النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة رواية عبيد الله بن عمر عن نافع قال: قال لي ابن عمر: أمسك علي المصحف يا نافع (فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان) هو قوله: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ (قال: تدري فيما) بألف بعد الميم، ولأبي ذر: فيم (أنزلت) قال نافع: (قلت: لا. قال: أنزلت في كذا وكذا) أي في إتيان النساء في أدبارهن (ثم مضى) أي في قراءته، وقد ساق المؤلف هذا الحديث مبهمًا لمكان الآية والتفسير. وقد أخرج إسحاق بن راهويه في مسنده وتفسيره بالإسناد المذكور هنا هذا الحديث بلفظ: حتى انتهى إلى ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم﴾ فقال: تدري فيم أنزلت هذه الآية؟ قلت: لا. قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن فبين فيه ما أبهم هنا، ثم عطف المؤلف على قوله أخبرنا النضر بن شميل قوله: ٤٥٢٧ - وَقَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ حَدْثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي أَيُوبُ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴿فَأْتُوا حَرْئَكُمْ أَنِى شِئْتُمْ﴾ قَالَ: يَأْتِيهَا فِي. رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ تُافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. (وعن عبد الصمد) هو ابن عبد الوارث التنوري أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (أبي) عبد الوارث بن سعيد قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (أيوب) السختياني (عن نافع عن ابن عمر) رضي الله عنهما أنه قال: في قوله تعالى: (﴿فأتوا حرثكم أنّى شئتم﴾) قال: (يأتيها) زوجها (في) بحذف المجرور وهو الظرف أي في الدبر كما وقع التصريح به عند ابن جرير في هذا الحديث من طريق عبد الصمد عن أبيه، قيل: وأسقط المؤلف ذلك لاستنكاره، وقول الكرماني فيه دليل على جواز حذف المجرور والاكتفاء بالجار، عورض بأن هذا لا يجوز إلا عند بعض النحويين في ضرورة الشعر، وقول الحافظ ابن حجر أنه نوع من أنواع البديع يسمى الاكتفاء ولا بد من نكتة يحسن بسببها استعماله. تعقبه العيني فقال: ليت شعري من قال من أهل صناعة البديع أن حذف المجرور وذكر الجار وحده من أنواع البديع، والاكتفاء إنما يكون في شيئين متضادين يذكر أحدهما ويكتفى به عن الآخر كما في قوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١] أي والبرد. وأجاب في انتقاض الاعتراض بأن ما ذكره العيني هو أحد أنواع الاكتفاء والنوع الثاني: الاكتفاء ببعض الكلام وحذف باقيه، والثالث: أشذ منه وهو حذف بعض الكلمة. قال: وهذا المعترض لا يدري وینکر على من يدري انتھی. وفي سراج المريدين أن المؤلف ترك بياضًا بعد في فقال بعضهم: لأنه لما رأى أحاديث تدل للإباحة کحديث ابن عمر وأخرى تدل للمنع ولم یترجح عنده في ذلك شيء بیض له حتی یثبت عنده الترجيح فاخترمته المنية. (رواه) أي الحديث (محمد بن يحيى بن سعيد) القطان البصري فيما رواه الطبراني في الأوسط (عن أبيه) يحيى بن سعيد بن فروخ بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وسكون الواو ثم ٦٢ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة معجمة (عن عبيد الله) بضم العين ابن عمر (عن نافع عن ابن عمر) ولفظ الطبراني قال: إنما نزلت على رسول الله وَ﴿ ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ [البقرة: ٢٢٣] رخصة في إتيان الدبر. قال الطبراني: لم يروه عن عبيد الله بن عمر إلاَّ يحيى بن سعيد تفرد به ابنه. قال في الفتح لم يتفرد به يحيى بن سعيد فقد رواه عبد العزيز الدراوردي عن عبيد الله بن عمر عن نافع أيضًا كما عند الدارقطني في غرائب مالك. ورواه الدارقطني أيضًا في الغرائب من طريق الدراوردي عن مالك عن نافع عن ابن عمر بلفظ: نزلت في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها فأعظم الناس ذلك، فنزلت قال فقلت له من دبرها في قبلها. قال: لا إلا في دبرها، لكن قال الحافظ ابن كثير: لا يصح، وقال في الفتح: وتابع نافعًا على روايته زيد بن أسلم عن ابن عمر عند النسائي بإسناد صحيح، وتكلم الأزدي في بعض رواته ورد عليه ابن عبد البر وأصاب. قال: ورواية ابن عمر لهذا المعنى صحيحة مشهورة من رواية نافع عنه فغير نكير أن يرويها عنه زيد بن أسلم. قال ابن أبي حاتم الرازي: لو كان هذا عند زيد بن أسلم عن ابن عمر لما أولع الناس بنافع، قال ابن كثير: وهذا تعليل منه لهذا الحديث، وقد رواه عن ابن عمر أيضًا ابنه عبد الله كما عند النسائي، وسالم ابنه وسعيد بن يسار كما عند النسائي وابن جرير، ولم يتفرد ابن عمر بذلك بل رواه أيضًا أبو سعيد الخدري كما عند ابن جرير والطحاوي في مشكله بلفظ: إن رجلاً أصاب امرأته في دبرها فأنكر الناس عليه فأنزل الله الآية. وقد نقل إباحة ذلك عن جماعة من السلف لهذه الأحاديث وظاهر الآية ونسبه ابن شعبان لكثير من الصحابة والتابعين ولإمام الأئمة مالك في روايات كثيرة قال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن له المشهور عن مالك إباحته وأصحابه ينفون هذه المقالة عنه لقبحها وشناعتها وهي عنه أشهر من أن تندفع بنفیھم عنه انتھی. لكن روى الخطيب عن مالك من طريق إسرائيل بن روح وقال: سألت مالكًا عن ذلك فقال: ما أنتم قوم عرب هل يكون الحرث إلا موضع الزرع لا تعدوا الفرج. قلت: يا أبا عبد الله إنهم يقولون إنك تقول ذلك. قال: يكذبون علّ يكذبون عليّ، فالظاهر أن أصحابه المتأخرين اعتمدوا على هذه القصة، ولعل مالكًا رجع عن قوله الأول أو كان يرى العمل على خلاف حديث ابن عمر فلم يعمل به، وإن كانت الرواية فيه صحيحة على قاعدته، ولذا قال بعض المالكية: إن ناقل إباحته عن مالك كاذب مفتر، ونقل عن ابن وهب أنه قال: سألت مالكًا فقلت حكوا عنك أنك تراه. قال: معاذ الله وتلا: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ قال: ولا يكون الحرث إلا موضع الزرع وإنما نسب هذا الكتاب السر هو كتاب مجهول لا يعتمد عليه. قال القرطبي ومالك أجلّ من أن يكون له كتاب سر، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وصاحبيه وأحمد والجمهور التحريم لورود النهي عن فعله وتعاطيه، ففي حديث خزيمة بن ثابت عند أحمد نهى رسول الله ﴿ أن يأتي الرجل امرأته في دبرها. وحديث ابن عباس عند الترمذي مرفوعًا: لا ٦٣ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة ينظر الله إلى رجل أتى امرأته في دبرها في أحاديث كثيرة يطول ذكرها وحملوا ما ورد عن ابن عمر على أنه يأتيها في قبلها من دبرها. وقد روى النسائي بإسناد صحيح عن أبي النضر أنه قال النافع: إنه قد أكثر عليك القول أنك تقول عن ابن عمر أنه أفتى أن تؤتى النساء في أدبارهن. قال: كذبوا عليّ، ولكن سأحدثك كيف كان الأمر إن ابن عمر عرض المصحف يومًا وأنا عنده حتى بلغ: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم﴾ [البقرة: ٢٢٣] فقال: يا نافع هل تعلم من أمر هذه الآية؟ قلت: لا. قال: إنا كنا معشر قريش نحني النساء فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن مثل ما كنا نريد، فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود إنما يؤتين على جنوبهن فأنزل الله ﴿نساؤكم حرث لكم﴾. وقد روى أبو جعفر الفريابي عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن ابن عمر مرفوعًا: ((سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ويقول ادخلوا النار مع الداخلين. الفاعل والمفعول به وناكح يده وناكح البهيمة وناكح المرأة في دبرها والجامع بين المرأة وابنتها والزاني بحليلة جاره والمؤذي جاره حتی یلعنه». وأما ما حكاه الطحاوي عن محمد بن عبد الحكم أنه سمع الشافعي يقول: ما صح عن النبي وَّر في تحليله ولا تحريمه شيء، والقياس أنه حلال فقال أبو نصر بن الصباغ: كان يحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد كذب يعني ابن عبد الحكم على الشافعي في ذلك، فإن الشافعي نص على تحريمه في ستة کتب من کتبه انتهى. وأما ما ذكره الحاكم في مناقب الشافعي من طريق ابن عبد الحكم أيضًا أنه حكى عن الشافعي مناظرة جرت بينه وبين محمد بن الحسن في ذلك، وأن ابن الحسن احتج عليه بأن الحرث إنما يكون في الفرج فقال له: فيكون ما سوى الفرج محرمًا فالتزمه فقال: أرأيت لو وطئها بين ساقيها أو في أعكانها أفي ذلك حرث؟ قال: لا. قال: أفيحرم؟ قال: لا. قال: فكيف تحتج بما لا تقول به فيحتمل كما قال الحاكم أن يكون ألزم محمدًا بطريق المناظرة وأن كان لا يقول بذلك والحجة عنده التحريم غير المسلك الذي سلكه محمد كما يشير إليه كلامه في الأم. ٤٥٢٨ - حدّثنا أبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعْتُ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ إِذَا جَمَعَها مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أحْوَلَ، فَزَلَتْ: ﴿نِسْاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ . وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) هو الثوري كما جزم به في الفتح ونقل في العمدة عن المزي أنه ابن عيينة (عن ابن المنكدر) محمد أنه قال: (سمعت جابرًا رضي الله عنه قال: كانت اليهود تقول إذا جامعها من ورائها) لفظ رواية الإسماعيلي من طريق يحيى بن أبي زائدة عن سفيان الثوري باركة مدبرة في فرجها من ورائها. وعند مسلم من طريق ٦٤ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة سفيان بن عيينة عن ابن المنكدر إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قُبلها. ومن طريق أبي حازم عن ابن المنكدر فحملت (جاء الولد أحول فنزلت) تكذيبًا لليهود في زعمهم (﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم﴾) فأباح للرجال أن يتمتعوا بنسائهم كيف شاؤوا أي فأتوهن كما تأتون أرضكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم لا يحظر عليكم جهة دون جهة، والمعنى جامعوهن من أي شق أردتم بعد أن يكون المأتي واحدًا وهو موضع الحرث، وهذا من الكنايات اللطيفة والتعريضات المستحسنة قاله الزمخشري. قال الطيبي: لأنه أبيح لهم أن يأتوها من أي جهة شاؤوا كالأراضي المملوكة، وقيد بالحرث ليشير أن لا يتجاوز البتة موضع البذر، وأن يتجاوز عن مجرد الشهوة فالغرض الأصلي طلب النسل لا قضاء الشهوة. وهذا الحديث أخرجه مسلم في النكاح وغيره، والترمذي في التفسير، والنسائي في عشرة النساء، وابن ماجه في النكاح. ٤٠ - باب ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِخْنَ أزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] (باب ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن﴾) أي انقضت عدتهن (﴿فلا تعضلوهن﴾) لا تمنعوهن (﴿أن ينكحن أزواجهن﴾﴾ [البقرة: ٢٣٢]. والمخاطب بذلك الأولياء لما يأتي إن شاء الله تعالی قریبًا في الباب. ٤٥٢٩ - حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرِ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسْارِ قَالَ: كَانَتْ لِي أُخْتَ تُخْطَبُ إِلَيَّ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ یَسْارٍ . حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنًا يُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ، أنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسْارِ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فَتَرَكَهَا حَتَّى أَنْقَضَتْ عِدَّتُها فَخَطَبَهَا فَأَبِى مَعْقِلٌ فَتَزَلَتْ: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾. [الحديث ٤٥٢٩ - أطرافه في: ٥١٣٠- ٥٣٣٠ - ٥٣٣١]. وبه قال: (حذّثنا عبيد الله بن سعيد) أي ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: (حدّثنا أبو عامر) عبد الملك بن عمرو (العقدي) بفتح العين المهملة والقاف قال: (حدّثنا عباد بن راشد) بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة التميمي البصري قال: (حدّثنا الحسن) البصري (قال: حدّثني) بالإفراد (معقل بن يسار) بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف ويسار بالسين المهملة مخففة المزني (قال: كانت لي أخت) اسمها جميل بضم الجيم مصغرًا كما عند ابن الكلبي أو ليلى كما عند السهيلي (تخطب إلي) بضم أوله وفتح ثالثه. ٦٥ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة (وقال إبراهيم) هو ابن طهمان مما وصله المؤلف في النكاح (عن يونس) هو ابن عبيد بن دينار العبدي (عن الحسن) البصري أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (معقل بن يسار) فيه تصريح الحسن بالتحديث عن معقل كالسابق. وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بسكون العين وفتح الميمين عبد اللَّه المقعد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد قال: (حدّثنا يونس) بن عبيد (عن الحسن) البصري (أن أخت معقل بن يسار) قيل في اسمها غير ما سبق في هذا الباب فاطمة كما عند ابن إسحق ويحتمل التعدد بأن يكون لها اسمان ولقب، أو لقبان واسم (طلّقها زوجها) هو كما في أحكام القرآن لإسماعيل القاضي أبو البدّاح بن عاصم، وتعقبه الذهبي بأن أبا البداح تابعي على الصواب والصحبة لأبيه، فيحتمل أن يكون هو الزوج. وجزم بعض المتأخرين فيما قاله الحافظ ابن حجر بأنه البداح بن عاصم وكنيته أبو عمرو قال فإن كان محفوظًا فهو أخو أبي البداح بن عاصم التابعي، وفي كتاب المجاز للشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه عبد الله بن رواحة. (فتركها حتى انقضت عدّتها فخطبها) من وليها أخيها معقل (فأبى) فامتنع (معقل) أن يراجعها له (فنزلت ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾) وهذا صريح في نزول هذه الآية في هذه القصة، ولا يمنع ذلك ظاهر الخطاب في السياق للأزواج حيث وقع فيها ﴿وإذا طلقتم النساء﴾ لكن قوله في بقيتها ﴿أن ينكحن أزواجهن﴾ ظاهر في أن العضل يتعلق بالأولياء، وفيه أن المرأة لا تملك أن تزوج نفسها وأنه لا بد في النكاح من ولي إذ لو تمكنت من ذلك لم يكن لعضل الولي معنى، ولا يعارض بإسناد النكاح إليهن لأنه بسبب توقفه على إذنهن. وفي هذه المسألة خلاف يأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوته محررًا في موضعه من كتاب النكاح. ٤١ - باب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أزْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرَا فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة٠ ٢٣٤] يَعْفُونَ: يَهَبْنَ (﴿والذين يتوفون﴾) وفي نسخة باب والذين يتوفون أي يموتون (﴿منكم ويذرون﴾) يتركون (﴿أزواجًا يتربصن﴾) بعدهم (﴿بأنفسهن﴾) فلا يتزوجن ولا يخرجن ولا يتزين (﴿أربعة أشهر وعشرًا﴾) من الليالي، ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا المقدار أن الجنين في غالب الأمر يتحرك لثلاثة أشهر إن كان ذكرًا ولأربعة إن كان أنثى واعتبر أقصر الأجلين وزيد عليه العشر استظهارًا إذ ربما تضعف حركته في المبادىء فلا يحس بها ولا يخرج عن ذلك إلا المتوفى عنها زوجها وهي حامل فإن عدتها بوضع الحمل ولو لم تمكث بعده سوى لحظة لعموم قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] والأمة فإن عدتها على النصف من عدة الحرة شهران وخمس ليال لأنها لما كانت على النصف من الحرة في الحدّ فكذلك في العدة. وكان إرشاد الساري/ ج ١٠ / م ٥ ٦٦ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة ابن عباس يرى أن تتربص بأبعد الأجلين من الوضع وأربعة أشهر وعشر للجمع بين الآيتين، وهو مأخذ جيد ومسلك قوي لولا ما ثبتت به السنّة في حديث سبيعة الأسلمية الآتي إن شاء الله تعالى قريبًا بحول الله وقوّته، وتأنيث العشر باعتبار الليالي لأنها غرر الشهور