النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة حديث معاوية السابق في الصيام سمعت رسول الله وَل* يقول: ((هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه)) وهو دليل مشهور ومذهب الشافعية والحنابلة أنه لم يكن فرضًا قط ولا نسخ برمضان وبقية مبحث ذلك سبقت في الصوم. ٢٥ - باب قَوْلِهِ: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُواً خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وَقَالَ عَطَاءٌ: يُفْطِرُ مِنَ الْمَرَضِ كُلِّهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعْالى وَقَالَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ فِي الْمُرْضِعِ وَالْحَامِلِ إِذَا خَافَتْا عَلَى أَنَّفُسِهِمْا أَوْ وَلَدِهِمَا تُفْطِرَانِ ثُمَّ تَقْضِيانٍ وَأَمَّا الشَّيْخُ الْكَبِيرُ إذا لَمْ يُطِقِ الصِّيَامَ فَقَدْ أَطْعَمَ أَنَسٌ بَعْدَمَا كَبِرَ عامًا أوْ عامَيْنِ كُلّ يَوْمٍ مِسْكِينَا خُبْزًا وَلَحْمًا وَأَفْطَرَ. قِراءَةُ الْعَامَّةِ يُطِيقُونَهُ وَهُوَ أَكْثَرُ. (باب قوله) عز وجل وسقط ذلك لغير أبي ذر (﴿أياما معدودات﴾) أي مؤقتات بعدد معلوم ونصب أيامًا بعامل مقدر أي صوموا أيامًا، وهذا النصب إما على الظرفية أو المفعول به اتساعًا وقيل نصب بكتب إما على الظرف أو المفعول به، وردّه أبو حيان فقال: أما النصب على الظرفية فإنه محل للفعل والكتابة ليست واقعة في الأيام لكن متعلقها هو الواقع في الأيام وأما على المفعول اتساعًا فإن ذلك مبني على كونه ظرفًا لكتب وتقدم أنه خطأ ومعدودات صفة والمراد به رمضان أو ما وجب صومه قبل وجوبه ونسخ به وهو عاشوراء كما مر (﴿فمن كان منكم مريضًا﴾) مرضًا يضره الصوم ويشق عليه معه (﴿أو على سفر﴾) في موضع نصب عطفًا على خبر كان وأو للتنويع (﴿فعدة﴾) أي فعليه صوم عدّة أيام المرض أو السفر (﴿من أيام أخر﴾) إن أفطر فحذف الشرط والمضاف والمضاف إليه للعلم به (﴿وعلى الذين يطيقونه﴾) إن أفطروا (﴿فدية طعام مسكين﴾) نصف صاع من بر أو صاع من غيره ثم نسخ ذلك (﴿فمن تطوّع خيرًا﴾) فزاد في الفدية (﴿فهو﴾) أي فالتطوّع (﴿خير له﴾) وله في محل رفع صفة لخير فيتعلق بمحذوف أي خير كائن له (﴿وأن تصوموا﴾) أيها المطيقون وأن مصدرية أي صومكم وهو مرفوع بالابتداء خبره (﴿خير لكم﴾) من الفدية وتطوّع الخير (﴿إن كنتم تعلمون﴾) [البقرة: ١٨٤] شرط حذف جوابه تقديره اخترتموه أو معناه إن كنتم من أهل العلم أو التدبر علمتم أن الصوم خير لكم. (وقال عطاء): هو ابن أبي رباح فيما وصله عبد الرزاق (يفطر من المرض كله كما قال الله تعالى) والذي عليه الجمهور أنه يباح الفطر لمرض يضر معه الصوم ضررًا يبيح التيمم وإن طرأ على الصوم ويقضى. (وقال الحسن) البصري فيما وصله عبد بن حميد (وإبراهيم) النخعي فيما وصله عبد بن حميد أيضًا (في المرضع والحامل) بالواو ولأبي ذر: أو الحامل (إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما ٤٢ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة تفطران) ولو كان في المرضع من غيرها (ثم تقضيان). ويجب مع ذلك الفدية في الخوف على الولد أخذًا من آية (وعلى الذين يطيقونه فدية) قال ابن عباس: إنها نسخت إلا في حق الحامل والمرضع. رواه البيهقي عنه لا في الخوف على النفس كالمريض فلا فدية عليه. (وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام) فإنه يفطر وتجب عليه الفدية دون القضاء (فقد أطعم أنس بعدما كبر) بكسر الموحدة وشق عليه الصوم وكان حينئذٍ في عشرة المائة (عامًا أو عامين) بالشك من الراوي (كل يوم مسكينًا خبزًا ولحمًا وأفطر) وهذا رواه عبد بن حميد من طريق النضر بن أنس عن أنس لكن الواجب لكل يوم فات صومه مد وهو رطل وثلث، وبالکیل المصري نصف قدح من جنس الفطرة فلا يجزىء نحو دقيق وسويق ومثل الكبير المريض الذي لا يطيق الصوم ولا يرجى برؤه للآية السابقة على القول بأنها لم تنسخ أصلاً (قراءة العامة يطيقونه) بكسر الطاء وسكون التحتية من أطاق يطيق كأقام يقيم (وهو أكثر). ٤٥٠٥ - حدثني إِسْحَقُ أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيًا بْنُ إِسْحُقَ حَدَّثَنْا عَمْرُو بْنُ دِيثَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقْرَأُ وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ، لاَ يَسْتَطِيعَانِ أنْ يَصُومُا فَلْيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمِ مِسْکِینًا . وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إسحاق) هو ابن راهويه قال: (أخبرنا روح) بفتح الراء وبعد الواو الساكنة حاء مهملة ابن عبادة قال: (حدّثنا زكريا بن إسحق) المكي قال: (حدّثنا عمرو بن دينار عن عطاء) هو ابن أبي رباح المكي (سمع) ولأبي الوقت أنه سمع (ابن عباس) رضي الله عنهما (يقرأ) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي يقول: (وعلى الذين يطوّقونه) بفتح الطاء مخففة وواو مشددة مبنيًا للمفعول من طوّق بفتح أوّله بوزن قطع. قال مجاهد: يتحملونه. وعن عمرو بن دينار فيما رواه النسائي من طريق ابن أبي نجيح يكلفونه أي يكلفون إطاقته، وفي نسخة يطوقونه فلا يطيقونه (﴿فدية طعام مسكين﴾ قال ابن عباس: ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعمان) كذا في اليونينية باللام وسقطت من الفرع كغيره (مكان كل يوم) أفطراه (مسكينًا) وفيه دليل للشافعي ومن وافقه أن الشيخ الكبير ومن ذكر معه إذا شق عليه الصوم فأفطر فعليه الفدية خلافًا لمالك ومن وافقه، ومن أفطر لكبر ثم قوي على القضاء بعد يقضي ويطعم عند الشافعي وأحمد، وقال الكوفيون: لا إطعام. ٢٦ - باب ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾﴾ [البقرة: ١٨٥] (من)) يجوز أن تكون شرطية وموصولة، ومنكم في موضع نصب على الحال من المستكنّ في شهد فيتعلق بمحذوف أي كائنًا منكم والشهر نصب على الظرفية، والمراد بشهد وحضر ومفعوله محذوف أي فمن حضر منكم ٤٣ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة المصر في الشهر ولم يكن مسافرًا فليصم فيه، والفاء جواب الشرط أو زائدة في الخبر والهاء نصب على الظرفية كما في الكشاف، وتعقب بأن الفعل لا يتعدى لضمير الظرف إلا بفي إلا أن يتوسع فيه فينصب نصب المفعول به. ٤٥٠٦ - حدثنا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنْا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَرَأَ ﴿فِذْيَةُ طَعَامٍ مَسْاكِينَ﴾ [البقرة: ١٨٤] قالَ: هِيَ مَنْسُوخَّةٌ. وبه قال: (حدّثنا عياش بن الوليد) بالمثناة التحتية والشين المعجمة الرقام البصري قال: (حدّثنا عبد الأعلى) السامي البصري قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قرأ فدية طعام) بغير تنوين وجر طعام على الإضافة (مساكين) بالجمع وهي رواية أبي ذر، وقراءة نافع وابن ذكوان مقابلة الجمع بالجمع، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكوفيون بالتنوين والرفع على أن فدية مبتدأ خبره في الجار قبله، وطعام بدل من فدية أو عطف بيان وتخصيص فدية بتقديم الجار وإضافتها سوغ الابتداء مسكين بالتوحيد مراعاة لأفراد العموم أي على كل واحد ممن يطيق الصوم. فإن قلت: أفردوا المسكين والمعنى على الكثرة لأن الذين يطيقونه جمع وكل واحد منهم يلزمه مسكين فكان الوجه أن يجمعوا كما جمع المطيقون. أجيب: بأن الإفراد أحسن لأنه يفهم بالمعنى أن لكل واحد مسكينًا، وقرأ هشام بالتنوين والرفع والجمع. (قال: هي منسوخة) أي بقوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه) [البقرة ١٨٥] فأثبت الله تعالى صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر، وكذا الشيخ الفاني الذي لا يستطيع. ٤٥٠٧ - حدّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأَْوَعِ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كانَ مَنْ أرادَ أنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِي حَتَّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَها فَنَسَخَتْها. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَاتَ بُكَيْرٌ قَبْلَ يَزِيدٌ. وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد الثقفي أبو رجاء البغلاني قال: (حدّثنا بكر بن مضر) بفتح الموحدة وسكون الكاف ومضر بميم مضمومة فضاد معجمة مفتوحة فراء ابن محمد بن حكيم المصري (عن عمرو بن الحرث) بفتح العين ابن يعقوب بن عبد اللَّه مولى قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري المصري أحد الأئمة الأعلام (عن بكير بن عبد اللَّه) بضم الموحدة وفتح الكاف مصغرًا ابن الأشج مولى بني مخزوم المدني نزيل مصر (عن يزيد) بن أبي عبيد الأسلمي (مولى سلمة بن الأكوع عن سلمة) بن الأكوع أنه (قال: لما نزلت ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدي) فعل (حتى نزلت الآية التي بعدها) ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ ٤٤ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة (فنسختها) كلها أو بعضها فيكون حكم الإطعام باقيًا على من لم يطق الصوم لكبر، وقال مالك: جميع الإطعام منسوخ لكنه مستحب. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصوم وكذا أبو داود والترمذي، وأخرجه النسائي في التفسير . (قال أبو عبد الله) البخاري: (مات بكير) هو ابن عبد الله بن الأشج (قبل) شيخه (يزيد) بن أبي عبيد الأسلمي، وكانت وفاته في سنة عشرين ومائة أو قبلها أو بعدها، وتوفي يزيد سنة ست أو سبع وأربعين ومائة وسقط قوله قال أبو عبد الله الخ في رواية غير المستملي. ٢٧ - باب ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَتُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِيَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِيَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَقْا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَأَبْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (﴿أحلّ﴾) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول أي أحل الله (﴿لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾) عدى الرفث الذي هو كناية عن الجماع بإلى، والأصل أن يتعدى بالباء يقال: أرفث فلان بامرأته لتضمنه معنى الإفضاء. قال تعالى: ﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾ [النساء: ٢١] كأنه قال أحل لكم الإفضاء إلى نسائكم بالرفث (﴿هن﴾) أي نساؤكم (﴿لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾). قال الزمخشري: لما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل واحد منهما على صاحبه في عناقه شبه باللباس المشتمل عليه قال الجعدي: إذا ما الضجيع ثنى عطفها تثنت فكانت عليه لباسا وزاد القاضي لأن كل واحد منهما يستر حال صاحبه ويمنعه من الفجور ونحوه. قال السمرقندي: والجملة استئناف تبين سبب الإحلال وهو قلة الصبر عنهن وصعوبة اجتنابهن لكثرة المخالطة وشدة الملابسة فلذلك رخص في المباشرة (﴿علم الله أنكم كنتم﴾) في موضع رفع خبر لأن ((تختانون أنفسكم﴾) تظلمونها بتعريضها للعقاب وتنقيص حظها من الثواب (﴿فتاب عليكم﴾) حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور (﴿وعفا عنكم﴾) يحتمل أن يريد عن المعصبة بعينها فيكون تأكيدًا وتأنيسًا زيادة على التوبة، ويحتمل أن يريد عفا عما كان يلزمكم من اجتناب النساء بمعنى تركه لكم كما تقول شيء معفو عنه أي متروك (﴿فالآن﴾) أي: فالوقت الذي كان يحرم عليكم فيه الجماع من الليل (﴿باشروهن﴾) أي جامعوهن (﴿وابتغوا ما كتب الله لكم)) [البقرة: ١٨٧] أي اطلبوا ما قدره لكم وأثبته في اللوح المحفوظ من الولد، والمعنى أن المباشر ينبغي أن يكون غرضه الولد فإنه الحكمة من خلق الشهوة وشرع النكاح لإقضاء الوطر قاله في أسرار التنزيل كالكشاف. وقال السمرقندي: ابتغوا بالقرآن ما أبيح لكم فيه وأمرتم به وسقط من ٤٥ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة قوله: ﴿هن لباس لكم﴾ الخ في رواية أبي ذر وقال بعد قوله: ﴿إلى نسائكم) إلى قوله: ﴿وابتغوا ما كتب الله لكم﴾. ٤٥٠٨ - حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أبي إسْحُقَ عَنِ الْبَرَاءِ ح وَحَدَّثَنْا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحُقَ قالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ تَعْالَى عَنْهُ لَمَا نَزَّلَ صَوْمُ رَمَضَانَ كانُوا لاَ يَقْرَبُونَ النِّسَاءَ رَمَضانَ كُلَّهُ، وَكَانَ رِجَالٌ يَخُونُونَ أَنْفُسَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعْالَى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفْا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وبه قال: (حدّثنا عبيد اللَّه) بضم العين مصغرًا ابن موسى العبسي مولاهم الكوفي (عن إسرائيل) بن يونس (عن) جده (أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن البراء) بن عازب. قال المؤلف: (وحدّثنا) ولأبي ذر وحدّثني بالإفراد (أحمد بن عثمان) بن حكيم الأودي الكوفي قال: (حذّثنا شريح بن مسلمة) بشين معجمة مضمومة وراء مفتوحة آخره حاء مهملة ومسلمة بفتح الميم واللام الكوفي (قال: حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (إبراهيم بن يوسف عن أبيه) يوسف (عن) جده (أبي إسحاق) أنه (قال: سمعت البراء رضي الله تعالى عنه) قال: (لما نزل صوم رمضان كانوا) أي الصحابة (لا يقربون النساء) أي لا یجامعونهن (رمضان كله) ليلاً ونهارًا. زاد في الصيام عن البراء أيضًا من طريق إسرائيل أنهم كانوا لا يأكلون ولا يشربون إذا ناموا، ومفهوم ذلك أن الأكل والشرب كان مأذونًا فيه ليلاً ما لم يحصل النوم، لكن بقية الأحاديث الواردة في هذا تدل على عدم الفرق فيحمل قوله كانوا لا يقربون النساء على الغالب جمعًا بين الأحاديث (وكان رجال يخونون أنفسهم) فيجامعون ويأكلون ويشربون منهم عمر بن الخطاب وكعب بن مالك وقيس بن صرمة الأنصاري (فأنزل الله تعالى: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم﴾) وسقط قوله: ﴿وعفا عنكم﴾ لأبي ذر وقال بدل ذلك الآية. ٢٨ - باب قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُ وهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسْاجِدِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿يَتَّقُونَ﴾. الْعَاكِفُ: الْمُقِيمُ (باب قوله تعالى) وسقط التبويب وتاليه لغير أبي ذر (﴿وكلوا واشربوا﴾) جميع الليل بعد أن كنتم ممنوعين منهما بعد النوم في رمضان (﴿حتى﴾) أي إلى أن (﴿يتبين لكم الخيط الأبيض﴾) وهو أوّل ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط المدود (﴿من الخيط الأسود﴾) وهو ما يمتد معه من غسق الليل شبههما بخيطين أبيض وأسود (﴿من الفجر﴾) [البقرة: ١٨٧] بيان للخيط ٤٦ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة الأبيض واكتفى به عن بيان الخيط الأسود لدلالته عليه، وبذلك خرجا من الاستعارة إلى التمثيل كما قاله القاضي کالزمخشري. قال الطيبي: لأن الاستعارة أن يذكر أحد طرفي التشبيه ويراد به الطرف الآخر وهنا الفجر هو المشبه، والخيط الأبيض هو المشبه به ولا يقال بقي الأسود على الاستعارة لترك المشبه لأنه لما كان في الكلام ما يدل عليه فكأنه ملفوظ. وقال المحقق الكافيحي: تحقيق الكلام في هذا يحتاج إلى تحقيق الفرق بين الكلام التشبيهي والكلام المشتمل على الاستعارة، فالتشبيهي هو الذي يذكر فيه المشبه لفظًا نحو: زيد أسد، أو تقديرًا نحو أسد في مقام الأخبار عن زيد، وأما