النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
كتاب الوضوء/ باب ١
ولا بدَّ من التقييد بالماء لأن الطهارة تطلق على التراب كما قاله الشافعي، والطهارة بالفتح مصدر
طهر بفتح الهاء وضمها والفتح أفصح يطهر بالفتح فيهما وهي لغة النظافة والخلوص من الأدناس
حسيّة كالأنجاس أو معنوية كالعيوب يقال: تطهرت بالماء وهم قوم يتطهرون أي يتنزهون عن العيب
وشرعًا، كما قال النووي في شرح المهذب رفع حدث أو إزالة نجس، أو ما في معناهما أو على
صورتهما كالتيمم والاغتسالات المسنونة وتجديد الوضوء والغسلة الثانية والثالثة ومسح الأذنين
والمضمضة ونحوها من نوافل الطهارة وطهارة المستحاضة وسلس البول.
(قال أبو عبد الله) يعني البخاري مما سيأتي موصولاً (وبيَّن) وفي رواية الأصيلي قال: وبين
(النبي وَّه أن فرض الوضوء) المجمل في الآية السابقة غسل الأعضاء (مرة) للوجه (مرة) لليد إلى
آخره، فالتكرار لإرادة التفصيل والنصب على أنه مفعول مطلق أو على الحال السادة مسدّ الخبر أي
يفعل مرة. وقال في الفتح: وهو في روايتنا بالرفع على الخبرية اهـ. وهو أقرب الأوجه، والأوّل هو
الذي في فرع اليونينية فقط.
(وتوضأ) وَ (أيضًا) وضوءًا (مرتين مرتين) كذا في رواية أبي ذر ولغيره مرتين بغير تكرار،
(و) توضأ عليه الصلاة والسلام أيضًا (ثلاثًا) أي ثلاث مرات، وفي رواية أبوي ذر والوقت
والأصيلي وثلاثًا بالتكرار (ولم يزد) عليه الصلاة والسلام (على ثلاث) أي ثلاث مرات، بل ورد أنه
ذم من زاد عليها كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عند أبي داود وغيره بإسناد جيد
أنه ﴿ ﴿ توضأ ثلاثًا ثلاثًا ثم قال: ((من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم)) أي ظلم بالزيادة
بإتلاف الماء ووضعه في غير موضعه، وظاهره الذم بالنقص عن الثلاث وهو مشكل.
وأجيب: بأن فيه حذفًا تقديره من نقص من واحدة فقد أساء. ويؤيده ما رواه نعيم بن حماد
مرفوعًا: ((الوضوء مرة ومرتين وثلاثًا فمن نقص من واحدة أو زاد على ثلاث فقد أخطأ)). وهو
مرسل ورجاله ثقات. وقال في المجموع عن الأصحاب وغيرهم: إنّ المعنى زاد على الثلاث أو نقص
منها. قال: واختلف أصحابنا في معنى أساء وظلم، فقيل: أساء في النقص وظلم في الزيادة. فإن
الظلم مجاوزة الحدود ووضع الشيء في غير محله، وقيل: عكسه لأن الظلم يستعمل بمعنى النقص
لقوله تعالى: ﴿أَتت أكلها ولم تظلم منه شيئًا﴾ [الكهف: ٣٣] وقيل: أساء وظلم فيهما. واختاره
ابن الصلاح لأنه ظاهر الكلام اهـ.
وأجيب أيضًا: بأن الرواة لم يتفقوا على ذكر النقص فيه، بل أكثرهم اقتصر على قوله فمن زاد
فقط كما رواه ابن خزيمة في صحيحه وغيره بل عدّ مسلم قوله أو نقص مما أنكر على عمرو بن
شعيب، وإنما تحسب غسله إذا استوعب العضو فلو شك في العدد أثناء الوضوء، فقيل: يأخذ
بالأكثر حذرًا من زيادة رابعة، والأصح بالأقل كالركعات والشك بعد الفراغ لا عبرة به على الأصح
لئلا يؤدّيه الأمر إلى الوسوسة المذمومة، وفي رواية أبي ذر وابن عساكر على ثلاثة بالهاء، والأصل
عدمها إذ المعدود مؤنث لكنه أوّله بأشياء، وفي أخرى على ثلاث.

٣٤٢
کتاب الوضوء/ باب ٢
(وكره أهل العلم) المجتهدون (الإسراف فيه) كراهة تنزيه وهذا هو الأصح من مذهبنا وعبارة
إمامنا الشافعي في الأم: لا أحب أن يزيد المتوضىء على ثلاث، فإن زاد لم أكرهه أي لم أحرمه لأنه
قوله: لا أحب يقتضي الكراهة. وقال أحمد وإسحق وغيرهما: لا تجوز الزيادة على الثلاث، وقال
ابن المبارك: لا آمن أن يأثم. ثم عطف المؤلف على السابق لتفسيره قوله (وأن يجاوزوا) أي أهل العلم
(فعل النبي (مية)، فليس المراد بالإسراف إلا المجاوزة عن فعله و ◌ّر الثلاث، وفي مصنف ابن أبي
شيبة عن ابن مسعود قال: ليس بعد الثلاث شيء.
٢ - باب لا تُقْبَلُ صَلاةٌ بغير طُهور
هذا (باب) بالتنوين (لا تقبل) بضم المثناة الفوقية على ما لم يسم فاعله (صلاة) بالرفع نائب
عنه. وفي رواية بفرع اليونينية موافقة لما عند المؤلف في ترك الحيل لا يقبل الله صلاة (بغير طهور)
بضم الطاء الفعل الذي هو المصدر، والمراد به ما هو أعم من الوضوء والغسل وبفتحها الماء الذي
يتطهر به. وهذه الترجمة لفظ حديث ليس على شرط المؤلف رواه مسلم وغيره من حديث ابن عمر،
وقد قال القاضي عياض في شرحه: إنه نص في وجوب الطهارة، وتعقبه أبو عبد الله الأبّيّ بأن
الحديث إنما فيه أنها شرط في القبول والقبول أخصّ من الصحة وشرط الأخص لا يكون شرطًا في
الأعم، وإنما كان القبول أخص لأن حصول الثواب على الفعل، والصحة وقوع الفعل مطابقًا للأمر
فكل متقبل صحيح دون العكس، والذي ينتفي بانتفاء الشرط الذي هو الطهارة القبول لا الصحة،
وإذا لم تنتفِ الصحة لم يتم الاستدلال بالحديث، والفقهاء يحتجون به وفيه من البحث ما سمعت.
فإن قلت إذا فسرت الصحة بأنها وقوع الفعل مطابقًا للأمر فالقواعد تدل على أن الفعل إذا
وقع مطابقًا للأمر كان سببًا في حصول الثواب، قلت: غرضنا إبطال التمسك بالحديث من قبل
الشرطية وقد اتضح، ثم نمنع أنها سبب في حصول الثواب لأن الأعم ليس سببًا في حصول أخصه
المعين انتهى .
ويجاب بأن المراد بالقبول هنا ما يرادف الصحة وهو الاجزاء، وحقيقة القبول ثمرة وقوع
الطاعة مجزئة رافعة لما في الذمة، ولما كان الإتيان بشروطها مظنة الأجزاء الذي القبول ثمرته عبّر عنه
بالقبول مجازًا لأن الغرض من الصحة مطابقة العبادة للأمر، وإذا حصل ذلك ترتب عليه القبول،
وإذا انتفى القبول انتفت الصحة لما قام من الأدلة على كون القبول من لوازمها، فإذا انتفى انتفت.
وأما القبول المنفي في نحو قوله: من أتى عرّافًا لم يقبل له صلاة فهو الحقيقي لأنه قد يصح العمل
ويتخلّف القبول، ولهذا كان بعض السلف يقول لأن تقبل لي صلاة واحدة أحبّ إلي من جميع الدنيا .
قال ابن عمر: لأن الله تعالى قال: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ [المائدة: ٢٧].

٣٤٣
کتاب الوضوء/ باب ٢
١٣٥ - حدثنا إسحقُ بنُ إبراهيمَ الحَنْظليُّ قال: أخبرنا عبدُ الرَّزَّاقِ قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ عنْ
هَمَّامٍ بِنِ مُنَبِّهِ أنه سَمعَ أبا هُرَيرةَ يَقول: قال رسولُ اللّهِ وَلَه: ((لا تُقْبَلُ صَلاةُ مَنْ أَحدَثَ حتّى
يَتوضَّأ)» قال رَجُلٌ مِن حَضْرَمَوْتَ: ما الْحَدثُ يا أبا هُرَيرةَ؟ قال: فُساءٌ أو ضُراط. [الحديث ١٣٥.
طرفه في: ٦٩٥٤].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي) بالظاء المعجمة (قال: أخبرنا
عبد الرزاق) بن همام (قال: أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن همام بن منبه) بتشديد ميم الأوّل وضم
ميم الثاني وفتح النون وتشديد الموحدة المكسورة (أنه سمع أبا هريرة) رضي الله عنه (يقول):
(قال رسول الله (مَله: لا تقبل) بضم المثناة الفوقية (صلاة من) أي الذي (أحدث) وصلاة
بالرفع نائب عن الفاعل وفي رواية لا يقبل الله بالنصب على المفعولية من أحدث أي وجد منه الحدث
الأكبر كالجنابة والحيض والأصغر الناقض للوضوء (حتى) أي إلى أن (يتوضأ) بالماء أو ما يقوم مقامه
فيقبل حينئذ. قال في المصابيح، قال لي بعض الفضلاء: يلزم من حديث أبي هريرة أن الصلاة
الواقعة في حال الحدث إذا وقع بعدها وضوء صحّت، فقلت له: الإجماع يدفعه. فقال: يمكن أن
يدفع من لفظ الشارع وهو أولى من التمسك بدليل خارج، وذلك بأن تجعل الغاية للصلاة لا لعدم
القبول، والمعنى صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ لا تقبل اهـ.
والذي يقوم مقام الوضوء بالماء هو التيمم أو أنه يسمى وضوءًا كما عند النسائي بإسناد صحيح
من حديث أبي ذر أنه و * قال: ((الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين)) فأطلق
عليه الصلاة والسلام على التيمم أنه وضوء لكونه قائمًا مقامه، وإنما اقتصر ذكر الوضوء نظرًا إلى
كونه الأصل، ولا يخفى أن المراد بقبول صلاة من كان محدثًا فتوضأ أي مع باقي شروط الصلاة.
واستدل بهذا الحديث على أن الوضوء لا يجب لكل صلاة لأن القبول انتفى إلى غاية الوضوء وما
بعدها مخالف لما قبلها، فاقتضى ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقًا وفيه الدليل على بطلان الصلاة
بالحدث سواء كان خروجه اختياريًّا أو اضطراريًّا لعدم التفرقة في الحديث بين حدث وحدث في
حالة دون حالة .
(قال رجل من حضرموت) بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء والميم بلد
باليمن وقبيلة أيضًا: (ما الحدث) وفي رواية فما الحدث. (يا أبا هريرة؟ قال) هو (فساء) بضم الفاء
والمد (أو ضراط) بضم الضاد وهما يشتركان في كونهما ريًّا خارجًا من الدبر، لكن الثاني مع
صوت، وإنما فسر أبو هريرة الحدث بهما تنبيهًا بالأخف على الأغلظ، أو أنه أجاب السائل بما
يحتاج إلى معرفته في غالب الأمر، وإلا فالحدث يطلق على الخارج المعتاد وعلى نفس الخروج وعلى
الوصف الحكمي المقدر قيامه بالأعضاء قيام الأوصاف الحسية وعلى المنع من العبادة المترتب على كل

