النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
الحف علي وألح علي) سقطت علي هذه الأخيرة لأبي ذر (وأحفاني بالمسألة) أي بالغ فيها كل بمعنى
واحد، والعرب إذا نفت الحكم عن محكوم عليه فالأكثر في لسانهم نفي ذلك القيد، فإذا قلت: ما
رأيت رجلاً صالحًا فالأكثر على أنك رأيت رجلاً لكن ليس بصالح، ويجوز أنك لم تر رجلاً أصلاً
فقوله: ﴿لا يسألون الناس إلحافًا﴾ مفهومه أنهم يسألون لكن لا بالحاف، ويجوز أن يراد أنهم لا
يسألون ولا يلحفون فهو كقوله: فلان لا يرجى خيره أي لا خير عنده البتة فيرجى (فيحفكم)
تبخلوا أي (يجهدكم) في السؤال بالإلحاح.
٤٥٣٩ - حدّثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنْا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ،
أنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسْارٍ، وَعَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ أَبِي عَمْرَةَ الأَنْصَارِيّ قُالأُ: سَمِعْنًا أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ
يَقُولُ: قَالَ النَّبِيِّ وَّهُ: ((لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الثَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَلاَ اللُّقْمَةُ وَلاَ اللُّقْمَتَّانِ، إِنَّمًا
الْمِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ((﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلحافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]».
وبه قال: (حدّثنا ابن أبي مريم) هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم المصري قال:
(حدّثنا محمد بن جعفر) المدني (قال: حدثني) بالإفراد (شريك بن أبي نمر) بفتح النون وكسر الميم
(أن عطاء بن يسار) بالسين المهملة المخففة (وعبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري قالا: سمعنا أبا
هريرة رضي الله عنه يقول: قال النبي (وَ لِ﴾):
(ليس المسكين) الكامل في المسكنة (الذي تردّه التمرة والتمرتان ولا اللقمة ولا اللقمتان) عند
دوراته على الناس للسؤال لأنه قادر على تحصيل قوته وقد تأتيه الزيادة عليه فتزول حاجته ويسقط
اسم المسكنة (إنما المسكين) الكامل (الذي يتعفف) عن المسألة فيحسبه الجاهل غنيًا (واقرؤوا) ولأبي
ذر اقرؤوا بحذف الواو (إن شئتم) (يعني قوله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافًا﴾) وقائل يعني
شيخ المؤلف سعيد بن أبي مريم كما وقع مبنيًّا عند الإسماعيلي.
والحديث مرّ في باب لا يسألون الناس إلحافًا من كتاب الزكاة.
٤٩ - باب ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبًا﴾
[البقرة: ٢٧٥] الْمَسُّ: الْجُنُونُ
(﴿وأحل الله البيع﴾) وفي نسخة باب وأحل الله البيع (﴿وحرم الربا﴾) [البقرة: ٢٧٥] جملة
مستأنفة من كلام الله ردًّا لما قالوه بحكم العقل من التسويق في البيع والربا وحينئذ فلا محل لها
من الإعراب، وقيل هي من تتمة قولهم اعتراضًا على الشرع حيث قالوا: ﴿إنما البيع مثل الربا﴾
فهي في موضع نصب بالقول عطفًا على المقول واستبعد من جهة أن جوابهم بقوله فمن جاء
موعظة من ربه إلى آخره يحتاج إلى تقدير والأصل عدمه (المس) قال الفراء هو (الجنون) وعن ابن
عباس مما رواه ابن أبي حاتم قال: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونًا.
إرشاد الساري/ ج ١٠ / م ٦

٨٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
٤٥٤٠ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنْا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ عَنْ
مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَت الآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَّرَةِ فِي الرِّبَا قَرَّأَها
رَسُولُ اللهِ وَ﴿ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ.
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) أبو حفص النخعي الكوفي قال: (حدّثنا أبي)
حفص قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا مسلم) هو ابن صبيح الكوفي (عن
مسروق) هو ابن الأجدع (عن عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت: لما نزلت الآيات من آخر سورة
البقرة في الربا) ﴿والذين يأكلون الربا﴾ إلى ﴿ولا يظلمون﴾ [البقرة: ٢٧٥] (قرأها) ولأبي ذر:
فقرأها (رسول الله وَلقر على الناس) زاد في البيع في المسجد (ثم حرم التجارة في الخمر) بيعًا
وشراءً وبعد وقوع تحريمه بمدة.
٥٠ - باب ﴿يَمْحَقُ الله الرِّبًا﴾ [البقرة: ٢٧٦] يُذْهِبُهُ
(﴿يمحق الله الربا﴾) [البقرة: ٢٧٦] قال أبو عبيدة (يذهبه) بالكلية من يد صاحبه أو
يحرمه بركته فلا ينتفع به بل يعذبه في الدنيا ويعاقبه عليه في الأخرى وفي نسخة باب يمحق
الله الربا.
٤٥٤١ - حدّثنا بِشْرُ بْنُ خالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ:
أَبًا الضُّحَى يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَا أُنْزِلَت الآياتُ الأَوَاخِرُ مِنْ سُورَةٍ
الْبَقَّرَةِ خَرَجَ رَسُولُ اللهِوَهُ فَتَلأُهُنَّ فِي الْمَسْجِدٍ فَحَرِّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ.
وبه قال: (حدّثنا بشر بن خالد) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة الفرائضي العسكري
قال: (أخبرنا محمد بن جعفر) غندر (عن شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران ولأبي ذر
زيادة الأعمش أنه قال: (سمعت أبا الضحى) مسلم بن صبيح (يحدث عن مسروق) هو ابن
الأجدع (عن عائشة) رضي الله عنها (أنها قالت: لما أنزلت الآيات الأواخر من سورة البقرة خرج
رسول الله (*) من بيته (فتلاهن في المسجد فحرم التجارة في الخمر).
٥١ - باب ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] فَأَعْلَمُوا
(﴿فَأذنوا﴾) بإسكان الهمزة وفي نسخة باب فأذنوا بسكون الهمزة وفتح المعجمة أمر من أذن
يأذن (﴿بحرب من الله ورسوله﴾﴾ [البقرة: ٢٧٩]. الباء للإلصاق أي (فاعلموا) وتنكير حرب
للتعظيم، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن استمر على تعاطي الربا بعد هذا الإنذار وعن ابن
عباس يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب ثم قرأ الآية. وسقط قوله: ﴿من الله
ورسوله﴾ لغير أبي ذر.

٨٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
٤٥٤٢ - حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنْا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الضُّخْى،
عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ غَائِشَةَ قَالَتْ: لَمّا أُنْزِلَتِ الآياتُ مِنْ آخِرٍ سُورَةِ الْبَقَرَةِ قَرَأَهُنَّ النَّبِيِّ وَّهِ فِي
الْمَسْجِدٍ وَحَرَّمَ التِّجْارَةَ فِي الْخَمْرِ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن بشار) بالشين المعجمة العبدي بندار قال: (حدّثنا
غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي
الضحى) مسلم بن صبيح (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عائشة) رضي الله عنها أنها (قالت:
لما أنزلت الآيات من آخر سورة البقرة) سقط سورة لأبي ذر (قرأهن النبي و 8$) زاد أبو ذر عليهم
(في المسجد وحرّم التجارة في الخمر).
وهذه طريق أخرى للحديث.
٥٢ - باب ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَتَطِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ
وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠]
(﴿وإن كان﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين وإن كان أي وإن حدث غريم (﴿ذو عسرة﴾) فكان
تامة تكتفي بفاعلها ((فنظرة﴾) الفاء جواب الشرط ونظرة خبر مبتدأ محذوف أي فالحكم نظرة أو
مبتدأ حذف خبره أي فعليكم نظرة (﴿إلى ميسرة﴾) أي إلى يسار لا كما كان أهل الجاهلية يقول
أحدهم لمدينه إذا حلّ عليه الدين إما تقضي وإما أن تربي ثم ندب إلى الوضع عنه ووعد عليه
الثواب الجزيل بقوله: (﴿وأن تصدقوا﴾) بالإبراء ((خير لكم)) أكثر ثوابًا من الإنظار (﴿إن كنتم
تعلمون﴾﴾ [البقرة: ٢٨٠]. ما في ذلك من الثواب وسقط لأبي ذر ﴿وأن تصدقوا﴾ إلى آخره
وقال بعد ﴿ميسرة﴾ الآية.
٤٥٤٣ - وقال لَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيانَ عَنْ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ عَنْ أَبِي
الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمّا أُنْزِلَتِ الآياتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ قَامَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ فَقَرَأَهُنَّ عَلَيْنَا ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ.
(وقال لنا) سقط لنا لأبي ذر (محمد بن يوسف) الفريابي مذاكرة مما هو موصول في تفسيره
(عن سفيان) هو الثوري (عن منصور) هو ابن المعتمر (والأعمش) سليمان كلاهما (عن أبي
الضحى) مسلم بن صبيح (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عائشة) رضي الله عنها أنها (قالت:
لما أنزلت الآيات من آخر سورة البقرة قام رسول الله ( 9) في المسجد (فقرأهن علينا ثم حرّم
التجارة في الخمر).
واقتضى صنيع المؤلف في هذه التراجم أن المراد بالآيات آيات الربا كلها إلى آية الدين.

٨٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
٥٣ - باب ﴿وَأَتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلَى الله﴾ [البقرة: ٢٨١]
هذا (باب) بالتنوين ((واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله﴾) [البقرة: ٢٨١] هو يوم القيامة أو
يوم الموت وثبت الباب لأبي ذر.
٤٥٤٤ - حدثنا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشّغْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ: وَِّ آيَةُ الرِّبًا.
وبه قال: (حدّثنا قبيصة بن عقبة) السوائي الكوفي قال: (حدّثنا سفيان) بن سعيد الثوري
(عن عاصم) هو ابن سليمان الأحول (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن ابن عباس رضي الله
عنهما) أنه (قال: آخر آية نزلت على النبي وَ﴿ ﴿واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله﴾) قيل: فلعل
المؤلف أراد أن يجمع بين قولي ابن عباس. قال العيني يعني بالإشارة، وعن ابن جبير أنه عاش
بعدها 18 تسع ليال، وقيل غير ذلك، ونبه في الفتح على أن الآخرية في الربا تأخر نزول الآيات
المتعلقة به من سورة البقرة، وأما حكم تحريمه فسابق على ذلك بمدة طويلة على ما يدل عليه قوله
عز وجل في سورة آل عمران في قصة أُحُد ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا﴾ [آل عمران:
١٣٠] ويأتي إن شاء الله تعالى أن آخر آية نزلت ﴿يستفتونك﴾ [النساء: ١٧٦] في آخر سورة
النساء وما في ذلك من المباحث بعون الله وقوته.
٥٤ - باب ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله
فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشْاءُ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤]
هذا (باب) بالتنوين (﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه﴾) من السوء فيها (﴿يحاسبكم به
الله﴾) يوم القيامة (﴿فيغفر لمن يشاء﴾) مغفرته (﴿ويعذب من يشاء﴾) تعذيبه ويغفر ويعذب
مجزومان عطفًا على الجزاء المجزوم ورفعهما ابن عامر وعاصم خبر مبتدأ محذوف أي فهو يغفر
(﴿والله على كل شيء قدير﴾﴾ [البقرة: ٢٨٤] فيقدر على الإحياء والمحاسبة. وسقط قوله:
﴿يحاسبكم) إلى آخر الآية لأبي ذر وقال بعد ﴿أو تخفوه﴾ الآية، ولما نزلت هذه الآية اشتدّ ذلك
على الصحابة رضي الله تعالى عنهم وخافوا منها ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها.
٤٥٤٥ - حدثنا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا التَّفَيْلِيُّ، حَدِّثَتْا مِسْكِينٌ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ خَالِدِ الْحَذَّاءِ عَنْ
مَرْوَانَ الأَصْفَرِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّهَا قَدْ نُسِخَتْ ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا
فِي أَنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ﴾ الآيَةَ. [الحديث ٤٥٤٥- أطرافه في: ٤٥٤٦].
وبه قال: (حدّثنا محمد) غير منسوب فقيل هو ابن يحيى الذهلي قاله الكلاباذي، وقيل ابن
إبراهيم البوشنجي قاله الحاكم وقيل ابن إدريس الرازي قال: (حدّثنا النفيلي) بضم النون وفتح

٨٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
الفاء وسكون التحتية عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل قال: (حدّثنا مسكين) بكسر الميم وسكون
السين المهملة ابن بكير الحراني وليس له ولا للنفيلي في البخاري إلا هذا الحديث (عن شعبة) بن
الحجاج العتكي مولاهم (عن خالد الحذاء) بالحاء المهملة والذال المعجمة المشددة ممدودًا ابن مهران
أبي المنازل بفتح الميم وكسر الزاي البصري (عن مروان الأصفر) أبي خليفة البصري قيل اسم أبيه
خاقان وقيل سالم (عن رجل من أصحاب النبي ◌ِّر وهو ابن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى
عنهما (أنها قد نسخت) بضم النون مبنيًا للمفعول وسقط لفظ أنها لأبي ذر (﴿وإن تبدوا ما في
أنفسكم أو تخفوه﴾ الآية) نسختها الآية التي بعدها كما قال في التي بعد.
وعند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة: لما نزلت ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم﴾ الآية اشتد
ذلك على الصحابة فأتوا رسول الله وَ ل# ثم جثوا على الركب وقالوا: يا رسول الله كلفنا من
الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد، وقد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال
رسول الله : ((أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قولوا
سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)) فلما قرأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها:
﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون﴾ إلى ﴿وإليك المصير﴾ [البقرة: ٢٨٥] فلما فعلوا
ذلك نسخها الله تعالى فأنزل ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦] إلى آخرها.
ورواه مسلم منفردًا به ولفظه: فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل الله: ﴿لا يكلف الله
نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ قال: نعم
﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا﴾ قال: نعم ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة
لنا به﴾ قال: نعم ﴿واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾
[البقرة: ٢٨٦] قال: نعم.
٥٥ _ باب ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أَنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِصْرًا: عَهْدًا، وَيُقالُ غُفْرَانَكَ مَغْفِرَتَكَ فَأَغْفِرِ لَنا.
هذا (باب) بالتنوين (﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه﴾﴾ [البقرة: ٢٨٥] عن أنس بن
مالك فيما رواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه لما نزلت هذه الآية على
النبي وَل﴿ ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه﴾ قال النبي وَلثر: ((حق له أن يؤمن)).
(وقال ابن عباس): فيما وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى:
﴿ولا تحمل علينا" إصراً﴾ أي (عهدًا) [البقرة: ٢٨٦]. وهو تفسير باللازم لأن الوفاء بالعهد
شديد وأصل الإصر الشيء الثقيل، ويطلق على الشديد وقال النابغة:
يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم والحامل الاصر عنهم بعدما عرفوا

٨٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
وفسره بعضهم هنا بشماتة الأعداء، (ويقال: غفرانك) أي (مغفرتك فاغفر لنا) وهذا تفسير
أبي عبيدة، وقال الزمخشري: منصوب بإضمار فعله يقال: غفرانك لا كفرانك أي نستغفرك ولا
نكفرك فقدّره جملة خبرية. قال في الدر: وهذا ليس مذهب سيبويه إنما مذهبه أن يقدر بجملة
طلبية كأنه قيل اغفر غفرانك والظاهر أن هذا من المصادر اللازم إضمار عاملها لنيابتها عنه.
٤٥٤٦ - حدّلني إسْحُقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، أَخْبَرَنا شُعْبَةُ عَنْ خالِدِ الْحَذَّاءِ، عَنْ مَرْوانَ
الأَصْفَرِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أصْحابٍ رَسُولِ اللهِوَِّ قالَ: أَحْسِبُهُ ابْنَ عُمَرَ ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أوْ
تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] قالَ: نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي بَعْدَها. [الحديث ٤٥٤٥ - أطرافه في: ٤٥٤٦].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إسحق بن منصور) الكوسج التميمي المروزي وسقط ابن
منصور لغير أبي ذر قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (روح) هو ابن عبادة قال: (أخبرنا شعبة) بن
الحجاج (عن خالد الحذاء) البصري (عن مروان الأصفر) البصري أيضًا (عن رجل من أصحاب
رسول الله) ولأبي ذر من أصحاب النبي (وَ﴿ قال): أي الأصفر (أحسبه) أي الرجل المبهم (ابن
عمر) جزم في السابقة به فلعل قوله هنا أحسبه كان قبل جزمه وكان قد نسي ثم تذكر (﴿وإن
تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه﴾ قال): أي ابن عمر (نسختها الآية التي بعدها) ﴿لا يكلف الله
نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦] أي لا يكلف الله تعالى أحدًا فوق طاقته لطفًا منه تعالى بخلقه
ورأفة بهم وإحسانًا إليهم، فأزالت ما كان أشفق منه الصحابة في قوله: ﴿وإن تبدوا ما في
أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ أي هو وإن حاسب وسأل لكنه لا يعذب إلا على ما يملك
الشخص دفعه فأما ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها فهذا لا يكلف به الإنسان.
فإن قلت: إن النسخ لا يدخل الخبر لأنه يوهم الكذب أي يوقعه في الوهم أي الذهن
حيث يخبر بالشيء ثم بنقيضه وهذا محال على الله تعالى. أجيب: بأن المذكور هنا وإن كان خبرًا
لكنه يتضمن حكمًا وما كان كذلك أمكن دخول النسخ فيه كسائر الأحكام، وإنما الذي لا يدخله
النسخ من الأخبار ما كان خبرًا محضًا لا يتضمن حكمًا كالإخبار عما مضى من أحاديث الأمم
ونحو ذلك على أنه قد جوز جماعة النسخ في الخبر المستقبل لجواز المحو فيما يقدره قال الله تعالى:
﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ [الرعد: ٣٩] والأخبار تتبعه وعلى هذا القول البيضاوي، وقيل يجوز
على الماضي أيضًا لجواز أن يقول الله لبث نوح في قومه ألف سنة ثم يقول لبث فيهم ألف سنة إلا
خمسين عامًا وعلى هذا القول الإمام الرازي والآمدي، وقال البيهقي النسخ هنا بمعنى التخصيص
أو التبيين، فإن الآية الأولى وردت مورد العموم فبينت التي بعدها أن مما يخفى شيئًا لا يؤاخذ به
وهو حديث النفس الذي لا يستطاع دفعه.
[٣] سُورَةُ آلٍ عِمْرَانَ
تُقاةً وَتَقِيَّةً واحِدَةٌ، صِرٍّ: بَرْدٌّ شَفا حُفْرَةٍ مِثْلُ شَفَا الرَّكِيَّةِ وَهُوَ حَرْفُها: تُبَوِىءُ: تَتَّخِذُ