الكلام الذي يتضمن الاستعارة فهو الذي يجعل خلوًا عن ذكر المشبه صالحا لأن يراد به المشبه به لولا القرينة المانعة عن إرادته، وإذا علم هذا فقوله: ﴿حتى يتبين لكم﴾ إلى آخره فيه مقصدان. أحدهما: بيان أنه من قبيل التشبيه عند أهل البيان لا من قبيل الاستعارة لما فيه من ذكر المشبه والمشبه به وهما الفجر والخيط الأبيض وغبش الليل، والخيط الأسود على ما مرّ. الثاني: تحقيق أنه من قبيل الاستعارة لا من باب التشبيه استدلالاً عليه بنص الكتاب وتمسكًا بالسنة وبشهادة فحوى الخطاب. أما النص؛ فقوله تعالى: ﴿من الفجر﴾ بيان الخيط الأبيض ومعلوم عندك بالضرورة أن البيان مع المبين متحد بالذات مختلف بالاعتبار وإنما يتصور هذا المعنى المجازي على سبيل الاستعارة وإلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وليس بمشترك بينهما. وأما السنة، فقد علم منها أن المراد بياض النهار لا الخيط الأبيض حيث قال عليه الصلاة والسلام فيما يأتي: ((إنك لعريض القفا بل هو سواد الليل وبياض النهار)). وأما قولهم الاستعارة يجب فيها أن يترك ذكر المشبه احترازًا عن فوات المقصود وتبرّيًا عن عود الأمر على موضوعه بالنقص والإبطال، ولئلا يكون الأمر كلا أمر فهو مؤوّل بما لا يذكر المشبه بحيث ينبىء عن التشبيه، فيكون المراد رفع الإيجاب الكلي فيكون أعم من عموم السلب. وأما فحوى الخطاب فلأن المقام مقام المبالغة والاتحاد حتى اشتبه المراد على بعض الأذهان لا مقام التغاير والتفاوت ومدار الاستعارة حيثما كانت إنما هو على قصد المبالغة ودعوى الاتحاد كما أن مدار التشبيه إنما هو على قصد التغاير والتفاوت والعمدة في الفرق بينهما كمال التمييز بين المقامين بإعطاء كل مقام حقه، ثم إن المختار في نحو زيد أسد هو التفصيل فتارة يكون استعارة بحسب مقتضى المقام، وأخرى يكون تشبيهًا بحسبه أيضًا فيكون هذا جمعًا بين القولين المختلفين. قال: فعلم من هذا ضعف قول من قال إنه من باب الاستعارة على الإطلاق كما علم منه عدم متانة قول من قال: إنه من باب التشبيه على الإطلاق انتهى. ٤٧ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة ((ومن)) في (من الخيط) لابتداء الغاية وهي ومجرورها في محل نصب بيتبين وفي (من الفجر) يجوز كونها تبعيضية فتتعلق بيتبين لأن الخيط الأبيض هو بعض الفجر وأن تتعلق بمحذوف على أنها حال من الضمير في الأبيض أي الخيط الذي هو أبيض كائنًا من الفجر، وعلى هذا يجوز كون من لبيان الجنس كأنه قيل الخيط الأبيض الذي هو الفجر. قال التفتازاني: المعنى على التبعيض حال كون الخيط الأبيض بعضًا من الفجر وعلى البيان حال كونه هو الفجر فأعربه حالاً . (﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾) إلى غروب الشمس والجار والمجرور يتعلق بالإتمام أو في محل نصب على الحال من الصيام فيتعلق بمحذوف أي كائنًا إلى الليل (﴿ولا تباشروهن﴾) ولا تجامعوهن (﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾) بنية القربة والجملة حالية من فاعل تباشروهن قال الضحاك: كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء حتى نزلت هذه الآية (إلى قوله: ﴿يتقون﴾﴾ [البقرة: ١٨٧] أي يتقون مخالفة الأوامر والنواهي وسقط ثم أتموا الصيام الخ في. رواية أبي ذر وقال: الآية. (العاكف: المقيم) كذا فسره أبو عبيدة وسقط ذلك لغير المستملي. ٤٥٠٩ - حقّثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنِ الشّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيٍّ قَالَ: أخَذَ عَدِيٍّ عِقَالاً أبْيَضَ، وَعِقَالاً أسْوَدَ حَتَّى كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ نَظَرَ فَلَمْ يَسْتَبِينًا فَلَمَّا أصْبَحَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلْتُ تَحْتَ وِسَادَتِي قَالَ: ((إنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ إِنْ كَانَ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ تَحْتَ وسَادَتِكَ)). وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن عبد الرحمن السلمي الكوفي (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن عدي) هو ابن حاتم الصحابي رضي الله تعالى عنه أنه (قال: أخذ عدي) بعد نزول آية ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض﴾ (عقالاً) بكسر العين أي خيطًا (أبيض وعقالاً أسود) أي وجعلهما تحت وسادته كما في رواية هشيم عن حصين في الصيام (حتى كان بعض الليل نظر) إليهما (فلم يستبينا) فلم يظهرا له (فلما أصبح) جاء إلى النبي ﴿ (قال: يا رسول الله جعلت تحت وسادتي) زاد الأصيلي عقالين أي لأستبين بهما الفجر من الليل، ولأبي ذر عن الكشميهني وسادي بإسقاط تاء التأنيث (قال) عليه الصلاة والسلام: (إن وسادك) بغير تاء تأنيث (إذاً لعريض إن) بفتح الهمزة (كان الخيط الأبيض والأسود) المذكوران في الآية (تحت وسادتك) بزيادة فوقية بعد الدال، وقول الخطابي كنى بالوسادة عن النوم أي نومك إذا لطويل، ومعنى العريض هنا الواسع الكبير لا خلاف الطويل يدفعه ما في هذا الحديث لأن المشرق والمغرب إذا كانا تحت الوساد لزم عرضه قطعًا. ٤٥١٠ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشّغْبِيِّ عَنْ عَدِيْ بْنِ حُاتِمٍ ٤٨ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة رَضِيَ اللَّهُ تَعْالَى عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ أَهُمْا الْخَيْطَانِ؟ قَالَ: (إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفْا إِنْ أَبْصَرْتَ الْخَيْطَيْنِ))، ثُمَّ قَالَ: ((لأُ بَلْ هُوَ سَوْادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ)). وبه قال: (حدثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء الثقفي وسقط ابن سعید لأبي ذر قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن مطرف) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وبعد الراء المهملة المشددة المكسورة وفاء ابن طريف الكوفي (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه) أنه (قال: قلت يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود) وكان قد وضع عقالين تحت وسادته كما سبق (أهما الخيطان؟ قال) عليه الصلاة والسلام: (إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين) فسّر الخطابي عرض القفا بالبله والغفلة والبلادة وحينئذ فهو كناية لإمكان إرادة الحقيقة بل هي أولى لأنه إذا كان وساده عريضًا فقفاه عريض (ثم قال) عليه الصلاة والسلام: (لا بل هو سواد الليل وبياض النهار). ٤٥١١ - حدثنا ابْنُ أَبِي مَزْيَمَ، حَدَّثَنْا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، حَدِّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: وَأَنْزِلَتْ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيِّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ وَلَمْ يُنْزَلْ ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ وَكَانَ رِجَالٌ إذا أرادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أحَدُهُمْ فِي رِجْلَيْهِ الخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الأَسْوَدَ وَلأُ يَزالُ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمْا فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَهُ ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فَعَلِمُوا أَنَّمْا يَعْنِي اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ. وبه قال: (حدّثنا ابن أبي مريم) سعيد بن محمد بن الحكم المصري قال: (حدّثنا أبو غسان) بفتح الغين وتشديد السين المهملة وبعد الألف نون (محمد بن مطرف) بكسر الراء المشددة بلفظ اسم الفاعل المدني قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (أبو حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) بسكون الهاء والعين الساعدي رضي الله تعالى عنه أنه (قال: وأنزلت) بالواو، ولأبي ذر أنزلت بإسقاطها (﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ ولم ينزل) بضم أوله وفتح ثالثه ولأبي ذر ينزل بفتح ثم كسر (﴿من الفجر﴾ وكان رجال) بالواو (إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله بعده) ولأبي ذر بعد بحذف الضمير (﴿من الفجر﴾ فعلموا أنما يعني الليل من النهار) للتصريح بذلك. وسقط لفظ من في الفرع كغيره. وهذا الحديث صريح في نزول ﴿من الفجر﴾ بعد سابقه وحديث عدي مقتضاه اتصاله به. وأجيب: بالتعدد، وقد مرّ الحديث وسابقه في كتاب الصوم والله تعالى الموفق. ٤٩ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة ٢٩ - باب ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلَكِنَّ الْبِرِّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبُوابِها وَأَتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩] (﴿وليس البر﴾) ولأبي ذر باب قوله وليس البر (﴿بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾) إذا أحرمتم (﴿ولكن البر من اتقى﴾) ذلك أو اتقى المحارم والشهوات (﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾) محلّين ومحرمين (﴿واتقوا الله﴾) في تغيير أحكامه والاعتراض على أفعاله (﴿لعلكم تفلحون)) [البقرة: ١٨٩]. لكي تظفروا بالهدى والبر ووقع في رواية أبي ذر بعد قوله: (﴿من اتقى﴾) الآية وحذف ما بعدها. ٤٥١٢ - حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إسْحُقَ عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: كَانُوا إِذَا أخْرَمُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَتَوُا الْبَيْتَ مِنْ ظَهْرِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرَّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلَكِنَّ الْبِرِّ مَنِ اتَّقْى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِها﴾ . وبه قال: (حدّثنا عبيد الله بن موسى) بضم العين مصغرًا أبو محمد العبسي مولاهم الكوفي (عن إسرائيل) بن يونس (عن) جده (أبي إسحق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن البراء) بن عازب رضي الله تعالى عنهما أنه (قال: كانوا) أي الأنصار وسائر العرب غير الحمس وهم قريش (إذا أحرموا) بالحج والعمرة (في الجاهلية أتوا البيت من ظهره) من نقب أو فرجة من ورائه لا من بابه (فأنزل الله تعالى: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾) وسقطت واو ليس لأبي ذر (﴿ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها﴾) ونقل ابن كثير عن محمد بن كعب قال: كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت فأنزل الله تعالى الآية. ٣٠ - باب ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للَّهِ فَإِنِ أَنْتَهَوْا فَلأْ عُدْوَانَ إلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٣٩] (﴿وقاتلوهم﴾) ولأبي ذر باب قوله: ﴿وقاتلوهم﴾ يعني أهل مكة (﴿حتى لا تكون فتنة﴾) شرك (﴿ويكون الدين لله﴾) خالصًا ليس للشيطان فيه نصيب أو يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان لحديث الصحيحين ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) (﴿فإن انتهوا﴾) عن الشرك وقتال المؤمنين فكفوا عنهم (﴿فلا عدوان﴾) أي فمن قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم ولا عدوان (﴿إلا على الظالمين)) [البقرة: ١٩٣]. أو المراد فإن تخلصوا من الظلم وهو الشرك فلا عدوان عليهم بعد ذلك. ٤٥١٣ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنْا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنْا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ تَّافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْا، أتاهُ رَجُلانٍ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالاَ: إِنَّ النَّاسَ صَنَعُوا وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ إرشاد الساري/ ج ١٠ / م ٤ ٥٠ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة وَصَاحِبُ النَّبِيِّ وَِّ فَمَا يَمْنَعُكَ أنْ تَخْرُجَ؟ فَقَالَ: يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ دَمَ أخِي فَقالا: أَلَمْ يَقُلِ الله ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فَقَالَ: قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، وَكَانَ الدِّينُ للهِ وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد بن بشار) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة العبدي البصري قال: (حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي قال: (حدّثنا عبيد الله) بن عمر العمري (عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما) أنه (أتاه رجلان) قيل: هما العلاء بن عرار بمهملات الأولى مكسورة، وحباب بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة صاحب الدثنية بفتح المهملة والمثلثة وكسر النون وتشديد التحتية أو نافع بن الأزرق (في فتنة ابن الزبير) عبد اللّه حين حاصره الحجّاج في آخر سنة ثلاث وسبعين بمكة (فقالا: إن الناس صنعوا) بصاد مهملة ونون مفتوحتين أي صنعوا ما ترى من الاختلاف، ولغير الكشميهني ضيعوا بمعجمة مضمومة فتحتية مشددة مكسورة (وأنت ابن عمر صاحب النبي بيّي فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي) المسلم (فقالا): أي الرجلان ولأبي ذر قالا: (ألم يقل الله: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ فقال) ابن عمر: (قاتلنا) أي على عهد رسول الله وَلتر (حتى لم تكن فتنة) أي شرك (وكان الدين لله وأنتم تريدون أن تقاتلوا) أي على الملك (حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله). وحاصل هذا أن الرجلين كانا يريان قتال من خالف الإمام وابن عمر لا يرى القتال على الملك. ٤٥١٤ - وَزَادَ عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي فُلَانٌ وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو الْمَعْافِرِيِّ أنَّ بُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ عَنْ نَافِعٍ، أنَّ رَجُلاً أَتْى ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَبْا عَبْدِ الرَّحْمُنِ مَا حَمَلَكَ عَلَى أنْ تَحُجَّ عَامًا وَتَعْتَمِرَ عَامًا وَتَتْرُكَ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزْ وَجَلَّ وَقَدْ عَلِمْتَ مَا رَغْبَ اللَّهُ فِيهِ؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: إِيمَانٍ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَأدَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، قَالَ: يَا أَبْا عَبْدِ الرَّحْمُنِ ألأ تَسْمَعُ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْتَهُمْا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمْا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩٠] ﴿قُّاتِلُوهُمْ حَتَّى لأ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] قَالَ: فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، وَكَانَ الإسْلاَمُ قَلِيلاً فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ إمّا قَتَلُوهُ، وَإِمَّا يُعَذِّبُوهُ حَتَّى كَثُرَ الإسْلاَمُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ. (وزاد عثمان بن صالح) السهمي المصري أحد شيوخ المؤلف على رواية محمد بن بشار (عن ابن وهب) عبد اللَّه المصري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (فلان) قيل هو عبد الله بن لهيعة بفتح اللام وكسر الهاء وبعد التحتية الساكنة عين مهملة قاضي مصر وعالمها ضعفه غير واحد ٥١ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة (وحيوة بن شريح) بفتح الحاء المهملة وسكون التحتية وفتح الواو وشريح بالشين المعجمة وفتح الراء المصري وهو الأكبر وليس هو الحضرمي (عن بكر بن عمرو المعافري) بفتح الميم وتخفيف العين المهملة وكسر الفاء (أن بكير بن عبد الله) بضم الموحدة وفتح الكاف مصغرًا ابن الأشج (حدثه عن نافع) مولى ابن عمر (أن رجلاً أتى ابن عمر فقال) له: (يا أبا عبد الرحمن ما حملك على أن تحج عامًا وتعتمر عامًا وتترك الجهاد) أي القتال الذي هو كالجهاد (في سبيل الله عز وجل) في الثواب (وقد علمت ما رغب الله فیه؟) ثبتت واو وقد لأبي ذر (قال): أي ابن عمر للرجل (يا ابن أخي بني الإسلام على خمس: إيمان بالله ورسوله والصلوات الخمس وصيام رمضان وأداء الزكاة وحج البيت. قال): أي الرجل (يا أبا عبد الرحمن ألا) بالتخفيف (تسمع ما ذكر الله في كتابه ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾) باغين بعضهم على بعض والجمع باعتبار المعنى لأن كل طائفة جمع (﴿فأصلحوا بينهما﴾) بالنصح والدعاء إلى حكم الله (﴿فإن بغت إحداهما﴾) أي تعدت (﴿على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء﴾) أي ترجع (﴿إلى أمر الله﴾) [الحجرات: ٩٠]. وتسمع للحق وتطيعه، وسقط لغير أبي ذر قوله: ﴿فإن بغت إحداهما﴾ إلى آخر قوله: ﴿حتى تفيء﴾. (﴿قاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾) شرك (قال) ابن عمر: (فعلنا) ذلك (على عهد رسول الله ◌َ﴾، وكان الإسلام قليلاً فكان الرجل يفتن في دينه) مبني للمفعول (إما قتلوه وإما يعذبوه) بلفظ الماضي في الأول والمضارع في الثاني إشارة إلى استمرار التعذيب بخلاف القتل، وفي الفرع أو يعذبوه، ولأبي ذر: وإما يعذبونه بإثبات النون وهو الصواب لأن إما التي تجزم هي الشرطية وليست هنا شرطية ووجهت الأولى بأن النون قد تحذف لغير ناصب ولا جازم في لغة شهيرة (حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة). ٤٥١٥ - قَالَ: فَمَا قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ قَالَ: أمَّا عُثْمَانُ فَكَانَ اللَّهُ عَفْا عَنْهُ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَكَرِهْتُمْ أنْ تَعْفُوا عَنْهُ وَأَمَّا عَلِيٍّ فَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ وَخَتْتُهُ وَأَشْارَ بِيَدِهِ فَقَالَ: هُذَا بَيْتُهُ حَيْثُ تَرَوْنَ. (قال) الرجل: (فما قولك في علي وعثمان؟) وهذا يشير إلى أن السائل كان في الخوارج فإنهم يوالون الشيخين ويخطئون عثمان وعليّا، فرد عليه ابن عمر بذكر مناقبهما ومنزلتهما من النبي وَلجر حيث (قال: أما عثمان) رضي الله تعالى عنه (فكان الله عفا عنه) لما فرّ يوم أُحد في كتابه العزيز حيث قال في آل عمران ﴿ولقد عفا عنكم﴾ [آل عمران: ١٥٢] والجلالة رفع اسم كان وخبرها عفا ويجوز نصبها اسم كأن التشبيه أخت أن (وأما أنتم فكرهتم أن تعفوا عنه) بمثناة فوقية مع سكون الواو خطابًا للجماعة ولأبي ذر يعفو بالتحتية وفتح الواو أي فكرهتم أن يعفو الله تعالى عنه. (أما علّ فابن عم رسول الله وَله وختنه) بفتح الخاء المعجمة والمثناة الفوقية أي زوج ابنته (وأشار بيده فقال: هذا بيته حيث ترون) أي بين أبيات رسول الله وَل# يريد بيان قربه وقرابته منه وَلفي منزلاً ومنزلة. ٥٢ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة ٣١ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَنْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] التَّهْلُكَةُ وَالْهَلاَكُ وَاحِدٌ (باب قوله) تعالى، وسقط ذلك لغير أبي ذر (﴿وأنفقوا في سبيل الله﴾) في سائر وجوه القربات وخاصة الصرف في قتال الكفار والبذل فيما يقوى به المسلمون على عدوّهم (﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾) بالكف عن الغزو والإنفاق فيه فإنه يقوي العدوّ ويسلطهم على إهلاككم أو المراد الإمساك وحب المال فإنه يؤدي إلى الهلاك المؤبد والباء في بأيديكم زائدة في المفعول به لأن ألقى يتعدى بنفسه قال الله تعالى: ﴿فألقى موسى عصاه﴾ وقيل متعلقة بالفعل غير زائدة والمفعول محذوف أي ((ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم)) يقال أهلك فلان نفسه بيده إذا تسبب لهلاكها (﴿وأحسنوا﴾) أعمالكم وأخلاقكم أو تفضلوا على المحاويج (﴿إن الله يحب المحسنين)) [البقرة: ١٩٥]. (التهلكة والهلاك واحد) مصدران. ٤٥١٦ - حدّثنا إِسْحُقُ حَدَّثَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبْا وَائِلٍ، عَنْ خُذَيْفَةَ ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي النَّفَقَةِ. وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدّثني (إسحلق) بن راهويه قال: (حدّثنا النضر) بالضاد المعجمة ابن شميل قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران الأعمش أنه (قال: سمعت أبا وائل) شقيق بن سلمة (عن حذيفة ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ قال: نزلت في النفقة) قال أبو أيوب الأنصاري: نزلت يعني هذه الآية فينا معشر الأنصار. إنّا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا فيما بيننا لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها، فأنزل الله هذه الآية الحديث. رواه أبو داود وهذا لفظه والترمذي والنسائي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه والحافظ أبو يعلى في مسنده وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وهو مفسر لقول حذيفة هذا. ٣٢ - باب ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أوْ بِهِ أذىّ مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (﴿فمن كان منكم﴾) ولأبي ذر باب قوله فمن كان منكم (﴿مريضًا أو به أذى من رأسه﴾) [البقرة: ١٩٦] كجراحة وقمل. ٤٥١٧ - حدثنا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ قَالَ: فَعَدْتُ إِلَى كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةً فِي هُذَا الْمَسْجِدِ يَعْنِي مَسْجِدَ الْكُوفَةِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ﴿فِذْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾، فَقَالَ: حُمِلْتُ إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ: (مَا كُنْتُ ٥٣ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة أُرْى أنَّ الْجَهْدَ قَدْ بَلَغَ بِكَ هُذَا أَما تَجِدُ شَاةً؟)) قُلْتُ: لا، قَالَ: ((صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةً مَسْاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ ضَاعٍ مِنْ طَعَامٍ وَأَخْلِقْ رَأْسَكَ)) فَتَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةٌ وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً». وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي أياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عبد الرحمن بن الأصبهاني) أنه (قال: سمعت عبد الله بن معقل) بفتح الميم وسكون العين المهملة وبعد القاف المكسورة لام ابن مقرن المزني الكوفي التابعي (قال: قعدت إلى كعب بن عجرة) بضم العين المهملة وبعد الجيم الساكنة راء مفتوحة أي انتهى قعودي إليه (في هذا المسجد يعني مسجد الكوفة فسألته عن) قوله تعالى: (﴿فدية من صيام﴾ فقال: حملت إلى النبي وَلقر والقمل يتناثر على وجهي) جملة حالية (فقال) عليه الصلاة والسلام : . (ما كنت أرى) بضم الهمزة أظن (أن الجهد) بفتح الجيم (قد بلغ بك هذا) الذي رأيت (أما تجد شاة قلت: لا) أجدها (قال: صم ثلاثة أيام) بيان لقوله تعالى: ﴿أو صيام﴾ (أو أطعم) بكسر العين (ستة مساكين) بيان لقوله تعالى: ﴿أو صدقة﴾ (لكل مسكين نصف صاع من طعام) بنصب نصف على المفعولية أو رفع مبتدأ مؤخر (وأحلق رأسك) قال ابن عجرة (فنزلت) أي الآية (في) بكسر الفاء وتشديد التحتية (خاصة وهي لكم عامة) بالنصب ولأبي ذر عامة بالرفع. وهذا الحديث سبق في باب الإطعام من الحج. ٣٣ - باب ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجْ﴾ [البقرة: ١٩٦] (﴿فمن تمتع﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين فمن تمتع (﴿بالعمرة إلى الحج﴾) [البقرة: ١٩٦] شامل لمن أحرم بهما أو أحرم بالعمرة أوّلاً فلما فرغ من العمرة أحرم بالحج وهذا هو التمتع الخاص وهو المعروف في كلام الفقهاء والتمتع العام يشمل القسمين. ٤٥١٨ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عِمْرَانَ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعْالَى عَنْهُ قَالَ: نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وََّ، وَلَمْ يُنْزَلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ. قَالَ مُحَمَّدٌ: يُقَالُ إِنَّهُ عُمَرُ. وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عمران) بن مسلم (أبي بكر) البصري قال: (حدّثنا أبو رجاء) بالجيم ممدودًا عمران بن ملحان العطاردي البصري (عن عمران بن حصين) بضم الحاء المهملة (رضي الله عنه) أنه (قال: أنزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها) أي المتعة (مع رسول الله وَّه ولم ينزل) بضم أوله وفتح ثالثه (قرآن يحرمه) أي التمتع (ولم ينه) بفتح أوّله ولأبي ذر ولم ينه بضمه، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فلم ينه الفاء بدل الواو (عنها) أي المتعة فذكر الضمير باعتبار التمتع وأنثه باعتبار المتعة (حتى ٥٤ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة مات) النبي ◌َّارِ (قال رجل): قيل هو عثمان لأنه كان يمنع التمتع (برأيه ما شاء) زاد في نسخة. قال محمد أي البخاري (يقال أنه) أي الرجل (عمر) لأنه كان ينهى عنها ويقول: إن نأخذ بكتاب الله فإنه يأمرنا بالتمام يعني قوله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] وفي نفس الأمر لم يكن عمر رضي الله تعالى عنه ينهى عنها محرّمًا لها إنما كان ينهى عنها ليكثر قصد الناس البيت حاجين ومعتمرين. قاله الحافظ عماد الدين بن كثير في تفسيره. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الحج والنسائي في التفسير. ٣٤ - باب ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُتَاحَ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] (ليس عليكم جناح) ولأبي ذر باب (﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا﴾) في أن تطلبوا (﴿فضلاً من ربكم﴾) [البقرة: ١٩٨] أي ربحًا في تجارتكم. ٤٥١٩ - حدثني مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عُيَيْنَةً عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَتْ عُكُاظُ، وَمَجَنَّةُ، وَذُو الْمَجَازِ أسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَأَثَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي الْمَوْاسِمِ فَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فِي مَوْاسِمِ الْحَجْ. وبه قال: (حدثني) بالإفراد (محمد) هو ابن سلام البيكندي (قال: أخبرني) بالإفراد أيضًا ولأبي ذر أخبرنا (ابن عيينة) سفيان (عن عمرو) هو ابن دينار (عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) أنه (قال: كانت عكاظ) بضم العين المهملة وتخفيف الكاف وبالظاء المعجمة (ومجنة) بفتح الميم والجيم (وذو المجاز) بفتح الميم والجيم وبعد الألف زاي (أسواقًا في الجاهلية) بنصب أسواقًا خبر كان وكانت معايشهم منها ولأبي ذر عن الكشميهني أسواق الجاهلية بحذف الجار وإضافة أسواق للاحقه (فتأثموا) أي تحرج المسلمون (أن يتجروا) بتشديد الفوقية بعد التحتية وبالجيم المكسورة بعدها راء مضمومة من التجارة (في المواسم فنزلت ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾) قال ابن عباس: أي (في مواسم الحج). وهذا الحديث سبق في باب التجارة أيام المواسم من كتاب الحج. ٣٥ - باب ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] (باب) (﴿ثم أفيضوا﴾) ارجعوا (﴿من حيث أفاض الناس)) [البقرة: ١٩٩] من عرفة لا من المزدلفة . ٤٥٢٠ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُازِمٍ، حَدَّثَنَا هِشْامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ ذَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَكَانُوا يُسَمَّونَ الْحُمْسَ، وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، فَلَمَّا جاءَ الإسْلاَمُ أَمَرَ اللّهُ نَبِيَّهُ وَهَ أنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ ٥٥ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة ثُمَّ يَقِفَ بِها ثُمَّ يُفِيضَ مِنْها فَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أفاض الناسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا محمد بن خازم) بالخاء والزاي المعجمتين أبو معاوية الضرير قال: (حدّثنا هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله تعالى عنها) أنها قالت: (كانت قريش ومن دان دينها) وهو بنو عامر بن صعصعة وثقيف وخزاعة فيما قاله الخطابي (يقفون بالمزدلفة) ولا يخرجون من الحرم إذا وقفوا ويقولون: نحن أهل الله فلا نخرج من حرم الله (وكانوا يسمون الخمس) بضم الحاء المهملة وبعد الميم الساكنة سين مهملة جمع أحمس وهو الشديد الصلب وسموا بذلك لتصلبهم فيما كانوا عليه (وكان سائر العرب) أي باقيهم (يقفون بعرفات لما جاء الإسلام أمر الله) عز وجل (نبيه وَي) سقطت التصلية لأبي ذر (أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها) بنصب الفعلين عطفًا على السابق (فذلك قوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾) سائر العرب غير قريش ومن دان دينهم، وقيل: المراد بالناس إبراهيم وقيل آدم عليهما الصلاة والسلام وقرىء الناس بالكسر أي الناس يريد آدم عليه السلام من قوله تعالى: ﴿فنسي﴾ والمعنى أن الإفاضة من عرفة شرع قديم فلا تغيّروه. وهذا الحديث قد مرّ في الحج. ٤٥٢١ - حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَطَوُّفُ الرَّجُلُ بِالْبَيْتِ مَا كَانَ حَلالاً حَتَّى يُهِلَّ بِالْحَجْ فَإِذْا رَكِبَ إِلَى عَرَفَةَ فَمَنْ تَيَسَّرَ لَهُ هَدِيَّةٌ مِنَ الإِبِلِ أوِ الْبَقَرِ أوِ الْغَنَمِ ما تَيَسِّرَ لَهُ مِنْ ذُلِكَ أَيَّ ذُلِكَ شَاءَ غَيْرَ إِنْ لَمْ يَتَسَّرْ لَهُ فَعَلَيْهِ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ فِي الْحَجْ وَذُلِكَ قَبْلَ يَوْمٍ عَرَفَةَ، فَإِنْ كانَ آخِرُ يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ الثّلاثَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ فَلاَ جُتْاحَ عَلَيْهِ ثُمَّ لْيَتْطَلِقْ حَتَّى يَقِفَ بِعَرَفَاتٍ مِنْ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلَىّ أنْ يَكُونَ الظَّلامُ، ثُمَّ لْيَدْفَعُوا مِنْ عَرَفَاتٍ إِذْا أَقَاضُوا مِنْهَا حَتَّى يَبْلُغُوا جَمْعًا الَّذِي يَبِيْتُونَ بِهِ ثُمَّ لْيَذْكُرِ اللَّهَ كَثِيرًا، وَأَكْثِرُوا التّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا، ثُمَّ أَفِيضُوا فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا يُفِيضُونَ وَقَالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩] حَتّى تَرْمُوا الْجَمْرَةَ. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن أبي بكر) المقدمي البصري قال: (حدّثنا فضيل بن سليمان) بضم الفاء وفتح الضاد في الأوّل وضم السين وفتح اللام من الثاني النميري بالنون مصغرًا البصري قال: (حدّثنا موسى بن عقبة) الإمام في المغازي قال: (أخبرني) بالإفراد (كريب) هو ابن أبي مسلم الهاشمي مولاهم المدني مولى ابن عباس (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما أنه (قال: تطوف الرجل بالبيت) بفتح المثناة الفوقية والطاء المخففة وضم الواو المشددة مضافًا لتاليه وفي نسخة يطوف بالمثناة التحتية وضم الطاء مخففة الرجل بالرفع على الفاعلية (ما كان حلالاً) أي مقيمًا بمكة أو دخل بعمرة وتحلل منها (حتى يهلّ بالحج، فإذا ركب إلى عرفة فمن تيسر له هدية) ٥٦ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة بكسر الدال وتشديد التحتية، والذي في اليونينية هدية بكسر الدال من غير تشديد على التحتية، وفي نسخة هديه بسكون الدال وتخفيف التحتية آخره هاء (من الإبل أو البقر أو الغنم) وجزاء الشرط قوله: (ما تيسر له من ذلك) أي ففديته ما تيسر أو فعليه ما تيسر أو بدل من الهدي والجزاء بأسره محذوف أي ففديته ذلك أو فليفتد بدلك قاله الكرماني (أيّ ذلك شاء غير إن لم) وللأصيلي غير أنه إن لم (يتيسر له) أي الهدي (فعليه) وجوبًا (ثلاثة أيام) يصومهن (في الحج وذلك قبل يوم عرفة) لأنه يسن للحاج فطره وهذا تقييد من ابن عباس لإطلاق الآية (فإن كان آخر يوم) برفع آخر ولأبي ذر بالنصب (من الأيام الثلاثة يوم عرفة فلا جناح عليه) ولا يجوز صوم شيء منها يوم النحر ولا في أيام التشريق كما سبق في الحج، ولا يجوز تقديمها على الإحرام بالحج لأنها عبادة بدنية فلا تقدم على وقتها (ثم لينطلق) بالجزم بلام الأمر ولأبي ذر عن المستملي ينطلق بحذف اللام (حتى يقف بعرفات من صلاة العصر) عند صيرورة ظل كل شيء مثله أو بعد صلاتها مع الظهر جمع تقديم للسفر (إلى أن يكون الظلام) بغروب الشمس (ثم ليدفعوا من عرفات إذا أفاضوا منها حتى يبلغوا جمعًا) بفتح الجيم وسكون الميم وهو المزدلفة (الذي يبيتون به) صفة لجمعًا وهو من البيات، وللأصيلي وأبي ذر عن الحموي يتبرر بفوقية بعد التحتية المضمومة فموحدة فراءين مهملتين أوّلهما مفتوح مشدّد أي يطلب فيه البر وهو الصواب وعليه اقتصر في الفتح، وفي نسخة يتبرز بزاي معجمة آخره بدل الراء من التبرز وهو الخروج للبراز وهو الفضاء الواسع لأجل قضاء الحاجة (ثم ليذكر الله كثيرًا) بكسر الراء مع الأفراد وفي نسخة ثم ليذكروا الله بضمها مع الجمع (وأكثروا التكبير والتهليل) بالواو المفتوحة من غير همزة قبلها في الفرع وأصله وغيرهما من النسخ المعتمدة التي وقفت عليها. وقال الحافظ ابن حجر: وتبعه العيني أو أكثروا بالشك من الراوي أي: هل قال ثم ليذكر الله وأكثروا التكبير والتهليل (قبل أن تصبحوا ثم أفيضوا فإن الناس كانوا يفيضون)، وقال الله تعالى: (﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله﴾) من تغيير المناسك ونحوه (﴿إن الله غفور رحيم﴾) يغفر ذنب المستغفر وكثيرًا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات (حتى ترموا الجمرة) التي عند العقبة وهو غاية لقوله: ثم أفيضوا، أو لقوله: أكثروا التكبير. ٣٦ - باب ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنْا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] (﴿ومنهم﴾) وفي نسخة باب بالتنوين ومنهم (﴿من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾) [البقرة: ٢٠١] وفي رواية أبي ذر بعد قوله في الدنيا حسنة الآية وسقط ما بعده. ٤٥٢٢ - حدثنا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النّبِيُّ ◌َ﴿ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ ﴿رَبْنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذَابَ النَّارِ﴾)). ٥٧ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة ٣٧ - ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] وَقَالَ عَطَاءٌ: الثَّسْلُ: الْحَيَوَانُ [الحديث ٤٥٢٢ - أطرافه في: ٦٣٨٥]. وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بميمين مفتوحتين بينهما عين ساكنة عبد الله بن عمرو المنقري المقعد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم التنوري بفتح المثناة وتشديد النون البصري (عن عبد العزيز) بن صهيب البناني بموحدة مضمومة ونونين البصري (عن أنس) رضي الله تعالى عنه أنه (قال: كان النبي ◌َّر يقول): (اللهم ربنا) سقط لفظ ربنا لأبي ذر (﴿آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾) قال ابن كثير: جمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا وصرفت كل شر فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ورزق واسع وعلم نافع وعمل صالح إلى غير ذلك. وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات وتيسير الحساب وغير ذلك، وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الدعوات وأبو داود في الصلاة. (﴿وهو ألد الخصام﴾﴾ [البقرة: ٢٠٤] أي شديد العداوة والجدال للمسلمين وفي نسخة باب وهو ألد الخصام. (وقال عطاء): هو ابن أبي رباح مما وصله الطبري (النسل) في قوله تعالى: ﴿ويهلك الحرث والنسل﴾ [البقرة: ٢٠٥] (الحيوان). ٤٥٢٣ - حدثنا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنٍ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ تَرْفَعُهُ أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى الله الأَلَدُّ الْخَصِمُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّه،َ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّه تَعْالَى عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ. وبه قال: (حدّثنا قبيصة) بن عقبة السوائي العامري الكوفي قال: (حدّثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن ابن أبي مليكة) عبد الله (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها (ترفعه) إلى النبي وَلقر أنه قال: (أبغض الرجال إلى الله الألد) بفتح الهمزة واللام وتشديد الدال المهملة (الخصم) بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة: قال الجوهري: رجل ألد بين اللدد وهو الشديد الخصومة والخصم بكسر الصاد الشديد الخصومة. وقال ابن الأثير: اللدد الخصومة الشديدة. وقال التوربشتي: الأوّل ٥٨ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة ينبىء عن الشدة والثاني عن الكثرة. وقال شارح المشكاة: المعنى أنه شديد في نفسه بليغ في خصومته فلا يلزم منه التكرار قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وهو ألد الخصام﴾ [البقرة: ٢٠٤] أي شديد الجدال والعداوة للمسلمين والخصام المخاصمة وإضافة الألدّ بمعنى في أو يجعل الخصام ألد على المبالغة أو الخصام جمع خصم كصعب وصعاب بمعنى وهو أشد الخصوم خصومة. (وقال عبد اللَّه) هو ابن الوليد العدني (حدّثنا سفيان) هو الثوري كما جزم به المزي فيهما قال: (حدّثني) بالإفراد (ابن جريج) عبد الملك ولأبي ذر: عن ابن جريج (عن ابن أبي مليكة) عبد اللَّه (عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي وَّ﴾) وهذا وصله سفيان الثوري في جامعه، وذكره المؤلف لتصريحه برفعه إلى رسول الله وَظهر. ٣٨ - باب ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ - إلى - ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] ((أم حسبتم﴾) وفي نسخة: باب أم حسبتم (﴿أن تدخلوا الجنة﴾) قبل أن تبتلوا قيل أم هي المنقطعة فتقدر ببل والهمزة قيل لإضراب انتقال من أخبار إلى أخبار والهمزة للتقرير والتقدير بل أحسبتم وقيل لمجرد الإضراب من غير تقدير والمعنى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة قبل أن تبتلوا وتختبروا وتمتحنوا كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم ولذا قال: (﴿ولما يأتكم مثل الذين خَلَوْا من قبلكم مستهم البأساء والضراء﴾) وهي الأمراض والاسقام والآلام والمصائب والنوائب. وقال ابن عباس وابن مسعود وغيرهما البأساء: الفقر، وقال ابن عباس: والضراء السقم والواو في ولما للحال والجملة بعدها نصب عليها ولما حرف جزم معناها النفي كلم وفيها توقع ولذا جعل مقابل قد (إلى ﴿قريب﴾) [البقرة: ٢١٤] وفي رواية أبي ذر بعد قوله: ﴿من قبلكم) الآية وحذف ما عدا ذلك. وعند ابن أبي حاتم في تفسيره أنها نزلت يوم الأحزاب حين أصاب النبي وَّر بلاء وحصر، وقيل في يوم أحد، وقيل: نزلت تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين. ٤٥٢٤ - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مَلِيكَةً يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْا ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُوا أَنْهُمْ قَدْ كَذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] خَفِيفَةٌ ذَهَبَ بِها هُناكَ وَثَلًا: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. فَلَقِيتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَذَكَرْتُ لَّهُ ذلِكَ. وبه قال: (حذّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (إبراهيم بن موسى) بن يزيد الرازي الفراء الصغير قال: (أخبرنا هشام) هو ابن حسان (عن ابن جريج) عبد الملك أنه (قال: سمعت ابن أبي مليكة) عبد الله (يقول: قال ابن عباس رضي الله عنهما) في قوله تعالى: ((حتى إذا استيأس الرسل)) ليس في الكلام شيء حتى يكون غاية له فقدروه ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً﴾ ٥٩ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة [النحل: ٤٣] فتراخى نصرهم حتى وقيل غير ذلك مما يأتي إن شاء الله تعالى في سورة يوسف عليه الصلاة والسلام (﴿وظنوا أنهم قد كذبوا﴾) [يوسف: ١١٠] (خفيفة) ذالها المعجمة وهي قراءة الكوفيين على معنى أنه أعاد الضمير من ظنوا وكذبوا على الرسل أي هم ظنوا أن أنفسهم كذبتم ما حدثتهم به من النصرة كما يقال: صدق رجاؤه وكذب رجاؤه أو أعاد الضميرين على الكفار أي: وظن الكفار أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا به من النصر أو غير ذلك مما يأتي إن شاء الله تعالى في سورة يوسف عليه الصلاة والسلام. قال ابن أبي مليكة: (ذهب بها) أي بهذه الآية ابن عباس (هناك) بغير لام في اليونينية أي فهم منها ما فهمه من آية البقرة من الاستبعاد والاستبطاء (وتلا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه) لتناهي الشدة واستطالة المدة بحيث تقطعت حبال الصبر (﴿متى نصر الله﴾) استبطاء لتأخره فقيل لهم: ((ألا إن نصر الله قريب﴾) [البقرة: ٢١٤] إسعافًا لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر، وهذه الآية كآية سورة يوسف في مجيء النصر بعد اليأس والاستبعاد وفي ذلك إشارة إلى أن الوصول إلى الله تعالى والفوز بالكرامة عنده برفض اللذات ومكابدة الشدائد والرياضات. قال ابن أبي مليكة: (فلقيت عروة بن الزبير فذكرت له ذلك) المذكور من تخفيف ذال كذبوا. ٤٥٢٥ - فقال: قَالَتْ عَائِشَةُ: مَعَاذَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا وَعَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ مِنْ شَيْءٍ قَطُ إلاّ عَلِمَ أنَّهُ كُاِنٌ قَبْلَ أنْ يَمُوتَ، وَلْكِنْ لَمْ يَزَلِ الْبَلاءُ بِالرَّسُلِ حَتَّى خافُوا أَنْ يَكُونَ مَنْ مَعَهُمْ يُكَذِّبُونَهُمْ، فَكَانَتْ تَقْرَؤُها ﴿وَظَنُوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا﴾ مُثَقَّلَةً. (فقال: قالت عائشة): منكرة على ابن عباس (معاذ الله والله ما وعد الله رسوله من شيء قط إلا علم أنه كائن قبل أن يموت) ظرف للعلم لا للكون (ولكن لم يزل البلاء بالرسل حتى خافوا أن يكون من معهم) من المؤمنين (يكذبونهم) وإنكار عائشة على ابن عباس رضي الله تعالى عنهم إنما هو من جهة أن مراده أن الرسل ظنوا أنهم مكذبون من عند الله لا من عند أنفسهم بقرينة الاستشهاد بآية البقرة، ولا يقال لو كان كما قالت عائشة لقيل وتيقنوا أنهم قد كذبوا لأن تكذيب القوم لهم كان متحققًا لأن تكذيب أتباعهم من المؤمنين كان مظنونًا والمتيقن هو تكذيب من لم يؤمن أصلاً. قاله الكرماني، ويأتي زيادة لذلك في آخر سورة يوسف عليه الصلاة والسلام إن شاء الله تعالى (فكانت تقرؤها ﴿وظنوا أنهم قد كذبوا﴾، مثقلة) وهي قراءة الباقين غير الكوفيين على معنى: وظن الرسل أن قومهم قد كذبوهم فيما وعدوهم به من العذاب والنصرة عليهم فأعاد الضميرين على الرسل. ٣٩ - باب ﴿نِسْاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] الآيَةَ (باب) قوله تعالى: (﴿نساؤكم حرث لكم﴾) مبتدأ وخبر وجاز الإخبار عن الحرث بالمصدر ٦٠ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة إما للمبالغة أو على حذف مضاف من الأوّل أي وطء نسائكم حرث أي كحرث أو الثاني أي نساؤكم ذوات حرث ولكم في موضع رفع صفة لحرث متعلق بمحذوف، وأفرد الخبر والمبتدأ جمع لأنه مصدر والأفصح فيه الإفراد والتذكير حينئذٍ. وقال في الكشاف: حرث لكم مواضع حرث لكم، وهذا مجاز شبهن بالمحارث تشبيهًا لما يلقي في أرحامهن من النطف التي منها النسل بالبذور. قال في المصابيح: قوله؛ وهذا مجاز قيل باعتبار إطلاق الحرث على مواضع الحرث، وقيل باعتبار تغير حكم الكلمة في الاعراب من جهة حذف المضاف كما في: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] وقيل باعتبار حمل المشبه به على المشبه بعد حذف الأداة كما في زيد أسد فكثيرًا ما يقال له المجاز وإن لم يكن له استعارة وكأن التجوّز في ظاهر الحكم بأنه هو، ثم أشار إلى أن هذا التشبيه متفرع على تشبيه النطف الملقاة في أرحامهن بالبذور إذ لولا اعتبار ذلك لم يكن بهذا الحسن، وقيل المراد بالمجاز الاستعارة بالكناية لأن في جعل النساء محارث دلالة على أن النطف بذور على ما أشار إليه بقوله تشبيهًا لما يلقى الخ كما تقول: إن هذا الموضع لمفترس الشجعان. قال المولى سعد الدين التفتازاني: ولا أرى ذلك جاريًا على القانون إلا أن يقال: التقدير نساؤكم حرث لنطفكم ليكون المشبه مصرحًا والمشبه به مكنيًا انتهى. وقد روي عن مقاتل فروج نسائكم مزرعة للولد. (﴿فأتوا حرثكم﴾) أي فأتوهن كما تأتون المحارث (﴿أَنَى شئتم﴾) أي كيف شئتم مستقبلین ومستدبرين إذا كان في صمام واحد، وقيل: أنَّى بمعنى حيث، وقيل: متى (﴿وقدّموا لأنفسكم﴾﴾ [البقرة: ٢٢٣] (الآية) أي ما يدخر لكم من الثواب وقيل هو طلب الولد وعند ابن جرير عن عطاء. قال: أراه عن ابن عباس ﴿وقدّموا لأنفسكم﴾ قال: يقول بسم الله التسمية عند الجماع، وسقط لأبي ذر قوله: ﴿وقدموا لأنفسكم﴾. ٤٥٢٦ - حدثنا إسْحُقُ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَّيْلٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْا إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا، فَقَرَأَ سُورَةً الْبَقَرَةِ حَتَّى أَنْتَهِى إِلى مَكانٍ قَالَ: تَدْرِي فِيمَا أُنْزِلَتْ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا ثُمَّ مَضْى. [الحديث ٤٥٢٦ - أطرافه في: ٤٥٢٧]. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (إسحلق) هو ابن راهويه قال: (أخبرنا النضر بن شميل) بالضاد المعجمة وشميل بضم الشين المعجمة وفتح الميم قال: (أخبرنا ابن عون) بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالنون عبد اللَّه الفقيه المشهور (عن نافع) مولى ابن عمر أنه (قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا قرأ القرآن لم يتكلم) بغير القرآن (حتى يفرغ منه فأخذت عليه يومًا) أي أمسكت المصحف وهو يقرأ عن ظهر قلب، وعند الدارقطني في غرائب مالك من