النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء
وأخرجه الترمذي من طريق حجاج عن ابن جريج عن عبد الكريم وزاد لما نزلت غزوة بدر
قال عبد اللَّه بن جحش وابن أم مكتوم إنا أعميان يا رسول الله فهل لنا رخصة؟ فنزلت: (﴿لا
يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر﴾﴾ و ﴿فضل الله المجاهدين على القاعدين درجة﴾
فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر فضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا درجات منه على
القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر، وقال: حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن عباس،
ومن قوله: ﴿درجة﴾ الخ مدرج من قول ابن جريج كما بيّه الطبري، وقال بدل قوله في رواية
الترمذي عبد الله بن جحش أبو أحمد بن جحش وهو الصواب واسم أبي أحمد هذا عبد بغير
إضافة وهو مشهور بكنيته، والمعنى لا مساواة بين القاعدين من غير عذر وبين المجاهدين وإن كان
هذا معلومًا، لكن فائدته كما في الكشاف التذكير بما بينهما من التفاوت العظيم والبون البعيد
والتحريك إلى الجهاد، وقوله: إن جملة فضل الله المجاهدين موضحة لما نفى من استواء القاعدين
والمجاهدين، والمعنى على القاعدين غير أولي الضرر مع قوله بعد والمفضلون درجة واحدة هم
الذين فضلوا على القاعدين الأضراء والمفضلون درجات الذين فضلوا على القاعدين الذين أذن لهم
في التخلف اكتفاء بغيرهم لأن الغزو فرض كفاية.
تعقبه في التقريب فقال: فيه نظر لأنه فسر القاعدين بغير أولي الضرر وإنما يستقيم على
تفسيره بالأضراء كما في المعالم وقال غيره: ولقائل أن يقول فعلى هذا لم يبق للاستثناء معنى، لأن
التقدير وفضل الله المجاهدين على القاعدين إلا أولي الضرر فإنهم ليسوا بمفضلين.
لكن قال في فتوح الغيب: إن قوله فضل الله المجاهدين جملة موضحة الخ المراد منه وما
عطف عليه من قوله وفضل الله الثاني كلاهما بيان للجملة الأولى ولا بد من التطابق بين البيان
والمبين والمذكور في البيان شيئان وليس في المبين سوى ذكر غير أولي الضرر فالواجب أن يقدر ما
يوافقه في قوله: لا يستوي القاعدين أي أولو الضرر غير أولي الضرر وهو من أسلوب الجمع
التقديري لدلالة التفضيل على المفضل.
وقال الراغب: إن قيل لم كرر الفضل وأوجب في الأول درجة وفي الثاني درجات وقيدها
بقوله منه وأردفها بالمغفرة والرحمة؟ قيل: عنى بالدرجة ما يؤتيه في الدنيا مرة من الغنيمة ومن
السرور بالظفر وجميل الذكر وبالدرجات ما يتخوّلهم في الآخرة ونبه بالإفراد في الأول وبالجمع
في الثاني على أن ثواب الدنيا في جنب ثواب الآخرة يسير، وقيدها بقوله منه لتعظيمها، وأردفها
بالمغفرة والرحمة إيذانًا بالوصول إلى الدرجات بعد الخلاص من التبعات.
قال في فتوح الغيب: والذي تقتضيه البلاغة هذا وبيانه أن قوله فضل الله المجاهدين جملة
موضحة لما نفى الاستواء فيه والقاعدون على التقييد السابق من أن المراد به غير الأضراء فحسب،
وإنما كرر فضل الله المجاهدين ليناط به من الزيادة ما لم ينط به أولاً فالفضل الأول الظفر والغنيمة
والذكر الجميل في الدنيا والثاني المقامات السنية والدرجات العالية والفوز بالرضوان في العقبى، ثم
إرشاد الساري/ ج ١٠/ م ١١

١٦٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء
قال: هذا تفسير متين موافق للنظم لا تعقيد فيه غير محتاج إلى جعل المجاهدين صنفين كما ينبىء
عنه ظاهر الكشاف، ويطابقه سبب النزول ويلائم حديث أنس مرفوعًا: ((لقد خلفتم في المدينة
أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم)) قاله حين رجع من غزوة تبوك ودنا من
المدينة، والحديثان يؤذنان بالمساواة بين المجاهدين والأضراء وعليه دلالة مفهوم الصفة والاستثناء في
غير أولي الضرر، وكلام الزجاج إلا أولو الضرر فإنهم يساوون المجاهدين يعني في أصل الثواب
لا في المضاعفة لأنها تتعلق بالفعل.
١٨ - باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلائِكَةُ
ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ
فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧] الآيَةَ.
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ((إن الذين توفاهم الملائكة﴾) ملك الموت وأعوانه وهم
ستة ثلاثة لقبض أرواح المؤمنين وثلاثة للكفار أو المراد ملك الموت وحده وذكر بلفظ الجمع
للتعظيم أي توفاهم الملائكة بقبض أرواحهم حال كونهم (﴿ظالمي أنفسهم﴾) ويصلح توفاهم أن
يكون للماضي وذكر الفعل لأنه فعل جمع وللاستقبال أي الذين تتوفاهم حذفت التاء الثانية
الاجتماع المثلين. قال في فتوح الغيب: إذا حمل على الاستقبال يكون من باب حكاية الحال الماضية
(﴿قالوا﴾) أي الملائكة لهم (﴿فيم كنتم﴾) من أمر الدين في فريق المسلمين أو المشركين؟ والسؤال
للتوبيخ يعني لم تركتم الجهاد والهجرة والنصرة؟ (﴿قالوا: كنا مستضعفين﴾) أي عاجزين (﴿في
الأرض﴾) لا نقدر على الخروج من مكة (﴿قالوا﴾) أي الملائكة (﴿ألم تكن أرض الله واسعة
فتهاجروا فيها﴾ [النساء: ٩٧] الآية). أي إلى المدينة وتخرجوا من بين أظهر المشركين وسقط لأبي
ذر قوله: كنا الخ وسقط الباب من أكثر النسخ وثبت في بعضها.
٤٥٩٦ - حدثنا عَبْدُ اللَّه بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِىءُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ قالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ أَبُو الأَسْوَدِ، قالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ فَأَكْتُتِبْتُ فِيهِ فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ
عَبَّاسٍ فَأَخْبَرْتُهُ فَنَهَانِي عَنْ ذُلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ ثُمَّ قالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسِ أنَّ نَاسًا مِن الْمُسْلِمِينَ
كانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمي بِهِ فَيُصِيبُ
أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ فَأَنْزَّلَ الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ. رَوَاهُ
اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ. [الحديث: ٤٥٩٦ - أطرافه في: ٧٠٨٥].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يزيد المقرىء) بالهمزة أبو عبد الرحمن المكي أصله من البصرة
أو الأهواز أقرأ القرآن نيفًا وسبعين سنة وهو من كبار شيوخ البخاري قال: (حدّثنا حيوة) بفتح
المهملة وسكون التحتية وفتح الواو ابن شريح بالشين المعجمة المضمومة والراء المفتوحة وبعد

