النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
١٦ - باب ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا آتَوْا﴾
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما آتوا﴾) سقط باب لغير
أبي ذر والخطاب للنبي وله والمفعول الأوّل الذين يفرحون والثاني بمفازة.
٤٥٦٧ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَزْيَمَ أَخْبَرَنا مُحَمِّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ،
عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنْ رِجالاً مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ
رَسُولِ اللهِ﴿ كانَ إِذا خَرَجَ رَسُولُ اللهِوَهَ إلَى الْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ
رَسُولِ اللهِوََّ فَإِذا قَدِمَ رَسُولُ اللهِوَّهِ اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وَحَلَفُوا وَأَحَبُوا أَنْ يُخْمَدُوا بِمَّا لَمْ يَفْعَلُوا
فَتَزَلَتْ: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا آتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨].
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم الجمحي
مولاهم البصري قال: (أخبرنا) ولأبي ذر حدّثنا (محمد بن جعفر) أي ابن أبي كثير المدني (قال:
حدّثني) بالإفراد (زيد بن أسلم) العدوي (عن عطاء بن يسار) بتخفيف السين المهملة (عن أبي
سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجالاً من المنافقين على عهد رسول الله وَلاغير كان إذا خرج
رسول الله يل إلى الغزو. وتخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم) مصدر ميميّ أي بقعودهم (خلاف
رسول الله 8﴿ فإذا قدم رسول الله وَ﴿) من غزوه إلى المدينة (اعتذروا إليه) عن تخلفهم (وحلفوا
وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت) آية (﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا﴾) بما فعلوا من
التدليس (﴿ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾) وسقط من قوله: (بما أتوا) إلى آخره في رواية غير
أبي ذر وقالوا بعد (يفرحون) الآية.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في التوبة.
٤٥٦٨ - حدثني إبْراهِيمُ بْنُ مُوسى، أَخْبَرَنا هِشامٌ أَنْ ابْنَ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَهُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي
مُلَيْكَةَ أنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصِ أَخْبَرَهُ أنَّ مَرْوَانَ قَالَ لِبَوَّابِهِ: اذْهَبْ يا رافِعُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْ: لَئِنْ
كانَ كُلِّ امْرِىءٍ فَرِحَ بِمَا أُوتِيَ وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذِّبًا لَنُعَذِّبَنَّ أَجْمَعُونَ فَقَالَ ابْنُ
عَبَّاسٍ: وَمَا لَكُمْ وَلِهِذِهِ؟ إِنَّمَا دَعا النَّبِيِّ وَّهِ يَهُودَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إِيَّهُ وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ
فَأَرَوْهُ أَنْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيمَا سَأَلَهُمْ وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتْمانِهِمْ ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ
عَبَّاسِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] كَذلِكَ حَتَّى قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُونَ
بِما أُوتُوا وَيُحِبُونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾. تابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ.
٠٠٠٠ . هذَئنا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنا الْحَجَّاجُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ
حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ مَرْوَانَ بِهِذَا.

د
١٢٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إبراهيم بن موسى) أبو إسحاق الرازي الفراء قال: (أخبرنا
هشام) هو ابن يوسف الصنعاني (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم عن ابن أبي
مليكة) عبد اللَّه وفي الفرع قال أخبرني بالإفراد ابن أبي مليكة (إن علقمة بن وقاص) الليثي من
أجلّ التابعين بل قيل إن له صحبة (أخبره أن مروان) بن الحكم بن أبي العاص وكان يومئذٍ أميرًا
على المدينة من قبل معاوية ثم ولي الخلافة (قال لبوابه) لما كان عنده أبو سعيد وزيد بن ثابت
ورافع بن خديج وقال: يا أبا سعيد أرأيت قول الله تعالى: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون﴾ الآية.
فقال إن هذا ليس من ذلك إنما ذاك أن ناسًا من المنافقين وفيه فإن كان لهم نصر وفتح حلفوا لهم
على سرورهم بذلك ليحمدوهم على فرحهم وسرورهم رواه ابن مردويه فكأن مروان توقف في
ذلك وأراد زيادة الاستظهار فقال لبوّابه (اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل) له (لئن كان كل
امرىء بما أوتي) بضم الهمزة وكسر الفوقية أي أعطى (وأحب أن يحمد) بضم أوّله مبنيًا للمفعول
(بما لم يفعل معذبًا) نصب خبر كان (لتعذبن) بفتح الذال المعجمة المشدّدة (أجمعون) بالواو لأن كلنا
يفرح بما أوتي ويجب أن يحمد بما لم يفعل، وفي رواية حجاج بن محمد: أجمعين على الأصل.
(فقال ابن عباس) منكرًا عليهم السؤال عن ذلك (وما لكم) ولأبي ذر: ما لكم بإسقاط
الواو، ولأبي الوقت: مالهم بالهاء بدل الكاف (ولهذه) أي وللسؤال عن هذه المسألة (إنما دعا
النبي (صل يهود) ولأبي ذر يهود بالتنوين (فسألهم عن شيء) قيل عن صفته عندهم بإيضاح (فكتموه
إياه وأخبروه) وفي الفرع فأخبروه (بغيره) أي بصفته عليه الصلاة والسلام في الجملة (فأروه) بفتح
الهمزة والراء (أن قد استحمدوا إليه) بفتح الفوقية مبنيًّا للفاعل أي طلبوا أن يحمدهم قال في
الأساس استحمد الله إلى خلقه بإحسانه إليهم وإنعامه عليهم (بما أخبروه عنه) على الإجمال (فيما
سألهم وفرحوا بما أوتوا) بضم الهمزة وسكون الواو وضم التاء الفوقية أي أعطوا، ولأبي ذر عن
المستملي والكشميهني: بما أتوا بفتح الهمزة والفوقية من غير واو أي بما جاؤوا به (من كتمانهم)
بكسر الكاف للعلم (ثم قرأ ابن عباس رضي الله عنهما (﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا
الكتاب﴾) أي العلماء (كذلك حتى قوله ﴿يفرحون بما أوتوا﴾) بضم الهمزة ولأبي ذر عن المستملي
والكشميهني بما أتوا بلفظ القرآن أي جاؤوا (﴿ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾) من الوفاء
بالميثاق وإظهار الحق والإخبار بالصدق.
(تابعه) أي تابع هشام بن يوسف (عبد الرزاق) على روايته إياه (عن ابن جريج) عبد الملك
فيما وصله الإسماعيلي قال: (حدّثنا ابن مقاتل) محمد المروزي قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا
(الحجاج) بن محمد المصيصي الأعور (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أنه قال: (أخبرني)
بالإفراد (ابن أبي مليكة) عبد الله (عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه أخبره أن مروان) بن
الحكم (بهذا) الحديث ولم يورد متنه ولفظ مسلم أن مروان قال البوّابه: اذهب يا رافع إلى ابن
عباس فقل له، فذكر نحو حديث هشام عن ابن جريج السابق.

١٢٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
١٧ - باب قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمُواتِ
وَالأَرْضِ وَأَخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَبَابِ﴾
(باب قوله) تعالى: (﴿إن في خلق السموات﴾) من الارتفاع والاتساع وما فيها من الكواكب
السيارات والثوابت وغيرها (﴿والأرض﴾) من الانخفاض والكثافة والاتضاع وما فيها من البحار
والجبال والقفار والأشجار والنبات والحيوان والمعادن وغيرها (﴿واختلاف الليل والنهار﴾) في
الطول والقصر وتعاقبهما (الآيات) لدلالات واضحات على وجود الصانع ووحدته وكمال قدرته،
واقتصر على هذه الثلاثة في هذه الآية لأن الاستدلال هو التغير وهذه معرّضة لجملة أنواعه فإنه
إنما يكون في ذات الشيء كتغير الليل والنهار أو جزئه كتغير العناصر بتبدل صورتها أو الخارج
عنه كتغير الأفلاك بتبدل أوضاعها قاله في الأنوار. وقال في المفاتح ما حاصله: إن السالك إلى
الله لا بد له في أوّل الأمر من تكثير الدلائل وبعد كمال العرفان يميل إلى تقليل الدلائل ومن
اشتغاله بها كالحجاب له عن استغراق القلب في معرفة الله تعالى، ثم إنه سبحانه حذف هنا
الدلائل الأرضية واستبقى الدلائل السماوية لأنها أقهر وأبهر والعجائب فيها أكثر وانتقال القلب
منها إلى عظمة الله وكبريائه أشدّ (﴿لأولي الألباب)) [آل عمران: ١٩٠] لذوي العقول الصافية
الذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال والاعتبار لا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عما فيها
من عجائب مخلوقاته وغرائب مبتدعاته وسقط لغير أبي ذر قوله واختلاف الليل والنهار إلى آخره
وقالوا الآية بعد قوله والأرض.
٤٥٦٩ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قالَ: أَخْبَرَنِي شَرِيكُ بْنُ
عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي نِمِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةً
فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللهِ وَ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ قَعَدَ فَنَظَرَ إلَى السَّمَاءِ
فَقَالَ: ((﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمُوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾)) ثُمَّ قَامَ
فَتَوَضَّأَ وَأَسْتَنَّ فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةٌ، ثُمَّ أَذِّنَ بِلأُلٌ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ.
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن جعفر) هو
ابن أبي كثير (قال: أخبرني) بالإفراد (شريك بن عبد الله بن أبي نمر) بفتح النون وكسر الميم (عن
كريب) بضم الكاف وفتح الراء (عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه (قال: بت عند خالتي
ميمونة) ولأبي ذر بت في بيت ميمونة (فتحدّث رسول الله وَليل مع أهله ساعة ثم رقد فلما كان
ثلث الليل الآخر) رفع صفة للثلث وفي كتاب الوتر من طريق مخرمة بن سليمان عن كريب فنام
حتى انتصف الليل أو قريبًا منه فلعله قام مرتين (قعد فنظر إلى السماء فقال ﴿إن في خلق
السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾) العشر الآيات إلى آخرها (ثم
قام) عليه الصلاة والسلام (فتوضأ) زاد في الوتر فأحسن الوضوء (واستنّ) أي استاك (فصلى