٨٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
مُعَسْكَرًا. الْمُسَوِّمُ الَّذِي لَهُ سِيماءٌ بِعَلامَةٍ، أَوْ بِصُوفَةٍ، أَوْ بِما كانَ رِبْيُّونَ الْجَمِيعُ، وَالْواحِدُ رَبِيٍّ.
تَحُسُّونَهُمْ: تَسْتَأْصِلُونَهُمْ قَتْلاً. غُزًا: واحِدُها غازٍ. سَنَكْتُبُ: سَنَحْفَظُ نُزُلاً: ثَوابًا وَيَجُوزُ وَمُنْزَلْ
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كَقَوْلِكَ أَنْزَلْتُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَالْخَيْلُ الْمُسَوَّمَةُ: الْمُطَهَّمَةُ الْحِسَانُ. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ:
وَحَصُورًا لا يَأْتِي النِّساءَ، وَقالَ عِكْرِمَةُ: مِنْ فَوْرِهِمْ مِنْ غَضَبِهِمْ، يَوْمَ بَدْرٍ وَقالَ مُجاهِدٌ: يُخْرِجُ
الْحَيِّ: النُّطْفَةُ تَخْرُجُ مَيَّةً وَيَخْرُجُ مِنْهَا الْحَيُّ الإِبْكارُ أوَّلُ الْفَجْرِ وَالْعَشِيُّ: مَيْلُ الشّمْسِ، أَراهُ إِلى
أنْ تَغْرُبَ.
([٣] سورة آل عمران)
زاد أبو ذر: بسم الله الرحمن الرحيم.
(تقاة وتقية) بوزن مطية (واحدة) وفي نسخة واحد أي كلاهما مصدر بمعنى واحد وبالثانية
قرأ يعقوب والتاء فيهما بدل من الواو لأن أصل تقاة وقية مصدر على فعلة من الوقاية، وأراد
المؤلف قوله تعالى: ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ المسبوق بقوله تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين
أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك﴾ أي اتخاذهم أولياء ﴿فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا
منهم تقاة﴾ [آل عمران: ٢٨] أي إلا أن تخافوا من جهتهم ما يجب اتقاؤه والاستثناء مفرغ من
المفعول من أجله، والعامل فيه لا يتخذ أي لا يتخذ المؤمن الكافر وليًا لشيء من الأشياء إلا للتقية
ظاهرًا فيكون مواليه في الظاهر ومعاديه في الباطن. قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل إنما التقية
باللسان، ونصب تقاة في الآية على المصدر أي تتقوا منهم اتقاء فتقاة واقعة موقع الاتقاء أو النصب
على الحال من فاعل تتقوا فتكون حالاً مؤكدة.
((صر﴾) أي (برد) يريد قوله تعالى: ﴿مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها
صر﴾ [آل عمران: ١١٧] وسقط لأبي ذر قوله: ﴿تقاة) إلى هنا.
وقوله تعالى: ﴿وكنتم على﴾ (﴿شفا حفرة﴾) ﴿من النار﴾ [آل عمران: ١٠٣] هو (مثل شفا
الركية) بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد التحتية آخره هاء أي البئر (وهو حرفها) وشفا بفتح الشين
مقصورًا وهو من ذوات الواو يثنى بالواو نحو شفوان ويكتب بالألف ويجمع على إشفاء، والمعنى
كنتم مشفين على الوقوع في نار جهنم لكفركم فأنقذكم الله تعالى منها بالإسلام.
وقوله تعالى: ﴿وإذ غدوت من أهلك﴾ (﴿تبوّىء﴾) ﴿المؤمنين﴾ [آل عمران: ١٢١] قال
أبو عبيدة أي (تتخذ معسكرًا) بفتح الكاف وقال غيره أي تنزل فيتعدى لاثنين أحدهما بنفسه
والآخر بحرف الجر وقد يحذف كهذه الآية (المسوّم) بفتح الواو اسم مفعول وبكسرها اسم فاعل،
ولأبي ذر والمسوم (الذي له سيماء) بالمد والصرف (بعلامة أو بصوفة أو بما كان) من العلامات،
وفي نسخة قبل المسوم والخيل المسوّمة وروى ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه قال: كان سيما
الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض وكان سيماهم أيضًا في نواصي خيولهم.

٨٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
قوله تعالى: ﴿وكأين من نبي قاتل معه﴾ (﴿ربيّون﴾) [آل عمران: ١٤٦] قال أبو عبيدة
(الجميع والواحد) ولأبي ذر الجموع بالواو بدل الياء واحدها (ربي) وهو العالم منسوب إلى الرب
وكسرت راؤه تغييرًا في النسب وقيل لا تغيير وهو نسبة إلى الربة وهي الجماعة وفيها لغتان الكسر
والضم.
قوله تعالى: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ﴾ (﴿تحسونهم)) [آل عمران: ١٥٢] أي
(تستأصلونهم قتلاً) بإذنه بتسليطه إياكم عليهم.
وقوله تعالى: ﴿أو كانوا﴾ ((غزا﴾) قال أبو عبيدة (واحدها غاز) ومعنى الآية أنه تعالى نهى
عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا
في الأسفار والجهاد لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم، فإن ذلك جعله الله تعالى حسرة
في قلوبهم، وسقط لأبي ذر من تستأصلونهم إلى هنا.
قوله تعالى: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ ((سنكتب)) [آل
عمران: ١٨١] أي (سنحفظ) ما قالوا في علمنا ولا نهمله لأنه كلمة عظيمة إذ هو كفر بالله.
قوله تعالى: ﴿خالدين فيها﴾ (﴿نزلاً﴾) ﴿من عند الله﴾ [آل عمران: ١٩٨] أي (ثوابًا) قال
أبو حيان النزل ما يهيأ للنزيل وهو الضيف ثم اتسع فيه فأطلق على الرزق وهل هو مصدر أو جمع
قولان (ويجوز ومنزل من عند الله) بضم الميم وفتح الزاي (كقولك أنزلته). قال في العمدة يعني
أن نزلاً الذي هو المصدر يكون بمعنى منزلاً على صيغة اسم المفعول من قولك أنزلته اهـ.
(وقال مجاهد): مما رواه الثوري في تفسيره، وأخرجه عبد الرزاق عن الثوري (والخيل
المسؤمة) هي (المطهمة) بضم الميم وفتح الطاء وتشديد الهاء (الحسان) قال الأصمعي المطهم التام
كل شيء منه على حدته فهو بارع الجمال زاد أبو ذر عن الكشميهني والمستملي، وقال سعيد بن
جبير مما وصله الثوري وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى بفتح الهمزة والزاي بينهما موحدة
ساكنة مما وصله الطبري الراعية هي المسوّمة بفتح الواو.
(وقال ابن جبير) سعيد مما وصله عنه في قوله تعالى: ﴿وسيدًا﴾ (﴿وحصورًا﴾) [آل
عمران: ٣٩] أي (لا يأتي النساء) منعًا لنفسه مع ميلها إلى الشهوات وكماله ومن لم يكن له ميل
لها لا يسمى حصورًا ولا بد فيه من المنع لأن السجن إنما سمي منعًا لما أنه يمنع من الخروج.
(وقال عكرمة) مولى ابن عباس مما وصله الطبري في قوله تعالى: ﴿ويأتوكم﴾ (﴿من
فورهم﴾﴾ [آل عمران: ١٢٥] أي (من غضبهم يوم بدر) وقال غيره من ساعتهم هذه، وسقط
لأبي ذر من قوله وقال ابن جبير إلى هنا.
(وقال مجاهد): مما وصله عبد بن حميد (يخرج الحي) هو (النطفة) ولأبي ذر عن الكشميهني