٣٤٤
کتاب الوضوء/ باب ٣
واحد من الثلاثة، وقد جعل في الحديث الوضوء رافعًا للحدث فلا يعني بالحدث الخارج المعتاد ولا
نفس الخروج، لأن الواقع لا يرتفع فلم يبق أن يعني إلا المنع أو الصفة .
٣ - باب فَضلِ الوُضوءِ، والغُرُ المُحَجَّلونَ مِنْ آثارِ الوُضوءِ
هذا (باب فضل الوضوء) بالجرّ على الإضافة (والغرّ المحجلون) بالرفع عطفًا على باب أي
وباب الغرّ المحجلين فأقيم المضاف إليه مقام باب المحذوف أو الغرّ مبتدأ أو خبره محذوف أي
مفضلون على غيرهم، ووقع في رواية الأصيلي وفضل الغرّ المحجلين (من آثار الوضوء) جمع أثر
الشيء وهو بقيته .
١٣٦ . حدثنا يَحيى بنُ بُكَيرِ قال: حدَّثنا الليثُ عن خالدٍ عن سَعيدِ بنِ أبي هِلال عنْ نُعَيمِ
المُجْمِرِ قال: رَقِيتُ معَ أبي هُرَيرةَ عَلَى ظَهرِ المسجدِ فتَوضَّأ فقال: إني سمعتُ النبيِّ وَّ يقول:
((إِنَّ أُمَّتِي يُذْعَونَ يومَ القِيامَةِ غُرَّا مُحَجَّلينَ من آثارِ الوُضوءِ، فَمنِ اسْتطاعَ مِنكم أنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ
فلْيَفْعَل)) .
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف وإسكان المثناة
التحتية المصري (قال حدثنا الليث) بن سعد المصري أيضًا (عن خالد) هو ابن يزيد من الزيادة
الإسكندراني البربري الأصل المصري الفقيه المفتي التابعي، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومائة (عن
سعيد بن أبي هلال) التيمي مولاهم البصري المولد المدني المنشأ، المتوفى سنة خمس وثلاثين ومائة (عن
نعيم) بضم النون وفتح العين وسكون المثناة التحتية ابن عبد الله المدني العدوي (المجمر) بضم الميم
الأولى وكسر الثانية اسم فاعل من الإجمار على الأشهر، وقيل بتشديد الميم الثانية من التجمير وهو
صفة لهما حقيقة أنه (قال) :
(رقيت) بكسر القاف أي صعدت (مع أبي هريرة) رضي الله عنه (على ظهر المسجد) النبوي
(فتوضأ) بالفاء التعقيبية وفي نسخة بالواو، ولأبي ذر توضأ بدونهما، وللكشميهني يومًا بدل توضاً
وهو تصحيف، وللإسماعيلي وغيره ثم توضأ (فقال) وفي رواية الأربعة قال بحذف حرف العطف
على الاستئناف كأن قائلاً قال: ثم ماذا؟ فقال: قال: (إني سمعت النبي) وفي رواية أبي ذر رسول
الله (َّ) حال كونه (يقول) بلفظ المضارع استحضارًا للصورة الماضية أو لأجل الحكاية عنها (إن
أمتي) المؤمنين (يدعون) بضم أوّله وفتح ثالثه (يوم القيامة) على رؤوس الأشهاد حال كونهم (غرًّا)
بضم الغين المعجمة وتشديد الراء جمع أغر أي ذو غرة وهي بياض في الجبهة، والمراد به النور يكون
في وجوههم وحال كونهم (محجلين) من التحجيل وهو بياض في اليدين والرجلين، والمراد به النور
أيضًا أي يدعون إلى يوم القيامة وهم بهذه الصفة فيكون معدّى بإلى نحو: ﴿يدعون إلى كتاب الله﴾

٣٤٥
کتاب الوضوء/ باب ٣
[آل عمران: ٢٣] وتعقبه الدماميني بأن حذف مثل هذا الحرف ونصب المجرور بعد حذفه غير
مقيس. قال: ولنا مندوحة عن ارتكابه بأن نجعل يوم القيامة ظرفًا أي يدعون فيه غرًّا محجلين اهـ.
وقال ابن دقيق العيد: أو مفعول ثانٍ ليدعون بمعنى ينادون على رؤوس الأشهاد بذلك أو
بمعنی یسمون بذلك.
فإن قلت: الغرة والتحجيل في الآخرة صفات لازمة غير منتقلة فكيف يكونان حالين؟
أجيب: بأن الحال تكون منتقلة أو في حكم المنتقلة إذا كانت وصفًا ثابتًا مؤكدًا نحو قوله تعالى:
﴿وهو الحق مصدقًا﴾ [البقرة: ٩١] ومنه خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها، فأطول حالاً
لازمة غير منتقلة، لكنها في حكم المنتقلة لأن المعلوم من سائر الحيوانات استواء القوائم الأربع فلا
يخبر بهذا الأمر إلا من يعرفه، وكذلك هنا المعلوم في سائر الخلق عدم الغرة والتحجيل، فلما جعل
الله ذلك لهذه الأمة دون سائر الأمم صارت في حكم المنتقلة بهذا المعنى، ويحتمل أن تكون هذه
علامة لهم في الموقف وعند الحوض، ثم تنتقل عنهم عند دخولهم الجنة فتكون منتقلة بهذا المعنى:
(من) أي لأجل (آثار الوضوء) أو من سببية أي بسبب آثار الوضوء ومثله قوله تعالى: ﴿مما
خطيئاتهم أغرقوا﴾ [نوح: ٢٥] أي بسبب خطاياهم أغرقوا، وحرف الجرّ متعلق بمحجلين أو
بيدعون على الخلاف في باب التنازع بين البصريين والكوفيين، والوضوء بضم الواو ويجوز فتحها فإن
الغرة والتحجيل نشآً عن الفعل بالماء فيجوز أن ينسب إلى كُل منهما. (فمن استطاع) أي قدر (منكم
أن يطيل غرته) بأن يغسل شيئًا من مقدّم رأسه وما يجاوز وجهه زائدًا على القدر الذي يجب غسله
لاستيعاب كمال الوجه، وأن يطيل تحجيله بأن يغسل بعض عضده أو يستوعبها كما روي عن أبي
هريرة وابن عمر (فليفعل) ما ذكر من الغرة والتحجيل فالمفعول محذوف للعلم به، ولمسلم فليطل
غرّته وتحجيله، وادّعى ابن بطال وعياض وابن التين اتفاق العلماء على عدم استحباب الزيادة فوق
المرفق والكعب، وردّ بأنه ثبت من فعله وَ ل# وفعل أبي هريرة. وأخرجه ابن أبي شيبة من فعل ابن
عمر بإسناد حسن وعمل العلماء وفتواهم عليه، وقال به القاضي حسين وغيره من الشافعية
والحنفية، وأما قوله وَله: ((فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم)) فالمراد به الزيادة في عدد
المرّات أو النقص عن الواجب لا الزيادة على تطويل الغرّة والتحجيل وهما من خواص هذه الأمة لا
أصل الوضوء، واقتصر هنا على الغرّة لدلالتها على الآخر وخصّها بالذكر لأن محلها أشرف أعضاء
الوضوء، وأوّل ما يقع عليه النظر من الإنسان. وحمل ابن عرفة فيما نقله عنه أبو عبد الله الأبّ الغرّة
والتحجيل على أنهما كناية عن إنارة كل الذات لا أنه مقصور على أعضاء الوضوء، ووقع عند
الترمذي من حديث عبد الله بن بسر وصححه «أمتي يوم القيامة غرّ من السجود محجلة من
الوضوء)). قال في المصابيح: وهو معارض بظاهر ما في البخاري .

