النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
عنا (لا ندري ما هو صانع فيها) لم يجزم بغدره (قال) أبو سفيان: (والله ما أمكنني من كلمة أدخل
فيها شيئًا) أنتقصه به (غير هذه) الكلمة (قال) هرقل: (فهل قال هذا القول أحد) من قريش (قبله؟
قال) أبو سفيان (قلت: لا ثم قال) هرقل: (لترجمانه: قل له) أي لأبي سفيان (إني سألتك) أي قل
له حاكيًا عن هرقل إني سألتك أو المراد إني سألتك على لسان هرقل لأن الترجمان يعيد كلام هرقل
ویعید لهرقل كلام أبي سفيان (عن) رتبة (حسبه فيكم فزعمت أنه فيكم ذو حسب) رفيع (وكذلك
الرسل تبعث في) أرفع (أحساب قومها، وسألتك هل كان في آبائه ملك) بفتح الميم وكسر اللام
وإسقاط من الجارة (فزعمت أن لا، فقلت) أي في نفسي وأطلق على حديث النفس قولاً (لو كان
من آبائه ملك قلت رجل يطلب ملك آبائه) بالجمع وفي كتاب الوحي ملك أبيه بالإفراد (وسألتك
عن أتباعه) بفتح الهمزة وسكون الفوقية (أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم) اتبعوه
(وهم أتباع الرسل) عليهم الصلاة والسلام غالبًا بخلاف أهل الاستكبار المصرين على الشقاق بغضًا
وحسدًا كأبي جهل (وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فزعمت أن لا،
فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس) قبل أن يظهر رسالته (ثم يذهب فيكذب على الله) بعد
إظهارها ويذهب ويكذب نصب عند أبي ذر عطفًا على المنصوب السابق (وسألتك هل يرتد أحد
منهم عن دينه) الإسلام (بعد أن يدخل فيه سخطة له) بفتح السين (فزعمت أن لا، وكذلك
الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب) التي يدخل فيها والقلوب بالجر على الإضافة (وسألتك هل
يزيدون أم ينقصون فزعمت أنهم يزيدون وكذلك الإيمان) لا يزال في زيادة (حتى يتم) بالأمور
المعتبرة فيه من الصلاة وغيرها (وسألتك هل قاتلتموه فزعمت أنكم قاتلتموه فتكون الحرب بينكم
وبينه سجالاً ينال منكم وتنالون منه) هو معنى قوله في الأول يصيب منا ونصيب منه (وكذلك
الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة) وهذه الجملة من قوله وسألتك هل قاتلتموه إلى هنا حذفها
الراوي في كتاب الوحي (وسألتك هل يغدر) بكسر الدال (فزعمت أنه لا يغدر وكذلك الرسل لا
تغدر) لأنها لا تطلب حظ الدنيا الذي لا يبالي طالبه بالغدر. (وسألتك هل قال أحد هذا القول
قبله؟ فزعمت أن لا فقلت: لو كان قال هذا القول أحد قبله قلت رجل ائتم) وفي كتاب الوحي
لقلت رجل يأتسي (بقول قيل قبله) ذكر الأجوبة على ترتيب الأسئلة. وأجاب عن كل بما يقتضيه
الحال مما دل على ثبوت النبوّة مما رآه في كتبهم أو استقرأه من العادة ولم يقع في بدء الوحي مرتبًا
وأخر هنا بقية الأسئلة وهو العاشر إلى بعد الأجوبة كما أشار إليه بقوله:
(قال) أي أبو سفيان: (ثم قال) أي هرقل: (بم) بغير ألف بعد الميم (يأمركم؟ قال) أبو
سفيان: (قلت: يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة) للأرحام (والعفاف) بفتح العين المهملة أي الكف
عن المحارم وخوارم المروءة وزاد في الوحي الجواب عن هذه (قال) أي هرقل: (إن يك ما) ولأبي
ذر كما (تقول فيه حقًا فإنه نبي) وفي دلائل النبوة لأبي نعيم بسند ضعيف أن هرقل أخرج لهم
سفطًا من ذهب عليه قفل من ذهب فأخرج منه حريرة مطوية فيها صور فعرضها عليهم إلى أن
كان آخرها صورة محمد وَّ، قال: فقلنا جميعًا هذه صورة محمد فذكر لهم أنها صور الأنبياء وأنه
٤

١٠٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
خاتمهم ◌َ﴾ (وقد كنت أعلم أنه خارج) أي أنه سيبعث في هذا الزمان (ولم أك) بحذف النون
ولأبي ذر ولم أكن (أظنه منكم) معشر قريش (ولو أني أعلم أني أخلص) بضم اللام أي أصل (إليه
لأحببت لقاءه) وفي بدء الوحي لتجشمت بجيم وشين معجمة أي لتكلفت الوصول إليه (ولو كنت
عنده لغسلت عن قدميه) ما لعله يكون عليهما قاله مبالغة في خدمته (وليبلغن ملكه ما تحت
قدميّ) بالتثنية وزاد في بدء الوحي هاتين أي أرض بيت المقدس أو أرض ملكه. (قال) أبو
سفيان: (ثم دعا) هرقل (بكتاب رسول الله وَّله فقرأه) بنفسه أو الترجمان بأمره (فإذا فيه) (بسم الله
الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم) طائفة (الروم سلام على من اتبع الهدى) هو
كقول موسى وهارون لفرعون والسلام على من اتبع الهدى (أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام)
بكسر الدال المهملة أي بالكلمة الداعية إلى الإسلام وهي شهادة التوحيد (أسلم) بكسر اللام
(تسلم) بفتحها (وأسلم) بكسرها توكيد (يؤتك الله أجرك مرتين) لكونه مؤمنًا بنبيه ثم آمن بمحمد
عليه الصلاة والسلام أو أن إسلامه سبب لإسلام أتباعه والجزم في أسلم على الأمر والثالث تأكيد
له والثاني جواب للأوّل ويؤتك بحذف حرف العلة جواب آخر، ويحتمل أن يكون أسلم أوّلاً أي
لا تعتقد في المسيح ما يعتقده النصارى وأسلم ثانيًا أي دخل في دين الإسلام ولذا قال: يؤتك الله
أجرك مرتين (فإن توليت فإن عليك) مع إثمك (إثم الأريسيين) بهمزة وتشديد التحتية بعد السين
أي الزراعين نبه بهم على جميع الرعايا وقيل: الأريسيين ينسبون إلى عبد الله بن أريس رجل كان
تعظمه النصارى ابتدع في دينه أشياء مخالفة لدين عيسى عليه السلام (﴿ويا أهل الكتاب تعالوا إلى
كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله﴾) بدل من كلمة بدل كل من كل إلى قوله: (﴿اشهدوا
بأنا مسلمون﴾) والخطاب في اشهدوا للمسلمين أي فإن تولوا عن هذه الدعوة فأشهدوهم أنتم على
استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم.
فإن قلت: إن هذه القصة كانت بعد الحديبية وقبل الفتح كما صرح به في الحديث، وقد
ذكر ابن إسحاق وغيره أن صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها نزلت في وفد نجران.
وقال الزهري: هم أول من بذل الجزية ولا خلاف أن آية الجزية نزلت بعد الفتح فما الجمع بين
كتابة هذه الآية قبل الفتح إلى هرقل في جملة الكتاب، وبين ما ذكره ابن إسحق والزهري؟
أجيب: باحتمال نزول الآية مرة قبل الفتح، وأخرى بعده وبأن قدوم وفد نجران كان قبل الحديبية
وما بذلوه كان مصالحة عن المباهلة لا عن الجزية، ووافق نزول الجزية بعد ذلك على وفق ذلك كما
جاء وفق الخمس والأربعة الأخماس وفق ما فعله عبد الله بن جحش في تلك السرية قبل بدر، ثم
نزلت فريضة القسم على وفق ذلك، وباحتمال أن يكون ◌َ ل ◌ّ أمر بكتابتها قبل نزولها ثم نزل
القرآن موافقة له كما نزل بموافقة عمر في الحجاب وفي الأسارى وعدم الصلاة على المنافقين قاله
ابن كثير .
(فلما فرغ) هرقل (من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده وكثر اللغط) من عظماء الروم
ولعله بسبب ما فهموه من ميل هرقل إلى التصديق (وأمر بنا فأخرجنا) بضم الهمزة وكسر الراء في