٨٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
والمستملي من الميت من النطفة (تخرج ميتة ويخرج) بفتح الأول وضم الثالث (منها الحي) بالرفع
ولغير أبي ذر ويخرج بضم ثم كسر منها الحي نصب.
(الإبكار) هو (أول الفجر و) أما (العشي) فهو (ميل الشمس أراه) بضم الهمزة أي أظنه (إلى
أن تغرب) وهذا ساقط لأبي ذر.
١ - باب
﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَماتٌ﴾ وَقَالَ مُجاهِدٌ: الْحَلالُ، وَالْحَرامُ ﴿وَأُخَرُ مُتَشابِهِاتٌ﴾ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ
بَعْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ﴾ وَكَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَيَجْعَلُ الرَّجْسَ عَلَى
الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ وَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدَى﴾ ﴿رَبْغٌ﴾ شَكِّ. ﴿ابْتِعاءَ الْفِتْنَةِ﴾
الْمُشْتَبِهاتُ ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ يَعْلَمُونَ. ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾.
هذا (باب) بالتنوين ثبت باب لأبي ذر عن الكشميهني والمستملي في قوله تعالى: (﴿منه آيات
محكمات﴾ وقال مجاهد): مما أخرجه عبد بن حميد هي (الحلال والحرام (وأخر متشابهات)) [آل
عمران: ٧] أي (يصدّق بعضه بعضًا كقوله تعالى: ﴿وما يضل به إلا الفاسقين)) [البقرة: ٢٦]
و (كقوله جل ذكره: ﴿ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون﴾) [يونس: ١٠٠] وكقوله تعالى:
(﴿والذين اهتدوا زادهم هدى﴾﴾ [محمد وَّر: ١٧] زاد أبو ذر عن الكشميهني والمستملي وآتاهم
تقواهم هذا تفسير للمتشابه وذلك أن المفهوم من الآية الأولى أن الفاسق وهو الضال تزيد ضلالته
وتصدقه الآية الأخرى حيث يجعل الرجس للذي لا يعقل وكذلك حيث تزيد للمهتدي الهداية قاله
الكرماني. وقال بعضهم: الحكم ما وضح معناه فيدخل فيه النص والظاهر، والمتشابه ما ترددت
فيه الاحتمالات فيدخل فيه المجمل والمؤول. وقال الزمخشري: محكمات أحكمت عباراتها بأن
حفظت من الاحتمال والاشتباه.
قال الزجاج فيما حكاه الطيبي: المعنى أحكمت في الإبانة فإذا سمعها السامع لم يحتج إلى
التأويل وقسم الراغب المتشابه إلى قسمين. أحدهما ما يرجع إلى ذاته، والثاني إلى أمر ما يعرض له.
والأول على ضروب ما يرجع إلى جهة اللفظ مفردًا ما لغرابته نحو وفاكهة وأبا أو لمشاركته الغير
نحو اليد والعين أو مركبًا أما للاختصار نحو: ﴿واسأل القرية﴾ أو للإطناب نحو ﴿ليس كمثله
شيء﴾ أو لإغلاق اللفظ نحو فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا فآخران يقومان مقامهما الآية.
وثانيها ما يرجع إلى المعنى أما من جهة دقته كأوصاف الباري عز وجل وأوصاف القيامة أو من
جهة ترك الترتيب ظاهرًا نحو: ﴿ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات﴾ إلى قوله: ﴿لعذبنا الذين
كفروا﴾ [الفتح: ٢٥] وثالثها: ما يرجع إلى اللفظ والمعنى معًا وأقسامه بحسب تركيب بعض
وجوه اللفظ مع بعض وجوه المعنى نحو غرابة اللفظ مع دقة المعنى ستة أنواع، لأن وجوه اللفظ
ثلاثة، ووجوه المعنى اثنان ومضروب الثلاثة في اثنين ستة.

٩٠
کتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
والقسم الثاني من المتشابه وهو ما يرجع إلى ما يعرض في اللفظ وهو خمسة أنواع.
الأول من جهة الكمية كالعموم والخصوص.
الثاني من طريق الكيفية كالوجوب والندب.
الثالث من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ.
الرابع من جهة المكان كالمواضع والأمور التي نزلت فيها نحو: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت
من ظهورها﴾ [البقرة: ١٨٩] وقوله تعالى: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾ [التوبة: ٣٧] فإنه
يحتاج في معرفة ذلك إلى معرفة عاداتهم في الجاهلية.
الخامس من جهة الإضافة وهي الشروط التي بها يصح الفعل أو يفسد كشروط العبادات
والأنكحة والبيوع.
وقد يقسم المتشابه والمحكم بحسب ذاتهما إلى أربعة أقسام.
المحكم من جهة اللفظ والمعنى كقوله تعالى: ﴿قل تعالوا أقل ما حرم ربكم عليكم﴾
[الأنعام: ١٥١] إلى آخر الآيات.
الثاني متشابه من جهتهما معًا كقوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه﴾ [الأنعام: ١٢٥] الآية.
الثالث متشابه في اللفظ محكم في المعنى كقوله تعالى: ﴿وجاء ربك) الآية.
الرابع متشابه في المعنى محكم في اللفظ نحو: الساعة والملائكة.
وإنما كان فيه المتشابه لأنه باعث على تعلم علم الاستدلال لأن معرفة المتشابه متوقفة على
معرفة علم الاستدلال فتكون حاملة على تعلمه فتتوجه الرغبات إليه ويتنافس فيه المحصلون فكان
كالشيء النافق بخلافه إذا لم يوجد فيه المتشابه فلم يحتج إليه كل الاحتياج فيتعطل ويضيع ويكون
كالشيء الكاسد قاله الطيبي.
وقوله تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم﴾ (﴿زيغ﴾) أي (شك). وضلال وخروج عن الحق
إلى الباطل ﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾ (﴿ابتغاء الفتنة﴾) مصدر مضاف لمفعوله منصوب له أي لأجل
طلب (المشتبهات) بضم الميم وسكون المعجمة وفتح الفوقية وكسر الموحدة ليفتنوا الناس عن دينهم
لتمكنهم من تحريفها إلى مقاصدهم الفاسدة كاحتجاج النصارى بأن القرآن نطق بأن عيسى روح الله
وكلمته وتركوا الاحتجاج بقوله: إن هو إلا عبد أنعمنا عليه، وأن مثل عيسى عند الله كمثل آدم
خلقه من تراب، وهذا بخلاف المحكم فلا نصيب لهم فيه وحجة عليهم، وتفسير الفتنة
بالمشتبهات لمجاهد وصله عبد بن حميد (﴿والراسخون﴾ يعلمون) ولأبي ذر عن المستملي
والكشميهني ﴿والراسخون في العلم﴾ يعلمون (﴿يقولون﴾) خبر المبتدأ الذي هو والراسخون أو
حال أي والراسخون يعلمون تأويله حال كونهم قائلين ذلك أو خبر مبتدأ مضمر أي هم يقولون

٩١
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
(﴿آمنا به﴾) [آل عمران: ٧] زاد في نسخة عن المستملي والكشميهني كل من عند ربنا أي كل من
المتشابه والمحكم من عنده وما يذكر إلا أولو الألباب وسقط جميع هذه الآثار من أول السورة لي
هنا عن الحموي.
٤٥٤٧ - حدّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْراهِيمَ التُّسْتَرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ،
عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللهِوَِّ هذِهِ الآيَةَ ﴿هُوَ الَّذِي
أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَماتْ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشْابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
فَيَتَّبِعُونَ ما تَشَابَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاَّ الله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلِّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إلاَّ أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧]. قالَتْ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَّهِ: ((فَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَتَبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ)) .
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي قال: (حدّثنا يزيد بن إبراهيم) أبو سعيد
(التستري) بالسين المهملة (عن ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبد الرحمن (عن القاسم بن محمد) أي
ابن أبي بكر الصديق (عن عائشة رضي الله عنها) إنها (قالت: تلا رسول الله وَلخير هذه الآية ﴿هو
الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب﴾) قال الزمخشري أي أصل الكتاب
تحمل المشتبهات عليها. قال الطيبي: وذلك أن العرب تسمي كل جامع يكون مرجعًا لشيء أما
قال القاضي البيضاوي والقياس أمهات الكتاب وافرد على أن الكل بمنزلة آية واحدة أو على تأويل
كل واحدة (﴿وأخر متشابهات﴾) عطف على آيات ومتشابهات نعت لآخر وفي الحقيقة أخر نعت
لمحذوف تقديره وآيات أخر متشابهات (﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾) قال الراغب: الزيغ الميل
عن الاستقامة إلى أحد الجانبين ومنه زاغت الشمس عن كبد السماء وزاغ البصر والقلب، وقال
بعضهم: الزيغ أخص من مطلق الميل، فإن الزيغ لا يقال إلا لما كان من حق إلى باطل والمراد أهل
البدع (﴿فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾) على ما يشتهونه (﴿وما يعلم تأويله إلا
الله والراسخون في العلم﴾).
قال في الكشاف: أي لا يهتدي إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا الله، وتعقبه
في الانتصاف بأنه لا يجوز إطلاق الاهتداء على الله تعالى لما فيه من إيهام سبق جهل وضلال تعالى
الله وتقدس عن ذلك لأن اهتدى مطاوع هدى ويسمى من تجدد إسلامه مهتديًا وانعقد الإجماع على
امتناع إطلاق الألفاظ الموهمة عليه تعالى قال: وأظنه سها فنسب الاهتداء إلى الراسخين في العلم
وغفل عن شمول ذلك الحق جل جلاله.
(﴿يقولون آمنا به﴾) وفي مصحف ابن مسعود: ويقول الراسخون في العلم آمنا به بواو قبل
يقول وثبت ذلك من قراءة ابن عباس كما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح وهو يدل على أن الواو
للاستئناف. قال صاحب المرشد: لا إنكار لبقاء معنى في القرآن استأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه

٩٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
فالوقف على إلا الله على هذا تام ولا يكاد يوجد في التنزيل أما وما بعدها رفع إلا ويثنى ويثلث
كقوله تعالى: ﴿أما السفينة﴾ ﴿وأما الغلام﴾ ﴿وأما الجدار﴾ الآيات، فالمعنى وأما الراسخون
فحذف لدلالة الكلام عليه. فإن قيل: فيلزم على هذا أن يجاء في الجواب بالفاء وليس بعد
والراسخون الفاء، فجوابه: أن أما لما حذفت ذهب حكمها الذي يختص بها فجرى مجرى الابتداء
والخبر (﴿كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب﴾) وسقط قوله: ﴿وما يعلم تأويله﴾ إلا الله
الخ لغير أبي ذر وقالوا بعد قوله وابتغاء تأويله إلى قوله وما يذكر إلا أولو الباب.
(قالت) عائشة رضي الله تعالى عنها: (قال رسول الله وَّر: فإذا رأيت الذين يتبعون ما
تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) بكسر تاء رأيت وكاف أولئك على خطاب عائشة
وفتحهما لأبي ذر على أنه لكل أحد ولأبي ذر عن الكشميهني فاحذرهم بالإفراد أي احذر أيها
المخاطب الإصغاء إليهم وأول ما ظهر ذلك من اليهود كما عند ابن إسحق في تأويلهم الحروف
المقطعة وإن عددها بالجمل بقدر مدة هذه الأمة ثم أول ما ظهر في الإسلام من الخوارج.
وحديث الباب أخرجه مسلم في القدر وأبو داود في السنة والترمذي في التفسير.
٢ - باب ﴿وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيم﴾
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وإني أعيذها﴾) أي أجيرها (﴿بك وذريتها من
الشيطان الرجيم)). [آل عمران: ٣٦].
٤٥٤٨ - حدثني عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّه تَعالى عَنْهُ أنَّ النَّبِيِّي ◌َِّ قَالَ: ((ما مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ
إِلاَّ وَالشَّيْطَانُ يَمَسَّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسُ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ إلاَّ مَرْيَمَ وَأَبْتَها)) ثُمَّ يَقُولُ أَبُو
هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّحِيمِ﴾.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام
قال: (أخبرنا معمر) بميمين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد الأزدي مولاهم البصري (عن
الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن
النبي ◌َّر قال):
(ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه) ابتداء للتسليط عليه وفي صفة إبليس وجنوده من
بدء الخلق كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه (حين يولد فيستهل صارخًا من مس الشيطان إياه)
صارخًا نصب على المصدر كقوله قم قائمًا (إلا مريم وابنها) عيسى فحفظهما الله تعالى ببركة دعوة
أمها حيث قالت: إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم، ولم يكن لمريم ذري غير عيسى
عليه الصلاة والسلام، وزاد في باب صفة إبليس ذهب يطعن فطعن في الحجاب، والمراد به

٩٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
الجلدة التي يكون فيها الجنين وهي المشيمة. ونقل العيني أن القاضي عياضًا أشار إلى أن جميع
الأنبياء يشاركون عيسى عليه الصلاة والسلام في ذلك. قال القرطبي: وهو قول مجاهد وقد طعن
الزمخشري في معنى هذا الحديث وتوقف في صحته فقال: إن صح فمعناه إن كل مولود يطمع
الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها فإنهما معصومان وكذلك كل من كان في صفتهما لقوله تعالى
﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [الحجر: ٤٠] واستهلاله صارخًا من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه
كأنه يمسه ويضرب بيده عليه، ويقول هذا ممن أغويه ونحوه من التخييل قول ابن الرومي:
لما تؤذن الدنيابه من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم
لامتلأت الدنيا صراخًا وعياطًا اهـ.
قال المولى سعد الدين: طعن أوّلاً في الحديث بمجرّد أنه لم يوافق هواه وإلا فأي امتناع من
أن يمس الشيطان المولود حين يولد بحيث يصرخ كما ترى وتسمع ولا يكون ذلك في جميع
الأوقات حتى يلزم امتلاء الدنيا بالصراخ ولا تلك المسة للإغواء، وكفى بصحة هذا الحديث رواية
التفات وتصحيح الشيخين له من غير قدح من غيرهما، وقال غيره: الحمل على طمع الشيطان في
الإغواء صرف للكلام عن ظاهره وتكذيب لظاهر الخبر مع أنه لا مانع في العقل منه، وكيف
تكون المحافظة عنده على قول ابن الرومي أولى من رعاية ظاهر كتاب الله تعالى وسنة رسوله وَلقر،
وهو هذيان ما أنزل الله به من سلطان.
وقال في الانتصاف: الحديث مدوّن في الصحاح فلا يعطله الميل إلى ترهات الفلاسفة
والانتصار بقول ابن الرومي سوء أدب يجب أن يجتنب عنه. وقال الطيبي قوله: ما من مولود إلا
والشيطان يمسه كقوله تعالى: ﴿وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم﴾ [الحج: ٤] في أن
الواو داخلة بين الصفة والموصوف لتأكد اللصوق فتفيد الحصر مع التأكيد فأذن لا معنى لقوله كل
من كان في صفتهما ولا يبعد اختصاصهما بهذه الفضيلة من دون الأنبياء. وأما قوله تعالى: ﴿إلا
عبادك منهم المخلصين﴾ [الحجر: ٤٠] فجوابه أي بعد أن يمكنه الله تعالى من المس مع أن الله
تعالى يعصمهم من الإغواء، وأما الشعر فهو من باب حسن التعليل فلا يصلح للاستشهاد.
(ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا) بالواو ولأبي ذر اقرؤوا (إن شئتم ﴿وإني أعيذها بك وذريتها
من الشيطان الرجيم﴾) وهذا فيه شيء من حيث إن سياق الآية يدل على أن دعاء حنة أم مريم
بإعادتها وذريتها من الشيطان المفسر في الحديث بأن يعصما من مس الشيطان عند ولادتهما متأخر
عن وضعها مريم، ولم أر من نبه على هذا والذي يظهر لي أن تكون حنة علمت أنوثة مريم قبل
تمام وضعها عند بروزها إلى ما يعلم منه ذلك فقالت حينئذٍ إني وضعتها أنثى وإني أعيذها
فاستجيب لها، ثم تكامل وضعها فأراد الشيطان التمكن من مريم فمنعه الله تعالى منها ببركة دعاء
أمها والتعبير بالبعض عن الكل سائغ شائع وليس في الآية دليل على أنه تعالى استجاب دعاءها بل

٩٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
الضمير في قوله تعالى: ﴿فتقبلها ربها﴾ [آل عمران: ٣٧] لمريم أي فرَضي بها ربها في النذر مكان
الذكر نعم الحديث يدل على الإجابة فتأمل.
وهذا الحديث قد سبق في أحاديث الأنبياء في باب: ﴿واذكر في الكتاب مريم﴾ [مريم: ١٦].
٣ - باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ
وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ﴾ لا خَيْرَ
﴿لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ مُوجِعْ مِنَ الأَلَمِ وَهُوَ فِي مَوْضِعِ مُفْعِلٍ
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ((إن الذين يشترون﴾) أي يستبدلون (﴿بعهد الله﴾) بما
عاهدوا عليه من الإيمان بالرسول وذكر صفته للناس وبيان أمره (﴿وأيمانهم)) أي وبما حلفوا به
من قولهم والله لنؤمنن به (﴿ثمنا قليلاً﴾) متاع الدنيا (﴿أولئك لا خلاق﴾) أي (لا خير ﴿لهم في
الآخرة ولهم عذاب أليم)) [آل عمران: ٧٧] أي (مؤلم) أي (موجع) بكسر الجيم (من الألم وهو
في موضع مفعل) بضم الميم وكسر العين وسقط لأبي ذر أولئك ولهم.
٤٥٤٩ - ٤٥٥٠ - حدّثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهالٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ،
عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّه تَعالَى عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَرَ: ((مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ
لِيَقْطِعَ بِها مالَ امْرِىءٍ مُسْلِم لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)) فَأَنْزَلَ الله تَصْدِيقَ ذَلِكَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولِئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. قَالَ:
فَدَخَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْس وَقالَ: ما يُحَدّئُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمُنِ قُلْنَا: كَذا وَكَذَا قَالَ فِيَّ أُنْزِلَتْ كَانَتْ
لِي بِثرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمِّ لِي قالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: (بَيْنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ)) فَقُلْتُ إذَا يَحْلِف يا رَسُولَ اللهِ فَقالَ
النَّبِيُّ وَّهِ: (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِها مَالَ أَمْرِىءٍ مُسْلِمٍ وَهُوَ فِيها فَاجِرٌ لَقِيَ الله وَهُوَ
عَلَيْهِ غَضْبانُ».
وبه قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) بكسر الميم السلمي البرساني البصري قال: (حدّثنا أبو
عوانة) الوضاح بن عبد اللَّه اليشكري (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي وائل) شقيق بن
سلمة (عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه) أنه (قال: قال رسول الله إليه):
(من حلف يمين صبر) بإضافة يمين إلى صبر لما بينهما من الملابسة. قال عياض: أي أكره
حتى حلف أو حلف جراءة وإقدامًا لقوله تعالى: ﴿فما أصبرهم على النار﴾ [البقرة: ١٧٥]
(ليقتطع) وللكشميهني ليقطع بحذف الفوقية التي بعد القاف (بها مال امرىء مسلم) أو ذمي أو
معاهد أو حقًا من حقوقهم (لقي الله وهو عليه غضبان) اسم فاعل من الغضب والمراد لازمه
كالعذاب والانتقام (فأنزل الله تصديق ذلك ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلاً

٩٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
أولئك لا خلاق لهم في الآخرة﴾) إلى آخر الآية.
(قال: فدخل الأشعث بن قيس) الكندي (وقال: ما يحدثكم) أي أي شيء يحدثكم (أبو
عبد الرحمن) عبد الله بن مسعود (قلنا: كذا وكذا قال فيّ) بكسر الفاء وتشديد التحتية (أنزلت)
هذه الآية (كانت لي بئر في أرض ابن عم لي) اسمه معذان ولقبه الجفشيش زاد أحمد من طريق
عاصم بن أبي النجود عن شقيق في بئر كانت لي في يده فجحدني (قال النبي وَله: بينتك) أي
الواجب بينتك أنها بترك (أو يمينه فقلت: إذا يحلف) نصب بإذا (يا رسول الله فقال النبي ◌َّر:
من حلف على) محلوف (يمين صبر) خفض بالإضافة كالأولى وسماه يمينًا مجازًا للملابسة بينهما
والمراد ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه وإلا فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه فيكون من مجاز
الاستعارة (يقتطع) في موضع الحال وللكشميهني ليقتطع أي لأجل أن يقتطع (بها مال امرىء
مسلم وهو فيها فاجر) غير جاهل ولا ناس ولا مكره (لقي الله وهو عليه غضبان) فينتقم منه.
وهذا الحديث قد سبق في كتاب الشهادات.
٤٥٥١ - حدّثنا عَلِيٍّ هُوَ ابْنُ أَبِي هاشِم سَمِعَ هُشَيْمًا أَخْبَرَنا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُوْفِى رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما، أنَّ رَجُلاً أقامَ سِلْعَةٌ
فِي السُّوقِ فَحَلَفَ فِيها لَقَدْ أعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطِهِ لِيُوقِعَ فِيها رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَزَّلَتْ: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧] إلى آخِرِ الآيَةِ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (علّ هو ابن أبي هاشم) البغدادي وسقط لأبي
ذر لفظة هو (سمع هشيمًا) بضم الهاء وفتح المعجمة ابن بشير بضم الموحدة وفتح المعجمة
مصغرين الواسطيّ يقول (أخبرنا العوّام) بتشديد الواو (ابن حوشب) بفتح الحاء المهملة وسكون
الواو وبعد المعجمة المفتوحة موحدة (عن إبراهيم بن عبد الرحمن) السكسكي (عن عبد الله بن أبي
أوفى) بفتح الهمزة والفاء (رضي الله تعالى عنهما أن رجلاً) لم يسم (أقام سلعة في السوق) أي
روجها فيه (فحلف فيها) بالله (لقد أعطى) بفتح الهمزة والطاء (بها) أي بدلها وللكشميهني فيها
(ما لم يعطه) بكسر الطاء ويجوز ضم الهمزة وكسر الطاء من قوله لقد أعطي أي دفع له فيها من
المستامين ما لم يعط بفتح الطاء. وفي الفرع ويصله أعطى بفتح الهمزة والطاء مصححًا عليها
ويعطه بفتح الطاء وضم الهاء وفي الهامش يتجه فتح الهمزة وضمها وفتح الطاء مع ضم الهمزة
وكسرها مع فتح الهمزة قاله بعض الحفاظ اهـ.
(ليوقع فيها رجلاً من المسلمين) ممن يريد الشراء (فنزلت) هذه الآية: ((إن الذين يشترون
بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلاً﴾ إلى آخر الآية).
وقد مرّ هذا الحديث في باب ما يكره من الحلف في البيع في كتاب البيع.

٩٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
٤٥٥٢ - حدثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ عَنِ ابْنِ
أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا تَخْرِزانٍ فِي بَيْتٍ أَوْ فِي الْحُجْرَةِ، فَخَرَجَتْ إحْدَاهُمَا وَقَدْ أُنْفِذَّ بِإِشْفَى
فِي كَفِّها فَأَدَعَتْ عَلَى الأُخْرِى فَرُفِعَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقْالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَفِ: ((لَوْ
يُعْطَى النَّاسُ بِدَغْوَاهُمُ لَذَهَبَ دِماءُ قَوْمٍ وَأمْوَالُهُمْ)) ذَكْرُوها بِالله وَاقْرَؤُوا عَلَيْها ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ
بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ فَذَكَّرُوها فَاعْتَرَفَتْ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: قالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّغَى عَلَيْهِ».
وبه قال: (حدّثنا نصر بن علي بن نصر) الجهضمي قال: (حدّثنا عبد الله بن داود) بن عامر
الخريبي نسبة إلى خريبة بالخاء المعجمة والموحدة مصغرًا محلة بالبصرة كان سكنها وهو كوفي الأصل
(عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن ابن أبي مليكة) عبد اللَّه (أن امرأتين) لم يعرف
الحافظ ابن حجر اسمهما (كانتا تخرزان) بفتح الفوقية وسكون المعجمة وبعد الراء المكسورة زاي
معجمة من خرز الخف ونحوه يخرزه بضم الراء وكسرها (في بيت أو في الحجرة) بضم الحاء
المهملة وسكون الجيم وبالراء الموضع المنفرد من الدار وفي الفرع فقط أو في الحجر بكسر الحاء
وسكون الجيم وإسقاط الهاء والشك من الراوي، وأفاد الحافظ ابن حجر أن هذه رواية الأصيلي
وحده، وأن رواية الأكثرين في بيت وفي الحجرة بواو العطف وصوبها. وقال: إن سبب الخطأ في
رواية الأصيلي أن في السياق حذفًا بينه ابن السكن في روايته حيث جاء فيها في بيت وفي الحجرة
حذّاث بضم الحاء المهملة وتشديد الدال وآخره مثلثة أي ناس يتحدّثون قال فالواو عاطفة لكن
المبتدأ محذوف، ثم قال: وحاصله أن المرأتين كانتا في البيت وكان في الحجرة المجاورة للبيت ناس
يتحدّثون فسقط المبتدأ من الرواية فصار مشكلاً فعدل الراوي عن الواو إلى أو التي للترديد فرارًا
من استحالة كون المرأتين في البيت وفي الحجرة معًا اهـ.
وتعقبه العيني بأن كون أو للشك مشهور في كلام العرب وليس فيه مانع هنا وبأن كون
الواو للعطف غير مسلم لفساد المعنى وبأنه لا دلالة هنا على حذف المبتدأ وكون الحجرة كانت
مجاورة للبيت فيه نظر إذ يجوز أن تكون داخلة فيه وحينئذٍ فلا استحالة في أن تكون المرأتان فيهما
معًا اهـ فليتأمل ما في الكلامين مع ما في رواية ابن السكن من الزيادة المشار إليها.
(فخرجت إحداهما) أي إحدى المرأتين من البيت أو الحجرة، وفي المصابيح وللأصيلي
فجرحت بجيم مضمومة فراء مكسورة فحاء مهملة مبنيًا للمفعول (وقد أنفذ) بضم الهمزة وسكون
النون وبعد الفاء المكسورة ذال معجمة والواو للحال وقد للتحقيق (بإشفى) بكسر الهمزة وسكون
الشين المعجمة وبالفاء المنوّنة ولأبي ذر: باشفى بترك التنوين مقصورًا آلة الخرز للإسكاف (في كفها
فاذعت على الأخرى) أنها أنفذت الإشفي في كفها (فرفع) بضم الراء مبنيًّا للمفعول أمرها (إلى ابن
عباس) رضي الله تعالى عنهما (فقال ابن عباس: قال رسول الله (وَل﴿):
(لو يعطى الناس بدعواهم) أي بمجرد إخبارهم عن لزوم حق لهم على آخرين عند حاكم

٩٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
(الذهب دماء قوم وأموالهم) ولا يتمكن المدعى عليه من صون دمه وماله، ووجه الملازمة في هذا
القياس الشرطي أن الدعوى بمجردها إذا قبلت فلا فرق فيها بين الدماء والأموال وغيرهما وبطلان
اللازم ظاهر لأنه ظلم، ثم قال ابن عباس: (ذكروها بالله) أي خوّفوا المرأة الأخرى المدعى عليها
من اليمين الفاجرة وما فيها من الاستخفاف (واقرؤوا عليها) قوله تعالى: (﴿إن الذين يشترون بعهد
الله﴾) الآية. والموعود عليه حرمان الثواب ووقوع العقاب من خمسة أوجه وعدم الخلاق في
الآخرة وهو النصيب في الخير مشروط بعدم التوبة بالإجماع وعندنا بعدم العفو أيضًا لقوله تعالى:
﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك﴾ [النساء: ٤٨] وعدم الكلام عبارة عن شدّة
السخط نعوذ بالله منه فلا يشكل بقوله: ﴿ولنسألنهم أجمعين﴾ [الحجر: ٩٢] وقيل: لا يكلمهم
كلامًا يسرهم، ولعله أولى لأنه تخصيص وهو خير من المجاز وعدم النظر مجاز عن عدم المبالاة
والإهانة للغضب يقال: فلان غير منظور لفلان أي غير ملتفت إليه ومعنى عدم التزكية عدم
التطهير من دنس المعاصي والآثام أو عدم الثناء عليهم والعذاب الأليم المؤلم ومن الجملة الاسمية
يستفاد دوامه قاله بعض المحققين من المفسرين.
(فذكروها) بفتح الكاف جملة ماضية ولأبي ذر: فذكرها بالإفراد (فاعترفت) بأنها أنفذت
الإشفى في كف صاحبتها (فقال ابن عباس: قال النبي بَّر: اليمين على المدعى عليه) أي إذا لم
تكن بينة لدفع ما ادعى به عليه، وعند البيهقي بإسناد جيد لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم
دماء قوم وأموالهم ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر نعم قد تجعل اليمين في جانب
المدعي في مواضع تستثنى لدليل كالقسامة كما وقع التصريح باستثنائها في حديث عمرو بن سعيد
عن أبيه عن جده عند الدارقطني والبيهقي.
وهذا الحديث قد مضى في الرهن والشركة مختصرًا وقد أخرجه بقية الجماعة.
٤ - باب ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعالَوْا إِلَى
كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لاَ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ﴾ سَواءٍ: قَصْدٍ
هذا (باب) بالتنوين وسقط لغير أبي ذر (﴿قُل يا أهل الكتاب﴾) هم نصارى نجران أو يهود
المدينة أو الفريقان لعموم اللفظ (﴿تعالوا﴾) أي هلموا (﴿إلى كلمة﴾) من إطلاقها على الجمل
المفيدة ثم وصفها بقوله تعالى: (﴿سواء بيننا وبينكم﴾) أي عدل ونصف نستوي نحن وأنتم فيها
ثم فسرها بقوله: (﴿أن لا نعبد إلا الله﴾) [آل عمران: ٦٤] الآية (﴿سواء﴾) بالجر على الحكاية
ولأبي ذر: سواء بالنصب أي استوت استواء ويجوز الرفع قال أبو عبيدة أي (قصد) بالجر أو قصد
بالنصب كما لأبي ذر وبالرفع كما مر في سواء.
٤٥٥٣ - حدّلني إبْراهِيمُ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامٍ عَنْ مَعْمَرِ ح وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدٍ،
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرْ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّه بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُثْبَةَ، حَدَّثَنِي
إرشاد الساري/ ج ١٠/ م ٧

٩٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
ابْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيانَ مِنْ فِيهِ إِلَى فِيٍّ قَالَ: أَنْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ
رَسُولِ اللهِوَ ﴿َّ قَالَ: فَبَيْنَما أَنَا بِالشَّامِ إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنَ النَّبِيِّ نَ ◌ّهِ إِلى هِرَقْلَ قَالَ: وَكَانَ دَخْيَةُ
الْكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ فَدَفَعَهُ إلَى عَظِيمِ بُصْرَى فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ قَالَ: فَقَالَ هِرَقْلُ هَلْ هُهُنَا
أحَدٌ مِنْ قَوْمِ هذا الرَّجُلِ الَّذِيِّ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٍّ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ،
فَدَخَلْنَا عَلَىَ هِرَقْلَ فَأُجْلِسْنا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيِّ؟
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا. فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَجْلَسُوا أَصْحابِي خَلْفِي ثُمَّ دَعا بِتَرْجُمانِهِ
فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هذا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٍّ فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذْبُوهُ قَالَ أَبُو
سُفْيَانَ: وَآَيْمُ الله لَوْلا أَنْ يُؤْثِرُوا عَلَيَّ الْكَذِبَ لَكَذَبْتُ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمانِهِ: سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟
قَالَ: قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ كانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا، قالَ فَهَلْ كُنْتُمْ
تَتْهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ ما قَالَ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: أَتَبِعُهُ أَشْرافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قَالَ:
قُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ: يَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ قالَ: قُلْتُ لا، بَلْ يَزِيدُونَ قَالَ: هَلْ يَرْتَدُ أَحَدٌ
مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سُخْطَةً لَهُ؟ قالَ: قُلْتُ: لا، قالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قالَ: قُلْتُ
نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ كانَ قِتالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قالَ: قُلْتُ تَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَنا وَبَيْنَهُ سِجالاً يُصِيبُ مِنَّا
وَنُصِيبُ مِنْهُ، قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قالَ: قُلْتُ: لا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي هذِهِ الْمُدَّةِ، لأَ نَذْرِي ما هُوَ
صانِعٌ فِيهَا؟ قالَ: والله ما أَمْكَنَنِي، مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيها شَيْئًا غَيْرَ هذِهِ، قالَ: فَهَلْ قَالَ هذا الْقَوْلَ
أَحَدْ قَبْلَهُ؟ قالَ: قُلْتُ: لا، ثُمَّ قالَ لِتَرْجُمانِهِ: قُلْ لَهُ إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ فِيكُمْ فَزَعَمْتَ أنَّهُ
فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أحسابٍ قَوْمِها، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ
فَزَعَمْتَ، أنْ لا، فَقُلْتُ لَوْ كانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكْ قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ، وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ
أضْعُفاؤُهُمْ أمْ أَشْرائُهُمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ وَهُمْ أَتْباعُ الرَّسُلِ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ
بِالْكَذِبِ؟ قَبْلَ أنْ يَقُولَ ما قَالَ فَزَعَمْتَ أَنْ لا، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ
يَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سُخْطَةٌ لَهُ؟
فَزَعَمْتَ أنْ لا، وَكَذَلِكَ الإيمانُ إذا خَالَطَ بَشاشَةَ الْقُلُوبِ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟
فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذلِكَ الإيمانُ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قاتَلْتُمُوهُ
فَتَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجالاً يَنالُ مِنْكُمْ وَتَنالُونَ مِنْهُ، وَكَذلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ
الْعَاقِبَةُ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لا يَغْدِرُ وَكَذلِكَ الرَّسُلُ لاَ تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أحَدْ
هذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لأُ، فَقُلْتُ: لَوْ كانَ قالَ هذَا الْقَوْلَ أحَدٌ قَبْلَهُ، قُلْتُ رَجُلٌ أنْتَمَّ بِقَوْلٍ،
قِيلَ قَبْلَهُ قَالَ، ثُمَّ قالَ: بِمَ يَأْمُرُكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ يَأْمُرُنا بِالصَّلاةِ، وَالزَّكاةِ، وَالصَّلَةِ، وَالْعَفافِ.
قالَ: إِنْ يَكُ ما تَقُولُ فِيهِ حَقًّا فَإنَّهُ نَبِيٍّ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أنَّهُ خَارِجٌ، وَلَمْ أَكُ أَظُنُهُ مِنْكُمْ، وَلَوْ أَنْي

