النص المفهرس

صفحات 1-20

٠٠١١٠٠
إنشادُ السَّارِيْ
◌ِشِرْح مَحِسْعِ النَحَارِى
تَأليف
الإمام شهاب الدين أبي العباس أحمد بن محمد الشافي القسطلاني
المتوفى سنة ٩٢٣ هـ.
ضَبِطَرَ وَصَحِّحَّه
محمّ عبد العزيز الجالدي
٠
الجُزء العَاشر
يحتوي على:
كتاب تفسير القرآن
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان

جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب
العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة
أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا" أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة
كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات
ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيا".
Copyright C
All rights reserved
Exclusive rights by
DAR al-KOTOB al-
ILMIYAH Beirut - Lebanon. No part of this
publication may be translated, reproduced,
distributed in any form or by any means, or
stored in a data base or retrieval system,
without the prior written permission of the
publisher.
الطَّبعَة الأولى
١٤١٦ هــ - ١٩٩٦م.
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
: رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
العنوان
تلفون وفاكس : ٣٦٤٣٩٨ - ٢٦٦١٣٥ - ٦٠٢١٣٣ (١ ٩٦١) ..
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
DAR al-KOTOB al-ILMIYAH
Beirut - Lebanon
Address : Ramel al-Zarif, Bohtory st., Melkart bldg., 1st Floore.
Tel. & Fax : 00 (961 1) 60.21.33 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon

بِسْمِ اللهِالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
٦٥ - كتاب تفسير القرآن
الرَّحْمُنُ الرَّحِيمُ أَسْمَانِ مِنَ الرَّحْمَةِ، الرَّحِيمُ وَالرَّاحِمُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ كَالْعَلِيمِ وَالْعَالِمِ.
كذا لأبي ذر ولغيره، ولأبي الوقت: كتاب تفسير القرآن بسم الله الرحمن الرحيم، ولغيرهما
كتاب التفسير بسم الله الرحمن الرحيم فأخّر البسملة وعرّف التفسير وحذف المضاف إليه.
والتفسير: هو البيان، وهل التفسير والتأويل بمعنى؟ فقيل: التفسير بيان المراد باللفظ، والتأويل
بيان المراد بالمعنى. وقال قوم منهم أبو عبيد: هما بمعنى، وقال أبو العباس الأزدي: النظر في
القرآن من وجهين.
الأوّل من حيث هو منقول وهي جملة التفسير وطريقه الرواية والنقل.
والثاني من حيث هو معقول وهي جملة التأويل وطريقه الدراية والعقل. قال الله تعالى: ﴿إنا
جعلناه قرآنًا عربيًّا لعلكم تعقلون﴾ [الزخرف: ٣] فلا بدّ من معرفة اللسان العربي في فهم القرآن
العربي، فيعرف الطالب الكلمة وشرح لغتها وإعرابها، ثم يتغلغل في معرفة المعاني ظاهرًا وباطنًا
فيوفي لكل منها حقه.
وقال غيره: التفسير علم يعرف به فهم كتاب الله تعالى المنزل وبيان معانيه واستخراج
أحكامه وحكمه، واستمداد ذلك من علم النحو واللغة والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه
والقرآآت، ويحتاج إلى معرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ، وذكر القاضي أبو بكر بن العربي
في كتاب قانون التأويل: أن علوم القرآن خمسون علمًا وأربعمائة وسبعة آلاف علم وسبعون ألف
علم على عدد كلم القرآن مضروبة في أربعة. قال بعض السلف: إن لكل كلمة باطنًا وظاهرًا
وحدًا ومقطعًا، وهذا مطلق دون اعتبار تراكيبه وما بينها من روابط، وهذا مما لا يحصى ولا
يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى انتهى وحذفت الألف من بسم الله بعد الباء تنبيهًا على شدة المصاحبة
والاتصال بذكر الله .

٤
كتاب تفسير القرآن
(الرحمن الرحيم: اسمان) مشتقان (من الرحمة). وزعم بعضهم أنه غير مشتق لقولهم: وما
الرحمن؟ وأجيب بأنهم جهلوا الصفة لا الموصوف، ولذا لم يقولوا ومن الرحمن؟ وقول المبرد فيما
حكاه ابن الأنباري في الزاهر الرحمن اسم عبراني ليس بعرني قول مرغوب عنه، والدليل على
اشتقاقه ما صححه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن عوف أنه سمع النبي وَّو يقول: ((قال الله
تعالى: أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسمًا من اسمي)) الحديث. قال القرطبي: وهذا نص
في الاشتقاق فلا معنى للمخالفة والشقاق . أهـ.
والرحمن: فعلان من رحم کغضبان من غضب، والرحيم: فعیل منه کمریض من مرض،
والرحمة في اللغة رقة في القلب وانعطاف يقتضي التفضل والإحسان، ومنه الرحم لانعطافها على
ما فيها وهو تجوّز باسم السبب عن المسبب، ويستعمل في حقه تعالى تجوّزًا عن إنعامه أو عن إرادة
الخير لخلقه، إذ المعنى الحقيقي يستحيل في حقه تعالى، واختلف في اللفظين فقيل هما مترادفان
كندمان ونديم، وردّ بأن إمكان المخالفة يمنع الترادف ثم على الاختلاف قيل: الرحمن أبلغ لأن
زيادة البناء وهو الزيادة على الحروف الأصول تفيد الزيادة في المعنى كما في قطع وقطع وكبار
وكبار، وبالاستعمال حيث يقال رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الآخرة. وأسند ابن جرير عن
العرزمي أنه قال: الرحمن لجميع الخلق والرحيم بالمؤمنين. وقال تعالى: ﴿الرحمن على العرش
استوى﴾ [طه: ٥] وقال تعالى: ﴿وكان بالمؤمنين رحيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] فخصهم باسمه
الرحيم، فدل على أن الرحمن أشد مبالغة في الرحمة لعمومها في الدارين لجميع خلقه والرحيم
خاص بالمؤمنین.
وأجيب: بأنه ورد في الدعاء المأثور رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، وأورد على ما ذكر من
زيادة البناء حذر وحاذر ذكره ابن أبي الربيع وغيره، لكن قال البدر بن الدماميني: والنقض بحذر
وحاذر يندفع بأن هذا الحكم أكثري لا كلي وبأن ما ذكر لا ينافي أن يقع في البناء إلا نقص زيادة
معنى بسبب آخر كالإلحاق بالأمور الجبلية مثل شره ونهم، وبان ذلك فيما إذا كان اللفظان المتلاقيان
في الاشتقاق متحدي النوع في المعنى كغوث وغوثان لا كحذر وحاذر للاختلاف في المعنى. قال:
وهنا فائدة حسنة وهي أن بعض المتأخرين كان يقول: إن صفات الله تعالى التي هي على صيغة المبالغة
كغفار ورحيم وغفور كلها مجاز إذ هي موضوعة للمبالغة ولا مبالغة فيها لأن المبالغة هي أن ينسب
للشيء أكثر مما له، وصفات الله تعالى متناهية في الكمال لا يمكن المبالغة فيها، وأيضًا فالمبالغة إنما
تكون في صفات تقبل الزيادة والنقص وصفات الله تعالى منزهة عن ذلك انتهى.
وقول بعضهم: إن الرحيم أشد مبالغة لأنه أكد به والمؤكد يكون أقوى من المؤكد. أجيب
عنه: بأنه ليس من باب التأكيد بل من باب النعت بعد النعت، وقول إن الرحمن علم بالغلبة لأنه
جاء غير تابع لموصوف كقوله: ﴿الرحمن علم القرآن﴾ [الرحمن: ١] وشبهه. تعقب بأنه لا يلزم
من مجيئه غير تابع أن لا يكون نعتًا لأن المنعوت إذا علم جاز حذفه وإبقاء نعته.

٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة الفاتحة
وقال بعضهم: إن أراد القائل أنه علم اختصاصه تعالى به فصحيح ولا يمنع هذا وقوعه
نعتًا، وإن أراد أنه جار كالعلم لا ينظر فيه إلى معنى المشتق فممنوع لظهور معنى الوصفية وعلمية
الغلبة يردّهما أن لفظ الرحمن لم يستعمل إلا له تعالى فلا تتحقق فيه الغلبة، وأما قول بني حنيفة في
مسيلمة رحمن اليمامة فمن تعنتهم في کفرهم ولما تسمی بذلك کساه الله جلباب الكذب وشهر به،
فلا يقال إلا مسيلمة الكذاب، والأظهر أن رحمن غير مصروف كعطشان.
وقال البيضاوي: وتخصيص التسمية بهذه الأسماء ليعلم العارف أن المستحق لأن يستعان به
في مجامع الأمور هو المعبود الحقيقي الذي هو مولى النعم كلها عاجلها وآجلها جليلها وحقيرها،
فيتوجه بشراشره إلى جناب القدس ويتمسك بحبل التوفيق ويشغل سره بذكره والاستلذاذ به عن
غيره .
(الرحيم الراحم: بمعنى واحد كالعليم والعالم) وهذا بالنظر إلى أصل المعنى وإلا فصيغة
فعيل من صيغ المبالغة فمعناها زائد على معنى الفاعل وقد ترد صيغة فعيل بمعنى الصفة المشبهة،
وفيها أيضًا زيادة لدلالتها على الثبوت بخلاف مجرد الفاعل فإنه يدل على الحدوث، ويحتمل أن
يكون المراد أن فعيلاً بمعنى فاعل لا بمعنى مفعول لأنه قد يرد بمعنى مفعول فاحترز عنه.
[١] سورة الفاتحة
١ - باب مَا جَاءَ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ
وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْكِتَابِ أَنَّهُ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِها فِي الْمَصاحِفِ وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلاَةِ، وَالدّينُ
الْجَزَاءُ فِي الْخَيْرِ وَالشّرّ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ، وَقَالَ مُجْاهِدٌ: بِالدِّينِ بِالْحِسَابِ ﴿مَدِينِينَ﴾ مُحَاسَبِينَ.
(باب ما جاء في فاتحة الكتاب) أي من الفضل أو من التفسير أو أعم من ذلك والفاتحة في
الأصل أما مصدر كالعافية سمي بها أول ما يفتتح به الشيء من باب إطلاق المصدر على المفعول،
والتاء للنقل إلى الاسمية وإضافتها إلى الكتاب بمعنى ((من)) لأن أوّل الشيء بعضه، ثم جعلت علمًا
للسورة المعينة لأنها أوّل الكتاب المعجز قاله بعضهم، وسقط لفظ باب لأبي ذر.
(وسميت أم الكتاب أنه) بفتح الهمزة أي لأنه (يبدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها
في الصلاة) هذا كلام أبي عبيدة في المجاز وكره أنس والحسن وابن سيرين تسميتها بذلك قال
الأوّلان: إنما ذلك اللوح المحفوظ.
وأجيب: بأن في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال رسول الله وَلير: ((الحمد لله أم
القرآن وأم الكتاب)) صححه الترمذي، لكن قال السفاقسي: هذا التعليل مناسب لتسميتها بفاتحة
الكتاب لا بأم الكتاب، وقد ذكر بعض المحققين أن السبب في تسميتها أم الكتاب اشتمالها على
كليات المعاني التي في القرآن من الثناء على الله تعالى وهو ظاهر، ومن التعبد بالأمر والنهي وهو

٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة الفاتحة
في إياك نعبد، لأن معنى العبادة قيام العبد بما تعبّد به وكلفه من امتثال الأوامر والنواهي، وفي
﴿الصراط المستقيم﴾ أيضًا ومن الوعد والوعيد وهو في ﴿الذين أنعمت عليهم) وفي ﴿المغضوب
عليهم﴾ وفي ﴿يوم الدين﴾ أي الجزاء أيضًا، وإنما كانت الثلاثة أصول مقاصد القرآن، لأن
الغرض الأصلي الإرشاد إلى المعارف الإلهية وما به نظام المعاش ونجاة المعاد.
والاعتراض بأن كثيرًا من السور كذلك يندفع بعدم المساواة لأنها فاتحة الكتاب وسابقة
السور، وقد اقتصر مضمونها على كليات المعاني الثلاثة بالترتيب على وجه إجمالي لأن أوّلها ثناء
وأوسطها تعبد وآخرها وعد ووعيد، ثم يصير ذلك مفصلاً في سائر السور فكانت منها بمنزلة
مكة من سائر القرى على ما روي من أنها مهدت أرضها ثم دحيت الأرض من تحتها فتتأهل أن
تسمى أم القرآن كما سميت مكة أم القرى اهـ.
وما قاله المؤلف هو معنى قول البيضاوي: وتسمى أم القرآن لأنها مفتتحه ومبدؤه أي يفتتح
بها كتابة المصاحف ويبدأ بقراءتها في الصلاة، وقيل لأنها تفتح أبواب الجنة ولها أسماء أخر لا
نطیل بها.
(والدين: الجزاء في الخير والشر) وسقطت الواو لأبي ذر، وهذا رواه عبد الرزاق عن معمر
عن أيوب عن أبي قلابة عن النبي ◌َّله وهو مرسل رجاله ثقات. ورواه عبد الرزاق بهذا الإسناد
أيضًا عن أبي قلابة عن أبي الدرداء موقوفًا، وأبو قلابة لم يدرك أبا الدرداء، لكن له شاهد موصول
من حديث ابن عمر أخرجه ابن عدي وضعفه.
وفي المثل: (كما تدين تدان) الكاف في موضع نصب نعتًا لمصدر محذوف أي: تدين دينًا
مثل دينك. وهذا من كلام أبي عبيدة أيضًا كسابقه وهو حديث مرفوع أخرجه ابن عدي في
الكامل بسند ضعيف من حديث ابن عمر مرفوعًا، وله شاهد من مرسل أبي قلابة قال: قال
رسول الله وَّل: ((البر لا يبلى والإثم لا ينسى والديان لا يموت فكن كما شئت كما تدين تدان)).
رواه عبد الرزاق في مصنفه. وأخرجه البيهقي في كتاب الأسماء والصفات من طريقه، ومعناه:
كما تعمل تجازى، وفي الزهد للإمام أحمد عن مالك بن دينار موقوفًا مكتوب في التوراة: كما
تدين تدان وكما تزرع تحصد.
(وقال مجاهد): فيما وصله عبد بن حميد من طريق منصور عنه في قوله كلا بل تكذبون
(بالدين) أي (بالحساب) ومن طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أيضًا في قوله تعالى:
﴿فلولا إن كنتم غير﴾ (﴿مدينين﴾) [الواقعة: ٨٦] بفتح الميم أي (محاسبين).
٤٤٧٤ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمْنِ
عَنْ حَقْصٍ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، قالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَدَغْانِي
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ِ فَلَمْ أُجِبْهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِي فَقَالَ: (أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ ﴿أَسْتَجِيبُوا

٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة الفاتحة
للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعْاكُمْ﴾؟)) ثُمَّ قَالَ لِي: ((لأُعَلْمَنَّكَ سُورَةٌ هِيَ أعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أنْ
تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ))، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَلَمَا أرادَ أنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ: ألَمْ تَقُلْ لأَعَلِّمَنَّكَ سُورَةٌ هِيَ
أعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: ((﴿الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ
الَّذِي أُوتِيتُهُ)). [الحديث ٤٤٧٤ - أطرافه في: ٤٦٤٧ - ٤٧٠٣ - ٥٠٠٦].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن
شعبة) بن الحجاج أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (خبيب بن عبد الرحمن) بالخاء المعجمة مصغرًا
الأنصاري (عن حفص بن عاصم) أي ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (عن أبي سعيد بن
المعلى) واسمه رافع، وقيل: الحرث، وقوّاه ابن عبد البر وهي الذي قبله أنه (قال: كنت أصلي في
المسجد فدعاني رسول الله ◌َ﴿ فلم أجبه) زاد في تفسير الأنفال من وجه آخر عن شعبة فلم آته
حتى صليت ثم أتيته (فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي فقال):
(ألم يقل الله: ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم)) [الأنفال: ٢٤] زاد أبو ذر ﴿لما يحييكم﴾
واستدل به على أن إجابته واجبة يعصي المرء بتركها. وهل تبطل الصلاة أم لا؟ صرح جماعة من
أصحابنا الشافعية وغيرهم بعدم البطلان، وأنه حكم مختص به ◌َّ فهو مثل خطاب المصلي له
بقوله: السلام عليك أيها النبي، ومثله لا يبطل الصلاة. وفيه بحث لاحتمال أن تكون إجابته
واجبة سواء كان المخاطب في الصلاة أم لا. أما كونه يخرج بالإجابة من الصلاة أو لا يخرج،
فليس في الحديث ما يستلزمه فيحتمل أن تجب الإجابة، ولو خرج المجيب من الصلاة وإلى ذلك
جنح بعض الشافعية. (ثم قال لي) عليه الصلاة والسلام: (لأعلمنك سورة هي أعظم السور) وفي
نسخة: هي أعظم سورة (في القرآن) لعظم قدرها بالخاصية التي لم يشاركها فيها غيرها من السور
لاشتمالها على فوائد ومعان كثيرة مع وجازة ألفاظها، واستدل به على جواز تفضيل بعض القرآن
على بعض، وهو محكي عن أكثر العلماء كابن راهويه وابن العربي، ومنع من ذلك الأشعري
والباقلاني وجماعة لأن المفضول ناقص عن درجة الأفضل وأسماء الله تعالى وصفاته وكلامه لا
نقص فيها. وأجيب: بأن التفضيل إنما هو بمعنى أن ثواب بعضه أعظم من بعض، فالتفضيل إنما
هو من حيث المعاني لا من حيث الصفة.
وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند الحاكم. ((أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في
التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها» (قبل أن تخرج) بالفوقية في اليونينية
(من المسجد ثم أخذ بيدي) بالإفراد (فلما أراد أن يخرج) من المسجد (قلت له): زاد أبو هريرة يا
رسول الله (ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: ﴿الحمد لله رب العالمين))
[الفاتحة: ١] خبر مبتدأ محذوف أي هي كما صرح بها في رواية معاذ في تفسير الأنفال (هي
السبع) لأنها سبع آيات كسورة الماعون لا ثالث لهما وقيل للفاتحة (المثاني) لأنها تثنى على مرور
الأوقات أي تكرر فلا تنقطع وتدرس فلا تندرس، وقيل لأنها تثنى في كل ركعة أي تعاد أو أنها

٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة الفاتحة
يثنى بها على الله، أو استثنيت لهذه الأمة لم تنزل على من قبلها. فإن قيل: في الحديث السبع
المثاني، وفي القرآن سبعًا من المثاني أجيب: بأنه لا اختلاف بين الصيغتين إذا جعلنا من للبيان
(والقرآن العظيم الذي أوتيته).
قال التوربشتي: إن قيل كيف صح عطف القرآن على السبع المثاني وعطف الشيء على نفسه
مما لا يجوز؟ قلنا: ليس كذلك، وإنما هو من باب ذكر الشيء بوصفين. أحدهما: معطوف على
الآخر والتقدير آتيناك ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم أي الجامع لهذين النعتين. وقال
الطيبي: عطف القرآن على السبع المثاني المراد منه الفاتحة وهو من باب عطف العام على الخاص
تنزيلاً للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات، وإليه أوماً وَلقر بقوله: ((ألا أعلمك أعظم سورة
في القرآن)) حيث نكر السورة وأفردها ليدل على أنك إذا تقصيت سورة سورة في القرآن وجدتها
أعظم منها، ونظيره في النسق لكن من عطف الخاص على العام ﴿من كان عدوًّا الله وملائكته
ورسله وجبريل وميكال﴾ [البقرة: ٩٨]. اهـ.
وهو معنى قول الخطابي قال في الفتح: وفيه بحث لاحتمال أن يكون قوله: والقرآن العظيم
محذوف الخبر والتقدير ما بعد الفاتحة مثلاً فيكون وصف الفاتحة انتهى بقوله هي السبع المثاني، ثم
عطف قوله: والقرآن العظيم أي ما زاد على الفاتحة، وذكر ذلك رعاية لنظم الآية. ويكون التقدير
والقرآن العظيم هو الذي أوتيته زيادة على الفاتحة، وفيه دليل على أن الفاتحة سبع آيات، لكن منهم
من عدّ البسملة دون ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ [الفاتحة: ٧] ومنهم من عكس. قال الطيبي:
وعدّ التسمية أولى لأن أنعمت لا يناسب وزانه وزان فواصل السور ولحديث ابن عباس: بسم الله
الرحمن الرحيم الآية السابعة، ونقل عن حسين بن علي الجعفي أنها ست آيات لأنه لم يعد البسملة.
وعن عمرو بن عبيد أنها ثمان لأنه عدها وعدّ أنعمت عليهم.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في فضائل القرآن والتفسير، وأبو داود في الصلاة، وكذا
النسائي وفي التفسير أيضًا وفضائل القرآن، وابن ماجه في ثواب التسبيح.
٢ - باب ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّأَلِينَ﴾
(باب ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾﴾ [الفاتحة: ٧] الجمهور على جر ((غير)) بدلاً من
الذين على المعنى أو من ضمير عليهم، ورد بأن أصل غير الوصفية والإبدال بالأوصاف ضعيف،
وقد يقال استعمل غير استعمال الأسماء نحو غيرك يفعل كذا فجاز وقوعه بدلاً لذلك. وعن
سيبويه هو صفة للذين، ورد بأن غيرًا لا تتعرف.
وأجيب: بأن سيبويه نقل أن ما أضافته غير محضة قد يتمحض فيتعرف إلا الصفة المشبهة
وغير داخل في هذا العموم وقرىء شاذًا بالنصب، فقيل حال من ضمير عليهم وناصبها أنعمت،
وقيل من الذين وعاملها معنى الإضافة. قال ابن كثير: والمعنى ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط

٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة الفاتحة
الذين أنعمت عليهم﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] ممن تقدم وصفهم بالهداية والاستقامة غير صراط
المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم فعلموا الحق وعدلوا عنه ولا صراط الضالين، وهم
الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق، وأكد الكلام بلا ليدل على أن ثم
مسلكين فاسدين وهما طريقتا اليهود والنصارى، ومن أهل العربية من زعم أن ((لا)) في قوله:
﴿ولا الضالين﴾ زائدة. والصحيح ما سبق من أنها لتأكيد النفي لئلا يتوهم عطف الضالين على
﴿الذين أنعمت عليهم﴾ وللفرق بين الطريقين ليتجنب كل منهما، فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة
على العلم بالحق والعمل واليهود فقدوا العمل والنصارى فقدوا العلم، ولذا كان الغضب لليهود
والضلال للنصارى، لأن من علم وترك استحق الغضب بخلاف من لم يعلم، والنصارى لما كانوا
قاصدين شيئًا لكنهم لم يهتدوا إلى طريقه لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه وهو اتباع الرسول الحق
ضلوا، وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه، لكن أخص أوصاف اليهود الغضب،
وأخص أوصاف النصارى الضلال، وقد روى أحمد وابن حبان من حديث عدي بن حاتم أن
النبي وَل﴿ قال: ﴿المغضوب عليهم﴾ اليهود ﴿والضالين﴾ النصارى، والمراد بالغضب هنا الانتقام
وليس المراد به تغيرًا يحصل عند غليان دم القلب لإرادة الانتقام إذ هو محال على الله تعالى فالمراد
الغاية لا الابتداء.
٤٤٧٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صالِحٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قَالَ: ((إذا قالَ الإِمامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ
الضَّالِينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ، فَمَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن سمي) بضم
السين المهملة وفتح الميم وتشديد التحتية مصغرًا مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام
(عن أبي صالح) ذكوان (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَالخير قال):
(إذا قال الإمام) في الصلاة: (﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين) بالمد
والقصر لغتان، ومعناها استجب فهي اسم فعل بني على الفتح، وقيل اسم من أسماء الله تعالى
التقدير: يا أمين، وضعف بأنه لو كان كذلك لكان مبنيًا على الضم لأنه منادى مفرد معرفة، ولأن
أسماء الله تعالى توقيفية، ووجه الفارسي قول من جعله اسمًا له تعالى على معنى أن فيه ضميرًا يعود
عليه تعالى لأنه اسم فعل (فمن وافق قوله) بآمين (قول الملائكة) بها (غفر له) أي للقائل منكم (ما
تقدم من ذنبه) المتقدم كله فمن بيانية لا تبعيضية، وظاهره يشمل الصغائر والكبائر، والحق أنه عام
خص منه ما يتعلق بحقوق الناس فلا يغفر بالتأمين للأدلة فيه، لكنه شامل للكبائر إلا أن يدعي
خروجها بدليل آخر، وزاد الجرجاني في أماليه في آخر هذا الحديث ((وما تأخر)). وعن عكرمة مما
رواه عبد الرزاق قال: ((صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء فإن وافق آمين في الأرض
آمين في السماء غفر للعبد)». وقد سبق مزيد لهذا في باب جهر الإمام بالتأمين من كتاب الصلاة.

١٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
[٢] سورة البقرة
١ - باب بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [الآية: ٣١].
(بسم الله الرحمن الرحيم سورة البقرة) كذا لأبي ذر وسقطت البسملة لغيره.
وفي نسخة باب تفسير سورة البقرة (﴿وعلّم﴾) ولأبي ذر مما وجد مكتوبًا بين أسطر
اليونينية، باب قول الله تعالى: (﴿وعلّم آدم الأسماء كلها﴾) إما بخلق علم ضروري بها فيه
أو إلقاء في روعه ولا يفتقر إلى سابقه اصطلاح للتسلسل والتعليم فعل يترتب عليه العلم غالبًا،
ولذلك يقال علمته فلم يتعلم قاله البيضاوي. وظاهر الآية يقتضي أن التعليم للأسماء ويؤيده
بأسماء هؤلاء.
وقال الزمخشري: أي أسماء المسميات فحذف المضاف إليه لكونه معلومًا مدلولاً عليه بذكر
الأسماء لأن الاسم لا بد له من مسمى وعوّض عنه اللام كقوله: ﴿واشتعل الرأس شيبًا﴾
[مريم: ٤] واعترض بأن كون اللام عوضًا عن الإضافة ليس مذهب البصريين إنما قال به
الكوفيون وبعض البصريين، والبصريون إنما قالوا ذلك في المظهر لا في المضمر، وبأنه لم يجعل
المحذوف مضافًا إلى الأسماء أي مسميات الأسماء لينتظم تعليق الأنباء بالأسماء فيما ذكر بعد
التعليم، وهو وإن قدر المضاف إليه وجعل الأسماء غير المسميات لا يقول إن ما علمه آدم وعلمه
وعجز عنه الملائكة هو مجرد الألفاظ واللغات من غير علم بحقائق المسميات وأحوالها ومنافعها
لظهور أن لفضيلة والكمال إنما هي في ذلك، وإلى هذا ذهب من جعل الاسم نفس المسمى، أو
حمل الكلام على حذف المضاف أي مسميات الأسماء، لكن يرد عليه أنه لا دلالة في الكلام على
هذا التقدير، وجوابه: أن الأحوال والمنافع أيضًا المسميات التي علم أسماءها ولا يتم ذلك بدون
معرفتها على وجه تمتاز به عما عداها وهذا كاف قاله في المصابيح، واختلف في المراد بالأسماء
فقيل: أسماء الأجناس دون أنواعها، وقيل أسماء كل شيء حتى القصعة.
٤٤٧٦ - حدّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعْالَى
عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َلَّ ح.
وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةً، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،
عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: ((يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنْا فَيَأْتُونَ آدَمَ
فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَبُو النَّاسِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَشْفَعْ
لَّنْا ◌ِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَثْا مِنْ مَكَانِثًا هذا فَيَقُولُ لَسْتُ هُتْكُمْ، وَيَذْكُرُ ذَنْبَهُ فَيَسْتَحِي، آثْتُوا نُوحًا
فَإِنَّهُ أوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ الأَرْضِ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ سُؤْالَهُ رَبَّهُ مَا لَيْسَ

١١
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
لَهُ بِهِ عِلْمٌ، فَيَسْتَخِي فَيَقُولُ: أَثْتُوا خَلِيلَ الرَّحْمُنِ، فَيَأْتُونَهُ فَقُولُ: لَسْتُ هُتَاكُمْ أَثْتُوا مُوسَى عَبْدًا
كَلَّمَهُ اللَّهُ وَأعْطَاهُ التَّوْرَاةَ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُتَاكُمْ، وَيَذْكُرُ قَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ نَفْسٍ، فَيَسْتَحِي
مِنْ رَبِّهِ فَيَقُولُ: أَثْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ، وَكَلِمَةَ اللَّهِ وَرُوحَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُتَاكُمُ، أَثْتُوا
مُحَمّدًا وَّهِ عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِي فَأَنْطَلِقُ حَتَى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي
فَيُؤْذَّنُ فَإِذْا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ ثُمَّ يُقالُ: أَرْفَعْ رَأْسَكَ وَسَلْ تُعْطَهِ، وَقُلْ
يُسْمَعْ، وَأَشْفِعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ
الْجَنََّ ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ، فَإِذْا رَأَيْتُ رَبِّي مِثْلَهُ ثُمَّ أشْفَعُ فَيَحُدُّ لي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أُعُودُ الثَّالِثَةَ،
ثُمَّ أُعُودُ الرَّابِعَةَ، فَأَقُولُ: مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إلاّ مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ)). قَالَ أَبُو
عَبْدِ اللَّه إلاّ مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [آل عمران: ١٥ وغيرها].
وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الأزدي الفراهيدي بالفاء البصري، وسقط لأبي ذر: ابن
إبراهيم قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (عن أنس رضي الله تعالى
عنه عن النبي ◌َّر).
قال البخاري: (وقال لي خليفة) بن خياط العصفري بضم العين وسكون الصاد المهملتين
وضم الفاء البصري على سبيل المذاكرة أو التحديث (حدّثنا يزيد بن زريع) بتقديم الزاي مصغرًا
أبو معاوية البصري قال: (حدّثنا سعيد) هو ابن أبي عروبة (عن قتادة عن أنس رضي الله عنه عن
النبي بَّة) أنه (قال):
(يجتمع المؤمنون يوم القيامة) ولأبي ذر: ويجتمع بواو العطف على محذوف بينه في رواية له
(فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا) لو هي المتضمنة للتمني والطلب أي لو استشفعنا أحد إلى ربنا
فيشفع لنا فيخلصنا مما نحن فيه من الكرب (فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله
بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء)، وضع شيئًا موضع أشياء أي المسميات
إرادة للتقصي واحدًا فواحدًا حتى يستغرق المسميات كلها (فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا) بالراء
من الإراحة (من مكاننا هذا فيقول) لهم: (لست هناكم) أي لست في المكانة والمنزلة التي
تحسبونني يريد مقام الشفاعة (ويذكر ذنبه) وهو قربان الشجرة والأكل منها (فيستحي)، بكسر
الحاء، ولأبي ذر: فيستحيي بسكونها وزيادة تحتية (ائتوا نوحًا فإنه أوّل رس ل بعثه الله إلى أهل
الأرض)، بالإنذار وإهلاك قومه، لأن آدم كانت رسالته بمنزلة التربية والإرشاد للأولاد، وليس
المراد بقوله بعثه الله إلى أهل الأرض عموم بعثته، فإن ذا من خصوصيات نبينا ﴿ فإن هذا إنما
حصل له بالحادث الذي وقع وهو انحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس بالطوفان
فلم يكن ذلك في أصل بعثته، وأما الاستدلال على عموم رسالته بدعائه على جميع من في الأرض
فأهلكوا بالغرق إلا أهل السفينة لأنه لو لم يكن مبعوثًا إليهم لما أهلكوا لقوله تعالى: ﴿وما كنا

١٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ [الإسراء: ١٥] وقد ثبت أنه أوّل الرسل فأجيب: بجواز أن يكون
غيره أرسل إليهم في أثناء مدة نوح وبأنهم لم يؤمنوا فدعا على من لم يؤمن من قومه وغيرهم.
فأجيب: لكن لم ينقل أنه نبىء في زمن نوح عليه الصلاة والسلام غيره، فالله أعلم.
(فيأتونه فيقول) لهم: (لست هناكم) قال عياض: كناية عن أن منزلته دون هذه المنزلة
تواضعًا أو أن كلاً منهم يشير إلى أنها ليست له بل لغيره (ويذكر سؤاله ربه) المحكي عنه في القرآن
بقوله تعالى: ﴿رب إن ابني من أهلي وأن وعدك الحق﴾ [هود: ٤٥] أي وعدتني أن تنجي أهلي
من الغرق، وسأل أن ينجيه من الغرق وفي نسخة لربه (ما ليس له به علم) حال من الضمير
المضاف إليه في سؤاله أي صادرًا عنه بغير علم أو من المضاف أي متلبسًا لغير علم، وربه مفعول
سؤاله، وكان يجب عليه أن لا يسأل كما قال تعالى: ﴿فلا تسألني ما ليس لك به علم﴾
[هود: ٤٦] أي ما شعرت من المراد بالأهل وهو: من آمن وعمل صالحا وأن ابنك عمل غير
صالح (فيستحيي) ولغير أبي ذر بياء واحدة وكسر الحاء (فيقول: ائتوا خليل الرحمن) إبراهيم عليه
الصلاة والسلام (فيأتونه فيقول: لست هناكم ائتوا موسى عبدًا كلمه الله وأعطاه التوراة فيأتونه
فيقول: لست هناكم ويذكر قتل النفس بغير نفس فيستحيي من ربه) ولغير أبي ذر: فيستحي بياء
واحدة وكسر الحاء ولا يقدح ذلك في عصمته لكونه خطأ، وإنما عدّه من عمل الشيطان وسماه
ظلمًا واستغفر منه كما في الآية على عادتهم في استعظام محقرات فرطت منهم (فيقول: ائتوا
عيسى عبد اللَّه ورسوله وكلمة الله) لأنه وجد بأمره تعالى دون أبي (وروحه) أي ذا روح صدر منه
لا بتوسط ما يجري مجرى الأصل والمادة له، وقيل لأنه كان يحيي الأموات والقلوب (فيقول): أي
بعدما يأتونه (لست هناكم ائتوا محمدًا وَّر) سقطت التصلية لغير أبي ذر (عبدًا)، بالنصب ولأبي ذر
عبد (غفر الله له ما تقدم من ذنبه) عن سهو وتأويل (وما تأخر) بالعصمة أو إنه مغفور له غير
مؤاخذ بذنب لو وقع (فيأتوني) ولأبي ذر: فيأتونني بنونين وفيه إظهار شرف نبينا عليه الصلاة
والسلام كما لا يخفى (فأنطلق حتى أستأذن على ربي فيؤذن) بالرفع عطفًا على أنطلق، ولأبي ذر:
فيؤذن بالنصب عطفًا على المنصوب في قوله حتى استأذن (فإذا رأيت ربي وقعت ساجدًا فيدعني ما
شاء) ولغير أبي ذر ما شاء الله (ثم يقال: ارفع رأسك) وسقط لأبي ذر لفظة رأسك (وسل) بفتح
السين من غير ألف وصل (تعطه) بهاء بعد الطاء (وقل يسمع) أي قوله (واشفع تشفع) أي تقبل
شفاعتك (فأرفع رأسي) من السجود (فأحمده) تعالى (تحميد يعلمنيه) بضم الميم (ثم أشفع فيحدّ لي)
بفتح الياء تعالى (حدًا) أي يبين لي قومًا أشفع فيهم كأن يقول: ((شفعتك فيمن أخلّ بالصلاة))
(فأدخلهم الجنة ثم أعود إليه) تعالى (فإذا رأيت ربي مثله) أي أفعل مثل ما سبق من السجود ورفع
الرأس وغيره (ثم أشفع، فيحدّ لي حدًا) كأن يقول: شفعتك فيمن زنى أو فيمن شرب الخمر مثلاً
(فأدخلهم الجنّة، ثم أعود الثالثة، ثم أعود الرابعة فأقول، ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن) أي
حكم بحبسه أبدًا (ووجب عليه الخلود) وهم الكفار (قال أبو عبد اللَّه) البخاري: (إلا من حبسه القرآن
يعني قول الله تعالى) أي في الكفار: (﴿خالدين فيها﴾) [آل عمران: ١٥ وغيرها] وسقط لأبي ذر لفظ (إلا من).

١٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
واستشكل سياق هذا الحديث من جهة كون المطلوب الشفاعة للإراحة من موقف العرصات
لما يحصل لهم من ذلك الكرب الشديد لا للإخراج من النار. وأجيب: بأنه قد انتهت حكاية
الإراحة عند لفظ فيؤذن لي وما بعده هو زيادة على ذلك قاله الكرماني. وقال الطيبي: لعل المؤمنين
صاروا فرقتين فرقة سيق بهم إلى النار من غير توقف، وفرقة حبسوا في المحشر واستشفعوا به وَلهول
فخلصهم مما هم فيه وأدخلهم الجنة، ثم شرع في شفاعة الداخلين النار زمرًا بعد زمر كما دل
عليه قوله: فيحدّ لي حدًا الخ فاختصر الكلام.
وقال في فتوح الغيب: إيراد قصة واحدة في مقامات متعددة بعبارات مختلفة وأنحاء شتى
بحيث لا تغيير ولا تناقض البتة من فصيح الكلام وبليغه، وهو باب من الإيجاز المختص
بالإعجاز، ويحتاج في التوفيق إلى قانون يرجع إليه، وهو أن يعمد إلى الاقتصاصات المتفرقة ويجعل
لها أصل بأن يؤخذ من المباني ما هو أجمع للمعاني، فما نقص فيه من تلك المعاني شيء يلحق به
انتھی.
وقال في شرح المشكاة: أو يراد بالنار الحبس والكربة وما يكونون فيه من الشدة ودنو
الشمس إلى رؤوسهم وحرها وإلجامهم بالعرق وبالخروج إلى الخلاص منها.
وهذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في التوحيد، وأخرجه مسلم في الإيمان، والنسائي في
التفسير، وابن ماجه في الزهد.
٢ - باب
قَالَ: مُجَاهِدٌ: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ أصْحَابِهِمْ مِنَ الْمُتْافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾
اللَّهُ جَامِعُهُمْ ﴿صِبْغَةٍ﴾ دِينٌ ﴿عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا، قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ يَعْمَلُ
بِمَا فِيهِ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿مَرَضٌ﴾ شَكَّ ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ عِبْرَةٌ لِمَنْ بَقِيَ ﴿لأَشِيَةَ﴾ لا بَيَاضَ وَقَالَ
غَيْرُهُ: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يُولُونَكُمْ ﴿الْوَلاَيَّةُ﴾ مَفْتُوحَةً مَصْدَرُ الْوَلاَءِ وَهِيَ الرُّبُوِيَّةُ، وَإِذَا كُسِرَتِ الْوَاوُ
فَهِيَ الإِمارَةُ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَّلُ كُلُّهُا ﴿قُومٌ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿فَبَاؤُوا﴾ فَانْقَلَبُوا،
وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ يَسْتَنْصِرُونَ ﴿شَرَوْا﴾ بَاعُوا ﴿رَاعِتًا﴾ مِنَ الرُّعُونَةِ إذا أرادُوا أنْ يُحَمِّقُوا
إِنْسانَا، قَالُوا: رَاعِنَا ﴿لَأَ تَجْزِي﴾ لا تُغْنِي ﴿خُطُوَاتٍ﴾ مِنَ الْخَطْوِ، وَالْمَعْنَى آثَارَهُ.
(باب) بالتنوين بغير ترجمة.
(قال مجاهد) فيما وصله عبد بن حميد عن ورقاء عن أبي نجيح عنه في قوله تعالى: ﴿وإذا
خلوا﴾ (﴿إلى شياطينهم)) [البقرة: ١٤] أي (أصحابهم من المنافقين والمشركين). وسموا شياطين
لأنهم ماثلوا الشياطين في تمرّدهم وهم المظهرون كفرهم وإضافتهم إليهم للمشاركة في الكفر. قال
القطب: فهو استعارة وإضافة الشياطين إليهم قرينة الاستعارة.

١٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
وقال مجاهد أيضًا فيما وصله عبد بن حميد بالإسناد المذكور في قوله تعالى: ﴿والله﴾ (﴿محيط
بالكافرين﴾﴾ [البقرة: ١٩] أي (الله جامعهم). زاد الطبري في جهنم قال البيضاوي كالزمخشري:
أي لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط، وجملة والله محيط اعتراض لا محل لها. وقال
القطب: فهو استعارة تمثيلية شبه حال تقريع الكفار في أنهم لا يفوتونه ولا محيص لهم عن عذابه
بحال المحيط بالشيء في أنه لا يفوته المحاط به، واستعير لجانب المشبه الإحاطة. وقوله: والجملة
اعتراض لا محل لها قال أبو حيان: لأنها دخلت بين هاتين الجملتين وهما: يجعلون أصابعهم ويكاد
البرق وهما من قصة واحدة.
((صبغة﴾) أي (دين) يريد قوله تعالى: ﴿صبغة الله﴾ وهذا وصله أيضًا عبد بن حميد عن
مجاهد أيضًا. وقال البيضاوي: أي صبغنا الله صبغته وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها فإنها
حلية الإنسان كما أن الصبغة تحلية المصبوغ.
وقال مجاهد أيضًا في قوله تعالى: ﴿إلا﴾ (﴿على الخاشعين﴾) أي (على المؤمنين حقًا). وصله
عنه عبد بن حميد.
(قال مجاهد) أيضًا: (﴿بقوّة)) [البقرة: ٦٣] أي (يعمل بما فيه)، وصله عنه عبد بن حميد
أيضًا وسقط لأبي ذر قوله قال مجاهد:
(وقال أبو العالية): فيما وصله ابن أبي حاتم عنه في قوله تعالى: ﴿في قلوبهم﴾
(﴿مرض﴾) [البقرة: ١٠] أي (شك). وقال: أيضًا فيما وصله ابن أبي حاتم عنه في قوله تعالى:
﴿نكالاً لما بين يديها﴾ (﴿وما خلفها﴾) أي (عبرة لمن بقي) أي من بعدهم من الناس، وقوله
تعالى: ﴿﴿لاشية﴾) [البقرة: ٧١] فيها بالياء من غير همز أي (لا بياض) فيها.
(وقال غيره): هو أبو عبيد القاسم بن سلام في قوله تعالى: (يسومونكم) أي (يولونكم)
بضم أوّله وسكون الواو وقال في قوله تعالى: ﴿هنالك﴾ (﴿الولاية﴾ مفتوحة) واوها (مصدر
الولاء) بفتح الواو والمد (وهي الربوبية، وإذا كسرت الواو فهي الإمارة) بكسر الهمزة وإنما ذكر
هذه ليؤيد بها تفسير يسومونكم: يولونكم. (وقال بعضهم الحبوب التي تؤكل ، كلها ﴿قوم﴾)
ذكره الفراء في معاني القرآن عن عطاء وقتادة.
(وقال قتادة): فيما وصله عبد بن حميد في قوله: (﴿فباؤوا﴾) أي (فانقلبوا. وقال
غيره): في قوله تعالى: (﴿يستفتحون﴾) أي (يستنصرون) كذا قاله أبو عبيدة أي على المشركين
ويقولون: اللهم أنصرنا بنبي آخر الزمان المنعوت في التوراة. وقال في قوله تعالى: ﴿ولبئس ما﴾
(﴿شروا﴾﴾ [البقرة: ١٠٢] ﴿به أنفسهم﴾ أي (باعوا) وقوله تعالى: (﴿راعنا﴾) (من الرعونة، إذا
أرادوا أن يحمقوا إنسانًا قالوا راعنا). بالتنوين صفة لمصدر محذوف أي قولاً ذا رعن عن نسبة إلى
الرعن والرعونة الحمق، والجملة في محل نصب بالقول. وفي قوله تعالى: ((لا تجزي﴾)

١٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
[البقرة: ٤٨] أي (لا تغني). وفي قوله تعالى: ﴿لا تتبعوا﴾ (﴿خطوات﴾) ﴿الشيطان﴾
[البقرة: ١٦٨] (من الخطو، والمعنى آثاره). أي آثار الشيطان، وجميع ما ذكر من قوله قال مجاهد
التالي الباب إلى هنا ثابت للمستملي والكشميهني، ساقط للحموي.
٣ - باب قَوْله تَعالى: ﴿فَلَاْ تَجْعَلُوا للَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
(قوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا﴾) جمع ند وهو المثل والنظير (﴿وأنتم تعلمون﴾)
[البقرة: ٢٢] حال من ضمير فلا تجعلوا ومفعول تعلمون متروك أي وحالكم أنكم من ذوي العلم
والنظر وإصابة الرأي فلو تأملتم أدنى تأمل اضطر عقلكم إلى إثبات موجد للممكنات، منفرد
بوجود الذات، متعال عن مشابهة المخلوقات، أوله مفعول أي: وأنتم تعلمون أنه الذي خلق ما
ذكر أو أنتم تعلمون أن لا ندّ له، وعلى كل التقديرين متعلق العلم محذوف إما حوالة على العقل
أو للعلم به، وسقط لأبي ذر قوله تعالى فقط.
٤٤٧٧ - حدثني عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدِّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ شُرَخْبِيلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ؛ سَأَلْتُ النَّبِيِّ ◌َ﴿ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((أنْ
تَجْعَلَ للَّهِ نِدًا، وَهُوَ خَلَقَكَ)) قُلْتُ إنَّ ذُلِكَ لَعَظِيمٌ قُلْتُ: ثُمَّ أَّ؟ قَالَ: ((وَأنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ
أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ)) قُلْتُ: ثُمَّ أَيِّ؟ قَالَ: ((أنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جُارِكَ)). [الحديث ٤٤٧٧ أطرافه في:
٤٧٦١ - ٦٠٠١ - ٦٨١١ - ٦٨٦١ - ٧٥٢٠ - ٧٥٣٢].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (عثمان بن أبي شيبة) الحافظ الكوفي قال:
(حذّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد الرازي (عن منصور عن أبي وائل) بالهمز شقيق بن سلمة (عن
عمرو بن شرحبيل) بالصرف وعدمه الهمداني (عن عبد اللَّه) بن مسعود أنه (قال: سألت
النبي وسير أي الذنب أعظم عند الله قال):
(أن تجعل الله ندًا) أي مثلاً ونظيرًا (وهو خلقك) وغيره لا يستطيع خلق شيء موجود الخلق
يدل على الخالق، واستقامة الخلق تدل على توحيده ولو كان المدبر اثنين لم يكن على الاستقامة،
ولذا قال موحد الجاهلية زيد بن عمرو بن نفيل:
أربّا واحدًا أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور
تركت اللات والعزى جميعًا كذلك يفعل الرجل البصير
(قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي؟) بالتشديد من غير تنوين. قال الفاكهاني: لأنه
موقوف عليه في كلام السائل ينتظر الجواب منه عليه الصلاة والسلام والتنوين لا يوقف عليه
إجماعًا وتنوينه مع وصله بما بعده خطأ، بل ينبغي أن يوقف عليه وقفة لطيفة ثم يؤتى بما
بعده . اهـ.

١٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
قال في المصابيح: هذا عجيب لأن الحاكي لا يجب عليه في حالة وصل الكلام بما قبله أو
بما بعده أن يراعي حال المحكي عنه في الابتداء والوقف، بل يفعل هو ما تقتضيه حالته التي هو
فيها، وقد قيده ابن الجوزي في مشكل الصحيحين بالتشديد والتنوين كما في الفرع وقال: هكذا
سمعته من ابن الخشاب، وقال: لا يجوز إلا تنوينه لأنه اسم معرب غير مضاف.
(قال: وأن تقتل) في الفرع بإسقاط الواو وثبتت في أصله (ولدك) حال كونك (تخاف أن
يطعم معك قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك) بفتح الهاء المهملة وكسر اللام الأولى
أي زوجته فإنه زنا وإبطال لما أوصى الله تعالى به من حفظ حقوق الجيران.
وهذا الحديث أورد هنا أيضًا وفي التوحيد والأدب والمحاربين ومسلم في الإيمان والنسائي
فيه والرجم والمحاربة.
٤ - باب وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنًا
عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلوى كُلُوا مِنْ طَيَِّّاتِ مَا رَزَقْتَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونًا
وَلْكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَنُّ صَمْغَةٌ، وَالسَّلْوُىِ الطَّيْرُ
(وقوله تعالى: ﴿وظللنا عليكم الغمام﴾) سخر الله تعالى لهم السحاب يظلهم من الشمس
حين كانوا في التيه، وسقط لأبي ذر قوله تعالى: ((وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات
ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾﴾ [البقرة: ٥٧] بالكفر، وسقط لأبي ذر قوله
تعالى: (﴿من طيبات﴾) إلى آخر (﴿أنفسهم)) وقال بعد: (﴿كلوا﴾) إلى (﴿يظلمون)).
(وقال مجاهد): فيما وصله الفريابي عنه (المن: صمغة، والسلوى: الطير) وعن ابن عباس
فيما رواه ابن أبي حاتم قال: كان المن ينزل على الشجرة فيأكلون منه ما شاؤوا.
٤٤٧٨ - حدثنا أَبُو نُعِيم، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَغْالَى عَنْهُ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنَّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ
لِلْعَيْنِ)). [الحديث ٤٤٧٨ - أطرافه في: ٤٦٣٩ - ٥٧٠٨].
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن
عبد الملك) بن عمير القرشي (عن عمرو بن حريث) بضم الحاء مصغرًا وعمرو بفتح العين
وسكون الميم (عن سعيد بن زيد) أحد العشرة (رضي الله تعالى عنه) أنه (قال: قال رسول الله)
ولأبوي ذر والوقت النبي (مَل﴾):
(الكمأة) بفتح الكاف وسكون الميم والهمزة المفتوحة شيء ينبت بنفسه من غير استنبات
وتكلف مؤونة (من المن) لأنها تسقط بلا كلفة (وماؤها شفاء للعين) إذا ربى بها الكحل والتوتيا

١٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
وغيرهما مما يكتحل به، وأما إذا اكتحل بها مفردة فلا لأنها تؤذي العين. وقال النووي: الصواب
أن مجرد مائها شفاء مطلقًا، وإنما وصفت الكمأة بذلك لأنها من الحلال الذي ليس في اكتسابه
شبهة. واعترض الخطابي وغيره بإدخال هذا هنا فإنه ليس المراد إنها نوع من المن المنزل على بني
إسرائيل، فإن ذلك شيء كالترنجبين، وإنما معناه أنها تنبت بنفسها من غير استنبات ولا مؤونة.
وأجيب: بأنه وقع في رواية ابن عيينة عن عبد الملك بن عمير في حديث الباب من المن الذي
أنزل على بني إسرائيل فظهرت المناسبة على ما لا يخفى.
٥ - باب ﴿وَإِذْ قُلْنَا أَدْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَّةَ
فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا
وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَتَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ رَغَدًا: وَاسِعْ كَثِيرٌ
(باب) بالتنوين (﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية﴾) أي بيت المقدس (﴿فكلوا منها حيث شئتم
رغدًا﴾) نصب على المصدر أو الحال من الواو أي واسعًا (﴿وادخلوا الباب﴾) أي باب القرية
(﴿سجدًا﴾) حال من فاعل أدخلوا وهو جمع ساجد أي متطامنين مخبتين أو ساجدين لله شكرًا على
إخراجكم من التيه (﴿وقولوا حطة﴾) بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي مسألتنا حطة. قال الزمخشري:
والأصل النصب بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة ورفعت لتعطي معنى الثبات وتكون الجملة في محل
نصب بالقول (﴿نغفر لكم خطاياكم﴾) مجزوم في جواب الأمر أي بسجودكم ودعائكم (﴿وسنزيد
المحسنين﴾) [البقرة: ٥٨] ثوابًا. ولأبي ذر ﴿حيث شئتم﴾ الآية. وسقط ما بعد.
(﴿رغدًا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وَكُلا منها رغدًا﴾ [البقرة: ٣٥] قال أبو عبيدة (واسعٌ كثير)
وفي نسخة واسعًا كثيرًا بالنصب، وهذا ثابت في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني ساقط
لغيرهما.
٤٤٧٩ - حدثني مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ
هَمَّامٍ بْنِ مُتَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ: ((قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿آدْخُلُوا
الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، فَبَدَّلُوا وَقَالُوا: حِطَّةٌ حَيَّةٌ فِي
شَعَرَةٍ)) .
وبه قال: (حذَّثني) بالإفراد (محمد) غير منسوب ونسبه ابن السكن عن الفربري كما في
الفتح فقال: محمد بن سلام. قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل عندي أن يكون محمد بن يحيى
الذهلي فإنه يروي عن عبد الرحمن بن مهدي أيضًا. وقال الجياني: الأشبه أنه محمد بن بشار
بتشديد المعجمة، وزاد الكرماني أو ابن المثنى قال: (حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي) أبو سعيد
البصري قال ابن المديني: ما رأيت أعلم منه (عن ابن المبارك) عبد الله (عن معمر) بفتح الميمين
إرشاد الساري/ ج ١٠/ م ٢

١٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
هو ابن راشد الأزدي (عن همام بن منبه) بتشديد الميم الأولى ومنبه بتشديد الموحدة المكسورة ابن
كامل الصنعاني أخي وهب (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَليز) أنه (قال):
(قيل لبني إسرائيل) لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون عليه الصلاة
والسلام وفتح الله تعالى عليهم بيت المقدس عشية جمعة وقد حبست لهم الشمس قليلاً حتى أمكن
الفتح (﴿ادخلوا الباب﴾) باب البلد (﴿سجدًا﴾) شكرًا لله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح
والنصر ورة بلدهم إليهم وإنقاذهم من التيه، وعن ابن عباس فيما رواه ابن جرير سجدًا قال
ركعًا، وعن بعضهم المراد به الخضوع لتعذر حمله على حقيقته (﴿وقولوا حطة﴾) قيل: أمروا أن
يقولوها على هذه الكيفية بالرفع على الحكاية وهي في محل نصب بالقول، وإنما منع النصب حركة
الحكاية، وتقدم قريبًا أنها أعربت خبر مبتدأ محذوف ومعناها اسم الهيئة من الحط كالجلسة، وعن
ابن عباس فيما رواه ابن أبي حاتم قال قيل لهم قولوا مغفرة (فدخلوا يزحفون) بفتح الحاء المهملة
(على أستاههم) بفتح الهمزة وسكون المهملة أي أوراكهم (فبدلوا) أي غيّروا السجود بالزحف
(وقالوا حطة) كما قيل وزادوا على ذلك مستهزئين (حبة في شعرة) بفتح العين والراء، وفي رواية
حنطة بالنون بدل حطة. وللكشميهني في الأعراف: في شعيرة بزيادة تحتية بعد كسر العين
المهملة، وحاصل الأمر أنهم أمروا أن يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل والقول وأن يعترفوا
بذنوبهم فخالفوا غاية المخالفة، ولذا قال الله تعالى في حقهم: ﴿فأنزلنا على الذين ظلموا رجزًا من
السماء بما كانوا يفسقون﴾ [البقرة: ٥٩] والمراد بالرجز الطاعون، قيل: إنه مات به في ساعة
أربعة وعشرون ألفًا.
٦ - باب قَوْله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾
[البقرة: ٩٧] وَقَالَ عِكْرِمَةُ: جَبْرَ وَمِيكَ وَسَرَافٍ عَبْدُ إِيلَ: الله
(قوله) تعالى: (﴿من كان﴾) ولأبي ذر باب التنوين: ((من كان عدوًا لجبريل﴾)
[البقرة: ٩٧] قال ابن جرير: أجمع أهل العلم بالتأويل أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود من بني
إسرائیل إذ زعموا أن جبريل عدوّ لهم وأن میکائیل ولي لهم.
(وقال عكرمة) مولى ابن عباس فيما وصله الطبري (جبر)؛ بفتح الجيم وسكون الموحدة
(وميك)، بكسر الميم (وسراف): بفتح السين المهملة وتخفيف الراء وبالفاء المكسورة الأوّل من
جبريل، والثاني من ميكائيل، والثالث من إسرافيل معنى الثلاثة (عبد إيل): بكسر الهمزة وسكون
التحتية معناها في الثلاثة (الله) أي: جبريل عبد اللَّه، وميكائيل عبد اللَّه، وإسرافيل عبد الله.
وقال بعضهم: جبريل اسم ملك أعجمي فلذلك لم ينصرف للعجمة والعلمية، ومن قال هو مشتق
أو مركب تركيب إضافة رد قوله لأن الأعجمي لا يدخله الاشتقاق العربي، ولأنه لو كان مركبًا
تركيب الإضافة لكان منصرفًا .

١٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
٤٤٨٠ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا حُمَّيْدٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ وَهَ وَهُوَ فِي أَرْضٍ يَخْتَرِفُ فَتَى النَّبِيِّ وَِّ فَقَالَ: إِنِّي
سائِلُكَ عَنْ ثَلاثٍ لا يَعْلُّمُهُنَّ إَّ نَبِيِّ فَمَا أوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَمَا أوَّلُ طَعَامِ أهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَا يَنْزِعُ
الْوَلَدَ إلى أبِيهِ أوْ إلى أُمَّهِ؟ قالَ: ((أخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا)) قالَ: جِبْرِيلُ؟ قالَ: (نَعَمْ). قالَ ذاكَ عَدُوُّ
الْيَهُودِ مِنَ الْمَلائِكَةِ، فَقَرَّأَ هذِهِ الآيَةَ ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧] أمَّا أوَّلُ
أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَثَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أوَّلُ طَعَامِ أهْلِ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدٍ
حُوتٍ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ وَإِذَا سَبَقَ ماءُ الْمَزْأَةِ نَزَعَتْ)). قَالَ: أَشْهَدُ أنْ لأ
إلهَ إلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. يُا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتْ، وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا
بِإِسْلامِي قَبْلَ أنْ تَسْأَلَهُمْ يَبْهَتُونِي، فَجَاءَتِ الْيَهُودُ فَقَالَ النَّبِيِّ ◌َّهِ: ((أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ فِيَكُمْ)
قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنْا، قَالَ: ((أَرَأيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلام)) فَقَالُوا:
أعاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذُلِكَ فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالُوا:
شَرُّنًا وَابْنُ شَرِّنًا، وَأَنْتَقَصُوهُ قَالَ: فَهْذَا الَّذِي كُنْتُ أَخْافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (عبد الله بن منير) بضم الميم وكسر النون
وسكون التحتية آخره راء أبو عبد الرحمن المروزي الزاهد أنه (سمع عبد اللَّه بن بكر) بفتح الموحدة
وسكون الكاف ابن حبيب السهمي قال: (حدّثنا حميد) الطويل (عن أنس) رضي الله عنه أنه
(قال: سمع عبد الله بن سلام) بتخفيف اللام (بقدوم رسول الله(بيتي) ولأبي ذر عن الكشميهني:
بمقدم مصدر ميمي بمعنى القدوم، وله عن الحموي والمستملي مقدم رسول الله بحذف الجار زاد
في باب: وإذ قال ربك للملائكة من كتاب بدء الخلق المدينة (وهو في أرض يخترف)، بالخاء
المعجمة الساكنة والفاء أي يجتني من ثمارها (فأتى النبي وَل﴿ فقال: إني سائلك عن ثلاث) أي عن
ثلاث مسائل (لا يعلمهن إلاّ نبي فما أوّل أشراط الساعة) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة أي
علاماتها (وما أوّل طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه) بالزاي المكسورة وآخره عين مهملة أي
يشبه أباه ويذهب إليه (أو إلى أمه؟ قال) عليه الصلاة والسلام:
(أخبرني بهن جبريل آنفًا) بمد الهمزة وكسر النون (قال) ابن سلام: (جبريل؟ قال) عليه
الصلاة والسلام: (نعم قال) ابن سلام: (ذاك) كذا في اليونينية وفي الفرع ذلك باللام (عدوّ
اليهود من الملائكة). وفي حديث ابن عباس عند أحمد أنهم قالوا: إنه ليس من نبيّ إلاّ له ملك
يأتيه بالخبر فأخبرنا من صاحبك؟ قال: جبريل. قالوا: جبريل ذاك ينزل بالحرب والقتال عدوّنا.
لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان. (فقرأ) عليه الصلاة والسلام (هذه الآية)
ردًا على قولهم أو قرأها الراوي استشهادًا بها (﴿من كان عدوًّا لجبريل فإنه﴾) أي جبريل (﴿نزله﴾)
أي القرآن (﴿على قلبك﴾) لأنه القابل للوحي ومحل الفهم والحفظ، وكان حقه أن يقول على قلبي

٢٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
لكنه جاء على حكاية كلام الله تعالى كأنه قال: قل ما تكلمت به، وزاد في رواية أبي ذر بإذن الله
أي بأمره تعالى (أما أوّل أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعام
أهل الجنة) ولأبي الوقت: أول طعام يأكله أهل الجنة (فزيادة كبد حوت) ولأبي ذر عن الحموي
والمستملي: الحوت وهي القطعة المنفردة المتعلقة بالكبد وهي أطيبها وأهنأ الأطعمة (وإذا سبق ماء
الرجل ماء المرأة نزع الولد) بالنصب على المفعولية أي جذبه إليه (وإذا سبق ماء المرأة) أي ماء
الرجل (نزعت) أي جذبته إليها (قال) ابن سلام: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله.
يا رسول الله إن اليهود قوم بهت)، بضم الموحدة والهاء في اليونينية وفرعها، وفي نسخة بسكون
الهاء. قال الكرماني: جمع بهوت الكثير البهتان، وقيل بهت أي كذابون ممارون لا يرجعون إلى
الحق (وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني، فجاءت اليهود فقال النبي ربَّ: أيّ رجل
عبد اللَّه) أي ابن سلام (فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا)، أفعل تفضيل (وسيدنا وابن سيدنا.
قال) عليه الصلاة والسلام: (أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام)؟ سقط ابن سلام لأبي ذر
(فقالوا: أعاذه الله من ذلك فخرج عبد اللَّه فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
فقالوا: شرنا وابن شرنا وانتقصوه). ولأبي ذر: فانتقصوه بالفاء بدل الواو (قال) ابن سلام: (فهذا
الذي كنت أخاف یا رسول الله).
وهذا الحديث ذكره المؤلف قبيل المغازي، وفي أحاديث الأنبياء.
٧ - باب قَوْلِهِ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسْأْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]
(باب قوله) تعالى: ((ما ننسخ من آية أو ننساها﴾) [البقرة: ١٠٦] بفتح نون ننسخ الأولى
وسينها مضارع نسخ وضم ابن عامر النون وكسر السين مضارع أنسخ، ولأبي ذر ﴿ننسها﴾ بضم
النون الأولى وسكون الثانية من غير همز وهي قراءة نافع وابن عامر والكوفيين من الترك والأولى
من التأخير، وزاد أبو ذر ﴿نأت بخير منها﴾ وما مفعول مقدم لننسخ وهي شرطية جازمة له،
والتقدير: أي شيء ننسخ، وقيل: شرطية جازمة لننسخ واقعة موقع المصدر، ومن آية هو المفعول
به والتقدير أيّ نسخ ننسخ آية ورد بأنه يلزم من هذا خلوّ جملة الجزاء من ضمير يعود على اسم
الشرط وهو لا يجوز ومن آية للتبعيض فهي متعلقة بمحذوف لأنها صفة لاسم الشرط، والنسخ
لغة الإزالة أو النقل من غير إزالة، ونسخ الآية بيان انتهاء التعبد بتلاوتها أو الحكم المستفاد منها أو
بهما جميعًا فمثال: نسخ قراءتها وإبقاء حكمها نحو: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما، والحكم
فقط نحو: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤] والحكم والتلاوة نحو:
عشر رضعات يحرمن. روى مسلم عن عائشة كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات فنسخت
بخمس ويكون بلا بدل كالصدقة أمام نجواه عليه الصلاة والسلام ببدل مماثل كالقبلة، وأخف
كعدّة الوفاة، وأثقل كنسخ التخيير بين صوم رمضان والفدية قال الله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه
فدية﴾ .