١٠٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
الثاني والميم في الأول (قال) أبو سفيان: (فقلت لأصحابي) القرشيين (حين خرجنا) والله (لقد أمر)
بفتح الهمزة مع القصر وكسر الميم أي عظم (أمر ابن أبي كبشة) بسكون الميم أي شأن ابن أبي
كبشة بفتح الكاف وسكون الموحدة كنية أبي النبي وله من الرضاع الحرث بن عبد العزى كما عند
ابن ماكولا وقيل غير ذلك مما سبق في بدء الوحي (إنه) بكسر الهمزة على الاستئناف (ليخافه ملك
بني الأصفر) وهم الروم قال أبو سفيان (فما زلت موقنًا بأمر رسول الله وَله أنه سيظهر حتى
أدخل الله علي الإسلام) فأظهرت ذلك اليقين.
(قال الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (فدعا هرقل) الفاء فصيحة أي فسار هرقل إلى
حمص فكتب إلى صاحبه ضغاطر الأسقف برومية فجاء جوابه فدعا (عظماء الروم فجمعهم في دار
له) وفي بدء الوحي أنه جمعهم في دسكرة أي قصر حوله بيوت وأغلقه ثم اطلع عليهم من مكان
فيه عال خوفًا على نفسه أن ينكروا مقالته فيبادروا إلى قتله ثم خاطبهم (فقال: يا معشر الروم هل
لكم) رغبة (في الفلاح والرشد) بفتح الراء والمعجمة ولأبي ذر والرشد بضم الراء وسكون المعجمة
(آخر الأبد) أي الزمان (وأن يثبت لكم ملككم) لأنه علم من الكتب أن لا أمة بعد هذه الأمة
(قال: فحاصوا حيصة حمر الوحش) بحاء وصاد مهملتين أي نفروا نفرتها (إلى الأبواب) التي
للبيوت الكائنة في الدار الجامعة ليخرجوا منها (فوجدوها قد غلقت) بضم الغين وكسر اللام
مشددة (فقال) هرقل: (علّ بهم) أي أحضروهم لي (فدعا بهم) فردهم (فقال) لهم (إني إنما
اختبرت شدتكم على دينكم) بمقالتي هذه (فقد رأيت منكم الذي أحببت فسجدوا له) حقيقة إذ
كانت عادتهم ذلك لملوكهم أو كناية عن تقبيلهم الأرض بين يديه لأن فاعل ذلك يصير غالبًا كهيئة
الساجد (ورضوا عنه) أي رجعوا عما كانوا هموا به عند نفرتهم من الخروج عليه.
٥ - باب ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ - إلى - ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾) أي لن تدركوا
كمال البر أو ثواب الله أو الجنة أو لم تكونوا أبرارًا حتى يكون الإنفاق من محبوب أموالكم أو ما
يعمه وغيره كبذل الجاه في معاونة الناس والبدن في طاعة الله والمهجة في سبيل الله ومن في مما
تحبون تبعيضية يدل عليه قراءة عبد الله بعض ما تحبون ويحتمل أن يكون تفسير معنى لا قراءة
(إلى ﴿به عليم)) [آل عمران: ٩٢] ولأبي ذر الآية بدل قوله إلى ﴿به عليم) وسقط لغيره لفظ
باب.
٤٥٥٤ - هذّثنا إسْماعِيلُ قالَ: حَدَّثَنِي مالِكٌ، عَنْ إِسْحُقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ
سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: كانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ نَخْلاً، وَكانَ
أَحَبْ أَمْوالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحاءٍ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدٍ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ ماءِ
فِيها طَيِّبٍ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلْحَةً فَقالَ: يا
:

١٠٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَتَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوالِي إِلَيَّ بَيْرُحاءٍ،
وَإِنَّها صَدَقَةٌ لله أَرْجُو بِرَّها وَذُخْرَها عِنْدَ اللَّهِ فَضَغْها يا رَسُولَ اللهِ حَيَثُ أراكَ اللهِ، قالَ
رَسُولُ اللهِوَّهِ: (بَخْ ذلِكَ مالٌ رايحٌ، ذلِكَ مالٌ رايحٌ)) وَقَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ: وَإِنِي أَرى أنْ
تَجْعَلَها فِي الأَقْرَبِينَ قالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ الله فَقَّسَمْهَا أَبُو طَلْحَةً فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمْهِ.
قَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ يُوسُفَ وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةً: ذلِكَ مالٌ رابحٌ.
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدَّثني) بالتوحيد (مالك) الإمام عن إسحق
ابن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري المدني أبي يحيى (أنه سمع أنس بن مالك) الأنصاري (رضي الله
عنه يقول: كان أبو طلحة) زيد بن سهل زوج أم أنس بن مالك رضي الله عنه (أكثر أنصاري
بالمدينة نخلاً) تمييز (وكان أحب أمواله إليه بيرحا) بنصب أحب خبر كان ورفع بيرحا اسمها وقد
اختلف في ضبط هذه اللفظة، وسبق في كتاب الزكاة ما يكفي ويشفي والذي لخصته فيها من
كلامهم كسر الموحدة وضم الراء اسم كان بفتحها خبرها مع الهمزة الساكنة بعد الموحدة وإبدالها
ياء ومدّ حاء مصروفًا وغير مصروف لأن تأنيثه معنوي كهند ومقصور فهي اثنا عشر، وبفتح
الموحدة وسكون التحتية من غير همز وفتح الراء وضمها خبر كان أو اسمها ومدّ حاء مصروفًا
ومقصورًا فهي ستة: اثنان منها مع القصر على أنه اسم مقصور لا تركيب فيه فيعرب كسائر
المقصور، وصوّب الصغاني والزمخشري والمجد الشيرازي منها فتح الموحدة والراء على سائرها من
الممدود والمقصور، بل قال الباجي: إنها المصححة على أبي ذر وغيره (وكانت) أي بيرحا (مستقبلة
المسجد) النبوي (وكان رسول الله ◌َ ﴿ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب) صفة المجرور (فلما
أنزلت: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ قام أبو طلحة) رضي الله عنه (فقال: يا رسول الله
إن الله) تعالى (يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ وإن أحب أموالی إلی بیرحا) بالرفع
خبر إن (وإنها صدقة لله أرجو برّها) أي خيرها (وذخرها) بضم الذال المعجمة أي أقدمها فأدّخرها
لأجدها (عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. قال) ولأبي ذر فقال: (رسول الله(وَل ﴿).
(بخ) بفتح الموحدة وسكون المعجمة كهل وبل غير مكررة هنا (ذلك مال رايح ذلك مال
رايح) بالمثناة التحتية من الرواح أي من شأنه الذهاب والفوات فإذا ذهب في الخير فهو أولى
وكررها اثنتين للمبالغة (وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلهما في الأقربين قال أبو طلحة:
أفعل) ما قلت (يا رسول الله فقسمها) أي بيرحا (أبو طلحة في أقاربه وبني عمه) من عطف
الخاص على العام ولأبي ذر وفي بني عمه.
(قال عبد الله بن يوسف) التنيسي مما وصله المؤلف في الوقف (وروح بن عبادة) بن العلاء
القيسي أبو محمد البصري مما وصله أحمد في روايتهما عن مالك (ذلك مال رابح) بالموحدة أي
يربح صاحبه في الآخرة.

١٠٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
٠٠٠٠ . حذّلني يَحْيِى بْنُ يَحْيِى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مالِكِ مالٌ رايحٌ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (يحيى بن يحيى) النيسابوري (قال: قرأت
على مالك) الإمام (مال رايح) بالمثناة التحتية بدل الموحدة اسم فاعل من الرواح نقيض الغدوّ.
٤٥٥٥ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الأَنْصارِيِّ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ تُمامَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ الله
عَنْهُ قالَ: فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وَأُبَيِّ وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَيْهِ وَلَمْ يَجْعَلْ لِي مِنْهَا شَيْئًا.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله الأنصاري) قال: (حدّثني) بالإفراد (أبي) هو
عبد الله بن المثنى (عن ثمامة) بضم المثلثة وتخفيف الميم ابن عبد الله بن أنس قاضي البصرة (عن)
جدّه (أنس) هو ابن مالك (رضي الله عنه قال: فجعلها) أي بيرحا أبو طلحة (لحسان) بن ثابت
(وأبي) هو ابن كعب (وأنا أقرب إليه) منهما (ولم يجعل لي منها شيئًا). وهذا طرف من حديث
ساقه بتمامه من هذا الوجه في الوقف وسقط هنا في رواية أبي ذر وثبت لغيره.
٦ - باب ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ((قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين)) [آل
عمران: ٩٣] لما قال عليه الصلاة والسلام: ((أنا على ملة إبراهيم)) قالت اليهود: كيف وأنت تأكل
لحوم الإبل وألبانها؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((كان حلالاً لإبراهيم فنحن نحله)) فقالت اليهود:
كل شيء أصبحنا اليوم نحرمه كان محرمًا على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا فأنزل الله تعالى تكذيبًا
لهم وردًا عليهم حيث أرادوا براءة ساحتهم مما نعى عليهم من البغي والظلم والصد عن سبيل الله
وما عدد من مساويهم التي كلما ارتكبوا منها كبيرة حرم الله عليهم نوعًا من الطيبات عقوبة لهم
في قوله تعالى: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾ إلى قوله: ﴿عذابًا
أليمًا﴾ [النساء: ١٦٠] وفي قوله تعالى: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر) إلى قوله:
﴿ذلك جزيناهم ببغيهم﴾ [الأنعام: ١٤٧]. كل الطعام أي المطعومات كان حلاً أي حلالاً لبني
إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل وهو يعقوب عليه السلام على نفسه من قبل أن تنزل التوراة وهو
لحوم الإبل وألبانها وكان ذلك سائغًا في شرعهم، قيل كان به عرق النسا فندر إن شفي لم يأكل
أحب الطعام إليه وكان ذلك أحب إليه، وقيل فعل ذلك للتداوي بإشارة الأطباء، واحتج به من
جوّز للنبي أن يجتهد وللمانع أن يقول ذلك بإذن من الله فهو كتحريمه ابتداء، ثم أمر الله تعالى نبيه
محمدًا وَ﴿ أن يحاج اليهود بكتابهم فقال: ﴿قل﴾ أي لليهود ﴿فأتوا بالتوراة فاتلوها﴾ أي فاقرؤوها
فإنها ناطقة بما قلناه إذ فيها أن يعقوب حرم ذلك على نفسه قبل أن تنزل وأن تحريم ما حرم عليهم
حادث بظلمهم فلم يحضروها فثبت صدق النبي ◌ّ# فيه وجواز النسخ الذي ينكرونه هذا ما
يقتضيه سباق هذه الآية التي أوردها البخاري في هذا الباب وعليه المفسرون.

