النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأعراف
٢ - باب ﴿وَلَمَّا جاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِ
وَلْكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَّا
وَخَرَّ مُوسَى صَعِقَا فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[الأعراف: ١٤٣] قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرِنِي أَغْطِي.
(﴿ولما جاء موسى﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين في قوله جل ذكره: ولما جاء موسى أي حضر
(﴿لميقاتنا﴾) للوقت الذي عيناه له واللام للاختصاص كهي في قوله أتيته لعشر خلون من رمضان
وليست بمعنى عند قيل لا بدّ هنا من تقدير مضاف أي لآخر ميقاتنا ولا لانقضاء ميقاتنا (﴿وكلمه
ربه﴾) من غير واسطة على جبل الطور كلامًا مغايرًا لهذه الحروف والأصوات قديمًا قائمًا بذاته
تعالى وخلق فيه إدراكًا سمعه به، وكما ثبتت رؤية ذاته جل وعلا مع أنه ليس بجسم ولا عرض
فكذلك كلامه وإن لم يكن صوتًا ولا حرفًا صح أن يسمع. وروي أن موسى عليه السلام كان
يسمع كلام الله من كل جهة وفيه إشارة إلى أن سماع كلامه القديم ليس من جنس كلام المحدثين
وجواب لما قوله (﴿قال﴾) أي لما كلمه وخصه بهذه المرتبة طمحت همته إلى رتبة الرؤية وتشوّق إلى
ذلك فسأل ربه أن يريه ذاته المقدسة فقال (﴿رب أرني أنظر إليك﴾) أي أرني نفسك أنظر إليك
فثاني مفعولي أرى محذوف والرؤية عين النظر، لكن المعنى اجعلني متمكنًا من رؤيتك بأن تتجلى لي
فأنظر إليك وأراك، والآية تدل على جواز رؤية الله تعالى لأن موسى عليه الصلاة والسلام سألها
وكان عارفًا بالجائز والممتنع، فلو كانت محالاً لما طلبها. ولذلك (﴿قال﴾) الله تعالى جوابًا له (﴿لن
تراني﴾) ولم يقل لن أرى ولن أريك ولن تنظر إليّ كأنه قال: إن المانع ليس إلا من جانبك وإني
غير محجوب بل محتجب بحجاب منك وهو كونك فان في فان وأنا باق ووصفي باق فإذا جاوزت
قنطرة الفناء ووصلت إلى دار البقاء فزت بمطلوبك ولا يلزم من نفي لن التأبيد، إذ لو قلنا به
لقضينا أن موسى لا يراه أبدًا ولا في الآخرة، وكيف وقد ثبت في الحديث المتواتر أن المؤمنين
يرون الله تعالى في القيامة فموسى عليه السلام أحرى بذلك، وما قيل إنه سأل عن لسان قوم
فمردود بأن القوم إن كانوا كفاهم منع موسى وإلا لم يفدهم ذلك كإنكارهم أنه قول الله. وروى
محيي السنة عن الحسن قال: هاج بموسى الشوق فسأل الرؤية فقال: إلهي قد سمعت كلامك
فاشتقت إلى النظر إليك فأرني أنظر إليك فلأن أنظر إليك ثم أموت أحبّ إليّ من أن أعيش ولا
أراك (﴿ولكن انظر إلى الجبل﴾) زبير الذي هو أشد منك خلقًا (﴿فإن استقر﴾) ثبت (﴿مكانه
فسوف تراني﴾) إشارة إلى عدم قدرته على الرؤية على وجه الاستدراك، وفي تعليق الرؤية على
استقرار الجبل دليل للجواز ضرورة أن المعلق على الممكن ممكن (﴿فلما تجلّ ربه للجبل﴾) أي
ظهرت عظمته له وقدرته وأمره، وحمل اللفظ على المعهود والأكمل أولى فيجوز أن يخلق الله له
حياة وسمعًا وبصرًا كما جعله محلاً لخطابه بقوله: ﴿يا جبال أوّبي معه﴾ [سبأ: ١٠] وكما جعل
الشجرة محلاً لكلامه وكل هذا لا يحيله من يؤمن بأن الله على كل شيء قدير (﴿جعله دكًا﴾)

٢٢٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأعراف
مدكوكًا مفتتًا. وعن ابن عباس صار ترابًا. وعند ابن مردويه أنه ساخ في الأرض فهو يهوي فيها
إلى يوم القيامة، وعند ابن أبي حاتم من حديث أنس بن مالك مرفوعًا: لما تجلى ربه للجبل طارت
لعظمته ستة أجبل فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة. بالمدينة أُحد وورقان ورضوى، وبمكة حراء
وثبير وثور. قال ابن كثير: وهو حديث غريب بل منكر (﴿وخرّ موسى صعقًا﴾) مغشيًا عليه من
شدة هول ما رأى (﴿فلما أفاق﴾) أي من الغشي ((قال: سبحانك تبت إليك﴾) أي أنزهك
وأتوب إليك عن أن أطلب الرؤية في الدنيا أو بغير إذنك وحسنات الأبرار سيئات المقرّبين فكانت
التوبة لذلك فإن التوبة في حق الأنبياء لا تكون عن ذنب لأن منزلتهم العلية تصان عن كل ما
يحط عن مرتبة الكمال (﴿وأنا أوّل المؤمنين﴾) [الأعراف: ١٤٣] بأنها لا تطلب في الدنيا أو بغير
الإذن، وسقط لأبي ذر: قال لن تراني الخ، وقال بعد قوله: ﴿أرني أنظر إليك) الآية.
(قال ابن عباس) رضي الله عنهما: فيما وصله ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه
في تفسير قوله: (أرني) أنظر إليك أي (أعطني).
٤٦٣٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِهِ،
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: جاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ
وَقالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَجُلاً مِنْ أَصْحابِكَ مِنَ الأَنْصارِ لَطَمَ فِي وَجْهِي قالَ: ((ادْعُوهُ) فَدَعَوْهُ قَالَ:
(لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟)) قالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي مَرَرْتُ بِالْيَهُودِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: وَالَّذِي أَصْطَفى مُوسَى
عَلَى الْبَشَرِ. فَقُلْتُ: وَعَلَى مُحَمَّدٍ؟! وَأَخَذَتْنِي غَضْبَةٌ فَلَطَمْتُهُ قالَ: ((لا تُخيّرُونِي مِنْ بَيْنِ الأَنْبِياءِ
فَإِنَّ النَّاسَ يَضْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آَخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوائِ الْعَرْشِ
فَلا أَذْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ)). الْمَنَّ وَالسَّلْوىُ.
وبه قال: (حذّثنا محمد بن يوسف) البيكندي قال: (حدّثنا سفيان) هو ابن عيينة (عن
عمرو بن يحيى) بفتح العين (المازني) بالزاي والنون الأنصاري المدني (عن أبيه) يحيى بن عمارة
(عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه) أنه (قال: جاء رجل من اليهود) قيل اسمه فنخاص بكسر
الفاء وسكون النون وبعد الحاء المهملة ألف فصاد مهملة، وعزاه ابن بشكوال لابن إسحاق وفيه
نظر سبق في الأشخاص (إلى النبي و ﴿ قد لطم وجهه) بضم اللام وكسر الطاء المهملة مبنيًا
للمفعول ووجهه رفع مفعول نائب عن الفاعل (وقال: يا محمد إن رجلاً من أصحابك من الأنصار
لطم في وجهي) وهذا يضعف قول الحافظ أبي بكر بن أبي الدنيا أن الذي لطم اليهودي في هذه
القصة هو أبو بكر الصديق لأن ما في الصحيح أصح وأصرح (قال) عليه الصلاة والسلام: (ادعوه
فدعوه) فلما حضر (قال) عليه الصلاة والسلام مستفهمًا منه (لم لطمت وجهه؟ قال) الأنصاري:
(يا رسول الله إني مررت باليهود) الذي هذا كان فيهم (فسمعته يقول): أي في حلفه (والذي
اصطفى موسى على البشر فقلت): ولأبي ذر عن الكشميهني قلت (وعلى محمد) زاد أبو ذر عن