٣٤٦
كتاب الوضوء/ باب ٤
٤ - باب لا يَتَوَضَّأُ مِنَ الشَّكُّ حتّى يَسْتَيْقِنَ
هذا (باب) بالتنوين (لا يتوضأ) بفتح أوّله، وفي رواية ابن عساكر باب من لا يتوضأ (من
الشك) أي لأجله كقوله: وذلك من نبأ جاءني. والشك عند الفقهاء هو التردّد على السواء (حتى
یستیقن).
١٣٧ - حدّثنا عليٍّ قال: حدَّثَنا سُفيانُ قال: حدَّثَنا الزُّهْرِيُّ عنْ سَعيدٍ بنِ المُسَيَّب وعن
عَبّادِ بنِ تَمِيم عن عَمِهِ أَنَّهُ شَكا إلى رسولِ اللَّهِ ﴿ الرَّجُلُ الذي يُخَيَّلُ إليهِ أنّهُ يجِدُ الشيءَ في
الصلاةِ، فقالَ: ((لا يَنْفَتِلُ - أوْ لا يَنْصَرِفُ - حتّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوَ يَجِدَ رِيحًا)). [الحديث ١٣٧-
طرفاه في: ١٧٧، ٢٠٥٦].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا عليّ) هو ابن عبد الله المديني (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة
(قال: حدّثنا الزهري) محمد بن مسلم (عن سعيد بن المسيب) بفتح الياء (وعن عباد بن تميم) بفتح
العين المهملة وتشديد الموحدة ابن يزيد الأنصاري المدني عدَّه الذهبي في الصحابة وغيره في التابعين،
ووقع في رواية كريمة سقوط واو العطف من قوله وعن عباد وهو خطأ لأنه لا رواية لسعيد بن
المسيب عن عباد أصلاً، وحينئذ فالعطف على قوله عن سعيد بن المسيب هو الصحيح لأن الزهري
يروي عن سعيد وعباد وكلاهما (عن عمه) عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني قتل في ذي
الحجة بالحرّة في آخر سنة ثلاث وستين، له في البخاري تسعة أحاديث.
(أنه شكا) بالألف أي عبد الله بن زيد كما صرّح به ابن خزيمة (إلى رسول الله وَلَّ الرجل)
بالنصب على المفعولية، وفي رواية أنه شكي بضم أوّله مبنيًّا للمفعول موافقة لمسلم كما ضبطه النووي
رحمه الله تعالى الرجل بالضم، قال في التنقيح: وعلى هذين الوجهين أي في شكا يجوز في الرجل
الرفع والنصب، وتعقبه البدر الدماميني بأن الوجهين محتملان على الأوّل وحده، وذلك أن ضمير أنه
يحتمل أن يكون ضمير الشأن، وشكا الرجل فعل وفاعل مفسر للشأن، ويحتمل أن يعود إلى الراوي
وشكا مسند إلى ضمير يعود إليه أيضًا والرجل مفعول به (الذي يخيل إليه) بضم المثناة التحتية وفتح
المعجمة مبنيًّا لما لم يسمّ فاعله أي يشبه له (أنه يجد الشيء) أي الحدث خارجًا من دبره وهو (في
الصلاة، فقال) وَالر: (لا ينقتل أو لا ينصرف) بالجزم فيهما على النهي وبالرفع على النفي، والشك
من الراوي وكأنه من شيخ المؤلف عليّ (حتى) أي إلى أن (يسمع صوتًا) من دبره (أو يجد ريجا) منه،
والمراد تحقق وجودهما حتى أنه لو كان أخشم لا يشم أو أصم لا يسمع كان الحكم كذلك وذكرهما
ليس لقصر الحكم عليهما، فكل حدث كذلك إلا أنه وقع جوابًا لسؤال، والمعنى إذا كان أوسع من
الاسم كان الحكم للمعنى، وهذا كحديث إذا استهل الصبي ورث وصلي عليه إذ لم يرد تخصيص
الاستهلال دون غيره من أمارات الحياة كالحركة والنبض ونحوهما، وهذا الحديث فيه قاعدة لكثير من
الأحكام وهي استصحاب اليقين وطرح الشك الطارىء، والعلماء متفقون على ذلك فمن تيقن

٣٤٧
کتاب الوضوء/ باب ٥
الطهارة وشك في الحدث عمل بيقين الطهارة أو تيقن الحدث وشك في الطهارة عمل بيقين الحدث
فلو تيقنهما وجهل السابق منهما كما لو تيقن بعد طلوع الشمس حدثًا وطهارة ولم يعلم السابق
فأوجه، أصحها إسناد الوهم لما قبل الطلوع فإن كان قبله محدثًا فهو الآن متطهر لأنه تيقن أن الحدث
السابق ارتفع بالطهارة اللاحقة وشك هل ارتفع أم لا؟ والأصل بقاؤه وإن كان قبله متطهرًا نظر. إن
كان ممن يعتاد تجديد الوضوء فهو الآن محدث لأن الغالب أنه بنى وضوءه على الأوّل فيكون الحدث
بعده، وإن لم يعتد فهو الآن متطهر لأن طهارته بعد الحدث وإن لم يتذكر ما قبلهما توضأ للتعارض،
واختار في المجموع لزوم الوضوء بكل حال احتياطًا .
وذكر في شرح المهذب والوسيط أن الجمهور أطلقوا المسألة وأن المقيد لها المتولي والرافعيّ مع
أنه نقله في أصل الروضة عن الأكثرين. قال في المهمات: وعليه الفتوى وقد أخذ بهذه القاعدة وهي
العمل بالأصل جمهور العلماء خلافًا لمالك حيث روي عنه النقض مطلقًا أو خارج الصلاة دون
داخلها. وروي هذا التفصيل عن الحسن البصري والأول مشهور مذهب مالك قاله القرطبي وهو
رواية ابن القاسم عنه، وروى ابن نافع عنه لا وضوء عليه مطلقًا كقول الجمهور، وروى ابن وهب
عنه أحبّ إلي أن يتوضأ ورواية التفصيل لم تثبت عنه وإنما هي لأصحابه. وقال القرافيّ: ما ذهب
إليه مالك أرجح لأنه احتاط للصلاة وهي مقصد وألغى الشك في السبب المبرىء وغيره احتاط
للطهارة وهي وسيلة وألغى الشك في الحدث الناقض لها والاحتياط للمقاصد أولى من الاحتياط
للوسائل. وجوابه: أن ذلك من حيث النظر أقوى لكنه مغاير لمدلول الحديث لأنه أمر بعدم
الانصراف إلا أن يتحقق، والله سبحانه أعلم بالصواب.
٥ - باب التخفيفِ في الْوُضوء
هذا (باب) جواز (التخفيف في الْوُضوء).
١٣٨ - حدثنا عليُّ بنُ عبدِ اللهِ قال: حدَّثَنَا سُفيانُ عن عَمرِو قال: أخبرَني كُرَيْبٌ عنِ ابنِ
عباسٍ أنَّ النبيَّ بِ ﴿َ نامَ حتى نَفَخَ، ثمَّ صلَّى - ورُبَّما قال اضْطَجَعَ حتى نَفَخَ ثم قام فصَلَّى. ثمَّ
حدَّثَنَا به سُفيانُ مرَّةً بعدَ مرَّةٍ عن عَمرِو عن كُرَيبٍ عنِ ابنِ عبّاسٍ قال: بِتُّ عندَ خالتي مَيمونةَ لَيلةً،
فقامَ النبيُّ نَّهَ مِنَ اللَّيلِ، فلمّا كانَ في بعضِ الليلِ قامَ النبيُّ ◌َّهِ فَتَوضَّأْ مِنْ شَنٌّ مُعَلَّقٍ وُضوءًا خَفيفًا
- يُخَفِّفُه عَمْرٌو ويُقَلِّلُه - وقامَ يُصلِّي، فتوضَّأْتُ نَحوًا مِمَا تَوضَّأ، ثمَّ جِئتُ فقُمتُ عن يَسارِهِ - ورُبَّما
قال سُفيانُ: عن شِمالِهِ - فَحوَّلَنِي فَجعَلَني عن يَمِينِه. ثمَّ صلَّى ما شاءَ اللَّهُ، ثمَّ اضْطَجَعَ فنامَ حتى
نَفَخَ، ثمَّ أتاهُ المُنادِي فآذَنَهُ بالصَّلاةِ، فقامَ معَه إلى الصلاةِ فصلَّى ولم يَتَوَضَّأُ. قُلنا لعَمرو: إنَّ ناسًا
يَقولونَ إِنَّ رسولَ اللَّهِ بَ لَ تَنَامُ عَيْنُهُ ولا يَنامُ قلبُه، قال عَمرٌو: سَمعتُ عُبَيدَ بنَ عُمَيرٍ يَقولُ: رُؤْيا
الأنبياءِ وحيّ. ثمَّ قَرأَ: ﴿إِنِّي أَرَى في المَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصّافّات: ١٠٢].

