم حذفت على القياس في التخفيف ثم سكنت النون وأدغمت
مردود لأن المحذوف لعلة بمنزلة الثابت ولهذا تقول هذا قاض بالكسر لا بالرفع لأن حذف الياء
للساكنين فهي مقدرة الثبوت فيمتنع الإدغام لأن الهمزة فاصلة في التقدير.
(﴿وفجرنا خلالهما نهرًا﴾﴾ [الكهف: ٣٣] (يقول بينهما نهرًا) وهذه ساقطة لغير أبي ذر.
(﴿زلقًا﴾) في قوله تعالى: ﴿فتصبح صعيدًا زلقًا﴾ [الكهف: ٤٠] (لا يثبت فيه قدم) لكونها
أرضًا ملساء بل يزلق عليها وهذه ساقطة لأبي ذر أيضًا.
(﴿هنالك الولاية﴾) بكسر الواو ولأبي ذر الولاية بفتحها لغتان بمعنى أو الكسر من الإمارة
والفتح من النصرة وبالكسر قرأ حمزة والكسائي وهي (مصدر الولي) ولأبي ذر مصدر ولي بغير ألف
ولام وفي رواية مصدر ولي الولي ولاء قال في الفتح والأول أصوب والمعنى النصرة في ذلك المقام
الله وحده لا يقدر عليها غيره.
(﴿عقبًا﴾) في قوله: ﴿هو خير ثوابًا وخير عقبًا﴾ [الكهف: ٤٤] أي (عاقبة وعقبى وعقبة
واحد وهي الآخرة) وقرأ عاصم وحمزة عقبًا بسكون القاف والباقون بضمها فقيل هما لغتان

٣٧٤
٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
كالقدس والقدس أو الضم الأصل والسكون تخفيف منه وكلاهما بمعنى العاقبة وهذا ساقط لأبي
ذر.
(قبلاً) بكسر القاف وفتح الموحدة (﴿وقبلاً﴾) بضمهما وبه قرأ الكوفيون وبالأول الباقون
(وقبلاً) بفتحهما (استئنافًا) قال أبو عبيدة قوله أو يأتيهم العذاب قبلاً أي أوّلاً فإن فتحوا أوّلها
فالمعنى استئنافًا، فقول السفاقسي لا أعرف هذا التفسير إنما هو استقبالاً وهو عود على قبلاً بفتح
القاف يقال عليه قد عرفه أبو عبيدة ومن عرف حجة على من لم يعرف وفسر الجمهور الأول
بمعنى عيان والضم بأنه جمع قبيل بمعنى أنواع وانتصابه على الحال من الضمير أو العذاب.
(﴿ليدحضوا﴾) أي (ليزيلوا) بالجدال الحق عن موضعه ويبطلوه (الدحض) بفتح الحاء هو
(الزلق) الذي لا يثبت فيه خف ولا حافر وسقط لأبي ذر الدحض الزلق.
٢ - باب ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ
حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أوْ أَمْضِي حُقُبًا﴾ زَمانًا وَجَمْعُهُ أُخْقابٌ
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ﴿وإذ قال موسى﴾ نصب باذكر مقدرًا (﴿لفتاه﴾)
يوشع بن نون وإنما قيل فتاه لأنه كان يخدمه ويتبعه أو كان يأخذ منه العلم (﴿لا أبرح﴾) يجوز أن
تكون ناقصة فتحتاج إلى خبر أي لا أبرح أسير فحذف الخبر لدلالة حاله وهو السفر عليه لكن
نص بعضهم أن حذف خبر هذا الباب لا يجوز ولو بدليل إلا لضرورة كقوله:
لهفي عليك كلهفة من خائف يبغي جوارك حين لات مجير
ويجوز أن تكون تامة فلا تحتاج إلى خبر والمعنى لا أبرح ما أنا عليه بمعنى ألزم المسير
والطلب حتى أبلغ كما تقول لا أبرح المكان قيل فعلى هذا يحتاج إلى حذف مفعول به فالحذف لا
بد منه على التقديرين. (﴿حتى أبلغ مجمع البحرين﴾) المكان الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر وهو
ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق، وقول القرطبي وغيره من المفسرين والشراح نقلاً عن
ابن عباس المراد بمجمع البحرين اجتماع موسى والخضر لأنهما بحرا علم أحدهما في الشرعيات
والآخر في الباطن وأسرار الملكوت غير ثابت ولا يقتضيه اللفظ ولا ينفي عن موسى علم أسرار
الملكوت كما لا يخفى وقد قال الزمخشري أنه من بدع التفاسير (﴿أو أمضي حقبًا﴾)
[الكهف: ٦٠] أي (زمانًا) طويلاً (وجمعه أحقاب) أو الحقب ثمانون سنة أو سبعون أو الدهر.