٢٢٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأعراف
الحموي والمستملي قال: فقلت وعلى محمد (وأخذتني غضبة) من ذلك (فلطمته قال) عليه الصلاة
والسلام، ولأبي ذر فقال على طريق التواضع أو قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم (لا تخيروني من بين
الأنبياء) أو تخييرًا يؤدّي إلى تنقيص أو لا تقدموا على ذلك بأهوائكم وآرائكم بل بما آتاكم الله من
البيان أو بالنظر إلى النبوّة والرسالة فإن شأنهما لا يختلف باختلاف الأشخاص بل كلهم في ذلك
سواء وإن اختلفت مراتبهم (فإن الناس يصعقون يوم القيامة).
قال الحافظ ابن كثير: الظاهر أن هذا الصعق يكون في عرصات القيامة يحصل أمر يصعقون
منه الله أعلم به وقد يكون ذلك إذا جاء الرب لفصل القضاء وتجلى للخلائق الملك الديان كما
صعق موسى من تجلي الرب عز وجل، ولذا قال نبينا وَ لاتر: ((فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة
الطور)) اهـ.
لكن في رواية عبد الله بن الفضل ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في
الأرض إلا من شاء الله ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أوّل من بعث وهو معنى قوله هنا (فأكون
أوّل من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي) فيكون له فضيلة
ظاهرة (أم جزي) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: جوزي بإثبات الواو (بصعقة الطور) فلم
يصعق لكن لفظ يفيق وأفاق إنما يستعمل في الغشي، وأما الموت فيقال فيه بعث منه وصعقة
الطور لم تكن موتًا ويحتمل أن يكون اللفظ على ظاهره ويكون قاله قبل أن يعلم أنه أوّل من
تنشق عنه الأرض. قال الداودي وقوله: أوّل من يفيق ليس بمحفوظ والصحيح أوّل من تنشق
عنه الأرض.
(﴿المن والسلوى﴾﴾ [الأعراف: ١٦٠] وفي نسخة باب: المن والسلوى.
٤٦٣٩ - حدثنا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنْ وَمَاؤُها شِفَاءُ الْعَيْنِ)).
وبه قال: (حدّثنا مسلم) بن إبراهيم الفراهيدي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن
عبد الملك) بن عمير بضم العين وفتح الميم القرشي الكوفي (عن عمرو بن حريث) بضم الحاء
آخره مثلثة مصغرًا (عن سعيد بن زيد) أحد العشرة رضي الله عنهم (عن النبي (وَل﴿) أنه (قال):
(الكمأة) بفتح الكاف وسكون الميم نوع (من المن) لأنه ينبت بنفسه من غير علاج ولا
مؤونة كما كان ينزل على بني إسرائيل (وماؤها شفاء العين) إما بخلطه بدواء آخر وإما بمجرده
وصوّبه النووي، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: من العين، وله عن الكشميهني شفاء للعين.
وهذا الحديث أخرجه في الأدب ومسلم في الأطعمة والترمذي والنسائي وابن ماجة في
الطب.

٢٢٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأعراف
٣ - باب ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمُواتِ
وَالأَرْضِ لا إِله إِلاَّ هُوَ يُخْبِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ النَِّيِّ الأَمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِالله
وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]
(باب) بالتنوين وهو ثابت لأبي ذر (﴿قل يا أيها الناس﴾) شامل للعرب وغيرهم كأهل
الكتاب (﴿إني رسول الله إليكم جميعًا﴾) حال من المجرور بإلى وفيه ردّ على العيسوية من اليهود
أتباع عيسى الأصبهاني الزاعمين تخصيص إرساله عليه السلام بالعرب، وقيل المراد بالناس العقلاء
ومن تبلغه الدعوة (﴿الذي له ملك السموات والأرض﴾) نصب بأعني أو جر نعت للجلالة وإن
حيل بين النعت والمنعوت بما هو متعلق المضاف إليه ومناسبة ذكر السموات والأرض هنا الإشعار
بأن له تخصيص من شاء بما شاء من تخصيص الرسالة وتعميمها (﴿لا إله إلا هو﴾) جملة لا محل
لها من الإعراب أو بدل من الصلة التي هي له ملك السموات والأرض ولقائل أن يقول الأولى
الاستئناف ویکون کالجواب لمن سأل لماذا اختص بذلك فأجيب بأنه المتوحد بالألوهية وقوله:
(﴿يحيي ويميت﴾) يجري مجرى الدليل على ذلك (﴿فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي﴾) الذي لا
يخط كتابًا بيده ولا يقرؤه وقد ولد في قوم أميين ونشأ بين أظهرهم في بلد ليس به عالم يعرف
أخبار الماضين ولم يخرج في سفر ضاربًا إلى عالم فيعكف عليه فجاءهم بأخبار التوراة والإنجيل
والأمم الماضية إلى غير ذلك من العلوم التي تعجز عن بلوغها القوى البشرية مما لا يرتاب أنه أمر
إلهي ووحي سماوي (﴿الذي يؤمن بالله وكلماته﴾) المنزلة عليه وعلى سائر الرسل من كتب ووحي
وقراءة وكلمته بالإفراد يراد بها الجنس أو القرآن أو عيسى.
وفي حديث عبادة بن الصامت عند البخاري مرفوعًا ((من قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد اللَّه ورسوله وكلمته» الحديث. قال في
الأنوار: أريد بالكلمة في الآية عيسى تعريضًا باليهود وتنبيهًا على أن من لم يؤمن به لم يعتبر إيمانه
وقال غيره لعله أراد كلمة كن، وخصّ بها عيسى لأنه لم يوجد بغيرها وإن كان غيره كذلك لكنه
ينسب إلى نطفة الأب في الجملة (﴿واتبعوه﴾) اسلكوا طريقه واقتفوا أثره (﴿لعلكم تهتدون﴾)
[الأعراف: ١٥٨] إلى الصراط المستقيم وسقط لغير أبي ذر لفظ باب وله من قوله: ﴿لا إله إلا
هو﴾ إلى آخرها. وقال بعد قوله: ﴿والأرض) الآية. وثبت ذلك للباقين.
٤٦٤٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّه، حَدَّثَنَا سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمْنِ، وَمُوسَى بْنُ هارُونَ، قالا:
حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زَبْرِ قالَ: حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قالَ:
حَدَّثَنِي أَبُو إِذْرِيسَ الْخَوْلانِيُّ قالَ: سَمِعْتُ أَبَا النَّزْدَاءِ يَقُولُ: كانَتْ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ مُحاوَرَةٌ
فَأَغْضَبَ أَبُو بَكْرٍ عُمَّرَ فَأَنْصَرَفَ عَنْهُ عُمَرُ مُغْضَبًا فَتْبَعَهُ أَبُو بَكْرٍ يَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى
أَغْلَقَ بَابَهُ فِي وَجْهِهِ فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﴿ فَقالَ: أَبُو الدَّرداءِ وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَقالَ

٢٢٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأعراف
رَسُولُ اللهِوَ﴿: (أَمَّا صاحِبُكُمْ هُذا فَقَدْ غامَرَ)) قالَ وَنَدِمَ عُمَرُ عَلى ما كانَ مِنْهُ فَأَقْبَلَ حَتَّى سَلَّمَ
وَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َهِ وَقَصَّ عَلَى رَسُولِ اللهِوَّهِ الْخَبَرَ قَالَ أَبُو الدَّزْدَاءِ: وَغَضِبَ رَسُولُ اللهَِو
وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ الله لأَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو
لِي صاحِبِي هَلْ أَنْتُمْ تارِكُو لِي صاحِبِي إِنِّي قُلْتُ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا فَقُلْتُمْ:
كَذَبْتَ)) وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: غامَرَ سَبَقَ بِالْخَيْرِ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (عبد الله) غير منسوب عند الأكثرين وعند
ابن السكن عن الفربري عن البخاري عبد الله بن حماد وبذلك جزم أبو نصر الكلاباذي وغيره
وعبد اللَّه هذا هو الآملي بمد الهمزة وضم الميم المخففة وهو من تلامذة البخاري وكان يورق بين
يديه وكان حافظًا وشارك البخاري في كثير من شيوخه وروايته عنه هنا من رواية الأكابر عن
الأصاغر قال: (حدّثنا سليمان بن عبد الرحمن) الدمشقي من شيوخ المؤلف (وموسى بن هارون)
البني بضم الموحدة وتشديد النون المكسورة والبردي بضم الموحدة وسكون الراء الكوفي قدم مصر
وسكن الفيوم وليس له في البخاري غير هذا الحديث (قالا: حدّثنا الوليد بن مسلم) أبو العباس
الدمشقي قال: (حدّثنا عبد الله بن العلاء) بفتح العين والمد (ابن زبر) بفتح الزاي وسكون الموحدة
الربعي بفتح الراء والموحدة وبالعين المهملة (قال: حدّثني) بالإفراد (بسر بن عبيد الله) بضم
الموحدة وسكون المهملة وعبيد اللَّه بضم العين مصغرًا الحضرمي الشامي (قال: حدّثني) بالإفراد
(أبو إدريس) عائذ الله (الخولاني) بالخاء المعجمة المفتوحة والنون (قال: سمعت أبا الدرداء) عويمرًا
الأنصاري رضي الله عنه (يقول: كانت بين أبي بكر وعمر) رضي الله عنهما (محاورة) بالحاء والراء
المهملتين (فأغضب أبو بكر عمر) رضي الله عنهما (فانصرف عنه عمر) حال كونه (مغضبًا فاتبعه
أبو بكر يسأله أن يستغفر له فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه) غاية لسؤال أبي بكر عمر (فأقبل
أبو بكر إلى رسول الله # فقال أبو الدرداء ونحن عنده) عليه الصلاة والسلام (فقال
رسول الله (13):
(أما صاحبكم هذا) يعني أبا بكر (فقد غامر) بالغين المعجمة وبعدها ألف فميم ثم راء أي
خاصم وغاضب وحاقد. وفي مناقب أبي بكر أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته
فقال النبي وَ لتر: ((أما صاحبكم هذا فقد غامر فسلم)). وقال: إني كان بيني وبين ابن الخطاب
شيء فأسرعت إليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى عليّ فأقبلت إليك فقال: ((يغفر الله لك يا أبا
بکر ثلاثًا».
(قال) أبو الدرداء (وندم عمر على ما كان منه) من عدم استغفاره لأبي بكر رضي الله عنهما
(فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي وَ# وقص على رسول الله وَلقر الخبر) الذي كان بينه وبين
الصديق (قال أبو الدرداء: وغضب رسول الله(38). وفي المناقب فجعل وجه رسول الله الفول
يتمعر أي يتغير من شدة الغضب (وجعل أبو بكر يقول): وهو جاث على ركبتيه مشفقًا أن ينال
إرشاد الساري/ ج ١٠ / م ١٥