١٦٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء
التحتية الساكنة مهملة أبو زرعة التجيبي بضم الفوقية وكسر الجيم المصري (وغيره) هو ابن لهيعة
المصري كما أخرجه الطبراني في الصغير (قالا: حدّثنا محمد بن عبد الرحمن) بن نوفل الأسدي (أبو
الأسود) يتيم عروة بن الزبير (قال: قطع على أهل المدينة بعث) بضم القاف وكسر الطاء مبنيًّا
للمفعول أي الزموا بإخراج جيش لقتال أهل الشام في خلافة عبد الله بن الزبير على مكة
(فاكتتبت فيه) بضم المثناة الفوقية الأولى وكسر الثانية وسكون الموحدة مبنيًا للمفعول (فلقيت
عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته) بأني اكتتبت في ذلك البعث (فنهاني عن ذلك أشد النهي ثم قال:
أخبرني ابن عباس أن ناسًا من المسلمين) سمى ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق ابن جريج عن
عكرمة. ومن طريق ابن عيينة عن ابن إسحاق عمرو بن أمية بن خلف والعاص بن منبه بن
الحجاج والحارث بن زمعة وأبا قيس بن الفاكه، وعند ابن جريج أبا قيس بن الوليد بن المغيرة،
وعند ابن مردويه من طريق أشعث بن سوار عن عكرمة عن ابن عباس الوليد بن عتبة بن ربيعة
والعلاء بن أمية بن خلف (كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله) ولأبي ذر
عن الكشميهني على عهد رسول الله (183) وفي رواية أشعث المذكورة أنهم خرجوا إلى بدر فلما
رأوا قلة المسلمين دخلهم شك وقالوا غرّ هؤلاء دينهم فقتلوا ببدر (يأتي السهم فيرمى به) بضم
التحتية وفتح الميم مبنيًا للمفعول وفي نسخة يرمى بإسقاط الفاء ولأبي ذر: يدمى بالدال بدل الراء
(فيصيب أحدهم) نصب على المفعولية (فيقتله أو يضرب فيقتل) بضم حرف المضارعة من الفعلين
وفتح ثالثهما. قال في الكواكب الدراري: وغرض عكرمة أن الله ذم من كثر سواد المشركين مع
أنهم كانوا لا يريدون بقلوبهم موافقتهم فكذلك أنت لا تكثر سواد هذا الجيش وإن كنت لا تريد
موافقتهم لأنهم لا يقاتلون في سبيل الله (فأنزل الله تعالى: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالي
أنفسهم﴾ الآية) أي بخروجهم مع المشركين وتكثير سوادهم حتى قتلوا معهم.
(رواه) أي الحديث المذكور (الليث) بن سعد مما وصله الإسماعيلي والطبراني في الأوسط من
طريق أبي صالح كاتب الليث عن الليث (عن أبي الأسود) عن عكرمة لكن بدون قصة أبي الأسود،
وعند الطبراني وابن أبي حاتم من طريق عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان قوم من
أهل مكة أسلموا وكانوا يخفون بالإسلام فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر فأصيب بعضهم فقال
المسلمون: هؤلاء كانوا مسلمين فأكرهوا فاستغفروا لهم فنزلت فكتبوا بها إلى من بقي من المسلمين
وأنه لا عذر لهم فخرجوا فلحقهم المشركون ففتنوهم فرجعوا فنزلت: ﴿ومن الناس من يقول آمنا
بالله﴾ [البقرة: ٨] الآية فكتب إليهم بذلك فخرجوا فلحقوهم فنجا من نجا وقتل من قتل وعن
سمرة قال رسول الله وَلجر: ((من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله )) رواه أبو داود.
١٩ - باب ﴿إِلاَّ المسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ
لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٩٨]
(﴿إلا المستضعفين﴾) وفي بعض النسخ باب بالتنوين أي في قوله تعالى: ﴿إلا المستضعفين﴾

١٦٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء
استثناء من قوله: ﴿فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا﴾ فيكون الاستثناء متصلاً كأنه قيل
فأولئك في جهنم إلا المستضعفين، والصحيح أنه منقطع لأن الضمير في مأواهم عائد على أن
الذين توفاهم وهؤلاء المتوفون إما كفارًا أو عصاة بالتخلف وهم قادرون على الهجرة فلم يندرج
فيهم المستضعفون فكان منقطعًا (﴿من الرجال والنساء والولدان﴾) الذين (﴿لا يستطيعون حيلة﴾)
في الخروج من مكة لعجزهم وفقرهم (﴿ولا يهتدون سبيلاً﴾) [النساء: ٩٨]. ولا معرفة لهم
بالمسالك من مكة إلى المدينة. واستشكل إدخال الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد لأنه
يوهم دخول الولدان فيه إذا استطاعوا واهتدوا، وأجيب: بأن العجز متمكن من الولدان لا ينفك
عنهم فكانوا خارجين من جملتهم في الوعيد ضرورة فإذا لم يدخلوا فيه لم يخرجوا بالاستثناء.
فإن قلت: فإذا لم يخرجوا بالاستثناء كيف قرنهم في جملة المستثنين؟ أجيب: ليبين أن الرجال
والنساء الذين لا يستطيعون صاروا في انتفاء الذنب كالولدان مبالغة لأن المعطوف عليه يكتسب من
معنى المعطوف لمشاركتهما في الحكم أو المراد بالولدان العبيد أو البالغون وهو أولى من إرادة
المراهقين لعدم توبيخ نحوهم، وكذا هو أولى من حمل البيضاوي ذلك على المبالغة في الأمر باعتبار
أنهم على صدد وجوب الهجرة فإنهم إذا بلغوا وقدروا على الهجرة فلا محيص لهم عنها فإن قوّامهم
يجب عليهم أن يهاجروا بهم متى أمكنت. قال الطيبي: وعلى هذا المبالغة راجعة إلى وجوب الهجرة
وأنها خارجة عن حكم سائر التكاليف حيث أوجبت على من لم يجب عليه شيء.
٤٥٩٧ - حدّثنا أَبُو الثَّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادْ عَنْ أَيُوبَ عَنِ ابْنٍ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ
رَضِيَ الله عَنْهُما ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ قَالَ: كَانَتْ أُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ الله.
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا حماد) هو ابن زيد
(عن أيوب) السختياني (عن ابن أبي مليكة) عبد اللَّه (عن ابن عباس رضي الله عنهما) في قوله
تعالى: (﴿إلا المستضعفين﴾ قال: كانت أمي) أي أم الفضل لبابة بنت الحارث (ممن عذر الله) أي
ممن جعله الله من المعذورين.
وسبق هذا الحديث في هذه السورة.
٢٠ - باب قَوْلِهِ: ﴿فَأَوَلْئِكَ عَسَى الله أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٩] الآيَةَ
(باب قوله) تعالى: (﴿فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم﴾) أي يتجاوز عنهم بتركهم الهجرة
وعسى من الله واجب لأنه إطماع والله تعالى إذا أطمع عبدًا في شيء أوصله إليه، (الآية) كذا في
رواية أبي ذر، ولغيره فعسى الله أن يعفو عنهم وليس هو لفظ القرآن وكان الله عفوًا غفورًا.
٤٥٩٨ - حدّثنا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا شَيْبانُ عَنْ يَحْيِى، عَنْ أَبِي سَلَمَّةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله
تعالى عَنْهُ قالَ: بَيْنا النَّبِيُّ وَّهِ يُصَلْي الْعِشاءَ إِذْ قَالَ: ((سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهْ)) ثُمَّ قالَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ:

١٦٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء
(آللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشام، اللَّهُمَّ نَجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ نَجْ
الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ أَشْدُذْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ أَجْعَلْها سِنِينَ كَسِي يُوسُفَ)).
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا شيبان) بن عبد الرحمن النحوي
التميمي مولاهم البصري (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن
أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) أنه (قال: بينا) بغير ميم (النبي ◌َّ- يصلي العشاء إذ قال):
(سمع الله لمن حمده)، ثم قال قبل أن يسجد (اللهم نج عياش بن أبي ربيعة) أخا أبي جهل
لأمه (اللهم نج سلمة بن هشام) أخا أبي جهل (اللهم نج الوليد بن الوليد) بن المغيرة المخزومي
أخا خالد بن الوليد وهؤلاء قوم من أهل مكة أسلموا ففتنتهم قريش وعذبوهم ثم نجوا منهم
ببركته عليه الصلاة والسلام ثم هاجروا إليه (اللهم نج المستضعفين من المؤمنين) عام بعد خاص
ونج بفتح النون وتشديد الجيم ثم دعا على من عوّقهم عن الهجرة فقال: (اللهم اشدد وطأتك)
بفتح الواو وسكون الطاء أي عقوبتك (على) كفار قريش أولاد (مضر اللهم اجعلها) أي وطأتك
(سنين) أعوامًا مجدبة (كسني يوسف) عليه الصلاة والسلام المذكورة في قوله تعالى: ﴿ثم يأتي من
بعد ذلك سبع شداد﴾ [يوسف: ٤٨] وأصل السنة سنهة على وزن جبهة فحذفت لامها ونقلت
حركتها إلى النون فإذا أضفتها حذفت نون الجمع للإضافة جريًا على اللغة العالية فيه وهو إجراؤه
مجرى جمع المذكر السالم لكنه شاذ لأنه غير عاقل ولتغييره مفرده بكسر أوله.
وقد سبق هذا الحديث في باب يهوي بالتكبير حين يسجد وفي أوائل الاستسقاء.
٢١ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ
أَذّى مِنْ مَطَرِ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضُى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]
(باب قوله) تعالى: كذا للمستملي بالإضافة ولأبي ذر تنوين باب وحذف تاليه (﴿ولا جناح
عليكم﴾) أي لا إثم عليكم (﴿إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم﴾)
[النساء: ١٠٢] فيه بيان الرخصة في وضع الأسلحة إن ثقل عليهم حملها بسبب ما يبلهم من مطر
أو يضعفهم من مرض وأمرهم مع ذلك بأخذ الحذر لئلا يغفلوا فيهجم عليهم العدوّ، ودلّ ذلك
على وجوب الحذر عن جميع المضار المظنونة، ومن ثم علم أن العلاج بالدواء والاحتراز عن الوباء
والتحرز عن الجلوس تحت الجدار المائل واجب، وسقط لأبي ذر من قوله: ﴿أو كنتم مرضى﴾ الخ
وقال بعد قوله: ﴿من مطر﴾ الآية.
٤٥٩٩ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنا حَجَّاجْ عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ، قالَ: أَخْبَرَنِي
يَعْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله تَعالى عَنْهُما: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذِى مِنْ مَطَرٍ أَوْ
كُثْتُمْ مَرْضُى﴾ قالَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَوْفٍ: كانَ جَرِيحًا.