٣٤٨
کتاب الوضوء/ باب ٥
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا) بالجمع وفي رواية الكشميهني حدّثني (عليّ بن عبد الله)
المديني (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) أي ابن دينار أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (كريب)
بضم الكاف وفتح الراء وسكون المثناة التحتية آخره موحدة ابن أبى مسلم القرشي مولى عبد الله بن
عباس المكنّى بأبي رشدين بكسر الراء وسكون المعجمة وكسر المهملة وسكون المثناة التحتية آخره
نون، المتوفى بالمدينة سنة ثمان وتسعين (عن ابن عباس) رضي الله عنهما:
(أن النبي وَّل نام) مضطجعًا (حتى) أي إلى أن (نفخ ثم صلى) وفي رواية ابن عساكر بإسقاط
ثم صلى (وربما قال) سفيان (اضطجع) عليه الصلاة والسلام (حتى) أي إلى أن (نفخ ثم قام فصلى)
أي قالها بدون قوله نام وبزيادة قام قال علي بن المديني (ثم حدثنا به سفيان) بن عيينة تحديثًا (مرة
بعد مرة) أي كان يحدّثهم تارة مختصرًا وتارة مطوّلاً (عن عمرو) أي ابن دينار (عن كريب) مولى ابن
عباس (عن ابن عباس) رضي الله عنهما أنه (قال بتّ) بكسر الموحدة (عند خالتي) أم المؤمنين
(ميمونة) بنت الحرث الهلالية (ليلة) بالنصب على الظرفية (فقام النبي وَّة) مبتدئًا (من الليل) وفي
رواية ابن السكن فنام من النوم، وصوّبها القاضي عياض لقوله: (فلما كان في) وفي رواية الحموي
والمستملي من (بعض الليل قام النبي) وللأربعة رسول الله (َ ﴿ فتوضأ من شنّ) بفتح الشين المعجمة
وتشديد النون أي من قربة خلقة (معلق) بالجر صفة لشنّ على تأويله بالجلد أو الوعاء وفي رواية
معلقة بالتأنيث (وضوءًا خفيفًا) بالنصب على المصدرية في الأولى والصفة في الأخرى (يخففه عمرو)
ابن دينار بالغسل الخفيف مع الإسباغ (ويقلله) بالاقتصار على المرة الواحدة، فالتخفيف من باب
الكيف والتقليل من باب الكمّ وذلك أدنى ما تجوز به الصلاة (وقام) عليه الصلاة والسلام (يصلي)
وفي رواية فصلى (فتوضأت) وضوءًا خفيفًا (نحوًا مما توضأ) بَّر، وفي رواية تأتي إن شاء الله تعالى
فقمت فصنعت مثل ما صنع وهي تردّ على الكرماني حيث قال هنا لم يقل مثلاً لأن حقيقة مماثلته وقداله
لا يقدر عليها أحد غيره انتهى. ولا يلزم من إطلاق المثلية المساواة من كل وجه.
(ثم جئت فقمت عن يساره وربما قال سفيان) بن عيينة (عن شماله) وهو إدراج من ابن
المديني (فحوّلني) عليه الصلاة والسلام (فجعلني عن يمينه ثم صلى) عليه الصلاة والسلام (ما شاء
الله ثم اضطجع فنام حتى نفخ ثم أتاه المنادي فآذنه) بالمد أي أعلمه وفي رواية يؤذنه بلفظ المضارع من
غير فاء وللمستملي فناداه (بالصلاة فقام) المنادي (معه) عليه السلام (إلى الصلاة فصلى) عليه السلام
(ولم يتوضأ) من النوم. قال سفيان بن عيينة: (قلنا لعمرو) أي ابن دينار (إن ناسًا يقولون: إن رسول
الله وَّ تنام عينه ولا ينام قلبه) ليعي الوحي إذا أُوحي إليه في المنام (قال عمرو) المذكور (سمعت
عبيد بن عمير) بالتصغير فيهما ابن قتادة الليثي المكي التابعي (يقول: رؤيا الأنبياء وحي) رواه مسلم
مرفوعًا، (ثم قرأ ﴿إني أرى في المنام أني أذبحك)) [الصّافّات: ١٠٢] واستدلاله بهذه الآية من جهة
أن الرؤيا لو لم تكن وحيًا لما جاز لإبراهيم عليه السلام الإقدام على ذبح ولده.
٠

٣٤٩
کتاب الوضوء/ باب ٦
٦ - باب إسباغ الوضوءِ
وقال ابنُ عُمَرَ: إسباغُ الوُضوءِ الإنقاءُ .
هذا (باب إسباغ الوضوء) أي إتمامه من قوله تعالى: ﴿وأسبغ عليكم نعمه﴾ [لقمان: ٢٠] أي
أتمها (وقال ابن عمر) بن الخطاب رضي الله عنه مما وصله عبد الرزاق في مصنفه بإسناد صحيح
(إسباغ الوضوء الإنقاء) وهو من تفسير الشيء بلازمه إذ الإتمام يستلزم الإنقاء عادة، وكان ابن
عمر يغسل رجليه في الوضوء سبع مرات كما رواه ابن المنذر بسند صحيح، وإنما بالغ فيهما دون
غيرهما لكونهما محلاً للأوساخ غالبًا لاعتيادهم المشي حفاة، واستشكل بما تقدم من أن الزيادة على
الثلاث ظلم وتعدٍّ، وأجيب: بأنه فيمن لم يرَ الثلاث سنة أما إذا رآها وزاد على أنه من باب الوضوء
على الوضوء يكون نورًا على نور. وقال في المصابيح: والمعروف في اللغة أن إسباغ الوضوء إتمامه
وإكماله والمبالغة فيه.
١٣٩ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسْلَمَةَ عن مالِكِ عنْ موسى بنِ عُقْبةَ عن كُرَيْبٍ مولى ابنِ عبّاسٍ
عن أُسامةَ بن زَيدِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يقول: دَفَعَ رسولُ اللَّهِ وَلَمِنْ عَرَفَةَ حتى إذا كانَ بِالشّعْبِ نُزَلَ فبالَ،
ثُمَّ تَوضَّأ ولم يُسْبِغِ الوُضوءَ. فقلتُ: الصلاةَ يا رسولَ اللَّهِ. فقال: الصلاةُ أمامَكَ. فَرَكِبَ. فلمّا
جاءَ المُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأ فأسْبَغَ الوُضوءَ ثمَّ أُقيمَتِ الصلاةُ فصلَّى المَغْرِبَ، ثمَّ أناخَ كلُّ إنسانٍ بَعِيرَهُ
في مَنزلهِ، ثمَّ أُقيمَتِ العِشاءُ فصلَّى، ولم يُصَلِّ بينَهما. [الحديث ١٣٩ - أطرافه في: ١٨١،
١٦٦٧، ١٦٦٩، ١٦٧٢].
وبالسند إلى البخاري رحمه الله تعالى قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) إمام
دار الهجرة (عن موسى بن عقبة) بن أبي عياش المدني، المتوفى سنة إحدى وأربعين ومائة ذي المغازي
التي هي أصح المغازي (عن كريب مولى ابن عباس عن أسامة بن زيد) أي ابن حارثة الكلبي المدني
الحب ابن الحب وأمه أم أيمن المتوفى بوادي القرى سنة أربع وخمسين له في البخاري سبعة عشر
حديثًا (أنه سمعه يقول):
(دفع) أي رجع (رسول الله (وَّر من) وقوف (عرفة) بعرفات الأوّل غير منوّن وهو اسم للزمان
وهو التاسع من ذي الحجة، والثاني الموضع الذي يقف به الحاجّ وحينئذ فيكون المضاف فيه محذوفًا
(حتى إذا كان) عليه السلام (بالشعب) بكسر الشين المعجمة وسكون العين المهملة الطريق المعهودة
للحاج (نزل) وَ لّ (فبالَ ثم توضأ) بماء زمزم كما في زوائد المسند بإسناد حسن (ولم يسبغ الوضوء)
أي خفّفه لإعجاله الدفع إلى المزدلفة، وفي مسلم فتوضأ وضوءًا خفيفًا، وقيل: معناه توضأ مرة مرة
لكن بالإسباغ أو خفّف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عاداته، واستبعد القول بأن المراد به الوضوء
اللغوي وأبعد منه القول بأن المراد به الاستنجاء، ومما يقوّي استبعاده قوله فى الرواية الآتية إن شاء

٣٥٠
كتاب الوضوء/ باب ٧
الله تعالى في باب الرجل يوضى صاحبه أنه يجر عدل إلى الشعب فقضى حاجته فجعلت أصبّ الماء
عليه ويتوضأ، إذ لا يجوز أن يصبّ عليه أسامة إلا وضوء الصلاة لأنه كان لا يقرب منه أحد وهو
على حاجته. (فقلت الصلاة) بالنصب على الإغراء أو بتقدير أتريد أو أتصلي الصلاة (يا رسول الله.
فقال) وفي رواية أبوي ذر والوقت والأصيلي قال: (الصلاة) بالرفع على الابتداء وخبره (أمامك) بفتح
الهمزة أي وقت الصلاة أو مكانها قدامك، (فركب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ) بماء زمزم أيضًا
(فأسبغ الوضوء).
فإن قلت: لم أسبغ هذا الوضوء وخفّف ذلك؟ أجيب: بأن الأوّل لم يرد به الصلاة وإنما أراد
به دوام الطهارة وفيه استحباب تجديد الوضوء وإن لم يصل بالأوّل، لكن ذهب جماعة إلى أنه ليس له
ذلك قبل أن يصلي به لأنه لم يوقع به عبادة ويكون كمن زاد على ثلاث في وضوء واحد وهذا هو
الأصح عند الشافعية، قالوا: ولا يسنّ تجديده إلاّ إذا صلى بالأوّل صلاة فرضًا أو نفلاً.
(ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب) قبل حط الرحال (ثم أناخ كل إنسان) منا (بعيره في منزله
ثم أقيمت العشاء) بكسر العين وبالمدّ أي صلاتها (فصلى ولم يصل بينهما) وتأتي مباحث الحديث في
كتاب الحج إن شاء الله تعالى بعون الله وقوّته.
٧ - باب غسْلِ الوَجِهِ باليَدَينِ من غَرِفَةٍ واحدة
هذا (باب غسل الوجه) بفتح الغين (باليدين من غرفة واحدة) أي فلا يشترط الاغتراف باليدين
معًا، والغرفة بفتح الغين المعجمة بمعنى المصدر وبالضم بمعنى المغروف وهي ملء الكف.
١٤٠ - حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الرَّحيم قال: أخبرنا أبو سَلَمَةَ الخُزاعيُّ مَنصورُ بنُ سَلمَةَ قال:
أخبرنا ابن بلالٍ - يَعني سُليمانَ - عن زَيدِ بنِ أسْلم عن عَطاءٍ بن يَسارٍ عن ابنِ عبّاسٍ أنه تَوضَّأَ
فَغَسَلَ وَجِهُهُ، أَخَذَ غَرِفَةً من ماءٍ فَمَضْمَضَ بها واسْتَنْشَقَ، ثمَّ أخذَ غَرْفَةً من ماءٍ فجَعَل بها هكذا
أضافَها إلي يدِهِ الأُخرى فغَسلَ بها وَجْهَهُ، ثمَّ أخذَ غَرْفَةً مِن ماءٍ فَغَسَلَ بها يَدَهُ اليُمْنى ثمَّ أخذ
غَرِفَةٌ من ماء فَغَسَلَ بها يَدَهُ اليُسرى، ثمَّ مَسح برَأْسِه، ثمَّ أخذَ غَرِفَةً من ماءٍ فَرَشَّ عَلَى رِجِلِه اليمنى
حتى غَسلَها، ثمَّ أخذَ غَرفَةً أُخرى فغَسلَ بها رِجِلَهُ - يَعني اليُسرى - ثمَّ قال: هكذا رَأيتُ رسولَ
اللَّهِ وَ يَتَوضَّأُ.
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا) وللأصيلي بالإفراد (محمد بن عبد الرحيم) بن أبي زهير
البغدادي الملقب بصاعقة لسرعة حفظه وشدّة ضبطه البزاز، المتوفى سنة خمس وخمسين ومائتين (قال:
أخبرنا) وللأصيلي حدّثنا (أبو سلمة) بفتح السين واللام (الخزاعي منصور بن سلمة) البغدادي
الحافظ، المتوفى بالمصيصة سنة عشرين ومائتين أو سنة عشر أو سبع أو تسع ومائتين (قال):