١٠٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
٤٥٥٦ - حدثني إبْراهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرٍ، حَدَّثَنا أَبُو ضَمْرَةً، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما، أنَّ الْيَهُودَ جَاؤُوا إِلَى النِّّ ◌َّهَ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَأَمْرَأَةٍ قَدْ زَنَّيًا
فَقالَ لَهُمْ: ((كَيْفَ تَفْعَلُونَ بِمَنْ زنى مِنْكُمْ)) قالُوا: نُحَمِّمُهُما وَنَضْرِبُهُما فَقالَ: ((لا تَجِدُونَ فِي
التَّوْراةِ الرَّجْمَ)) فَقالُوا: لاَ نَجِدُ فِيهَا شَيْئًا فَقالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: كَذَبْتُمْ ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ
فَأَتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فَوَضَعَ مِدْراسُهَا الَّذِي يُدَرْسُها مِنْهُمْ كَفَّهُ عَلى أَيَّةِ الرَّجْم، فَطَفِقَ يَقْرَأُ ما
دُونَ يَدِهِ وَما وَراءَها وَلا يَقْرَأْ آيَةَ الرَّجْمِ فَنَزَعَ يَدَهُ عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ فَقالَ: ((مَا هَذِهِ؟)) فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ
قالُوا: هِيَ آيَةُ الرَّجْمِ فَأَمَرَ فَرُجِما قَرِيبًا مِنْ حَيْثُ مَوْضِعُ الْجَنَائِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ قَالَ: فَرَأَيْتُ
صاحِبَهَا يَجْنَأُ عَلَيْهَا يَقِيِها الْحِجارَةَ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إبراهيم بن المنذر) أبو إسحاق الحزامي قال: (حدّثنا أبو ضمرة)
بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم أنس بن عياض الليثي قال: (حدّثنا موسى بن عقبة) الإمام في
المغازي (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما) سقط لأبي ذر لفظ
عبد الله (أن اليهود) يهود خيبر (جاؤوا إلى النبي بيّة) في ذي القعدة من السنة الرابعة (برجل
منهم) لم يسم (وامرأة) اسمها بسرة (قد زنيا) قال النووي: وكانا من أهل العهد (فقال لهم) عليه
الصلاة والسلام:
(كيف تفعلون) ولأبي ذر عن الكشميهني كيف تعملون (بمن زنى منكم؟ قالوا:
نحممهما) بضم النون وفتح الحاء المهملة وكسر الميم الأولى مشددة من التحميم يعني نسوّد
وجوههما بالحمم وهو الفحم (ونضربهما فقال) عليه الصلاة والسلام لهم: (لا تجدون في التوراة
الرجم؟) على من زنى إذا أحصن (فقالوا: لا نجد فيها شيئًا) وإنما سألهم عليه الصلاة والسلام
ليلزمهم بما يعتقدونه في كتابهم الموافق لحكم الإسلام إقامة للحجة عليهم لا لتقليدهم ومعرفة
الحكم منهم.
(فقال لهم عبد الله بن سلام) رضي الله عنه (كذبتم فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين)
فإن ذلك موجود فيها لم يغير، واستدل به ابن عبد البر على أن التوراة صحيحة بأيديهم ولولا ذلك
ما سألهم رسول اللهوَ ﴿ عنها ولا دعا بها. وأجيب: بأن سؤاله عنها يدل على صحة جميع ما فيها
وإنما يدل على صحة المسؤول عنه منها، وقد علم ◌َّر ذلك بوحي أو إخبار من أسلم منهم فأراد
بذلك تبكيتهم وإقامة الحجة عليهم في مخالفتهم كتابهم وكذبهم عليه وإخبارهم بما ليس فيه
وإنكارهم ما هو فيه فأتوا بالتوراة فنشروها (فوضع) عبد الله بن صوريا (مدراسها) بكسر الميم
مفعال من أبنية المبالغة أي صاحب دراسة كتبهم وكان أعلم من بقي من الأحبار بالتوراة وزعم
السهيلي أنه أسلم، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: مدارسها بضم الميم على وزن المفاعلة من
المدارسة. قال في الفتح: والأول أوجه وهو (الذي يدرسها منهم) بضم التحتية وفتح الدال المهملة

١٠٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
وتشديد الراء مكسورة وفي نسخة يدرسها بفتح أوله وسكون الدال وضم الراء مخففة (كفه على آية
الرجم فطفق) بكسر الفاء أي فجعل (يقرأ) من التوراة (ما دون يده) أي قبلها (وما وراءها ولا
يقرأ آية الرجم فنزع) عبد الله بن سلام (يده عن آية الرجم فقال: ما هذه؟ فلما رأوا ذلك) أي
اليهود (قالوا): ولأبي ذر عن الكشميهني فلما رأى ذلك أي المدراس قال: (هي آية الرجم فأمر
بهما) وَلّز (فرجما) بحكم شرعه (قريبًا من حيث موضع الجنائز) برفع موضع في الفرع كأصله
وغيرهما لأن حيث لا تضاف إلى ما بعدها إلا أن يكون جملة (عند المسجد).
وفي هذه القصة من حديث جابر عند أبي داود في سننه: أنه شهد عنده وَّ أربعة أنهم رأوا
ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة. قال النووي: فإن صح هذا فإن كان الشهود مسلمين
فظاهر، وإن كانوا كفارًا فلا اعتبار بشهادتهم ويتعين أنهما أقرّا بالزنا، فلذا حكم عليه الصلاة
والسلام برجمهما.
(قال) أي ابن عمر (فرأيت صاحبها) أي صاحب المرأة الذي زنى بها (يجنأ) بفتح أوله
وسكون الجيم وبعد النون المفتوحة همزة مضمومة أي أكب، ولأبي ذر عن الكشميهني يحني بفتح
حرف المضارعة وسكون الحاء المهملة وكسر النون بعدها تحتية أي يميل وينعطف (عليها) حال
كونه (يقيها الحجارة).
وفي هذا الحديث من الفوائد وجوب حدّ الزنا على الكافر، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو
حنيفة والجمهور خلافًا لمالك حيث قال: لا حدّ عليه وأنه ليس من شرط الإحصان المقتضي
للرجم الإسلام وهو مذهب الشافعي وأحمد خلافًا لمالك وأبي حنيفة حيث قالا: لا يرجم الذمي
لأن من شرط الإحصان الإسلام وأن أنكحة الكفار صحيحة وإلا لما ثبت إحصائهم وأنهم مخاطبون
بالفروع خلافًا للحنفية.
وهذا الحديث قد سبق مختصرًا في الجنائز ويأتي إن شاء الله في الحدود.
٧ - باب ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾) [آل
عمران: ١١٠]. قيل كان ناقصة على بابها فتصلح للانقطاع نحو: كان زيد قائمًا، وللدوام نحو:
﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ فهي بمنزلة لم يزل وهذا بحسب القرائن فقوله: ﴿كنتم خير أمة﴾ لا
يدل على أنهم لم يكونوا خيرًا فصاروا خيرًا أو انقطع ذلك عنهم، وقال في الكشاف: كان عبارة
عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإبهام وليس فيه دليل على عدم سابق ولا على انقطاع
طارىء ومنه قوله تعالى: ﴿وكان الله غفورا رحيمًا﴾ و ﴿كنتم خير أمة﴾ كأنه قيل وجدتم خير
أمة. قال أبو حبان: قوله لم يدل على عدم سابق هذا إذا لم تكن بمعنى صار فإذا كانت بمعنى
صار دلت على عدم سابق.

١٠٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
فإذا قلت: كان زيد عالماً بمعنى صار زيد عالمًا دلت على أنه انتقل من حالة الجهل إلى حالة
العلم؛ وقوله ولا على انقطاع طارىء قد سبق أن الصحيح أنها كسائر الأفعال يدل لفظ المضي
منها على الانقطاع، ثم قد يستعمل حيث لا انقطاع، وفرق بين الدلالة والاستعمال ألا ترى أنك
تقول هذا اللفظ يدل على العموم ثم قد يستعمل حيث لا يراد العموم بل يزاد الخصوص، وقوله:
كأنه قيل وجدتم خير أمة بدل على أنها التامة وأن خبر أمة حال، وقوله: وكان الله غفورًا رحيمًا،
لا شك أنها الناقصة فتعارضا.
وأجاب أبو العباس الحلبي: بأنه لا تعارض لأن هذا تفسير معنى لا تفسير إعراب، وقيل
إن كان هنا تامة بمعنى وجدتم وحينئذ فخير أمة نصب على الحال، وقيل زائدة أي أنتم خير أمة،
والخطاب للصحابة وهذا مرجوح أو غلط لأنها لا تزاد أولاً، وقد نقل ابن مالك الاتفاق عليه،
وقيل الخطاب لجميع الأمة أي كنتم في علم الله، وقيل في اللوح المحفوظ.
وعن ابن عباس فيما رواه أحمد في مسنده والنسائي في سننه والحاكم في مستدركه قال: هم
الذين هاجروا مع النبي ◌َّر إلى المدينة، والصحيح كما قاله ابن كثير العموم في جميع الأمة كل
قرن بحسبه وخير قرونهم الذين بعث فيهم وَّر ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وفي سنن ابن
ماجه ومستدرك الحاكم وحسنه الترمذي عن معاوية بن حيدة مرفوعًا: أنتم توفون سبعين أمة أنتم
خيرها وأكرمها على الله عز وجل.
٤٥٥٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي حازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
رَضِيَ الله عَنْهُ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قَالَ: خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ
فِي السَّلاسِلِ، فِي أعناقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا في الإسْلامِ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) البيكندي (عن سفيان) الثوري (عن ميسرة) ضد الميمنة
ابن عمار الأشجعي (عن أبي هريرة رضي الله عنه) في قوله تعالى: (﴿كنتم خير أمة أخرجت
للناس﴾ قال: خير الناس للناس) أي خير بعض الناس لبعضهم أي أنفعهم لهم، وإنما كان
كذلك لأنكم (تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام) فهم سبب في
إسلامهم وقول الزركشي وغيره قيل ليس هذا التفسير بصحيح ولا معنى لإدخاله في المسند لأنه لم
يرفعه ليس بصحيح بل إساءة أدب لا ينبغي ارتكاب مثلها، وقد تقدم من وجه آخر في أواخر
الجهاد مرفوعًا بلفظ: عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل يعني الأسارى الذين يقدم
بهم أهل الإسلام في الوثاق والأغلال والقيود ثم بعد ذلك يسلمون وتصلح سرائرهم وأعمالهم
فيكونون من أهل الجنة.
وهذا الحديث أخرجه النسائي في التفسير.

١٠٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
٨ - باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتَانِ مِنْكُمْ تَفْشَلَا﴾
هذا (باب) بالتنوين وهو ساقط كلفظ باب قبله لغير أبي ذر في قوله تعالى: (﴿إِذ همت
طائفتان منكم أن تفشلا﴾) [آل عمران: ٢٢] عامل الظرف اذكر أو هو بدل من إذ غدوت فالعامل
فيه العامل في المبدل منه أو الناصب له عليم، والهم: العزم أو هو دونه وذلك أن أول ما يمر
بقلب الإنسان يسمى خاطرًا فإذا قوي سمي حديث نفس فإذا قوي سمي فما فإذا قوي سمي عزمًا
ثم بعده، إما قول أو فعل.
٤٥٥٨ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّه، حَدَّثَنا سُفْيانُ قال: قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّه
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يَقُولُ: فِينَا نَزَلَتْ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلأْ وَالله وَلِيُّهُمَا﴾ قَالَ: نَحْنُ
الطَّائِفَتانِ بَنُو حَارِثَةَ، وَبَنُو سَلِمَةً، وَمَا نُحِبُّ وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: وَمَا يَسُرُّنِي أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ لِقَوْلِ
اللَّهِ: ﴿وَالله وَلِيُّهُمَّا) .
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: قال عمرو)
هو ابن دينار (سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: فينا نزلت: ﴿إذ همت طائفتان
منكم أن تفشلا﴾) أي تجبنا وتتخلفا عن الرسول وي لتر وتذهبا مع عبد الله بن أبي وكان ذلك في
غزوة أُحُد (﴿والله وليهما﴾) أي عاصمهما عن اتباع تلك الخطوة التي ليست عزيمة بل حديث
نفس وكيف تكون عزيمة والله تعالى يقول: ﴿والله وليهما﴾ والله تعالى لا يكون ولي من عزم على
خذلان رسوله * ومتابعة عدوّه عبد الله بن أبي، ويجوز أن تكون عزيمة كما قال ابن عباس
ويكون قوله: ﴿والله وليهما﴾ جملة حالية مقررة للتوبيخ والاستبعاد أي لم وجد منهما الفشل
والجبن وتلك العزيمة والحال أن الله سبحانه وتعالى بجلاله وعظمته هو الناصر لهما فما لهما
یفشلان .
(قال): أي جابر (نحن الطائفتان بنو حارثة) وهم من الأوس (وبنو سلمة) بكسر اللام وهم
من الخزرج (وما نحب. وقال سفيان) بن عيينة في روايته: (مرة وما يسرني) بدل وما نحب (أنها)
أي الآية (لم تنزل لقول الله) تعالى (﴿والله وليهما﴾) ومفهومه أن نزولها سره لما حصل لهم من
الشرف وتثبيت الولاية ودلّ ذلك على أنه سرتهم تلك الهمة العارية عن العزم، نعم كلام ابن
عباس السابق مبني على التوبيخ وينصره قوله: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ فإنه يأبى إلا أن
يكون تعريضًا وتغليظًا في هذا المقام وكذا قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله لعلكم تشكرون﴾ [آل
عمران: ١٢٣] مشتمل على تشديد عظيم يعني: فاتقوا الله في الثبات معه ولا تضعفوا فإن نعمته
وهي نعمة الإسلام لا يقابل شكرها إلا ببذل المهج وبفداء الأنفس فاثبتوا معه لعلكم تدركون شكر
هذه النعمة، وكل هذه التشديدات لا ترد على حديث النفس، وأما قول جابر نحن بنو سلمة وبنو
حارثة وامتيازه إياهما عن الغير فلا يستقيم إلا على العزيمة وقوله: وما يسرني أنها لم تنزل إنما

١١٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
يحسن إذا حملته على العزيمة ليفيد المبالغة فهو على أسلوب قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت
[التوبة: ٤٣] قاله في فتوح الغيب.
لهم﴾
وهذا الحديث سبق في المغازي.
٩ - باب ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ((ليس لك من الأمر شيء﴾) [آل عمران: ١٢٨].
٤٥٥٩ - حدّثنا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ:
حَدَّثَنِي سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَّهَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنَ
الْفَجْرِ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وَفُلانًا وَفُلانًا)) بَعْدَما يَقُولُ: ((سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَه رَبَّنَا وَلَكَ
الْحَمْدُ)) فَأَنْزَلَ الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ﴾. رَواهُ إسْحُقُ بْنُ راشِدٍ
عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وبه قال: (حدّثنا حبان بن موسى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة السلمي المروزي
قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري)
محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: حدثني) بالإفراد (سالم عن أبيه) عبد اللَّه بن عمر رضي الله
عنهما (أنه سمع رسول الله وَّر إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر) من صلاة
الصبح أي بعد أن کسرت رباعیته یوم أُحُد (يقول):
(اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا) هم صفوان بن أمية، وسهيل بن عمير، والحرث بن هشام
كما في حديث مرسل أورده المؤلف في غزوة أُحُد ووصله أحمد والترمذي وزاد في آخره: فتيب
عليهم كلهم وسمى الترمذي في روايته أبا سفيان بن حرب، وفي كتاب ابن أبي شيبة منهم
العاصي بن هشام. قال في المقدمة: وهو وهم فإن العاصي قتل قبل ذلك ببدر قال: ونقل
السهيلي عن رواية الترمذي فيهم عمرو بن العاص فوهم في نقله (بعدما يقول: سمع الله لمن حمده
ربنا ولك الحمد) بإثبات الواو (فأنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء) إلى قوله: ﴿فإنهم
ظالمون﴾) قال في فتوح الغيب: وقوله أي بعد ﴿والله غفور رحيم﴾ تتميم مناد على أن جانب
الرحمة راجح على جانب العذاب وفي قوله: ﴿فإنهم ظالمون﴾ تتميم لأمر التعذيب وإدماج لرجحان
المغفرة يعني سبب التعذيب كونهم ظالمين وإلا فالرحمة مقتضية للغفران. وقال صاحب الأنوار
قوله: ﴿يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾ [المائدة: ١٨] صريح في نفي وجوب التعذيب والتقييد
بالتوبة وعدمها كالمنافي له ﴿والله غفور رحيم﴾ لعباده فلا تبادر إلى الدعاء عليهم.
(رواه) أي الحديث المذكور بالإسناد السابق (إسحاق بن راشد) الحراني (عن الزهري)
محمد بن مسلم بن شهاب وهذا وصله الطبراني في معجمة الكبير.

١١١
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
٤٥٦٠ - حدثنا مُوسَى بْنُ إسْماعِيلَ، حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنا ابْنُ شِهابٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ بَ لهِ كَانَ إِذَا أَرادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَرُبَّمَا قَالَ إذا
قَالَ: ((سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهْ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ اللَّهُمَّ، أنّجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشْامِ،
وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أَشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ وَأَجْعَلَّهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ)) يَجْهَرُ بِذَلِكَ
وَكَانَ يَقُولُ فِي بَعْضٍ صَلاتِهِ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ: ((اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وَفُلانًا» لأَحْيَاءٍ مِنَ الْعَرَبِ حَتَّى
أَنْزَلَ الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] الآيَةَ.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري البصري قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد)
بسكون العين ابن إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف قال: (حدّثنا ابن شهاب) محمد بن
مسلم الزهري (عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف كلاهما (عن أبي هريرة
رضي الله عنه أن رسول الله وَلير كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد) أي في الصلاة
(قنت بعد الركوع فربما قال: إذا قال سمع الله لمن حمده):
(اللهم ربنا لك الحمد اللهم أنج الوليد بن الوليد) أخا خالد بن الوليد أسلم وتوفي في
حياته عليه السلام وهمزة أنج قطع (وسلمة بن هشام) هو ابن عم الذي قبله وأخو أبي جهل وكان
من السابقين إلى الإسلام (وعياش بن أبي ربيعة) ابن عم الذي قبله وهو من السابقين أيضًا. وفي
الزيادات من حديث الحافظ أبي بكر بن زياد النيسابوري عن جابر رفع طير رأسه من الركعة
الأخيرة من صلاة الصبح صبيحة خمس عشرة من رمضان فقال: ((اللهم انج)) الحديث وفيه فدعا
بذلك خمسة عشر يومًا حتى إذا كان صبيحة يوم الفطر ترك الدعاء.
(اللهم اشدد وطأتك) بفتح الواو وسكون الطاء المهملة وهمزة مفتوحة أي بأسك (على مضر
واجعلها سنين كسني يوسف) بنون واحدة على المشهور حال كونه (يجهر بذلك وكان) عليه الصلاة
والسلام (يقول: في بعض صلاته في صلاة الفجر) فيه إشارة إلى أنه كان لا يداوم على ذلك (اللهم
العن فلانًا وفلانًا لأحياء) قبائل (من العرب) وسماهم في رواية يونس عن الزهري عند مسلم رعلاً
وذكوان وعصية (حتى أنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ الآية) بالنصب أي اقرأ الآية.
واستشكل بأن قصة رعل وذكوان كانت بعد أُحُد ونزول ﴿ليس لك من الأمر شيءٍ﴾ في
قصة أُحُد فكيف يتأخر السبب عن النزول؟ وأجاب في الفتح: بأن قوله حتى أنزل الله منقطع من
رواية الزهري عمن بلغه كما بين ذلك مسلم في رواية يونس المذكورة فقال هنا قال يعني
الزهري، ثم قال بلغنا أنه ترك ذلك لما نزلت قال وهذا البلاغ لا يصح وقصة رعل وذكوان أجنبية
عن قصة أُحُد فيحتمل أن قصتهم كانت عقب ذلك وتأخر نزول الآية عن سببها قليلاً، ثم نزلت
في جميع ذلك.

١١٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
وقد ورد في سبب نزول الآية شيء آخر غير مناف لما سبق في قصة أُحُد فعند مسلم من
حديث أنس أن النبي بي لتر كسرت رباعيته يوم أحد وشجّ وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال:
(كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم)) وهو يدعوهم إلى ربهم فأنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾
[آل عمران: ١٢٨] وأورده المؤلف في المغازي معلقًا بنحوه وطريق الجمع بينه وبين حديث ابن
عمر المسوق أول هذا الباب أنه و # دعا على المذكورين بعد ذلك في صلاته فأنزل الله الآية في
الأمرين جميعًا فيما وقع له من كسر الرباعية وشج الوجه وفيما نشأ عن ذلك من الدعاء عليهم
وذلك كله في أُحُد فعاتبه الله تعالى على تعجيله في القول برفع الفلاح عنهم حيث قال: كيف يفلح
قوم أي لن يفلحوا أبدًا فقال الله له: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ أي كيف تستبعد الفلاح وبيد الله
أزمة الأمور التي في السموات والأرض ﴿يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾ [المائدة: ١٨] وليس لك
من الأمر إلا التفويض والرضا بما قضى، وسقط لأبي ذر قوله الآية. والحديث رواه النسائي.
١٠ - باب قَوْلِهِ ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾
وَهُوَ تَأْتِيثُ آخِرِكُمْ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿إِحْدَى الْحُسْتَئِينِ﴾ فَتْحًا أَوْ شَهَادَةً
(باب قوله) تعالى: (﴿والرسول يدعوكم﴾) مبتدأ وخبر في موضع نصب على الحال ودعوة
الرسول إلى عباد الله إلّ عباد الله يدعوهم إلى ترك الفرار من العدوّ وإلى الرجعة والكرة (﴿في
أخراكم﴾) قال البخاري تبعًا لأبي عبيدة: (وهو) أي أخراكم (تأنيث آخركم) بكسر الخاء المعجمة.
قال في الفتح والعمدة والتنقيح: فيه نظر لأن أخرى تأنيث آخر بفتح الخاء لا كسرها وزاد في
التنقيح أفعل تفضيل كفضلى وأفضل، وتعقبه في المصابيح فقال نظر البخاري أدق من هذا وذلك
أنه لو جعل أخرى هنا تأنيثًا لآخر بفتح الخاء لم يكن فيه دلالة على التأخر الوجودي، وذلك لأنه
أميتت دلال، على هذا المعنى بحسب العرف وصار إنما يدل على الوجهين بالمغايرة فقط تقول:
مررت برجل حسن ورجل آخر أي مغاير للأول وليس المراد تأخره في الوجود عن السابق وكذا
مررت بامرأة جميلة وامرأة أخرى والمراد في الآية الدلالة على التأخر فلذلك قال تأنيث آخركم كسر
الخاء لتصير أخرى دالة على التأخر كما في قالت أولاهم لأخراهم أي المتقدمة للمتأخرة واستعماله
في هذا المعنى موجود في كلامهم بل هو الأصل اهـ.
(وقال ابن عباس): مما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: (﴿إحدى الحسنيين))
[التوبة: ٥٢] أي (فتحًا أو شهادة) ومحل ذكر هذا في سورة براءة على ما لا يخفى واحتمال وقوع
إحدى الحسنيين وهي الشهادة وقعت في أُحُد استبعده في العمدة.
٤٥٦١ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إسْحُق، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَراءَ بْنَ
عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ: جَعَلَ النَّبِيِّ وَّهَ عَلَى الرَّجَّلَةِ يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، وَأَقْبَلُوا
مُتْهَزِمِينَ فَذاكَ ﴿إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ﴾ وَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ وَِّ غَيْرُ أَثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً.