١٦٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن) الكسائي نزيل بغداد ثم مكة قال: (أخبرنا
حجاج) هو ابن محمد الأعور (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أنه (قال: أخبرني)
بالإفراد (يعلى) بن مسلم بن هرمز (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) في
قوله تعالى: (﴿إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى﴾ قال) أي ابن عباس (عبد الرحمن بن
عوف كان جريجا) ولأبي ذر: وكان جريحا أي فنزلت الآية فيه، وعبد الرحمن مبتدأ خبره كان
جریما والجملة من قول ابن عباس.
وهذا الحديث أخرجه النسائي رحمه الله تعالى.
٢٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ
فِيهِنَّ وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامُى النِّساءِ﴾ [النساء: ١٢٧]
(باب قوله) كذا للمستملي وسقط ذلك لغيره (﴿ويستفتونك﴾) بالواو ولأبوي الوقت وذر
بإسقاطها أي يسألونك الفتوى (﴿في النساء﴾) أي في ميراثهن (﴿قل الله يفتيكم فيهن﴾) وكانت
العرب لا تورثهن شيئًا (﴿وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء)) [النساء: ١٢٧] موضع
ما إما رفع عطفًا على المستكن في يفتيكم العائد عليه تعالى، وجاز ذلك للفصل بالمفعول والجار
والمجرور والمتلوّ في الكتاب في معنى اليتامى قوله تعالى: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾
[النساء: ٣] باعتبارين مختلفين نحو أغناني زيد وعطاؤه وأعجبني زيد وكرمه، وذلك أن قوله:
﴿الله يفتيكم فيهن﴾ بمنزلة أعجبني زيد جيء به للتوطئة والتمهيد، وقوله: ﴿وما يتلى عليكم في
الكتاب في يتامى النساء﴾ بمنزلة وكرمه لأنه المقصود بالذكر أو مبتدأ وفي الكتاب خبره، والمراد
به اللوح المحفوظ تعليمًا للمتلوّ عليهم وإن العدل والنصفة في حقوق اليتامى من عظائم الأمور
والمخل بها ظالم متهاون بما عظمه الله تعالى أو نصب على تقدير ويبين لكم ما يتلى أو جر بالقسم
أي وأقسم بما يتلى عليكم ولا يصح العطف على الضمير المجرور في فيهن من حيث اللفظ
والمعنى أما اللفظ فلأنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار وأما المعنى فلأنه
يلزم أن يكون الإفتاء في شأن المتلوّ مع أنه ليس السؤال عنه.
٤٦٠٠ - حدثنا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسامَةً، قالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُزْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ:
﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَتْكِحُوهُنَّ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: هُوَ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْيَتِيمَةُ هُوَ وَلِيُّهَا وَوَارِتُها فَأَشْرَكَتْهُ
فِي مالِهِ حَتَى فِي الْعَذْقِ فَيَرْغَبُ أَنْ يَنْكِحَها وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوْجَهَا رَجُلاً فَيَشْرَكَهُ فِي مالِهِ بِمَا شَرِكَتْهُ،
فَيَعْضُلَها فَنَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِنْ آمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ
شِقاقٌ: تَفاسدٌ.

١٦٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (عبيد بن إسماعيل) بضم العين مصغرًا أبو
محمد القرشي الهباري الكوفي واسمه عبد الله وعبيد لقبه قال: (حدّثنا أبو أسامة) بن حماد وأسامة
(قال: حدّثنا هشام بن عروة) وسقط قال لغير أبي ذر (عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام، ولأبي
ذر: حدّثني بالإفراد أبي (عن عائشة رضي الله عنها) في قوله تعالى: (﴿ويستفتونك في النساء﴾)
سقطت الواو لغير أبي ذر. (﴿قل الله يفتيكم فيهن﴾) إلى قوله: (﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾) أي
في نكاحهن (قالت عائشة): وسقط لغير أبي ذر عائشة (هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها)
القائم بأمورها (ووارثها فأشركته) بفتح الهمزة والراء ولأبي ذر فتشركه بفتح التاء والراء (في ماله
حتى في العذق) بفتح العين وسكون المعجمة أي في النخلة والأصيلي في العذق بكسر العين أي
في الكباسة وهي عنقود التمر (فيرغب أن ينكحها) أي عن نكاحها (ويكره أن يزوّجها رجلاً) غيره
(فيشركه) أي الرجل الذي يتزوجها (في ماله بما شركته) أي بالذي شركته فيه (فيعضلها) بضم
الضاد المعجمة نصب عطفًا على المنصوب السابق، وكذا فيشركها، ويجوز رفعها عطفًا على يرغب
ويكره أي يمنعها من التزوّج، وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي قال: كان لجابر بنت عم
دميمة ولها مال ورثته عن أبيها، وكان جابر يرغب عن نكاحها ولا يُنكحها خشية أن يذهب
الزوج بمالها فسأل النبي وَ لقر عن ذلك (فنزلت هذه الآية).
وهذا الحديث سبق في باب ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾ أول هذه السورة.
(﴿وإن امرأة خافت من بعلها﴾) أي زوجها (﴿نشوزًا﴾) بأن يتجافى عنها ويمنعها نفقته
ونفسه أو يؤذيها بشتم أو ضرب (﴿أو إعراضًا﴾﴾ [النساء: ١٢٨] بتقليل المحادثة والمؤانسة بسبب
طعن في سن أو دمامة أو غيرهما أو امرأة فاعل بفعل مضمر واجب الإضمار وهو من باب
الاشتغال والتقدير وإن خافت امرأة خافت ولا يجوز رفعه بالابتداء لأن أداة الشرط لا يليها إلا
الفعل عند جمهور البصريين.
(وقال ابن عباس): فيما وصله ابن أبي حاتم ﴿شقاق﴾ يريد قوله تعالى: ﴿إن خفتم شقاق
بينهما﴾ [النساء: ٣٥] أي (تفاسد) وأصل الشقاق المخالفة وكون كل واحد من المتخالفين في شق
غير صاحبه ومحل ذكر هذه الآية قبل على ما لا يخفى.
٢٣ - باب ﴿وَأُخْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشّخَ﴾ [النساء: ١٢٨]
هواهُ فِي الشّيْءِ يَخْرِصُ عَلَيْهِ. ﴿كَالْمُعَلَّقَةٍ﴾ لا هِيَ أَيَّمْ وَلا ذاتُ زَوْجٍ ﴿نُشُوزًا﴾: بُغْضًا.
(﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾) قال الإمام: المعنى أن الشح جعل كالأمر المجاور للنفوس
اللازم لها يعني أن النفوس مطبوعة على الشح، وهذا معنى قول الكشاف: إن الشح قد جعل
حاضرًا لها لا يغيب عنها أبدًا ولا تنفك عنه يعني أنها مطبوعة عليه، فالمرأة لا تكاد تسمح
بقسمتها وبغير قسمتها والرجل لا تكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها وأن يمسكها إذا رغب عنها