٣٥١
کتاب الوضوء/ باب ٨
(أخبرنا ابن بلال يعني سليمان) السابق في باب أمور الإيمان (عن زيد بن أسلم عن عطاء بن
يسار عن ابن عباس رضي الله عنهما (أنه توضأ فغسل وجهه) من باب عطف المفصل على المجمل
ثم بين الغسل على وجه الاستئناف فقال: (أخذ غرفة من ماء فمضمض بها) وفي رواية الأصيلي وابن
عساكر فتمضمض بها (واستنشق ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى) أي
جعل الماء الذي في يده في يديه جميعًا لكونه أمكن في الغسل لأن اليد قد لا تستوعب الغسل وسقط
للأصيلي وابن عساكر من ماء (فغسل بها وجهه) أي بالغرفة وللأصيلي وكريمة فغسل بهما أي باليدين
وظاهر قوله: إنه توضأ فغسل وجهه مع قوله أخذ غرفة أن المضمضة، والاستنشاق بغرفة من جملة
غسل الوجه، لكن المراد بالوجه أوّلاً ما هو أعمّ من المفروض والمسنون بدليل أنه أعاد ذكره ثانيًا بعد
ذكر المضمضة والاستنشاق بغرفة مستقلة. (ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة
من ماء) أيضًا (فغسل بها يده اليسرى ثم مسح برأسه) بعد أن قبض قبضة من الماء ثم نفض يده كما
في رواية أبي داود مع زيادة مسح أُذنيه ففي الحديث هنا حذف دلّ عليه ما رواه أبو داود. (ثم أخذ
غرفة من ماء فرش) أي صب الماء قليلاً قليلاً (على رجله اليمنى حتى) أي إلى أن (غسلها) والرش قد
يراد به الغسل، ويؤيد قوله هنا حتى غسلها والرش القوي يكون معه الإسالة وعبّر به تنبيهًا على
الاحتراز عن الإسراف لأن الرجل مظنته في الغسل (ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله يعني
اليسرى) وفي رواية أبوي ذر والوقت فغسل بها يعني رجله اليسرى والقائل يعني زيد بن أسلم أو
من هو دونه من الرواة. (ثم قال) أي ابن عباس (هكذا رأيت رسول الله) ولأبي الوقت النبي (اَلر
يتوضأ) حكاية حال ماضية، وفي رواية ابن عساكر توضأ، وفي هذا الحديث دليل الجمع بين
المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة المحكي في الكفاية عن نصه في الأم، وهو يحتمل وجهين أن
يتمضمض منها ثلاثًا ولاء ثم يستنشق كذلك، وأن يتمضمض ثم يستنشق ثم يفعل كذلك ثانيًا
وثالثًا، وأولى الكيفيات أن يجمع بين ثلاث غرفات يتمضمض من كل واحدة ثم يستنشق، فقد صح
من حديث عبد الله بن زيد وغيره وصححه النووي وتأتي بقية الكيفيات إن شاء الله تعالى في باب
المضمضة في الوضوء.
٨ - باب التسمِيةٍ عَلَى كلِّ حالٍ، وعندَ الوِقاع
هذا (باب التسمية على كل حال وعند الوقاع) بكسر الواو أي الجماع وهو من عطف الخاص
على العام للاهتمام به، والحديث الذي ساقه هنا شاهد للخاصّ لا للعامّ، لكن لما كان حال الوقاع
أبعد حال من ذكر الله تعالى ومع ذلك سنّ التسمية فيه. ففي غيره أولى، ومن ثم ساقه المؤلف هنا
لمشروعية التسمية عند الوضوء ولم يسق حديث لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه مع كونه أبلغ في
الدلالة لكونه ليس على شرطه بل هو مطعون فيه .

٣٥٢
كتاب الوضوء/ باب ٩
١٤١ - حدثنا عليُّ بنُ عبدِ اللَّهِ قال: حدَّثَنَا جَرِيرٌ عن مَنصورٍ عن سالمِ بنِ أبي الجَعْدِ عن
كُرَيبٍ عنِ ابنِ عبّاسٍ يَبْلُغُ النبيَّ ◌َ قال: ((لو أنَّ أحدَكُم إذا أتى أهلَهُ قال: بسم اللَّهِ، اللّهمَّ جَنْنَا
الشيطانَ وَجَنّبِ الشيطانَ ما رَزَقْتَنا، فقُضِيَ بينهما وَلَدٌ لم يَضُرَّه)). [الحديث ١٤١ - أطرافه في:
٣٢٧١، ٣٢٨٣، ٥١٦٥، ٦٣٨٨، ٧٣٩٦].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني (قال: حدّثنا جرير) هو ابن
عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن سالم بن أبي الجعد) بفتح الجيم وسكون العين المهملة
رافع الأشجعي مولاهم الكوفي التابعي، المتوفى سنة مائة (عن كريب) مولى ابن عباس (عن ابن
عباس) رضي الله عنهما حال كونه (يبلغ به) بفتح أوّله وضم ثالثه وسقط لفظ به لغير الأربعة أي
يصل ابن عباس بالحديث (النبي ◌َّة) وهذا كلام كريب أي أنه ليس موقوفًا على ابن عباس، بل هو
مسند إلى الرسول (، لكنه يحتمل أن يكون بواسطة بأن يكون سمعه من صحابي سمعه من
الرسول و # وأن يكون بدونها (قال) أي النبي وَلقال:
(لو أن أحدكم إذا أتى أهله) أي زوجته وهو كناية عن الجماع (قال: بسم الله اللّهمَّ جنّبنا) أي
أبعد عنا (الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا) أي الذي رزقتناه، والمراد الولد وإن كان اللفظ أعم
(فقضي) بضم القاف وكسر الضاد (بينهما) أي بين الأحد والأهل وللمستملي والحموي فقضي بينهم
بالميم نظرًا إلى معنى الجمع في الأهل (ولد) ذكرًا كان أو أنثى (لم يضره) الشيطان بضم الراء على
الأفصح أي لا يكون له على الولد سلطان، فيكون من المحفوظين، أو المعنى لا يتخبطه الشيطان ولا
يداخله بما يضرّ عقله أو بدنه أو لا يطعن فيه عند ولادته أو لم يفتنه بالكفر، وروى ابن جرير في
تهذيب الآثار بسنده عن مجاهد قال: إذا جامع الرجل أهله ولم يسم انطوى الجان على إحليله فجامع
معه فذلك قوله تعالى: ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان﴾ [الرحمن: ٥٦].
٩ - باب ما يَقولُ عندَ الخلاءِ
هذا (باب ما يقول عند) إرادة دخول (الخلاء) بالمد أي موضع قضاء الحاجة وهو المرحاض
والكنيف والحش والمرفق وسمي به لأن الإنسان يخلو فيه.
١٤٢ - حدثنا آدم قال: حدَّثَنا شُعبةُ عن عبدِ العَزيزِ بنِ صُهَيبٍ قال: سمعتُ أنَسًا يقول:
كانَ النبيُّ وََّ إذا دَخْلَ الخَلاءَ قال: «اللّهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ منَ الْخُبثِ وَالخبائثِ».
تابَعَهُ ابْنُ عَرْعَرةَ عن شُعبةَ. وقال غُنْدَرٌ عن شُعبةَ: ((إِذَا أتى الخَلاءَ)). وقال موسى عن حمادٍ :
((إذا دخَلَ)). وقال سعيدُ بنُ زيدٍ: حدَّثَنا عبدُ العزيزِ: ((إذا أرادَ أن يَدخُلَ)). [الحديث ١٤٢ - طرفه
في: ٦٣٢٢].