٢٢٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأعراف
عمر من النبي وَلير ما يكره (والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم) من عمر في ذلك (فقال
رسول الله : هل أنتم تاركو لي صاحبي هل أنتم تاركو لي صاحبي) مرتين وتاركو بغير نون
مضافًا لصاحبي مع الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور كقراءة ابن عامر ﴿زين لكثير
من المشركين قتل أولادهم شركائهم﴾ [الأنعام: ١٣٧] ببناء زين للمفعول ورفع قتل ونصب
أولادهم وجر شركائهم وهي قراءة متواترة وتضعيف أهل العربية لها للفصل إنما هو لاعتقادهم
أن القراءات بحسب وجوه العربية وهو خطأ فالعربية تصحح بالقراءة لا القراءة بالعربية وقد
أشبعت الكلام في مبحث ذلك في كتابي في القراءات الأربعة عشر، وتقديم الجار يفيد
الاختصاص، وفي رواية أبي ذر تاركون لي بالنون على الأصل (إني قلت: ﴿يا أيها الناس إني
رسول الله إليكم جميعًا﴾ فقلتم: كذبت. وقال أبو بكر: صدقت). وهذا كما مرّ قريبًا خطاب عام
يردّ على العيسوية من اليهود المصدقين ببعثته إلى العرب لا إلى بني إسرائيل لأنا نقول إنهم أقرّوا
بأنه رسول وإذا كان كذلك كان صادقًا في كل ما يدعيه وقد ثبت بالتواتر وبظاهر هذه الآية أنه
كان يدعي عموم رسالته فوجب تصديقه وبطل قولهم إنه كان مبعوثًا للعرب لا لبني إسرائيل.
وهذا الحديث من أفراد المؤلف.
(قال أبو عبد اللَّه): هو البخاري في تفسير (غامر) أي (سبق بالخير) بالتحتية الساكنة كذا
فسره والذي في الصحاح والنهاية أي خاصم أي دخل في غمرة الخصومة وهي معظمها، والمغامر
الذي يرمي بنفسه في الأمور المهلكة، وقيل هو من الغمر بالكسر وهي الحقد أي حاقد غيره وقد
مر نحوه، وهذا ثابت في رواية أبوي الوقت وذر ساقط لغيرهما. قال في المشارق: كذا فسره
المستملي عن البخاري وهو يدل على أنه ساقط للحموي والكشميهني على ما لا يخفى.
٤ - باب قَوْلِهِ: ﴿حِطَّةٌ﴾
باب قوله: ((حطة﴾) كذا لأبي ذر ولغيره ﴿وقولوا حطة﴾ بغير ذكر باب وبزيادة وقولوا
وحطة رفع خبر مبتدأ محذوف أي مسألتنا حطة، والأصل حط عنا ذنوبنا.
٤٦٤١ - حدثنا إِسْحُقُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرْ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبا
هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴿: ((قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا
حِطَّةٌ تَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ﴾ فَبَدِّلُوا فَدَخَلُوا يَزْسَنُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ وَقالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ» .
وبه قال: (حدثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (إسحق) الحنظلي بن راهويه قال: (أخبرنا
عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن همام بن منبه) بتشديد الميم الأولى
ومنبه بتشديد الموحدة المكسورة أخي وهب (أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال
رسول الله ◌َاء):

٢٢٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأعراف
(قيل لبني إسرائيل) لما خرجوا من التيه (﴿ادخلوا الباب﴾) باب بيت المقدس (﴿سجدًا﴾)
شكرًا لله على نعمة الفتح وإنقاذهم من التيه. وفسر ابن عباس السجود هنا بالركوع (﴿وقولوا
حطة﴾) بالرفع (﴿نغفر لكم خطاياكم﴾﴾ [الأعراف: ١٦١] وسقط قوله: ﴿نغفر لكم خطاياكم﴾
في رواية سورة البقرة (فبدلوا) أي غيروا (فدخلوا يزحفون على أستاههم) بفتح الهمزة وسكون
المهملة أوراكهم (وقالوا حبة في شعرة) بفتح العين وللكشميهني في شعيرة بكسر العين وزيادة تحتية
فبدّلوا السجود بالزحف وبدّلوا قول حطة بقول حبة بحاء مهملة مفتوحة فموحدة وزادوا في
شعيرة أو شعرة.
وهذا الحديث قد سبق في البقرة.
٥ - باب ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُزْ بِالْعُرْفِ
وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الْعُرْفُ: الْمَعْرُوفُ
(باب) قوله تعالى لنبيه وَلجر: (﴿خذ العفو﴾) أي الفضل وما أتى من غير كلفة (﴿وأمر
بالعرف﴾) المعروف كما يأتي إن شاء الله تعالى ((وأعرض عن الجاهلين﴾) كأبي جهل وأصحابه
وكان هذا قبل الأمر بالقتال (العرف) هو (المعروف) المستحسن من الأفعال.
٤٦٤٢ - حدّثنا أَبُو الْيَمانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّه بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُثْبَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةً فَنَزَّلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ
الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُذْنِيهِمْ عُمَرُ، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحابَ مَجالِسٍ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ
كُهُولاً كَانُوا أَوْ شُبَّانًا فَقَالَ عُبَيْنَةُ لايْنِ أَخِيهِ: يا ابْنَ أَخِي لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هذَا الأَمِيرِ فَأَسْتَأْذِنْ لِي
عَلَيْهِ قَالَ: فَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: فَأَسْتَأْذَنَ الْحُرُّ لِعُبَيْنَةَ فَذِنَ لَهُ عُمَرُ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ
قالَ: هِيْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ فَوَالله ما تُعْطِينَا الْجَزْلَ وَلاَ تَحْكُمُ بَيْتَنَا بِالْعَدْلِ فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ بِهِ
فَقالَ لَهُ الْحُرُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الله تَعالى قالَ لِنَبِّهِ وَ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَغْرِضْ
عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ وَإِنَّ هذَا مِنَ الْجَاهِلِينَ وَالله ما جاوَزَها عُمَرُ حِينَ تَلاها عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ
كِتابِ الله. [الحديث ٤٦٤٢ - طرفاه في: ٧٢٨٦].
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (حدّثنا) في الفرع كأصله أخبرنا (شعيب)
هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عبيد اللَّه)
بضم العين (ابن عبد الله بن عتبة) بن مسعود (أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم عيينة بن
حصن بن حذيفة) بضم الحاء مصغرًا الفزاري (فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس) أي ابن حصن
(وكان من النفر الذين يدنيهم) أي يقربهم (عمر) بن الخطاب رضي الله عنه (وكان القراء أصحاب
مجالس عمر ومشوراته كهولاً) جمع كهل وهو الذي وخطه الشيب (كانوا أو شبانًا) بضم الشين