والأيام تبع، ولذلك لا يستعملون التذكير في مثله قط ذهابًا إلى الأيام حتى أنهم يقولون: صمت عشرًا ويشهد له قوله: ﴿إِن لبثتم إلا عشرًا﴾ [طه: ١٠٣] و﴿إن لبثتم إلا يومًا﴾ [طه: ١٠٤] (﴿فإذا بلغن أجلهن﴾) انقضت عدتهن (﴿فلا جناح عليكم﴾) أي فلا إثم عليكم أيها الأولياء أو المسلمون (﴿فیما فعلن في أنفسهن﴾) من التعرض للخطاب والتزين وسائر ما حرم للعدة (﴿بالمعروف﴾) بالوجه الذي لا ينكره الشرع (﴿والله بما تعملون خبير﴾) [البقرة: ٢٣٤] فيجازيكم عليه وسقط قوله: ﴿فإذا بلغن﴾ الخ لغير أبي ذر وقال إلى ﴿بما تعملون خبير﴾. (يعفون) أي من قوله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون﴾ [البقرة: ٢٣٤] قال ابن عباس وغيره: (يهين) من الهبة أي المطلقات فلا يأخذن شيئًا، والصيغة تحتمل التذكير والتأنيث يقال: الرجال يعفون والنساء يعفون. قالوا: وفي الأوّل ضمير والنون علامة الرفع، وفي الثاني لام الفعل والنون ضمير النساء، ولذلك لم يؤثر فيه أن هلهنا ونصب المعطوف وسقط قوله يعفون ہین لأبي ذر. ٤٥٣٠ - حدثني أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامِ، حَدَّثَنْا يَزِيدُ بْنُ زُرَبِعٍ، عَنْ حَبِيبٍ عَنِ ابْنٍ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّنَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذْرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قَالَ: قَدْ نَسَخَتْهَا الآيَةُ الأُخْرِى، فَلِمَ تَكْتُبُها أوْ تَدَعُهَا قَالَ يَا ابْنَ أَخِي: لا أُغَيْرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ. [الحديث ٤٥٣٠ - أطرافه في: ٤٥٣٦]. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (أمية بن بسطام) بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التحتية وبسطام بكسر الموحدة وسكون المهملة ابن المنتشر العيشي البصري قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي وفتح الراء مصغرًا (عن حبيب) هو في اليونينية بالحاء المهملة هو ابن الشهيد كما صرح به المؤلف قريبًا، ووقع في الفرع هنا خبيب بالخاء المعجمة المضمومة فالله أعلم أو هو سهو الأزدي الأموي البصري (عن ابن أبي مليكة) عبد الله أنه قال: (قال ابن الزبير) عبد اللَّه: (قلت لعثمان بن عفان ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا﴾) الآية الثانية الصريحة الدلالة على أنه يجب على الذين يتوفون أن يوصوا قبل أن يحتضروا لأزواجهم بأن يمتعن بعدهم حولاً بالسكنى (قال) أي ابن الزبير: (قد نسختها الآية الأخرى) السابقة وهي (﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا فلم) بكسر اللام وفتح الميم (تكتبها) وقد نسخ حكمها بالأربعة أشهر فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها وبقاء رسمها بعد التي نسختها يوهم بقاء حكمها (أو) لم (تدعها) أي تتركها في المصحف والشك من الراوي أيّ اللفظ قال: وقال في المصابيح: المعنى فلم تكتبها أو فلم لا تدعها فحذف حرف النفي اعتمادًا على فهم المعنى قال: وقد جاء بعد هذا وقال: ندعها ٦٧ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة يا ابن أخي لا أغير شيئًا منه من مكانه انتهى. والاستفهام إنكاري وكأن ابن الزبير ظن أن الذي ینسخ حکمه لا یکتب. (قال) عثمان رضي الله تعالى عنه مجيبًا له عن استشكاله (يا ابن أخي) قاله على عادة العرب أو نظرًا إلى أخوة الإيمان (لا أغير شيئًا منه من مكانه) إذ هو توقيفي أي فكما وجدتها مثبتة في المصحف بعدها أثبتها حيث وجدتها، وفيه أن ترتيب الآي توقيفي. ٤٥٣١ - حدّثنا إِسْحَقُ حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدْثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنٍ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قَالَ: كَانَتْ هُذِهِ الْعِدَّةُ تَعْتَدُ عِنْدَ أهْلِ زَوْجِهَا وَاجِبٌ، فَأَنْزَلَ الله ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَّفَوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إلَى الْحَوْلِ غَيْرِ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلأْ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ قَالَ: جَعَلَ الله لَها تَمْامَ السّنّةِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً إِنْ شَاءَتْ سَكْنَتْ فِي وَصِيَّتِها وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ وَهُوَ قَوْلُ الله تَغْالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلأْ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ فَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا زَعَمَ ذُلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَسَخَتْ هُذِهِ الآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أهْلِهَا فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعْالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاج﴾ قَالَ عَطَاءٌ: إنْ شَاءَتِ اعْتَدَّتْ عِنْدَ أَهْلِهِ وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَغَالَى: ﴿فَلَأْ جُتَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمًا فَعَلْنَ﴾ قَالَ عَطَاءٌ: ثُمَّ جَاءَ الْمِيزَاتُ فَتَسَخَ السُّكْنَى فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَلأَ سُكْثَى لَهَا، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ حَدَّثَتْا وَزْقَاءُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجَيْحِ عَنْ مُجَاهِدٍ بِهْذَا. وَعَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَسَخَتْ هُذِهِ الآيَةُ عِدَّتَها فِي أَهْلِهَا فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعْالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجِ﴾ نَحْوَهُ. [الحديث ٤٥٣١ - أطرافه في: ٥٣٤٤]. وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدّثني (إسحلق) هو ابن راهويه قال: (حدّثنا روح) بفتح الراء ابن عبادة بضم العين وتخفيف الموحدة قال: (حدّثنا شبل) بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة آخره لام ابن عباد بفتح العين وتشديد الموحدة (عن ابن أبي نجيح) عبد الله المكي (عن مجاهد) هو ابن جبر المفسر ((والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا﴾ قال: كانت هذه العدة) أي المذكورة في قوله تعالى: ﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ (تعتد عند أهل زوجها واجب فأنزل الله) تعالى: ((والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا وصية لأزواجهم﴾) بنصب وصية في قراءة أبي عمرو وابن عامر وحفص وحمزة أي والذين يتوفون منكم يوصون وصية أو ليوصوا وصية أو كتب الله عليهم وصية، أو ألزم الذين يتوفون وصية وبالرفع قرأ الباقون على تقدير ووصية الذين يتوفون أو حكمهم وصية (﴿متاعًا إلى الحول﴾) نصب بلفظ وصية لأنها مصدر منوّن ولا يضرّ تأنيثها بالتاء لبنائها عليه والأصل وصية بمتاع ثم حذف الجر اتساعًا فنصب ما بعده وهذا إذا لم تجعل الوصية منصوبة على المصدر لأن المصدر المؤكد لا يعمل وإنما يجيء ذلك حال رفعها ٦٨ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة أو نصبها على المفعول (﴿غير إخراج﴾) نعت لمتاعًا أو بدل منه أو حال من الزوجات أي غير مخرجات أو حال من الموصين أي غير مخرجين (﴿فإن خرجن﴾) من منزل الأزواج (﴿فلا جناح عليكم﴾) [البقرة: ٢٤٠] أيها الأولياء (﴿فيما فعلن في أنفسهن من معروف)) [البقرة: ٢٤٠] مما لم ينكره الشرع، وهذا يدل على أنه لم يكن يجب عليها ملازمة مسكن الزوج والإحداد عليه وإنما كانت مخيرة بين الملازمة وأخذ النفقة وبين الخروج وتركها (قال: جعل الله لها) أي للمعتدة المذكورة في الآية الأولى (تمام السنة سبعة أشهر) ولأبي ذر: بسبعة أشهر (وعشرين ليلة وصية إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت وهو قول الله تعالى: ﴿غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم﴾ فالعدة) وهي أربعة الأشهر والعشرة (كما هي واجب عليها) قال شبل بن عباد (زعم) ابن أبي نجيح (ذلك) المتقدم (عن مجاهد) وهذا يدل على أن مجاهدًا لا يرى نسخ هذه الآية ثم عطف المؤلف على قوله عن مجاهد قوله. (وقال: عطاء) هو ابن أبي رباح. قال في الفتح: وهو من رواية ابن أبي نجيح عن عطاء، ووهم من زعم أنه معلق، وتعقبه العيني بأنه لو كان عطفًا لقال وعن عطاء فظاهره التعليق (قال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها فتعتد حيث شاءت وهو) أي الناسخ (قول الله تعالى ﴿غير إخراج﴾ قال عطاء) مفسرًا لما رواه عن ابن عباس (إن شاءت اعتدت عند أهله) ولأبي ذر عن الكشميهني عند أهلها (وسكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت لقول الله تعالى: ﴿فلا جناح عليكم فيما فعلن﴾) لدلالته على التخيير. (قال عطاء: ثم جاء الميراث) في قوله تعالى: ﴿ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن﴾ [النساء: ١٢] (فنسخ السكنى) وتركت الوصية (فتعتدّ حيث شاءت ولا سکنی لھا). قال ابن كثير: فهذا القول الذي عوّل عليه مجاهد وعطاء من أن هذه الآية لم تدل على وجوب الاعتداد سنة كما زعمه الجمهور حتى يكون ذلك منسوخًا بأربعة الأشهر والعشر، وإنما دلت على أن ذلك كان من باب الوصية بالزوجات أن يمكّن من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولاً كاملاً إن اخترن ذلك ولهذا قال: ﴿وصية لأزواجهم﴾ أي يوصيكم الله بهن وصية كقوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١] الآية. (وعن محمد بن يوسف) الفريابي شيخ المؤلف وهو معطوف على قوله حدّثنا روح أو علقه المؤلف عنه وقد وصله أبو نعيم في مستخرجه من طريق محمد بن عبد الملك بن زنجويه عن محمد بن يوسف وهو الفريابي أنه قال: (حدّثنا ورقاء) بن عمرو الخوارزمي (عن ابن أبي نجيح) بفتح النون وكسر الجيم وبعد التحتية الساكنة حاء مهملة عبد الله واسم أبي نجيح يسار (عن مجاهد بهذا. وعن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس) رضي الله عنهما أنه (قال: نسخت هذه الآية عدتها في أهلها فتعتد حيث شاءت لقول الله تعالى: ﴿غير إخراج﴾ نحوه) أي نحو ما روي عن مجاهد فيما سبق. ٦٩ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة ٤٥٣٢ - حدّثنا حِبَّانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: جَلَسْتُ إلى مَجْلِسٍ فِيهِ عُظُمْ مِنَ الأَنْصَارِ وَفِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمِنِ بْنُ أَبِي لَيْلِى فَذَكَرْتُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُثْبَةً فِي شَأْنِ سُبَيْعَةَ بِئْتِ الْحَارِثِ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ: وَلْكِنْ عَمُّهُ كَانَ لاَ يَقُولُ ذُلِكَ فَقُلْتُ إِنِّي لَجَرِيءٌ إِنْ كَذَبْتُ عَلَى رَجُلٍ فِي جَانِبِ الْكُوفَةِ وَرَفَعَ صَوْتَهُ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ فَلَقِيتُ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ أوْ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ قَوْلُ ابْنٍ مَسْعُودٍ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُها وَهِيَ حَامِلٌ؟ فَقَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ وَلأْ تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ؟ فَنَزَلّتْ سُورَةُ النِّساءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّوْلَى وَقَالَ أيُوبُ: عَنْ مُحَمَّدٍ لِقِيتُ أَبْا عَطِيَّةً مَالِكَ بْنَ عُامِرٍ. [الحديث ٤٥٣٢ - أطرافه في: ٤٩١٠]. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (حبان) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة ابن موسى المروزي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا عبد الله بن عون) بالنون واسم جده ارطبان البصري (عن محمد بن سيرين) أنه (قال: جلست إلى مجلس فيه عظم) بضم العين المهملة وسكون الظاء المعجمة جمع عظيم أي عظماء (من الأنصار وفيهم عبد الرحمن بن أبي ليلى) اسمه يسار الكوفي زاد في سورة الطلاق فذكروا آخر الأجلين (فذكرت حديث عبد الله بن عتبة) بضم العين وسكون الفوقية ابن مسعود الهزلي التابعي ابن أخي عبد الله بن مسعود (في شأن سبيعة بنت الحرث) بضم السين المهملة وفتح الموحدة وفتح العين المهملة مصغر سبعة الأسلمية، وكانت زوج سعد بن خولة فتوفي عنها بمكة فقال لها أبو السنابل بن بعكك: إن أجلك أربعة أشهر وعشر وكانت قد وضعت بعد وفاة زوجها بليال. قيل خمس وعشرون ليلة، وقيل أقل من ذلك فلما قال لها أبو السنابل ذلك أتت النبي والفر فأخبرته فقال لها «قد حللت فانکچي من شئت)). (فقال عبد الرحمن) بن أبي ليلى: (ولكن عمه) نصب بلكن المشددة ولأبي ذر ولكن عمه بتخفيف النون ورفع عمه أي عم عبد اللَّه بن عتبة وهو عبد اللّه بن مسعود (كان لا يقول ذلك) بل يقول تعتدّ بآخر الأجلين قال محمد بن سيرين (فقلت: إني لجريء) أي ذو جراءة (أن كذبت على رجل في جانب الكوفة) يريد عبد الله بن عتبة وكان سكن الكوفة وتوفي بها زمن عبد الملك بن مروان، ومفهومه وقوع ذلك وعبد الله بن عتبة حيّ (ورفع) ابن سيرين (صوته. قال): أي ابن سيرين (ثم خرجت فلقيت مالك بن عامر) أبا عطية الهمداني (أو مالك بن عوف) بن أبي نضلة صاحب ابن مسعود والشك من الراوي (قلت) له: (كيف كان قول ابن مسعود في) عدّة (المتوفى عنها زوجها وهي حامل)؟ الواو في وهي للحال (فقال) مالك بن عامر أو مالك بن عوف: (قال ابن مسعود: أتجعلون عليها التغليظ) وهو طول زمن عدة الحمل إذا زادت على أربعة أشهر وعشر (ولا تجعلون لها الرخصة) وهي خروجها من العدة إذا وضعت لأقل من أربعة أشهر وعشر (فنزلت) بلام التأكيد لقسم محذوف أي والله لنزلت ولأبي ذر عن المستملي ٧٠ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة أنزلت (سورة النساء القصرى) التي هي سورة الطلاق ومراده منها وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن (بعد الطولى) التي هي سورة البقرة ومراده منها ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ ومفهوم كلام ابن مسعود أن المتأخر هو الناسخ لكن الجمهور أن لا نسخ بل عموم آية البقرة مخصوص بآية الطلاق، وقد روى أبو داود وابن أبي حاتم من طريق مسروق قال: بلغ ابن مسعود أن عليّا يقول تعتد آخر الأجلين فقال: من شاء لاعنته أن التي في النساء القصرى أنزلت بعد سورة البقرة ثم قرأ ﴿وأولات الأحمال أجهلن أن يضعن حملهن﴾. (وقال أيوب) السختياني مما وصله في سورة الطلاق (عن محمد) هو ابن سيرين (لقيت أبا عطية مالك بن عامر) من غير شك. ٤٢ - باب ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] (باب) قوله تعالى: ((حافظوا على الصلوات﴾) بالأداء لوقتها والمداومة عليها وفي فاعل هنا قولان. أحدهما: أنه بمعنى فعل كطارقت النعل وعاقبت اللص ولما ضمن المحافظة معنى المواظبة عدّاها بعلى، والثاني أن فاعل على بابها من كونها بين اثنين فقيل بين العبد وربه كأنه قال: احفظ هذه الصلاة يحفظك الله، وقيل بين العبد والصلاة أي احفظها تَحفظك (﴿والصلاة الوسطى)) [البقرة: ٢٣٨] ذكر للخاص بعد العام أي الوسطى بينها أو الفضلى منها من قولهم للأفضل الأوسط قاله الزمخشري، وتعقب بأن الذي يقتضيه الظاهر أن تكون الوسطى فعلى مؤنث الأوسط كالفضلى مؤنث الأفضل. قال إعرابي يمدح النبي ◌َّر: يا أوسط الناس طرًّا في مفاخرهم وأكرم الناس أُمَابرّة وأبا وقال تعالى: ﴿قال أوسطهم﴾ أي أفضلهم، ومنه يقال فلان واسطة قومه أي أفضلهم وعينهم، وليست من الوسط الذي معناه متوسط بين شيئين لأن فعلى معناها أفعل التفضيل ولا يبنى للتفضيل إلا ما يقبل الزيادة والنقص، والوسط بمعنى العدل والخيار