٣٥٣
كتاب الوضوء/ باب ٩
وبالسند إلى البخاري رحمه الله تعالى قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس (قال: حدّثنا شُعبة) بن
الحجاج (عن عبد العزيز بن صهيب) بضم الصاد المهملة (قال: سمعت أنسًا) حال كونه (يقول):
(كان النبي (وَ﴿ إذا دخل الخلاء) أي إذا أراد دخول الخلاء (قال: اللّهمَّ إني أعوذ بك من
الخبث) بضم المعجمة والموحدة وقد تسكن، وهي رواية الأصيلي كما في فرع اليونينية ونص عليها
غير واحد من أهل اللغة. نعم صرح الخطابي بأن تسكينها ممنوع وعدَّه من أغاليط المحدثين، وأنكره
عليه النووي وابن دقيق العيد لأن فعلاً بضم الفاء والعين تخفف عينه بالتسكين اتفاقًا، ورده الزركشي
في تعليق العمدة بأن التخفيف إنما يطرد فيما لا يلبس كعنق من المفرد ورسل من الجمع لا فيما
يلبس كحمر فإنه لو خفف ألبس بجمع أحمر، وتعقبه صاحب مصابيح الجامع بأنه لا يعرف هذا
التفصيل لأحد من أئمة العربية بل في كلامه ما يدفعه فإنه صرّح بجواز التخفيف في عنق مع أنه
يلبس حينئذ بجمع أعنق وهو الرجل الطويل العنق، والأنثى عنقاء بيّنة العنق وجمعهما عنق بضم
العين وإسكان النون اهـ.
(والخبائث) أي ألوذ بك وألتجىء من ذكران الشياطين وإناثهم، وعبّر بلفظة كان للدلالة على
الثبوت والدوام، وبلفظ المضارع في يقول استحضارًا لصورة القول، وكان عليه الصلاة والسلام
يستعيذ إظهارًا للعبودية ويجهر بها للتعليم، وإلا فهو ◌ّ محفوظ من الجنّ والإنس، وقد روى
المعمري هذا الحديث من طريق عبد العزيز بن المختار عن عبد العزيز بن صهيب بإسناد على شرط
مسلم بلفظ الأمر قال: ((إذا دخلتم الخلاء فقولوا بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث)) وفيه زيادة
البسملة. قال الحافظ ابن حجر: ولم أرها في غير هذه الرواية انتهى. وظاهر ذلك تأخير التعوّذ عن
البسملة. قال في المجموع: وبه صرّح جماعة لأنه ليس للقراءة، وخصّ الخلاء لأن الشياطين تحضر
الأخلية لأنه يهجر فيها ذكر الله تعالى.
(تابعه) ولابن عساكر: قال أبو عبد الله أي البخاري تابعه أي تابع آدم بن أبي إياس (ابن
عرعرة) محمد في رواية هذا الحديث (عن شعبة) كما رواه المؤلف في الدعوات موصولاً، والحاصل
أن محمد بن عرعرة روى هذا الحديث عن شعبة كما رواه آدم عن شعبة، وهذه هي المتابعة التامة
"وفائدتها التقوية. (وقال غندر) بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح المهملة آخره راء لقب
محمد بن جعفر البصري (عن شعبة) مما وصله البزار في مسنده (إذا أتى الخلاء، وقال موسى) بن
إسماعيل التبوذكي مما وصله البيهقي (عن حماد) ابن سلمة بن دينار الربعي وكان من الأبدال تزوّج
سبعين امرأة فلم يولد له لأن البدل لا يولد به، المتوفى سنة سبع وستين ومائة (إذا دخل) الخلاء.
(وقال سعيد بن زيد) أي ابن درهم الجهضمي البصري مما وصله المؤلف في الأدب المفرد (حدّثنا
عبد العزيز) بن صهيب (إذا أراد أن يدخل) وسعيد بن زيد تكلم فيه من قبل حفظه، وليس له عند
المؤلف غير هذا التعليق مع أنه لم ينفرد بهذا اللفظ، فقد رواه مسدد عن عبد الوارث عن عبد العزيز
مثله. وأخرجه البيهقي من طريقه وهو على شرط المصنف. وهذه الروايات وإن كانت مختلفة اللفظ
إرشاد الساري/ ج ١/ م ٢٣

٣٥٤
کتاب الوضوء/ باب ١٠
فمعناها متقارب يرجع إلى معنى واحد، وهو أن التقدير كان يقول ذلك إذا أراد الدخول في الخلاء،
ولم يذكر المؤلف ما يقول بعد الخروج منه لأنه ليس على شرطه .
وفي ذلك حديث عائشة رضي الله عنها عند ابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما كان رسول
الله وَّ إذا خرج من الغائط قال: (غفرانك) وحديث أنس عند ابن ماجة إذا خرج من الخلاء قال:
((الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)) وحديث ابن عباس عند الدارقطني مرفوعًا: ((الحمد لله
الذي أخرج عني ما يؤذيني وأمسك عليّ ما ينفعني)) ولابن عساكر بعد قوله: إذا أراد أن يدخل قال
أبو عبد الله يعني البخاري، ويقال الخبث يعني بسكون الموحدة.
١٠ - باب وَضْع الماءِ عندَ الْخَلاء
هذا (باب وضع الماء عند الخلاء) ليستعمله المتوضىء بعد خروجه.
١٤٣ - حدّثنا عبدُ اللَّهُ بنُ محمدٍ قال: حدَّثَنا هاشِمُ بنُ القاسِم قال: حدَّثَنا وَرْقاءُ عن
عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ أبي يَزِيدَ عنِ ابنِ عبّاسٍ أنَّ النبيَّ ◌َّ دَخَلَ الخَلاءَ فَوَضَعْتُ له وَضوءًا. قال: مَن وَضَع
هذا؟ فَأُخْبِرِ فقال: ((اللَّهِمَّ فَقْهُهُ في الدِّينِ)).
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي الجعفي (قال: حدّثنا هاشم بن
القاسم) أبو النضر بالضاد المعجمة التيمي الليثي الكناني الخراساني الملقب بقيصر الكوفي، المتوفى سنة
سبع ومائتين (قال: حدّثنا ورقاء) بإسكان الراء مع المدّ ابن عمر اليشكري الكوفي المتوفى سنة تسع
وستين ومائة (عن عبيد الله) بالتصغير (ابن أبي يزيد) من الزيادة المكي، المتوفى سنة ست وعشرين
ومائة (عن ابن عباس) رضي الله عنهما.
(أن النبي وَلّ دخل الخلاء فوضعت له وضوءًا) بفتح الواو أي ماء يتوضأ به، وقيل ناوله إياه
ليستنجي به. قال في الفتح: وفيه نظر. (قال) أي النبي وي يقول بعد أن خرج من الخلاء، وفي رواية
ابن عساكر فقال: (من) استفهامية مبتدأ خبره (وضع هذا) الوضوء (فأخبر) على صيغة المجهول
عطف على السابق وقد جوّزوا عطف الفعلية على الاسمية، والعكس أي أخبر النبي والر أنه ابن
عباس والمخبر خالته ميمونة بنت الحرث لأن ذلك كان في بيتها (فقال) عليه الصلاة والسلام: (اللّهمَّ
فقهه في الدين) إنما دعا له لما تفرس فيه من الذكاء مع صغر سنّه بوضعه الوضوء عند الخلاء لأنه
أيسر له على الصلاة والسلام، إذ لو وضعه في مكان بعيد منه لاقتضى مشقة ما في طلبه الماء ولو
دخل به إليه لكان تعريضًا للاطلاع عليه وهو يقتضي حاجته، ولما كان وضع الماء فيه إعانة على الدين
ناسب أن يدعو له بالتفقّه فيه ليطلع به على أسرار الفقه في الدين ليحصل النفع به وكذا كان.

٣٥٥
كتاب الوضوء/ باب ١١
١١ - باب لا يَسْتَقْبِلُ القِبلة
◌ِيَولٍ وَلا غَائِطٍ ، إلاّ عندَ البِناءِ: جِدارٍ أو نحوِه
هذا (باب) بالتنوين (لا يستقبل القبلة ببول ولا غائط) بفتح المثناة التحتية وكسر الموحدة من
يستقبل مبنيًّا للفاعل والقبلة نصب على المفعولية وفي لام يستقبل الضم على أن لا نافية والكسر على
أنها ناهية ويجوز في يستقبل ضم المثناة وفتح الموحدة مبنيًّا للمفعول ورفع القبلة مفعول ناب عن
الفاعل. قال في الفتح: وهي روايتنا وكِلا الوجهين بفرع اليونينية، وفي رواية ابن عساكر: لا
يستقبل القبلة بغائط ولا بول (إلا عند البناء جدار) بالجر بدل من البناء (أو نحوه) كالسواري
والأساطين والخشب والأحجار الكبار، وللكشميهني مما ليس في اليونينية أو غيره بدل أو نحوه وهما
متقاربان والباء في قوله بغائط ظرفية، والغائط هو المكان المطمئن من الأرض في الفضاء كان يقصد
لقضاء الحاجة فيه. ثم كنّي به عن العذرة نفسها كراهة لذكرها بخاص اسمها. ومن عادة العرب
استعمال الكنايات صونًا للألسنة عما تصان الأبصار والأسماع عنه فصار حقيقة عرفية غلبت على
الحقيقة اللغوية، وليس فى حديث الباب ما يدل على الاستثناء الذي ذكره فقيل: إنه أراد بالغائط
معناه اللغوي، وحينئذ يصح استثناء الأبنية منه. وقيل: الاستثناء مستفاد من حديث ابن عمر رضي
الله عنهما الآتي إن شاء الله تعالى إذ الحديث كله واحد وإن اختلفت طرقه أو أن حديث الباب عنده
عامّ مخصوص. قال العيني: وعليه يتجه الاستثناء.
١٤٤ - حدثنا آدمُ قال: حدَّثَني ابنُ أبي ذِئب قال: حدَّثني الزُّهرُّ عن عَطاءِ بنِ يَزِيدَ اللَّيثيِّ
عن أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ قال: قال رسولُ اللَّهِ وَ﴿: ((إذا أتى أحدُكُم الغائطَ فلا يَسْتُقبِلِ القِبلةَ ولا
يُوَلِّها ظَهرَه، شَرِّقوا أو غَرِّبوا)). [الحديث ١٤٤ - طرفه في: ٣٩٤].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس (قال: حدّثني ابن أبي ذئب) محمد بن
عبد الرحمن بن المغيرة بن الحزث نسبه إلى جدّ جدّه لشهرته به (قال: حدّثني) بالإفراد وفي نسخة
بالجمع (الزهري) محمد بن مسلم (عن عطاء بن يزيد) من الزيادة (الليثي) ثم الجندعي بضم الجيم
وسكون النون وضم الدال المهملة المدني التابعي، المتوفى سنة سبع أو خمس ومائة (عن أبي أيوب)
خالد بن زيد بن كليب (الأنصاري) رضي الله عنه وكان من كبار الصحابة شهد بدرًا ونزل النبي وَله
حين قدم المدينة عليه. وتوفي غازيًا بالروم سنة خمسين، وقيل: بعدها له في البخاري سبعة أحاديث
(قال):
(قال رسول الله وَ﴿ إذا أتى) أي جاء (أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة) بكسر اللام على
النهي وبضمها على النفي (ولا يولها ظهره) جزم بحذف الياء على النهي أي لا يجعلها مقابل
ظهره، وفي رواية مسلم ولا يستدبرها ببول أو غائط، والظاهر منه اختصاص النهي بخروج الخارج
من العورة ويكون مثاره إكرام القبلة عن المواجهة بالنجاسة، وقيل: مثال النهي كشف العورة،