١١٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن خالد) بفتح العين وجدّه فرّوخ الحراني الجزري سكن مصر قال:
(حدّثنا زهير) هو ابن معاوية قال: (حدثنا أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (قال: سمعت
البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: جعل النبي وَل) أميرًا (على الرجالة) بتشديد الجيم خلاف
الفارس وكانوا خمسين رجلاً رماة (يوم أُحُد عبد الله بن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة الأنصاري
(وأقبلوا) بالواو وفي اليونينية فأقبلوا أي المسلمون حال كونهم (منهزمين) أي بعضهم، وذلك أنهم
صاروا ثلاث فرق.
فرقة استمروا في الهزيمة إلى قرب المدينة فلم يرجعوا حتى مضى القتال وهم قليل ونزل
فيهم: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان﴾ [آل عمران: ١٥٥].
وفرقة صاروا حيارى لما سمعوا أن رسول الله لر قتل فصارت غاية الواحد منهم أن يذب
عن نفسه أو يستمر على بصيرته في القتال إلى أن يقتل وهم أكثر الصحابة.
وفرقة ثبتت مع النبي ◌َّه ثم تراجع القسم الثاني شيئًا فشيئًا لما عرفوا أنه وَ ل* حي (فذاك إذ
يدعوهم الرسول في أخراهم) أي في ساقتهم وجماعتهم الأخرى (ولم يبق مع النبي ◌َّ) من
أصحابه (غير اثني عشر رجلاً) بسكون الياء، فمن المهاجرين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي
وسعد بن أبي وقاص وطلحة والزبير وأبو عبيدة وعبد الرحمن بن عوف، ومن الأنصار أسيد بن
حضير والحباب بن المنذر والحرث بن الصمة وسعد بن معاذ وأبو دجانة وعاصم بن ثابت بن أبي
الأقلح وسهل بن حنيف ذكره الواقدي والبلاذري فهم ستة عشر رجلاً.
١١ - باب قَوْلِهِ: ﴿أَمَنَّةً نُعاسًا﴾
(باب) بالتنوين (قوله) تعالى، وسقط لفظ قوله للكشميهني والحموي (﴿أمنة نعاسًا﴾) [آل
عمران: ١٥٤] أي أنزل الله عليكم بسبب ما أصابكم من الغم الأمن حتى أخذ بكم النعاس.
٤٥٦٢ - حدثنا إسْحُقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ أبُو يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ،
حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ قالَ: حَدَّثَنَا أَنَسّ أَنَّ أَبْا طَلْحَةَ قَالَ: غَشِيَنَا النُّعاسُ وَنَحْنُ فِي مَصَافْنَا يَوْمَ
أُحُدٍ قَالَ: فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وَآخُذُهُ وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثن بالإفراد (إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن أبو
يعقوب) البغدادي الملقب بلؤلؤ ابن عم أحمد بن منيع قال: (حدّثنا حسين بن محمد) بضم الحاء
وفتح السين المروذي المعلم نزل بغداد قال: (حدّثنا شيبان) بن عبد الرحْمن التميمي النحوي (عن
قتادة) بن دعامة أنه (قال: حدّثنا أنس) هو ابن مالك رضي الله عنه (أن أبا طلحة) بن سهل
الأنصاري (قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا) بفتح الميم وتشديد الفاء جمع مصف أي في
موقفنا (يوم أُحُد) أمنة لأهل اليقين فينا فينامون من غير خوف جازمين بأن الله سينصر رسوله
إرشاد الساري/ ج ١٠ / م٨
:

١١٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
وينجز له مأموله. وعند ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود أنه قال: النعاس في القتال من
الله وفي الصلاة من الشيطان (قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه) زاد
البيهقي من طريق يونس بن محمد عن شيبان قال: والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم همّ إلا
أنفسهم أجبن قوم وأرعبه وأخذله للحق يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية كذبة إنما هم أهل
شك وريب في الله عز وجل رواه بهذه الزيادة قال ابن كثير: وكأنها من كلام قتادة وإنما لم
يغش الطائفة الأخرى لأنهم مستغرقون في هم أنفسهم فلا تنزل عليهم السكينة لأنها وارد
روحاني لا یتلوّث بهم.
١٢ - باب قَولِهِ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لله
وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ
وَاتَّقُوا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ الْقَرْحُ: الْجِراحُ. اسْتَجَابُوا: أَجَابُوا يَسْتَجِيبُ: يُچِيبُ
(باب قوله) تعالى: (﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾) يوم أُحُد
ولموصول مجرور صفة للمؤمنين في قوله تعالى: (﴿وإن الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾) أو منصوب
بأعني أو مبتدأ خبره (﴿للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم﴾) [آل عمران: ١٧٢] من في قوله
منهم للتبيين مثل: ﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة﴾ [الفتح: ٢٩] لأنه لو
حمل على التبعيض لزم أن لا يكون كلهم محسنين. قال في فتوح الغيب: فالكلام فيه تجريد جرد
من الذين استجابوا الله والرسول المحسن المتقي، وسبب نزول هذه الآية أن المشركين لما أصابوا ما
أصابوا من المسلمين كروا راجعين إلى بلادهم، فلما بلغوا الروحاء ندموا لم لا تمموا على أهل
المدينة وجعلوها الفيصلة وهموا بالرجوع، فبلغ ذلك النبي ◌ِّر فندب أصحابه إلى الخروج في
طلبهم ليرعبهم ويريهم أن فيهم قوة وجلدًا، وقال: لا يخرجن معنا إلا من حضر الوقعة يوم أَحْد
سوى جابر بن عبد اللَّه فإنه أذن له فخرج بيّ مع جماعة حتى بلغوا حمراء الأسد وهي على ثمانية
أميال من المدينة وكان بأصحابه القرح فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر وألقى الله
الرعب في قلوب المشركين فذهبوا فنزلت. وقال البخاري كأبي عبيدة: (القرح) بفتح القاف أي
(الجراح) جمع جراحة بالكسر فيهما.
(استجابوا) أي (أجابوا) تقول العرب: استجيبك أي أجبتك و (يستجيب) أي (يجيب) وهذا
وإن كان في سورة الشورى فأورده هنا استشهادًا لسابقه، ولم يذكر المؤلف هنا حديثًا ولعله بیّض له،
واللائق بالسياق هنا حديث عائشة عند المؤلف في المغازي الذين استجابوا الله والرسول من بعد ما
أصابهم القرح إلى آخر الآية. قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر رضي الله
عنهما، فلما أصاب نبي الله وَ﴿ ما أصاب يوم أُحُد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا فقال:
من يرجع في أثرهم فانتدب منهم سبعون رجلاً فيهم أبو بكر والزبير رضي الله عنهما.

١١٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
وأما حديث ابن مردويه عن عائشة قالت: قال لي رسول الله وَّير: إن كان أبواك من الذين
استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح أبو بكر والزبير رضي الله عنهما فرفعه خطأ محض
لمخالفته رواية الثقات من وقفه على عائشة كما سبق، ولأن الزبير ليس هو من آباء عائشة، وإنما
قالت لعروة بن الزبير ذلك لأنه ابن أختها أسماء بنت أبي بكر.
١٣ - باب ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ الآيَةَ
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿إن الناس قد جمعوا لكم)) [آل عمران: ١٧٣]
(الآية). بالنصب بتقدير فعل وسقط لفظ الآية لأبي ذر، وزاد: ﴿فاخشوهم﴾ وزاد أيضًا كما في
الفتح: ﴿الذين قال لهم الناس﴾.
٤٥٦٣ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسُ أُزَاهُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي
الضُّحْى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿حُسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قَالَها: إِبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُلْقِيَ فِي
النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ رَّهَ حِينَ قالُوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَّعُوا لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمانًا وَقَالُوا
حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. [الحديث ٤٥٦٣ - أطرافه في: ٤٥٦٤].
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) نسبه لجده واسم أبيه عبد الله التميمي اليربوعي الكوفي
قال البخاري: (أراء) بضم الهمزة أي أظنه (قال: حدّثنا أبو بكر) هو شعبة بن عياش بالشين
المعجمة القاري. فكأن البخاري شك في شيخ شيخه، وقد رواه الحاكم في مستدركه من طريق
أحمد بن يونس عن أبي بكر بن عياش بالجزم من غير تردد (عن أبي حصين) بفتح الحاء وكسر
الصاد المهملتين عثمان بن عاصم (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح مصغرًا (عن ابن عباس)
رضي الله عنهما أنه قال: في قوله تعالى: (﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ قالها إبراهيم) الخليل (عليه
السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد بَّفي حين قالوا) له عليه الصلاة والسلام ﴿إن الناس﴾ أبا
سفيان وأصحابه وقال الحافظ أبو ذر كما في هامش اليونينية هو عروة بن مسعود الثقفي ﴿قد
جمعوا لكم﴾ يقصدون غزوكم. وكان أبو سفيان نادى عند انصرافه من أَحُد يا محمد موعدنا موسم
بدر لقابل إن شئت فقال عليه الصلاة والسلام: إن شاء الله فلما كان القابل خرج في أهل مكة
حتى نزل مزّ الظهران فأنزل الله الرعب في قلبه، وبدا له أن يرجع فمرّ به رکب من عبد قیس
ويريدون المدينة للميرة فشرط لهم حمل بعير من زبيب إن ثبطوا المسلمين وقيل لقي نعيم بن
مسعود وقد قدم معتمرًا فسأله عن ذلك والتزم له عشرًا من الإِبل فخرج نعيم فوجد المسلمين
يتجهزون فقال لهم: إن أتوكم في دياركم فلم يفلت أحد منكم إلا شريد أفترون أن تخرجوا وقد
جمعوا لكم ﴿فاخشوهم﴾ ولا تخرجوا إليهم ﴿فزادهم﴾ أي المقول ﴿إيمانًا﴾ فلم يلتفتوا إليه ولم
يضعفوا بل ثبت به يقينهم بالله وأخلصوا النية في الجهاد وفي ذلك دليل على أن الإيمان يزيد
وينقص ﴿وقالوا حسبنا الله﴾ عطف على فزادهم والجملة بعد هذا القول نصب به وحسب بمعنى

١١٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
اسم الفاعل أي محسبنا بمعنى كافينا ﴿ونعم الوكيل﴾ ونعم الموكول إليه والمخصوص بالمدح محذوف
أي الله.
وهذا الحديث أخرجه النسائي في التفسير.
٤٥٦٤ - حدّثنا مَالِكُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي الضُّحى،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: كَانَ آَخِرَ قَوْلِ إِبْراهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ ﴿حَسْبِيَ الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ .
وبه قال: (حدّثنا مالك بن إسماعيل) أبو غسان النهدي الكوفي قال: (حدّثنا إسرائيل) بن
يونس بن أبي إسحق السبيعي الهمداني الكوفي (عن أبي حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين
عثمان بن عاصم (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح بضم الصاد وفتح الموحدة (عن ابن عباس)
رضي الله عنهما أنه (قال: كان آخر قول إبراهيم) الخليل (حين ألقي في النار ﴿حسبي الله ونعم
الوكيل﴾) فلما أخلص قلبه لله قال الله تعالى: ﴿يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم﴾
[الأنبياء: ٦٢] وفي حديث أبي هريرة عند ابن مردويه مرفوعًا: إذا وقعتم في الأمر العظيم
فقولوا: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾.
١٤ - باب ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ
هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرِّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَّامَةِ وَلله
مِيراثُ السَّمْوَاتِ وَالأَرْضِ وَالله بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ كَقَوْلِكَ طَوَّقْتُهُ بِطَوْقٍ
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو
خيرًا لهم﴾) قرىء يحسبن بالياء والتاء وعلى التقديرين المضاف محذوف أي بخل الذين إذا كان
الحسبان للنبي 38 أو لكل أحد تقديره بخل الذين يبخلون وإذا كان الفاعل الذين فالتقدير بخلهم
هو خيرًا لهم (﴿بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به﴾) بيان الشرية أي سيصير عذاب بخلهم
لازمًا كالطوق في أعناقهم (﴿يوم القيامة﴾) روي أن حية تنهشه من فرقه إلى قدمه وتبقر رأسه
(﴿ولله ميراث السموات والأرض﴾) ما فيهما مما يتوارث ملك له تعالى فما لهؤلاء لا يبخلون
بملكه ولا ينفقونه في سبيله والتعبير بالميراث خطاب بما نعلم (﴿والله بما تعملون خبير)) [آل
عمران: ١٨٠] وسقط لغير أبي ذر من قوله: ﴿هو خيرًا لهم﴾ إلى آخره وقال الآية بالنصب.
وقال العوفي عن ابن عباس فيما رواه ابن جرير: نزلت في أهل الكتاب الذين بخلوا بما
في أيديهم من الكتب المنزلة أن يبينوها، وقيل في اليهود الذين سئلوا أن يخبروا بصفة محمد والتي
عندهم فبخلوا بذلك وكتموه فيكون البخل بكتمان العلم، والطوق أن يجعل في رقابهم أطواق
النار وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم
القيامة)) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وحسنه الترمذي وصححه الحاكم.

١١٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
((سيطوقون﴾) قال البخاري كأبي عبيدة هو (كقولك طوّقته بطوق) وعند عبد الرزاق
وسعيد بن منصور من طريق إبراهيم النخعي بإسناد جيد قال بطوق من النار.
٤٥٦٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّه بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّه بْنٍ
دِينارٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي صالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّرَ: ((مَنْ آتَاهُ الله مالاً فَلَمْ
يُؤَدِّ زَكاتَهُ مُثْلَ لَهُ مَالُهُ شُجاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيِبَتَانٍ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتِهِ - يَعْنِي بِشِذْقَيْهِ -
يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ)) ثَمَّ ثَلا هَذِهِ الآيَةَ: ((﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخِلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ
فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]» إلى آخِرِ الآيَةِ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن منير) بضم الميم وبعد النون المكسورة تحتية ساكنة
قراء المروزي أنه (سمع أبا النضر) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة هاشم بن القاسم الملقب
بقيصر التميمي يقول: (حدّثنا عبد الرحمن هو ابن عبد الله بن دينار عن أبيه عن أبي صالح)
ذكوان السمان (عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (قال: قال رسول الله (وَ له):
:
(من آتاه الله) بمدّ الهمزة أي أعطاه الله (مالاً فلم يؤدّ زكاته مثل له) بضم الميم مبنيًا
للمفعول أي صوّر له (ماله) الذي لم يؤدّ زكاته (شجاعًا) قال في المصابيح نصب على الحال أي
حية (أقرع) لا شعر على رأسه لكثرة سمّه وطول عمره (له زبيبتان) بزاي فموحدتين بينهما تحتية
ساكنة نقطتان سوداوان فوق عينيه وهو أخبث ما يكون منها (يطوّقه) بفتح الواو المشددة أي يجعل
طوقًا في عنقه (يوم القيامة يأخذ بلهزمته)، بكسر اللام والزاي بينهما هاء ساكنة ولأبي ذر
والأصيلي بلهزمتيه بالتثنية (يعني بشدقيه) بكسر المعجمة أي فمه (يقول) أي الشجاع له (أنا مالك
أنا كنزك) يقول له ذلك تهكمًا ويزيده حسرة (ثم تلا) أي قرأ ◌َلهر (هذه الآية: ﴿ولا تحسبن الذين
يبخلون بما آتاهم الله من فضله﴾ إلى آخر الآية) سقط لأبي ذر لفظ إلى آخر وقال: الآية.
وهذا الحديث سبق في باب إثم مانع الزكاة في كتابه.
١٥ - باب ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذْىَ كَثِيرًا﴾
هذا (باب) بالتنوين في قوله: ((ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم)) يعني
اليهود (﴿ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا﴾﴾ [آل عمران: ١٨٦] باللسان والفعل من هجاء
الرسول ﴿ والطعن في الدين وإغراء الكفرة على المسلمين أخبره تعالى بذلك عند مقدمة المدينة
قبل وقعة بدر مسليًا له عما يناله من الأذى.
٤٥٦٦ - حدثنا أبُو الْيَمْانِ أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ
أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهَ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ
:

١١٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
وَأَزْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَراءَهُ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ قَبْلَ وَقْعَةٍ بَدْرٍ،
قَالَ: حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ، وَذُلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبَيِّ فَإِذْا
فِي الْمَجْلِسِ أَخْلاطْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثانِ وَالْيَهُودِ وَالْمُسْلِمِينَ وَفِي الْمَجْلِسِ
عَبْدُ اللَّه بْنُ رَواحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَةِ، خَمَّرَ عَبْدُ اللَّه بْنُ أُبَيِّ أَنْفَهُ بِرِدائِهِ ثُمَّ
قالَ: لا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا فَسَلَّمَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ وَقَفَ فَتَزَلَ فَدَعاهُمْ إِلَى اللهِ وَقَرَّأَ عَلَيْهِمُ
الْقُرْآنَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ أَيُّهَا الْمَرْءُ إِنَّهُ لا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ إنْ كَانَ حَقًّا فَلا تُؤْذِينا
بِهِ فِي مَجْلِسِنَا أُرْجِعْ إلَى رَحْلِكَ فَمَنْ جَاءَكَ فَأَقْصُصْ عَلَيْهِ فَقالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ رَوَاحَةَ: بَلْى، يَا
رَسُولَ الله فَأَغْشَنا بِهِ فِي مَجالِسِنَا فَإِنَّا نُحِبُّ ذُلِكَ فَأَسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ، حَتَّى
كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيِّ وَّرِ يُخَفْضُهُمْ حَتَّى سَكَنُوا ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيِّ وَّهِ دَابَّتَهُ فَسارَ حَتَّى دَخَلَ
عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقالَ لَهُ النّبِيِّ وَّهِ: (يَا سَعْدُ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبابٍ - يُرِيدُ عَبْدَ اللَّه بْنَ
أُبَيِّ - قَالَ كَذَا وَكَذَا)) قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ الله أَغْفُ عَنْهُ وَأَصْفَحْ عَنْهُ فَوَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ
الْكِتَابَ لَقَدْ جاءَ الله بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ لَقَدِ أَصْطَلَحَ أَهْلُ هذِهِ الْبُخَيْرَةِ عَلَى أنْ يُتَوِّجُوهُ
فَيُعَصِّبُونَهُ بِالْعِصابَةِ، فَلَمَّا أبَى الله ذُلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ اللهِ شَرِقَ بِذَلِكَ فَذُلِكَ فَعَلَ بِهِ ما رَأَيْتَ
فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللهِ وَ ◌ّهَ وَكَانَ النَّبِيِّ نَّهَ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتابِ كَما أَمَرَهُمُ
الله، وَيَصْبِرُونَ عَلَى الأَذى قالَ الله تَعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ
الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذِى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآيَةَ وَقَالَ الله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ
يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إيمانِكُمْ كُفّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] إلى آخِرِ الآيَةِ وَكانَ
النَّبِيِّ وَ يَتَأَوَّلُ الْعَفْوَ مَا أَمَرَهُ الله بِهِ حَتَّى أَذِنَ الله فِيهِمْ، فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ بَدْرَا فَقَتَلَ اللَّهُ
بِهِ صَنادِيدَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ قَالَ ابْنُ أَبِّ ابْنُ سَلُولَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الأَوْثانِ هذَا أَمْرٌ قَدْ
تَوَجَّهَ فَبَايَعُوا الرَّسُولَ وََّ عَلَى الإِسْلاَمِ فَأَسْلَمُوا.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (أخبرني) بالإفراد ولأبي ذر: أخبرنا (عروة بن
الزبير) بن العوّام (أن أسامة بن زيد) اسم جده حارثة الكلبي (رضي الله عنهما أخبره أن
رسول الله * ركب على حمار على قطيفة) بفتح القاف وكسر الطاء المهملة كساء غليظ (فدكية)
بفاء فدال مهملة مفتوحتين صفتها منسوبة إلى فدك بلد مشهور على مرحلتين من المدينة (وأردف)
بالواو في اليونينية وفي الفرع فأردف (أسامة بن زيد وراءه) حال كونه (يعود سعد بن عبادة) بضم
العين وتخفيف الموحدة الأنصاري أحد النقباء (في) منازل (بني الحرث بن الخزرج) وهم قوم سعد
(قبل وقعة بدر) ولأبي ذر عن الكشميهني وقيعة بكسر القاف بعدها تحتية ساكنة (قال: حتى مر