يقبلهما بخلاف المتوسط بين الشيئين فإنه لا يقبلهما فلا يبنى منه أفعل التفضيل. ٤٥٣٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنًا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعْالَى عَنْهُ قَالَ النَّبِيُّ ◌َّرَ ح: ١٠٠٠ - حدثني عَبْدُ الرَّحْمْنِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ هِشْامٌ حَدَّثَنْا مُحَمَّدٌ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ الله تَعْالَى عَنْهُ أنَّ النَّبِيِّ وَّرِ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: ((حَبَسُونًا عَنْ صَلاَةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ مَلاَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ أَوْ أجْوَافَهُمْ)) شَكَّ يَحْيَى ((نارًا)). وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا يزيد) ٧١ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة من الزيادة ابن هارون الواسطي قال: (أخبرنا هشام) هو ابن حسان القردوسي (عن محمد) هو ابن سيرين (عن عبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة السلماني (عن علي رضي الله تعالى عنه) أنه قال: (قال النبي * ح): وبه قال: (حدّثني) ولأبي ذر: وحدّثني (عبد الرحمن) بن بشر بن الحكم قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (قال هشام): هو ابن حسان القردوسي (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثنا هشام قال: حدّثنا (محمد) هو ابن سيرين (عن عبيدة) السلماني (عن علي رضي الله تعالى عنه أن النبي و8 85* قال يوم الخندق): (حبسونا) أي منعونا (عن) إيقاع (صلاة الوسطى) زاد مسلم: صلاة العصر وإضافة الصلاة إلى الوسطى من إضافة الصفة إلى الموصوف وأجازه الكوفيون (حتى غابت الشمس) زاد مسلم: ثم صلاها بين المغرب والعشاء، ويحتمل أن يكون أخرها نسيانًا لاشتغاله بأمر العدوّ وكان هذا قبل نزول صلاة الخوف (ملأ الله قبورهم وبيوتهم) أي مكان بيوتهم (أو أجوافهم شك يحيى) بن سعيد القطان (نارًا). وقد اختلف السلف والخلف في تعيين الصلاة الوسطى. قال الترمذي والبغوي: أكثر علماء الصحابة وغيرهم أنها العصر، وقال الماوردي: إنه قول جمهور التابعين، وحكاه الدمياطي عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي أيوب وابن عمرو وسمرة بن جندب وأبي هريرة وأبي سعيد وحفصة وأم حبيبة وأم سلمة وهو مذهب أحمد. وقال ابن المنذر: إنه الصحيح عن أبي حنيفة وصاحبيه، واختاره ابن حبيب من المالكية لحديث عليّ مرفوعًا عند أحمد «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر) وكذا عند مسلم والنسائي وأبي داود كل بلفظ صلاة العصر، وكذا هو في حديث ابن مسعود والبراء بن عازب عند مسلم، وسمرة عند أحمد، وأبي هريرة عند ابن جرير، وأبي مالك الأشعري عند ابن جرير أيضًا، وابن مسعود عند ابن أبي حاتم، وابن حبان في صحيحه، ويؤكد ذلك الأمر بالمحافظة عليها كحديث ((من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله)) واجتماع الملائكة في وقتها. وروى ابن جرير من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال: كان في مصحف عائشة حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر، وفي مصحف حفصة حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر رواه ابن جرير وغيره. وعورض بأن العطف بالواو في قوله وصلاة العصر يقتضي المغايرة. وأجيب: بأن الواو زائدة أو هو من عطف الصفات لا من عطف الذوات كقوله تعالى: ﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ [الأحزاب: ٤٠] لكن هي منسوخة التلاوة كما في حديث البراء بن عازب عند مسلم بلفظ: نزلت حافظوا على الصلوات وصلاة العصر فقرأناها على رسول الله وَل9 ما شاء الله ثم نسخها الله عز وجل وأنزل ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ وقيل: إنها الصبح رواه ٧٢ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة مالك في موطئه بلاغًا عن علي وابن عباس وهو مذهب مالك ونص عليه الشافعي محتجًا بقوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] والقنوت عنده في صلاة الصبح، وقيل هي الظهر لحديث زيد بن ثابت عند أحمد كان رسول الله ◌َي يصلي الظهر بالهاجرة ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحابه منها فنزلت ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ وقال: إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين. ورواه أبو داود في سننه من حديث شعبة وقيل: هي المغرب ففي حديث ابن عباس عند ابن أبي حاتم بإسناد حسن قال، الصلاة الوسطى: هي المغرب واحتج لذلك بأنها معتدلة في عدد الركعات ولا تقصر في السفر، وبأن قبلها صلاتي سر وبعدها صلاتي جهر، وقيل: هي العشاء واختاره الواحدي ونقله القرطبي والسفاقسي واحتج له بأنها بين صلاتين لا تقصران. وقيل: هي واحدة من الخمس لا بعينها وأبهمت فيهن كليلة القدر في الحول أو الشهر أو العشر، واختاره إمام الحرمين وقيل: مجموع الصلوات الخمس رواه ابن أبي حاتم عن ابن عمر. قال الحافظ ابن كثير: وفي صحته نظر والعجب من اختيار ابن عبد البر له مع اطلاعه وحفظه وأنها لإحدى الكبر إذا اختار مع اطلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليل. وقيل: الصبح والعشاء لما في الصحيح أنهما أثقل الصلاة على المنافقين، وقيل الصبح والعصر لقوّة الأدلة في إن كلاً منهما قيل إنه الوسطى فظاهر القرآن الصبح ونص الحديث العصر وقيل غير ذلك. قال ابن كثير: والمدار ومعترك النزاع في الصبح والعصر، وقد بينت السنّة أنها العصر فتعين المصير إليها، وقد جزم الماوردي بأن مذهب الشافعي أنها العصر وإن كان قد نص في الجديد أنها الصبح لصحة الأحاديث أنها العصر لقوله إذا صح الحديث وقلت قولاً فأنا راجع عن قولي وقائل بذلك، لكن قد صمم جماعة من الشافعية أنها الصبح قولاً واحدًا. ٤٣ - باب ﴿وَقُومُوا للَّهِ قَانِتِينَ﴾ أيْ مُطِيعِينَ (باب) قوله تعالى: (﴿وقوموا لله﴾) في الصلاة حال كونكم (﴿قانتين﴾ أي مطيعين) كذا فسره ابن مسعود وابن عباس وجماعة من التابعين فيما ذكره ابن أبي حاتم وقيل خاشعين ذليلين مستكنين بين يديه ساكتين. وقال ابن المسيب: المراد به القنوت في الصبح وسقط أي لغير أبي ذر. ٤٥٣٤ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيِى عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنَّا نَتَكَلْمُ فِي الصَّلاَةِ يُكَلِّمُ أَحَدُنَا أَخَاهُ فِي حَاجَتِهِ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطُىِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ. وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن إسماعيل بن أبي خالد) الأحمسي مولاهم البجلي (عن الحرث بن شبيل) بضم المعجمة وفتح الموحدة آخره لام مصغرًا (عن أبي عمرو) بفتح العين سعد بن إياس (الشيباني) بفتح الشين ٧٣ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة المخضرم عاش مائة وعشرين سنة (عن زيد بن أرقم) رضي الله عنه أنه (قال: كنا نتكلم في الصلاة) زاد في باب ما ينهى من الكلام في الصلاة في أواخر كتاب الصلاة من طريق عيسى بن يونس عن إسماعيل بن أبي خالد على عهد النبي صلي (يكلم أحدنا أخاه) وفي طريق عيسى بن يونس صاحبه بدل أخاه (في حاجته حتى) أي إلى أن (نزلت هذه الآية ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ فأمرنا بالسكوت) عن الكلام الذي لا يتعلق بالصلاة وليس في الصلاة حالة سكوت. وقد أشكل هذا الحديث من جهة أنه ثبت أن تحريم الكلام في الصلاة كان بمكة قبل الهجرة إلى أرض الحبشة لحديث ابن مسعود: كنا نسلم على النبي صل قبل أن نهاجر إلى الحبشة وهو في الصلاة فيردّ علينا، فلما قدمنا سلمت عليه فلم يردّ عليّ الحديث. وهذه الآية مدنية باتفاق فقيل: إنما أراد زيد بن أرقم الإخبار عن جنس كلام