٣٥٦
كتاب الوضوء/ باب ١٢
وحينئذ فيطرد في كل حالة تكشف فيها العورة كالوطء مثلاً، وقد نقله ابن شاس من المالكية قولاً
في مذهبهم وكأن قائله تمسك برواية في الموطأ: لا تستقبلوا القبلة بفروجكم ولكنها محمولة على
قضاء الحاجة جمعًا بين الروايتين (شرقوا أو غربوا) أي خذوا في ناحية المشرق أو ناحية المغرب، وفيه.
الالتفات من الغيبة إلى الخطاب وهو لأهل المدينة ومن كانت قبلتهم على سمتهم، أما من كانت قبلته
إلى جهة المشرق أو المغرب فإنه ينحرف إلى جهة الجنوب أو الشمال، ثم إن هذا الحديث يدلّ على
عموم النهي في الصحراء والبنيان، وهو مذهب أبي حنيفة ومجاهد وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري
وأحمد في رواية عنه لتعظيم القبلة وهو موجود فيهما، فالجواز في البنيان إن كان لوجود الحائل فهو
موجود في الصحراء كالجبال والأودية، وخصّ الشافعية والمالكية وإسحق وأحمد في رواية هذا
العموم بحديث ابن عمر الآتي الدالّ على جواز الاستدبار في الأبنية، وجائز عند أحمد وأبي داود وابن
خزيمة الدال على جواز الاستقبال فيها، ولولا ذلك كان حديث أبي أيوب لا يخص من عمومه
بحديث ابن عمر. إلا جواز الاستدبار فقط ولا يلحق به الاستقبال قياسًا لأنه لا يصح، وقد تمسك
به قوم فقالوا بجواز الاستدبار دون الاستقبال.
وحكى عن ابن حنيفة وأحمد وهو قول أبي يوسف وهل جوازهما في البنيان مع الكراهة أم لا؟
فقيل: يكره وفاقًا للمجموع وجزم في التذنيب تبعًا للمتولّ بالكراهة، واختار في المجموع بقاء
الكراهة في استقبال بيت المقدس واستدباره، وذهب عروة بن الزبير وربيعة الرأي وداود إلى جواز
الاستقبال والاستدبار مطلقًا جاعلين حديث ابن عمر منسوخًا بحديث جابر عند أبي داود والترمذي
وأبناء ماجة وخزيمة وحبان نهانا رسول الله # أن نستقبل القبلة أو نستدبرها ببول، ثم رأيته قبل أن
يقبض بعام يستقبلها وقد ضعفوا دعوى النسخ بأنه لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع، وحملوا حديث
جابر هذا على أنه رآه في بناء أو نحوه لأن ذلك هو المعهود من حاله عليه السلام لمبالغته في التستر،
ويستثنى من القول بالحرمة في الصحراء ما لو كان الريح يهب على يمين القبلة أو شمالها فإنهما لا
يحرمان للضرورة قاله القفال في فتاويه، والاعتبار في الجواز في البنيان والتحريم في الصحراء
بالساتر وعدمه، فحيث كان في الصحراء ولم يكن بينه وبينها ساتر أو كان وهو قصير - لا يبلغ
ارتفاعه ثلثي ذراع أو بلغ ذلك وبعد عنه أكثر من ثلاثة أذرع حرم وإلا فلا، في البنيان يشترط الستر
كما ذكرنا وإلا فيحرمان إلا فيما بني لذلك وهذا التفصيل للخراسانيين وصحّحه في المجموع.
١٢ - باب مَن تَبرَّزَ عَلَى لَبِنَتَين
هذا (باب من تبرز) أي تغوّط جالسًا (على لبنتين) تثنية لبنة بفتح اللام وكسر الموحدة وتسكن
مع فتح اللام وكسرها واحدة الطوب النيء.
١٤٥ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ قال: أخبرنا مالكٌ عن يحيى بنِ سَعيدٍ عن محمدِ بنِ
يَحيى بنِ حَبَّنَ عنْ عمهِ واسِعِ بنِ حَبّانَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ أنه كانَ يقولُ: إنَّ ناسًا يقولون إذا

٣٥٧
كتاب الوضوء/ باب ١٢
قَعدْتَ عَلَى حاجَتِكَ فلا تَستقْبِلِ القِبلةَ ولا بيتَ المَقْدِسِ. فقال عبدُ اللَّهِ بنُ عُمَّر: لقدِ ارتَقَيتُ يومًا
على ظهرِ بَيتٍ لنا، فرأيتُ رسولَ اللَّهِ وَ له على لَبِنَتَينِ مستقبلاً بيتَ المقدِس لحاجتِهِ. وقال: لَعَلَّكَ
مِنَ الذينَ يُصلُّونَ على أوراكهِمْ، فقلتُ: لا أدرِي واللَّهِ.
قال مالكٌ: يَعني الذي يُصلّي ولا يَرتَفِعُ عنِ الأرض، يَسْجُدُ وهوَ لاصقٌ بالأرض. [الحديث
١٤٥ - أطرافه في: ١٤٨، ١٤٩، ٣١٠٢].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) هو ابن
أنس الإمام (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني (عن محمد بن يحيى بن حبان) بفتح الحاء المهملة
وتشديد الموحدة الأنصاري النجاري بالجيم والنون المازني، المتوفى سنة إحدى وعشرين ومائة (عن
عمه واسع بن حبان) بفتح المهملة ابن منقذ له رؤية ولأبيه صحبة رضي الله عنهما (عن عبد الله بن
عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما (أنه) أي عبد الله بن عمر كما صرح به مسلم (كان يقول):
(إن ناسًا) كأبي هريرة وأبي أيوب الأنصاري ومعقل الأسدي وغيرهم ممن يرى عموم النهي في
استقبال القبلة واستدبارها (يقولون: إذا قعدت على حاجتك) كناية عن التبرّز ونحوه وذكر القعود
لكونه الغالب وإلا فلا فرق بينه وبين حالة القيام (فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس) بفتح الميم
وسكون القاف وكسر الدال المخففة وبضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المفتوحة وبيت بالنصب
عطفًا على القبلة والإضافة فيه إضافة الموصوف إلى صفته كمسجد الجامع (فقال عبد الله بن عمر)
رضي الله عنهما: وهذا ليس جوابًا بالواسع بل الفاء سببية، لأن ابن عمر أورد القول الأوّل منكرًا
له، ثم بين سبب إنكاره بما رواه عن النبي و # وكان يمكنه أن يقول فلقد ارتقيت الخ. لكن
الراوي عنه وهو واسع أراد التأكيد بإعادة قوله فقال عبد الله بن عمر والله: (لقد ارتقيت) أي
صعدت وفي بعض الأصول رقيت (يومًا) بالنصب على الظرفية ولام لقد جواب قسم محذوف وسقط
لابن عساكر لفظ يومًا (على ظهر بيت لنا) وفي رواية تأتي إن شاء الله تعالى على ظهر بيتنا (فرأيت)
أي أبصرت (رسول الله وَ ليه) حال كونه (على لبنتين) وحال كونه (مستقبلاً بيت المقدس لحاجته) أي
لأجل حاجته أو وقت حاجته، وللترمذي الحكيم بسند صحيح فرأيته في كنيف. قال في الفتح:
وهذا يرد على من قال ممن يرى الجواز مطلقًا يحتمل أن يكون رآه في الفضاء وكونه على لبنتين لا يدل
على البناء لاحتمال أن يكون جلس عليهما ليرتفع بهما عن الأرض، ويرد هذا الاحتمال أيضًا أن ابن
عمر كان يرى المنع من الاستقبال في الفضاء إلا بستائر كما رواه أبو داود وغيره. وهذا الحديث مع
حديث جابر عند أبي داود وغيره مخصص لعموم حديث أبي أيوب السابق ولم يقصد ابن عمر رضي
الله عنهما الإشراف على النبي ◌َّر في تلك الحالة وإنما صعد السطح لضرورة كما في الرواية الآتية
إن شاء الله تعالى فحانت منه التفاتة كما في رواية البيهقي، نعم لما اتفق له رؤيته في تلك الحالة من
غير قصد أحب أن لا يخلي ذلك من فائدة حفظ هذا الحكم الشرعي اهـ.