١٦٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء
وأحب غيرها، وجملة وأحضرت كقوله: ﴿والصلح خير﴾ اعتراض. قال أبو حيان: كأنه يريد أن
قوله: ﴿وإن يتفرقا﴾ معطوف على قوله: ﴿فلا جناح عليهما﴾ فجاءت الجملتان بينهما اعتراضًا،
وتعقبه بعضهم فقال فيه نظر فإن بعدهما جملاً أخر ينبغي أن يقول الزمخشري في الجميع إنها
اعتراض ولا يخص ﴿والصلح خير وأحضرت الأنفس﴾ بذلك، وإنما أراد الزمخشري بذلك
الاعتراض بين قوله: ﴿وإن امرأة خافت﴾ وقوله: ﴿وأن تحسنوا﴾ [النساء: ١٢٨] فإنهما شرطان
متعاطفان ويدل عليه تفسيره بما يفيد هذا المعنى فلينظر من موضعه، وقد فسر المؤلف الشح بما
فسره به ابن عباس مما وصله ابن أبي حاتم حيث قال: (هواء في الشيء يحرص عليه) وقيل:
الشح البخل مع الحرص، وقيل الإفراط في الحرص.
(﴿كالمعلقة﴾) يريد: ﴿فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة﴾ [النساء: ١٢٩] قال ابن عباس
فيما وصله ابن أبي حاتم: (لا هي أيم) بهمزة مفتوحة وتحتية مشددة مكسورة أي لا زوج لها (ولا
ذات زوج) وقال ابن عباس أيضًا مما وصله ابن أبي حاتم أيضًا من طريق علي بن أبي طلحة عنه
في قوله: (﴿نشوزًا﴾) أي (بغضًا).
٤٦٠١ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقاتِلِ، أَخْبَرَنا عَبْدُ اللَّه، أَخْبَرَنا هِشامٌ عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِهِ عَنْ عَائِشَةَ
رَضِيَ الله عَنْها: ﴿وَإِنِ آمْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِراضًا﴾ قالَتْ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ
لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَها فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلِّ قَنَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ فِي ذُلِكَ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) أبو الحسن المجاور بمكة قال: (أخبرنا عبد اللَّه) بن
المبارك المروزي قال: (أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها)
في قوله تعالى: (﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا﴾ قالت: الرجل تكون عنده المرأة
ليس بمستكثر منها) أي في المحبة والمعاشرة والملازمة (يريد أن يفارقها فتقول أجعلك من شأني)
من نفقة أو كسوة أو مبيت أو غير ذلك من حقوقي (في حل) أي وتتركني بغير طلاق (فنزلت
هذه الآية) زاد أبوا الوقت وذر عن الحموي: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا﴾
الآية. (في ذلك) فإذا تصالح الزوجان على أن تطيب له نفسًا في القسمة أو عن بعضها فلا جناح
عليهما كما فعلت سودة بنت زمعة فيما رواه الترمذي عن ابن عباس بلفظ: خشيت سودة أن
يطلقها رسول الله و ﴿ فقالت: يا رسول الله لا تطلقني واجعل يومي لعائشة ففعل ونزلت هذه
الآية وقال: حسن غريب. وكان رسول الله 83* يقسم لعائشة يومين يومها ويوم سودة وترك
سودة في جملة نسائه وفعل ذلك لتتأسى به أمته في مشروعية ذلك وجوازه.
٢٤ - باب ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ﴾
[النساء: ١٤٥] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: أَسْفَلِ: الثَّارِ. نَفَقًّا: سَرَبًا
(﴿إن المنافقين﴾) وفي نسخة باب بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿إن المنافقين في الدرك

١٦٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء
الأسفل﴾) [النساء: ١٤٥]. زاد أبوا ذر والوقت (﴿من النار﴾ وقال): بالواو ولأبي ذر: قال (ابن
عباس): مما وصله ابن أبي حاتم أي (أسفل النار)، وللنار سبع دركات والمنافق في أسفلها. وقال
أبو هريرة فيما رواه ابن أبي حاتم: الدرك الأسفل بيوت لها أبواب تطبق عليها فتوقد من فوقهم
ومن تحتهم، ولعل ذلك لأجل أنه في أسفل السافلين من درجات الإنسانية، وكيف لا وقد ضم
إلى الكفر السخرية بالإسلام وأهله والمنافق هو المظهر للإسلام المبطن للكفر فلذا كان عذابه أشد
من الكفار وتسمية غيره بالمنافق كما في الحديث الصحيح (ثلاث من كن فيه كان منافقًا خالصًا)
فللتغليظ .
(﴿نفقًا﴾) يريد قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿إن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض﴾
[الأنعام: ٣٥] قال ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم أيضًا أي: (سربًا).
٤٦٠٢ - حدثنا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْراهِيمُ عَنِ
الأَسْوَدِ قالَ: كُنَّا فِي حَلْقَةِ عَبْدِ اللَّه، فَجَاءَ حُذَيْفَةُ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَ النّفاقُ
عَلى قَوْمٍ خَيْرِ مِنْكُمْ، قَالَ الأَسْوَدُ: سُبْحانَ الله إِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ
مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فَتَبَسَّمَ عَبْدُ اللَّه وَجَلَسَ حُذَيْفَةُ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَقَامَ عَبْدُ اللَّه فَتَفَرَّقَ
أَصْحابُهُ فَرَمانِي بِالْحَصا فَأَتَيْتُهُ فَقالَ حُذَيْفَةُ: عَجِبْتُ مِنْ ضَحِكِهِ، وَقَدْ عَرَفَ ما قُلْتُ لَقَدْ أُنْزِلَ
الثّفاقُ عَلى قَوْمٍ كانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ الله عَلَيْهِمْ.
وبه قال: (حذّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث الكوفي قال: (حدّثنا
الأعمش) سليمان بن مهران (قال: حدثني) بالإفراد (إبراهيم) النخعي (عن الأسود) بن يزيد
النخعي وهو خال إبراهيم أنه (قال: كنا في حلقة عبد الله) أي ابن مسعود وحلقة بسكون اللام
(فجاء حذيفة) بن اليمان (حتى قام علينا فسلم ثم قال: لقد أنزل النفاق على قوم خير منكم). أي
ابتلوا به والخيرية باعتبار أنهم كانوا من طبقة الصحابة فهم خير من طبقة التابعين لكن الله تعالى
ابتلاهم فارتدوا أو نافقوا فذهبت الخيرية منهم (قال الأسود) بن يزيد متعجبًا من كلام حذيفة:
(سبحان الله إن الله) تعالى (يقول: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ فتبسم عبد الله) بن
مسعود متعجبًا من كلام حذيفة وبما قام به من قول الحق وما حذر منه (وجلس حذيفة) بن اليمان
(في ناحية المسجد فقام عبد اللَّه) بن مسعود (فتفرق أصحابه) قال الأسود: (فرماني) أي
حذيفة بن اليمان (بالحصى) أي ليستدعيني (فأتيته فقال حذيفة: عجبت من ضحكه) أي ضحك
عبد الله بن مسعود مقتصرًا عليه أي على الضحك (وقد عرف ما قلت لقد أنزل النفاق على قوم
كانوا خيرًا منكم ثم تابوا)، أي رجعوا عن النفاق (فتاب الله عليهم) واستدل به كقوله: ﴿إلا
الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم الله فأولئك مع المؤمنين﴾ [النساء: ١٤٦] على
صحة توبة الزنديق وقبولها كما عليه الجمهور.

١٧٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء
وهذا الحديث أخرجه النسائي في التفسير.
٢٥ - باب قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾
- إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمانَ﴾ [النساء: ١٦٣]
هذا (باب) بالتنوين (قوله) عز وجل (﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح﴾) إلى قوله:
(﴿ويونس وهارون وسليمان﴾) [النساء: ١٦٣] وسقط لفظ باب لغير أبي ذر وقوله كما أوحينا إلى
نوح لغير أبوي ذر والوقت والكاف في كما أوحينا نصب بمصدر محذوف أي إيحاء مثل إيحائنا أو
على أنه حال من ذلك المصدر المحذوف وما تحتمل المصدرية فلا تفتقر إلى عائد على الصحيح
والموصولية فيكون العائد محذوفًا.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيما رواه ابن إسحق أن سكينًا وعدي بن زيد قالا:
يا محمد ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء من بعد موسى فأنزل الله تعالى في ذلك ﴿إنا
أوحينا إليك﴾.
وعن محمد بن كعب القرظي أنزل الله ﴿يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابًا من
السماء﴾ إلى قوله: ﴿بهتانًا عظيمًا﴾ [النساء: ١٥٣ - ١٥٦] فلما تلاها عليهم يعني اليهود
وأخبرهم بأعمالهم الخبيثة جحدوا كل ما أنزل الله تعالى وقالوا: ﴿ما أنزل الله على بشر من شيءٍ﴾
فقال: ولا على أحد فأنزل الله ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ [الأنعام: ٩١] إذا قالوا ما أنزل الله
على بشر من شيء.
قال ابن كثير وفي هذا الذي قاله محمد بن كعب نظر فإن هذه الآية مكية في سورة الأنعام
وهذه الآية التي في النساء مدنية وهي ردّ عليهم لما سألوه ◌َالقر أن ينزل عليهم كتابًا من السماء قال
الله تعالى فقد سألوا موسى أكبر من ذلك ثم ذكر فضائحهم ومعايبهم ثم ذكر أنه أوحى إلى عبده
كما أوحى إلى غيره من النبيين فقال مخاطبًا حبيبه وآثر صيغة التعظيم تعظيمًا للموحي والموحى إليه
﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح﴾ أي لك أسوة بالأنبياء السالفة فتأس بهم ﴿وكلاً نقص
عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾ لأن شأن وحيك كشأن وحيهم، وبدأ بنوح لأنه أوّل
نبي قاسى الشدة من الأمة وعطف عليه النبيين من بعده وخص منهم إبراهيم إلى داود عليه السلام
تشريفًا لهم وترك ذكر موسى ليبرزه مع ذكرهم بقوله: ﴿وكلم الله موسى تكليمًا﴾ على نمط أعم
من الأوّل لأن قوله: ﴿ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم﴾ من التقسيم
الخاص مزيدًا لشرفه واختصاصه بوصف التكليم دونهم أي رسلاً فضلهم واختارهم وآتاهم الآيات
البينات والمعجزات القاهرات الباهرات إلى ما لا يحصى، وخص موسى بالتكليم وثلث ذكرهم على
أسلوب يجمعهم في وصف عام على جهة المدح والتعظيم سار في غيرهم وهو كونهم مبشرين
ومنذرين وجعلهم حجة الله على الخلق طرًا لقطع معاذيرهم فيدخل في هذا القسم كل من دعا إلى

١٧١
كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء
هدى وبشر وأنذر كالعلماء وظهر من هذا التقرير طبقات الداعين إلى الله بأسرهم قاله في فتوح
الغيب.
٤٦٠٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيى عَنْ سُفْيانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الأَغْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ،
عَنْ عَبْدِ اللَّه عَنِ النّبِيِّ وَّهِ قَالَ: ((ما يَنْبَغِي لَأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى)).
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان)
الثوري أنه (قال: حدثني) بالإفراد (الأعمش) سليمان (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن
عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه (عن النبي ◌َّر) أنه (قال):
(ما ينبغي لأحد) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لعبد بدل قوله لأحد، وسقط لأبي ذر
قال: (أن يقول أنا خير من يونس بن متى) بفتح الميم والمثناة الفوقية المشددة مقصورًا اسم أبيه
وقيل اسم أمه أي ليس لأحد أن يفضل نفسه على يونس أو ليس لأحد أن يفضلني عليه وهذا
منه ﴿ على طريق التواضع فلا يعارض بحديث ((أنا سيد ولد آدم)) الصادر منه وَّر على طريق
التحدث بالنعمة والإعلام للأمة برفيع منزلته ليعتقدوه أو قال الأوّل قبل أن يعلم الثاني.
٤٦٠٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلالٌ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةً رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ: ((مَنْ قالَ أَنَّا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ)).
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سنان) بكسر السين وتخفيف النون العوقي بفتح العين المهملة
والواو بعدها قاف الباهلي قال: (حدّثنا فليح) بضم الفاء وفتح اللام آخره حاء مهملة مصغرًا ابن
سليمان قال: (حدّثنا هلال) هو ابن علي (عن عطاء بن يسار) ضد اليمين (عن أبي هريرة رضي
الله عنه عن النبي (*) أنه (قال):
(من قال أنا خير) يعني نفسه أو النبي وَّر (من يونس بن متى فقد كذب) لعله قال ذكر
زجرًا عن توهم حط مرتبة يونس لما في قوله تعالى: ﴿ولا تكن كصاحب الحوت﴾ [القلم: ٤٨]
فقاله سدًا للذريعة، وهذا هو السبب في تخصيص يونس بالذكر من بين سائر الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام.
وهذا الحديث قد ذكره في أحاديث الأنبياء.
٢٦ - باب ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ آمْرُؤْ هَلَكَ
لَيْسَ لَهُ وَلَدْ وَلَهُ أُخْتْ فَلَها نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدْ﴾
[النساء: ١٧٦]. وَالْكَلالَةُ: مَنْ لَمْ يَرِثْهُ أَبٌ أَوِ ابْنٌ وَهُوَ مَضْدَرٌ مِنْ تَكَلَّلَهُ الثَّسَبُ.
هذا (باب) بالتنوين وسقط لغير أبي ذر لفظ باب في قوله تعالى: (﴿يستفتونك﴾) أي في

١٧٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء
الكلالة حذف لدلالة الثاني عليه في قوله: (﴿قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك﴾) أي مات
وارتفع امرؤ بالمضمر المفسر بالمذكور (﴿ليس له ولد﴾) أي ابن صفة لامرؤ واستدل به من قال
ليس من شرط الكلالة انتفاء الوالد بل يكفي انتفاء الولد وهو رواية عن عمر بن الخطاب رضي
الله تعالى عنه رواها ابن جرير عنه بإسناد صحيح إليه لكن الذي عليه الجمهور من الصحابة
والتابعين أنه من لا ولد له ولا والد وهو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه أخرجه ابن أبي شيبة
ويدل على ذلك قوله تعالى: (﴿وله أخت فلها نصف ما ترك﴾) ولو كان معها أب لم ترث شيئًا
لأنه يحجبها بالإجماع فدل على أنه من لا ولد له بنص القرآن ولا والد بالنص عند التأمل أيضًا لأن
الأخت لا يفرض لها النصف مع الوالد بل ليس لها ميراث بالكلية والمراد الأخت من الأبوين أو
الأب لأنه جعل أخوها عصبة وابن الأم لا يكون عصبة (﴿وهو﴾) أي والمرء (﴿يرثها﴾) أي جميع
مال الأخت إن كان الأمر بالعكس (﴿إن لم يكن لها ولد﴾﴾ [النساء: ١٧٦] ذكرًا كان أو أنثى أي
ولا والد لأنه لو كان لها والد لم يرث الأخ شيئًا (والكلالة: من لم يرثه أبّ أو ابن) كما مر (وهو)
كما قال أبو عبيدة (مصدر من تكلله النسب) أي تعطف النسب عليه وقال في الصحاح ويقال هو
مصدر من تكلله النسب أي تطرفه كأنه أخذ طرفيه من جهة الولد والوالد وليس له منهما أحد
فسمی بالمصدر اهـ.
وقال غيره، والكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة من الإعياء،
وعلى هذا فقول العيني متعقبًا على الحافظ ابن حجر عزوه ما ذكره البخاري من كونه مصدرًا
لأبي عبيدة فيه نظر لأن تكلل على وزن تفعل ومصدره تفعل وليس بمصدر بل هو اسم لا
يخفى ما فيه وقيل كل ما احتف بالشيء من جوانبه فهو إكليل وبه سميت لأن الوراث يحيطون
به من جوانبه وقيل الأب والابن طرفان للرجل فإذا مات ولم يخلفهما فقد مات عن ذهاب
طرفيه فسمي ذهاب الطرفين كلالة.
٤٦٠٥ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إسْحُقَ، سَمِعْتُ الْبَراءَ رَضِيَ الله
تَعالى عَنْهُ قالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَراءَةٌ وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ .
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قاضي مكة قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج
(عن أبي إسحق) عمرو بن عبد الله السبيعي أنه قال: (سمعت البراء) بن عازب (رضي الله
تعالى عنه قال: آخر سورة نزلت) على النبي وَلّر (براءة) بالتنوين (وآخر آية نزلت ﴿يستفتونك))
زاد أبو ذر ﴿قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ وقد سبق في البقرة من حديث ابن عباس آخر آية
نزلت آية الربا فيحتمل أن يقال آخرية الأولى باعتبار نزول أحكام الميراث والأخرى باعتبار
أحكام الربا.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الفرائض وكذا أبو داود والنسائي.

١٧٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
(بسم الله الرحمن الرحيم)
([٥] سورة المائدة)
وهي مدنية إلا ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] فبعرفة عشيتها. قال في الينبوع: ومن
نسب هذه السورة إلى عرفة فقدسها بل نزلت بالمدينة سوى الآيات من أوّلها فإنهن نزلن في حجة
الوداع وهو على راحلته بعرفة بعد العصر انتهى.
وقد روى الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد قالت: إني الآخذة بزمام العضباء ناقة
رسول الله* إذ نزلت عليه المائدة كلها وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة. وعن ابن عمر آخر
سورة أنزلت المائدة والفتح، قال الترمذي حسن غريب، وثبتت البسملة بعد قوله المائدة لأبي ذر.
١ - باب
﴿حُرُمٌ﴾ واحِدُها حَرَامٌ ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ بِنَقْضِهِمْ ﴿الَّتِي كَتَبَ الله﴾ُ جَعَلَ الله
﴿َتَبُوءَ﴾ تَحْمِلَ ﴿دائِرَةٌ﴾ دَوْلَةٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الإغْراءُ: التَّسْلِيطُ. أُجُورَهُنَّ: مُهُورَهُنَّ الْمُهَيْمِنُ:
الأَمِينُ، الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ قَبْلَهُ، قَالَ سُفْيَانُ: ما فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ ﴿لَسْتُمْ
عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبَّكُمْ﴾. مَخْمَصَةٌ: مَجَاعَةٌ، مَنْ
أَخيالها: يَعْنِي مَنْ حَرَّمَ قَتْلَها إِلاَّ بِحَقٌّ حَيِيَ النَّاسُ مِنْهُ جَمِيعًا. شِرْعَةٌ وَمِنْهاجًا سَبِيلاً وَسُنَّةً، فَإِنْ
عُثِرَ ظَهَرَ، الأَوْلَيَانِ: وَاحِدُهُمَا أَوْلى.
(﴿حرم﴾) يريد قوله ﴿غير محلّ الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: ١] قال أبو عبيدة (واحدها
حرام) والمعنى وأنتم محرمون وهذه الجملة ساقطة لغير أبوي الوقت وذر.
(﴿فيما نقضهم ميثاقهم﴾﴾ [المائدة: ١٣] قال قتادة وغيره أي (بنقضهم) فما صلة نحو فيما
رحمة من الله وهو القول المشهور، وقيل ما اسم نكرة أبدل منها نقضهم على إبدال المعرفة من
النكرة أي بسبب نقضهم ميثاق الله وعهده بأن كذبوا الرسل الذين جاؤوا من بعد موسى وكتموا
نعت محمد ◌َ﴿ بعدناهم من الرحمة أو مسخناهم أو ضربنا عليهم الجزية.
(﴿التي كتب الله﴾) يريد قوله تعالى: ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾
[المائدة: ٢١] أي التي (جعل الله) لكم وثبت هنا قوله حرم واحدها حرام لأبوي الوقت وذر.
(﴿تبوء﴾) يريد قوله تعالى: ﴿إني أريد أن تبوء بإثمي﴾ [المائدة: ٢٩] معناه (تحمل) كذا
فسره مجاهد.
(﴿دائرة﴾) يريد قوله تعالى: ﴿يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة﴾ [المائدة: ٥٢] أي: (دولة)
كذا فسره السدي (وقال غيره): قيل هو غير السدي أو غير من فسر السابق وسقط للنسفي وقال

١٧٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
غيره فلا إشكال (الإغراء) المذكور في قوله تعالى: ﴿فأغرينا بينهم العداوة﴾ [المائدة: ١٤] هو
(التسليط) وقيل أغرينا ألقينا.
(أجورهن) يريد ﴿إذا آتيتموهن أجورهن﴾ [المائدة: ٥] (مهورهن) وهذا تفسير أبي عبيدة.
(المهيمن) يريد قوله تعالى: ﴿ومهيمنًا عليه﴾ [المائدة: ٤٨] قال ابن عباس فيما وصله ابن
أبي حاتم عن علي بن أبي طلحة عنه ومهيمنًا عليه قال المهيمن (الأمين القرآن أمين على كل كتاب
قبله) وقال ابن جريج: القرآن أمين على الكتب المتقدمة فما وافقه منها فحق وما خالفه منها فهو
باطل وقال العوفي عن ابن عباس ومهيمنًا أي حاكمًا على ما قبله من الكتب.
(قال) وفي الفرع وقال: (سفيان) هو الثوري (ما في القرآن آية أشد عليّ من) قوله تعالى:
(﴿لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم﴾) [المائدة: ٦٨] لما فيها
من التكليف من العمل بأحكامها.
(﴿مخمصة﴾) قال ابن عباس (مجاعة). وقال أيضًا فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى:
(﴿من أحياها﴾ يعني من حرّم قتلها إلا بحق حيي الناس منه جميعًا). وقال أيضًا في قوله تعالى:
﴿لكل جعلنا منكم﴾ (﴿شرعة ومنهاجًا﴾) [المائدة: ٤٨] يعني (سبيلاً وسنة) وسقط قوله قال
سفيان إلى هنا لغير أبوي ذر والوقت.
(﴿فإن عثر﴾) ﴿على أنهما استحقا إثمًا﴾ [المائدة: ١٠٧] أي (ظهر) وقوله تعالى: ﴿من
الذين استحق عليهم الأوليان﴾ [المائدة: ١٠٧] (واحدهما أولى) وهذا ثابت في بعض النسخ
ساقط من الفرع وأصله.
٢ - باب ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾
[المائدة: ٣] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ مَخْمَصَةٌ: مَجاعَةً
(باب قوله) تعالى: ((اليوم أكملت لكم دينكم)) [المائدة: ٣] وزاد غير أبي ذر هنا (وقال
ابن عباس مخمصة مجاعة) وقد سبق فلا فائدة في ذكره وسقط باب قوله لغير أبي ذر.
٤٦٠٦ - حدثني مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ
طارِقٍ بْنِ شِهابٍ، قَالَتِ الْيَهُودُ: لِعُمَرَ إِنَّكُمْ تَفْرَؤُونَ آيَةً لَوْ نَزَلَتْ فِينا لاتَّخَذْناها عِيدًا فَقالَ عُمَرُ:
إِنِّي لأَغْلَمُ حَيْثُ أَنْزِلَتْ وَأَيْنَ أُنْزِلَتْ وَأَيْنَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ حِينَ أُنْزِلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ وَإِنَّا وَالله بِعَرَفَةً،
قالَ سُفْيانُ: وَأَشُكُ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَمْ لا ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ .
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة العبدي البصري أبو
بكر بندار قال: (حدّثنا عبد الرحمن) هو ابن مهدي قال: (حدّثنا سفيان) هو الثوري (عن قيس)

١٧٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
هو ابن مسلم (عن طارق بن شهاب) البجلي الأحمسي الكوفي له رؤية أنه قال: (قالت اليهود)
كعب الأحبار قبل أن يسلم ومن معه من اليهود وكان إسلام كعب في خلافة عمر على المشهور
(لعمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: (إنكم) معشر المسلمين (تقرؤون آية لو نزلت فينا) معشر
اليهود (لاتخذناها عيدًا) نسر فيه لكمال الدين وزاد في الإيمان. قال: أيّ؟ قال: ﴿اليوم أكملت
لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ [المائدة: ٣] (فقال عمر: إني لأعلم
حيث أنزلت وأين أنزلت) قال في المغني وحيث للمكان اتفاقًا، وقال الأخفش قد ترد للزمان
وأين قال في الصحاح هذا قلت أين يزيد فإنما تسأل عن مكانه فتكون حيث هنا للزمان وأين
للمكان فلا تكرار، وعند أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي حيث أنزلت وأيّ يوم أنزلت (وأين
رسول الله صل حين) ولأبي ذر حيث (أنزلت) زاد أحمد أنزلت (يوم عرفة وإنا) بكسر الهمزة
وتشديد النون (والله بعرفة) إشارة إلى المكان، ولمسلم: ورسول الله وَ لجر واقف بعرفة.
(قال سفيان) الثوري بالسند السابق: (وأشك كان يوم الجمعة أم لا) سبق في الإيمان من
وجه آخر عن قيس بن مسلم الجزم بأنه كان يوم الجمعة (﴿اليوم أكملت لكم دينكم)).
وهذا الحديث قد مرّ في كتاب الإيمان.
٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءٌ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيْبًا﴾
تَيَمَّمُوا: تَعَمَّدُوا، آمِّينَ: عامِدِينَ، أَمَّمْتُ وَتَتَمَّمْتُ وَاحِدٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: لَمَسْتُمْ وَتَمَسُوهُنَّ وَاللأَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ. وَالإِقْضاءُ: النّكاحُ
(باب قوله) تعالى: وثبت باب قوله لأبي ذر عن المستملي (﴿فلم تجدوا ماء﴾) معطوف على
ما قبله والمعنى أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فطلبتم الماء لتتطهروا به فلم تجدوه
بثمن ولا بغيره (﴿فتيمموا صعيدًا﴾) ترابًا (﴿طيبًا﴾) ولعل ذكر الكلام في التيمم ثانيًا لتحقيق
شموله للجنب والمحدث حيث ذكر عقيب ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ [المائدة: ٧] فإنه نقل عن
عمر وابن مسعود عند ذكر الأولى التخصيص بالمحدث (تيمموا) أي (تعمدوا) وسقط تيمموا
تعمدوا لغير المستملي، وقوله تعالى: ﴿ولا آمين البيت الحرام﴾ [المائدة: ٢] أي (عامدين أممت
وتيممت واحد) قاله أبو عبيدة (وقال ابن عباس: لمستم وتمسوهن) وفي الفرع ولمستموهن والأوّل
هو الذي في أصله (واللاتي دخلتم بهن والإفضاء) الأربعة معناها (النكاح) فالأول وصله إسماعيل
القاضي في أحكام القرآن من طريق مجاهد عنه، والثاني وصله ابن المنذر، والثالث ابن أبي حاتم
من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه، والرابع ابن أبي حاتم من طريق بكر بن عبد اللَّه المزني عن ابن
عباس.
٤٦٠٧ - هدفنا إسْماعِيلُ، قالَ: حَدَّثَنِي مالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِهِ عَنْ

١٧٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
عائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا
كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ - أَوْ بِذاتِ الْجَيْشِ - أَنْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَهُ عَلَى الْتِماسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ
وَلَيْسُوا عَلَى ماءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَتَى النَّاسُ إلى أَبِي بَكْرِ الصَّدِيقِ فَقالُوا: أَلا تَرى ما صَنَعَتْ
غَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِوَّهَ وَبِالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ ماءٌ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ
وَرَسُولُ اللهِ وَ﴿ وَاضِعْ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نامَ فَقالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ وَّرِ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا
عَلَى ماءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ ماءٌ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَعاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ ما شاءَ الله أَنْ يَقُولَ: وَجَعَلَ
يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي وَلا يَمْنَعُنِي مِنَ النَّحَرُّكِ إِلاَّ مَكانُ رَسُولِ اللهِ وَِّ عَلَى فَخِذِي فَقَامَ
رَسُولُ اللهِوَ﴿ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأَنْزَلَ اللهِ آيَّةَ التَِّهُمِ فَقالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: ما هِيَ بِأَوَّلِ
بَرَكَتِكُمْ يا آلَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَإِذا الْعِقْدُ تَحْتَهُ.
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن
عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق (عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي (وَ ﴾)
أنها (قالت: خرجنا مع رسول الله) ولأبي ذر عن النبي (َ﴿ في بعض أسفاره) هو غزوة بني
المصطلق وكانت سنة ست أو خمس (حتى إذا كنا بالبيداء) بفتح الموحدة والمد (أو بذات الجيش)
بفتح الجيم وبعد الياء الساكنة شين معجمة موضعين بين مكة والمدينة والشك من عائشة (انقطع
عقد لي) بكسر العين وسكون القاف أي قلادة وإضافته لها باعتبار استيلائها لمنفعته وإلا فهو
لأسماء استعارته منها (فأقام رسول الله يستر على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس
معهم ماء فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق) رضي الله عنه وسقط لفظ الصديق لأبي ذر (فقالوا)
له: (ألا ترى ما صنعت عائشة أقامت برسول الله وَّقر وبالناس) بحرف الجر (وليسوا على ماء
وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله وَ﴿ واضع رأسه على فخذي) بالذال المعجمة (قد نام.
فقال): ولأبي ذر وقال: (حبست رسول الله صَل و) حبست (الناس وليسوا على ماء وليس معهم
ماء. قالت) ولأبوي ذر والوقت فقالت (عائشة: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول) قال
حبست الناس في قلادة وفي كل مرة تكونين عناء (وجعل يطعنني بيده في خاصرتي) بضم عين
يطعنني وقد تفتح (ولا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله وقالير على فخذي فقام
رسول الله ﴿ حين أصبح) ولغير أبوي ذر والوقت فنام حتى أصبح (على غير ماء فأنزل الله آية
التيمم) التي بالمائدة. زاد أبو ذر فتيمموا بلفظ الماضي أي تيمم الناس لأجل الآية أو هو أمر على
ما هو لفظ القرآن ذكره بيانًا أو بدلاً من آية التيمم أي أنزل الله فتيمموا وفي نسخة فتيممنا (فقال
أسيد بن حضير): بضم الحاء وفتح الضاد المعجمة مصغرًا كسابقه الأنصاري الأشهلي (ما هي) أي
البركة التي حصلت للمسلمين برخصة التيمم (بأوّل بركتكم يا آل أبي بكر) بل هي مسبوقة بغيرها
(قالت) عائشة: (فبعثنا) أي أثرنا (البعير الذي كنت) راكبة (عليه) حالة السير (فإذا العقد تحته).
وهذا الحديث قد سبق في التيمم.

١٧٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
٤٦٠٨ - هذّثنا يَخْيِى بْنُ سُلَيْمانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أنَّ
عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ الْقاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها سَقَطَتْ قِلادَةٌ لِي بِالْبَيْدَاءِ، وَنَحْنُ
داخِلُونَ الْمَدِينَةَ، فَأَنَاخَ النَّبِيُّ ◌َّهِ وَنَزَّلَ فَثَنِى رَأْسَهُ فِي حِجْرِي راقِدًا أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَكْزَنِي لَكْزَةٌ
شَدِيدَةً وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلادَةٍ فَبِي الْمَوْتُ لِمَكانٍ رَسُولِ اللهِ وَّرَ وَقَدْ أَوْجَعَنِي ثُمَّ إِنَّ
النّبِيِّ ◌َ﴿ أَسْتَبْقَظَ وَحَضَرَتِ الصُّبْحُ فَالْتُمِسَ الْمَاءُ فَلَمْ يُوجَدْ فَتَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ
إلى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] الآيَةَ. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ لَقَدْ بارَكَ الله لِلنَّاسِ فِيكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرِ مَا أَنْتُمْ
إلاَّ بَرَكَةٌ لَهُمْ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (يحيى بن سليمان) الجعفي الكوفي نزيل مصر
(قال: حدّثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد اللَّه (قال أخبرني) بالإفراد (عمرو) بفتح العين ابن الحارث
المصري (أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه عن أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (عن
عائشة رضي الله عنها) أنها قالت: (سقطت قلادة) بكسر القاف (لي بالبيداء) ليس في هذه الرواية
أو بذات الجيش (ونحن داخلون المدينة) الواو للحال (فأناخ النبي وَل®) راحلته (ونزل) عنها (فثنى
رأسه) أي وضعها (في حجري) حال كونه عليه الصلاة والسلام (راقدًا. أقبل أبو بكر فلكزني
لكزة) بالزاي أي دفعني في صدري بيده دفعة (شديدة وقال: حبست الناس في قلادة فبي الموت
المكان رسول الله ﴿ وقد أوجعني، ثم إن النبي ◌َّلهر استيقظ وحضرت الصبح) أي صلاة الصبح
(فالتمس الماء) بالرفع مفعولاً ناب عن الفاعل أي التمس الناس الماء (فلم يوجد فنزلت: ﴿يا أيها
الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ الآية. فقال أسيد بن حضير: لقد بارك الله للناس فيكم) أي
بسببكم (يا آل أبي بكر ما أنتم إلا بركة لهم).
٤ - باب قَوْلِهِ :
﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هُهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]
(باب قوله) عز وجل، وسقط لفظ باب لغير أبي ذر وقوله للكشميهني والحموي (﴿فاذهب
أنت وربك﴾) رفع عطفًا على الفاعل المستتر في اذهب وجاز ذلك للتأكيد بالضمير ويحتمل أنهم
أرادوا حقيقة الذهاب على الله لأن مذهب اليهود التجسيم، ويؤيده مقابلة الذهاب بالقعود في
قولهم (﴿فقاتلا إنا ههنا قاعدون﴾) [المائدة: ٢٤] وظاهر الكلام إنهم قالوا ذلك استهانة بالله
ورسوله وعدم مبالاة بهما.
وأصل هذا أن موسى عليه السلام أمر أن يدخلوا مدينة الجبارين وهي أريجاء فبعث إليهم
اثني عشر عينًا من كل سبط منهم عين ليأتوه بخبر القوم فلما دخلوها رأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم
وعظمتهم فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه فنظر إلى آثارهم
إرشاد الساري/ ج ١٠/ م ١٢

١٧٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
فتتبعهم فكلما أصاب واحدًا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة حتى التقطهم كلهم فجعلهم
في كمه مع الفاكهة، وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه فقال الملك: قد رأيتم شأننا فاذهبوا
وأخبروا صاحبكم رواه ابن جرير عن عبد الكريم بن الهيثم، حدّثنا إبراهيم بن بشار، حدّثنا
سفيان عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس.
قال ابن كثير: وفي هذا الإسناد نظر وقد ذكر كثير من المفسرين أخبارًا من وضع بني
إسرائيل في عظمة خلق هؤلاء الجبارين وأنه كان فيهم وج بن عنق بنت آدم عليه الصلاة
والسلام، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعًا وثلث ذراع تحرير
الحساب وهذا شيء يستحيى منه، ثم هو مخالف لما في الصحيح أن رسول الله بَّر قال ((إن الله
خلق آدم طوله ستون ذراعًا ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن)) ثم ذكروا أن عوجًا كان كافرًا وأنه
امتنع من ركوب السفينة وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته وهذا كذب وافتراء فإن الله تعالى ذكر أن
نوحًا دعا على أهل الأرض من الكافرين فقال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا﴾
[نوح: ٢٦] وقال تعالى: ﴿فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين﴾
[الشعراء: ١١٩] وقال تعالى ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ [هود: ٤٣] وإذا كان
ابن نوح غرق فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر هذا لا يسوغ في عقل ولا في شرع ثم في
وجود رجل يقال له عوج بن عنق نظر، والله أعلم اهـ.
٤٦٠٩ - حدثنا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا إِسْرائِيلُ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ سَمِعْتُ ابْنَ
مَسْعُودٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: شَهِدْتُ مِنَ الْمِقْدادِ حِ وَحَدَّثَنِي حَمْدَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ،
حَدَّثَنَا الأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُخارِقٍ، عَنْ طارِقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّه قالَ: قَالَ الْمِقْدادُ يَوْمَ بَدْرٍ يا
رَسُولَ الله إِنَّا لا نَقُولُ لَكَ كَما قالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هُهُنَا
قَاعِدُونَ وَلْكِنِ آمْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ فَكَأَنَّهُ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ. وَرَواهُ وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ
مُخَارِقٍ، عَنْ طارِقٍ، أَنَّ الْمِقْدَادَ قَالَ ذُلِكَ لِلنَِّّ وَهِ.
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا إسرائيل) بن يونس السبيعي (من
مخارق) بضم الميم وتخفيف الخاء المعجمة آخره قاف ابن عبد الله الأحمسي الكوفي (عن طارق بن
شهاب) الأحمسي البجلي الكوفي أنه قال: (سمعت ابن مسعود) عبد الله (رضي الله عنه قال:
شهدت من المقداد) هو ابن الأسود وكان قد تبناه فنسب إليه واسم أبيه عمرو (ح) لتحويل السند.
قال المؤلف بالسند السابق.
(وحذّثني) بالإفراد (حمدان) هو أحمد (بن عمر) بضم العين البغدادي ليس له في البخاري إلا
هذا الموضع قال: (حدّثنا أبو النضر) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة هاشم بن القاسم التميمي
الخراساني نزيل بغداد قال: (حدّثنا الأشجع) بالشين المعجمة والجيم والعين المهملة عبيد الله بن

١٧٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
عبد الرحْمن الكوفي (عن سفيان) الثوري (عن مخارق) هو ابن عبد الله (عن طارق) هو ابن شهاب
(عن عبد اللَّه) هو ابن مسعود أنه (قال: قال المقداد) هو المعروف بابن الأسود (يوم بدر): ولأبي
ذر عن الحموي والمستملي يومئذٍ (يا رسول الله إنا لا نقول لك) سقط لفظ لك لأبي ذر (كما قالت
بنو إسرائيل لموسى فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن امض ونحن معك). وعند
أحمد: ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون (فكأنه سرّي عن رسول الله( *) أي أزيل
عنه المکروهات کلها.
(ورواه) أي الحديث المذكور (وكيع) هو ابن الجراح الرؤاسي فيما وصله أحمد وإسحق في
مسنديهما عنه (عن سفيان) هو الثوري (عن مخارق عن طارق أن المقداد قال ذلك) القول وهو يا
رسول الله إنا لا نقول لك إلخ (للنبي (9). ومراد البخاري أن صورة سياق هذا أنه مرسل
بخلاف سياق الأشجع واستظهر لرواية الأشجع الموصلة برواية إسرائيل، وقد وقع قوله ورواه
وكيع الخ مقدمًا على قوله حدثنا أبو نعيم عند أبي ذر مؤخرًا عند غيره. قال في الفتح: وهو أشبه
بالصواب، وعند ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله و لتر قال لأصحابه يوم الحديبية
حين صدّ المشركون الهدي وحيل بينهم وبين مناسكهم «إني ذاهب بالهدي فناحره عند البيت)) فقال
المقداد: إنا والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذا قالوا لنبيهم: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا
قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون، فلما سمعها أصحاب رسول الله (5#
تتابعوا على ذلك. قال الحافظ ابن كثير: وهذا إن كان محفوظًا يوم الحديبية فيحتمل أنه كرر هذه
المقالة يومئذٍ كما قالها يوم بدر وسقط قوله ذلك لأبي ذر.
٥ - باب ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ
وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -
﴿أَوْ يُنْقَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] الْمُحارَبَةُ الله: الْكُفْرُ بِهِ
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في
الأرض فسادًا﴾) مفعول من أجله أي: يحاربون لأجل الفساد أو حال أي مفسدين (﴿أن يقتلوا))
خبر المبتدأ وهو جزاء الذين (﴿أو يصلبوا) - إلى قوله - ﴿أو ينفوا من الأرض)) [المائدة: ٣٣] أي
من أرض الجناية إلى غيرها. وقال أبو حنيفة بالحبس لأن المحبوس لا يرى أحدًا من أحبابه ولا
ينتفع بلذات الدنيا وأو قيل للتخيير أي للإمام أن يفعل بهم أيّ خصلة شاء وهو مروي عن ابن
عباس من طريق علي بن أبي طلحة فيما رواه ابن جرير.
قال شارح البزدوي فيما حكاه الطيبي نظر هذا القائل أن كلمة أو للتخيير حقيقة فيجب
العمل بها إلى أن يقوم دليل المجاز ولأن قطع الطريق في ذاته جناية واحدة وهذه الأجزية ذكرت
بمقابلتها فيصلح كل واحد جزاء له فيثبت التخيير كما في كفارة اليمين اهـ.
٠

١٨٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
والجمهور أنها للتنويع. قال إمامنا الشافعي أخبرنا إبراهيم هو ابن أبي يحيى عن صالح
مولى التوأمة عن ابن عباس في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا
ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من
خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالاً نفوا من الأرض، ورواه ابن أبي شيبة عن عطية
عن ابن عباس بنحوه.
وأجاب في فتوح الغيب عما سبق من القول بالتخيير بأنه غير ممكن لأن الجزاء على حسب
الجناية ويزداد بزيادتها وينقص بنقصانها قال تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠]
فيبعد أن يقال عند غلظ الجناية يعاقب بأخف الأنواع وعند خفتها بأغلظها وذلك أن المحاربة
تتفاوت أنواعها في صفة الجناية من تخويف أو أخذ مال أو قتل نفس أو جمع بين القتل وأخذ
المال، والمذكور في الآية أجزية متفاوتة في معنى التشديد والغلظة فوقع الاستغناء بتلك المقدّمة عن
بيان تقسيم الأجزية على أنواع الجناية نصًا وهذا التقسيم يرجع إلى أصل لهم وهو أن الجملة إذا
قوبلت بالجملة ينقسم البعض على البعض اهـ.
واختلف في كيفية الصلب فقيل يصلب حيًا ثم يطعن في بطنه برمح حتى يموت، وعن
الشافعي يقتل أوّلاً ثم يصلى عليه ثم يصلب وهل يصلب ثلاثة أيام ثم ينزل أو يترك حتى يتهرى
ويسيل صديده، وسقط قوله ﴿أن يقتلوا﴾ إلى آخره لأبي ذر وقال بعد قوله تعالى: ﴿فسادًا﴾
الآية.
(المحاربة لله) قال سعيد بن جبير فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن لهيعة عن عطاء بن
يسار عنه هي (الكفر به) تعالى. وقال غيره: هو من باب حذف المضاف أي يحاربون أولياء الله
وأولياء رسوله وهم المسلمون ففیه تعظیم لهم، ومنه قوله تعالى: من عادی لي ولیًا فقد بارزني
بالحرب، وأصل الحرب السلب والمحارب يسلب الروح والمال والمراد هنا قطع الطريق وهو أخذ
المال مكابرة اعتمادًا على الشوكة وإن كان في مصر.
٤٦١٠ - هذائنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّه، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ،
قالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ أَبُو رَجاءِ مَوْلَى أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَبِي قِلابُةً أَنَّهُ كانَ جالِسًا خَلْفَ عُمَرَ بْنِ
عَبْدِ الْعَزِيزِ فَذَكَرُوا وَذَكَرُوا فَقالُوا: وَقَالُوا قَدْ أَفَادَتْ بِهَا الْخُلَفَاءُ، فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي قِلَابَةَ وَهُوَ
خَلْفَ ظَهْرِهِ فَقالَ: ما تَقُولُ يا عَبْدَ اللَّه بْنَ زَيْدٍ - أَوْ قالَ ما تَقُولُ يا أَبا قِلابَةً ؟ قُلْتُ: ما عَلِمْتُ
نَفْسًا حَلَّ قَتْلُها فِي الإِسْلامِ إِلاَّ رَجُلْ زَنْى بَعْدَ إِحْصاٍ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، أَوْ حَارَبَ الله
وَرَسُولَهُ فَهِ، فَقالَ عَنْبَسَةُ: حَدَّثَنَا أَنَسْ بِكَذَا وَكَذَا، قُلْتُ إِيَّايَ حَدَّثَ أَنَسٌ قَالَ: قَدِمَ قَوْمٌ عَلَى
النّبِيِّ ◌َ﴿ فَكَلَّمُوهُ فَقالُوا: قَدِ اسْتَوْخَمْنا هذِهِ الأَرْضَ فَقالَ: ((هَذِهِ نَعَمُ، لَنا تَخْرُجُ فَأَخْرُجُوا فِيها
فَاشْرَبُوا مِنْ أَلْبانِها وَأَبْوالِها)) فَخَرَجُوا فِيهَا فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوالِها وَأَلْبَانِها وَأَسْتَصَحُوا وَمَالُوا عَلَى