١١٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
بمجلس فيه عبد الله بن أبي) بالتنوين (ابن سلول) بألف ورفع ابن صفة لعبد اللَّه لا صفة لأبي
لأن سلول أم عبد اللَّه غير منصرف (وذلك قبل أن يسلم) أي يظهر الإسلام (عبد الله بن أبي)
ولم يسلم قط (فإذا في المجلس أخلاط) بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة أنواع (من المسلمين
والمشركين عبدة الأوثان) بالجر بدلاً من سابقه (واليهود والمسلمين) بذكر المسلمين أولاً وآخرًا
وسقطت الأخيرة من رواية مسلم (وفي المجلس عبد الله بن رواحة) بفتح الراء والواو المخففة
والحاء المهملة ابن ثعلبة بن امرىء القيس الخزرجي الأنصاري الشاعر أحد السابقين شهد بدرًا
استشهد بمؤتة وكان ثالث الأمراء بها في جمادى الأولى سنة ثمان (فلما غشيت المجلس عجاجة
الدابة) بفتح العين وجيمين خفيفتين أي غبارها وعجاجة رفع فاعل (خّر) بفتح الخاء المعجمة
وتشديد الميم أي غطى (عبد الله بن أبي أنفه) ولأبي ذر عن الكشميهني وجهه (بردائه ثم قال: لا
تغيروا علينا) بالموحدة (فسلم رسول الله ﴿ عليهم) ناويًا المسلمين أو قال السلام على من اتبع
الهدى (ثم وقف فنزل) عن الدابة (فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن فقال): بالفاء في اليونينية
وفي الفرع وقال بالواو (عبد الله بن أبي) بالتنوين (ابن سلول) للنبي وَلاير (أيها المرء إنه لا) شيء
(أحسن مما تقول) بفتح الهمزة وفتح السين والنون أفعل تفضيل وهو اسم لا وخبرها شيء المقدر
ولأبي ذر عن الكشميهني لا أحسن ما تقول بضم الهمزة وكسر السين وضم النون وما بميم
واحدة (إن كان حقًّا) شرط قدم جزاؤه (فلا تؤذينا به) بالياء قبل النون ولأبي ذر فلا تؤذنا بحذفها
على الأصل في الجزم (في مجلسنا) بالإفراد، ولأبي ذر: في مجالسنا بالجمع (ارجع إلى رحلك) أي
إلى منزلك (فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة بلى يا رسول الله فاغشنا به) بهمزة
وصل وفتح الشين المعجمة (في مجالسنا فإنا نحب ذلك فاستبّ) بالفاء، ولأبي ذر واستبّ
(المسلمون والمشركون واليهود) عطف على المشركين وإن كانوا داخلين فيهم تنبيهًا على زيادة شرهم
(حتى كادوا يتشاورون) بالمثلثة أي قاربوا أن يثب بعضهم على بعض فيقتتلوا (فلم يزل النبي وَل فو
بخفضهم) بالخاء والضاد المعجمتين يسكنهم (حتى سكنوا) بالنون من السكون، ولأبي ذر عن
المستملي، وقال في الفتح عن الكشميهني: حتى سكتوا بالمثناة الفوقية من السكوت (ثم ركب
النبي * دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له النبي وَ﴿):
(يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب) بضم الحاء المهملة وتخفيف الموحدة الأولى (بريد
عبد الله بن أبي قال كذا وكذا. قال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح عنه فو) الله
(الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك) ولأبي ذر: نزل بإسقاط الهمزة
وتشديد الزاي (لقد اصطلح) بدل أو عطف بيان وفي نسخة ولقد اصطلح (أهل هذه البحيرة)
بضم الموحدة مصغرًا أي البليدة والمراد المدينة النبوية، ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني البحرة
بفتح الموحدة وسكون المهملة (على أن يتوّجوه) بتاج الملك (فيعصبونه بالعصابة) أي فيعممونه
بعمامة الملوك.
وقال في الكواكب: أي يجعلونه رئيسًا لهم ويسوّدونه عليهم، وكان الرئيس معصبًا لما

١٢٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
يعصب برأيه من الأمر، وقيل كان الرؤساء يعصبون رؤوسهم بعصابة يعرفون بها، وفي بعض
النسخ يعصبونه بغير فاء فيكون بدلاً من قوله على أن يتوجوه والنون ثابتة في فيعصبونه ساقطة من
يتوّجوه. قال في المصابيح: ففيه الجمع بين أعمال إن وإهمالها في كلام واحد كما في قوله:
أن تقرآن على أسماء ويحكما مني السلام وأن لا تشعرا أحدا
ولأبي ذر وحده: فيعصبوه بالفاء وحذف النون كذا في غير ما نسخة من المقابل على اليونينية
المصححة بحضرة إمام النحاة في عصره ابن مالك مع جمع من الحفاظ والأصول المعتمدة. وقال
الحافظ ابن حجر في الفتح: ووقع في غير البخاري فيعصبونه أي بالنون والتقدير فهم يعصبونه أو
فإذا هم يعصبونه ولعله لم يقف على رواية الأكثرين بالنون.
(فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شرق) ولأبي ذر أعطاك شرق بفتح الشين المعجمة
وبعد الراء المكسورة قاف أي غص ابن أبي (بذلك) الحق الذي أعطاك الله وسقط لفظ الجلالة بعد
أعطاك لدلالة الأولى (فذلك) الحق الذي أتيت به (فعل به ما رأيت) من فعله وقوله القبيح (فعفا
عنه رسول الله (*)، وكان النبي وَلهو وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله
ويصبرون على الأذى. قال الله تعالى: (﴿ولتسمعنّ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين
أشركوا أذى كثيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآية).
هذا حديث آخر أفرده ابن أبي حاتم في تفسيره عن السابق بسند البخاري، وقال في آخره:
وكان رسول الله ﴿ يتأوّل في العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم فكل من قام بحق أو أمر
بمعروف أو نهى عن منكر فلا بدّ أن يؤذى فما له دواء إلا الصبر في الله والاستعانة به والرجوع
إليه (وقال الله: ﴿ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند
أنفسهم﴾ [البقرة: ١٠٩] إلى آخر الآية) زاد أبو نعيم في مستخرجه من وجه آخر ما تظهر به
المناسبة وهو قوله: ﴿فاعفوا واصفحوا﴾ [البقرة: ١٠٩] (وكان النبي ◌َّلتر يتأوّل العفو) ولأبي ذر
في العفو (ما أمره الله به حتى أذن الله) له (فيهم) بالقتال فترك العفو عنهم أي بالنسبة للقتال وإلا
فكم عفا عن كثير من اليهود والمشركين بالمنّ والفداء وغير ذلك.
(فلما غزا رسول الله﴿ بدرًا فقتل الله به صناديد كفار قريش) بالصاد المهملة أي ساداتهم
(قال ابن أبي) بالتنوين (ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان) عطفهم على المشركين من
عطف الخاص على العام لأن إيمانهم كان أبعد وضلالهم أشدّ (هذا أمر قد توجه) أي ظهر وجهه
(فبايعوا الرسول وي على الإسلام فأسلموا) فبايعوا بفتح التحتية بلفظ الماضي والرسول نصب على
المفعولية، ولأبي ذر والأصيلي: فبايعوا بكسرها بلفظ الأمر لرسول الله وَيقر ولما لم يقف العيني كابن
حجر على هذه الرواية قال ويحتمل أن يكون بلفظ الأمر.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف في الجهاد مختصرًا وفي اللباس والأدب والطبّ والاستئذان
ومسلم في المغازي والنسائي في الطب.