١٢٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
إحدى عشرة ركعة) وهي أكثر الوتر عند الشافعية كما مرّ في موضعه بمباحثه (ثم أذن بلال)
للصبح (فصلى) النبي ◌َّر (ركعتين) سنة الصبح في بيته (ثم خرج) إلى المسجد (فصلى الصبح) زاد
في نسخة بالناس.
١٨ - باب ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودَا
وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكِّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمُوَاتِ وَالأَرْضِ﴾
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿الذين يذكرون الله﴾) في موضع جر نعت الأولي أو
خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين يذكرون الله حال كونهم (﴿قيامًا وقعودا وعلى جنوبهم﴾) أي
يداومون على الذكر بألسنتهم وقلوبهم لأن الشخص لا يخلو عن هذه الأحوال، وقيل: يصلون على
الهيئات الثلاث حسب طاقتهم لحديث عمران بن حصين المروي في البخاري والترمذي وغيرهما:
صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب. قال في الأنوار وهو حجة للشافعي
رضي الله عنه في أن المريض يصلي مضطجعًا عل جنبه الأيمن مستقبلاً بمقاديم بدنه، وقيل
الأوّلان في الصلاة والثالثة عند النوم، وقيل إنه القيام بأوامره، والقعود عن زواجره، والاجتناب
عن مخالفته (﴿ويتفكرون في خلق السموات والأرض﴾) [آل عمران: ١٩١] الفكر هو إعمال
الخاطر في الشيء وتردّد القلب فيه وهو قوّة مطرّقة للعلم إلى المعلوم والتفكر جريان تلك القوة
بحسب نظر العقل ولا يمكن التفكر إلا فيما له صورة في القلب ولذا قيل تفكروا في آلاء الله
ولا تتفكروا في الله إذا كان الله منزها عن أن يوصف بصورة ولذا أخبر تعالى عن هؤلاء بأنهم
تفكروا في خلق السموات والأرض وما أبدع فيهما من عجائب المصنوعات وغرائب المبدعات
ليدلهم ذلك على كمال قدرته ودلائل التوحيد منحصرة في الآفاق والأنفس ودلائل الآفاق أعظم
قال الله تعالى: ﴿لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ [غافر: ٥٧] فلذا أمر بالفكر في
خلق السموات والأرض لأن دلائلهما أعظم فإنه إذا فكر الإنسان في أصغر ورقة من الشجر رأى
عرقًا واحدًا ممتدًا في وسطها تتشعب منه عروق كثيرة إلى الجانبين ثم يتشعب من كل عرق عروق
دقيقة ولا يزال كذلك حتى لا يراه الحس فيعلم أن الخالق خلق فيها قوى جاذبة لغذائها من قعر
الأرض يتوزع في كل جزء من أجزائها بتقدير العزيز العليم، فإذا تأمل ذلك علم عجزه عن
الوقوف على كيفية خلقها وما فيها من العجائب فالفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية كما
يحدث الماء للزرع النماء وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكرة. وقال بعضهم
قوله: (﴿ويتفكرون في خلق السموات والأرض﴾) هو من جعل الجرم محلاً لتعلق المعنى جعل
الأجرام محلاً لتعلق الفكر لا لنفس الفكر لأن الفكر قائم بالمتفكر ومنه أو لم ينظروا في ملكوت
السموات والأرض جعل السموات والأرض والمخلوقات كلها محلاً لتعلق النظر لا لنفس النظر فإن
النظر قائم بالناظر حال فيه ومنه ﴿أو لم يتفكروا في أنفسهم﴾ [الروم: ٨] أي في خلق أنفسهم وهذا
كله من مجاز التشبيه وسقط لأبي ذر لفظ باب وقوله ويتفكرون الخ وقال: بعد جنوبهم الآية.

١٢٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
٤٥٧٠ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّه، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ،
عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه تَعْالَى عَنْهُمَا قالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي
مَيْمُونَةَ فَقُلْتُ لأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلاةِ رَسُولِ اللهِ وََّ فَطُرِحَتْ لِرَسُولِ اللهِوَّهَ وِسْادَةٌ قَنامَ
رَسُولُ اللهِ وَّهَ فِي طُولِهَا فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ قَرَأَ الآياتِ الْعَشْرَ الأَوْاخِرَ مِنْ آلٍ
عِمْرَانَ حَتَّى خَتَمَ ثُمَّ أَتْى شَنَّ مُعَلَّقًا فَأَخَذَهُ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ ثُمَّ
جِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَتْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِي فَجَعَلَ يَفْتِلُهَا ثُمَّ صَلَى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ
صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ صَلَى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ
أَوْتَرَ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي) بفتح الميم
وسكون الهاء وكسر الدال وتشديد التحتية ابن حسان العنبري مولاهم أبو سعيد البصري (عن
مالك بن أنس) الإمام الأعظم (عن مخرمة بن سليمان) الأسدي الوالي بكسر اللام والموحدة المدني
(عن كريب) مولى ابن عباس (عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) أنه (قال: بت عند خالتي
ميمونة) أم المؤمنين رضي الله عنها (فقلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله وَلاغير فطرحت) بضم الطاء
وكسر الراء مبنيًا للمفعول (لرسول الله (8* وسادة) رفع مفعول نائب عن الفاعل (فنام
رسول الله ﴿ في طولها) أي وابن عباس في عرضها. قال ابن عبد البر: فكان ابن عباس
مضطجعًا عند رجل رسول الله وَ ر أو عند رأسه (فجعل يمسح النوم) فيه حذف ذكره في الرواية
الأخرى من الوتر فنام حتى انتصف الليل أو قريبًا منه فاستيقظ يمسح النوم أي أثره (عن وجهه
ثم قرأ) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فقرأ (الآيات العشر الأواخر من) سورة (آل عمران) التي
أولها ﴿إن في خلق السموات والأرض﴾ (حتى ختم) العشر (ثم أُتي شنّا) بفتح الشين المعجمة
وتشديد النون قربة عتقت من الاستعمال ولأبي ذر عن الكشميهني سقاء (معلقًا فأخذه فتوضأ) منه
لتجديد الطهارة لا للنوم (ثم قام يصلي). قال ابن عباس: (فقمت فصنعت مثل ما صنع) بَّر من
الوضوء وغيره (ثم جئت فقمت إلى جنبه فوضع يده) زاد في باب الوتر کالرواية الآتية اليمنى (على
رأسي ثم أخذ بأذني فجعل يفتلها) بكسر المثناة الفوقية أي يدلكها لينتبه (ثم صلى ركعتين ثم صلى
ركعتين ثم صلى ركعتين ثم صلى ركعتين ثم صلى ركعتين ثم صلى ركعتين) ست مرات باثنتي
عشرة ركعة (ثم أوتر) بواحد فهي ثلاثة عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين.
١٩ - باب رَبَّنا إنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أُخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢]
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ((ربنا﴾) يعني يتفكرون في خلق السموات والأرض
حال كونهم قائلين ربنا (﴿إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾) أي أهنته وأذللته أو أهلكته أو
فضحته وأبلغت في أخزائه والخزى ضرب من الاستخفاف أو انكسار يلحق الإنسان وهو الحياء

١٢٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
المفرط، وقد تسمك المعتزلة بهذا على أن صاحب الكبيرة غير مؤمن لأنه إذا دخل النار فقد أخزاه
الله والمؤمن لا يخزى لقوله تعالى: ﴿يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه﴾ [التحريم: ٨]
فوجب أن من يدخل النار لا يكون مؤمنًا.
وأجيب: بأن الخزي فسر بوجوه من المعاني فلم لا يجوز أن يراد في كل صورة معنى مثلاً
في قوله تعالى: ﴿يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا﴾ أي لا يهلكهم، وفي الأوَّل يريد الإهانة.
والحاصل أن لفظ الإخزاء مشترك بين الإهلاك والتخجيل واللفظ المشترك لا يمكن حمله في طريق
النفي والإثبات على معنييه جميعًا وحينئذٍ يسقط الاستدلال به.
(﴿وما للظالمين من أنصار)) [آل عمران: ١٩٢] ينصرونهم يوم القيامة ووضع المظهر موضع
المضمر للدلالة على أن ظلمهم سبب لإدخالهم النار وانقطاع النصرة عنهم في الخلاص منها،
وقول الزمخشري أنه إعلام بأن من يدخل النار فلانّا بشفاعة ولا غيرها بناء على مذهب المعتزلة في
نفي الشفاعة أجاب عنه القاضي بأنه لا يلزم من نفي النصرة نفي الشفاعة لأن النصرة دفع بقهر،
وسقط لأبي ذر قوله: ﴿وما للظالمين من أنصار﴾.
٤٥٧١ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّه، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ
سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّه بْنِ عَبَّاسٍ، أنَّ عَبْدَ اللَّه بْنَ عَبَّاسِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بُاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةً
زَوْجِ النَّبِيِّ نَّهِ وَهِيَ خُالَّتُهُ قَالَ: فَأَضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ وَأَضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِوَّهِ وَأَهْلُهُ
فِي طُولِهَا فَنَامَ رَسُولُ اللهِّهِ حَتَّى أَنْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ ثُمَّ أَسْتَيْفَظَ
رَسُولُ اللهِوَ﴿ فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الآياتِ الْخَواتِمَ مِنْ سُورَةِ آلٍ
عِمْرَانَ ثُمَّ قامَ إلى شَنِّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْها فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَصَتَعْتُ مِثْلَ ما صَنَعَ ثُمَّ
ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ رَسُولُ الله ◌ِّهَ يَدَهُ الْيُمْثَى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُها
فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمْ أَوْثَرَ، ثُمَّ
اضْطَجَعَ حَتَّى جاءَهُ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا معن بن عيسى) بفتح الميم وسكون
العين المهملة ابن يحيى القزاز المدني قال: (حدّثنا مالك) إمام دار الهجرة ولأبي ذر عن مالك (عن
مخرمة بن سليمان) الوالبي (عن كريب مولى عبد اللَّه بن عباس أن عبد الله بن عباس) ولأبي ذر
مولى ابن عباس أن ابن عباس (أخبره أنه بات عند ميمونة زوج النبي وَلجر وهي خالته) أخت أمه
لبابة (قال: فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول الله وَ ﴿ وأهله في طولها فنام
رسول الله وَ* حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل ثم استيقظ رسول الله وَظهر فجعل
يمسح النوم) أي أثره (عن وجهه بيديه) بالتثنية (ثم قرأ العشر الآيات الخواتم) جمع خاتمة (من
سورة آل عمران، ثم قام إلى شن معلقة) أنث باعتبار القربة (فتوضأ منها) تجديدًا للوضوء لا أن

١٢٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
وضوءه بطل بالنوم أو أنه يغفر أحس بحدوث الحدث فتوضأ له كما أنه أحس ببقاء الطهارة حيث
استيقظ وصلى ولم يتوضأ كما روي (فأحسن وضوءه) بأن أتى به تامًا بمندوباته ولا ينافي التخفيف
(ثم قام يصلي) قال ابن عباس: (فصنعت مثل ما صنع) أجمع أو غالبه (ثم ذهبت فقمت إلى جنبه
فوضع رسول الله وَّر يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني اليمنى) ولغير أبي ذر والأصيلي: وأخذ
بأذني بيده اليمنى قال في الفتح: وهو وهم والصواب الأولى (يفتلها) يدلكها أي لينتبه من بقية
نومه، ويستحضر أفعال الرسول وَ﴿ والجملة حالية من الأحوال المقدرة، وفيه أن الفعل القليل غير
مبطل للصلاة (فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين) ست مرات
(ثم أوتر) فتتامت صلاته ثلاث عشرة ركعة (ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن) بلال (فقام فصلى
ركعتين خفيفتين) سنة الصبح (ثم خرج) إلى المسجد (فصلى الصبح) بالناس.
وهذه طريق أخرى لحديث ابن عباس وليس فيها إلا تغيير شيخ شيخ البخاري والسياق هنا
أتم .
٢٠ - باب ﴿رَبَّا إِنَّا سَمِعْتًا مُنادِيًّا يُنادِي لِلإِيمانِ﴾ الآيَةَ
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ((ربنا إننا سمعنا مناديًا﴾) هو محمد وَالز قال الله تعالى:
﴿وداعيًا إلى الله﴾ [الأحزاب: ٤٦] وقيل: القرآن لقوله تعالى: ﴿يهدي إلى الرشد﴾ [الجن: ٢]
فكأنه يدعو إلى نفسه وسمع إن دخلت على ما يصح أن يسمع نحو سمعت كلامك وقراءتك
تعدت لواحد وإن دخلت على ما لا يصح سماعه بأن كان ذاتًا فلا يصح الاقتصار عليه وحده بل
لا بد من الدلالة على شيء يسمع نحو سمعت رجلاً يقول كذا، وللنحاة في هذه المسألة قولان.
أحدهما: أن تتعدى فيه أيضًا إلى مفعول واحد والجملة الواقعة بعد المنصوب صفة إن كان قبلها
نكرة وحال إن كان معرفة. والثاني: قول الفارسي وجماعة تتعدى لاثنين الجملة في محل الثاني
منهما، فعلى قول الجمهور يكون منادى في محل نصب لأنه صفة لمنصوب قبله وعلى قول الفارسي
يكون في محل نصب مفعول ثان. وقال الزمخشري تقول: سمعت رجلاً يقول كذا وسمعت زيدًا
يتكلم فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع لأنك وصفته بما يسمع أو جعلته حالاً منه فأغناك
عن ذكره، ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بد وأن يقال سمعت كلام فلان أو قوله وذكر
المنادى مع قوله (﴿ينادي﴾) تفخيم لشأن المنادى ولأنه إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب أو
لإغاثة المكروب وغيرهما واللام في (﴿للإيمان﴾) بمعنى إلى أو بمعنى الباء ومفعول ينادي محذوف
أي الناس ويجوز أن لا يزاد مفعول نحو أمات وأحيا (الآية) [آل عمران: ١٩٣] نصب بفعل مقدر
مناسب .
٤٥٧٢ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مالِكِ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ
عَبَّاسٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما أَخْبَرَهُ أَنَّهُ باتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ نَّهِ وَهِيَ خَالَتْهُ قالَ:
:

١٢٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
فَأَضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسادَةِ وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِهَ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا فَنَامَ رَسُولُ اللهِهَ
حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ أَسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِوَلِ فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ
عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الآياتِ الْخَوائِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنْ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضْأَ
مِنْها فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ قامَ يُصَلِّي قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ ما صَنَعَ ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ
إِلى جَنْبِهِ فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُها فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ،
ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ أَوْتَرَ ثُمَّ أَضْطَجَعَ حَتَّى جاءَهُ
الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ خَفِيفَتَيْنِ ثَمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُبْحَ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البغلاني بفتح الموحدة وسكون المعجمة وسقط لأبي
ذر ابن سعيد (عن مالك) الإمام (عن مخرمة بن سليمان) الوالبي (عن كريب مولى ابن عباس أن
ابن عباس رضي الله عنهما أخبره أنه بات عند ميمونة زوج النبي و 9 وهي خالته قال:
فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول الله وَلده وأهله في طولها فنام رسول الله وَّر حتى
انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ) ولأبي ذر ثم استيقظ (رسول الله (وَ ل﴿ فجعل)
ولأبي ذر عن الكشميهني فجلس (يمسح النوم) أي أثره (عن وجهه بيده) بالإفراد (ثم قرأ العشر
الآيات الخواتم من سورة آل عمران) زاد في بعض طرق الصحيح وهو عند ابن مردويه ولفظ
مسلم وكان في دعائه يقول ((اللهم اجعل في قلبي نورًا وفي بصري نورًا وفي سمعي نورًا وعن
يميني نورًا وعن يساري نورًا وفوقي نورًا وأمامي وخلفي نورًا واجعل لي نورًا)).
قال كريب وسبع في التابوت: فلقيت بعض ولد العباس فحدثني بهن فذكر عصبي ولحمي
ودمي وشعري وبشري، وزاد في أخرى وفي لساني نورًا وفي أخرى واجعلني نورًا وفي أخرى
واجعل في نفسي نورًا وكان باعثه على هذا وعلى الصلاة قوله: ﴿إن في خلق السموات
والأرض﴾ إلى قوله: ﴿فقنا عذاب النار﴾ [آل عمران: ١٩١] لأن الفاء الفصيحة تقتضي مقدرًا
يرتبط معها تقديره ﴿ربنا ما خلقت هذا باطلاً﴾ [آل عمران: ١٩١] بل خلقته للدلالة على
معرفتك ومن عرفك يجب عليه أداء طاعتك واجتناب معصيتك ليفوز بدخول جنتك ويتوقى به من
عذاب نارك ونحن قد عرفناك وأدّينا طاعتك واجتنبنا معصيتك فقنا عذاب النار برحمتك، وتحريره
أنه ◌َ* لما تفكر في عجائب الملك والملكوت وعرج إلى عالم الجبروت حتى انتهى إلى سرادقات
الجلال فتح لسانه بالذكر ثم اتبع بدنه وروحه بالتأهب والوقوف في مقام التناجي والدعاء ومعنى
طلب النور للأعضاء عضوًا عضوًا أن يتجلى بأنوار المعرفة والطاعة ويتعرى عن ظلمة الجهالة والمعصية
لأن الإنسان ذو سهو وطغيان أي أنه قد أحاطت به ظلمات الجبلة معتورة عليه من فرقه إلى قدمه
والأدخنة الثائرة من نيران الشهوات من جوانبه، ورأى الشيطان يأتيه من الجهات الست بوساوسه
وشبهاته ظلمات بعضها فوق بعض فلم ير للتخلص منها مساغًا إلا بأنوار سادة لتلك الجهات فسأل
الله أن يمده بها ليستأصل شأفة تلك الظلمات إرشادًا للأمة وتعليمًا لهم قاله في شرح المشكاة.

١٢٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء
(ثم قام) عليه الصلاة والسلام (إلى شن معلقة) وفي رواية لمسلم ثم عدل إلى شجب من ماء
وهو السقاء الذي اخلق (فتوضأ منها فأحسن وضوءه ثم قام يصلي. قال ابن عباس: فقمت
فصنعت مثل ما صنع ثم ذهبت فقمت إلى جنبه) وفي رواية: فقمت عن يساره فأخذني فجعلني
عن يمينه (فوضع رسول الله وَلفي يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني يفتلها فصلى ركعتين، ثم
ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين) فهي اثنتا عشرة ركعة (ثم أوتر)
بواحدة (ثمَّ اضطجع) زاد في مسلم فنام حتى نفخ وكان إذا نام نفخ (حتى جاءه المؤذن فقام فصلى
ركعتين خفيفتين) سنة الفجر من غير أن يتوضأ (ثم خرج فصلى) بأصحابه (الصبح).
[٤] سُورَةُ النِّساءِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: يَسْتَنْكِفْ: يَسْتَكْبِرْ، قِوامًا: قِوْامُكُمْ مِنْ مَعايِشِكُمْ لَهُنَّ سَبِيلاً يَعْنِي الرَّجْمَ
لِلِيبِ، وَالْجَلْدَ لِلْبِكْرِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَعْنِي أَثْنَتَيْنٍ وَثَلاثًا وَأَرْبَعًا وَلاَ تُجاوِزُ
الْعَرَبُ رُبَاعَ.
([٤] سورة النساء)
مدنية. زاد أبو ذر: بسم الله الرحمن الرحيم والمستملي والكشميهني.
(قال ابن عباس): فيما وصله ابن أبي حاتم بإسناد صحيح من طريق ابن جريج عن عطاء
عنه (يستنكف) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿ومن يستنكف عن عبادته﴾ [النساء: ١٧٢] معناه
(يستكبر) فالعطف للتفسير أي يأنف. وقال ابن عباس أيضًا فيما وصله ابن أبي حاتم عن علي بن
أبي طلحة عنه (قوامًا قوامكم من معايشكم) بكسر القاف وبعدها واو والتلاوة بالياء التحتية إذ
مراده ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا﴾ [النساء: ٥] قيل لم يقصد المؤلف بها
التلاوة بل حذف الكلمة القرآنية وأشار إلى تفسيرها، وقد قال أبو عبيدة قيامًا وقوامًا بمنزلة واحدة
تقول هذا قوام أمرك وقيامه أي ما يقوم به أمرك، والأصل بالواو فأبدلوها بكسرة القاف ونقل أنها
بالواو وقراءة ابن عمر رضي الله عنهما وقوله: ﴿أو يجعل الله﴾ (﴿لهن سبيلا)) (يعني الرجم
للثيب والجلد للبكر) قاله ابن عباس فيما وصله عبد بن حميد بإسناد صحيح وكان الحكم في ابتداء
الإسلام أن المرأة إذا زنت وثبت زناها حبست في بيت حتى تموت.
(وقال غيره): أي غير ابن عباس رضي الله عنهما وسقط قوله وقال غيره لأبي ذر وسقطت
الجملة كلها من قوله قال ابن عباس إلى هنا من رواية الحموي (﴿مثنى وثلاث ورباع﴾)
[النساء: ٣] قال أبو عبيدة: (يعني اثنتين وثلاثًا وأربعًا ولا تجاوز العرب رباع) اختلف في هذه
الألفاظ هل يجوز فيها القياس أو يقتصر فيها على السماع، فذهب البصريون إلى الثاني والكوفيون
إلى الأول، والمسموع من ذلك أحد عشر لفظًا أحاد وموحد وثناء ومثنى وثلاث ومثلث ورباع
ومربع ومخمس وعشار ومعشر، لكن قال ابن الحاجب: هل يقال خماس ومخمس إلى عشار
إرشاد الساري/ ج ١٠ / م ٩

١٣٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء
ومعشر؟ فيه خلاف. والأصح أنه لم يثبت وهذا هو الذي اختاره المؤلف، وجمهور النحاة على منع
صرفها، وأجاز الفراء صرفها وإن كان المنع عنده أولى، ومنع الصرف للعدل والوصف لأنها
معدولة عن صيغة إلى صيغة وذلك أنها معدولة عن عدد مكرر فإذا قلت: جاء القوم أحاد أو
موحد أو ثلاث أو مثلث كان بمنزلة قولك جاؤوا واحدًا واحدًا وثلاثة ثلاثة، ولا يراد بالمعدول
عنه التوكيد إنما يراد به تكرير العدد كقوله: علمته الحساب بابًا بابًا أو للعدل والتعريف أو لعدلها
عن عدد مكرر وعدلها عن التأنيث أو لتكرار العدل أقوال وقول البخاري يعني اثنتين وثلاثًا وأربعًا
ليس معناه ذلك بل معناه المكرر نحو اثنتين اثنتين وإنما تركه اعتمادًا على الشهرة أو أنه عنده ليس
بمعنى التكرار.
١ - باب ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لاَ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وإن خفتم ألا تقسطوا﴾) أن لا تعدلوا من أقسط ولا
نافية أي وإن حذرتم عدم الأقساط أي العدل (﴿في اليتامى﴾) [النساء: ٣] وقرىء تقسطوا بفتح
التاء من قسط وهو بمعنى جار على المشهور في أن الرباعي بمعنى عدل والثلاثي بمعنى جار وكأن
الهمزة فيه للسلب فمعنى أقسط أزال القسط وهو الجور ولا على هذا زائدة ليس إلا وإلا يفسد
المعنى كهي في لئلا يعلم وحكى الزجاج أن قسط الثلاثي يستعمل استعمال الرباعي وعلى هذا
فتكون لا غير زائدة كهي في الأولى وجواب الشرط في وإن خفتم فانكحوا أو فواحدة وثبت
الباب وتاليه لأبي ذر.
٤٥٧٣ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسى، أَخْبَرَتْا مِشامٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشامُ بْنُ
عُزْوَةً عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها أنَّ رَجُلاً كَانَتْ لَهُ يَتِيمَةٌ فَنَكِّحَها وَكَانَ لَها عَذْقٌ وَكانَ
يُمْسِكُها عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ لَها مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ فَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لاَ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامُى﴾
أَحْسِبُهُ قالَ: كانَتْ شَرِيكَتَهُ فِي ذُلِكَ الْعَذْقِ وَفِي مَالِهِ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال:
(أخبرنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أنه (قال:
أخبرني) بالإفراد (هشام بن عروة عن أبيه) عن عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً
كانت له) أي عنده (يتيمة) مات أبوها (فنكحها) أي تزوجها (وكان لها عذق) بفتح العين المهملة
وسكون الذال المعجمة آخره قاف أي نخلة (وكان) الرجل (يمسكها) أي اليتيمة (عليه) أي لأجله
فعلى هنا تعليلية ولأبي ذر عن الكشميهني فيمسكها عليه (ولم يكن لها) لليتيمة (من نفسه شيء
فنزلت فيه ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾) قال هشام بن يوسف (أحسبه) أي عروة (قال:
كانت) أي اليتيمة (شريكته) أي الرجل (في ذلك العذق وفي ماله). وقوله: إن رجلاً كانت له
يتيمة يوهم أنها نزلت في شخص معين والمعروف عن هشام بن عروة التعميم، ووقع عند

١٣١
كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء
الإسماعيلي كذلك ولفظه أنزلت في الرجل تكون عنده اليتيمة وكذا في الرواية اللاحقة من طريق
ابن شهاب عن عروة، وقضية العذق في التي يرغب عن نكاحها وأما التي يرغب في نكاحها فهي
التي يعجبه مالها وجمالها فلا يزوّجها لغيره ويريد أن يتزوجها بدون صداق مثلها.
٤٥٧٤ - حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صالِحٍ بْنِ كَيْسانَ،
عَنِ ابْنِ شِهابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ
أَنْ لاَ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامُى﴾ [النساء: ٣] فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي هذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرٍ وَلِيْها
تَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ وَيُعْجِبُهُ مالُها وَجَّمَالُها فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَها بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَداقِها، فَيُعْطِيَها
مِثْلَ ما يُعْطِيَها غَيْرُهُ فَنُهُوا عَنْ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ وَيَبْلُغُوا لَهُنَّ أَعْلِى سُنَّتِهِنَّ فِي
الصَّداقِ فَأُمِرُوا أَنْ يَتْكِحُوا ما طابَ لَهُمْ مِنَ النّساءِ سِواهُنَّ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَإِنَّ النَّسَ
اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللهِ وَّهِ بَعْدَ هذِهِ الآيَةِ فَأَنْزَلَ الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ
الله تَعالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَتْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ
تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمالِ وَالْجَمالِ قالَتْ: فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا عَمَّنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجَمالِهِ فِي يَتَامُى النِّساءِ،
إِلاَّ بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إذا كُنَّ قَلِيلاتِ الْمَالِ وَالْجَمالِ.
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد اللَّه) الأويسي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون
العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح بن كيسان) بفتح الكاف (عن ابن شهاب)
محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير أنه سأل عائشة) رضي الله
تعالى عنها (عن) معنى (قول الله تعالى: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى﴾ فقالت) عائشة له:
(يا ابن أختي) أسماء ولأبي الوقت يا ابن أخي (هذه اليتيمة) التي مات أبوها (تكون في حجر
وليها) القائم بأمورها (تشركه) بفتح التاء والراء وفي نسخة تشركه بضم ثم كسر (في ماله ويعجبه
مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط) أن يعدل (في صداقها فيعطيها مثل ما
يعطيها غيره) هو معطوف على معمول بغير يعني يريد أن يتزوّجها بغير أن يعطيها مثل ما يعطيها
غيره أي ممن يرغب في نكاحها ويدل على ذلك قوله: (فنهوا) بضم النون والهاء (عن أن
ينكحوهن) ولأبي ذر عن ذلك أي عن ترك الأقساط (إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن) باللام
ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بهن (أعلى سنتهن) أي طريقتهن (في الصداق) وعادتهن في ذلك
(فأمروا) بالفاء (أن ينكحوا ما طاب) ما حل (لهم من النساء سواهن) أي سوى اليتامى من
النساء، وقد تقرر أن ما لا تستعمل في ذوي العقول واستعملها هنا لهن ذهابًا إلى الصفة كأنه قيل
النوع الطيب من النساء أي الحلال أو المشتهى والثاني أرجح لاقتضاء المقام ولأن الأمر بالنكاح لا
يكون إلا في الحلال فوجب الحمل على شيء آخر أو إجراء لهن مجرى غير العقلاء لنقصان عقلهن
كقوله: ﴿أو ما ملكت أيمانهن﴾ [النور: ٣١].
1

١٣٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء
(قال عروة) بن الزبير بالسند السابق: (قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله وَليه)
طلبوا منه الفتيا في أمر النساء (بعد) نزول (هذه الآية) وهي وإن خفتم إلى ورباع (فأنزل الله) تعالى
(﴿ويستفتونك في النساء)) [النساء: ١٢٧] الآية (قالت عائشة: وقول الله تعالى في آية أخرى:
(﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾) [النساء: ١٢٧] كذا في رواية صالح وليس ذلك في آية أخرى بل
هو في نفس الآية. وعند مسلم والنسائي واللفظ له من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن
أبيه بهذا الإسناد في هذا الموضع فأنزل الله تعالى: ﴿ويستفتونك في النساء﴾ قل الله يفتيكم فيهن
وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن (﴿وترغبون أن
تنكحوهن﴾) فذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى وهي قوله: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا
في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣] قالت عائشة: وقول الله في الآية
الأخرى: ﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾ قال في الفتح فظهر أنه سقط من رواية البخاري شيء (رغبة
أحدكم عن يتيمته) بأن لم يردها (حين تكون) أي اليتيمة (قليلة المال والجمال قالت) عائشة (فنهوا
أن ينكحوا عمن رغبوا في ماله وجماله) بفتح التحتية وللأصيلي بضمها وإسقاط عن (في يتامى
النساء إلا بالقسط) بالعدل (من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال) فينبغي أن يكون
نكاح الغنية الجميلة ونكاح الفقيرة الذميمة على السواء في العدل.
وسبق هذا الحديث في الشركة في باب شركة اليتيم.
٢ - باب ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ
فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ وَبِذارًا: مُبَادَرَةَ. أعْتَدْنا: أَعْدَدْنا أَفْعَلْنا مِنَ الْعِتادِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه قوله تعالى: ((ومن كان فقيرًا فليأكل﴾) من مال اليتامى
(﴿بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم﴾) بعد بلوغهم وإيناس رشدهم (﴿فأشهدوا عليهم﴾) ندبًا
بأنهم قبضوها لئلا يقدموا على الدعوى الكاذبة ولأنه أنفى للتهمة (﴿وكفى بالله﴾) حال كونه
(﴿حسيبًا﴾) [النساء: ٦] أي محاسبًا فلا تخالفوا ما أمرتم ولا تتجاوزوا ما حدّ لكم وسقط لفظ
الآية لأبي ذر ولغيره ﴿وكفى بالله حسيبًا﴾ وقالوا بعد: ﴿فأشهدوا عليهم) الآية ﴿وبدارًا﴾ ولأبي
ذر: بدارًا يريد ﴿ولا تأكلوها إسرافًا وبدارًا﴾ أي (مبادرة) قبل بلوغهم من غير حاجة.
(﴿أعتدنا﴾) يريد ﴿أعتدنا لهم عذابًا﴾ [النساء: ١٨] قال أبو عبيدة: أي (أعددنا أفعلنا)
ولأبي ذر عن الكشميهني اعتددنا افتعلنا (من العتاد) بفتح العين.
٤٥٧٥ - حقّثني إِسْحُقُ أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّه بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ
الله تَعْالَى عَنْها فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَغْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[النساء: ٦] أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مالِ الْيَتِيمِ إذا كانَ فَقِيرًا أنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ مَكانَ قِيامِهِ عَلَيْهِ بِمَعْرُوفٍ.

١٣٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إسحق) هو ابن منصور كما جزم به المزي كخلف وقيل هو
ابن راهويه قال: (أخبرنا عبد الله بن نمير) بضم النون وفتح الميم قال: (حدّثنا هشام عن أبيه)
عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله تعالى عنها في قوله تعالى: ﴿ومن كان﴾) من الأولياء
(﴿غنيًا﴾) عن مال اليتيم (﴿فليستعفف﴾) عنه ولا يأكل منه شيئًا (﴿ومن كان﴾) منهم (﴿فقيرًا
فليأكل بالمعروف﴾) [النساء: ٦] أنها نزلت في (مال اليتيم) ولأبي ذر عن الكشميهني: في والي
اليتيم (إذا كان فقيرًا أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بمعروف) بقدر حاجته بحيث لا يتجاوز أجرة
المثل ولا يردّ إذا أيسر على الصحيح عند الشافعية؛ وقيل يأخذ بالفرض لما روي عن ابن عباس
وغيره نظيره، وعن ابن عباس يأكل من ماله بالمعروف حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم، وقيل لا
يأكل وإن كان فقيرًا لقوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا﴾ [النساء: ١٠].
وأجيب: بأنه عام والخاص مقدم عليه لا سيما وفي قيد الظلم إشعار به، ولفظ الاستعفاف
والأكل بالمعروف مشعر أيضًا به، وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً سأل
رسول الله وَله فقال: ليس لي مال ولي يتيم فقال: ((كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا
متأثل مالاً)) رواه أحمد وغيره وقوله غير متأثل أي غير جامع يقال مال مؤثل أي مجموع ذو أصل
وأثلة الشيء أصله.
٣ - باب ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ
أُوْلُو الْقُرْبِى وَالْيَتَامُىِ وَالْمَسْاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه قوله تعالى: (﴿وإذا حضر القسمة﴾) للتركات (﴿أولو القربى
واليتامى والمساكين﴾) ممن لا يرث (﴿فارزقوهم منه﴾) [النساء: ٨] من متروك الوالدين والأقربين
تطييبًا لقلوبهم وتصدقًا عليهم، وقيل يعود الضمير إلى الميراث، وفي أكثر النسخ وهو في الفرع
كأصله والمساكين الآية، وحذف فارزقوهم منه وهو أمر ندب للبلغ من الورثة، وقيل أمر وجوب
وكان في ابتداء الإسلام، ثم اختلف في نسخه فقيل بآية المواريث فألحق الله لكل ذي حق حقه
وصارت الوصية من ماله يوصي بها لذوي قرابته حيث يشاء. وهذا مذهب جمهور الفقهاء الأئمة
الأربعة وأصحابهم وعن ابن عباس أن الآية محكمة غير منسوخة.
٤٥٧٦ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّه الأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الشَّيْبانِيِّ،
عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله تَعالى عَنْهُما ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبِى وَالْيَتامى
وَالْمَسَاكِينُ﴾ قَالَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ. تَابَعَهُ سَعِيدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن حميد) بضم الحاء مصغرًا القرشي الكوفي الطريثيثي بضم الطاء
المهملة وراء ومثلثتين مصغرًا صهر عبيد الله بن موسى يلقب بدار أم سلمة لجمعه حديثها وتتبعه
له وفي كامل ابن عدي أنه كان له اتصال بأم سلمة زوج السفاح الخليفة فلقب بذلك، وليس له
:
:

١٣٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء
في البخاري سوى هذا الحديث قال: (أخبرنا عبيد اللَّه) بن عبد الرحمن (الأشجعي) الكوفي (عن
سفيان) الثوري (عن الشيباني) بفتح الشين المعجمة أبي إسحق سليمان بن أبي سليمان فيروز
الكوفي (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) في قوله تعالى:
(﴿وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين﴾) قال: (هي محكمة وليست منسوخة) تفسير
للمحكمة (تابعه) أي تابع عكرمة (سعيد) هو ابن جبير (عن ابن عباس) مما وصله في الوصايا
بلفظ: إن ناسًا يزعمون أن هذه الآية نسخت ولا والله ما نسخت ولكنها مما تهاون الناس بها هما
واليان وال يرث وذلك الذي يرزق ووال لا يرث وذلك الذي يقال له بالمعروف يقول لا أملك
لك أن أعطيك، وجاء عن ابن عباس روايات أُخر ضعيفة عند ابن أبي حاتم وابن مردويه أنها
منسوخة .
٤ - باب ﴿يُوصِيكُمُ الله فِي أَوْلاَدِكُمْ﴾
هذا (باب) بالتنوين كذا لأبي ذر وله عن المستملي باب قوله بالإضافة (﴿يوصيكم الله﴾)
يأمركم ويفرض لكم (﴿في﴾) شأن ميراث (﴿أولادكم)) [النساء: ١١] العدل فإن أهل الجاهلية
كانوا يجعلون جميع الميراث للذكور دون الإناث، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث
وفاوت بين الصنفين فجعل ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: ١١] وذلك لاحتياج الرجل إلى
مؤونة النفقة والكلفة واستنبط بعضهم من الآية أن الله تعالى أرحم بخلقه من الوالد بولده حيث
وصی الوالدين بأولادهم، وثبت في أولادكم لأبي ذر.
٤٥٧٧ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسى، حَدَّثَنَا هِشامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ
مُتْكَدِرٍ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ قالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ ◌َّهِ وَبُوَ بَكْرٍ فِي بَنِي سَلِمَةً مُاشِيَيْنِ
فَوَجَدَنِي النَّبِيِّ وَِّ لا أَعْقِلُ، فَدَعا بِماءٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ ثُمَّ رَشْ عَلَيَّ فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ: ما تَأْمُرُنِي أَنْ
أَصْنَعَ فِي مالِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَتَزِلَتْ ﴿يُوصِيكُمْ الله فِي أَوْلادِكُمْ﴾ .
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (إبراهيم بن موسى) التميمي الفراء الرازي
الصغير قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (هشام) هو ابن يوسف الصنعاني (أن ابن جريج)
عبد الملك (أخبرهم قال: أخبرني) بالإفراد (ابن منكدر) محمد ولأبي ذر: ابن المنكدر بالتعريف
(عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري (رضي الله تعالى عنه) وعن أبيه أنه (قال: عادني النبي وَّلـ
وأبو بكر) الصديق رضي الله تعالى عنه من مرض (في بني سلمة) بكسر اللام قوم جابر بطن من
الخزرج حال كونهما (ماشيين فوجدني النبي وَل﴿ لا أعقل) أي لا أفهم، وزاد أبو ذر عن
الكشميهني شيئًا وفي الاعتصام فأتاني وقد أغمي عليّ (فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش عليّ) أي
نفس الماء الذي توضأ به (فأفقت) من الإغماء (فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟)
وفي رواية شعبة عن محمد بن المنكدر عند المؤلف في الطهارة فقلت: يا رسول الله لمن الميراث

١٣٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء
إنما يرثني كلالة (فنزلت: ﴿يوصيكم الله في أولادكم)) كذا لابن جريج قال الدمياطي وهو وهم
والذي نزل في جابر: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦] كذا رواه شعبة
والثوري عن ابن المنكدر ويؤيده ما في بعض طرقه من قول جابر إنما يرثني كلالة والكلالة من لا
والد له ولا ولد ولم يكن لجابر حينئذ ولد ولا والد اهـ.
وفي مسلم عن عمرو الناقد والنسائي عن محمد بن منصور كلاهما عن ابن عيينة عن ابن
المنكدر حتى نزلت عليه آية الميراث ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ وقد ساق البخاري
حديث جابر عن قتيبة عن ابن عيينة في أول كتاب الفرائض، وفي آخره حتى نزلت آية الميراث
ولم یذکر ما زاده الناقد.
قال في الفتح: فأشعر بأن الزيادة عنده مدرجة من كلام ابن عيينة ولم ينفرد ابن جريج
بتعيين الآية المذكورة فقد ذكرها ابن عيينة على الاختلاف عنه، والحاصل أن المحفوظ عن ابن
المنكدر أنه قال: آية الميراث أو آية الفرائض، فالظاهر أنها يوصيكم الله كما صرح به في رواية ابن
جريج ومن تابعه، وأما من قال إنها يستفتونك فعمدته أن جابرًا لم يكن له حينئذ ولد وإنما كان
يورث كلالة فكان المناسب لقصته نزول يستفتونك، لكن ليس ذلك بلازم لأن الكلالة اختلف في
تفسيرها. فقيل: هي اسم المال الموروث، وقيل اسم الميت، وقيل اسم الإرث فلما لم يتعين
تفسيرها بمن لا ولد له ولا والد لم يصح الاستدلال لأن يستفتونك نزلت في آخر الأمر وآية
المواريث نزلت قبل ذلك بمدة في ورثة سعد بن الربيع، وكان قتل يوم أُحُد وخلف ابنتين وأمهما
وأخاه فأخذ الأخ المال فنزلت. وبه احتج من قال إنها لم تنزل في قصة جابر وإنما نزلت في قصة
ابنتي سعد بن الربيع وليس ذلك بلازم إذ لا مانع أن تنزل في الأمرين معًا فقد ظهر أن ابن
جريج لم يهم والله أعلم.
وهذا الحديث قد سبق في الطهارة.
٥ - باب ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾
هذا (باب) بالتنوين كذا لأبي ذر وله عن المستملي باب قوله الإضافة (﴿ولكم نصف ما ترك
أزواجكم﴾﴾ [النساء: ١٢] إن لم يكن لهن ولد وارث من بطنها أو من صلب بنيها أو بني بنيها
وإن سفل ذكرًا كان أو أنثى منكم أو من غيركم.
٤٥٧٨ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ وَزْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحِ، عَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما قَالَ: كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ فَتَسَخَ الله مِنْ ذُلِكَ مَّا
أَحَبَّ فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظُ الأُنْثَيَيْنِ وَجَعَلَ لِلْأَبْوَيْنِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُما السُّدُسَ وَالثُّلُثَ وَجَعَلَ
لِلْمَزْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ وَلِزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ.

١٣٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي (عن ورقاء) بن عمر اليشكري وقيل الشيباني
(عن ابن أبي نجيح) اسمه عبد اللّه وأبو نجيح بفتح النون وكسر الجيم آخره مهملة اسمه يسار
ضد اليمين (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه (قال: كان المال
للولد) أي مال الشخص إذا مات لولده (وكانت الوصية للوالدين) واجبة على ما يراه الموصي من
المساواة والتفضيل (فنسخ الله من ذلك ما أحب) بآية المواريث (فجعل للذكر) من الأولاد (مثل
حظ الأنثيين وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس) إن كان للميت ولد ذكر أو أنثى (والثلث)
إن لم يكن له ولد (وجعل للمرأة) أي الزوجة (الثمن) مع الولد (والربع) مع عدمه (وللزوج
الشطر) مع عدم الولد (والربع) عند وجوده.
وهذا الحديث قد مرّ في الوصايا.
٦ - باب ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهَا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضٍ ما
أَتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الآيَةَ، وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لا تَعْضُلُوهُنَّ: لا تَقْهَرُوهُنَّ. حُوبًا: إِثْمًا.
تَعُولُوا: تَمِيلُوا. نِحْلَةً: النِّحْلَةُ الْمَهْرُ.
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا﴾) أن ترثوا في
موضع رفع على الفاعلية بيحل أي لا يحل لكم إرث النساء والنساء مفعول به إما على حذف
مضاف أي أن ترثوا أموال النساء والخطاب للأزواج لأنه روي أن الرجل كان إذا لم يكن له في
المرأة غرض أمسكها حتى تموت فيرثها أو تفتدي بمالها إن لم تمت، وإما من غير حذف على معنى
أن يكنّ بمعنى الشيء الموروث إن كان الخطاب للأولياء أو لأقرباء الميت كما يأتي قريبًا إن شاء الله
تعالى، وكرها في موضع نصب على الحال من النساء أي ترثوهن كارهات أو مكرهات (﴿ولا
تعضلوهن﴾) جزم بلا الناهية أو نصب عطف على أن ترثوا ولا لتأكيد النفي وفي الكلام حذف
أي لا تعضلوهن من النكاح إن كان الخطاب للأولياء أو لا تعضلوهن من الطلاق إن كان للأزواج
(﴿لتذهبوا ببعض﴾) اللام متعلقة بتعضلوهن والباء للتعدية المرادفة لهمزتها أو للمصاحبة فالجار في
محل نصب على الحال ويتعلق بمحذوف أي لتذهبوا مصحوبين ببعض (﴿ما آتيتموهن﴾)
[النساء: ١٩] (الآية) وما: موصولة بمعنى الذي أو نكرة موصوفة وعلى التقديرين فالعائد محذوف
وسقط ولا تعضلوهن إلى آتيتموهن لغير أبي ذر وقالوا الآية.
(ويذكر عن ابن عباس) مما وصله الطبري وابن أبي حاتم ﴿لا تعضلوهن﴾ أي (لا
تقهروهن) بالقاف، ولأبي ذر عن الكشميهني: لا تنتهروهن بالنون وقوله تعالى: ﴿إنه كان﴾
(﴿حوياً﴾﴾ [النساء: ٢] قال ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم بإسناد صحيح أي (إثمًا) وقوله
تعالى: ﴿ذلك أدنى ألا﴾ (﴿تعولوا﴾) [النساء: ٣] قال ابن عباس فيما وصله ابن المنذر أي
(تميلوا) من عال يعول إذا مال وجار وفسره الإمام الشافعي بأن لا تكثر عيالكم وردّه جماعة كأبي

١٣٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء
بكر بن داود الرازي والزجاج فقال الزجاج: هذا غلط من جهة المعنى واللفظ، أما الأول فلأن
إباحة السراري مع أنها مظنة كثرة العيال كالتزوج وأما اللفظ فلأن مادة عال بمعنى كثر عياله من
ذوات الياء لأنه من العيلة، وأما عال بمعنى حار فمن ذوات الواو فاختلفت المادتان.
وقال صاحب النظم قال أوّلاً ألاّ تعدلوا فوجب أن يكون ضده الجور، وأيضًا فقد خالف
المفسرين وقد ردّ الناس على هؤلاء، فأمّا قولهم: إن التسري أيضًا تكثر معه العيال مع أنه مباح
فممنوع لأن الأمة ليست كالمنكوحة ولذا يعزل عنها بغير إذنها ويؤجرها ويأخذ أجرتها ينفقها عليه
وعليها وعلى أولادها ويقال عال الرجل عياله يعولهم أي مانهم بمونهم أي أنفق عليهم، ومنه:
ابدأ بنفسك ثم بمن تعول، وحكى ابن الأعرابي عال الرجل يعول كثر عياله وعال يعيل افتقر
وصار له عائلة.
والحاصل: أن عال يكون لازمًا ومتعديًا فاللازم يكون بمعنى مال وجار، ومنه عال الميزان
وبمعنى كثر عياله وبمعنى تفاقم الأمر، والمضارع من كله يعول وعال الرجل افتقر وعال في
الأرض ذهب فيها، والمضارع من هذين يعيل والمتعدي يكون بمعنى أثقل وبمعنى مان من المؤونة
وبمعنى غلب ومنه عيل صبري ومضارع هذا كله يعول وبمعنى أعجز يقال عالني الأمر أي
أعجزني، ومضارع هذا يعيل والمصدر عيل ومعيل فقد تلخص من هذا أن عال اللازم يكون تارة
من ذوات الواو وتارة من ذوات الياء باختلاف المعنى، وكذلك عال المتعدي أيضًا فقد روى
الأزهري عن الكسائي قال: عال الرجل إذا افتقر وأعال إذا كثر عياله. قال: ومن العرب
الفصحاء من يقول عال يعول إذا كثر عياله. قال الأزهري: وهذا يقوي قول الشافعي لأن
الكسائي لا يحكي عن العرب إلا ما حفظه وضبطه وقول الشافعي نفسه حجة. وحكى البغوي عن
أبي حاتم قال: كان الشافعي أعلم بلسان العرب منا ولعله لغة، وعن أبي عمرو الدوري القارىء
وكان من أئمة اللغة قال هي لغة حمير.
وأما قولهم: إنه خالف المفسرين فليس كذلك فقد روي عن زيد بن أسلم نحو قوله أسنده
الدارقطني وذكره الأزهري في كتابه تهذيب اللغة، وأما قولهم: اختلفت المادتان فليس بصحيح
فقد تقدم حكاية ابن الأعرابي عن العرب عال الرجل يعول كثر عياله وحكاية الكسائي والدوري
وقرأ طلحة بن مصرف: أن لا تعيلوا بضم تاء المضارعة من أعال كثر عياله وهي تعضد تفسير
الشافعي من حيث المعنى، وقد بسط الإمام فخر الدين العبارة في الرد على أبي بكر الرازي وقال:
الطعن لا يصدر إلا عن كثرة الغباوة وقلة المعرفة.
وقال الزمخشري بعد أن وجه قول الشافعي بنحو ما سبق وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة
الشرع ورؤوس المجتهدين حقيق بالجمل على الصحة والسداد وكفى بكتابنا المترجم بكتاب شافي
العي من كلام الشافعي شاهدًا بأنه أعلى كعبًا وأطول باعًا في علم كلام العرب من أن يخفى عليه
مثل هذا ولكن للعلماء طرقًا وأساليب فسلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات اهـ.

١٣٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء
وقوله أعلى كعبًا مثل لاطلاعه على علوم العربية وكونه ذا حظ وافر فيها.
وقوله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن﴾ (﴿نحلة)) [النساء: ٤] قال ابن عباس فيما وصله
ابن أبي حاتم والطبزي (النحلة) ولأبي ذر فالنحلة (المهر) وقيل فريضة مسماة وقيل عطية وهبة
وسمي الصداق نحلة من حيث إنه لا يجب في مقابلته غير التمتع دون عوض مالي.
٤٥٧٩ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقاتِلِ حَدَّثَنَا أسْباطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةً عَنٍ
ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ الشَّيْبَانِيِّ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ السُّوائِيُّ وَلا أَظُنُّهُ ذَكَرَهُ إِلاَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿يَا أَيُّها
الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهَا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ قَالَ:
كانُوا إذا ماتَ الرَّجُلُ كانَ أَوْلِياؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ إنْ شاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَها وَإِنْ شَاؤُوا زَوَّجُوهَا وَإِنْ
شاؤُوا لَمْ يُزَوِّجُوها فَهُمْ أَحَقْ بِها مِنْ أَهْلِها فَنَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ فِي ذلِكَ. [الحديث ٤٥٧٩- طرفه
في: ٦٩٤٨].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) المروزي قال: (حدثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (أسباط بن
محمد) بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وبالموحدة القرشي الكوف قال: (حدّثنا الشيباني) أبو
إسحلق سليمان بن فيروز (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما
(قال الشيباني): سليمان (وذكره) أي الحديث (أبو الحسن) اسمه عطاء (السوائي) بضم السين
وتخفيف الواو ممدودًا وليس هو مهاجرًا المذكور في باب الإبراد بالظهر لأن ذاك تيمي لا سوائي
(ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما فيه أن الشيباني له فيه طريقان إحداهما
موصولة وهي عكرمة عن ابن عباس، والثانية مشكوك في وصلها وهي أبو الحسن السوائي عن
ابن عباس في قوله تعالى: (﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء کرها ولا تعضلوهن
لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن﴾) قال: (كانوا) أي أهل الجاهلية كما قاله السدي أو أهل المدينة كما
قاله الضحاك وقال الواحدي في الجاهلية وأول الإسلام (إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته
إن شاء بعضهم تزوّجها) إن كانت جميلة بصداقها الأول (وإن شاؤوا زوّجوها) لمن أرادوا وأخذوا
صداقها (وإن شاؤوا لم يزوّجوها) بل يحبسونها حتى تموت فيرثونها أو تفتدي نفسها (فهم) بالفاء،
ولأبي ذر: وهم (أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك).
وفي رواية أبي معاوية عن الشيباني عن عكرمة وحده عن ابن عباس في هذا الحديث
تخصيص ذلك بمن مات زوجها قبل أن يدخل بها. وعند الطبراني من طريق ابن جريج عن
عكرمة أنها نزلت في قضية خاصة قال: نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم بن الأوس وكانت
تحت أبي قيس بن الأسلت فتوفي عنها فجنح عليها ابنه فجاءت النبي ◌َّر فقالت: يا نبي الله لا
أنا ورثت زوجي ولا أنا تركت فأنكح فنزلت الآية.
وبإسناد حسن عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: لما توفي أبو قيس بن

١٣٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء
الأسلت أراد ابنه أن يتزوّج امرأته وكان ذلك لهم في الجاهلية فنزلت هذه الآية.
وقال زيد بن أسلم: كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من
يرث ماله وكان يعضلها حتى يرثها أو يزوّجها من أراد، وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة
المرأة حتى يطلقها ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها فنهى
الله تعالى المؤمنين عن ذلك. رواه ابن أبي حاتم.
وعن ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها وجاء رجل فألقى عليها ثوبه كان
أحق بها، وعنه من طريق السدّي: إن سبق الوارث فألقى عليها ثوبه كان أحق بها وإن سبقت هي
إلى أهلها فهي أحق بنفسها.
وحديث الباب أخرجه المؤلف أيضًا في الإكراه وأبو داود في النكاح والنسائي في التفسير.
٧ - باب ﴿وَلِكُلِّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ
الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ الآيَةَ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: مَوالِي أَوْلِيَاءَ وَرَثَّةً.
﴿عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ هُوَ مَوْلَى الْيَمِينِ وَهُوَ الْحَلِيفُ، وَالْمَوْلَى أَنْضًا ابْنُ الْعَمِّ،
وَالْمَوْلَى الْمُثْعِمُ الْمُعْتِقُ، وَالْمَوْلَى الْمُعْتَقُ، وَالْمَوْلَى الْمَلِيكُ، وَالْمَوْلَى مَوْلَى فِي الدِّينِ.
هذا (باب) بالتنوين كذا بإثبات الباب لأبي ذر وله عن المستملي باب قوله بالإضافة (﴿ولكل
جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون﴾ الآية) [النساء: ٣٣] زاد أبو ذر والوقت (﴿والذين
عاقدت أيمانكم)) أي: والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم فآتوهم نصيبهم من الميراث إن
الله كان على كل شيء شهيدًا أي ولكل شيء تركه الوالدان والأقربون عينًا ورّاثًا يأخذونه ومما ترك
بيان لكل وفيه أنه فصل بينهما بعامل الموصوف، وإن جعلنا موالي صفة لكل فالتقدير لكل طائفة
جعلناهم موالي نصيب مما ترك هؤلاء أو لكل ميت جعلنا ورثة من هذا المتروك، وفيه أيضًا ضعف
لخروج الأولاد عنه، وإن جعل التقدير لكل أحد جعلنا موالي فتكون من صلة موالي لأنهم في
معنى الوزّاث. وفاعل ترك ضمير يعود على كل الوالدان والأقربون بيان الموالي كأنه جواب من
سأل عنهم، وسقط لأبي ذر لفظ الآية.
(وقال معمر) هو ابن راشد الصنعاني كما قاله الكرماني أو معمر بن المثنى كما قاله ابن حجر
(موالي) أي (أولياء ورثة) بنصب الكلمتين تفسيرًا للموالي وثبت لأبي ذر وقال معمر ولأبي ذر
والوقت: وقال معمر أولياء موالي بالإضافة نحو شجر الأراك والإضافة للبيان وأولياء ورثة
بالإضافة أيضًا (﴿عاقدت أيمانكم) هو مولى اليمين وهو الحلف) يعني أولياء الميت الذين يلون ميراثه
يجوزونه على نوعين: ولي بالإرث وهو الوالدان والأقربون، وولى بالموالاة وعقد الولاة وهم الذين
عاقدت أيمانكم وثبت أيمانكم لأبي ذر (والمولى أيضًا ابن العم) قاله ابن جرير نقلاً عن العرب،

١٤٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء
وأنشد عليه قول الفضل بن العباس:
مهلاً بني عمنا مهلاً موالينا لا تظهرن لنا ما كان مدفونا
(والمولى المنعم المعتق) بكسر التاء الذي أنعم على مرقوقه بالعتق (والمولى المعتق) بفتح التاء
الذي كان رقيقًا فمن عليه بالعتق (والمولى المليك) لأنه يلي أمور الناس (والمولى مولى في الدين)
وقيل غير ذلك مما يطول استقصاؤه.
٤٥٨٠ - حقثني الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةً عَنْ إذْرِيسَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ،
عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله تَعْالَى عَنْهُمْا ﴿وَلِكُلِّ جَعَلْنَا مَوالِيَ﴾ قَالَ: وَرَثَةٌ
﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ كانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهاجِرُ الأَنْصَارِيِّ دُونَ ذَوِي
رَحِمِهِ لِلأَخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ◌َّهِ بَيْنَهُمْ فَلَمَّا نَزَّلَتْ ﴿وَلِكُلِّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ نُسِخَتْ ثُمَّ قالَ:
﴿وَالَّذِينَ عاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مِنَ النَّصْرِ وَالرِّفَادَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيراثُ وَيُوصِي لَهُ سَمِعَ أَبُو
أُسامَةَ إذْرِيسَ وَسَمِعَ إذْرِيسُ طَلْحَةَ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (الصلت بن محمد) بفتح الصاد المهملة وسكون
اللام آخره مثناة فوقية الخاركي بخاء معجمة البصري قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن
إدريس) بن يزيد الأودي (عن طلحة بن مصرف) بفتح الصاد المهملة وکسر الراء اليامي (عن
سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) في قوله تعالى: ((ولكل جعلنا موالي﴾)
(قال: ورثة) وبه قال قتادة ومجاهد وغيرهما ((والذين عاقدت أيمانكم)) أي عاقدت ذوو أيمانكم
ذوي أيمانهم قال ابن عباس: (كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجر) ولأبوي ذر والوقت:
المهاجري بزيادة مثناة تحتية مشددة (الأنصاري دون ذوي رحمه) أي أقربائه (للأخوة التي آخى
النبي ◌َلقه بينهم) بين المهاجرين والأنصار وهذا كان في ابتداء الإسلام (فلما نزلت ﴿ولكل جعلنا
موالي﴾ نسخت) بضم النون مبنيًا للمفعول أي وراثة الحليف بآية ﴿ولكل جعلنا موالي﴾ وروى
الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان الرجل يعاقد الرجل فإذا مات
أحدهما ورثه الآخر فأنزل الله عز وجل: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من
المؤمنين والمهاجرين﴾ [الأحزاب: ٦].
ومن طريق قتادة كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول: دمي دمك وترثني وأرثك،
فلما جاء الإسلام أمروا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السدس ثم نسخ ذلك بالميراث فقال:
﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ وهذا هو المعتمد، ويحتمل أن يكون النسخ وقع مرتين.
الأولى حيث كان المعاقد يرث وحده دون العصبة فنزلت (ولكل جعلنا) فصاروا جميعًا يرثون وعلى
هذا يتنزل حديث ابن عباس ثم نسخ ذلك بآية الأحزاب وخص الميراث بالعصبة قاله في الفتح.
(ثم قال) أي ابن عباس في قوله تعالى: (﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ من النصر والرفادة)