٢٢٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأعراف
المعجمة وتشديد الموحدة وللكشميهني أو شبابًا بفتح الشين المعجمة بموحدتين الأولى مخففة (فقال
عيينة لابن أخيه) الحر بن قيس: (يا ابن أخي لك وجه) وجيه ولأبي ذر: هل لك وجه (عند هذا
الأمير فاستأذن لي عليه. قال) الحر (سأستأذن لك عليه. قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة فأذن
له عمر، فلما دخل عليه قال: هي) بكسر الهاء وسكون الياء كلمة تهديد وقيل هي ضمير وهناك
محذوف أي هي داهية (يا ابن الخطاب فوالله ما تعطينا الجزل) بفتح الجيم وسكون الزاي أي ما
تعطينا العطاء الكثير (ولا تحكم بيننا بالعدل فغضب عمر) رضي الله عنه (حتى همّ به) وكان
شديدًا في الله ولأبي الوقت حتى هم أن يوقع به (فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال
لنبيه *: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾) وإن هذا من الجاهلين (والله ما
جاوزها) أي ما جاوز الآية المتلوّة أي لم يتعدّ العمل بها (عمر حين تلاها عليه) الحر (وكان وقافًا
عند کتاب الله) لا يتجاوز حکمه.
وهذا الحديث من أفراده، وأخرجه أيضًا في الاعتصام.
٤٦٤٣ - هقلنا يَخيى، حَدِّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ الزُّبَيْرِ، ﴿خُذٍ
الْعَفْوَ وَأْمُزْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] قالَ: ما أنْزَلَ الله إلاَّ فِي أخْلاقِ النَّاسِ. [الحديث ٤٦٤٣.
طرفه في: ٤٦٤٤].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (يحيى) غير منسوب فقال ابن السكن
يحيى بن موسى يعني المعروف بخت، وقال المستملي يحيى بن جعفر يعني البيكندي ورجحه ابن
حجر قال: (حدّثنا وكيع) هو ابن الجراح الرؤاسي براء مضمومة فهمزة فسين مهملة الكوفي
الحافظ العابد (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام (عن) أخيه (عبد الله بن الزبير) بن
العوام وسقط لأبي ذر عبد اللَّه أنه قال في قوله تعالى: ((خذ العفو وأمر بالعرف﴾ قال ما أنزل
الله) أي هذه الآية (إلا في أخلاق الناس).
٤٦٤٤ - حدثنا وَقَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ بَرَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسامَةَ حَدَّثَنَا هِشامٌ، أَخْبَرَنِي عَنْ أَبِيهِ
عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: أَمَرَ اللهِ نِيَّهُ وَ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلاقِ النَّاسِ أَوْ كَما قالَ.
(وقال عبد اللَّه بن براد) بفتح الموحدة وتشديد الراء وبعد الألف مهملة وهو عبد الله بن
عامر بن براد بن يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ونسبه إلى جده لشهرته به (حدّثنا أبو
أسامة) حماد بن أسامة قال: (حدّثنا هشام أخبرني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا أبو أسامة قال
هشام: (عن أبيه) عروة بن الزبير (عن) أخيه (عبد الله بن الزبير) أنه (قال: أمر الله) تعالى
(نبيه* أن يأخذ العفو من أخلاق الناس أو كما قال).
وقد اختلف على هشام في هذا الحديث فوصله بعضهم كالإسماعيلي، وقال سعيد بن أبي
عروبة عن قتادة ﴿خذ العفو﴾ الخ هذه أخلاق أمر الله تعالى بها نبيه و ليزر ودله عليها فأمره أن يأخذ

٢٢٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنفال
الفضل من أخلاقهم بسهولة من غير تشديد ويدخل فيه ترك التشديد بما يتعلق بالحقوق المالية،
وكان هذا قبل الزكاة.
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم جميعًا عن أمي قال: لما أنزل الله على نبيه وَله ﴿خذ العفو﴾
الآية قال رسول الله وَ له: ((ما هذا يا جبريل)) قال: إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من
حرمك وتصل من قطعك. وهو مرسل له شواهد من وجوه أخر كما قاله الحافظ ابن كثير وهو
مطابق للفظ لأن وصل القاطع عفو عنه وإعطاء من حرم أمر بالمعروف والعفو عن الظالم إعراض
عن الجاهل، فالآية مشتملة على مكارم الأخلاق فيما يتعلق بمعاملة الناس، ولذا قال جعفر
الصادق: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها. قال بعض الكبراء: الناس رجلان محسن
فخذ ما عفا لك من إحسانه ولا تكلفه فوق طاقته، ومسيء فمره بالمعروف فإن تمادى على ضلاله
واستعصى عليك واستمر في جهله فأعرض عنه فلعل ذلك يردّه كما قال تعالى: ﴿ادفع بالتي هي
أحسن﴾ [المؤمنون: ٩٦].
([٨] سورة الأنفال)
مدنية وآيها ست وسبعون، وثبت لفظ سورة لأبي ذر.
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ سقط لفظ البسملة لغير أبي ذر.
١ - باب قَوْلُهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفالِ قُلِ الأَنْفالُ الله وَالرَّسُولِ
فَتَّقُوا الله وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنفال: ١] قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
الأَنْفالُ: الْمَغانِمُ، قَالَ قَتَادَةُ: رِيحُكُمُ: الْحَرْبُ. يُقالُ: نَافِلَةٌ: عَطِئَةٌ.
(قوله) تعالى: (﴿يسألونك﴾) من حضر بدرًا (﴿عن الأنفال﴾) أي عن حكمها لاختلاف
وقع بينهم فيها يأتي ذكره إن شاء الله تعالى (﴿قل الأنفال الله والرسول)) يقسمها وَّر على ما يأمره
الله تعالى (﴿فاتقوا الله﴾) في الاختلاف ((وأصلحوا ذات بينكم)) [الأنفال: ١] أي الحال التي
بينكم إصلاحًا يحصل به الألفة والاتفاق وذلك بالمواساة والمساعدة في الغنائم، وسقط قوله
﴿يسألونك﴾ الخ لأبي ذر.
(قال ابن عباس) رضي الله عنهما فيما وصله من طريق علي بن أبي طلحة عنه: (الأنفال)
هي (المغانم) كانت لرسول الله وَغير خالصة ليس لأحد فيها شيء، وقيل سميت الغنائم أنفالاً لأن
المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل لهم وسمي التطوع نافلة لزيادته على الفرض،
ويعقوب لكونه زيادة على ما سأل، وفي الاصطلاح ما شرطه الإمام لمن يباشر خطر التقدم طليعة
وكشرط السلب للقاتل.

٢٣٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنفال
(قال قتادة) فيما رواه عبد الرزاق في قوله تعالى: وتذهب (﴿ريحكم)) [الأنفال: ٤٦] أي
(الحرب) وقيل: المراد الحقيقة فإن النصر لا يكون إلا بريح يبعثها الله تعالى وفي الحديث نصرت
بالصبا (يقال نافلة) أي (عطية).
٤٦٤٥ - حدثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيم، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمانَ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو
بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لايْنِ عَبَّاسِ رَضِيَ الله عَنْهُمَا سُورَةُ الأَنْفالِ قالَ: نَزَلَتْ فِي
بَذْرٍ، الشّوْكَةُ: الْحَدْ، مُزْدِفِينَ: فَوْجًا بَعْدَ فَوْجِ، رَدِفَنِي وَأَرْدَفَنِي جاءَ بَعْدِي، ذُوقُوا: باشِرُوا
وَجَرِّبُوا وَلَيْسَ هذَا مِنْ ذَوْقِ الْفَمِ، فَيَرْكُمَهُ: يَجْمَعَهُ. شَرِّدْ: فَرُقْ، وَإِنْ جَنَحُوا: طَلَبُوا، السِّلْمُ
وَالسَّلْمُ وَالسَّلامُ وَاحِدٌ، يُثْخِنَ: يَغْلِبَ. وَقَالَ مُجاهِدٌ: مُكاءً: إدخالُ أَصابِعِهِمْ فِي أَفْواهِهِمْ،
وَتَصْدِيَةً: الصَّغِيرُ، لِيُشْبِتُوكَ: لِيَخْبِسُوكَ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن عبد الرحيم) صاعقة قال: (حدّثنا سعيد بن سليمان)
سعدويه البغدادي قال: (أخبرنا هشيم) بضم الهاء وفتح المعجمة مصغرًا ابن بشير الواسطي قال:
(أخبرنا أبو بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة جعفر بن أبي وحشية إياس الواسطي (عن
سعيد بن جبير) أنه (قال: قلت لابن عباس رضي الله عنهما سورة الأنفال) ما سبب نزولها؟
(قال: نزلت في) غزوة (بدر).
وروى أبو داود والنسائي وابن جرير وابن مردويه واللفظ له وابن حيان والحاكم من طرق
عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله وَليقول: ((من
صنع كذا وكذا فله كذا وكذا، فتسارع في ذلك شبان الرجال وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما
كانت الغنائم جاؤوا يطلبون الذي جعل لهم فقال الشيوخ لا تستأثروا علينا فإنا كنا ردةًا لو
انكشفتم فئتم فتنازعوا فأنزل الله ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ إلى قوله: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾.
(﴿الشوكة﴾) في قوله تعالى: ﴿وتودّون أن غير ذات الشوكة﴾ [الأنفال: ٧] (الحد) بالحاء
المهملة أي تحبون أن الطائفة التي لا حدّ لها ولا منعة ولا قتال وهي العير تكون لكم وتكرهون
ملاقاة النفير لكثرة عددهم وهذا ساقط لأبي ذر.
وقوله: ((مردفين﴾) بكسر الدال أي متبعين من أردفته إذا اتبعته أو جئت بعده (فوجًا بعد
فوج). يقال: (ردفني) بكسر الدال (وأردفني) أي (جاء بعدي) وعن ابن عباس وراء كل ملك
ملك وعنه مما روي من طريق علي بن أبي طلحة قال: وأمدّ الله تعالى نبيه وَلجر والمؤمنين بألف من
الملائكة وكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مجنبة وميكائيل في خمسمائة مجنبة.
(ذوقوا) يريد قوله تعالى: ﴿ذلكم فذوقوه﴾ [الأنعام: ١٤] أي (باشروا وجربوا) أي العذاب
العاجل من ضرب الأعناق وقطع الأطراف (وليس هذا من ذوق الفم).

٢٣١
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنفال
وقوله: ((فير كمه﴾) قال أبو عبيدة أي (يجمعه) ويضم بعضه على بعض أو يجعل الكافر مع
ما أنفق للصد عن سبيل الله إلى جهنم ليكون المال عذابًا عليه كقوله تعالى: ﴿فتكوي جباههم﴾
[التوبة: ٣٥].
(شّد) يريد قوله تعالى: ﴿فإما تثقفنهم في الحرب فشرِّد بهم من خلفهم﴾ [الأنفال: ٥٧]
قال أبو عبيدة أي (فرق). وقال عطاء: غلظ عقوبتهم وأثخنهم قتلاً ليخاف من سواهم العدو
(﴿وإن جنحوا﴾) أي (طلبوا السلم والسلم والسلام واحد) وهذا ثابت للأبوين للسلم للصلح.
(﴿يثخن﴾) في الأرض قال أبو عبيدة: أي (يغلب) بكثرة القتل في العدوّ والمبالغة فيه حتى
يذل الكفر ويعز الإسلام.
(وقال مجاهد): في قوله تعالى: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلاّ﴾ (﴿مكاء))
[الأنفال: ٣٥] هو (إدخال أصابعهم في أفواههم، وتصدية الصفير) كذا رواه عبد بن حميد عن
مجاهد، وعن ابن عمر مما رواه ابن جرير المكاء الصفير والتصدية التصفيق، وعن ابن عباس مما
رواه ابن أبي حاتم كانت قريش تطوف بالبيت عراة تصفر وتصفق.
(﴿ليثبتوك﴾) أي (ليحبسوك) وما روي عن عبيد بن عمير أن قريشًا لما ائتمروا بالنبي وَلفول
ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه قال له عمه أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: (يريدون أن
يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني) فقال: من أخبرك بهذا؟ قال: ((رب الخير)) الخ ...
تعقبه ابن كثير بأن ذكر أبي طالب فيه غريب جدًا بل منكر لأن هذه الآية مدنية، وهذه
القصة إنما كانت ليلة الهجرة بعد موت أبي طالب بنحو ثلاث سنين.
وذكر ابن إسحق عن ابن عباس أنهم اجتمعوا في دار الندوة فدخل عليهم إبليس في صورة
شيخ نجدي فقال بعضهم: تحبسونه في بيت وتسدّون منافذه غير كوّة تلقون إليه طعامه وشرابه
منها حتى يموت فقال إبليس: بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم، وقال
هشام بن عمرو: رأيي أن تحملوه على جمل فتخرجوه من أرضكم فلا يضرّكم ما صنع فقال بئس
الرأي يفسد قوما غيركم ويقاتلكم بهم، فقال أبو جهل: أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلامًا
وتعطوه سيفًا فيضربه ضربة واحدة فيتفرق دمه في القبائل، فقال إبليس: صدق هذا الفتى فتفرقوا
على رأيه، فأتى جبريل النبي وَله وأخبره بالخبر وأمره بالهجرة، وأنزل الله عليه بعد قدومه المدينة
الأنفال يذكره نعمته عليه ﴿وإذ يمكر الذين كفروا ليثبتوك﴾ [الأنفال: ٣٠].
وقد منع بعضهم حديث إبليس وتغيير صورته لأن فيه إعانة للكفار ولا يليق بحكمة الله
تعالى أن يجعل إبليس قادرًا عليه، وأجيب: بأنه إذا لم يبعد أن يسلطه الله على قريش بالوسوسة
فيما صدر منهم فكيف يبعد ذلك.
=

٢٣٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنفال
٢ - باب ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوابٌ عِنْدَ اللَّهِ
الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢]
(﴿إن شرّ الدواب عند الله﴾) ما يدب على أرض أو شرّ البهائم (﴿الصمّ﴾) عن سماع الحق
(﴿البكم﴾) عن فهمه ولذا قال (﴿الذين لا يعقلون﴾﴾ [الأنفال: ٢٢] أجعلھم من البهائم ثم
جعلهم شرّها وزاد أبو ذر قال قال هم نفر من بني عبد الدار.
٤٦٤٦ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا وَزْقَاءُ عَنِ ابْنٍ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ: ﴿إِنَّ شَرِّ الدَّوابِ عِنْدَ الله الصُّمِّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ قالَ: هُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ
الدَّارِ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (حدّثنا ورقاء) بفتح الواو وبعد الراء
الساكنة قاف. ممدود ابن عمر بن كليب (عن ابن أبي نجيح) عبد الله وأبو نجيح بفتح النون
وكسر الجيم آخره حاء مهملة اسمه يسار الثقفي المكي (عن مجاهد) المفسر (عن ابن عباس) رضي
الله تعالى عنهما في قوله تعالى: (﴿إن شرّ الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون﴾ قال:
هم نفر من بني عبد الدار) من قريش وكانوا يحملون اللواء يوم أَحُد حتى قتلوا وأسماؤهم في
السير قاله في المقدمة، وهؤلاء شر البرية لأن كل دابة مما سواهم مطيعة لله فيما خلقت له،
وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا وهذا يعم كل مشرك من حيث الظاهر وإن كان السبب خاصًا كما
لا يخفى.
٣ - باب ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لله
وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَأَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤] اسْتَجِيبُوا: أَجِيبُوا. لَما يُخْبِيكُمْ: يُصْلِحُكُمْ.
(﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم﴾) الاستجابة هي الطاعة والامتثال
والدعوة البعث والتحريض ووحد الضمير ولم يثنه لأن استجابة الرسول كاستجابة الباري جل وعلا
وإنما يذكر أحدهما مع الآخر للتوكيد (﴿لما يحييكم﴾) من علوم الديانات والشرائع لأن العلم حياة
كما أن الجهل موت (﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾) أي يحول بينه وبين الكفران أراد
سعادته وبينه وبين الإيمان إن قدّر شقاوته والمراد الحث على المبادرة على إخلاص القلب وتصفيته
قبل أن يحول الله بينه وبينه بالموت وفيه تنبيه على اطّلاعه تعالى على مكنوناته (﴿وأنه إليه تحشرون))
[الأنفال: ٢٤] فيجازيكم على ما اطّلع عليه في قلوبكم وسقط قوله: ﴿واعلموا﴾ الخ لأبي ذر وقال
بعد قوله: ﴿لما يحبيكم﴾ الآية.

٢٣٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنفال
(﴿استجيبوا﴾) قال أبو عبيدة أي (أجيبوا) وقوله: (﴿لما يحييكم)) أي (يصلحكم).
٤٦٤٧ - حدّلني إِسْحَقُ قالَ: أَخْبَرَنَا رَوْحٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ،
سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عاصِمٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: كُنْتُ أُصَلِي فَمَرَّ
بِي رَسُولُ اللهِوَ﴿ فَدَعَانِي فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: ((ما مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَّ؟ أَلَمْ يَقُلِ الله:
﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعاكُمْ﴾)) ثُمَّ قالَ: ((لأَعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي
الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ)) فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ﴿ لِيَخْرُجَ فَذَكَّرْتُ لَهُ وَقَالَ مُعاذْ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
خُبَيْبٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ سَمِعَ حَفْصًا سَمِعَ أَبْا سَعِيدٍ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ بِهذا، وَقَالَ:
(هِيَ الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ السَّبْعُ الْمَثانِي)).
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إسحلق) بن إبراهيم بن راهويه أو ابن منصور قال: (أخبرنا
روح) بفتح الراء بن عبادة بتخفيف الموحدة القيسي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن
خبيب بن عبد الرحمن) بضم الخاء المعجمة وبعد الموحدة الأولى المفتوحة تحتية ساكنة الخزرجي
المدني أنه قال: (سمعت حفص بن عاصم) العمري (يحدث عن أبي سعيد بن المعلى) بضم الميم
وفتح اللام المشددة الأنصاري واسمه حارث أو رافع أو أوس (رضي الله عنه) أنه (قال: كنت
أصلي) زاد في الفاتحة في المسجد (فمرّ بي رسول الله وَله فدعاني فلم آنه) بمدّ الهمزة (حتى صليت
ثم أتيته فقال):
(ما منعك أن تأتي؟) ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر تأتيني. زاد في الفاتحة فقلت: يا
رسول الله إني كنت أصلي فقال: (ألم يقل الله ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا
دعاكم﴾) رجح بعضهم أن إجابته لا تبطل الصلاة لأن الصلاة إجابة قال: وظاهر الحديث يدل
عليه ولذا رجح تفسير الاستجابة بالطاعة والدعوة بالبعث والتحريض وقيل كان دعاه لأمر لا
يحتمل التأخير فجاز قطع الصلاة (ثم قال) عليه الصلاة والسلام: (لأعلمنك أعظم سورة في
القرآن) من جهة الثواب على قراءتها لما اشتملت عليه من الثناء والدعاء والسؤال (قبل أن أخرج)
زاد في الفاتحة: من المسجد (فذهب رسول الله * ليخرج) من المسجد (فذكرت له) وفي الفاتحة
قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟.
(وقال معاذ): هو ابن أبي معاذ العنبري (حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن خبيب بن
عبد الرحمن) وسقط ابن عبد الرحمن لغير أبي ذر أنه (سمع حفصًا) العمري (سمع أبا سعيد) هو
ابن المعلى (رجلاً من أصحاب النبي { $ بهذا) الحديث المذكور (وقال: هي الحمد لله رب العالمين
السبع المثاني) بالرفع بدلاً من الحمد لله أو عطف بيان، وهذا وصله الحسن بن أبي سفيان وفائدة
إيراده هنا ما فيه من تصريح سماع حفص من أبي سعيد.

٢٣٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنفال
٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هُذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجَارَةً
مِنَ السَّماءِ أَوِ اتَّبِّنَا بِعَذَابِ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ما سَمَّى الله تَعالَى
مَطَرًا فِي الْقُرْآنِ إِلَّ عَذَابًا، وَتُسِّمِّيهِ الْعَرَبُ الْغَيْثَ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنْزِلُ
الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨].
(باب قوله) عز وجل: (﴿وإذ قالوا اللهم إن كان هذا﴾) أي القرآن (﴿هو الحق من
عندك﴾) منزلاً (﴿فأمطر علينا حجارة من السماء﴾) عقوبة لنا على إنكاره وفائدة قوله من السماء
والأمطار لا تكون إلا منها المبالغة في العذاب فإنها محل الرحمة كأنهم قالوا بدّل رحمتك النازلة من
السماء بنزول العذاب منها أو أنها أشد تأثيرًا إذا سقطت من أعلى الأماكن (﴿أو ائتنا بعذاب
أليم)) [الأنفال: ٣٢]. بنوع آخر والمراد نفي كونه حقًّا وإذا انتفى كونه حقًّا لم يستوجب منكره
عذابًا فكان تعليق العذاب بكونه حقًّا مع اعتقاده أنه ليس بحق كتعليقه بالمحال في قولك إن كان
الباطل حقًّا فأمطر علينا حجارة وهذا من عنادهم وتمرّدهم.
روي أن معاوية قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة؟ فقال:
أجهل من قومي قومك حين قالوا: إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء
ولم يقولوا فاهدنا له.
وروي أن النضر بن الحارث لعنه الله لما قال: إن هذا إلا أساطير الأولين، قال النبي وَلّ:
((ويلك إنه كلام الله)) فقال هو وأبو جهل: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، وإسناده إلى
الجمع إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم، وثبت باب قوله لأبي ذر وسقط له من قوله علينا حجارة
الخ. وقال بعد قوله: ﴿فأمطر﴾ الآية.
(قال ابن عيينة) سفيان في تفسيره رواية سعيد بن عبد الرحمن المخزومي: (ما سمى الله
تعالى مطرًا في القرآن إلاّ عذابًا) أو ردّ عليه قوله تعالى: ﴿إن كان بكم أذى من مطر﴾ فإن المراد به
المطر قطعًا ونسبة الأذى إليه بالبلل والوحل الحاصل منه لا يخرجه عن كونه مطرًا (وتسمية العرب
الغيث وهو قوله تعالى: ﴿وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا﴾) [الشورى: ٢٨] وثبت
قوله: وهو الذي في الفرع وسقط من أصله.
٤٦٤٨ - حدّثني أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّه بْنُ مُعاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ
صاحِبِ الزّيادِيِّ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مالِكِ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ أَبُو جَهْلِ: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ
مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ أنَّتِنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ
وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ الله مُعَذْبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَمَا لَهُمْ أَنْ لا يُعَذِّبَهُمُ الله وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ
الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾. الآيَةَ. [الحديث ٤٦٤٨- أطرافه في: ٤٦٤٩].

٢٣٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنفال
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (أحمد) غير منسوب وقد جزم الحاكمان أبو أحمد وأبو عبد الله
أنه ابن النضر بن عبد الوهاب النيسابوري قال: (حدّثنا عبيد الله بن معاذ) بضم العين وفتح
الموحدة مصغرًا قال: (حدّثنا أبي) معاذ بن معاذ بن حسان العنبري التميمي البصري قال: (حدّثنا
شعبة) بن الحجاج (عن عبد الحميد) بن دينار تابعي صغير زاد غير أبي ذر هو ابن كرديد بكاف
مضمومة فراء ساكنة فدالين الأولى مكسورة بينهما تحتية ساكنة (صاحب الزيادي) بكسر الزاي
وتخفيف التحتية أنه (سمع أنس بن مالك رضي الله عنه) يقول (قال أبو جهل): لعنه الله (﴿اللهم
إن كان هذا هو الحق﴾) نصب خبرًا عن الكون وهو فصل وقرىء بالرفع على أن هو مبتدأ غير
فصل والحق خبره (﴿من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم﴾) قال أبو
عبيدة: كل شيء أمطرت فهو من العذاب وما كان من الرحمة فهو مطرت (فنزلت: ﴿وما كان الله
ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون وما لهم أن لا يعذبهم الله وهم يصدون
عن المسجد الحرام﴾ [الأنفال: ٣٣، ٣٤] الآية). وسقط لأبي ذر ﴿وما كان الله معذبهم﴾) إلى
﴿يصدّون﴾ ويقول إلى عن المسجد الحرام، وقد أورد ابن المنير في تفسيره هنا سؤالاً كما نقله عنه
في المصابيح فقال قد حكى الله عنهم هذا الكلام في هذه الآية أي قوله: اللهم إن كان هذا هو
الحق الآية. وهو من جنس نظم القرآن فقد وجد فيه بعض التكلم ببعض القرآن فكيف يتم نفي
المعراضة بالكلية وقد وجد بعضها ومنها حكاية الله عنهم في الإسراء وقالوا: لن نؤمن لك حتى
تفجر لنا من الأرض ينبوعًا. وأجاب: بأن الإتيان بمثل هذا القدر من الكلام لا يكفي في
حصول المعراضة لأن هذا المقدار قليل لا يظهر فيه وجوه الفصاحة والبلاغة. قال العلامة البدر
الدماميني: وهذا الجواب إنما يتمشى على القول بأن التحدي إنما وقع بالسورة الطويلة التي يظهر
منها قوة الكلام.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في ذكر المنافقين والكفار.
٥ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذْبَهُمْ
وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ الله مُعَذْبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]
(باب قوله) تعالى: ((وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾) اللام لتأكيد النفي والدلالة على أن
تعذيبهم عذاب استئصال، والنبي ◌َّهه بين أظهرهم غير مستقيم في الحكمة خارج عن عادته تعالى
في قضائه. قال ابن عباس فيما رواه عنه علي بن أبي طلحة: ما كان الله ليعذب قومًا وأنبياؤهم
بين أظهرهم حتى يخرجهم (﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾) في موضع الحال ومعناه نفي
الاستغفار عنهم أي ولو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم ولكنهم لا يؤمنون ولا
يستغفرون، أو ما كان الله معذبهم وفيهم من يستغفر وهم المسلمون بين أظهرهم ممن تخلف من
المستضعفين أو من أولادهم من يستغفر أو يريد إسلام بعضهم أو استغفار الكفار إذا كانوا يقولون
بعد التلبية غفرانك وفيه أن الاستغفار أمان من العذاب.