٩٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لِأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ ما تَحْتَ
قَدَمَيَّ، قَالَ: ثُمَّ دَعا بِكِتَابٍ رَسُولِ اللَّهِ وَرِ فَقَرَأَهُ فَإِذا فِيهِ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمُنِ الرَّحِيمِ
مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي
أَدْعُوكَ بِدِعائِةِ الإِسْلامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ الله أَجْرَكَ مَرَّتَيْنٍ، فَإِنْ تَوَلَيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ
الأرِيسِينَ ﴿وَيَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سواءٍ بَيْنَا وَبَيْنَكُمْ أنْ لا نَعْبُدَ إلاَّ الله﴾ - إلى قَوْلِهِ .
﴿أَشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِراءَةِ الْكِتَابِ ارْتَفَعَتِ الاصواتُ عِنْدَهُ وَكَثُرَ اللَّغَطُ وَأُمِرَ بِنا
فَأُخْرِ جُنا قالَ: فَقُلْتُ لأَصْحابِي حِينَ خَرَجْنا لَقَدْ أمِرَ أمْرُ ابْنٍ أَبِي كَبْشَةَ إِنَّهُ لَيَخافُهُ مَلِكُ بَنِي
الأَصْفَرِ، فَمَا زِلْتُ مُوقِنَا بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ وَ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أدْخَلَ الله عَلَيَّ الإِسْلامَ، قَالَ
الزّهْرِيُّ: فَدَعا هِرَقْلُ عُظَماءَ الرُّومِ فَجَمَعَهُمْ فِي دَارٍ لَهُ فَقالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاحِ
وَالرَّشَدِ آخِرَ الأَبَدِ وَأنْ يَثْبُتَ لَكُمْ مُلْكُكُمْ قَالَ: فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إلَى الأَبَوابِ
فَوَجَدُوها قَدْ غُلِّقَتْ فَقالَ: عَلَيَّ بِهِمْ فَدَعا بِهِمْ فَقالَ: إنّي إنَّما أُخْتَبَرْتُ شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ
رَأَيْتُ مِنْكُمُ الَّذِي أَحْتَبْتُ فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إبراهيم بن موسى) أبو إسحلق الفراء الرازي الصغير (عن
هشام) هو ابن يوسف الصنعاني (عن معمر) هو ابن راشد. قال المؤلف: (وحدّثني) بالإفراد
(عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا
معمر) هو ابن راشد المذكور (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (أخبرني) بالإفراد
(عبيد الله) بضم العين مصغرًا (ابن عبد الله بن عتبة) بن مسعود (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن
عباس قال: حدثني) بالإفراد أيضًا (أبو سفيان) صخر بن حرب حال كونه (من فيه إلى فيّ) عبر
بفيه موضع أذنه إشارة إلى تمكنه من الإصغاء إليه بحيث يجيبه إذا احتاج إلى الجواب (قال: انطلقت
في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله) ولأبي ذر وبين النبي (وَلجر) مدة الصلح بالحديبية على
وضع الحرب عشر سنين (قال: فبينا) بغير ميم (أنا بالشام إذ جيء بكتاب من النبي وَّو إلى هرقل)
الملقب قيصر عظيم الروم (قال) أبو سفيان: (وكان دحية) بن خليفة (الكلبي جاء به) من عند
النبي ◌َّ# في آخر سنة ست (فدفعه) دحية (إلى عظيم) أهل (بصرى) الحرث بن أبي شمر الغساني
(فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل) فيه مجاز لأنه أرسل به إليه صحبة عدي بن حاتم كما عند ابن
السكن في الصحابة.
(قال) أبو سفيان: (فقال هرقل: هل ههنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي
فقالوا: نعم. قال) أبو سفيان: (فدعيت) بضم الدال مبنيًّا للمفعول (في) أي مع (نفر) ما بين

١٠٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران
الثلاثة إلى العشرة (من قريش فدخلنا على هرقل) الفاء فصيحة أفصحت عن محذوف أي فجاءنا
رسول هرقل فطلبنا فتوجهنا معه حتى وصلنا إليه فاستأذن لنا فأذن لنا فدخلنا عليه (فأجلسنا بين
يديه) بضم الهمزة وسكون الجيم وكسر اللام وسكون السين (فقال: أيكم أقرب نسبًا من هذا
الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا) أي أقربهم نسبًا واختار هرقل ذلك لأن
الأقرب أحرى بالإطلاع على قريبه من غيره (فأجلسوني بين يديه) أي يدي هرقل (وأجلسوا
أصحابي) القرشيين (خلفي). وعند الواقدي فقال لترجمانه قل لأصحابه إنما جعلتكم عند كتفيه
لتردوا عليه كذبًا إن قاله (ثم دعا بترجمانه) الذي يفسر لغة بلغة (فقال) له: (قل لهم إني سائل)
بالتنوين (هذا) أي أبا سفيان (عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي) أشار إليه إشارة القريب لقرب
العهد بذكره (فإن كذبني) بتخفيف المعجمة أي نقل إلي الكذب (فكذبوه) بتشديدها مكسورة يتعدى
إلى مفعول واحد والمخفف إلى مفعولين تقول كذبني الحديث وهذا من الغرائب.
(قال أبو سفيان: وأيم الله) بالهمزة وبغيره (لولا أن يؤثروا) بضم التحتية وكسر المثلثة بصيغة
الجمع (علي الكذب) نصب على المفعولية ولأبي ذر: أن يؤثر بفتح المثلثة مع الافراد مبنيًا للمفعول
علي الكذب رفع مفعول ناب عن الفاعل أي لولا أن يرووا ويحكوا عني الكذب وهو قبيح
(لكذبت) أي عليه (ثم قال لترجمانه: سله كيف حسبه فيكم)؟ وفي كتاب الوحي: كيف نسبه
فيكم؟ والحسب ما بعده الإنسان من مفاخر آبائه قاله الجوهري، والنسب: الذي يحصل به الإدلاء
من جهة الآباء (قال) أبو سفيان: (قلت هو فينا ذو حسب) رفيع، وعند البزار من حديث دحية
قال: كيف حسبه فيكم؟ قال: هو في حسب ما لا يفضل عليه أحد. (قال: فهل) ولأبي ذر:
هل (كان من) وللمستملي في (آبائه ملك؟) بفتح الميم وكسر اللام (قال) أبو سفيان: (قلت: لا.
قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب) على الناس (قبل أن يقول ما قال؟) قال أبو سفيان (قلت: لا.
قال: أيتبعه) بتشديد المثناة الفوقية وهمزة الاستفهام (أشراف الناس أم ضعفاؤهم. قال) أبو سفيان:
(قلت: بل ضعفاؤهم. قال) هرقل: (يزيدون أو ينقصون) بحذف همزة الاستفهام وجوزه ابن
مالك مطلقًا خلافًا لمن خصه بالشعر (قال) أبو سفيان: (قلت: لا) ينقصون (بل يزيدون. قال)
هرقل: (هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟) بضم السين وفتحها والنصب
مفعولاً لأجله أو حالاً وقال العيني: السخطة بالتاء إنما هي بفتح السين فقط أي هل يرتد أحد
منهم كراهة لدينه وعدم رضا (قال) أبو سفيان (قلت: لا. قال: فهل قاتلتموه؟ قال) أبو سفيان:
(قلت: نعم) قاتلناه (قال) هرقل: (فكيف كان قتالكم إياه؟) بفصل ثاني الضميرين (قال) أبو
سفيان (قلت: تكون) بالفوقية (الحرب بيننا وبينه سجالاً) بكسر السين وفتح الجيم أي نوبًا أي نوبة
له ونوبة لنا كما قال (يصيب منا ونصيب منه) وقد كانت المقاتلة وقعت بينه عليه الصلاة والسلام
وبينهم في بدر فأصاب المسلمون منهم وفي أحد فأصاب المشركون من المسلمين وفي الخندق
فأصيب من الطائفتين ناس قليل (قال) هرقل: (فهل يغذر؟) بكسر الدال أي ينقض العهد (قال)
أبو سفيان: (قلت: لا) يغدر (ونحن منه في هذه المدة) مدة صلح الحديبية أو غيبته وانقطاع أخباره