٤٧٢٥ - حدّثنا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينارٍ، قالَ: أَخْبَرَنِي سَعيدُ بْنُ
جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لايْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ نَوْفًا الْبِكالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسى صاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسى
صاحِبَ بَنِي إِسْرائِيلَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَذَبَ عَدُوُ اللَّهِ حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ
رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((إنَّ مُوسى قامَ خَطيبًا في بَنِي إِسْرائِيلَ فَسُئِلَ أيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقالَ: أَنَا

١
٣٧٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ إِنَّ لِي عَبْدَا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ
قالَ مُوسى: يا رَبِّ فَكَيْفَ لي بِهِ؟ قالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ
الْحُوتَ فَهُوَ ثَمَّ فَأخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ ثُمَّ أَنَّطَلَقَ وَأَنْطَلَقَ مَعَهُ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، حَتَّى إِذا
أَتَيَا الصَّخْرَةَ وَضَعا رُؤُوسَهُما فَناما وَأَضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنْهُ فَسَقَطَ فِي الْبَخْرِ
فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في الْبَحْرِ سَرَبًا وَأمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الْحُوتِ جِرْيَةَ الْماءِ فَصارَ عَلَيْهِ مِثْلَ الطَّاقِ فَلَمَّا
اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صاحِبُهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِالْحُوتِ فَأَنْطَلَقا بقِيَّةً يَوْمِهِما وَلَيْلَتِهِما حَتَّى إذا كانَ مِنَ الْغَدِ قَالَ
مُوسى لِفَتاهُ: آتِنَا غَداءَنا لَقَدْ لَقينا مِنْ سَفَرِنا هَذا نَصَبًا، قالَ: وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جاوَزَ
الْمَكَانَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، فَقالَ لَهُ فَتَاهُ: أَرَأَيْتَ إذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسيتُ الْحُوتَ وَما
أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ، أَنْ أذْكُرَهُ وَأَتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا قالَ: فَكانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا وَلِمُوسى
وَلِفَتَاهُ عَجَبًا فَقَالَ مُوسى: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِي فَأَرْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا قالَ: رَجَعا يَقُصَّانِ آثَارَهُما
حَتَّى أَنْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ فَإِذا رَجُلٌ مُسَجِىٌّ ثَوْبًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى، فَقالَ الْخَضِرُ: وَأَنِى بِأَرْضِكَ
السَّلامُ قالَ: أَنَا مُوسى قالَ مُوسى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قالَ: نَعَمْ. أَتَيْتُكَ لتُعَلِّمَني مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا
قالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعي صَبْرًا يا مُوسى إِنْي عَلى عِلْمٍ مِنْ الله عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ أَنْتَ وَأَنْتَ عَلى
عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ الله عَلَّمَكَ اللَّهُ لا أعْلَمُهُ فَقالَ مُوسى: سَتّجِدُني إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ
أمْرًا فَقالَ لَهُ الْخَضِرُ: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ حَتَّى أُحدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا فَأَنَطَلَقا يَمْشِيانٍ
عَلى ساحِلِ الْبَحْرِ فَمَرَّتْ سَفينَةٌ فَكَلَّمُوهُمْ أنْ يَحْمِلُوهُمْ فَعَرَفُوا الْخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ فَلَمَّا رَكِبا
في السَّفينَةِ لَمْ يَفْجَأُ إِلاَّ وَالْخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنْ ألْوَاحِ السَّفِينَةِ بِالْقَدُومِ فَقالَ لَهُ مُوسى قَوْمٌ
حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إلى سَفينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا قالَ: أَلَمْ أَقُلْ
إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعيَ صَبْرًا؟ قالَ: لا تُؤَاخِذْنِي بِما نَسيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أمْرِي عُسْرًا،)) قالَ:
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ ((وَكَانَتِ الأُولى مِنْ مُوسى نِسْيانًا، قالَ: وَجاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفٍ
السَّفِينَةِ فَتَقَرَ فِي الْبَحْرِ نَقْرَةً فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: ما عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلاَّ مِثْلُ ما نَقَصَ هذَا
الْعُصْفُورُ مِنْ هذا الْبَجْرِ ثُمَّ خَرَجا مِنَ السَّفينَةِ فَبَيْنا هُما يَمْشِيانِ عَلَى السَّاحِلِ إِذْ أَبْصَرَ الْخَضِرُ
غُلامًا يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَ الْخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسى أقَتَلْتَ نَفْسًا
زَاكِيَةٌ؟ بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعَيَ صَبْرًا؟ قالَ: وَهذَا
أشَدُّ مِنَ الأُولى قالَ: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا فَأَنْطَلَقًا
حَتَّى إذا أتَيَا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأَبَوْا أنْ يُضَيِفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدَارًا يُريدُ أنْ يَنْقَضَّ قالَ
مائِلٌ فَقَامَ الْخَضِرُ فَأَقَامَهُ بِيَدِهِ فَقالَ مُوسى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطعِمُونا وَلَمْ يُضَيِّفُوْنا لَوْ شِئْتَ
لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا قالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾)»

٣٧٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
[الكهف: ٨٢] فَقالَ رَسُولُ اللَّهُ وَّهِ: ((وَدِذْنا أنَّ مُوسى كانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِنْ خَبَرِهِما))
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَكانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ وَكَانَ أمامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا وَكَانَ يَقْرَأُ
﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبُواهُ مُؤْمِنَيْنٍ﴾ [الكهف: ٨٠].
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا
عمرو بن دينار قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس إن نوفًا البكالي) بفتح
النون وسكون الواو وبالفاء المفتوحة والبكالي بكسر الموحدة وتخفيف الكاف وتشدّد وهو الذي في
اليونينية وغيرها ابن فضالة بفتح الفاء والمعجمة ابن امرأة كعب ولأبي ذر البكالي بفتح الموحدة
(يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل) وإنما هو موسى بن
ميشا بن إفراثيم بن يوسف بن يعقوب (فقال ابن عباس: كذب عدوّ الله) نوف خرج منه مخرج
الزجر والتحذير لا القدح في نوف لأن ابن عباس قال ذلك في حال غضبه وألفاظ الغضب تقع
على غير الحقيقة غالبًا وتكذيبه له لكونه قال غير الواقع ولا يلزم منه تعمده (حدّثني) بالإفراد
(أبي بن كعب) الأنصاري (أنه سمع رسول الله وي يقول):
(إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل) نص في أن موسى صاحب بني إسرائيل ففيه رد
على نوف البكالي (فسئل أي الناس أعلم) أي منهم (فقال أنا) أي أعلم الناس قاله بحسب اعتقاده
لأنه نبي ذلك الزمان ولا أحد في زمانه أعلم منه فهو خبر صادق على المذهبين على قول من قال
صدق الخبر مطابقته لاعتقاد المخبر ولو أخطأ وهذا في غاية الظهور وعلى قول من قال صدق الخبر
مطابقته للواقع فهو إخبار عن ظنه الواقع له إذ معناه أنا أعلم في ظني واعتقادي وهو كان يظن
ذلك قطعًا فهو مطابق للواقع وهذا الذي قالوه هنا أبلغ من قوله في باب الخروج في طلب العلم
هل تعلم أن أحدًا أعلم منك فقال لا فإنه نفي هناك علمه وهنا على البت (فعتب الله عليه إذ)
بسكون الذال للتعليل (لم يرد العلم إليه) فيقول نحو الله أعلم كما قالت الملائكة لا علم لنا إلا ما
علمتنا وعتب الله عليه لئلا يقتدي به فيه من لم يبلغ كماله في تزكية نفسه وعلوّ درجته من أمته
فيهلك لما تضمنه من مدح الإنسان نفسه ويورثه ذلك من الكبر والعجب والدعوى وإن نزه عن
هذه الرذائل الأنبياء فغيرهم بمدرجة سيلها ودرك ليلها إلا من عصمه الله فالتحفظ منها أولى لنفسه
وليقتدى به، ولهذا قال نبينا ◌َ﴿ تحفظًا من مثل هذا مما قد علم به أنا سيد ولد آدم ولا فخر
ووجه الرد عليه فيما ظنه كما ظن نبينا وَير أنه لم يقع منه نسيان في قصة ذي اليدين (فأوحى الله)
عز وجل (إليه) إلى موسى (إن لي عبدًا بمجمع البحرين) هو الخضر عليه السلام ولأبي ذر عن
الحموي والمستملي عند مجمع البحرين (هو أعلم منك) بشيء مخصوص لا يقتضي أفضليته به على
موسى كيف وموسى عليه السلام جمع له بين الرسالة والتكليم والتوراة وأنبياء بني إسرائيل داخلون
كلهم تحت شريعته وغاية الخضر أن يكون كواحد منهم (قال موسى: يا رب فكيف لي به؟) أي
كيف يتهيأ ويتيسر لي أن أظفر به (قال: تأخذ معك حوتًا) من السمك (فتجعله في مكتل) بكسر

٣٧٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
الميم وفتح الفوقية الزنبيل الكبير ويجمع على مكاتل (فحيثما فقدت الحوت) بفتح القاف أي تغيب
عن عينيك (فهو) أي الخضر (ثم) بفتح المثلثة أي هناك (فأخذ) موسى (حوتًا فجعله في مكتل)
كما وقع الأمر به (ثم انطلق وانطلق معه بفتاه) ولأبي ذر عن الكشميهني معه فتاه (يوشع بن نون)
بالصرف كنوح (حتى إذا أتيا الصخرة) التي عند مجمع البحرين (وضعا رؤوسهما فناما) بالفاء ولأبي
ذر عن الحموي والمستملي وناما (واضطرب الحوت) أي تحرّك (في المكتل) لأنه أصابه من ماء عين
الحياة الكائنة في أصل الصخرة شيء إذ إصابتها مقتضية للحياة (فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ
سبيله) أي طريقه (في البحر سربًا) أي مسلكًا (وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل
الطاق) أي مثل عقد البناء وعند مسلم من رواية أبي إسحق فاضطرب الحوت في الماء فجعل يلتئم
عليه حتى صار مثل الكوّة (فلما استيقظ) موسى (نسي صاحبه) يوشع (أن يخبره بالحوت) أي بما
كان من أمره (فانطلقا) سائرين (بقية يومهما وليلتهما) بنصب الفوقية (حتى إذا كان من الغد قال
موسى لفتاه) يوشع (آتنا غداءنا) بفتح الغين ممدود أي طعامنا الذي نأكله أوّل النهار (لقد لقينا من
سفرنا هذا نصبًا) أي تعبًا ومراده السير بقية اليوم والذي يليه وفي الإشارة بهذا إشعار بأن هذا
المسير كان أتعب لهما مما سبق فإن رجاء المطلوب يقرب البعيد والخيبة تبعد القريب ولذا (قال ولم
يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمر الله به) فألقى عليه الجوع والنصب (فقال له فتاه)
يوشع (أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت) أي فإني نسيت أن أخبرك بخبر الحوت
ونسب النسيان لنفسه لأن موسى كان نائمًا إذ ذاك، وكره يوشع أن يوقظه ونسي أن يعلمه بعد لما
قدره الله تعالى عليهما من الخطى.
ومن كتبت عليه خطى مشاها.
(وما أنسانيه) أي وما أنساني ذكره (إلا الشيطان أن أذكره) نسبه للشيطان تأذبًا مع الباري
تعالى إذ نسبة النقص للنفس والشيطان أليق بمقام الأدب (واتخذ سبيله في البحر عجبًا) يجوز أن
يكون عجبًا مفعولاً ثانيًا لاتخذ أي واتخذ سبيله في البحر سبيلاً عجبًا وهو كونه كالسرب والجار
والمجرور متعلق باتخذ وفاعل اتخذ قيل الحوت وقيل موسى أي اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر
عجبًا (قال فكان) دخول الحوت في الماء (للحوت سربًا) مسلكًا (ولموسى ولفتاه عجبًا) وهو أن
أثره بقي إلى حيث سار أو جمد الماء تحته أو صار صخرًا أو ضرب بذنبه فصار المكان يبسًا وعند
ابن أبي حاتم من طريق قتادة قال: عجب موسى أن تسرب حوت مملح في مكتل (فقال موسى)
ليوشع (ذلك) الذي ذكرته من حياة الحوت ودخوله في البحر (ما كنا نبغي) أي الذي نطلبه إذ هو
آية على المطلوب (فارتدا على آثارهما قصصًا قال رجعا) في الطريق الذي جاءا فيه (يقصان آثارهما)
قصصًا أي يتبعان آثار سيرهما اتّباعًا. قال صاحب الكشف فيما حكاه الطيبي عنه قصصًا مصدر
لفعل مضمر يدل عليه فارتدا على آثارهما إذ معنى فارتدا على آثارهما واقتصا الأثر واحد (حتى
انتهيا إلى الصخرة) أي التي فعل فيها الحوت ما فعل كما عند النسائي في روايته فذهبا يلتمسان
الخضر (فإذا رجل) نائم (مسجّى ثوبًا) بضم الميم وفتح المهملة وتشديد الجيم منوّنة ولأبي ذر عن

٣٧٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
الكشميهني بثوب أي مغطى كله به، ولمسلم مسجى ثوبًا مستلقيًا على القفا ولعبد بن حميد من
طريق أبي العالية فوجده نائمًا في جزيرة من جزائر البحر ملتفًا بكساء (فسلّم عليه موسى فقال
الخضر) أي بعد أن كشف وجهه كما في الرواية الآتية هنا إن شاء الله تعالى (وأني) بفتح الهمزة
والنون المشدّدة أي وكيف (بأرضك السلام) وفي الرواية الآتية وهل بأرضي من سلام وفيه دلالة
على أن أهل تلك الأرض لم يكونوا مسلمين أو كانت تحيتهم غيره (قال أنا موسى) في الآتية قال:
من أنت؟ قال: أنا موسى (قال): أي الخضر أنت (موسى بني إسرائيل قال): أي موسى (نعم
أتيتك لتعلمني) وفي الرواية الآتية قال: ما شأنك؟ قال: جئت لتعلمني (مما علمت رشدًا) قال أبو
البقاء: رشدًا مفعول لتعلمني ولا يجوز أن يكون مفعول علمت لأنه لا عائد إذن على الموصول أي
علمًا ذا رشد (قال): أي الخضر لموسى (إنك لن تستطيع معي صبرًا) نفى عنه استطاعة الصبر معه
على وجوه من التأكيد وهو علة لمنعه من اتّباعه فإن موسى عليه الصلاة والسلام لما قال هل أتبعك
على أن تعلمني كأنه قال: لا لأنك لن تستطيع معي صبرًا وعبّر بالصيغة الدالة على استمرار النفي
لما أطلعه الله عليه من أن موسى لا يصبر على ترك الإنكار إذا رأى ما يخالف الشرع لمكان
عصمته. قال الخضر عليه الصلاة والسلام: (يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه)
جميعه (أنت وأنت على علم من علم الله علمك الله) ولأبي ذر عن الكشميهني علمكه الله (لا
أعلمه) جميعه وهذا التقدير أو نحوه واجب لا بدّ منه، وقد غفل بعضهم عن ذلك فقال في مجموع
له لطيف في الخصائص النبوية أن من خصائص نبينا وَّله أنه جمعت له الشريعة والحقيقة ولم يكن
للأنبياء إلا إحداهما بدليل قصة موسى مع الخضر، وقوله: إني على علم لا ينبغي لك أن تعلمه
وأنت على علم لا ينبغي لي أن أعلمه وهذا الذي قاله يلزم منه خلوّ أولي العزم عليهم الصلاة
والسلام غير نبينا من علم الحقيقة الذي لا ينبغي خلو بعض آحاد الأولياء عنه وإخلاء الخضر عليه
الصلاة والسلام من علم الشريعة الذي لا يجوز لآحاد المكلفين الخلوّ عنه، وهذا لا يخفى ما فيه
من الخطر العظيم، واحتج لذلك بقوله: إنه أراد الجمع في الحكم والقضاء تمسكًا بحديث السارق
في زمنه وَّيه قال اقتلوه فقيل: إنما سرق فقال اقطعوه إلى أن أتى على قوائمه الأربع ثم سرق في
زمن الصديق بفيه فأمر بقتله. قلت: وهو مروي عند الدارقطني من حديث جابر بلفظ: إن
النبي ◌َّهه أتي بسارق فقطع يده ثم أُتي به ثانيًا فقطع رجله ثم أتي به ثالثًا فقطع يده ثم أتي به رابعًا
فقطع رجله ثم أتي به خامسًا فقتله، وفيه محمد بن يزيد بن سبأ، وقال الدارقطني فيما حكاه
الحافظ ابن حجر في أمالي الرافعي أنه ضعيف قال: ورواه أبو داود والنسائي بلفظ: جيء بسارق
إلى رسول الله وَلهو فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله إنما سرق قال اقطعوه فقطع ثم جيء به
الثانية فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله إنما سرق قال: اقطعوه فذكره كذلك قال: فجيء به
الخامسة فقال: اقتلوه. قال جابر: فانطلقنا به إلى مربد النعم فاستلقى على ظهره فقتلناه ثم اجتررناه
فألقيناه في بئر ورمينا عليه الحجارة، وفي إسناده مصعب بن ثابت، وقد قال النسائي ليس بالقوي،
وهذا الحديث منكر ولا أعلم فيه حديثًا صحيحًا. ورواه النسائي والحاكم عن الحارث بن حاطب

٣٧٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
الجمحي وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن زيد الجهني، وقال ابن عبد البر: حديث القتل منكر
لا أصل له، وقال الشافعي: منسوخ لا خلاف فيه عند أهل العلم اهـ.
وهذا لا دلالة فيه أصلاً على ما ادعاه من مراده على ما لا يخفى، ولئن سلمنا ذلك كان عليه
أن يلحق ذلك في مجموعه المذكور عقب قوله ذلك ليسلم من وصمة الإطلاق إذ المراد لا يدفع
الإيراد لكنا لا نسلمه فتأمله.
(فقال موسى: ستجدني إن شاء الله صابرًا) على ما أرى منك غير منكر عليك وعلق الوعد
بالمشيئة للتيمن أو علمًا منه بشدّة الأمر وصعوبته فإن مشاهدة الفساد شيء لا يطاق. (ولا أعصي
لك أمرًا) أي ولا أخالفك في شيء (فقال له الخضر فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء) تنكره مني
ولم تعلم وجه صحته (حتى أحدث لك منه ذكرًا) حتى أبدأك أنا به قبل أن تسألني (فانطلقا) لما
توافقا واشترط عليه أن لا يسأله عن شيء أنكره عليه حتى يبدأ به (يمشيان على ساحل البحر
فمرت سفينة فكلموهم) أي موسى والخضر ويوشع كلموا أصحاب السفينة (أن يحملوهم فعرفوا)
أي أصحاب السفينة (الخضر فحملوه) أي الخضر ومن معه ولأبي ذر فحملوهم، وله أيضًا فحملوا
أي الثلاثة وهو مبني لما لم يسم فاعله (بغير نول) بفتح النون بغير أجر إكرامًا للخضر (فلما ركبا)
موسى والخضر (في السفينة) لم يذكر يوشع لأنه تابع غير مقصود بالإصالة (لم يفجأ) موسى عليه
الصلاة والسلام بعد أن صارت السفينة في لجة البحر (إلا والخضر قد قلع لوحًا من ألواح السفينة
بالقدوم) بفتح القاف وضم الدال المهملة المخففة فانخرقت (فقال له موسى) منكرًا عليه بلسان
الشريعة هؤلاء (قوم حملونا) ولأبي ذر: قد حملونا (بغير نول عمدت) بفتح الميم (إلى سفينتهم
فخرقتها لتغرق أهلها) قيل اللام في لتغرق للعلة ورجح كونها للعاقبة كقوله:
لدوا للموت وابنوا للخراب
(لقد جئت شيئًا إمرًا) عظيمًا أو منكرًا (قال) الخضر مذكرًا لما مر من الشرط (ألم أقل أنك لن
تستطيع معي صبرًا) استفهام إنكاري. (قال) موسى للخضر (لا تؤاخذني بما نسيت) من وصيتك.
وفي هذا النسيان أقوال:
أحدها: أنه على حقيقته لما رأى فعله المؤدي إلى إهلاك الأموال والأنفس فلشدة غضبه لله
نسي ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث قريبًا وكانت الأولى من موسى نسيانًا.
الثاني: أنه لم ينس ولكنه من المعاريض وهو مروي عن ابن عباس لأنه إنما رأى العهد في
أن يسأل لا في إنكار هذا الفعل فلما عاتبه الخضر بقوله: إنك لن تستطيع قال: لا تؤاخذني بما
نسيت أي في الماضي ولم يقل أني نسيت وصيتك.
الثالث: أن النسيان بمعنى الترك وأطلقه عليه لأن النسيان سبب للترك إذ هو من ثمراته أي لا
تؤاخذني بما تركته مما عاهدتك عليه فإن المرة الواحدة معفوّ عنها ولا سيما إذا كان لها سبب ظاهر.

٣٨٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة الكهف
(ولا ترهقني من أمري عسرًا) لا تضايقني بهذا القدر فتعسر مصاحبتك أو لا تكلفني ما لا
أقدر عليه (قال) أبي بن كعب (وقال رسول الله وَل﴿ وكانت الأولى) ولأبي ذر عن الكشميهني
وكانت في الأولى (من موسى نسيانًا. قال وجاء عصفور) بضم العين (فوقع على حرف السفينة
فنقر في البحر نقرة فقال له) أي لموسى (الخضر ما علمي وعلمك من علم الله) أي من معلومه،
ولأبي ذر عن الحموي والمستملي في علم الله (إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر)
ونقص العصفور لا تأثير له فكأنه لم يأخذ شيئًا ولا ريب أن علم الله لا يدخله نقص (ثم خرجا
من السفينة) بعد أن اعتذر موسى له وسأله أن لا يرهقه من أمره عسرًا وقبل عذره وأجاب سؤاله
وأدامه على الصحبة (فبينا) بغير ميم (هما يمشيان على الساحل إذ بصر الخضر) بفتح الموحدة وضم
الصاد المهملة (غلامًا يلعب مع الغلمان) قيل اسمه جيسور وقيل حيسور وقيل حنسور وقيل
حيسون وقيل شمعون وقيل غير ذلك مما لم يثبت ولعل المفسرين نقلوه من كتب أهل الكتاب
(فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده) ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني برأسه فاقتلعه (فقتله فقال
له موسى) لما شاهد ذلك منه منكرًا عليه أشد من الأول (أقتلت نفسًا زاكية) بالألف والتخفيف
وهي قراءة الحرميين وأبي عمرو واسم فاعل من زكا أي طاهرة من الذنوب ووصفها بهذا الوصف
لأنه لم يرها أذنبت أو لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث لكن قوله (بغير نفس) يردّه إذ لو كان لم يحتلم لم
يجب قتله بنفس ولا بغير نفس وقرأه الباقون بالتشديد من غير ألف أخرجوه إلى فعيلة للمبالغة لأن
فعيلاً المحوّل من فاعل يدل على المبالغة. وحكى القرطبي عن صاحب العروس والعرائس أن
موسى عليه الصلاة والسلام لما قال للخضر أقتلت نفسًا زاكية غضب الخضر واقتلع كتف الصبي
الأيسر وقشر اللحم عنه وإذا في عظم كتفه مكتوب كافر لا يؤمن بالله أبدًا. (لقد جئت شيئًا
نكرًا) منكرًا تنكره العقول وتنفر عنه النفوس وهو أبلغ في تقبيح الشيء من الأمر وقيل بالعكس
لأن الأمر هو الداهية العظيمة (قال) الخضر (ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا) قال في
الكشاف: فإن قلت: ما معنى زيادة لك قلت زيادة المكافحة بالعتاب على رفض الوصية والوسم
بقلة الصبر عند الكرة الثانية. (قال) أي سفيان بن عيينة كما في كتاب العلم (وهذا) ولأبوي ذر
والوقت والأصيلي هذه (أشد من الأولى) لما فيها من زيادة لك (قال) موسى له (إن سألتك عن
شيء بعدها) أي بعد هذه المرة أو بعد هذه القصة فأعاد الضمير عليها وإن كانت لم يتقدم لها ذكر
صريح حيث كانت في ضمن القول (فلا تصاحبني) وإن طلبت صحبتك (قد بلغت من لدني
عذرًا) أي قد أعذرت إلّ مرة بعد أخرى فلم يبق موضع للاعتذار (فانطلقا) بعد المرتين الأوليين
(حتى إذا أنيا أهل قرية) قيل هي أنطاكية أو أذربيجان أو الأبلّة أو بوقة أو ناصرة أو جزيرة
الأندلس. قال في الفتح وهذا الاختلاف قريب من الاختلاف في المراد بمجمع البحرين وشدّة
التباين في ذلك تقتضي أن لا يوثق بشيء من ذلك وعند مسلم من رواية أبي إسحق أهل قرية
لئامًا أي بخلاء فطافا المجالس (استطعما أهلها) واستضافوهم (فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها
جدارًا) عرضه خمسون ذراعًا في مائة ذراع بذراعهم قاله الثعلبي وقال غيره سمكه مائتا ذراع وظله