٢٣٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنفال
وفي حديث فضالة بن عبيد اللَّه عند الإمام أحمد مرفوعًا: العبد آمن من عذاب الله ما
استغفر الله عز وجل. وتأملوا علوّ مرتبة الاستغفار وعظم موقعه كيف قرن حصوله مع وجود
سيد العالمين في استدفاع البلاء. وعن ابن عباس ما رواه ابن أبي حاتم أن الله جعل في هذه الأمة
أمانين لا يزالون معصومين من قوارع العذاب ما داما بين أظهرهم، فأمان قبضه الله إليه، وأمان
بقي فيكم ثم تلا الآية. وروى ابن جرير أنهم لما قالوا ما قالوا ثم أمسوا ندموا فقالوا: غفرانك
اللهم فأنزل الله: ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ وسقط لغير أبي ذر قوله: باب قوله
وثبت له.
٤٦٤٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّه بْنُ مُعاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ
عَبْدِ الْحَمِيدِ صاحِبِ الزّيادِيِّ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مالِكِ قالَ: قَالَ أَبُو جَهْلِ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هذا هُوَ
الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجَرَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ أنَّتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيم﴾ فَنَزَلَتْ: ﴿وَما كانَ الله
مُعَذْبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ الله مُعَذْبُهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَمَا لَهُمْ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمُ الله وَهُمْ يَصُدُونَ
عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ الآيَةَ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن النضر) بن عبد الوهاب أخو أحمد السابق قال: (حدّثنا) ولأبي ذر
أخبرنا (عبيد الله بن معاذ) بتصغير عبد قال: (حدّثنا أبي) معاذ العنبري قال: (حدّثنا شعبة) بن
الحجاج (عن عبد الحميد) بن دينار (صاحب الزيادي) أنه (سمع أنس بن مالك قال: قال أبو
جهل): لما قال النضر بن الحارث إن هذا إلا أساطير الأولين ((اللهم إن كان هذا﴾) يريد القرآن
(﴿هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم﴾) فنزلت: (﴿وما كان
ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾) وليس المراد نفي مطلق العذاب عنهم
بل هم بصدده إذا هاجر عليه الصلاة والسلام عنهم كما يدل له قوله: (﴿وما لهم﴾) استفهام
بمعنى التقرير (﴿أن لا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾ الآية) ((ما)) في وما لهم
استفهام بمعنى التقرير و((أن)) في أن لا يعذبهم الظاهر أنها مصدرية وموضعها نصب أو جر لأنها
على حذف حرف الجر والتقدير في أن لا يعذبهم وهذا الجار يتعلق بما تعلق به لهم من الاستقرار
والمعنى، وأي مانع فيهم من العذاب وسببه واقع وهو صدهم المسلمين عن المسجد الحرام عام
الحديبية وإخراجهم الرسول والمؤمنين إلى الهجرة فالعذاب واقع لا محالة بهم، فلما خرج
الرسول وَ﴾ من بين أظهرهم أوقع الله بهم بأسه يوم بدر فقتل صناديدهم وأسر سراتهم.
٥ - باب ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ
فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله﴾ [الأنفال: ٣٩]
(﴿وقاتلوهم﴾) حث للمؤمنين على قتال الكفار وفي بعض النسخ باب قوله: ﴿وقاتلوهم﴾
ونسب لأبي ذر (﴿حتى لا تكون فتنة﴾) أي إلى أن لا يوجد فيهم شرك قط (﴿ويكون الدين كله

٢٣٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنفال
لله﴾) [الأنفال: ٣٩]. ويضمحل عنهم كل دين باطل وسقط ويكون الدين الخ لغير أبي ذر.
٤٦٥٠ - حدثنا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ يَحيى، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ عَنْ
بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما أَنَّ رَجُلاً جَاءَهُ فَقالَ: يا أَبا
عَبْدِ الرَّحْمُنِ أَلا تَسْمَعُ ما ذَكَرَ الله فِي كِتَابِهِ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آقْتَتَلُوا﴾ إِلى آخِرِ الآيَةَ،
فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ لا تُقاتِلَ كَمَا ذَكَرَ الله فِي كِتَابِهِ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أَغْتَرُّ بِهِذِهِ الآيَةِ وَلا أُقَاتِلُ أَحَبُ
إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَغْتَرَّ بِهِذِهِ الآيَةَ الَّتِي يَقُولُ الله تَعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا﴾ إِلَى آخِرِها قالَ: فَإِنَّ
الله يَقُولُ: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَدْ فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِوَلَّهِ إِذْ
كانَ الإسْلامُ قَلِيلاً، فَكانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ إِمَّا يَقْتُلُوهُ، وَإِمَّا يُوثِقُوهُ، حَتَّى كَثُرَ الإِسْلامُ فَلَمْ
تَكُنْ فِتْنَةٌ فَلَمَا رَأَى أَنَّهُ لا يُوافِقُهُ فِيما يُرِيدُ قالَ: فَمَا قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ وَعُثْمانَ؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: ما
قَوْلِي فِي عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ أَمَّا عُثْمانُ فَكَانَ اللهِ قَدْ عَفا عَنْهُ فَكَرِهْتُمْ أَنْ تَعْفُوا عَنْهُ، وَأَمَّا عَلِيٍّ فَابْنُ عَمِّ
رَسُولِ اللهِلَهُ وَخَتَنْهُ، وَأَشارَ بِيَدِهِ وَهذِهِ أَبْتَتُهُ أَوْ بِثْتُهُ حَيْثُ تَرَوْنَ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (الحسن بن عبد العزيز) الجروي بالجيم والراء
المفتوحتين المصري نزيل بغداد قال: (حدّثنا عبد اللَّه بن يحيى) المعافري بفتح الميم والعين المهملة
وكسر الفاء وبعدها راء البرلسي قال: (حدّثنا حيوة) بفتح الحاء المهملة والواو بينهما تحتية ساكنة
ابن شريح بالمعجمة أوله والمهملة آخره (عن بكر بن عمرو) بفتح الموحدة والعين المعافري (عن
بكير) بضم الموحدة مصغرًا ابن عبد اللّه الأشج (عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً)
هو حبان بالموحدة صاحب الدثنية أو العلاء بن عرار بمهملات الأولى مكسورة أو نافع بن الأزرق
أو الهيثم بن حنش (جاءه) زاد في البقرة في فتنة ابن الزبير (فقال) له: (يا أبا عبد الرحمن ألا
تسمع ما ذكر الله في كتابه: (﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾) [الحجرات: ٩] باغين بعضهم
على بعض (إلى آخر الآية فما يمنعك أن لا تقاتل كما ذكر الله في كتابه؟) كلمة ((لا)) زائدة كهي
في قوله: ما منعك أن لا تسجد وكان لم يقاتل في حرب من الحروب الواقعة بين المسلمين
كصفين والجمل ومحاصرة ابن الزبير (فقال: يا ابن أخي أغتر بهذه الآية ولا أقاتل أحب إلي من أن
اغتر بهذه الآية التي يقول الله تعالى) فيها: (﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدًا﴾﴾ [النساء: ٩٣] (إلى
آخرها) اغتر في هذين الموضعين بالغين المعجمة والفوقية من الاغترار أي تأويل هذه الآية ﴿وإن
طائفتان﴾ أحب من تأويل الأخرى ﴿ومن يقتل مؤمنًا﴾ التي فيها تغليظ شديد وتهديد عظيم،
ولأبي ذر عن الكشميهني أعير بضم الهمزة وفتح العين المهملة وتشديد التحتية في الموضعين (قال)
الرجل (فإن الله) تعالى (يقول: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾) هذا موضع الترجمة (قال ابن
عمر: قد فعلنا) ذلك (على عهد رسول الله * إذ) أي حين (كان الإسلام قليلاً فكان الرجل يفتن
في دينه) بضم الياء مبنيًا للمفعول (إما يقتلوه وإما يوثقوه) بحذف نون الرفع وهو موجود في

٢٣٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنفال
الكلام الفصيح نثره ونظمه كما قاله ابن مالك، ولأبي ذر: إما يقتلونه وإما يوثقونه بإثبات النون
فيهما (حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة، فلما رأى) أي الرجل (أنه) أي ابن عمر (لا يوافقه فيما
يريد) من القتال (قال: فما قولك في علّ وعثمان) وكان السائل كان من الخوارج (قال ابن عمر:
ما قولي في علّ وعثمان أما عثمان فكان الله قد عفا عنه) لما فرّ يوم أُحُد في قوله: ﴿لقد عفا الله
عنكم﴾ [آل عمران: ١٥٥] (فكرهتم أن تعفوا عنه) بالفوقية وسكون الواو خطابًا للجماعة (وأما
علّ فابن عم رسول اللّه ◌َير وختنه) بفتح الخاء المعجمة والمثناة الفوقية أي زوج ابنته (وأشار بيده
وهذه ابنته) بهمزة وصل (أو بنته) بتركها، والمراد بها فاطمة. والشك من الراوي محافظة على نقل
اللفظ على وجهه كما سمع أي هذه ابنة أو بنت رسول الله وَل قول (حيث ترون) منزلها بين منازل
أبيها، والذي في اليونينية وفرعها: وهذه ابنته بالنون أو بيته بالموحدة المكسورة بدلها واحد
البيوت، وشك الراوي فأتى باللفظين مع حرف الشك تحرّجًا من أن يجزم بلفظ هو فيه شاك،
وللكشميهني أو أبيته بهمزة مفتوحة فموحدة ساكنة فتحتية مضمومة ففوقية بلفظ جمع القلة في
البيت وهو شاذ. قال في المصابيح ويروى هذه أبنيته أو بيته بفتح الموحدة الأول جمع بناء والثاني
واحد البيوت. وقال الحافظ ابن حجر في مناقب علّ من وجه آخر: هو ذاك بيته أوسط بيوت
النبي وسير، وفي رواية النسائي ولكن انظر إلى منزلته من رسول الله و لتر ليس في المسجد غير بيته
قال: وهذا يدل على أنه تصحف على بعض الرواة فقرأها بنته بموحدة ثم نون ثم طرأ له الشك
فقال بنته أو بيته والمعتمد أنه البيت فقط لما ذكرنا من الروايات المصرحة بذلك وتأنيث اسم الإشارة
باعتبار البقعة، وفيه بيان قربه من النبي وَلقر مكانه ومكانًا.
٤٦٥١ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا بَيَانٌ أَنَّ وَبَرَةَ حَدَّثَهُ قالَ: حَدَّثَنِي
سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنا أَوْ إِلَيْنا ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ رَجُلٌ: كَيْفَ تَرِى فِي قِتالِ الْفِتْنَةِ؟ فَقالَ:
وَهَلْ تَذْرِي مَا الْفِتْنَةُ؟ كَانَ مُحَمَّدٌ وَهِ يُقاتِلُ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً، وَلَيْسَ كَقِتالِكُمْ
عَلَى الْمُلْكِ.
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو ابن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي قال: (حدّثنا
زهير) هو ابن معاوية الجعفي قال: (حدّثنا بيان) بفتح الموحدة والتحتية المخففة وبعد الألف نون
ابن بشر بموحدة مكسورة فمعجمة ساكنة (أن وبرة) بفتح الواو والموحدة والراء وقد تسكن
الموحدة ابن عبد الرحْمن المسلمي بضم الميم وسكون المهملة وباللام الحارثي (حدّثه قال: حدّثني)
بالإفراد (سعيد بن جبير قال: خرج علينا أو إلينا) بالشك (ابن عمر فقال) له (رجل) سبق الخلف
في اسمه قريبًا (كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال) ابن عمر ولأبي ذر قال (وهل تدري ما الفتنة؟
كان محمد ﴿ يقاتل المشركين وكان الدخول عليهم فتنة وليس) القتال معه (كقتالهم) ولأبي ذر:
وليس بقتالكم (على الملك) بضم الميم بل كان قتالاً على الدين لأن المشركين كانوا يفتنون المسلمين
إما بالقتل وإما بالحبس.

٢٣٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنفال
٧ - باب ﴿يا أَيُّهَا النَِّيُّ حَرْضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ
إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ
مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥]
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿يا أيها النبي حرّض المؤمنين﴾) بالغ في حثّهم (﴿على
القتال﴾) ولذا قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه يوم بدر لما أقبل المشركون في عددهم وعددهم:
((قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض)) (﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن
يكن منكم مائة﴾) أي صابرة (﴿يغلبوا ألفًا من الذين كفروا﴾) شرط في معنى الأمر يعني ليصبر
عشرون في مقابلة مائتين ومائة في مقابلة ألف كل واحد لعشرة (﴿بأنهم قوم لا يفقون﴾)
[الأنفال: ٦٥]. أي بسبب أنهم جهلة بالله واليوم الآخر يقاتلون لغير طلب ثواب واعتقاد أجر في
الآخرة لتكذيبهم لها، وسقط: ﴿إن يكن منك عشرون﴾ الخ .. ولأبي ذر وقال بعد قوله:
﴿القتال) الآية. وسقط لفظ باب لغيره.
٤٦٥٢ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِيُوا مِائَتَيْنِ﴾ فَكُتِبَ عَلَيْهِمْ أَنْ لا يَفِرَّ وَاحِدٌ
مِنْ عَشَرَةٍ فَقالَ سُفْيانُ: غَيْرَ مَرَّةٍ أَنْ لا يَفِرَّ عِشْرُونَ مِنْ مِائَتَيْنٍ ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ
عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ، فَكَتَبَ أَنْ لا يَفِرَّ مِائَةٌ مِنْ مائَتَيْنٍ، زادَ سُفْيَانُ مَرَّةً نَزَلَتْ ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى
الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ﴾ قالَ سُفْيانُ: وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ وَأُرَى الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ
وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكّرِ مِثْلَ هُذا. [الحديث ٤٦٥٢ - طرفه في: ٤٦٥٣].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد اللَّه) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو)
بفتح العين ابن دينار (عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه قال: (لما نزلت: ﴿إن يكن منكم
عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾) زاد أبو ذر: وإن يكن منكم مائة (فكتب) بضم الكاف أي
فرض (عليهم أن لا يفرّ واحد من عشرة) هو معنى الآية. (فقال سفيان) بن عيينة (غير مرة أن
لا يفر عشرون من مائتين) وهذا يوافق لفظ القرآن، فالظاهر أن سفيان كان يرويه تارة بالمعنى
وتارة باللفظ (ثم نزلت: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾) [الأنفال: ٦٦] (الآية فكتب) بفتح الكاف
أي فرض الله تعالى (أن لا يفر مائة من مائتين، زاد) ولأبي ذر: وزاد (سفيان مرة نزلت):
((حرّض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون﴾) يريد أنه حدث بالزيادة مرة ومرة
بدونها (قال سفيان: وقال ابن شبرمة) بضم الشين المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة عبد الله
قاضي الكوفة التابعي (وأرى) بضم الهمزة أي أظن (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا)
الحكم المذكور في الجهاد بجامع إعلاء كلمة الحق وإدحاض كلمة الباطل، وقول صاحب التلويح
هذا التعليق رواه ابن أبي حاتم تعقبه في الفتح بأنه وهم لأن في رواية ابن أبي عمر عن سفيان
1

٢٤٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنفال
عند أبي نعيم في مستخرجه قال سفيان فذكرته لابن شبرمة فذكر مثله.
٨ - باب الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦] الآيَةَ
(﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا﴾) في القوة والجلد (الآية) زاد غير أبي ذر إلى
قوله: ﴿والله مع الصابرين﴾.
٤٥٦٣ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّه السُّلَمِيُّ، أَخْبَرَنا عَبْدُ اللَّه بْنُ الْمُبارَكِ، أَخْبَرَنا جَرِيرُ بْنُ
حازِمٍ قالَ: أَخْبَرَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ خِرِّيتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما قالَ: لَمّا
نَزَّلَثَ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنٍ﴾ شَقَّ ذُلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ فُرِضَ
عَلَيْهِمْ أَنْ لا يَفِرَّ واحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، فَجَاءَ النَّخْفِيفُ فَقالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ الله عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنْ فِيكُمْ
ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنٍ﴾ قالَ: فَلَمَّا خَفَّفَ الله عَنْهُمْ مِنَ الْعِدَّةِ نَقَصَ مِنَ
الصَّبْرِ بِقَدَرِ ما خُفْفَ عَنْهُمْ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن عبد الله السلمي) بضم السين وفتح اللام خاقان البلخي قال:
(أخبرنا عبد الله بن المبارك) المروزي قال: (أخبرنا جرير بن حازم) بفتح جيم جرير وحازم بالحاء
المهملة والزاي (قال: أخبرني) بالإفراد (الزبير) بضم الزاي (ابن خريت) بكسر الخاء المعجمة والراء
المشددة وبعد التحتية الساكنة فوقية بصري من صغار التابعين (عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله
عنهما) أنه (قال لما نزلت ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ شق ذلك على المسلمين
حين فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة فجاء التخفيف) عنهم وعند ابن إسحق من طريق
عطاء عن ابن عباس فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى (فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾)
وسقط قوله فقال لأبي ذر (﴿وعلم أن فيكم ضعفًا﴾) في البدن أو في البصيرة (﴿فإن يكن منكم
مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾) أمر بلفظ الخبر إذ لو كان خبرًا لم يقع بخلاف المخبر عنه، والمعنى في
وجوب المصابرة لمثلينا أن المسلم على إحدى الحسنيين إما أن يقتل فيدخل الجنة أو يسلم فيفوز
بالأجر والغنيمة والكافر يقاتل على الفوز بالدنيا وقد زاد الإسماعيلي في الحديث ففرض عليهم أن
لا يفر رجل من رجلين ولا قوم من مثليهم، والحاصل أنه يحرم على المقاتل الانصراف عن الصف
إذا لم يزد عدد الكفار على مثلينا فلو لقي مسلم كافرين فله الانصراف وإن كان هو الذي طلبهما
لأن فرض الجهاد والثبات إنما هو في الجماعة، لكن قال البلقيني الأظهر بمقتضى نص الشافعي
في المختصر أنه ليس له الانصراف. (قال) ابن عباس (فلما خفف الله عنهم من العدة نقص)
بالتخفيف (من الصبر بقدر ما خفف عنهم).
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في الجهاد.