الناس، واستدل على تحريم ذلك بهذه الآية بحسب ما فهمه منها، وقيل أراد أن ذلك وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها ويكون ذلك قد أبيح مرتين وحرم مرتين. قال ابن كثير: والأوّل أظهر. ٤٤ - باب ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أوْ رُكْبَانًا فَإِذْا أَمِنْتُمْ فَأَذْكُرُوا اللَّهَ كَمْا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ كُرْسِيُّهُ: عِلْمُهُ، يُقالُ: بَسْطَةً: زِيَادَةً وَفَضْلاً. أَفْرِغْ: أَنْزِلْ، وَلاَ يَؤُودُهُ: لأ يُثْقِلُهُ، آدَنِي: أَثْقَلَنِي وَالآدُ وَالأَيْدُ: الْقُوَّةُ، السَّنَةُ: نُعْاسٌ، يَتَسَنَّهُ: يَتَغَيِّرْ، فَبُهِتَ: ذَهَبَتْ حُجَّتُهُ، خَاوِيَةٌ: لأْ أنِيسَ فِيها، عُرُوشُها: أَبْنِيَتُها، السَّنَةُ: نُعْاسٌ، نُنْشِرُهُا: نُخْرِجُها، إعصارٌ: رِيحْ غَاصِفْ تَهُبُ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ كَعَمُودِ، فِيهِ ثَارٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَلْدًا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَابِلٌ: مَطَرٌ شَدِيدٌ، الطُّلُّ: النّذِى وَهْذَا مَثَلُ عَمَلِ الْمُؤْمِنِ. يَتَسَنَّهُ: يَتَغَيِّرْ. (﴿فإن خفتم﴾) ولأبي ذر باب قوله عز وجل: ﴿فإن خفتم﴾ أي من عدوّ أو غيره (﴿فرجالاً أو ركبانًا﴾)، نصب على الحال والعامل محذوف تقديره فصلوا رجالاً ورجالاً جمع راجل كقائم وقيام وأو للتقسيم أو الإباحة أو التخيير (﴿فإذا أمنتم﴾) من العدوّ وزال خوفكم (﴿فاذكروا الله﴾) أي أقيموا صلاتكم كما أمرتكم تامة الركوع والسجود والقيام والقعود (﴿كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾) [البقرة: ٢٣٩] الكاف في كما في موضع نصب نعتًا لمصدر محذوف أو حالاً من ضمير المصدر المحذوف، وما مصدرية أو بمعنى الذي وما لم تكونوا تعلمون مفعول علمكم، والمعنى فصلّوا الصلاة كالصلاة التي علمكم وعبّر الذكر عن الصلاة والتشبيه بين هيئتي الصلاتين الواقعة قبل الخوف وبعده في حالة الأمن، وفي رواية أبي ذر بعد قوله: ﴿فإذا أمنتم﴾ الآية وحذف ما بعد ذلك. ٧٤ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة (وقال ابن جبير): سعيد مما وصله ابن أبي حاتم في تفسير قوله تعالى: ﴿وسع﴾ (﴿كرسيه﴾ [البقرة: ٢٥٥] أي علمه) تسمية للصفة باسم مكان صاحبها ومنه قيل للعلماء الکراسي وقیل یعبر به عن السر قال: ما لي بأمرك كرسيّ أكاتمه ولا بكرسيّ علم الله محلوت وقد يعبر به عن الملك لجلوسه عليه تسمية للحال باسم المحل وهو في الأصل لما يقعد عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد، وتفسير ابن جبير هذا فيه إشارة إلى أنه لا كرسي في الحقيقة ولا قاعد، وإنما هو مجاز عن علمه كما في غيره مما سبق. وقال قوم: هو جسم بين يدي العرش ولذلك سمي كرسيًا محيط بالسموات السبع لحديث أبي ذر الغفاري عند ابن مردويه أن النبي ◌َ# قال: ((والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وأن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة)). وزعم بعض أهل الهيئة من الإسلاميين أن الكرسي هو الفلك الثامن وهو فلك الثوابت الذي فوقه الفلك التاسع وهو الأطلس وسمي الأطلس لكونه غير مكوكب وردّ ذلك عليهم آخرون. (يقال) في تفسير قوله تعالى: ﴿وزاده﴾ أي طالوت (﴿بسطة﴾) أي (زيادة وفضلاً) في العلم والجسم تأهل بهما أن يؤتى الملك وكان رجلاً جسيمًا إذا مدّ الرجل القائم يده ينال رأسه وافر العلم قويًّا على مقاومة العدوّ ومكابدة الحرب. (﴿أفرغ﴾) يريد قوله تعالى: ﴿ربنا أفرغ﴾ أي (أنزل) ﴿علينا صبرًا﴾ [البقرة: ٢٥٠] على القتال، وسقط لأبي ذر من قوله يقال إلى هنا. (﴿ولا يؤده﴾) أي (لا يثقله) ﴿حفظهما﴾ يقال (آدني) هذا الأمر أي (أثقلني والآد) بالمد نخففًا كالآل (والأيد) كأنه يشير إلى قول داود: ذا الأيد أي (القوة) وشطب في اليونينية على الألف واللام من قوله القوة. (السنة) من قوله تعالى: ﴿لا تأخذه سنة﴾ (نعاس) ولأبي ذر النعاس كذا فسره ابن عباس فیما أخرجه ابن أبي حاتم. وقوله تعالى: ﴿وانظر إلى طعامك وشرابك لم﴾ (﴿يتسنه)) [البقرة: ٢٥٩] أي (يتغير) بمرور الزمان وعبر بالإفراد لأن الطعام والشراب كالجنس الواحد أو أعاد الضمير إلى الشراب لأنه أقرب مذكور وثم جملة أخرى حذفت لدلالة هذه عليها أي أنظر إلى طعامك لم يتسنه أو سكت عن تغير الطعام تنبيهًا بالأدنى على الأعلى لأنه إذا لم يتغير الشراب مع سرعة التغير إليه فعدم تغير الطعام أولى. وقوله تعالى: (﴿فبهت﴾) ﴿الذي كفر﴾ [البقرة: ٢٥٩] وهو نمروذ أي (ذهبت حجته) وقرىء فبهت مبنيًا للفاعل أي فغلب إبراهيم الكافر. ٧٥ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة وقوله تعالى: ﴿أو كالذي مرّ على قرية وهي﴾ ((خاوية﴾) أي (لا أنيس فيها) والمارّ عزير كما عند ابن أبي حاتم والقرية القدس وقوله: ((عروشها﴾) أي (أبنيتها) ساقطة. (السنة) هي (نعاس) وقد مرّ، وسقطت هذه لأبي ذر. وقوله تعالى: ﴿وانظر إلى العظام كيف﴾ (﴿ننشرها)) [البقرة: ٢٥٩]. بالراء أي (نخرجها). قال السدي وغيره: تفرقت عظام حماره حوله يمينًا وشمالاً فنظر إليها وهي تلوح من بياضها فبعث الله ريجًا فجمعتها من كل موضع من تلك المحلة ثم ركبت كل عظم في موضعه حتى صار حمارًا قائمًا من عظام لا لحم عليها ثم كساه الله تعالى لحمًا وعصبًا وعروقًا وجلدًا وبعث ملكًا فنفخ في منخري الحمار فنهق بإذن الله تعالى وذلك كله بمرأى من العزير، وسقط لأبي ذر من قوله عروشها الخ. وقوله تعالى: ﴿فأصابها﴾ (﴿إعصار)) [البقرة: ٢٦٦] أي (ريح عاصف تهب من الأرض إلى السماء كعمود فيه نار) أي فتحرق ما في جنته من نخيل وأعناب والمعنى تمثيل حال من يفعل الأفعال الحسنة ويضم إليها ما يحبطها مثل الرياء والإيذاء في الحسرة والأسف إذا كان يوم القيامة واشتدت حاجته إليها وجدها محبطة بحال من هذا شأنه. (وقال ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما مما وصله ابن جرير في قوله تعالى: ﴿فتركه﴾ ((صلدًا﴾﴾ [البقرة: ٢٦٤] أي (ليس عليه شيء) من تراب فكذلك نفقة المرائي والمشرك لا يبقى له ثواب. (وقال عكرمة): مما وصله عبد بن حميد في قوله تعالى: ﴿أصابها﴾ (﴿وابل﴾) [البقرة: ٢٦٥]. أي (مطر شديد) قطره، و (الطل) في قوله تعالى: ﴿فطلّ﴾ أي (الندى) وهذا تجوّز منه. والمعروف أن الطل هو المطر الصغير القطر والفاء في ﴿فطلٌ﴾ جواب الشرط ولا بدّ من حذف بعدها لتكمل جملة الجواب أي: فطل يصيبها فالمحذوف الخبر وجاز الابتداء بالنكرة لأنها في جواب الشرط (وهذا مثل عمل المؤمن). (﴿يتسنه﴾) أي (يتغير) وقد مرّ وسقط لأبي ذر من قوله: وقال ابن عباس إلى آخر قوله يتغير . ٤٥٣٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّه بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعِ أنَّ عَبْدَ اللَّه بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّه تَغْالَى عَنْهُمَا كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلاَةِ الْخَوْفِ قَالَ: يَتَقَّدَّمُ الإمامُّ وَطَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ فَيُصَلِي بِهِمُ الإِمامُ رَكْعَةٌ، وَتَكُونُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَدُوْ لَمْ يُصَلُوا فَإِذْا صَلَّوُا الَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً أُسْتَأْخَرُوا مَكَانَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا، وَلاَ يُسَلْمُونَ وَيَتَقَدَّمُ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُوا فَيُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةٌ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ الإِمامُ وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَيَقُومُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، فَيُصَلُونَ لأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةٌ بَعْدَ أنْ يَنْصَرِفَ ٧٦ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة الإِمامُ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذُلِكَ صَلَّوا رِجَالاً قِيَّامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِي الْقِبْلَةِ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيها. قَالَ مالِكٌ: قَالَ تَافِعْ: لأ أُرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذُلِكَ إلاَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدثنا) ولأبي ذر أخبرنا (مالك) الإمام (عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كان إذا سئل عن) كيفية (صلاة الخوف. قال: يتقدم الإمام وطائفة من الناس) حيث لا تبلغهم سهام العدوّ (فيصلي بهم الإمام ركعة وتكون طائفة منهم بينهم وبين العدوّ) تحرسهم منه (لم يصلوا فإذا صلوا الذين) ولأبي ذر: فإذا صلّ الذين (معه) أي مع الإمام (ركعة استأخروا مكان) الطائفة (الذين لم يصلوا) فيكونون في وجه العدوّ (ولا يسلمون) بل يستمرون في الصلاة (ويتقدم الذين لم يصلوا) والإمام قارىء منتظر لهم (فيصلون معه رکعة ثم ينصرف الإمام) من صلاته بالتسلیم (وقد صلى ركعتين فيقوم كل واحد) ولأبي ذر: فتقوم كل واحدة (من الطائفتين فيصلون لأنفسهم ركعة بعد أن ينصرف الإمام فيكون كل واحد) ولأبي الوقت كل واحدة (من الطائفتين قد صلى ركعتين) وهذه الكيفية اختارها الحنفية كما نبهت عليه في صلاة الخوف (فإن كان خوف هو أشد من ذلك صلوا) حينئذ حال كونهم (رجالاً قيامًا على أقدامهم أو ركبانًا) على دوابهم وزاد مسلم يومىء إيماء (مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها. قال مالك) الإمام الأعظم: (قال نافع: لا أرى) بضم الهمزة أي أظن (عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله (18) وكذا وقع في كتاب صلاة الخوف من حديثه التصريح برفعه، وفي بعض النسخ تقدیم هذا الحديث على قوله قال ابن جبير. ٤٥ - باب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْ وَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] (﴿والذين﴾) وفي بعض النسخ باب والذين (﴿يتوفون منكم ويذرون أزواجًا﴾) سقطت الآية لغير أبي ذر فصار الحديث الآتي من الباب السابق. ٤٥٣٦ - حدثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأسْوَدِ، حَدَّثَنْا حُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ، وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، قُالأُ: حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعُثْمَانَ هُذِهِ الَّيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قَدْ نَسَخَتْها الآيَةُ الأُخْرِى فَلِمَ تَكْتُبُها قَالَ: تَدَعْهُا يَا ابْنَ أخِي لا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ قَالَ حُمَيْدٌ: أوْ نَحْوَ هُذَا. وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (عبد اللَّه بن أبي الأسود) هو عبد الله بن محمد بن أبي الأسود واسمه حميد ابن أخت عبد الرحمن بن مهدي الحافظ البصري قال: (حدّثنا حميد بن الأسود) هو جدّ عبد الله (ويزيد بن زريع) بضم الزاي وفتح الراء مصغرًا (قالا: حدّثنا ٧٧ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة حبيب بن الشهيد) بفتح الشين المعجمة وكسر الهاء الأزدي مولاهم البصري (عن ابن أبي مليكة) مصغرًا عبد اللَّه أنه (قال: قال ابن الزبير) عبد اللَّه (قلت لعثمان) بن عفان رضي الله تعالى عنه (هذه الآية التي في البقرة ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا﴾ إلى قوله: ﴿غير إخراج﴾ قد نسختها الآية الأخرى) وسقطت الآية من اليونينية ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ (فلم تكتبها) بكسر اللام استفهام إنكاري (قال): أي عثمان (تدعها) بالفوقية في اليونينية أي تتركها مثبتة في المصحف (يا ابن أخي لا أغير شيئًا منه) أي من المصحف (من مكانه. قال حميد) أي ابن الأسود (أو نحو هذا) المذكور من المتن فتردد فيه بخلاف يزيد بن زريع فجزم به. ٤٦ - باب ﴿وَإِذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ أُرِنِي كَيْفَ تُخِي الْمَوْثَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] فَصُرْهُنَّ: قَطَّعْهُنَّ (﴿وإذ قال﴾) وفي نسخة باب وإذ قال: ((إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى﴾) (﴿قصرهن﴾﴾ [البقرة: ٢٦٠] بكسر الصاد لحمزة وللباقين بضمها قال ابن عباس وغيره أي (قطعهن) وأملهن. فاللغتان لفظ مشترك بين هذين المعنيين، وقيل الكسر بمعنى القطع والضم بمعنى الإمالة وسقط قوله: ﴿فصرهن﴾ قطعهن لغير أبي ذر. ٤٥٣٧ - حدّثنا أحمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَذْثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمّةَ وَسَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَغْالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشّكْ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْثَى قالَ أوَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلَى وَلْكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْيِي﴾». وبه قال: (حدّثنا أحمد بن صالح) أبو جعفر المصري قال: (حدّثنا ابن وهب) عبد الله المصري قال: (أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (وسعيد) هو ابن المسيب كلاهما (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) أنه (قال: قال رسول الله (وَلخير): (نحن أحق بالشك من إبراهيم) ولأبي ذر تقديم لفظ إبراهيم على الشك لو كان الشك في القدرة متطرقًا إلى الأنبياء لكنت أنا أحق به، وقد علمتم أني لم أشك فإبراهيم وَلاو لم يشك (إذ قال: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾)، واختلف في عامل (إذ) فقيل يجوز كونه قال أو لم تؤمن أي قال له ذلك ربه وقت قوله ذلك، وكونه قوله ألم تر أي ألم تر إذ قال إبراهيم وكونه مضمرًا تقديره واذكر فإذا على هذين القولين مفعول لا ظرف، ورب مضاف لياء المتكلم حذفت استغناء عنها بالكسرة والرؤية بصرية فتتعدى لواحد ولما دخلت همزة النقل نصب مفعولاً ثانيًا، فالأول ياء ٧٨ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة المتكلم والثاني الجملة الاستفهامية وهي معلقة للرؤية، وكيف في موضع نصب على التشبيه بالظرف أو بالحال والعامل فيها تحيي، وقد ذكروا في سبب سؤال الخليل لذلك وجوهًا، فقيل إنه لما احتج على نمروذ بقوله ربي الذي يحيي ويميت قال نمروذ: أنا أحيي وأميت أطلق محبوسًا وأقتل آخر. قال إبراهيم: إن الله يحيي بأن يقصد إلى جسد ميت فيحييه ويجعل فيه الروح، فقال نمروذ: أنت عاينت ذلك فلم يقدر أن يقول له: نعم عاينته فقال: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾؟ حتى يخبر به معاينة إن سئل عن ذلك مرة أخرى، وقيل إنه سأل زيادة يقين وقوة طمأنينة إذ العلوم الضرورية والنظرية قد تتفاضل في قوتها وطريان الشكوك على الضروريات ممتنع ومجوز في النظريات، فأراد الانتقال من النظر أو الخبر إلى المشاهدة والترقي من علم اليقين إلى عين اليقين. فليس الخبر كالمعاينة. (﴿قال أوَ لم تؤمن﴾) بأني قادر على الاحياء بإعادة التركيب والحياة؟ قال له ذلك وقد علم أنه أثبت الناس إيمانًا ليجيب بما أجاب فيعلم السامعون غرضه (﴿قال: بلى﴾) آمنت (﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾) اللام لأم كي فالفعل منصوب بإضمار أن وهو مبني لاتصاله بنون التوكيد واللام متعلقة بمحذوف بعد لكن تقديره، ولكن سألتك كيفية الإحياء للاطمئنان ولا بدّ من تقدير حذف آخر قبل لكن ليصح معه الاستدراك والتقدير بلى آمنت وما سألت غير مؤمن ولكن سألت ليطمئن قلبي أي لأزيد بصيرة وسكون قلب بمضامة العيان إلى الوحي والاستدلال، وقال الطيبي: سؤال الخليل عليه الصلاة والسلام لم يكن عن شك في القدرة على الإحياء ولكن عن كيفيتها ومعرفة كيفيتها لا تشترط في الإيمان والسؤال بصيغة كيف الدالة على الحال هو كما لو علمت أن زيدًا يحكم في الناس فسألت عن تفاصيل حكمه فقلت: كيف يحكم فسؤالك لم يقع عن كونه حاكمًا ولكن عن أحوال حكمه وهو مشعر بالتصديق بالحكم ولذلك قطع النبي ◌َّر ما يقع في الأوهام من نسبة الشك إليه بقوله: نحن أحق بالشك أي نحن لم نشك فإبراهيم أولى. فإن قيل: فعلى هذا كيف قال: أو لم تؤمن؟ قلنا: هذه الصيغة في الاستفهام قد تستعمل أيضًا عند الشك في القدرة كما تقول لمن يدعي أمرًا تستعجزه عنه أرني كيف تصنعه فجاء قوله: أو لم تؤمن والردّ ببلى ليزول الاحتمال اللفظي في العبارة ويحصل النص الذي لا ارتياب فيه. فإن قلت: قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام ليطمئن قلبي يشعر ظاهره بفقد الطمأنينة عند السؤال. قلت: معناه ليزول عن قلبي الفكر في كيفية الإحياء بتصويرها مشاهدة فنزول الكيفيات المحتملة اهـ. وقيل: إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام إنما أراد اختيار منزلته عند ربه وعلم إجابة دعوته بسؤال ذلك من ربه تعالى ويكون قوله تعالى: (﴿أو لم تؤمن﴾) أي ألم تصدق بمنزلتك مني وخلتك واصطفائك، ولا يفهم الشك من قوله: ﴿أرني كيف تحيي الموتى﴾ لأن الموقن بإتقان إنسان صنعة علمًا قطعيًا لا يلزم من قوله أرني كيفية فعلها أن يكون شاكًا في كونه يصنع ذلك إذ هو مقام آخر وإنما فهم الشك من قوله له: أو لم تؤمن ففهم ذلك من مجموع الكلام، فجرّت ٧٩ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة المسألة في هذا المقام الجواب عن قوله أو لم تؤمن وقوله بلى ولكن ليطمئن قلبي، ولا شك في إيمانه بذلك وطمأنينة قلبه كما وقع ذلك سؤالاً وجوابًا واستدراكًا، وزاد في نسخة هنا فصرهن قطعهن وقد سبق. وهذا الحديث قد ذكره المؤلف في كتاب الأنبياء. ٤٧ - باب قَوْلِهِ: ﴿أَيَوَدُّ أحَدُكُمْ أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْتَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنَّهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ٢٦٦] (باب قوله) عز وجل: ((أيود أحدكم﴾) قال البيضاوي كالزمخشري الهمزة في أيوة للإنكار (﴿أن تكون له جنة من نخيل﴾) في موضع رفع صفة لجنة أي كائنة من نخيل (﴿وأعناب تجري من تحتها الأنهار﴾) جملة تجري صفة لجنة أو حال منها لأنها قد وصفت (﴿له فيها من كل الثمرات﴾﴾ [البقرة: ٢٦٦] جملة من مبتدأ وخبر مقدم لكن المبتدأ لا يكون جارًا ولا مجرورًا، فأول على حذف المبتدأ أو الجار والمجرور صفة قائمة مقامه أي له فيها رزق أو فاكهة من كل الثمرات فحذف الموصوف نفسه، أو من زائدة أي له فيها كل الثمرات على رأي الأخفش وجعل الجنة منهما مع ما فيها من سائر الأشجار تغليبًا لهما لشرفهما وكثرة منافعهما، ثم ذكر أن فيها من كل الثمرات ليدل على احتوائها على سائر أنواع الأشجار، وليس في الفرع وأصله ذکر قوله له فيها من كل الثمرات بل قال بعد قوله: ﴿جنة﴾ إلى قوله: ﴿تتفكرون﴾ أي تتفكرون في الآيات فتعتبرون بها، ولأبي ذر ﴿من نخيل وأعناب﴾ إلى قوله: ﴿تتفكرون). ٤٥٣٨ - حدثنا إبْرَاهِيمُ أَخْبَرَنَا هِشْامٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّه بْنَ أَبِي مُلَيْكَةً يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَسَمِعْتُ أَخَاهُ أَبْا بَكْرِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّه تَعْالَى عَنْهُ يَوْمًا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌ِ﴿ فِيمَ تَرَوْنَ هُذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ ﴿أَيَوَدُ أحَدُكُمْ أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾؟ قَالُوا: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَغَضِبَ عُمَرُ فَقَالَ: قُولُوا: نَعْلَمُ أوْ لاَ نَعْلَمُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ عُمَرُ: يَا ابْنَ أَخِي قُلْ وَلاَ تَحْقِرْ نَفْسَكَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلاً لِعَمَلٍ قَالَ عُمَرُ: أيُّ عَمَلٍ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِعَمَلٍ قَالَ عُمَرُ: لِرَجُلٍ غَنِيِّ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلّ ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطَانَ فَعَمِلَ بِالْمَعْاصِي حَتَّى أَغْرَقَ أعْمَالَهُ. فَصُرْهُنَّ: قَطِعْهُنَّ. وبه قال: (حدّثنا إبراهيم) بن موسى الفراء قال: (أخبرنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني (عن ابن جريج) بجيمين بينهما راء مفتوحة فتحتية ساكنة عبد العزيز بن عبد الملك أنه قال: (سمعت عبد الله بن أبي مليكة يحدث عن ابن عباس قال) ابن جريج: (وسمعت أخاه أبا بكر بن أبي مليكة يحدث عن عبيد بن عمير) بضم العين فيهما الليثي المكي أنه (قال: قال عمر) بن ٨٠ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة الخطاب (رضي الله تعالى عنه يومًا لأصحاب النبي وَلاغير: فيم) أي في أي شيء (ترون) بفتح الفوقية أي تعلمون ولأبي ذر ترون بضمها أي تظنون (هذه الآية نزلت ﴿أيوة أحدكم أن تكون له جنة﴾ قالوا: الله أعلم، فغضب عمر). فإن قلت: ما وجه غضبه مع كونهم وكلوا العلم إلى الله تعالى؟ أجيب: بأنه سألهم عن تعيين ما عندهم في نزول الآية ظنًا أو علمًا على اختلاف الروايتين فأجابوا بجواب يصلح صدوره من العالم بالشيء والجاهل به فلم يحصل المقصود. (فقال) عمر: (قولوا نعلم أو لا نعلم) لنعرف ما عندكم (فقال ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما (في نفسي منها شيء) من العلم (يا أمير المؤمنين. قال) وفي غير الفرع كأصله فقال (عمر) له: (يا ابن أخي قل ولا تحقّر نفسك) بفتح الفوقية وسكون الحاء المهملة وكسر القاف (قال ابن عباس: ضربت مثلاً لعمل. قال عمر: أيّ عمل) برفع أيّ وجرها (قال ابن عباس: لعمل) وفي الفرع فقط ضربت لعمل (قال عمر: لرجل غني) ضد فقير (يعمل بطاعة الله عز وجل، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق) بفتح الهمزة وسكون الغين المعجمة أي أضاع (أعماله) الصالحة بما ارتكب من المعاصي واحتاج إلى شيء من الطاعات في أهمّ أحواله فلم يحصل له منه شيء وخانه أحوج ما كان إليه، ولذا قال: ﴿وأصابه الكبر﴾ أي كبر السن فإن الفاقة في الشيخوخة أصعب ﴿وله ذرية ضعفاء﴾ صغار لا قدرة لهم على الكسب، ﴿فأصابها إعصار﴾ وهو الريح الشديد ﴿فيه نار فاحترقت﴾ ثماره وأبادت أشجاره. وأخرج ابن المنذر الحديث من وجه آخر عن ابن أبي مليكة فقال بعد قوله أيّ عمل؟ قال ابن عباس: شيء ألقي في روعي، فقال: صدقت يا ابن عباس يا ابن أخي عني بها العمل ابن آدم أفقر ما يكون إلى جنته إذا كبر سنه وكثر عياله وابن آدم أفقر ما يكون إلى عمله يوم يبعث الحديث. وضرب المثل بما ذكر لكشف المعنى الممثل له ورفع الحجاب عنه وأبرزه في صورة المشاهد المحسوس ليساعد فيه الوهم العقل ويصالحه عليه، فإن المعنى الصرف إنما يدركه العقل مع منازعة من الوهم لأن من طبعه ميل الحس وحب المحاكاة، ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الإلهية وفشت في عبارات البلغاء وإشارات الحكماء قاله البيضاوي (﴿قصرهن﴾) بضم الصاد (قطعهن) كذا في الفرع كأصله وسقط ذلك لأبي ذر. ٤٨ - باب ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] يُقالُ: أَلْحَفَ عَلَيَّ، وَأَلَحَّ عَلَيَّ وَأخْفَانِي بِالْمَسْأَلَةِ . فَيُخْفِكُمْ: يُجْهِدُكُمْ (﴿لا يسألون﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين لا يسألون (﴿الناس إلحافًا﴾﴾ [البقرة: ٢٧٣] نصب على المصدر بفعل مقدر أي يلحفون إلحافًا والجملة المقدرة حال من فاعل يسألون أو مفعولاً من أجله أي لا يسألون لأجل الإلحاف أو مصدرًا في موضع الحال أي لا يسألون ملحفين (يقال: