النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
کتاب الوضوء/ باب ٣٠
وبه قال: (حدّثنا آدم بن أبي إياس) بكسر الهمزة وتخفيف المثناة التحتية، وسقط لابن عساكر
لفظ ابن أبي إياس (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: حدثنا محمد بن زياد) بكسر الزاي وتخفيف
المثناة التحتية القرشي الجمحي المدني التابعي الجليل (قال):
(سمعت أبا هريرة) رضي الله عنه (وكان يمرّ بنا) جملة حالية من مفعول سمعت، وهو قول
أبي هريرة ويمر بنا جملة في محل نصب خبر كان (والناس) مبتدأ خبره (يتوضؤون) والجملة حال من
فاعل كان (من المطهرة) بكسر الميم الإناء المعدّ للتطهير وفتحها أجود، وصح في الحديث السواك
مطهرة للفم (قال) أي سمعت أبا هريرة حال كونه قائلاً، وفي رواية الأربعة فقال بالفاء التفسيرية
لأنه يفسر قال المحذوفة بعد قوله أبا هريرة، لأن التقدير سمعت أبا هريرة قال: وكان يمر بنا الخ
فإن الذات لا تسمع فالمراد قول أبي هريرة: (أسبغوا الوضوء) بفتح الهمزة من الإسباغ وهو إبلاغه
مواضعه وإيفاء كل عضو حقه (فإن أبا القاسم بَّ قال: ويل للأعقاب من النار). والأعقاب جمع
عقب بكسر القاف وهو العظم المرتفع عند مفصل الساق والقدم ويجب إدخاله في غسل الرجلين
لقوله تعالى: ﴿إلى الكعبين﴾ [المائدة: ٦] قال المفسرون أي مع الكعبين، وأل في الأعقاب للعهد،
ويلحق بها ما يشاركها في ذلك.
وفي حديث عبد الله بن الحرث عند الحاكم: ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار، والمعنى
كما قاله البغوي ويل لأصحابها المقصرين في غسلها ففيه حذف المضاف، أو المعنى أن العقب يختص
بالعقاب إذا قصر في غسله لأن مواضع الوضوء لا تمسّها النار كما في مواضع السجود، ولو لم يكن
واجبًا لما توعد عليه بالنار أعاذنا الله منها ومن سائر المكاره بمنّه وكرمه. وهذا الحديث من رباعياته
رضي الله عنه، ورواته ما بين بصري وخراساني ومدني وفيه التحديث والسماع.
٣٠ - باب غَسْلِ الرِّجْلَين في الثَّعْلَين، ولا يَمسَحُ على الثَّعَلَين
هذا (باب غسل الرجلين في النعلين ولا يمسح على النعلين) لأنه لا يجزىء، وحديث
مسحهما المروي في سنن أبي داود ضعفه ابن مهدي وغيره، وأما تمسك من أجازه بظاهر قوله تعالى:
﴿برؤوسكم وأرجلكم﴾ فأجيب: بأنه قرىء وأرجلكم بالنصب عطفًا على أيديكم أو على محل
برؤوسكم، فقراءة الجر محمولة على مسح الخفّين، وقراءة النصب على غسل الرجلين، وهو معنى
قول الإمام الشافعي أراد بالنصب آخرين وبالجر آخرين، أو هو معطوف على برؤوسكم لفظًا ومعنَّ
ثم نسخ ذلك بوجوب الغسل وهو حكم آخر.
١٦٦ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ قال: أخبرنا مالكٌ عن سَعيدِ المَقْبُريِّ عن عُبيدِ بنِ جُرَيجِ
أنه قال لعبدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ: يا أبا عبد الرَّحمنِ، رَأيتُكَ تَصْنَعُ أربَعًا لم أرَ أحَدًا مِن أصحابِكَّ
يَصْنعُها. قال: وما هيَ يا ابنَ جُرَيجٍ؟ قال: رأيتُك لا تَمَسُّ مِنَ الأركانِ إلّ اليمَانِيَينِ، ورأيتكَ تَلْبَسُ

٣٨٢
کتاب الوضوء/ باب ٣٠
النّعالَ السِّبْتِيةَ، ورأيتكَ تَصبُغُ بالصُّفْرةِ، ورأيتكَ إذا كنتَ بمكةً أهلَّ الناسُ إذا رأَوُا الهلالَ ولم تُهِلَّ
أنت حتى كان يومُ التَّرْوِية. قال عبدُ اللَّهِ: أمّا الأركانُ فإني لم أرَ رسولَ اللَّهِ وَهِ يَمَسُ إلاّ
اليَمانيّينِ. وأمّا النِّعالُ السِّبْتِيّةُ فإني رأيتُ رسولَ اللَّهِ وَهَ يَلْبَسُ النِّعَالَ التي ليسَ فيها شَعَرٌ ويَتوضَّأُ
فيها، فأنا أُحِبُّ أن ألْبَسَها. وَأمَّا الصُّفْرَةُ فإني رأيتُ رسولَ اللَّهِ وَ يَصْبُغُ بها، فأنا أُحِبُّ أن أضْبُغَ
بها. وأمّا الإهلالُ فإني لم أرَ رسولَ اللَّهِ وَهِ يُهِلُّ حتى تَنْبَعِثَ به راحِلتُه. [الحديث ١٦٦ - أطرافه
في: ١٥١٤، ١٥٥٢، ١٦٠٩، ٢٨٦٥، ٥٨٥١].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا) إمام الأئمة (مالك عن سعيد
المقبري) بضم الموحدة (عن عبيد بن جريج) بالجيم والتصغير فيهما المدني الثقة .
(أنه قال لعبد الله بن عمر) رضي الله عنهما: (يا أبا عبد الرحمن رأيتك تصنع أربعًا) أي أربع
خصال (لم أر أحدًا من أصحابك) وفي رواية أبي الوقت ما أصحابنا، والمراد أصحاب الرسول وَل
(يصنعها) مجتمعة وإن كان يصنع بعضها أو المراد الأكثر منهم (قال: وما هي يا ابن جريج؟ قال:
رأيتك لا تمس من الأركان) أي أركان الكعبة الأربعة (إلا) الركنين (اليمانيين) تغليبًا، وإلا فالذي فيه
الحجر الأسود عراقي لأنه إلى جهته ولم يقع التغليب باعتبار الأسود خوف الاشتباه على جاهل وهما
باقيان على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ومن ثم خصّا أخيرًا بالاستلام. وعلى هذا لو بني
البيت على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام الآن استلمت كلها اقتداء به، ولذا لما ردّهما ابن الزبير
على القواعد استلمهما. وقد صح استلامهما أيضًا عن معاوية. وروي عن الحسن والحسين رضي الله
عنهما. وظاهر ما في الحديث هنا انفراد ابن عمر رضي الله عنهما باستلام اليمانيين دون غيره ممن
رآهم عبيد وإن سائرهم كان يستلم الأربعة ثم قال ابن جريح لابن عمر رضي الله عنهما. (ورأيتك
تلبس) بفتح المثناة الفوقية والموحدة (النعال السبتية) بكسر المهملة وسكون الموحدة آخره مثناة فوقية
التي لا شعر عليها من السبت وهو الحلق وهو ظاهر جواب ابن عمر الآتي أو هي التي عليها الشعر
أو جلد البقر المدبوغ بالقرظ والسبت بالضم نبت يدبغ به أو كل مدبوغ أو التي أسبتت بالدباغ أي
لانت، أو نسبة إلى سوق السبت، وإنما اعترض على ابن عمر رضي الله عنهما بذلك لأنه لباس أهل
النعيم، وإنما كانوا يلبسون النعال بالشعر غير مدبوغة وكانت المدبوغة تعمل بالطائف وغيره.
(ورأيتك تصبغ) ثوبك أو شعرك (بالصفرة ورأيتك إذا كنت) مستقرًا (بمكة أهلّ الناس) أي رفعوا
أصواتهم بالتلبية للإحرام بحج أو عمرة (إذا رأوا الهلال) أي هلال ذي الحجة (ولم) وفي رواية
الأصيلي فلم (تهلّ أنت حتى كان يوم التروية) الثامن من ذي الحجة لأنهم كانوا يروون فيه من الماء
ليستعملوه في عرفة شربًا وغيره، وقيل غير ذلك فتهلّ أنت حينئذٍ، ويوم بالرفع اسم كان وبالنصب
خبرها، فعلى الأوّل كان تامة وعلى الثاني ناقصة والرؤية هنا تحتمل البصرية والعلمية. (قال
عبد الله) بن عمر رضي الله عنهما مجيبًا لابن جريج: (أما الأركان) الأربعة (فإني لم أر رسول الله القوي

٣٨٣
کتاب الوضوء/ باب ٣١
يمس) منها (إلا) الركنين (اليمانيين وأما النعال السبتية فإني رأيت رسول الله وَله يلبس النعال) ولغير
الأربعة النعل بالإفراد (التي ليس فيها شعر ويتوضأ فيها) أي في النعل (فأنا) وفي رواية أبي ذر عن
الحموي والمستملي فإني (أحب أن ألبسها) فيه التصريح بأنه عليه الصلاة والسلام كان يغسل رجليه
الشريفتين وهما في نعليه، وهذا موضع استدلال المصنف للترجمة.
(وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله و له يصبغ بها فأنا أحب أن أصبغ بها) يحتمل صبغ ثيابه لما في
الحديث المروي في سُنن أبي داود وكان يصبغ بالورس والزعفران حتى عمامته أو شعره لما في السنن
أنه كان يصفّر بهما لحيته، وكان أكثر الصحابة والتابعين رضي الله عنهم يخضب بالصفرة، ورجح
الأول القاضي عياض. وأجيب عن الحديث المستدل به للثاني باحتمال أنه كان يتطيب بهما لا أنه كان
یصبغ بهما .
(وأما الإهلال) بالحج والعمرة (فإني لم أر رسول الله (وَ لؤ يهلّ حتى تنبعث به راحلته) أي
تستوي قائمة إلى طريقه، والمراد ابتداء الشروع في أفعال النسك وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد
وقال أبو حنيفة: يحرم عقب الصلاة جالسًا وهو قول عندنا لحديث الترمذي أنه وَ لّ أهلّ بالحج حين
فرغ من ركعتيه. وقال حسن وقال آخرون: الأفضل أن يهلّ من أول يوم من ذي الحجة.
وهذا الحديث خماسي الإسناد ورواته كلهم مدنيون وفيه رواية الأقران لأن عبيدًا وسعيدًا
تابعيان من طبقة واحدة، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلف أيضًا في اللباس،
ومسلم وأبو داود في الحج، والنسائي في الطهارة، وابن ماجة في اللباس، وبقية مباحثه تأتي إن
شاء الله تعالى.
٣١ - باب التَّيمُنِ في الوُضوءِ والغَسْلِ
(باب التيمن) أي الأخذ باليمين (في الوضوء والغسل) بضم الغين اسم للفعل أو بفتحها وهو
الذي في الفرع کأصله.
١٦٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال: حدَّثَنا إسماعيلُ قال: حدَّثَنا خالدٌ عن حَفْصة بنتِ سِيرِينَ عن أُمّ
عَطِيَّةً قالت: قال النبيُّ بََّ لهن في غَسْل ابنَتِهِ: ((ابْدَأْنَ بمَيامِنها ومَواضِع الوُضوءِ مِنها)). [الحديث
١٦٧ - أطرافه في: ١٢٥٣، ١٢٥٤، ١٢٥٥، ١٢٥٦، ١٢٥٧، ١٢٥٨، ١٢٥٩، ١٢٦٠،
١٢٦١، ١٢٦٢، ١٢٦٣].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا إسماعيل) بن علية (قال: حدّثنا خالد)
الحذاء (عن حفصة بنت سيرين) الأنصارية أخت محمد بن سيرين (عن أم عطية) نسيبة بضم النون
وفتح المهملة وسكون المثناة التحتية بنت كعب أو بنت الحرث الأنصارية وكانت تغسل الموتى وتمرّض
المرضى وشهدت خيبر رضي الله عنها (قالت قال رسول الله وَ ل﴿ لهن) أي لأم عطية ومن معها (في

٣٨٤
كتاب الوضوء/ باب ٣١
غسل ابنته) زينب رضي الله عنها كما في مسلم (ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها) وهذا الحديث
من الخماسيات ورواته كلهم بصريون، وفيه رواية تابعية عن صحابية والتحديث والعنعنة، وأخرجه
في الجنائز بتمامه واقتصر منه هنا على طرف لبيان قول عائشة رضي الله عنها الآتي: كان عليه الصلاة
والسلام يعجبه التيمن إذ إنه لفظ مشترك بين الابتداء باليمين، وتعاطي الشيء باليمين، وأخرجه
أيضًا مسلم والنسائي وابن ماجة جميعًا فيه.
١٦٨ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمرَ قال: حدَّثَنَا شُعبةُ قال: أخبرني أشْعتُ بنُ سُلَيم قال: سمعتُ
أبي عن مَسْروقٍ عن عائشةَ قالت: كان النبيُّ نَّهِ يُعجِبِهُ التَّيَّمُّنُ في تَنَغُلِهِ وَتَرَجُلِهِ وطُهورِه وفي شأنِهِ
كلُّه. [الحديث ١٦٨ - أطرافه فى: ٤٢٦، ٥٣٨٠، ٥٨٥٤، ٥٩٢٦].
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) الحوضي البصري، المتوفى بالبصرة سنة خمس وعشرين
ومائتين (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: أخبرني) بالإفراد (أشعث) بفتح الهمزة وسكون
المعجمة وفتح العين آخره مثلثة (ابن سليم) بالتصغير (قال: سمعت أبي) سليم بن الأسود المحاربي
بضم الميم الكوفي (عن مسروق) هو ابن الأجدع الكوفي أبي عائشة أسلم قبل وفاته وَ لتر وأدرك
الصدر الأوّل من الصحابة (عن عائشة) رضي الله عنها أنها (قالت):
(كان النبي ◌َّير يعجبه التيمن) بالرفع على الفاعلية أي لحسنه (في تنعله) بفتح المثناة الفوقية
والنون وتشديد العين الضمومة أي حال كونه لابسًا النعل أي الابتداء بلبس اليمين (و) في (ترجله)
أي الابتداء بالشق الأيمن في تسريح رأسه ولحيته (و) في (طهوره) بضم الطاء لأن المراد تطهره
وتفتح أي البداءة بالشق الأيمن في الغسل وباليمين في اليدين والرجلين على اليسرى، وفي سنن أبي
داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا ((إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم فإن قدَّم اليسرى
كره) نص عليه في الأم، ووضوءه صحيح، وأما الكفّان والخدَّان والأذنان فيطهران دفعة واحدة (و)
كذا كان عليه الصلاة والسلام يعجبه التيمن (في شأنه كله) كذا في رواية أبي الوقت وفي بواو
العطف وهو من عطف العام على الخاص ولغيره في شأنه بإسقاطها وتأكيد الشأن بقوله كله يدل على
التعميم فيدخل فيه نحو: لبس الثوب والسروال والخف ودخول المسجد والصلاة على ميمنة الإمام
وميمنة المسجد والأكل والشرب والاكتحال وتقليم الأظفار وقصّ الشارب ونتف الإبط وحلق الرأس
والخروج من الخلاء وغير ذلك مما في معناه، إلا ما خص بدليل كدخول الخلاء والخروج من المسجد
والامتخاط وخلع السراويل وغير ذلك، وإنما استحب فيها التياسر لأنه من باب الإزالة، والقاعدة
أن كل ما كان من باب التكريم والتزيّن فباليمين وإلا فباليسار، ولا يقال حلق الرأس من باب
الإزالة فيبدأ فيه بالأيسر لأنه من باب التزين، وقد ثبت الابتداء فيه بالأيمن كما سيأتي إن شاء الله
تعالى قريبًا، وفي رواية الأكثر من شأنه كله بحذف العاطف وهو جائز عند بعضهم حيث دلت عليه
قرينة أو بدل من الثلاثة السابقة بدل اشتمال، والشرط في بدل الاشتمال أن يكون المبدل منه مشتملاً

٣٨٥
کتاب الوضوء/ باب ٣٢
على الثاني أو متقاضيًا له بوجه ما وههنا كذلك على ما لا يخفى، وإذا لم يكن المبدل منه مشتملاً على
الثاني يكون بدل الغلط أو هو بدل كل من كل نقله في الفتح عن الطيبي، وعبارته قال الطيبي قوله
في شأنه بدل من قوله في تنعله بإعادة العامل، وكأنه ذكر التنعل لتعلقه بالرجل والترجل لتعلقه
بالرأس والطهور لكونه مفتاح أبواب العبادة، فكأنه نبّه على جميع الأعضاء فهو كبدل الكل من الكل،
ثم قال في الفتح قلت: ووقع في رواية مسلم بتقديم قوله في شأنه كله على قوله في تنعله الخ.
وعليها شرح الطيبي وكذا ذكره البرماوي ولم يعترضه، وتعقبه العيني بأن كلام الطيبي ليس هو على
رواية البخاري بل على رواية مسلم ولفظها: كان رسول الله وَ ل يجب التيمن في شأنه كله في طهوره
وترجله وتنعله، فقال الطيبي في شرحه لذلك: قوله في طهوره وترجله وتنعله بدل من قوله في
شأنه بإعادة العامل، فكأنه ظن أن كلام الطيبي في الرواية التي فيها ذكر الشأن متأخرًا كرواية
البخاري هنا انتهى. وهو بدل كل من بعض وعليه قوله:
نضر اللَّه أعظمًا دفنوها بسجستان طلحة الطلحات
أو يقدر لفظ يعجبه التيمن كما مرّ فتكون الجملة بدلاً من الجملة أو هو متعلق بيعجبه لا
بالتيمن، والتقدير يعجبه في شأنه كله التيمن في تنعله الخ. أي لا يترك ذلك في سفر ولا حضر
ولا في فراغه واشتغاله قاله في فتح الباري كالكرماني، وتعقبه العيني بأنه يلزم منه أن يكون إعجابه
التيمن في هذه الثلاث مخصوصة في حالاته كلها وليس كذلك، بل كان يعجبه التيمن في كل
الأشياء في جميع الحالات ألا ترى أنه أكد الشأن بمؤكد والشأن بمعنى الحال والمعنى في جميع
حالاته .
وفي هذا الحديث الدلالة على شرف اليمين وهو سداسي الإسناد، ورواته ما بين بصري
وكوفي وفيه رواية الابن عن الأب وقرينين من أتباع التابعين أشعث أوشعبة وآخرين من التابعين
سليم ومسروق والتحديث والاخبار والعنعنة، وأخرجه أيضًا في الصلاة واللباس، ومسلم في
الطهارة، وأبو داود في اللباس، والترمذي في آخر الصلاة وقال: حسن صحيح والنسائي في
الطهارة والزينة وابن ماجة في الطهارة.
٣٢ - باب التماس الْوَضوءِ إذا حانَتِ الصلاةُ
وقالت عائشةُ: حَضَرَتِ الصُّبحُ فالْتُمِسَ الماءُ فلم يُوجَدْ، فَنزَل التَّيَّهُم.
هذا (باب التماس الوضوء) بفتح الواو أي طلب الماء لأجل الوضوء بالضم (إذا حانت
الصلاة) أي قرب وقتها (وقالت) أم المؤمنين (عائشة) رضي الله عنها مما أخرجه المؤلف من حديثها
في قصة ضياع عقدها المذكور في مواضع منها التيمم، وساقه هنا بلفظ عمرو بن الحرث في تفسير
المائدة فقال: (حضرت الصبح) أنّثه باعتبار صلاة الصبح (فالتمس) بضم المثناة مبنيًّا للمفعول أي
إرشاد الساري/ ج ١/ م ٢٥

٣٨٦
كتاب الوضوء/ باب ٣٢
طلب (الماء) بالرفع مفعول نائب عن الفاعل (فلم يوجد) وفي رواية الكشميهني فالتمسوا الماء بالجمع
والنصب على المفعولية فلم يجدوه بالجمع (فنزل التيمم) أي آيته وإسناد التيمم إلى النزول مجاز عقلي.
١٦٩ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ قَال: أخبرنا مالكٌ عن إسحقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي طلحةَ
عن أنس بنِ مالكِ أنه قال: رأيتُ رسولَ اللَّهِ وَ ﴿ وحانَتْ صلاةُ العَصرِ، فالتَمسَ الناسُ الوَضوءَ
فلم يَجدوه، فأُتِي رسولُ اللَّهِ بِّهِ بوَضوءٍ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ في ذلكَ الإناءِ يدَهُ وأمرَ
الناسَ أن يَتَوَضَّؤْوا منه. قال: فرأيتُ الماءَ ينبَعُ مِن تحتِ أصابعِه، حتى توضَّؤوا من عندِ آخرِهم.
[الحديث ١٦٩ - أطرافه في: ١٩٥، ٢٠٠، ٣٥٧٢، ٣٥٧٣، ٣٥٧٤، ٣٥٧٥].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) إمام دار الهجرة (عن
إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري (عن أنس بن مالك) الأنصاري رضي
الله عنه (أنه قال):
(رأيت) أي أبصرت (رسول الله) وفي رواية أبي ذر النبي (مَل﴿ و) الحال أنه قد (حانت)
بالمهملة أي قربت (صلاة العصر) وهو بالزوراء كما رواه قتادة عند المؤلف سوق بالمدينة (فالتمس)
أي طلب (الناس الوضوء) بفتح الواو الماء الذي يتوضأ به (فلم يجدوه) ولغير الكشميهني فلم يجدوا
بغير الضمير المنصوب أي فلم يصيبوا الماء، (فأتي) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (رسول الله) بالرفع
مفعول نائب عن الفاعل (وَلا بوضوء) بفتح الواو أي بإناء فيه ماء ليتوضأ به، وفي رواية ابن المبارك
فجاء رجل بقدح فيه ماء يسير، وروى المهلب أنه كان مقدار وضوء رجل واحد (فوضع رسول
الله وَلّ في ذلك الإناء يده وأمر) عليه الصلاة والسلام (الناس أن) أي بأن (يتوضؤوا) أي بالتوضؤ
(منه) أي من ذلك الإناء. (قال) أنس رضي الله عنه: (فرأيت) أي أبصرت (الماء) حال كونه (ينبع)
بتثليث الموحدة أي يخرج (من تحت) وفي رواية يفور من بين (أصابعه) فتوضؤوا (حتى توضؤوا من
عند آخرهم) أي توضأ الناس ابتداء من أوّلهم حتى انتهوا إلى آخرهم، ولم يبق منهم أحد،
والشخص الذي هو آخرهم داخل في هذا الحكم لأن السياق يقتضي العموم والمبالغة لأن (عند) هنا
تجعل المطلق الظرفية حتى تكون بمعنى ((في)) كأنه قال: حتى توضأ الذين هم في آخرهم، وأنس
داخل فيهم إذا قلنا يدخل المخاطب بكسر الطاء في عموم خطابه أمرًا أو نهيًا أو خبرًا، وهو مذهب
الجمهور. وقال بعضهم: حتى حرف ابتداء يستأنف بعده جملة اسمية وفعلية فعلها ماضٍ نحو حتى
عفوا وحتى توضؤوا ومضارع نحو: حتى يقول الرسول في قراءة نافع ومن للغاية لا للبيان خلافًا
الكرماني لأنها لا تكون للبيان إلا إذا كان فيما قبلها إبهام ولا إبهام هنا .
وبقية المباحث تأتي إن شاء الله تعالى في علامات النبوة، واستنبط من هذا الحديث استحباب
التماس الماء لمن كان على غير طهارة والرد على من أنكر المعجزة من الملاحدة واغتراف المتوضىء من

٣٨٧
کتاب الوضوء/ باب ٣٣
الماء القليل وهو من الرباعيات، ورجاله ما بين تينسي ومدني وبصري وفيه التحديث والإخبار
والعنعنة، وأخرجه المصنف في علامات النبوة، ومسلم والترمذي في المناقب وقال: حسن صحيح،
والنسائي في الطهارة والله تعالى أعلم.
٣٣ - باب الماءِ الذي يُغْسَلُ به شَعَرُ الإنسانِ
وكان عَطاءٌ لا يَرى به بأُسّا أن يُتَّخِذَ منها الخُيوطُ والحبالُ. وسُؤْر الكلابِ ومَمرِّها في
المسجدِ. وقال الزُّهْريُّ: إذا وَلَغَ في إناءٍ ليس له وَضوءٌ غيرهُ يتوَضَّأُ به. وقال سُفيانُ: هذا الفِقهُ
بعَينِهِ، يقول اللهُ تعالى: ﴿فلم تَجِدوا ماءً فتَيمَّموا﴾ وهذا ماءٌ. وفي النَّفْسِ منهُ شيءٌ، يَتَوضَّأُ به
ويَتیَمِّمُ .
هذا (باب) حكم (الماء الذي يغسل به شعر الإنسان) هل هو طاهر أم لا؟ (وكان عطاء) هو
ابن أبي رباح فيما وصله محمد بن إسحق الفاكهي في أخبار مكة بسند صحيح (لا يرى به) أي
بالشعر (بأسًا) وفي رواية ابن عساكر لا يرى بأسًا (أن يتخذ منها) أي من الشعور، وفي رواية ابن
عساكر منه أي من الشعر (الخيوط والحبال) جمع خيط وحبل ويفرق بينهما بالرقة والغلظ. (و) باب
(سؤر الكلاب) بالهمزة أي بقية ما في الإناء بعد شربها (وممرها في المسجد) وفي رواية هنا زيادة
وأكلها أي حكم أكلها وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، وظاهر صنيع المؤلف القول بالطهارة.
(وقال) محمد بن مسلم بن شهاب (الزهري) فيما رواه الوليد بن مسلم في مصنفه عن
الأوزاعي وغيره عنه، ورواه ابن عبد البر في التمهيد من طريقه بسند صحيح (إذا ولغ الكلب في
إناء) فيه ماء بأن أدخل لسانه فيه فحركه فيه تحريكًا قليلاً أو كثيرًا، وفي رواية أبي ذر في الإناء أي
والحال أنه (ليس له) أي لمريد الوضوء (وضوء) بفتح الواو ما يتوضأ به (غيره) أي غير ما ولغ
الكلب فيه ويجوز في غير النصب والرفع (يتوضأ به) أي بالماء الباقي وهو جواب الشرط في إذا،
وفي رواية أبي ذر حتى يتوضأ بها أي بالبقية وفي أخرى منه.
(وقال سفيان) الثوري (هذا) أي الحكم بالتوضؤ به (الفقه بعينه) أي المستفاد من القرآن (يقول
الله تعالى) وفي رواية أبي الوقت لقول الله تعالى: (﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾) [المائدة: ٦]. وفي رواية
القابسي عن أبي زيد المروزي يقول الله ((فإن لم تجدوا)) وهو مخالف للتلاوة، والظاهر أن الثوري رواه
بالمعنى، ولعله كان يرى جواز ذلك، وقد تتبعت كثيرًا من القراءات فلم أر أحدًا قرأ بها، ووجه
الدلالة من الآية أن قوله تعالى: ﴿ماء) نكرة في سياق النفي ولا تخص إلا بدليل، كما قال (وهذا)
أي المذكور (ماء) وفي رواية الأصيلي: فهذا ماء وتنجيسه بولوغ الكلب فيه غير متفق عليه بين أهل
العلم، (وفي النفس منه شيء) لعدم ظهور دلالته أو لوجود معارض له من القرآن أو غيره، وحينئذ

٣٨٨
كتاب الوضوء/ باب ٣٣
(يتوضأ به) أي بالماء المذكور وفي رواية منه (ويتيمم) لأن الماء الذي يشك فيه لأجل اختلاف العلماء
رضي الله عنهم كالعدم فيحتاط للعبادة.
١٧٠ - حدثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ قال: حدَّثَنَا إسرائيلُ عن عاصم عنِ ابنِ سِيرينَ قال: قلتُ
العَبِيدةَ. عِندَنا من شَعَرِ النبيِّ نَّرِ أَصَبْناه من قِبَلِ أنَسٍ - أو مِن قِبَلِ أهلِ أنسٍ - فقال: لأن تكون
عندي شَعَرةٌ منه أحبُّ إليَّ منَ الدنيا وما فيها.
وبه قال: (حدّثنا مالك بن إسماعيل) بن غسان النهدي الحافظ الحجة العابد المتوفى سنة عشر
ومائتين (قال: حدّثنا إسرائيل) بن يونس بن إسحق السبيعي الهمداني أبو يوسف الكوفي الثقة
المتكلم فيه بلا حجة من الطبقة السابعة المتوفى سنة ستين أو بعدها ومائة (عن عاصم) أي ابن
سليمان الأحول البصري الثقة، المتوفى سنة اثنتين وأربعين ومائة (عن ابن سيرين) محمد أنه (قال):
(قلت لعبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة آخرها هاء ابن عمرو أو ابن قيس بن عمرو السلماني
بفتح السين وسكون اللام الكوفي أحد كبار التابعين المخضرمين أسلم قبل وفاته وم له ولم يره، المتوفى
سنة اثنتين وسبعين ومقول قول ابن سيرين لعبيدة (عندنا) شيء (من شعر النبي ◌َّ- أصبناه) أي
حصل لنا (من قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهة (أنس أو من قبل أهل أنس) هو ابن
مالك، ووجه حصوله لابن سيرين أن سيرين والد محمد كان مولى لأنس بن مالك، وكان أنس بن
مالك ربيبًا لأبي طلحة وهو وَ# أعطاه لأبي طلحة رضي الله عنه كما سيأتي إن شاء الله تعالى في
الحديث الآتي (فقال) عبيدة: (لأن تكون عندي شعرة) واحدة (منه أحب إليّ من الدنيا وما فيها) من
متاعها. وفي رواية الإسماعيلي: أحبّ إلي من كل صفراء وبيضاء، ولام لأن تكون لام الابتداء
للتأكيد وأن مصدرية أي كون شعرة، وأحب خبر لأن تكون وتكون ناقصة، ويحتمل أن تكون تامة .
فإن قلت: ما وجه الدلالة من الحديث على الترجمة؟ أجيب: بأن ذلك من حفظ أنس لشعر
النبي ◌َّة وتمنى عبيدة أن يكون عنده شعرة واحدة منه لطهارته وشرفه، فدلّ ذلك على أن مطلق
الشعر طاهر، وإذا كان طاهرًا فالماء الذي يغسل به طاهر، وتعقب بأن شعره وَلّ مكرم لا يقاس
عليه غيره. وأجيب: بأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، والأصل عدمها وعورض بما يطول فالله
أعلم. وهذا الحديث خماسي ورواته ما بين بصري وكوفي وفيه تابعي عن تابعي والتحديث والعنعنة
والقول .
١٧١ - حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحيم قال: أخبرنا سعيدُ بنُ سُليمانَ قال: حدَّثَنَا عَبّادٌ عنِ ابنِ
عَونٍ عنِ ابنِ سِيرِين عن أنَسٍ أنَّ رسولَ اللَّهِ وَلَ لمّا حَلقَ رأسَهُ كان أبو طَلحةَ أولَ مَن أَخَذ مِن
شَعَرِهِ .

٣٨٩
کتاب الوضوء/ باب ٣٣
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الرحيم) صاعقة البغدادي (قال: أخبرنا) وفي رواية أبوي ذر
والوقت والأصيلي حدّثنا (سعيد بن سليمان) الضبي البزار أبو عثمان سعدويه الحافظ الواسطي،
المتوفى سنة خمس وثمانين عن مائة سنة. (قال: حدّثنا عباد) بتشديد الموحدة ابن العوام الواسطي أبو
سهل، المتوفى سنة خمس وثمانين ومائة. (عن ابن عون) بفتح العين المهملة وآخره نون واسمه
عبد الله تابعي سيد قراء زمانه (عن ابن سيرين) محمد (عن أنس) وللأصيلي زيادة ابن مالك.
(أن رسول الله) وفي رواية أبي ذر أن النبي (8 * لما حلق رأسه) في حجة الوداع أي أمر
الحلاق فحلقه فأضاف الفعل إليه مجازًا، واختلف في الذي حلق فالصحيح أنه معمر بن عبد الله كما
ذكره البخاري رحمه الله، وقيل: هو خراش بن أمية بمعجمتين والصحيح أن خراشًا كان الحالق
بالحديبية (كان أبو طلحة) زيد بن سهل بن الأسود الأنصاري النجاري زوج أم سليم والدة أنس
شهد المشاهد كلها، المتوفى سنة سبعين كأبي هريرة (أول من أخذ من شعره) عليه الصلاة والسلام.
وهذا الحديث من الخماسيات، ورواته ما بين تنيسي ومدني وكلهم أئمة أجلاء وفيه الإخبار
والتحديث والعنعنة، وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وقال الترمذي: حسن صحيح.
- باب إذا شرب الكلب
في إناء أحدكم فليغسله سبعًا
هذا (باب) بالتنوين (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا).
١٧٢ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ عن مالكِ عن أبي الزنادِ عنِ الأعرَجِ عن أبي هُريرةً قال:
إِنَّ رسولَ اللَّهِ وَ ه قال: ((إذا شَرِبَ الكلبُ في إناءِ أحَدِكم فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا)».
(حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (عن مالك) وللأربعة أخبرنا مالك الإمام (عن أبي الزناد)
بكسر الزاي عبد الله بن ذكوان القرشي المدني (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة)
أنه (قال) :
(إن رسول الله (9َّ) وسقط لفظ قال لأبي ذر والأصيلي وابن عساكر: (قال: إذا شرب الكلب)
أي إذا ولغ الكلب ولو مأذونًا في اتخاذه بطرف لسانه (في) وفي رواية من (إناء أحدكم فليغسله
سبعًا) أي سبع مرات لنجاسته المغلظة واستدلال بعضهم بقوله في إناء أحدكم على عدم تنجس الماء
المستنقع إذا ولغ فيه ولو كان قليلاً شاذ فإن ذلك إنما خرج مخرج الغالب لا للقيد وخرج بقوله:
ولغ. وكذا شرب ما إذا كان جامدًا لأن الواجب حينئذ إلقاء ما أصابه الكلب بفمه ولا يجب غسل

٣٩٠
كتاب الوضوء/ باب ٣٣
الإناء حينئذ إلا إذا أصابه فم الكلب مع الرطوبة فيجب غسل ما أصابه فقط سبعًا، لأنه إذا كان ما
فيه جامدًا لا يسمى أخذ الكلب منه شربًا ولا ولوغًا كما لا يخفى ولم يقع في رواية مالك الترتيب،
ولا ثبت في شيء من الروايات عن أبي هريرة إلا عن ابن سيرين، والإضافة التي في إناء أحدكم
ملغى اعتبارها لأن الطهارة لا تتوقف على ملكه، ومفهوم الشرط في قوله: إذا ولغ يقتضي قصر
الحكم على ذلك، لكن إذا قلنا إن الأمر بالغسل يتعدى الحكم إلى ما إذا لحس أو لعق مثلاً ويكون
ذكر الولوغ للغالب، وأما إلحاق باقي أعضائه كيده ورجله فالمذهب المنصوص أنه كذلك لأنه فمه
أشرفها فيكون غيره من باب أولى.
وبقية مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى. وفي رواية ابن عساكر كما في الفرع كأصله قبل
هذا الحديث باب إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا. حدّثنا عبد الله بن يوسف، وهو
الذي شرح عليه الحافظ ابن حجر، لكن يليه عنده حديث إسحق بن منصور الكوسج أن رجلاً.
وفي رواية بهامش اليونينية بعد حديث عبد الله بن يوسف إذا شرب الكلب، وسقطت الترجمة
والباب في بعض النسخ لأبي ذر والأصيلي.
١٧٣ - حدثنا إسحقُ أخبرنا عبدُ الصمَدِ حدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ دِينارِ سمعتُ
أبي عن أبي صالح عن أبي هُريرةً عنِ النبيِّ وَّهَ: ((أن رجُلاً رأى كلبًا يأكلُ الثَّرىُ مِنَ العطَشِ،
فأخذَّ الرَّجُلُ خُقَّهُ فجعلَ يَغْرِفُ لَهُ بهِ حتى أزواهُ، فشَكرَ اللَّهُ لهُ، فأدخَلَهُ الجنَّةَ». [الحديث
١٧٣ - أطرافه في: ٢٣٦٣، ٢٤٦٦، ٦٠٠٩].
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) بن منصور بن بهرام الكوسج أبو يعقوب المروزي الثقة الثبت،
المتوفى سنة إحدى وخمسين ومائتين وليس هو إسحق بن إبراهيم الحمصي كما جزم به أبو نعيم في
المستخرج (قال: أخبرنا عبد الصمد) بن عبد الوارث (قال: حدّثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن
دينار) المدني العدوي وتكلم فيه لكنه صدوق ولم ينفرد بهذا (قال):
(سمعت أبي) عبد الله بن دينار التابعي مولى ابن عمر رضي الله عنهما (عن أبي صالح) ذكوان
الزيات (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن النبي (وَ ﴿ ﴿ أن رجلاً) من بني إسرائيل (رأى) أي أبصر
(كلبًا يأكل الثرى) بالمثلثة المفتوحة وبالراء المقصورة التراب الندي أي يلعقه (من العطش) أي بسببه
(فأخذ الرجل خفّه فجعل يغرف له به حتى أرواه) أي جعله ريان، وفي رواية: بينما رجل يمشي
بطريق اشتد عليه الحرّ فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من
العطش فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان نزل بي فنزل البئر فملأ خفّه ماء
ثم أمسكه بفيه ثم رقي فسقى الكلب (فشكر الله له) أي أثنى عليه أو جازاه (فأدخله الجنة) من باب
عطف الخاص على العام أو الفاء تفسيرية على حدّ قوله تعالى: ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾
٤٠

٣٩١
کتاب الوضوء/ باب ٣٣
[البقرة: ٥٤] على ما فسر أن القتل كان نفس توبتهم، وفي الرواية الأخرى فشكر الله له فغفر له.
قالوا: يا رسول الله إن لنا في البهائم أجْرًا؟ فقال: ((إن في كل كبد رطبة أجْرًا)). وقد استدل بعض
المالكية للقول بطهارة الكلب بإيراد المؤلف هذا الحديث في هذه التر من كون الرجل سقى الكلب
في خفّه، واستباح لبسه في الصلاة دون غسله إذ لم يذكر الغسل في الحديث، وأجيب باحتمال أن
يكون صب في شيء فسقاه أو لم يلبسه، ولئن سلمنا سقيه فيه فلا يلزمنا لأنه وإن كان شرع غيرنا
فهو منسوخ في شرعنا .
وهذا الحديث من السداسيات، ورواته ما بين مروزي وبصري ومدني وفيه تابعيان وهما :
عبد الله بن دينار وأبو صالح والتحديث والإخبار والسماع والعنعنة، وأخرجه المؤلف أيضًا في
الشرب والمظالم والأدب وذكر بني إسرائيل، ومسلم في الحيوان، وأبو داود في الجهاد.
١٧٤ - وقال أحمدُ بنُ شَبيبٍ حدَّثَنا أبي عن يونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ قال: حدَّثَني حمزةُ بنُ
عبد اللَّهِ عن أبيه قال: كانت الكلابُ تُقبِلُ وتُدْبِرُ في المسجدِ في زمانِ رسولِ اللهِ وَّرَ فلم يرُشُّون
شيئًا من ذلكَ.
(وقال أحمد بن شبيب) بفتح المعجمة وكسر الموحدة ابن سعيد أبو عبد الله التيمي الحنظلي
البصري، المتوفى بعد المائتين وهو من شيوخ المؤلف (حدّثنا أبي) شبيب (عن يونس) بن يزيد الأيلي
(عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: حدثني) بالإفراد (حمزة) بالحاء المهملة والزاي
(ابن عبد الله) بن عمر بن الخطاب أبو عمارة القرشي العدوي المدني التابعي الثقة الجليل (عن أبيه)
عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه (قال):
(كانت الكلاب تقبل وتدبر) حال كونها (في المسجد) النبوي المدني، وفي غير رواية الأربعة
تبول وتقبل وتدبر في المسجد (في زمان رسول الله وَّر فلم يرشون) وفي رواية ابن عساكر فلم
يكن، وفي رواية أبي ذر وابن عساكر في نسخة فلم يكونوا يرشون (شيئًا من ذلك) بالماء وفي ذكر
الكون مبالغة ليست في حذفه كما في قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم﴾ [الأنفال: ٣٣] حيث لم
يقل وما يعذبهم، وكذا في لفظ الرش حيث اختاره على لفظ الغسل لأن الرش ليس فيه جريان الماء
بخلاف الغسل فإنه يشترط فيه الجريان، فنفي الرش أبلغ من نفي الغسل، ولفظ شيئًا أيضًا عامّ لأنه
نكرة في سياق النفي، وهذا كله للمبالغة في طهارة سؤره إذ في مثل هذه الصورة الغالب أن لعابه
يصل إلى بعض أجزاء المسجد. وأجيب: بأن طهارة المسجد متيقنة وما ذكره مشكوك فيه واليقين لا
يرتفع بالشك. ثم إن دلالته لا تعارض دلالة منطوق الحديث الوارد بالغسل من ولوغه، وقد زاد أبو
نعيم والبيهقي في روايتهما لهذا الحديث من طريق أحمد بن شبيب المذكور موصولاً بصريح التحديث
قبل قوله: تقبل تبول وبعدها واو العطف وذلك ثابت في فرع اليونينية، لكنه علم عليه علامة

٣٩٢
کتاب الوضوء/ باب ٣
سقوط ذلك في رواية أبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر، وذكره الأصيلي في رواية
عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد شيخ شبيب بن سعيد المذكور، وحينئذ فلا حجة فيه لمن
استدل به على طهارة الكلاب للاتفاق على نجاسة بولها قاله ابن المنير، لكن يقدح في نقل الاتفاق
القول بأنها تؤكل حيث صح عمن نقل عنه وأن بول ما يؤكل لحمه طاهر.
وقال ابن المنذر: كانت تبول خارج المسجد في مواطنها ثم تقبل وتدبر في المسجد، ويبعد أن
تترك الكلاب تنتاب في المسجد حتى تمتهنه بالبول فيه، والأقرب أن يكون ذلك في ابتداء الحال على
أصل الإباحة، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها، وبهذا الحديث استدل
الحنفية على طهارة الأرض إذا أصابتها نجاسة وجفّت بالشمس أو الهواء وذهب أثرها، وعليه بوّب
أبو داود حيث قال: باب طهور الأرض إذا يبست، ورجاله الستّ ما بين بصري وأيلي ومدني وفيه
تابعي عن تابعي والقول والتحديث والعنعنة، وأخرجه أبو داود والإسماعيلي وأبو نعيم.
١٧٥ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمرَ قال: حدَّثَنَا شُعبةُ عنِ ابنِ أبي السَّفَرِ عنِ الشَّعْبِيِّ عن عَدِيٍّ بنِ
حاتم قال: سألتُ النبِيَّ وَ له فقال: ((إذا أرسَلتَ كلبَكَ المعلَّمَ فقَتَلَ فَكُلْ، وإذا أكلَ فلا تَأْكُلْ فإنّما
أمسَكُّهُ عَلَى نَفسِه)). قلتُ: أُرسِلُ كلبي فأجدُ معه كلبًا آخَرَ. قال: ((فلا تأكلْ، فإنَّما سمّيتَ على
كلبِكَ ولم تُسَمِّ على كلبٍ آخرَ)). [الحديث ١٧٥ - أطرافه في: ٢٠٥٤، ٥٤٧٥، ٥٤٧٦، ٥٤٧٧،
٥٤٨٣، ٥٤٨٤، ٥٤٨٥، ٥٤٨٦، ٥٤٨٧، ٧٣٩٧].
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بن الحرث بن سخبرة بفتح المهملة وسكون المعجمة وفتح
الموحدة النمري الأزدي البصري أبو عمر الحوضي ثقة ثبت عيب بأخذ الأجرة على الحديث من كبار
العاشرة، توفي سنة خمس وعشرين ومائتين (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن ابن أبي السفر)
بفتح السين والفاء عبد الله سعيد بن محمد أو أحمد الهمذاني الكوفي (عن الشعبي) بفتح الشين
المعجمة واسمه عامر (عن عدي بن حاتم) أي ابن عبد الله بن سعيد بن الحشرج بفتح المهملة
وسكون المعجمة آخره جيم الصحابي الشهير الطائي، المتوفى بالكوفة زمن المختار سنة ثمان وستين،
وقيل: إنه عاش مائة وثمانين سنة له في البخاري سبعة أحاديث (قال):
(سألت النبي ◌ُّر) عن حكم صيد الكلاب كما صرّح به المؤلف في كتاب الصيد (فقال) وفي
رواية الأربعة قال: (إذا أرسلت كلبك المعلم) بفتح اللام المشددة وهو الذي يسترسل بإرسال صاحبه
أي يهيج بإغرائه وينزجر بانزجاره في ابتداء الأمر وبعد شدة العدو ويمسك الصيد ليأخذه الصائد
ولا يأكل منه. (فقتل) الصيد (فكل وإذا أكل) الكلب الصيد (فلا تأكل) منه وعلل بقوله (فإنما

٣٩٣
كتاب الوضوء/ باب ٣٤
أمسكه على نفسه) قال عدي بن حاتم (قلت) لرسول الله وَلّر (أرسل كلبي) المعلم (فأجد معه كلبًا
آخر قال) عليه الصلاة والسلام (فلا تأكل) منه (فإنما سميت) أي ذكرت اسم الله (على كلبك) عند
إرساله (ولم تسمّ على كلب آخر) ظاهره وجوب التسمية حتى لو تركها سهوًا أو عمدًا لا يحل وهو
قول أهل الظاهر، وقال الحنفية والمالكية: يجوز تركها سهوًا لا عمدًا، واحتجوا مع الحديث بقوله
تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ [الأنعام: ١٢١] وقال الشافعية: سُنّة فلو
تركها عمدًا أو سهوًا يحل. قيل: وهذا الحديث حجة عليهم. وأجيب بحديث عائشة رضي الله عنها
عند المصنف رحمه الله. قلت: يا رسول الله إن قومًا حديثو عهد بجاهلية أتونا بلحم لا ندري أذكروا
اسم الله عليه أم لم يذكروا أنأكل منه أم لا؟ فقال: ((اذكروا اسم الله عليه وكلوا)). فلو كان واجبًا لما
جاز الأكل مع الشك، وأما الآية ففسر الفسق فيها بما أهلّ لغير الله تعالى وتوجيهه: أن قوله ﴿وإنه
الفسق﴾ ليس معطوفًا لأن الجملة الأولى فعلية إنشائية، والثانية خبرية. ولا يجوز أن تكون جوابًا
لمكان الواو فتعين كونها حالية فتقيد النهي بحال كون الذبح فسقًا، والفسق مفسر في القرآن بما أهل
به لغير الله تعالى فيكون دليلاً لنا علينا وهذا نوع من القلب. وقال تعالى: ﴿وطعام الذين أُوتوا
الكتاب حِلّ لكم﴾ [المائدة: ٥] وهم لا يسمون وقد قام الإجماع على أن من أكل متروك التسمية
ليس بفاسق.
ومطابقة هذا الحديث للترجمة من قوله فيها وسؤر الكلاب لأن في الحديث أنه عليه الصلاة
والسلام أذن في أكل ما صاده الكلاب ولم يقيد ذلك بغسل موضع فمه، ولذا قال مالك: كيف
يؤكل صيده ويكون لعابه نجسًا؟ وأجيب بأن الشارع وكله إلى ما تقرر عنده من غسل ما يماسه فمه .
وهذا الحديث من الخماسيات، ورواته كلهم أئمة أجلاء ما بين بصري وكوفي، وفيه التحديث
والعنعنة، وأخرجه المؤلف أيضًا في البيوع والصيد والذبائح ومسلم وابن ماجة كلاهما فيه أيضًا.
٣٤ - باب مَنْ لم يرَ الوُضوءَ إلاَّ مِنَ المَخْرَجَينِ
من القُبُل والدُّبرِ لقوله تعالى: ﴿أَوْ جاءَ أحدٌ منكم مِنَ الغائطِ
وقال عطاءً فيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبرِهِ الدُّودُ أو مِن ذَكرِه نحوُ القَملةِ: يُعيدُ الوضوءَ. وقال
جابرُ بنُ عبدِ اللهِ: إذا ضحك في الصلاةِ أعادَ الصلاةَ ولم يُعِدِ الوُضوءَ. وقال الحَسنُ: إنْ أَخَذَ
مِن شَعَرِه أو أظفارهِ أو خَلَعَ خُفَّيهِ فلا وُضوءَ عليهِ. وقال أبو هريرةً: لا وُضوءَ إلاّ مِن حَدَث. ويُذكَرُ
عن جابرٍ أن النبيَّ ◌َِّ كان في غزوةِ ذاتِ الرّقاعِ فَرُمَيَ رجلٌ بسَهمِ فَزَفهُ الدَّمُ فركعَ وسجدَ ومضى
في صلاتهِ. وقال الحسَنُ: ما زالَ المسلمونَ يُصَلُّونَ في جِراحاتِهِمَّ. وقال طاوُسٌ ومحمدُ بن عليّ
وعَطاءٌ وأهلُ الحِجازِ: ليس في الدَّمِ وُضوءٌ. وعَصَرَ ابنُ عُمرَ بَثْرَةً فخرَجَ منها الدَّمُ ولم يَتوضَّأُ.

٣٩٤
کتاب الوضوء/ باب ٣٤
وبَزَعق ابنُ أبي أوْفى دَمًا فمضى في صَلاتِهِ. وقال ابنُ عُمرَ والحسَنُ فيمَنْ يَحتَجمُ: ليسَ عليه إلاّ
غَسِلُ مَحاجِمِهِ .
هذا (باب من لم ير الوضوء) واجبًا من مخرج من مخارج البدن (إلا من المخرجين القبل والدبر)
بالجر فيهما عطف بيان أو بدل أي لا من مخرج آخر كالفصد والحجامة والقيء وغيرها، والقبل
يتناول ذكر الرجل وفرج المرأة وزاد في رواية من قبل القبل والدبر (لقوله تعالى) وفي رواية غير
الهروي والأصيلي وابن عساكر وأبي الوقت، وقول الله تعالى: (﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾)
[المائدة: ٦] أي فأحدث بخروج الخارج من أحد السبيلين القبل والدبر، وأصل الغائط المطمئن من
الأرض تقضى فيه الحاجة سمي باسم الخارج للمجاورة، لكن ليس في هذه الآية ما يدل على الحصر
الذي ذكره المؤلف غاية ما فيها أن الله تعالى أخبر أن الوضوء أو التيمم عند فقد الماء يجب بالخارج
من السبيلين وبملامسة النساء المفسرة بجسّ اليد كما فسّرها به ابن عمر رضي الله عنهما، واستدل
بذلك الإمام الشافعي رضي الله عنه على نقض الوضوء به، والمعنى في النقض به أنه مظنة الالتذاذ
المثير للشهوة. وقال الحنفية: الملامسة كناية عن الجماع فيكون دليلاً للغسل لا للوضوء، وأجيب:
بأن اللفظ لا يختص بالجماع قال تعالى: ﴿فلمسوه بأيديهم﴾ [الأنعام: ٧] وقال عليه الصلاة والسلام
لماعز: ((لعلك لمست)). (وقال عطاء) أي ابن أبي رباح مما وصله ابن أبي شيبة في مصنفه بإسناد
صحيح (فيمن يخرج من دبره الدود أو من ذكره نحو القملة) وغير ذلك من النادر. قال: (يعيد
الوضوء) وهذا مذهب الشافعي وأحمد وإسحق وأبي ثور وسفيان الثوري والأوزاعي، وقال قتادة
ومالك: لا وضوء فيه، وفي نسخة باليونينية يعيد الصلاة بدل الوضوء. (وقال جابر بن عبد الله)
رضي الله عنه مما وصله سعيد بن منصور والدارقطني: (إذا ضحك) فظهر منه حرفان أو حرف
مفهم (في الصلاة أعاد الصلاة لا الوضوء) والذي في اليونينية ولم يعد الوضوء. وقال أبو حنيفة: إذا
قهقه في الصلاة ذات الركوع والسجود بصوت يسمعه جيرانه بطلت الصلاة وانتقض الوضوء وإن لم
يسمعه جيرانه فلا لحديث ((من ضحك في الصلاة قهقهة فليعد الوضوء والصلاة)). أخرجه ابن عدي
في كامله سواء كان بصوت يسمع أو تبسم، والخلاف إنما هو في نقض الوضوء لا في إبطال
الصلاة. (وقال الحسن) البصري مما أخرجه سعيد بن منصور، وابن المنذر بإسناد صحيح موصولاً
(إن أخذ من شعره) أي شعر رأسه أو شاربه (أو) من (أظفاره) ولابن عساكر وأظفاره فلا وضوء
عليه خلافًا لمجاهد والحكم بن عتيبة وحماد (أو خلع) وفي رواية ابن عساكر وخلع (خفّيه) أو أحدهما
بعد المسح عليهما (فلا وضوء عليه) وهذا مما وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن هشيم عن يونس
عن الحسن البصري، وإليه ذهب قتادة وعطاء وطاوس وإبراهيم النخعي وسلمان وداود، واختاره
النووي في شرح المهذب كابن المنذر وفي قول يتوضأ لبطلان كل الطهارة ببطلان بعضها كالصلاة،
والأظهر أنه يغسل قدميه فقط لبطلان طهرهما بالخلع أو الانتهاء.

٣٩٥
کتاب الوضوء/ باب ٣٤
(وقال أبو هريرة) رضي الله عنه مما وصله القاضي إسماعيل في الأحكام بإسناد صحيح من
طريق مجاهد عنه: (لا وضوء إلا من حَدَث) هو في اللغة الشيء الحادث ثم نقل إلى الأسباب
الناقضة للطهارة وإلى المنع المترتب عليها مجازًا من باب قصر العام على الخاص والأول هو المراد هنا،
(ويذكر) بضم الياء (عن جابر) رضي الله عنه مما وصله ابن إسحق في المغازي، وأخرجه أحمد وأبو
داود والدارقطني وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم كلهم من طريق ابن إسحق (أن النبي وَل
كان في غزوة ذات الرقاع فرمي رجل) وهو عباد بن بشر (بسهم فنزفه الدم) بفتح الزاي والفاء أي
خرج منه دم كثير (فركع وسجد ومضى في صلاته) فلم يقطعها لاشتغاله بحلاوتها عن مرارة ألم
الجرح وفيه رد على الحنفية حيث قالوا: ينتقض الوضوء إذا سال الدم، لكن يشكل عليه الصلاة مع
وجود الدم في بدنه أو ثوبه المستلزم لبطلان الصلاة للنجاسة، وأجيب باحتمال عدم إصابة الدم لهما
أو إصابة الثوب فقط ونزعه عنه في الحال ولم يسل على جسده إلا مقدار ما يعفى عنه كذا قرره
الحافظ ابن حجر والبرماوي والعيني وغيرهم وهو مبني على عدم العفو عن كثير دم نفسه فيكون كدم
الأجنبي فلا يعفى إلا عن قليله فقط، وهو الذي صححه النووي في المجموع والتحقيق، وصحح
في المنهاج والروضة أنه كدم البثرة وقضيته العفو عن قليله وكثيره، وقد صح أن عمر رضي الله عنه
صلى وجرحه ینزف دمًا .
(وقال الحسن) البصري: (ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم) بكسر الجيم. قال العيني:
منتصرًا لمذهبه: أي يصلون في جراحاتهم من غير سيلان الدم والدليل عليه ما رواه ابن أبي شيبة في
مصنفه عن هشيم عن يونس عن الحسن أنه كان لا يرى الوضوء من الدم إلا ما كان سائلاً. هذا
الذي روي عن الحسن بإسناد صحيح وهو مذهل الحنفية وحجة لهم على الخصم انتهى، وليس كما
قال لأن الأثر الذي رواه البخاري ليس هو الذي ذكره هو، فإن الأول هو روايته عن الصحابة
وغيرهم، والثاني مذهب للحسن فافهم.
(وقال طاوس) اسمه ذكوان بن كيسان اليماني الحميري من أحد الأعلام فيما وصله ابن أبي
شيبة بإسناد صحيح عن عبيد الله بن موسى بن حنظلة عنه، (و) قال (محمد بن علي) أي ابن
الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني التابعي أبو جعفر المعروف بالباقر لأنه بقر العلم أي
شقّه بحيث علم حقائقه مما وصله أبو بشر سمويه في فوائده من طريق الأعمش رضي الله عنهم
أجمعين، (و) قال (عطاء) أي ابن أبي رباح مما وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه، (و) قال (أهل
الحجاز) كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والفقهاء السبعة ومالك والشافعي وغيرهم: وهو من
ياب عطف العام على الخاص لأن الثلاثة السابقة طاوس ومحمد بن علي وعطاء حجازيون (ليس في
الدم وضوء) سواء سال أو لم يسل خلافًا لأبي حنيفة حيث أوجبه مع الإسالة مستدلاً بحديث
الدار قطني إلا أن يكون دمًا سائلاً وأجيب:

٣٩٦
کتاب الوضوء/ باب ٣٤
(وعصر ابن عمر) رضي الله عنهما (بثرة) بسكون المثلثة وقد تفتح خراجًا صغيرًا في وجهه
(فخرج منها الدم) فحكه بين أصبعيه وصلى (ولم يتوضأ) وفي رواية أبوي ذر والوقت والأصيلي
فخرج منها دم، وفي أخرى لهم الدم فلم، وفي أخرى لابن عساكر دم ولم، وهذا الأثر وصله ابن
أبي شيبة بإسناد صحيح، (وبزق) بالزاي ويجوز بالسين كالصاد (ابن أبي أوفى) عبد الله الصحابي ابن
الصحابي وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة سنة سبع وثمانين وقد كفّ بصره قبل، وقد رآه
أبو حنيفة رضي الله عنه وعمره سبع سنين (دمًا) وهو يصلي (فمضى في صلاته) وهذا وصله سفيان
الثوري في جامعه عن عطاء بن السائب بإسناد صحيح لأن سفيان سمع من عطاء قبل اختلاطه.
(وقال ابن عمر) رضي الله عنهما (والحسن) البصري (فيمن يحتجم) وفي رواية الأربعة فيمن احتجم
(ليس عليه إلا غسل محاجمه) لا الوضوء. والمحاجم جمع محجمة بفتح الميم موضع الحجامة، وقد
وصل أثر ابن عمر الشافعي وابن أبي شيبة بلفظ: كان إذا احتجم غسل محاجمه، وأما أثر الحسن
فوصله ابن أبي شيبة أيضًا بلفظ: إنه سئل عن الرجل يحتجم ماذا عليه؟ قال: يغسل أثر محاجمه. وفي
رواية الكشميهني ليس عليه غسل محاجمه بإسقاط إلاّ وهو الذي ذكره الإسماعيلي. وقال ابن بطال:
ثبتت في رواية المستملي دون رفيقيه انتهى. وكذا هي ثابتة في فرع اليونينية عنه وعن الهروي، وقال
ابن حجر وهي في نسختي ثابتة من رواية أبي ذر عن الثلاثة.
١٧٦ - حدثنا آدَمُ بنُ أبي إياس قال: حدَّثَنا ابن أبي ذئبٍ قَال: حَدَّثَنا سَعِيد المَقبُريّ عن أبي
هُرِيرةَ قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((لا يَزالُ العَبْدُ في صَلاةٍ ما كانَ في المسجدِ يَنتَظِرُ الصلاةَ ما لم يُحدِثْ)).
فقالَ رجُلٌ أعجميٍّ: ما الحدَثُ يا أبا هريرةَ؟ قال: الصوتُ (يعني الضَّرْطةَ). [الحديث ١٧٦ - أطرافه
في: ٤٤٥، ٤٧٧، ٦٤٧، ٦٤٨، ٦٥٩، ٢١١٩، ٣٢٢٩، ٤٧١٧].
وبالسند قال: (حدّثنا آدم بن أبي إياس) بكسر الهمزة (قال: حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن
عبد الرحمن بن المغيرة بن الحرث بن أبي ذئب واسمه هشام (قال: حدّثنا سعيد المقبري) ولغير أبوي
ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر عن سعيد المقبري (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (قال):
(قال النبي) وفي رواية أبي ذر رسول الله (وَج: لا يزال العبد في) ثواب (صلاة) لا حقيقتها
وإلا لامتنع عليه الكلام ونحوه (ما كان) وللكشميهني ما دام (في المسجد ينتظر الصلاة ما لم يحدث)
أي ما لم يأت بالحدث وما مصدرية ظرفية أي مدة دوام عدم الحدث وهو يعمّ ما خرج من السبيلين
وغيره، ونكر الصلاة في قوله في صلاة ليشمل انتظار كل واحدة منها (فقال رجل أعجمي) لا
يفصح كلامه ولا يعينه وإن كان عربيًا: (ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: الصوت يعني الضرطة)
ونحوها وفي رواية أبي داود وغيره لا وضوء إلا من صوت أو ريح فكأنه قال: لا وضوء إلا من
ضراط أو فساء، وإنما خصّهما بالذكر دون ما هو أشد منهما لكونهما لا يخرج من المرء غالبًا في
المسجد غيرهما، فالظاهر أن السؤال وقع عن الحدث الخاص وهو المعهود وقوعه غالبًا في الصلاة.

٣٩٧
کتاب الوضوء/ باب ٣٤
وهذا الحديث من الرباعيات ورجاله كلهم مدنيون إلا آدم مع أنه دخل المدينة وفيه التحديث
والعنعنة .
١٧٧ - حقّثنا أبو الوَلِيدِ قال: حدَّثَنا ابنُ عيَينة عنِ الزّهريِّ عن عَبّادِ بنِ تَميمٍ عن عمَّهِ عنِ
النبيِّ وَِّ قال: ((لا يَنصَرِفْ حتى يَسمعَ صوتًا أو یَجِدَ رِیحًا)).
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي (قال: حدّثنا ابن عيينة) وفي رواية
ابن عساكر سفيان بن عيينة (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن عباد بن تميم) بتشديد الموحدة بعد
العين المفتوحة الأنصاري (عن عمه) عبد الله بن زيد المازني رضي الله عنه (عن النبي وَّ) أنه
(قال) :
(لا ينصرف) أي المصلي عن صلاته (حتى يسمع صوتًا أو يجد ريجا) وفي رواية: لا ينفتل وهي
بمعنى لا ينصرف أورده هنا مختصرًا اقتصر منه على الجواب وسبق تامًّا في باب لا يتوضأ من الشك
حتى يستيقن من طريق علي بن المديني، حدّثنا سفيان قال: حدّثنا الزهري عن سعيد بن المسيب،
وعن عباد بن تميم ولفظه عن عمه: أنه شكى إلى النبي وَيقول الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في
الصلاة فقال: ((لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريجا)). وهذا الحديث من الخماسيات
ورواته أئمة أجلاء ما بين بصري وكوفي ومدني وفيه التحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلف في الطهارة
أيضًا وفي البيوع، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي كلهم في الطهارة.
١٧٨ - حدّثنا قتيبةُ قال: حدَّثَنا جَرِيرٌ عنِ الأعْمشِ عن مُنْذِرٍ أبي يَعلى الثَّوريّ عن
محمدِ ابْنِ الحنَفِيَّةِ قال: قال عليٍّ كنتُ رجُلاً مَذَاءً فاستَخَيْتُ أن أسألَ رسولَ اللهِ وَ لَ فأمرتُ
المِقدادَ بنَ الأسودِ فسألَه فقال: ((فيهِ الوُضوء)). ورواه شُعبةُ عنِ الأعمش.
وبه قال (حدّثنا قتيبة) بن سعيد (قال: حدّثنا جرير) أي ابن عبد الحميد (عن الأعمش)
سليمان بن مهران (عن منذر أبي يعلى الثوري) بالمثلثة (عن محمد ابن الحنفية) أنه (قال):
(قال علي) أي ابن أبي طالب أبوه رضي الله عنه (كنت رجلاً مذّاء) بالمعجمة والهمزة والنصب
خبر كان وهو على وزن فعال بالتشديد أي كثيره (فاستحييت أن أسأل رسول الله وَ ل38) عن حكمه
(فأمرت المقداد بن الأسود) مجازًا إذ أبوه في الحقيقة ثعلبة البهراني ونسب إلى الأسود لأنه تبناه أو
حالفه أو لغير ذلك أن يسأله عليه الصلاة والسلام عن ذلك (فسأله فقال) بَالقر: يجب (فيه الوضوء)
لا الغسل .
(ورواه) وفي رواية ابن عساكر رواه بإسقاط الواو (شعبة) بن الحجاج (عن الأعمش)
سليمان بن مهران عن منذر الخ، والحديث سبق في آخر كتاب العلم، ويأتي إن شاء الله تعالى في

٣٩٨
کتاب الوضوء/ باب ٣٤
باب غسل المذي من كتاب الغسل، وأورده هنا لدلالته على إيجاب الوضوء من المذي وهو خارج من
أحد المخرجين .
١٧٩ - حدثنا سَعدُ بنُ حَفصٍ قَالَ: حدَّثَنَا شَيبانُ عن يحيى عن أبي سَلمةَ أنَّ عَطاءَ بنَ
يَسارٍ أخبرَهُ أنَّ زيدَ بنَ خالدٍ أخبرَهُ أنه سألَ عثمانَ بنَ عفَانَ قلتُ: أرأيتَ إذا جامعَ فلم يُمنِ؟
قال عثمانُ: يَتَوضَّأُ كما يَتَوضَّأُ للصلاةِ ويَغْسِلُ ذكرَهُ. قال عثمانُ: سمعتُه من النَّبِيِّ ◌َ .
فسألتُ عن ذُلك عليًّا والزُّبَيرَ وطَلحةَ وَأُبيّ بنَ كَعبٍ رضيَ الله عنهم فأمروه بذلك. [الحديث
١٧٩ - طرفه في: ٢٩٢].
وبه قال: (حدّثنا سعد بن حفص) بسكون العين أبو محمد الطلحي بالمهملتين الكوفي (قال:
حدّثنا شيبان) بن عبد الرحمن النحوي أبو معاوية (عن يحيى) بن أبي كثير البصري التابعي (عن أبي
سلمة) بن عبد الرحمن بفتح اللام عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف التابعي.
(أن عطاء بن يسار) بفتح المثناة التحتية والسين المهملة المدني (أخبره أن زيد بن خالد) المدني
الصحابي (أخبره أنه سأل عثمان بن عفان) رضي الله عنه (قلت) بتاء المتكلم على سبيل الالتفات من
الغيبة للتكلم لقصد حكاية لفظه بعينه وإلا فكان أسلوب الكلام أن يقول قال: (أرأيت إذا جامع)
الرجل امرأته أو أمته (فلم) وفي رواية الأصيلي وابن عساكر وأبي الوقت ولم (يمن) بضم الياء
وسكون الميم وقد يفتح الأوّل وقد يضم مع فتح الميم وشد النون يتوضأ. (قال عثمان) رضي الله عنه
(يتوضأ كما يتوضأ للصلاة) أي الوضوء الشرعي لا الوضوء اللغوي، وإنما أمره بالوضوء احتياطًا
لأن الغالب خروج المذي من المجامع وإن لم يشعر به (ويغسل ذكره) لتنجسه بالمذي وهل يغسل جميعه
أو بعضه المتنجس؟ قال الإمام الشافعي بالثاني ومالك بالأوّل.
فإن قلت: غسل الذكر متقدم على الوضوء فلم أخره؟ أجيب: بأن الواو لا تدل على الترتيب
بل هو على مطلق الجمع فلا فرق بين أن يغسل الذكر قبل الوضوء أو بعده على وجه لا ينتقض
الوضوء معه .
(قال عثمان) رضي الله عنه: (سمعته) أي ما ذكر جميعه (من النبي ◌َ ليو) قال زيد: (فسألت
عن ذلك عليًّا) أي ابن أبي طالب رضي الله عنه (والزبير) بن العوّام (وطلحة) بن عبيد الله و(أبيّ بن
كعب) رضي الله عنهم (فأمروه) أي المجامع (بذلك) أي بأن يتوضأ والضمير المرفوع للصحابة
والمنصوب للمجامع كما هو مأخوذ من دلالة التضمن في قوله: إذا جامع.
وفي هذا الحديث وجوب الوضوء على من جامع ولم ينزل لا الغسل لكنه منسوخ كما سيأتي
إن شاء الله قريبًا، وقد انعقد الإجماع على وجوب الغسل بعد أن كان في الصحابة من لا يوجب
الغسل إلا بالإنزال كعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوّام، وطلحة بن

٣٩٩
کتاب الوضوء/ باب ٣٤
عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، ورافع بن خديج، وأبي سعيد الخدري، وأُبّ بن
كعب، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعطاء بن أبي رباح، وهشام بن عروة، والأعمش، وبعض
أصحاب الظاهر .
فإن قلت: إذا كان الحديث منسوخًا فكيف يصح استدلال المصنف به؟ أجيب: بأن المنسوخ
منه عدم وجوب الغسل لا عدم الوضوء، فحكمه باقٍ والحكمة في الأمر به قبل أن يجب الغسل إما
لكون الجماع مظنة خروج المذي أو لملامسة الموطوءة فدلالته على الترجمة من هذه الجزئية وهي وجوب
الوضوء من الخارج المعتاد لا على الجزء الأخير وهو عدم الوجوب في غير المنسوخ، ولا يلزم أن
يدل كل حديث في الباب على كل الترجمة، بل تكفي دلالة البعض على البعض. ورجال هذا
الحديث أحد عشر رجلاً ما بين كوفي وبصري ومدني، وفيهم ثلاثة من التابعين وصحابيان يروي
أحدهما عن الآخر، والتحديث والعنعنة والإخبار والسؤال والقول، وأخرجه المؤلف أيضًا في
الطهارة وكذا مسلم.
١٨٠ - حدثنا إسحقُ هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ قال: أخبرَنا النَّضْرُ قال: أخبرنا شُعبةُ عنِ الحَكَمِ عنٍ
ذَكْوانَ أبي صالح عن أبي سَعيدٍ الْخُدرِيُّ أن رسولَ اللَّهِ وَ لَ أرسلَ إلى رجُلٍ منَ الأنصارِ فجاء ورأسُهُ
يَقْطِرُ، فقال النبيُّ وَّرَ: ((لعلَّنا أعْجَلْناكَ))؟ فقال: نعم. فقال رسولُ اللَّهِ وََّ: ((إذا أُعْجِلْتَ - أو قُحِطْتَ.
فعليك الوضوء».
تابعَهُ وَهبّ قال: حدَّثَنا شُعبةُ. قال أبو عبدِ اللَّهِ: ولم يَقُلْ غُنْدَرٌ ويحيى عن شُعبةَ
((الوضوء)) .
وبه قال: (حدّثنا) وفي رواية بالإفراد (إسحق هو ابن منصور) وفي رواية كريمة بإسقاط قوله
هو ابن منصور، وفي رواية أبي ذر إسحق بن منصور أي ابن بهرام بفتح الموحدة الكوسج كما عند
أبي نعيم (قال: أخبرنا النضر) بفتح النون وسكون المعجمة ابن شميل بضم المعجمة أبو الحسن المازني
البصري (قال: أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن الحكم) بفتح المهملة والكاف ابن عتيبة مصغر عتبة
الباب (عن ذكوان أبي صالح) الزيات المدني (عن أبي سعيد الخدري) بالدال المهملة سعد بن مالك
الأنصاري :
(أن رسول الله وَر أرسل إلى رجل من الأنصار) هو عتبان بكسر العين المهملة وسكون التاء
المثناة الفوقية وموحدة ثم نون بينهما ألف ابن مالك الأنصاري كما في مسلم، أو صالح الأنصاري
فيما ذكره عبد الغني بن سعيد، أو رافع بن خديج كما حكاه ابن بشكوال، ورجح في الفتح
الأول، ولمسلم مرّ على رجل فيحمل على أنه مرّ به فأرسل إليه (فجاء ورأسه بقطر) جملة وقعت
حالاً من ضمير جاء أي ينزل منه الماء قطرة قطرة من أثر الاغتسال، وإسناد القطر إلى الرأس مجاز
كسال الوادي (فقال النبي ◌َ) له: (لعلنا) قد (أعجلناك) عن فراغ حاجتك من الجماع (فقال)

٤٠٠
کتاب الوضوء/ باب ٣٥
الرجل، وفي رواية ابن عساكر قال مقررًا له (نعم) أعجلتني (فقال رسول الله وَالقول: إذا أعجلت)
بضم الهمزة وكسر الجيم، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني عجلت بضم العين وكسر الجيم الخفيفة
من غير همز، وفي رواية عجلت كذلك مع التشديد (أو قحطت) بضم الكاف وكسر الحاء من غير
همزة، وفي رواية الأصيلي أو أقحطت بفتح الهمزة والحاء وكذا لمسلم، وفي رواية أقحطت بضم
الهمزة وكسر الحاء أي لم تنزل استعارة من قحوط المطر وهو انحباسه (فعليك الوضوء) بالرفع مبتدأ
خبره الجار والمجرور وبالنصب على الإغراء أو المفعولية لأنه اسم فعل، وأو في قوله أو قحطت
للشك من الراوي أو لتنويع الحكم من الرسول عليه الصلاة والسلام أي سواء كان عدم الإنزال بأمر
خارج عن ذات الشخص أو من ذاته لا فرق بينهما في إيجاب الوضوء لا الغسل لكنه منسوخ، وقد
أجمعت الأمة الآن على وجوب الغسل بالجماع وإن لم يكن معه إنزال وهو مروي عن عائشة أم
المؤمنين، وأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابن عمر، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود،
وابن عباس والمهاجرين، وبه قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد وأصحابهم وبعض أصحاب
الظاهر والنخعي والثوري. وهذا الحديث من السداسيات ورواته ما بين مروزي وبصري وواسطي
وكوفي ومدني وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلم في الطهارة وكذا ابن ماجة.
(تابعه) أي تابع النضر بن شميل (وهب) أي ابن جرير بن حازم فيما وصله أبو العباس
السراج في مسنده عن زياد بن أيوب عنه (قال) أي وهب (حدّثنا شعبة) وفي رواية ابن عساكر عن
شعبة (قال أبو عبد الله) أي البخاري (ولم يقل) كذا لكريمة وابن عساكر ولغيرهما بإسقاط قال أبو
عبد الله: إنما قال ولم يقل (غندر) واسمه محمد بن جعفر (ويحيى) بن سعيد القطان في روايتهما
لهذا الحديث (عن شعبة) بهذا الإسناد والمتن (الوضوء) قال البرماوي كالكرماني: أي لم يقولا لفظ
الوضوء بل قالا فعليك فقط بحذف المبتدأ للقرينة المسوّغة للحذف والمقدر عند القرينة كالملفوظ .
وقال ابن حجر: فأما يحيى فهو كما قاله قد أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده عنه ولفظه فليس
عليك غسل، وأما غندر فقد أخرجه أحمد أيضًا عنه ولفظه: فلا غسل عليك، عليك الوضوء،
وهكذا أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة والإسماعيلي وأبو نعيم من طرق عنه، وكذا ذكره أصحاب
شعبة كأبي داود الطيالسي وغيره عنه فكأن بعض مشايخ البخاري حدّثه به عن يحيى وغندر معًا
فساقه له على لفظ يحيى اهـ.
٣٥ - باب الرَّجُلُ يُوَضِّىءُ صاحِبه
(باب) حكم (الرجل يوضیء صاحبه).
١٨١ - حدّثنا محمدُ بنُ سَلام قال: أخبرَنا يَزِيدُ بنُ هارونَ عن يحيى عن موسى بنِ عُقْبَةً
عن كُريبٍ مَولى ابنِ عبّاسٍ عن أُسَامَةَ بنِ زَيدِ أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لما أفاضَ مِن عَرَفَةَ عَدلَ إلى