النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
كتاب تفسير القرآن/ سورة النحل
وقوله تعالى: ﴿وإن لكم في﴾ ((الأنعام لعبرة﴾) [النحل: ٦٦]. (وهي) أي الأنعام (تؤنث
وتذكر وكذلك النعم) تذكر وتؤنث (الأنعام) هي (جماعة النعم) ولغير أبي ذر وكذلك النعم للأنعام
بحرف الجر جماعة النعم ومعنى لعبرة أي دلالة يعبر بها من الجهل إلى العلم وذكر الضمير ووحده
هنا في قوله: ﴿نسقيكم مما في بطونه﴾ [النحل: ٦٦] للفظ وأنثه في سورة المؤمنين للمعنى فإن
الأنعام اسم جمع ولذلك عده سيبويه في المفردات المبنية على أفعال كأخلاق، ومن قال إنه جمع نعم
جعل الضمير للبعض فإن اللبن لبعضها دون جميعها أو لواحده أو له على المعنى فإن المراد به
الجنس قاله في الأنوار.
(﴿أكنانًا﴾) يشير إلى قوله: ﴿وجعل لكم من الجبال أكنانًا﴾ [النحل: ٨١] (واحدها كن)
بكسر الكاف (مثل حمل وأحمال) بكسر الحاء المهملة أي جعل مواضع تسكنون بها من الكهوف
والبيوت المنحوتة فيها، وهذا ثابت لأبي ذر.
(﴿سرابيل)) هي (قمص) بضم القاف والميم جمع قميص (﴿تقيكم الحر﴾) أي والبرد
وخص الحر بالذكر اكتفاء بأحد الضدين عن الآخر أو لأن وقاية الحر كانت عندهم أهم ولأبي ذر
هنا والقانت المطيع قاله ابن مسعود فيما رواه ابن مردويه وفي رواية أبي ذر في نسخة أخرة بعد
قوله وقال ابن مسعود الأمة معلم الخير وهي الأولى (وأما ﴿سرابيل تقيكم بأسكم﴾ فإنها الدروع)
[النحل: ٨١] والسربال يعم كل ما لبس من قميص أو درع أو جوشن أو غيره.
(﴿دخلاً بينكم﴾) [النحل: ٩٢]. قال أبو عبيدة (كل شيء لم يصح فهو دخل) بفتح الخاء
وقيل الدخل والدغل الغش والخيانة وقيل الدخل ما أدخل في الشيء على فساد وقيل أن يظهر
الوفاء ويبطن الغدر والنقص.
(قال) ولأبي ذر وقال: (ابن عباس) فيما وصله الطبري بإسناد صحيح في قوله تعالى:
(﴿حفدة) من ولد الرجل) أي ولد ولده أو بناته فإن الحافد هو المسرع في الخدمة والبنات يخدمن
في البيوت أتم خدمة أو هم البنون أنفسهم والعطف لتغاير الوصفين أي جعل لكم بنين خدمًا
وقيل الحفدة الأصهار قال:
فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت لها حفد مما يعدّ كثير
لكنها نفس عليّ أبية عيوف الأصهار اللئام قذور
(﴿السكر﴾) في قوله تعالى: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرًا﴾
[النحل: ٦٧] (ما حرم من ثمرتها) أي من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرهما والسكر
مصدر سمي به الخمر يقال: سكر يسكر سكرًا وسكرًا نحو: رشد يرشد رشدًا ورشدًا قال:
وجاؤونا لهم سكر علينا فأجلى اليوم والسكران صاحي

٣٤٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة النحل
(والرزق الحسن) في قوله تعالى: ﴿ورزقًا حسنًا﴾ (ما أحل الله) ولأبي ذر ما أحل بضم الهمزة
مبنيًا للمفعول وحذف الفاعل للعلم به وهو كالتمر والزبيب والدبس والخل والآية إن كانت سابقة
على تحريم الخمر فدالة على كراهتها وإلا فجامعة بين العتاب والمنّة.
(وقال ابن عيينة): سفيان مما وصله ابن أبي حاتم (عن صدقة) أبي الهذيل لا صدقة ابن
الفضل المروزي أي عن السدي كما عند ابن أبي حاتم في قوله تعالى: (﴿أنكاثًا﴾) قال (هي) امرأة
اسمها (خرقاء) كانت بمكة (كانت إذا أبرمت غزلها نقضته).
وفي تفسير مقاتل أن اسمها ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم وعند
البلاذري أنها والدة أسد بن عبد العزى بن قصي وأنها بنت سعد بن تميم بن مرّة عند غيره؛
وكان بها وسوسة وأنها اتخذت مغزلاً بقدر ذراع وصنارة مثل الأصبع وفلكة عظيمة على قدرهما،
وفي غرر التبيان أنها كان تتغزل هي وجواريها من الغداة إلى نصف النهار ثم تأمرهن بنقض ذلك
كله، فهذا كان دأبها، والمعنى أنها لم تكف عن العمل ولا حين عملت كفت عن النقض فكذلك
أنتم إذا نقضتم العهد لا كففتم عن العهد ولا حين عهدتم وفيتم به أنكاثا نصب على الحال من
غزلها أو مفعول ثان لنقضت فإنه بمعنى صيرت.
(وقال ابن مسعود): فيما وصله الحاكم والفريابي (الأمة) من قوله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان
أمة﴾ [النحل: ١٢٠]. هو (معلم الخير) وفي الكشاف وغيره أنه بمعنى مأموم أي يؤمه الناس
ليأخذوا منه الخير أو بمعنى مؤتم به قال في الأنوار: فإن الناس كانوا يؤمونه للاستفادة ويقتدون
بسيرته لقوله: ﴿إني جاعلك للناس إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] فهو رئيس الموحدين وقدوة المحققين.
(والقانت) هو (المطيع) كما فسره به ابن مسعود أو هو القائم بأمر الله.
وسبق ذکر هذا قريبًا وهذا ثابت لأبي ذر.
١ - باب قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠]
(باب قوله تعالى: ﴿ومنكم من يردّ إلى أرذل العمر﴾) [النحل: ٧٠] أي أردئه أو تسعون
سنة أو ثمانون أو خمس وتسعون أو خمس وثمانون أو خمس وسبعون، وروى ابن مردويه من
حديث أنس أنه مائة سنة.
٤٧٠٧ - حدثنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا هارُونُ بْنُ مُوسَى أَبُو عَبْدِ اللَّه الأَغْوَرُ، عَنْ
شُعَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهَ كَانَ يَدْعُو: ((أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ
وَالْكَسَلِ وَأَزْذَلِ الْعُمُرٍ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيا وَالْمَماتِ)).
وبه قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا هارون بن موسى أبو
عبد اللَّه الأعور) النحوي البصري (عن شعيب) هو ابن الحبحاب بحاءين مهملتين مفتوحتين

٣٤٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
بينهما موحدة ساكنة وبعد الألف موحدة أخرى (عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن
رسول الله ﴿﴿ كان يدعو):
(أعوذ بك من البخل) أي في حقوق المال (و) من (الكسل) وهو التثاقل عما لا ينبغي
التثاقل عنه ويكون لعدم انبعاث النفس للخير مع ظهور الاستطاعة (و) من (أرذل العمر) أي
أخسّه وهو الهرم الذي يشابه الطفولية في نقصان القوّة والعقل وإنما استعاذ منه لأنه من الأدواء
التي لا دواء لها. وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي قال: أرذل العمر هو الخرف، والحاصل
أن كبر السن ربما يورث نقص العقل وتخابط الرأي وغير ذلك مما يسوء به الحال (و) أعوذ بك
من (عذاب القبر) الإضافة هنا إضافة المظروف إلى ظرفه فهو على تقدير في، أي من العذاب في
القبر والأحاديث الصحيحة في إثباته متظاهرة فالإيمان به واجب (و) من (فتنة الدجال) في حديث
أبي أمامة عند أبي داود وابن ماجة خطبنا رسول الله وَّر فذكر الحديث وفيه: أنه لم تكن فتنة في
الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال (و) من (فتنة المحيا والممات) أي زمان الحياة
والموت وهو من أوّل النزع وهلم جرا وأصل الفتنة الامتحان والاختبار، واستعملت في الشرع في
اختبار كشف ما يكره يقال فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتختبر جودته وفتنة المحيا هو ما يعرض
للإنسان في مدّة حياته من الافتتان بالدنيا وشهواتها وأعظمها والعياذ بالله تعالى أمر الخاتمة عند
الموت وفتنة الممات قيل كسؤال الملكين ونحو ذلك مما يقع في القبر، والمراد من شر سؤالهما وإلاّ
فأصل السؤال واقع لا محالة فلا يدعى برفعه فيكون عذاب القبر مسببًا عن ذلك، والسبب غير
المسبب. وقيل: المراد الفتنة قبيل الموت وأضيفت إليه لقربها منه، وكان ◌َّله يتعوّذ من المذكورات
دفعًا عن أمته وتشريعًا لهم ليبين لهم صفة المهم من الأدعية جزاه الله عنا ما هو أهله. وهذا
الحديث أخرجه مسلم في الدعوات.
[١٧] سُورَةُ بَنِي إِسْرائيلَ
([١٧] سورة بني إسرائيل)
مكية قيل إلا قوله: ﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى آخر ثمان آيات، وهي مائة
وعشر آيات، وزاد أبو ذر: بسم الله الرحمن الرحيم وسقطت لغيره.
١ - باب
٤٧٠٨ - حدّثنا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحُقَ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمْنِ بْنَ يَزِيدَ
قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفِ، وَمَرْيَمَ، إِنَّهُنَّ مِنَ الْعِتاقِ
الأُوَلِ، وَهُنَّ مِنْ تِلادِي ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: يَهُزُّونَ. وَقالَ
غَيْرُهُ نَغَضَتْ سِنُكَ: أَيْ تَحَرَّكَتْ. [الحديث ٤٧٠٨ - أطرافه في: ٤٧٣٩ - ٤٩٩٤].

٣٤٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق)
عمرو بن عبد الله السبيعي أنه (قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد) النخعي الكوفي (قال:
سمعت ابن مسعود) عبد الله (رضي الله عنه قال): سورة (بني إسرائيل و) سورة (الكهف
و) سورة (مريم) وزاد في سورة الأنبياء وفضائل القرآن وطه والأنبياء (إنهن من العتاق الأول)
بكسر العين المهملة وتخفيف الفوقية جمع عتيق والعرب تجعل كل شيء بلغ الغاية في الجودة عتيقًا،
والأول بضم الهمزة وفتح الواو المخففة والأولية باعتبار حفظها أو باعتبار نزولها لأنها مكيات
ومراده تفضيل هذه السور لما يتضمن مفتتح كل منها بأمر غريب وقع في العالم خارق للعادة وهو
الإسراء وقصة أصحاب الكهف وقصة مريم قاله الكرماني (وهن من تلادي) بكسر الفوقية وتخفيف
اللام وبعد الألف دال مهملة فتحتية مما حفظته قديمًا ضد الطارف ومراده أنهن من أول ما تعلم
من القرآن وأن لهن فضلاً لما فيهن من القصص وأخبار الأنبياء والأمم كما مرّ، وفي حديث
عائشة عند الإمام أحمد كان رسول الله ويعلو يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزمر.
(﴿فسينغضون إليك رؤوسهم﴾) [الإسراء: ٥١]. (قال ابن عباس): فيما وصله الطبري من
طريق علي بن أبي طلحة عنه معناه (يهزون) رؤوسهم ومن طريق العوفي عنه يحركونها استهزاء،
ولغير أبي ذر قال ابن عباس فسينغضون يهزون.
(وقال غيره): أي غير ابن عباس (نغضت سنك) بفتح الغين المعجمة ولأبي ذر: نغضت
بكسرها (أي تحركت) قاله أبو عبيدة وزاد وارتفعت من أصلها.
٢ - باب
﴿وَقَضَيْنَا إِلى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: ٤] أَخْبَرْنَاهُمْ أَنَّهُمْ سَيُفْسِدُونَ وَالْقَضاءُ عَلَى وُجُوهٍ.
وَقَضِى رَبُّكَ أَمَرَ رَبُّكَ، وَمِنْهُ الْحُكْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ. وَمِنْهُ الْخَلْقُ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمُواتٍ.
نَفِيرًا: مَنْ يَنْفِرُ مَعَهُ، مَيْسُورًا: لَيْنَا. وَلِيُتَبْرُوا: يُدَمْرُوا ما عَلَوْا، حَصِيرًا: مَخْبِسًا: مَخْصَرًا، حَقَّ:
وَجَبَ، مَيْسُورًا: لَيْنَا، خِطْأَ إِثْمًا وَهُوَ اسْمٌ مِنْ خَطِئْتُ وَالْخَطَأُ مَفْتُوحٌ مَصْدَرُهُ مِنَ الإِثْمِ خَطِئْتُ
بِمَغْنى أَخْطَأْتُ. تَخْرِقَ: تَقْطَعَ، وَإِذْ هُمْ نَجْوى مَصْدَرٌ مِنْ نَاجَيْتُ فَوَصَفَهُمْ بِها وَالْمَعْنَى
يَتَنَاجَوْنَ. رُفاتًا: حُطامًا، وَأَسْتَفْزِزْ: إِسْتَخِفَّ بِخَيْلِكَ الْفُرْسَانِ، وَالرَّجْلُ الرَّجَّالَةُ وَاحِدُها راجِلٌ
مِثْلُ صاحِبٍ وَصَخْبٍ وَتَاجِرٍ: وَتَجْرٍ: حاصِبًا: الرِّيحُ الْعاصِفُ. وَالْحَاصِبُ أَيْضًا: ما تَزْمِي بِهِ
الرِّيحُ وَمِنْهُ حَصَبُ جَهَنْمَ يُرْمَى بِهِ فِي جَهَنَّمَ وَهُوَ حَصَبُها، وَيُقالُ: حَصَبَ فِي الأَرْضِ ذَهَبَ،
وَالْحَصَبُ مُشْتَقُّ مِنَ الْحَصْباءِ الْحِجَارَةِ. تارَةً: مَرَّةً وَجَمَاعَتُهُ تَيْرَةٌ وَتَارَاتٌ. لأَحْتَنِكَنَّ: لأَسْتَأْصِلَنَّهُمْ
يُقالُ: أَخْتَكَ فُلانٌ ما عِنْدَ فُلانٍ مِنْ عِلْم أَسْتَقْصاهُ. طائِرَهُ: حَظَّهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلُّ سُلْطانٍ
فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ حُجَّةٌ. وَلِيٍّ مِنَ الذُّلْ لَمْ يُخَالِفْ أَحَدًا.

٣٤٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
(﴿وقضينا إلى بني إسرائيل)) [الإسراء: ٤]. قال أبو عبيدة أي (أخبرناهم أنهم سيفسدون)
والمرتين في الآية أولاهما قتل زكريا وحبس أرمياء حين أنذرهم سخط الله والآخرة قتل يحيى بن
زكريا وقصد قتل عيسى ابن مريم (والقضاء) يأتي (على وجوه) كثيرة (﴿وقضى ربك))
[الإسراء: ٣] أي (أمر ربك) أمرًا مقطوعًا به، وسقط: ربك لأبي ذر (ومنه الحكم) كقوله تعالى:
(﴿إن ربك يقضي بينهم﴾) [يونس: ٩٣]. أي يحكم بينهم (ومنه الخلق) كقوله تعالى: (﴿فقضاهن
سبع سموات﴾) [فصلت: ١٢]. زاد أبو ذر: خلقهن.
(﴿نفيرًا﴾) في قوله: ﴿وجعلناكم أكثر نفيرًا﴾ [الإسراء: ٦] قال أبو عبيدة أصله (من ينفر
معه) أي مع الرجل من قومه وعشيرته وقيل جمع نفر وهم المجتمعون للذهاب إلى العدوّ، وفاء
ينفر بالكسر والضم.
(﴿ميسورًا﴾) في قوله تعالى: ﴿فقل لهم قولاً ميسورًا﴾ [الإسراء: ٢٨] (لينًا) ابتغاء رحمة
الله برحمتك عليهم وثبتت هذه هنا لأبي ذر وتأتي بعد إن شاء الله تعالى.
(﴿وليتبروا﴾) أي (يدمروا ﴿ما علوا﴾) من التدمير وهو الإهلاك أي ليهلكوا ما غلبوه
واستولوا عليه.
(﴿حصيرًا﴾) في قوله: ﴿وجعلنا جهنم للكافرين حصيرًا﴾ [الإسراء: ٨] أي (محبسًا) بفتح
الميم وكسر الموحدة لا يقدرون على الخروج منها أبد الآباد (محصرًا) بفتح الميم والصاد المهملة اسم
لموضع الحصر.
(﴿حق﴾) عليها القول أي (وجب) عليها كلمة العذاب السابقة (ميسورًا) أي (لينًا) وسبق
قريبًا .
(خطأ) من قوله: ﴿إن قتلهم كان خطأ﴾ [الإسراء: ٣١] أي (إثمّا وهو) أي الخطأ (اسم
من خطئت والخطأ مفتوح مصدره من الإثم خطئت) بكسر الطاء (بمعنى أخطأت) كذا قاله أبو
عبيدة وتبعه المؤلف رحمهما الله وتعقب بأن جعله خطأ بكسر الخاء اسم مصدر ممنوع وإنما هو
مصدر خطىء يخطأ كأثم يأثم إثمًا إذا تعمد الذنب وبأن دعواه أن خطأ المفتوح الخاء والطاء، وبها
قرأ ابن ذكوان مصدر بمعنى الإثم ليس كذلك، وإنما هو اسم مصدر من أخطأ يخطىء إخطاء إذا
لم يصب والمعنى فيه أن قتلهم كان غير صواب وبأن قوله خطئت بمعنى أخطأت خلاف قول أهل
اللغة خطىء أثم وتعمد الذنب وأخطأ إذا لم يتعمد.
(﴿تخرق﴾) في قوله: ﴿إنك لن تخرق الأرض﴾ [الإسراء: ٣٧] أي لن (تقطع) الأرض
لشدة وطأتك وسقط هذا لأبي ذر.
(﴿وإذ هم نجوى﴾ مصدر من ناجيت فوصفهم بها) أي بالنجوى فيكون من إطلاق المصدر
على العين مبالغة أو على حذف مضاف أي ذو نجوى ويجوز أن يكون جمع نجيّ كقتيل وقتلى.
(والمعنى يتناجون).

٣٤٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
وقوله: (﴿رفاتًا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وقالوا أئذا كنا عظامًا ورفاتًا﴾ [الإسراء: ٤٩] أي
(حطامًا). وقال الفراء هو التراب، ويؤيده أنه قد تكرر في القرآن ترابًا وعظامًا.
(﴿واستفزز﴾) أي (استخف) الذي استطعت استفزازه منهم (﴿بخيلك﴾ الفرسان) بالجر
فالخيل الخيالة ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((يا خيل الله اركبي)) (﴿والرجل﴾) بفتح الراء
وسكون الجيم يريد قوله تعالى: ﴿واجلب عليهم بخيلك ورجلك﴾ [الإسراء: ٦٤] ولأبي ذر
والرجال بكسر الراء وتخفيف الجيم هو (الرجالة) بفتح الراء وتشديد الجيم (واحدها راجل) ضد
الفارس (مثل صاحب وصحب وتاجر وتجر) قاله أبو عبيدة.
(﴿حاصبًا﴾) في قوله تعالى: ﴿أو يرسل عليكم حاصبًا﴾ [الإسراء: ٦٨] هو (الربح
العاصف) أي الشديد ولم يؤنثه لأنه مجازي (والحاصب أيضًا ما ترمي به الريح ومنه: ﴿حصب
جهنم﴾) أي (يرمى به في جهنم) بضم الياء وفتح الميم مبنيًّا للمفعول (وهو) أي الشيء الذي يرمى
به، ولأبي ذر وهم أي القوم الذين يرمون فيها (حصبها ويقال حصب في الأرض) أي (ذهب)
فيها (والحصب) محركًا (مشتق من الحصباء الحجارة). قال العيني لم يرد بالاشتقاق الاشتقاق
المصطلح عليه أعني الاشتقاق الصغير لعدم صدقه عليه وتفسير الحصباء بالحجارة هو من تفسير
الخاص بالعام قالوا والحصب الرمي بالحصباء وهي الحجارة الصغار قال الفرزدق:
مستقبلين شمال الشام تضربهم حصباء مثل نديف القطن منثور
ولغير أبي ذر الحصباء والحجارة بزيادة واو.
(﴿تارة﴾) في قوله تعالى: ﴿أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة﴾ [الإسراء: ٦٩] أي (مرة) فهي
مصدر (وجماعته) أي لفظ تارة (تيرة) بكسر الفوقية وفتح التحتية (وتارات) قال الشاعر:
وإنسان عيني يحسر الماء تارة فيبدوتارات يجم فيغرق
وألفها يحتمل أن تكون عن واو أو ياء. قال الراغب: هو فيما قيل من تار الجرح بمعنى
التأم.
(﴿لأحتنكن﴾) في قوله: ﴿لأحتنكن ذريته﴾ [الإسراء: ٦٢] أي (لأستأصلنهم) أي بالإغواء
وقيل لاستولين عليهم استيلاء من جعل في حنك الدابة حبلاً يقودها فلا تأبى ولا تشمس عليه
(يقال احتنك فلان ما عند فلان من علم) أي (استقصاء) وعن مجاهد فيما رواه سعيد بن منصور
لأحتنكن لأحتوين قال: يعني شبه الزناق، وقال ابن زيد لأضلنهم وكلها متقاربة.
(﴿طائره﴾) في قوله تعالى: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه﴾ [الإسراء: ١٣] هو
(حظه) بالحاء المهملة والظاء المعجمة وقال ابن عباس خيره وشره مكتوب عليه لا يفارقه. وقال
الحسن فيما رواه السمرقندي: عمله. زاد في الأنوار وما قدر له كأنه طير إليه من عش الغيب،

٣٤٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
والمعنى أن عمله لازم له لزوم القلادة أو الغل لا ينفك عنه وخص العنق حيث قال في عنقه من
بين سائر الأعضاء لأن الذي عليه إما أن يكون خيرًا يزينه أو شرًا يشينه وما يزين يكون كالطوق
والحلي وما يشين يكون كالغل.
(قال) ولأبي ذر وقال: (ابن عباس) رضي الله عنهما مما وصله ابن عيينة في تفسيره في
قوله: ﴿واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا﴾ [الإسراء: ٨٢] وقوله: ﴿فقد جعلنا لوليه سلطانًا﴾
[الإسراء: ٣٣] (كل سلطان) ذكر (في القرآن فهو حجة) فمعنى سلطانًا نصيرًا حجة ينصرني على
من خالفني، وجعلنا لوليه سلطانًا حجة يتسلط بها على المؤاخذة بمقتضى القتل.
(﴿ولي من الذل﴾) أي (لم يحالف) بالحاء المهملة أي لم يوال (أحدًا) من أجل مذلة به ليدفعها
بموالاته.
٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ [الإسراء: ١]
(باب قوله) جل وعلا: (﴿أسرى بعبده﴾) محمد وح لول بجسده وروحه يقظة (﴿ليلاً من
المسجد الحرام﴾﴾ [الإسراء: ١] مسجد مكة بعينه لحديث أنس المروي في الصحيحين، وسرى
وأسرى بمعنى وقال (ليلاً) بلفظ التنكير.
قال الزمخشري: ليفيد تقليل مدّة الإسراء وأنه أسري به في بعض الليل من مكة إلى الشام
مسيرة أربعين ليلة فدلّ على أن التنكير دل على البعضية، ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة من
الليل أي بعضه كقوله: ﴿ومن الليل فتهجد به﴾ [الإسراء: ٧٩] اهـ.
قال صاحب الدر: فيكون سرى وأسرى كسقى وأسقى والهمزة ليست للتعدية وإنما المعدي
الباء في بعبده وقد تقرر أنها لا تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول عند الجمهور خلافًا للمبرد،
وزعم ابن عطية أن مفعول أسرى محذوف وأن التعدية بالهمزة أي أسرى الملائكة بعبده لأنه يبعد
أن يسند أسرى، وهو بمعنى سرى إلى الله تعالى إذ هو فعل يقتضي النقلة كمشى وانتقل فلا يحسن
إسناد شيء من هذا مع وجود مندوحة عنه، فإذا وقع في الشريعة شيء من ذلك تأولناه نحو أتيته
هرولة .
قال شهاب الدين: وهذا كله إنما بناه اعتقادًا على أن التعدية بالباء تقتضي مصاحبة الفاعل
للمفعول في ذلك وهذا شيء ذهب إليه المبرد، فإذا قلت: قمت بزيد لزم منه قيامك وقيام زيد
عنده، وهذا ليس كذلك التبست عنده باء التعدية بياء الحال فباء الحال تلزم فيها المشاركة إذ المعنى
قمت ملتبسًا بزيد وباء التعدية مرادفة للهمزة فقمت بزيد والباء للتعدية كقولك: أقمت زيدًا ولا
يلزم من إقامتك هو أن تقوم أنت وأيضًا فموارد القرآن في فأسر بقطع الهمزة ووصلها تقتضي
أنهما بمعنى واحد ألا ترى أن قوله: فاسر بأهلك وأن أسر بعبادي قرىء بالقطع والوصل ويبعد

٣٤٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
مع القطع تقدير مفعول محذوف إذ لم يصرح به في موضع فيستدل بالمصرح على المحذوف قاله أبو
حبان وقد تقدم الردّ على هذا المذهب.
وقال صاحب فتوح الغيب: ويمكن أن يراد بالتنكير في ليلاً التعظيم والتفخيم والمقام
يقتضيه. ألا ترى كيف افتتح السورة بالكلمة المنبئة عنه ثم وصف المسرى به بالعبودية ثم أردف
تعظيم المكانين بالحرام وبالبركة لما حوله تعظيمًا للزمان، ثم تعظيم الآيات بإضافتها إلى صيغة
التعظيم وجمعها ليشمل جميع أنواع الآيات وكل ذلك شاهد صدق على ما نحن بصدده والمعنى ما
أعظم شأن من أسرى بمن حقق له مقام العبودية وصحح استئهاله للعناية السرمدية أي ليل له
شأن جليل ليل دنا فيه الحبيب من المحبوب وفاز في مقام الشهود بالمطلوب فتدلى فكان قاب
قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى، فحينئذ ينطبق عليه التعليل
بقوله: إنه هو السميع البصير أي السميع بأحوال ذلك العبد والبصير لأفعاله العالم بكونها مهذبة
خالصة عن شوائب الهوى مقرونة بالصدق والصفاء مستأهلة للقرب، وسقط لفظ باب لغير أبي ذر.
٤٧٠٩ - حدّثنا عَبْدَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنا يُونُسُ ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنَا
عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: قالَ أَبُو هُرَيْرَةً أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ لَيْلَةَ
أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنٍ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ فَنَظَرَ إِلَيْهِما فَأَخَذَ اللَّبَنَ قَالَ جِبْرِيلُ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي
هَداكَ لِلْفِطْرَةِ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ.
وبه قال: (حدّثنا عبدان) لقب عبد الله بن عثمان المروزي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا
(عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (يونس) بن يزيد الأيلي (ح) مهملة
لتحويل السند قال المؤلف بالسند:
(وحدّثنا أحمد بن صالح) أبو جعفر المصري قال: (حدّثنا عنبسة) بن خالد بن أبي النجاد
الأيلي قال: (حدّثنا يونس) بن يزيد (عن ابن شهاب) الزهري (قال ابن المسيب) سعيد (قال أبو
هريرة) رضي الله عنه (أتي) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول (رسول الله وَ﴿ ليلة أسري به) من المسجد
الحرام وهو (بإيلياء) بكسر الهمزة واللام بينهما تحتية ساكنة ممدودًا بيت المقدس (بقدحين) أحدهما
(من خمر و) الآخر من (لبن فنظر) عليه الصلاة والسلام (إليهما فأخذ اللبن) وترك الخمر،
وإسقاط إناء العسل المذكور في الروايات الأخرى اختصار من الراوي أو نسيان ولا تنافي في ذلك
(قال): ولأبوي ذر والوقت فقال (جبريل الحمد لله الذي هداك للفطرة) الإسلامية (لو أخذت
الخمر غوت أمتك) بحذف اللام من لغوت. قال ابن مالك فيما نقله عنه في المصابيح يظن بعض
النحويين أن لام جواب لو في نحو لو فعلت لفعلت لازمة والصحيح جواز حذفها في أفصح
الكلام نحو: ﴿لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي﴾ ﴿أنطعم من لو يشاء الله أطعمه﴾
[يَس: ٤٧].

٣٤٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الأشربة وكذا مسلم والنسائي فيه.
٤٧١٠ - حدّثنا أَخْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
شِهابٍ، قالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ ◌َِلّى
يَقُولُ: (لَمَّا كَذَّبَنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فِي الْحِجْرِ، فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ
وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ». زادَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدِّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهابٍ عَنْ عَمِّهِ ((لَمَّا كَذَّبَنِي قُرَيْشٌ
جِينَ أُسْرِيَ بِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ)) نَحْوَهُ قاصِفًا: رِيحْ تَقْصِفُ كَلَّ شَيْءٍ.
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن صالح) المصري قال: (حدّثنا ابن وهب) عبد الله المصري (قال:
أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد (عن ابن شهاب) الزهري أنه قال: (قال أبو سلمة) بن
عبد الرحمن بن عوف (سمعت جابر بن عبد اللَّه) الأنصاري (رضي الله عنهما قال: سمعت
النبي مَ ر يقول):
(لما كذبني قريش) في خبر الإسراء كما سيأتي إن شاء الله قريبًا وللحموي والكشميهني
كذبتني بتاء التأنيث (قمت في الحجر) بكسر الحاء وسكون الجيم الذي أكثره من الكعبة وكانوا
سألوه أن ينعت لهم المسجد الأقصى وفيهم من رآه وعرفه (فجلّ الله) بالجيم وتشديد اللام أي
كشف (لي بيت المقدس فطفقت) أي شرعت وأخذت (أخبرهم عن آياته) أي علاماته (وأنا أنظر
إليه) زاد في حديث ابن عباس عند النسائي فقال القوم: أما النعت فقد أصاب.
(زاد يعقوب بن إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف فقال: (حدّثنا ابن
أخي ابن شهاب) محمد بن عبد الله بن مسلم (عن عمه) محمد بن مسلم الزهري (لما كذبني)
ولأبي ذر: كذبتني (قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس نحوه) أي نحو الحديث السابق. وهذه
الرواية وصلها الذهلي في الزهريات عن يعقوب.
(قاصفًا) من الريح هو (ريح تقصف كل شيء) تمرّ به من قصف متعديًا وهذه ساقطة لأبي
ذر.
٤ - باب
﴿كَرَّمْنَا﴾ وَأَكْرَمْنا وَاحِدٌ، ضِعْفَ الْحَياةِ: عَذابَ الْحَياةِ وَعَذَابَ الْمَماتِ. خِلافَكَ وَخَلْفَكَ:
سَواءٌ، وَنَأَى: تَبَاعَدَ: شاكِلَتِهِ: ناحِيَتِهِ وَهِيَ مِنْ شَكْلِهِ. صَرَّفَنا: وَجَّهْنَا، قَبِيلاً مُعايَنَةً وَمُقابَلَةً
وَقِيلَ: الْقَابِلَةُ لأَنْها مُقابِلَتُها وَتَقْبَلُ وَلَدَها. خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ: أَنْفَقَ الرَّجُلُ أَمْلَقَ وَنَفَقَ الشَّيْءُ ذَهَبَ.
قَتُورًا: مُقَتِّرًا، لِلأَذْقَانِ مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ، وَالْوَاحِدُ ذَقَنٌ. وَقَالَ مُجاهِدٌ: مَوْفُورًا: وَافِرًا. تَبِيعًا:
ثائِرًا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَصِيرًا. خَبَتْ: طَفِئَتْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لا تُبَذِّرْ: لا تُنْفِقْ فِي الْبَاطِلِ.

٣٥٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ: رِزْقٍ، مَثْبُورًا: مَلْعُونًا. لا تَقْفُ: لا تَقُلْ، فَجاسُوا: تَيَمِّمُوا. يُزْجِي الْفُلْكَ: يُجْرِي
الْفُلْكَ، يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ: لِلْوُجُوهِ.
(﴿كرمنا﴾) ولأبي ذر باب قوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ [الإسراء: ٧٠] كرمنا
(وأكرمنا واحد) وهو من كرم بالضم كشرف والمعنى جعلنا لهم كرمًا أي شرفًا وفضلاً وهذا كرم
نفي النقصان لا كرم المال وتكريمهم كما قال في الأنوار بحسن الصورة والمزاج الأعدل واعتدال
القامة والتمييز بالعقل والإفهام بالنطق والإشارة والخط والهدى إلى أسباب المعاش والمعاد والتسلط
على ما في الأرض والتمكن من الصناعات إلى ما يعود عليهم بالمنافع إلى غير ذلك مما يقف الحصر
دون إحصائه، واستدل بالآية على طهارة ميتة الآدمي لأن قضية تكريمه أن لا يحكم بنجاسته
بالموت كما نص عليه في الأم ولأنه بَّر قبل عثمان بن مظعون بعد موته ودموعه تجري على خده
فلو كان نجسًا لما قبّله مع ظهور رطوبته ولأنا تعبدنا بغسله والنجس لا يتعبد بغسله لأن غسله
يزيد النجاسة وسواء المسلم والكافر، وأما قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨]
فالمراد نجاسة الاعتقاد أو اجتنابهم كالنجس لا نجاسة الأبدان.
((ضعف الحياة﴾) في قوله تعالى: ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلاً إذاً
لأذقناك ضعف الحياة﴾ [الإسراء: ٧٤] أي لو قاربت تركن إليهم أدنى ركنة لأذقناك (عذاب
الحياة) أي (وعذاب الممات) ولأبي ذر: وضعف الممات بدل وعذاب الممات أي ضعف ما يعذب
به في الدارين بمثل هذا الفعل غيرك لأن خطأ الخطير أخطر. وكان أصل الكلام عذابًا ضعفًا في
الحياة وعذابًا ضعفًا في الممات بمعنى مضاعفًا ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ثم
أضيفت الصفة إضافة الموصوف فقيل ضعف الحياة وضعف الممات كما لو قيل: لأذقناك أليم
الحياة وأليم الممات، في قوله: ﴿ولولا أن ثبتناك﴾ [الإسراء: ٧٤] تصريح بأنه ◌َّ ما همّ بإجابتهم مع
قوّة الداعي إليها وفيه تخويف لأمته لئلا يركن أحد من المسلمين إلى أحد من المشركين فافهم واعلم.
(خلافك وخلفك) في قوله تعالى: ﴿وإذًا لا يلبثون خلافك إلا قليلاً﴾ [الإسراء: ٧٦]
والأولى بكسر الخاء وفتح اللام وألف بعدها وهي قراءة ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي
والأخرى بفتح فسكون وهما (سواء) في المعنى أي لا يبقون بعد خروجك من مكة إلا زمنًا قليلاً
وقد كان كذلك فإنهم أهلكوا بيدر بعد هجرته بسنة.
(﴿ونأى﴾) في قوله تعالى: ﴿وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى﴾ [الإسراء: ٨٣] قال
أبو عبيدة أي (تباعد) ومنه النؤي لحفرة حول الخباء تباعد الماء عنه وقرأ ابن ذكوان بتقديم الألف
على الهمزة بوزن شاء من ناء ينوء إذا نهض وأظنها رواية غير أبي ذر في البخاري.
(﴿شاكلته﴾) في قوله تعالى: ﴿قل كل يعمل على شاكلته﴾ [الإسراء: ٨٤] قال ابن عباس
فيما وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه أي على (ناحيته)، وزاد أبو عبيدة وخليقته

٣٥١
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
(وهي) أي الشاكلة مشتقة (من شكله) بفتح الشين وهو المثل قال امرؤ القيس:
حيّ الحمول بجانب العزل إذ لا يلائم شكلها شكلي
أي: لا يلائم مثلها مثلي، ولأبي ذر من شكلته إذا قيدته. قال في الدر: والشاكلة أحسن ما
قيل فيها ما قاله في الكشاف إنها مذهبه الذي يشاكل حاله في الهدى والضلالة من قولهم: طريق
ذو شواكل وهي الطرق التي تشعبت منه، والدليل عليه قوله: ﴿فربكم أعلم بمن هو أهدى
سبيلاً﴾ [الإسراء: ٨٤] وقال الراغب: على شاكلته أي سجيته التي قيدته من شكلت الدابة وذلك
أن سلطان السجية على الإنسان قاهر.
(﴿صرّفنا﴾) للناس قال أبو عبيدة أي (وجهنا) وبيَّنًّا وفي مفعوله وجهان:
أحدهما؛ أنه مذكور وفي مزيدة أي ولقد صرفنا هذا القرآن.
والثاني؛ أنه محذوف أي ولقد صرفنا أمثاله ومواعظه وقصصه وأخباره وأوامره.
(﴿قبيلاً﴾) في قوله تعالى: ﴿أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً﴾ [الإسراء: ٩٢] قال أبو عبيدة أي
(معاينة ومقابلة) أو معناه كفيلاً بما تدعيه (وقيل القابلة) المرأة التي تتولى ولادة المرأة (لأنها مقابلتها
وتقبل ولدها) أي تتلقاها عند الولادة. قال الأعشى:
كصرخة حبلى بشرتها قبيلها
أي قابلتها.
(﴿خشية الإنفاق﴾) في قوله: ﴿إِذَا لأمسكتم خشية الإنفاق﴾ [الإسراء: ١٠٠] يقال (أنفق
الرجل) أي (أملق) والإملاق الفاقة (ونفق الشيء) بكسر الفاء مصححًا عليها في الفرع كأصله أي
(ذهب) وفي حاشية موثوق بها في اليونينية نفق الشيء بفتح الفاء هي اللغة الفصحى ويقال
بكسرها وليست بالعالية. وفي الصحاح أنفق الرجل أي افتقر وذهب ماله ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا
لأمسكتم خشية الإنفاق﴾.
(﴿قتورًا﴾) في قوله تعالى: ﴿وكان الإنسان قتورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] قال أبو عبيدة أي
(مقترًا) من الإقتار أي بخيلاً يريد أن في طبعه ومنتهى نظره أن الأشياء تتناهى وتفنى فهو لو ملك
خزائن رحمة الله لأمسك خشية الفقر.
(﴿للأذقان﴾) في قوله: ﴿ويخرّون للأذقان سُجدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] هي (مجتمع اللحيين)
اسم مكان بضم الميم الأولى وفتح الثانية أي محل اجتماع اللحيين بفتح اللام وقد تكسر تثنية لحي
وهو العظم الذي عليه الأسنان (والواحد ذقن). بفتح المعجمة والقاف والمعنى يسقطون على
وجوههم تعظيمًا لأمر الله وشكرًا لإنجاز وعده في تلك الكتب ببعثة محمد وَلهو على فترة من
الرسل وإنزال القرآن عليه قاله القاضي وسقط واو والواحد لأبي ذر.

٣٥٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
(وقال مجاهد): فيما وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عنه في قوله تعالى: ﴿فإن جهنم
جزاؤكم جزاء موفورًا﴾ [الإسراء: ٦٣] أي (وافرًا) مكملاً والمراد جزاؤك وجزاؤهم لكنه غلب
المخاطب على الغائب.
(﴿تبيعًا﴾) في قوله تعالى: ﴿ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] أي (ثائرًا)
أي طالبًا للثأر منتقمًا وهذا تفسير مجاهد وصله عنه الطبري من الطريق السابق.
(وقال ابن عباس) رضي الله عنهما فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة
عنه في قوله تبيعًا أي (نصيرًا).
وقوله تعالى: ﴿كلما﴾ ((خبت﴾) أي (طفئت) بفتح الطاء وكسر الفاء وفتح الهمزة قالوا
خبت النار إذا سكن لهبها والجمر على حاله وخمدت إذا سكن الجمر وضعف وهمدت إذا طفئت
جملة، والمعنى كلما أكلت النار جلودهم ولحومهم زدناهم سعيرًا أي توقدًا بأن تبدّل جلودهم
ولحومهم فترجع ملتهبة مستعرة كأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جزاهم الله بأن لا يزالوا على
الإعادة والإفناء.
(وقال ابن عباس): فيما وصله الطبري من طريق عطاء عنه في قوله تعالى: ﴿ولا تبذر﴾
أي (لا تنفق في الباطل) وأصل التبذير التفريق ومنه البذر لأنه يفرق في الأرض للزراعة قال:
تراثب يستضيء الحلي فيها كجمر النار بذر في الظلام
ثم غلب في الإسراف في النفقة وسقط لأبي ذر قوله خبت طفئت.
وقال ابن عباس: ((ابتغاء رحمة﴾) في قوله: ﴿وإما تعرضنّ عنهم ابتغاء رحمة﴾
[الإسراء: ٢٨] قال ابن عباس فيما رواه الطبري أي ابتغاء (رزق) من الله ترجوه أن يأتيك.
(﴿مثبورًا﴾) في قوله تعالى: ﴿وإني لأظنك يا فرعون مثبورًا﴾ [الإسراء: ٣٦] قال ابن
عباس أي (ملعونًا) وقال مجاهد هالكًا ولا ريب أن الملعون هالك.
(﴿لا تقف﴾) في قوله تعالى: ﴿ولا تقف﴾ أي (لا تقل) ﴿ما ليس لك به علم﴾
[الإسراء: ٣٦] تقليدًا ورجمًا بالغيب وهذا ساقط لأبي ذر.
(﴿فجاسوا﴾) في قوله تعالى: ﴿فجاسوا خلال الديار﴾ [الإسراء: ٥] أي (تيمموا) أي
قصدوا وسطها للقتل والإغارة.
(﴿يزجي الفلك﴾) في قوله تعالى: ﴿ربكم الذي يزجي لكم الفلك﴾ [الإسراء: ٦٦] أي
(يجري الفلك) قاله ابن عباس فيما وصله الطبري.
(﴿يخرون للأذقان﴾) قال ابن عباس فيما وصله الطبري أي (الوجوه) وعن معمر عن الحسن
للحي وهذا موافق لما مرّ في تفسيره قريبًا.

٣٥٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
٠٠٠ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ [الإسراء: ١٦]
(باب قوله) جل وعلا: (﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية﴾) أي أهلها (﴿أمرنا مترفيها))
[الإسراء: ١٦] (الآية). واختلف في متعلق الأمر هنا فعن ابن عباس وغيره أنه أمرنا متنعميها
بالطاعة أي على لسان رسول بعثناه إليهم ففسقوا ورده في الكشاف ردًا شديدًا وأنكره إنكارًا بليغًا
في كلام طويل حاصله أنه حذف ما لا دليل عليه وهو غير جائز وقدّر هو متعلق الأمر الفسق أي
أمرناهم بالفسق ففعلوا والأمر مجاز لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم افسقوا وهذا لا يكون
فبقي أن يكون مجازًا، ووجه المجاز أنه صب عليهم النعمة صبًا فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتّباع
الشهوات فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب إبلاء النعمة فيه وإنما خولهم إياها ليشكروا فآثروا
الفسوق فلما فسقوا حق عليها القول وهي كلمة العذاب فدمرهم، وأجاب في البحر بأن قوله لأن
حذف ما لا دليل عليه غير جائز تعليل لا يصح فيما نحن بسبيله، بل ثم ما يدل على حذفه لأن
حذف الشيء تارة يكون لدلالة موافقه عليه ومنه ما مثل به هو في قوله في جملة هذا المبحث
أمرته فقام وأمرته فقرأ وتارة يكون لدلالة خلافه أو ضده أو نقيضه فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وله ما
سكن في الليل والنهار﴾ [الأنعام: ١٣] أي ما سكن وما تحرّك. و﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ أي
والبرد وتقول: أمرته فلم يحسن وهذه الآية من هذا القبيل يستدل على حذف النقيض بإثبات
نقيضه ودلالة النقيض على النقيض كدلالة النظير على النظير وهذا الباب مع ما ذكره من قوله:
وإذا أردنا الخ. ثابت عن أبي ذر بهامش الفرع هنا وبعد قوله السابق مثبورًا ملعونًا ونبّه محرره
ومقابله العلامة محمد المزي أنه وجد كذا في الموضعين من اليونينية.
٤٧١١ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّه، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، أَخْبَرَنا مَنْصُورٌ، عَنْ أَبِي وائِلٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ قالَ: كُنَّا تَقُولُ لِلْحَيِّ إِذَا كَثُرُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أمِرَ بَنُو فُلانٍ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة قال: (أخبرنا
منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد اللَّه) بن مسعود رضي الله عنه
أنه (قال: كنا نقول للحي) أي للقبيلة (إذا كثروا في الجاهلية أمر) بفتح الهمزة وكسر الميم (بنو
فلان).
١٠٠ - حدثنا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ وَقَالَ: أَمِرَ .
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (وقال)
أي الحميدي عن سفيان (أمر) بكسر الميم كالأول كذا في فرعين لليونينية كالأصل وقال الحافظ
ابن حجر وغيره: إن الأولى بكسر الميم والثانية بفتحها وهما لغتان وبالفتح قرأ الجمهور الآية
وقرأها ابن عباس بالكسر ويعقوب بمدّ الهمزة وفتح الميم ومجاهد بتشديد الميم من الإمارة
والحاصل أن سياق المؤلف لحديث ابن مسعود لينبه على أن معنى أمرنا في الآية كثرنا مترفيها
إرشاد الساري/ ج ١٠/ ٢ ٢٣

٣٥٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
وهي لغة حكاها أبو حاتم ونقلها الواحدي عن أهل اللغة وقال أبو عبيدة من أنكرها لم يلتفت
إليه لثبوتها في اللغة.
٥ - باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوح إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]
(باب) قوله تعالى: (﴿ذرية من حملنا مع نوح﴾) بنصب ذرية على الاختصاص أو على البدل
من وكيلاً أي لا تتخذوا من دوني وكيلاً ذرية من حملنا مع نوح (﴿إنه﴾) أي إن نوحًا (﴿كان عبدًا
شكورًا﴾﴾ [الإسراء: ٣] قال الحافظ ابن كثير: وقد ورد في الحديث والأثر عن السلف أن نوحًا
عليه السلام كان يحمد الله على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله فلهذا سمي عبدًا شكورًا، وصحح
ابن حبان من حديث سلمان كان نوح إذا طعم أو لبس حمد الله فسمي عبدًا شکورًا، وله شاهد
عند ابن مردويه من حديث معاذ بن أنس وفيه تهييج على الشكر على النعم لا سيما نعمة الإسلام
ومحمد رَّله وسقط باب لغير أبي ذر.
٤٧١٢ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقاتِلٍ، أَخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنا أَبُو حَيَّانِ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي
زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ل ◌َّه بِلَحْمٍ فَرُفِعَ
إِلَيْهِ الذِّراعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً، ثُمَّ قَالَ: ((أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ
ذلِكَ يُجْمَعُ النَّاسُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ واحِدٍ يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ وَتَدْنُو
الشّمْسُ فَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ ما لا يُطِيقُونَ وَلا يَحْتَمِلُونَ فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلا تَرَوْنَ مَا قَدْ
بَلَغَكُمْ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضِ عَلَيْكُمْ بِآدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ
عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَقُولُونَ لَهُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلائِكَةَ
فَسَجَدُوا لَكَ أَشْفَعْ لَنا إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرى إِلى ما نَحْنُ فِيهِ أَلا تَرى إِلى ما قَدْ بَلَغَنا فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ
رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنَّهُ نَهانِي عَنِ الشَّجَرَةِ
فَعَصَيْتُهُ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلى نُوحٍ فَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ يا نُوحُ إِنَّكَ
أَنْتَ أَوْلُ الرَّسُلِ إِلى أَهْلِ الأَرْضِ وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنا إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرى إِلى
ما نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِي عَزَّ وَجَلَّ قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ
بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُها عَلى قَوْمِي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي أَذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا
إِلى إِبْراهِيمَ فَيَأْتُونَ إِبْراهِيمَ فَيَقُولُونَ: يا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ اشْفَعْ لَنا
إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرى إِلى ما نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنْ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ
مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلاثَ كَذَباتٍ)) فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ
(نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلى مُوسى فَيَأْتُونَ مُوسى فَيَقُولُونَ يا مُوسى أنْتَ
رَسُولُ اللَّهِ فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسالَتِهِ وَبِكَلامِهِ عَلَى النَّاسِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرى إِلى ما نَحْنُ فِيهِ؟

٣٥٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ
قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِها نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، أَذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلى عِيسى، فَيَأْتُونَ عِيسى
فَيَقُولُونَ: يا عِيسى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ
صَبِيًّا أَشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرى إِلى ما نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ عِيسى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا
لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبَا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلى غِيْرِي
اذْهَبُوا إِلى مُحَمَّدٍ نَّهِ فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا بَّهِ فَيَقُولُونَ: يا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتَمُ الأَنْبِياءِ وَقَدْ
غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ أَشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرى إِلى ما نَحْنُ فِيهِ؟ فَأَنْطَلِقُ
فَآَتِي تَحْثَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ النََّاءِ عَلَيْهِ
شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقالُ: يا مُحَمَّدُ أَزْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ وَأَشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَزْفَعُ
رَأْسِي فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يا رَبِّ، فَيُقالُ: يا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لا حِسابَ عَلَيْهِمْ
مِنَ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكاءُ النَّاسِ فِيما سِوى ذلِكَ مِنَ الأَبَوابِ، ثُمَّ قالَ:
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ ما بَيْنَ الْمِصْراعَيْنِ مِنْ مَصارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكّةَ وَحِمْيَرَ أَوْ كَما بَيْنَ مَكَّةَ
وَبُضْرَى)) .
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) المروزي قال: (أخبرنا عبد اللَّه) بن المبارك المروزي أيضًا
قال: (أخبرنا أبو حيان) بفتح الحاء المهملة والتحتية المشدّدة يحيى بن سعيد بن حيّان (التيمي) تيم
الرباب الكوفي (عن أبي زرعة) هرم (بن عمرو بن جرير) البجلي الكوفي (عن أبي هريرة رضي الله
عنه) أنه (قال: أُتي) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول (رسول الله بَ﴾) ولأبي ذر عن أبي هريرة رضي الله
عنه أن رسول الله وَل﴿ أُتي (بلحم فرفع إليه الذراع) قال السفاقسي: الصواب فرفعت إليه الذراع
(وكانت تعجبه) لزيادة لذتها (فنهس منها نهسة) بالسين المهملة فيهما أي أخذ منها بأطراف أسنانه
ولأبي ذر: فنهش منها نهشة بالمعجمة أي بأضراسه أو بجميع أسنانه (ثم قال): إعلامًا لأمته بقدره
عند الله ليؤمنوا به كغيره مما جاء به من الواجبات:
(أنا سيد الناس) آدم وجميع ولده (يوم القيامة) وتخصيصه بالقيامة يلزم منه ثبوت سيادته في
الدنيا بطريق الأولوية، ونهيه عن التفضيل على طريق التواضع (وهل تدرون ممّ ذلك) ولأبي ذر:
مم ذاك بالألف بدل اللام (يجمع الناس) بضم التحتية مبنيًا للمفعول وللكشميهني والمستملي يجمع
الله الناس (الأولين والآخرين في صعيد واحد) أرض واسعة مستوية (يسمعهم الداعي) بضم الياء
من الإسماع (وينفذهم البصر) بفتح الياء وسكون النون والذال المعجمة أي يحيط بهم لا يخفى عليه
منهم شيء لاستواء الأرض وعدم الحجاب (وتدنو الشمس).
وفي الزهد لابن المبارك ومصنف ابن أبي شيبة واللفظ له بسند جيد عن سلمان قال: تعطي
الشمس يوم القيامة حرّ عشر سنين، ثم تدنو من جماجم الناس حتى تكون قاب قوسين فيعرقون

٣٥٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
حتى يرشح العرق في الأرض قامة ثم يرتفع حتى يغرغر الرجل. زاد ابن المبارك في روايته ولا
يضر حرها يومئذ مؤمنًا ولا مؤمنة.
(فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس ألا ترون ما قد
بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟) بفتح همزة ألا وتخفيف لامها في الموضعين وهي
للعرض والتخصيص (فيقول بعض الناس لبعض عليكم بآدم فيأتون آدم عليه السلام، فيقولون له:
أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه) قال الكرماني: الإضافة إلى الله تعالى لتعظيم
المضاف وتشريفه (وأمر الملائكة فسجدوا لك) وزاد في رواية همام في التوحيد وأسكنك جنته
وعلمك أسماء كل شيء (اشفع لنا إلى ربك) حتى يريحنا مما نحن فيه (ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا
ترى إلى ما قد بلغنا؟) بتخفيف لام ألا ترى في الموضعين وتحريك غين بلغنا وسقط للحموي
والمستملي لفظة إلى الأخيرة (فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن
يغضب) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ولا يغضب (بعده مثله) والمراد من الغضب كما قال
الكرماني لازمه وهو إرادة إيصال العذاب وقال النووي: المراد بغضب الله ما يظهر من انتقامه فيمن
عصاه وما يشاهده أهل الجمع من الأهوال التي لم يكن ولا يكون مثلها (وأنه نهاني) ولأبي ذر وأنه
قد نهاني (عن الشجرة) أي عن أكلها (فعصيته) وأكلتها (نفسي نفسي نفسي)، كررها ثلاثًا أي هي
التي تستحق أن يشفع لها إذ المبتدأ والخبر إذا كانا متحدين فالمراد بعض لوازمه أو نفسي مبتدأ
والخبر محذوف (اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح) بيان لقوله اذهبوا إلى غيري (فيأتون نوحًا فيقولون
يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض).
واستشكلت هذه الأولية بأن آدم نبي مرسل وكذا شيث وإدريس وهم قبل نوح. وأجيب:
بأن الأولية مقيدة بأهل الأرض لأن آدم ومن ذكر معه لم يرسلوا إلى أهل الأرض ويشكل عليه
حديث جابر وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة. وأجيب: بأن بعثته إلى أهل الأرض باعتبار الواقع
لصدق أنهم قومه بخلاف بعثة نبينا وَلفي لقومه وغيرهم أو الأولية مقيدة بكونه أهلك قومه أو أن
الثلاثة كانوا أنبياء ولم يكونوا رسلاً لكن في صحيح ابن حبان من حديث أبي ذر ما يقتضي أنه
كان مرسلاً والتصريح بإنزال الصحف على شيئ.
(وقد سماك الله) أي في القرآن في سورة بني إسرائيل (عبدًا شكورًا) وهذا موضع الترجمة
(اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول: إن ربي عز وجل) ولأبي ذر فيقول ربي عز
وجل (قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه قد كانت) ولأبي ذر
قد كان (لي دعوة دعوتها على قومي) هي التي أغرق بها الأرض يعني أن له دعوة واحدة محققة
الإجابة، وقد استوفاها بدعائه على أهل الأرض فخشي أن يطلب فلا يجاب، وفي حديث أنس
عند الشيخين: ويذكر خطيئته التي أصاب سؤاله ربه بغير علم، فيحتمل أن يكون اعتذر بأمرين:
أحدهما أنه استوفى دعوته المستجابة، وثانيهما: سؤاله ربه بغير علم بحيث قال: رب إن ابني من

٣٥٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
أهلي فخشي أن تكون شفاعته لأهل الموقف من ذلك (نفسي نفسي نفسي) ثلاثًا أي هي التي
تستحق أن يشفع لها (اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم) زاد في رواية أنس خليل الرحمن (فيأتون
إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض) لا ينفي وصف نبينا وَّه بمقام
الخلة الثابت له على وجه أعلى من إبراهيم (اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه) من الكرب
(فيقول لهم إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن یغضب بعده مثله، وإني قد
كنت كذبت ثلاث كذبات) بفتحات (فذكرهن أبو حيان) يحيى بن سعيد التيمي الراوي عن أبي
زرعة (في الحديث) واختصرهن من دونه وهي قوله: إني سقيم، وبل فعله كبيرهم، وقوله لسارة
هي أختي والحق أنها معاريض لكن لما كانت صورتها صورة كذب سماها به وأشفق منها استقصارًا
لنفسه عن مقام الشفاعة مع وقوعها لأن من كان بالله أعرف وأقرب منزلة كان أعظم خطرًا وأشد
خشية قاله البيضاوي. (نفسي نفسي نفسي) ثلاثًا (اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى. فيأتون
موسى فيقولون يا موسى أنت رسول الله فضّلك الله برسالته) بالإفراد (وبكلامه على الناس) عام
مخصوص على ما لا يخفى فقد ثبت أنه تعالى كلّم نبينا وَل و ليلة المعراج ولا يلزم من قيام وصف
التكلم به أن يشتق له منه اسم الكليم كموسى إذ هو وصف غلب على موسى كالحبيب لنبينا
محمد ◌َّ﴿ وإن كان شارك الخليل في الخلة على وجه أكمل منه (اشفع لنا إلى ربك ألا) بتخفيف
اللام ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني أما بميم مخففة بدل اللام (ترى إلى ما نحن فيه) من
الكرب (فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قد
قتلت نفسًا لم أومر بقتلها) بضم الهمزة وسكون الواو يريد قتله القبطي المذكور في آية القصص
وإنما استعظمته واعتذر به لأنه لم يؤمر بقتل الكفار أو لأنه كان مؤمنًا فيهم فلم يكن له اغتياله ولا
يقدح في عصمته لكونه خطأ وعدّه من عمل الشيطان في الآية، وسماه ظلمًا واستغفر منه على
عادتهم في استعظام محقرات فرطت منهم (نفسي نفسي نفسي) ثلاثًا (اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى
عيسى) وفي رواية أبي ذر زيادة ابن مريم (فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته
ألقاها إلى مريم) أي أوصلها إليها وحصلها فيها (وروح منه) أي وذو روح صدر منه لا بتوسط ما
يجري مجرى الأصل والمادة له (وكلمت الناس في المهد) حال كونك (صبيًا) أي طفلاً والمهد مصدر
سمي به ما يمهد للصبي من مضجعه وسقط صبيًا لأبي ذر (اشفع لنا) أي إلى ربك حتى يريحنا مما
نحن فيه (ألا ترى إلى ما نحن فيه) من الكرب (فيقول عيسى: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم
يغضب قبله مثله) زاد أبو ذر قط (ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنبًا) وفي رواية أحمد والنسائي
من حديث ابن عباس إني اتخذت إلهًا من دون الله، وفي رواية ثابت عند سعيد بن منصور نحوه
وزاد وإن يغفر لي اليوم حسبي (نفسي نفسي نفسي) ثلاثًا (اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد وَات)
زاد في حديث أنس الطويل في الرقاق فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر (فيأتون
محمدًا (1) سقطت التصلية في الموضعين لأبي ذر (فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء
وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) يعني أنه غير مؤاخذ بذنب ولو وقع.

٣٥٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
قال في فتح الباري: ويستفاد من قول عيسى في حق نبينا هذا ومن قول موسى إني قتلت
نفسًا وأن يغفر لي اليوم حسبي مع أن الله غفر له بنص القرآن التفرقة بين من وقع منه شيء ومن
لم يقع منه شيء أصلاً، فإن موسى مع وقوع المغفرة له لم يرتفع إشفاقه من المؤاخذة بذلك أو رأى
في نفسه تقصيرًا عن مقام الشفاعة مع وجود ما صدر منه بخلاف نبينا وَ لير في ذلك كله، ومن ثم
احتج عيسى بأنه صاحب الشفاعة لأنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر بمعنى أن الله أخبر أن لا
يؤاخذه بذنب، ولو وقع منه، قال وهذا من النفائس التي فتح الله بها في فتح الباري فله الحمد،
وقال القاضي عياض: ويحتمل أنهم علموا أن صاحبها محمد وَّ﴿ معينًا وتكون إحالة كل واحد
منهم على الآخر على تدريج الشفاعة في ذلك إليه ◌َّ إظهارًا لشرفه في ذلك المقام العظيم.
(اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه) من الكرب (فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع
ساجدًا لربي عز وجل) زاد في حديث أبي بكر الصديق عند أبي عوانة قدر جمعة (ثم يفتح الله عليّ
من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي) وفي حديث أبي بن كعب عند أبي يعلى
رفعه: يعرفني الله نفسه فأسجد له سجدة يرضى بها عني ثم أمتدحه بمدحة يرضى بها عني (ثم
يقال يا محمد ارفع رأسك سل تعطه) بسكون الهاء (واشفع تشفع) مبني للمفعول من التشفيع أي
تقبل شفاعتك (فأرفع رأسي فأقول: أمتي یا رب أمتي یا رب) مرتین ولأبي ذر أمتي يا رب فزاد
ثالثة (فيقال: يا محمد أدخل من أمتك) بكسر الخاء أمر من الإدخال أي الجنة (من لا حساب
عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة) وهم سبعون ألفًا وهم أول من يدخلها (وهم) أيضًا
(شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ثم قال: و) الله (الذي نفسي بيده إن ما بين
المصراعين من مصاريع الجنة) بكسر الميم من مصراعين وهما جانبا الباب (كما بين مكة وحمير)
بكسر الحاء المهملة وفتح التحتية بينهما ميم ساكنة آخره راء أي صنعاء لأنها بلد حمير (أو كما بين
مكة وبصرى) بضم الموحدة مدينة بالشام بينها وبين دمشق ثلاث مراحل والشك من الراوي.
وهذا الحديث قد مرّ باختصار في أحاديث الأنبياء.
٦ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥]
(باب قوله) تعالى: (﴿وآتينا داود زبورًا﴾﴾ [الإسراء: ٥٥] كتابًا مزبورًا أي مكتوبًا أو هو
اسم للكتاب الذي أنزل عليه وهو مائة وخمسون سورة ليس فيها حكم ولا حلال ولا حرام بل
كلها تسبيح وتقديس وتحميد وثناء على الله عز وجل ومواعظ، ونكره هنا لدلالته على التبعيض أي
زبورًا من الزبر أو زبورًا فيه ذكر النبي وَلّر، فأطلق على القطعة منه زبور كما يطلق على بعض
القرآن، وفيه تنبيه على وجه تفضيل نبينا وعليه وهو أنه خاتم النبيين وأمته خير الأمم المدلول عليه
بما كتب في الزبور وسقط قوله لغير أبي ذر.
٤٧١٣ - حدّثنا إِسْحُقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ .

٣٥٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
أَبِي هُرَيْرَةً، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِّ وَِّ قالَ: ((خُفْفَ عَلى دَاوُدَ الْقِراءَةُ فَكَانَ يَأْمُرُ بِدابْتِهِ لِتُسْرَجَ
فَكَانَ يَقْرَأُ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغُ» يَعْنِي: الْقُرْآنَ.
وبه قال: (حدّثنا) لغير أبي ذر حدَّثني بالإفراد (إسحق بن نصر) هو إسحق بن إبراهيم بن
نصر بن إبراهيم ونسبه إلى جده لشهرته به السعديّ المروزيّ وقيل البخاري قال: (حدّثنا
عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (عن معمر) هو ابن راشد (عن همام بن منبه) بفتح الموحدة المشددة
وسقط لغير أبي ذر ابن منبه (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َّي) أنه (قال):
(خفف) بضم الخاء وتشديد الفاء مكسورة مبنيًا للمفعول (على داود) عليه السلام (القراءة)
ولأبي ذر عن الحموي والمستملي القرآن وقد يطلق على القراءة والأصل فيه الجمع وكل شيء جمعته
فقد قرأته وسمي القرآن قرآنًا لأنه جمع الأمر والنهي وغيرهما وقيل المراد الزبور والتوراة وكان
الزبور ليس فيه أحكام كما مرّ بل كان اعتمادهم في الأحكام على التوراة كما أخرجه ابن أبي حاتم
وغيره وقرآن كل نبي يطلق على كتابه الذي أوحي إليه وإنما سماه قرآنًا للإشارة إلى وقوع المعجزة
به كوقوع المعجزة بالقرآن فالمراد به مصدر القراءة لا القرآن المعهود لهذه الأمة (فكان يأمر بدابته
لتسرج) بالإفراد وفي أحاديث الأنبياء بدوابه بالجمع فالإفراد على الجنس أو ما يختص بركوبه
وبالجمع ما يضاف إليها مما يركبه أتباعه (فكان) داود (يقرأ قبل أن يفرغ) الذي يسرج من الإسراج
(يعني القرآن) وفيه أن البركة قد تقع في الزمن اليسير حتى يقع فيه العمل الكثير فمن ذلك أن
بعضهم كان يقرأ أربع ختمات بالليل وأربعًا بالنهار، وقد أنبئت عن الشيخ أبي الطاهر المقدسي أنه
يقرأ في اليوم والليلة خمس عشرة ختمة، وهذا الرجل قد رأيته بحانوته بسوق القماش في الأرض
المقدسة سنة سبع وستين وثمانمائة وقرأت في الإرشاد أن الشيخ نجم الدين الأصبهاني رأى رجلاً
من اليمن بالطواف ختم في شوط أو في أسبوع شك وهذا لا سبيل إلى إدراكه إلاّ بالفيض الرباني
والمدد الرحماني.
وهذا الحديث قد مرّ في أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
٧ - باب ﴿قُلِ ادْعُو الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ
فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء: ٥٦]
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿قل ادعوا الذين زعمتم﴾) أي زعمتموهم آلهة
فمفعولا الزعم حذفا اختصارًا (﴿من دونه﴾) كالملائكة والمسيح وعزير (﴿فلا يملكون﴾) فلا
يستطيعون (﴿كشف الضرّ عنكم﴾) كالمرض والفقر والقحط (﴿ولا تحويلاً﴾﴾ [الإسراء: ٥٦] أي
ولا أن يحوّلوه إلى غيركم وسقط قوله فلا يملكون الخ. لأبي ذر وقال بعد قوله: (﴿من دونه﴾)
الآية.

٣٦٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة الإسراء
٤٧١٤ - حدثني عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ
إِبْراهِيمَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّه ﴿إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ﴾ قالَ: كانَ ناسٌ مِنَ الإِنْسِ يَعْبُدُونَ
ناسًا مِنَ الْجِنِّ فَأَسْلَمَ الْجِنُّ وَتَمَسَّكَ هَؤُلاءِ بِدِينِهِمْ زادَ الأَشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الأَعْمَشِ ﴿قُلْ
ادعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾. [الحديث ٤٧١٤ - أطرافه في: ٤٧١٥].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم ابن
بحر الباهلي الصيرفي البصري قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدّثنا سفيان) الثوري
قال: (حدّثني) بالإفراد (سليمان) هو الأعمش (عن إبراهيم) النخعي (عن أبي معمر) عبد الله بن
سخبرة الأزدي الكوفي (عن عبد اللَّه) هو ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال في قوله تعالى:
(﴿إلى ربهم﴾) فيه حذف بينه في رواية النسائي من هذا الوجه فقال عن عبد الله في قوله:
﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم﴾ (الوسيلة) [الإسراء: ٥٧] أي القربة كما أخرجه
عبد الرزاق عن قتادة (قال: كان ناس من الإنس يعبدون ناسًا من الجن) استشكله السفاقسي من
حيث إن الناس ضد الجن. وأجيب: بأنه على قول من قال إنه من ناس إذا تحرّك. وقال الجوهري
في صحاحه: والناس قد يكون من الإنس والجن فهو صريح في استعمال ذلك، ولئن سلمنا أن
الجن لا يسمون ناسًا فهذا يكون من المشاكلة نحو تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك على
ما تقرر في علم البديع. (فأسلم الجن، وتمسك هؤلاء) الإنس العابدون (بدينهم) ولم يتابعوا
المعبودين في إسلامهم والجن لا يرضون بذلك لكونهم أسلموا. وزاد الطبري من وجه آخر عن
ابن مسعود والإنس الذن كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم (زاد الأشجعي) بفتح الهمزة
وسكون الشين المعجمة وبالجيم والعين المهملة عبيد اللّه مصغرًا الكوفي المتوفى في سنة ثنتين
وثمانين ومائة في روايته (عن سفيان) الثوري (عن الأعمش) سليمان (﴿قل ادعوا الذين زعمتم﴾)
وبهذه الزيادة تقع المطابقة بين الحديث والترجمة.
٨ - باب ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِم الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧]
(باب قوله) تعالى: (أولئك) الأنبياء كعيسى (﴿الذين يدعون﴾) أي يدعونهم المشركون
لكشف ضرّهم أو يدعونهم آلهة فأولئك مبتدأ والموصول نعت أو بيان أو بدل والمراد باسم الإشارة
الأنبياء الذين عبدوا من دون الله وبالواو العباد لهم ومفعولاً يدعون محذوفان كالعائد على الموصول
والخبر جملة (﴿يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾) القربة بالطاعة أو الخبر نفس الموصول ويبتغون حال من
فاعل يدعون أو بدل منه (الآية) وسقط لغير أبي ذر باب قوله.
٤٧١٥ - حدثنا بِشْرُ بْنُ خالِدٍ، أَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمانَ عَنْ
إِبراهِيمَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي هذِهِ الآيَةِ ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى
رَبِّهِمِ الْوَسِيلَةَ﴾ قالَ ناسٌ مِنَ الْجِنَّ: يُعْبَدُونَ فَأَسْلَمُوا.