٣٥٨
كتاب الوضوء/ باب ١٣
(وقال) أي ابن عمر لواسع (لعلك من الذين يصلّون على أوراكهم) أي من الجاهلين بالسُّنّة في
السجود من تجافي البطن عن الوركين فيه إذ لو كنت ممن لا يجهلها لعرفت الفرق بين الفضاء وغيره،
والفرق بين استقبال الكعبة وبيت المقدس قال: واسع (فقلت لا أدري والله) أنا منهم أم لا أو لا
أدري السُّنّة في استقبال الكعبة أو بيت المقدس. (قال مالك) الإمام في تفسير الصلاة على الورك
(يعني الذي يصلي ولا يرتفع عن الأرض يسجد وهو لاصق بالأرض).
١٣ - باب خُروج النساءِ إلى البَرازِ
هذا (باب خروج النساء إلى البراز) بفتح الموحدة الفضاء الواسع من الأرض وكني به عن
الخارج من باب إطلاق اسم المحل على الحال.
١٤٦ - حدثنا يحيى بنُ بُكيرِ قال: حدَّثَنا الليثُ قال: حدَّثَنِي عُقَيلُ عنِ ابنِ شِهابٍ عن
عُروَةَ عن عائشةَ أنَّ أزواج النبيِّ بِّهَ كُنَّ يَخْرُجنَ بالليلِ إذا تبرَّزْنَ إلى المناصَعِ - وهو صَعِيدٌ أَفْيَحُ .
فكانَ عُمرُ يقول للنبيِّ وََّ احجُبْ نِساءَكَ. فلم يكنْ رسولُ اللَّهِ وَ يَفعلُ. فَخَرَجَتْ سَوْدةُ بنتُ
زَمْعَة زوجُ النبيِّ وَّرَ ليلةً منَ الليالي عِشاءٌ، وكانتِ امرأةً طويلةٌ، فناداها عُمرُ: ألا قد عَرَفناكِ يا
سَودةُ. حِرصًا على أنْ يُنزَلَ الحِجابُ. فأنزَلَ اللَّهُ الحجاب. [الحديث ١٤٦ - أطرافه في:
١٤٧، ٤٧٩٥، ٥٢٣٧، ٦٢٤٠].
وبالسند إلى المؤلف رحمه الله قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف (قال:
حدّثنا الليث) بن سعد إمام أهل مصر (قال: حدثني) بالإفراد (عقيل) بضم العين (عن ابن شهاب)
محمد بن مسلم الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنها: (أن أزواج
النبي (8* كن يخرجن بالليل) أي في الليل (إذا تبرزن) أي إذا خرجن إلى البراز للبول والغائط (إلى
المناصع) بفتح الميم والنون وكسر الصاد آخره عين مهملتين مواضع آخر المدينة من جهة البقيع (وهو)
أي المناصع (صعيد أفيح) بالفاء والحاء المهملة أي واسع (فكان عمر) بن الخطاب رضي الله عنه
(يقول للنبي وقير: احجب نساءك) أي امنعهن من الخروج من البيوت (فلم يكن رسول الله الم
يفعل) ما قاله عمر رضي الله عنه (فخرجت سودة بنت زمعة) بالزاي والميم والعين المهملة المفتوحات
أو بسكون الميم. قال في النهاية: وهو أكثر ما سمعنا من أهل الحديث والفقهاء يقولونه القرشية
العامرية رضي الله عنها هي (زوج النبي وَلي) المتوفاة آخر خلافة عمر رضي الله عنه، وقيل في
خلافة معاوية بالمدينة سنة أربع وخمسين (ليلة) أي خرجت في ليلة (من الليالي عشاء) بكسر العين
والمدّ والنصب بدل من قوله ليلة (وكانت) أي سودة (امرأة طويلة فناداها عمر) بن الخطاب رضي الله
عنه (ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف استفتاح ينبّه به على تحقيق ما بعده (قد عرفناك يا سودة)
بالبناء على الضم لأنه منادى مفرد معرفة (حرصًا) بالنصب مفعول له معمول لقوله فناداها (على أن

٣٥٩
كتاب الوضوء/ باب ١٤
ينزل) بضم المثناة مبنيًّا للمفعول وسقط لفظ على للأصيلي وفي نسخة في الفرع أن ينزل بفتحها مبنيًّا
للفاعل وأن مصدرية أي على نزول (الحجاب فأنزل الله) عز وجل (الحجاب) ولغير الأصيلي: فأنزل
الله تعالى آية الحجاب أي حكم الحجاب، وللمستملي فأنزل الله آية الحجاب، وزاد أبو عوانة في
صحيحه من طريق الترمذي عن ابن شهاب فأنزل الله تعالى آية الحجاب: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا
تدخلوا بيوت النبي﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآية. ففسر المراد من آية الحجاب صريحًا وهذا أحد المواضع
الأحد عشر التي وافق عمر فيها نزول القرآن الآتية مع تمام البحث في الحديث إن شاء الله تعالى في
تفسير سورة الأحزاب بعون الله تعالى وقوّته.
١٤٧ - حدثنا زَكريّاءُ قال: حَدَّثَنا أبو أُسامةَ عن هِشام بنِ عُرْوَةً عن أبيهِ عن عائشةً عن
النبيِّ وَّر قال: ((قد أُذِنَ أن تَخْرُجنَ في حاجَتِكُنَّ» قال هِشامٌ: تعني البرازَ.
وبه قال: (حدّثنا) ولابن عساكر وحدّثنا بالواو وفي رواية أيضًا حدّثني (زكريا) بن يحيى بن
صالح اللؤلؤي البلخي الحافظ، المتوفى ببغداد سنة ثلاثين ومائتين (قال: حدّثنا أبو أسامة) حماد بن
أسامة الكوفي (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام (عن عائشة) رضي الله عنها
(عن النبي ◌َّر قال) بعد نزول الحجاب:
(قد أذن) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول أي أذن الله (أن) أي بأن (تخرجن) أي بخروجكن (في
حاجتكن قال هشام) أي ابن عروة (تعني) أي عائشة رضي الله عنها بالحاجة، وفي بعض
الأصول يعني النبي ◌َّر (البراز) بفتح الموحدة كما مرّ. قال الداودي قوله قد أذن أن تخرجن دال على
أنه لم يرد هنا حجاب البيوت فإن ذلك وجه آخر إنما أراد أن يستترن بالجلبابات حتى لا يبدو منهنّ
إلاّ العين انتهى.
وهذا الحديث طرف من حديث يأتي إن شاء الله في التفسير بطوله، والحاصل منه أن سودة
خرجت بعدما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت عظيمة الجسم، فرآها عمر رضي الله عنه فقال: يا
سودة أما والله لا تخفين علينا فانظري كيف تخرجين فرجعت فشكت ذلك إلى رسول الله والر وهو
يتعشى، فأوحى الله تعالى إليه فقال: إنه قد أذن لكنّ أن تخرجن لحاجتكنّ أي لضرورة عدم الأخلية
فى البيوت، فلما اتخذت فيها الكنف منعهنّ من الخروج إلا لضرورة شرعية ولهذا عقب المصنف
رحمه الله هذا الباب بقوله :
١٤ - باب التَّرُزِ في البيوتِ
هذا (باب التبرز في البيوت).

٣٦٠
كتاب الوضوء/ باب ١٤
١٤٨ - حدّثنا إبراهيمُ بنُ المُنْذِرِ قال: حدَّثَنا أنَسُ بنُ عِياضٍ عن عُبَيدِ اللَّهِ عن محمدِ بن
يَحيى بنِ حَبّانَ عن : وَاسِعِ بِنِ حَبّانَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ قال: ارْتَقَيْتُ فوقَ ظَهرٍ بَيتِ حَفْصةً
لِبَعضِ حاجَتي، فرأيتُ رسولَ اللَّهِ وَهِ يَقْضي حاجَتَهُ مُسْتَذْبِرَ القِبلةِ مُستقبِلَ الشَّأَمِ.
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا) بالجمع وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني حدّثني
(إبراهيم بن المنذر) بضم الميم وكسر الذال بلفظ اسم الفاعل القرشي الحرّاني (قال: حدّثنا أنس بن
عياض) أبو ضمرة الليثي المدني المتوفى سنة مائتين (عن عبيد الله) بالتصغير ابن عمر بن حفص بن
عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي المدني، المتوفى سنة سبع وأربعين ومائة (عن محمد بن يحيى بن
حبّان) بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة (عن) عمه (واسع بن حبان عن عبد الله بن عمر) بن
الخطاب رضي الله عنهما (قال ارتقيت) أي صعدت (فوق ظهر بيت حفصة) يعني أخته كما صرّح
به مسلم (لبعض حاجتي) وفي رواية ارتقيت فوق بيت حفصة بإسقاط ظهر، وفي الرواية السابقة في
باب من تبرز على لبنتين على ظهر بيت لنا. وفي رواية يزيد الآتية على ظهر بيتنا وطريق الجمع أن
يقال: إضافة البيت إليه على سبيل المجاز لكونها أخته وحيث أضافه إلى حفصة كان باعتبار أنه البيت
الذي أسكنها النبي ◌َّر فيه، واستمر في يدها إلى أن ماتت فورثه عنها وحيث أضافه إلى نفسه كان
باعتبار ما آل إليه الحال لأنه ورث حفصة دون إخوته لكونها كانت شقيقته ولم تترك من يحجبه عن
الاستيعاب.
(فرأيت) أي فأبصرت (رسول الله (وَّي) حال كونه (يقضي حاجته) وحال كونه (مستدبر القبلة
مستقبل الشام) لا يقال شرط الحال أن تكون نكرة ومستدبر مضاف لتاليه فيعرف لأن إضافته لفظية
وهي لا تفيد التعريف.
١٤٩ - حدثنا يَعقوبُ بنُ إبراهيمَ قال: حدَّثَنا يَزِيدُ بنُ هارونَ قال: أخبرنا يحيى عن
محمدِ بنِ يَحيى بنِ حَبّانَ أنَّ عمَّهُ واسِعَ بنَ حَبّانَ أخبرَهُ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ أخبرَه قال: لقَدْ
ظهرتُ ذاتَ يومٍ على ظَهرِ بَيْتِنا فرأيتُ رسولَ اللَّهِ بِهِ قَاعِدًا على لَبِتَتَينِ مستقبِلَ بيتِ المَقْدِسِ.
وبه قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) بن يوسف الدورقي، وفي رواية غير أبوي ذر والوقت
والأصيلي باب بالتنوين حدّثنا يعقوب بن إبراهيم (قال: حدّثنا يزيد) أي (ابن هارون) كما عند
الأصيلي وأبي الوقت، وتوفي يزيد هذا بواسط سنة ست ومائتين (قال أخبرنا يحيى) بن سعيد
الأنصاري المدني الذي روى عنه هذا الحديث مالك كما مرّ (عن محمد بن يحيى بن حبّان أن عمه
واسع بن حبان) بفتح المهملة فيهما (أخبره أن عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما (أخبره
قال: لقد ظهرت) أي علوت وارتفعت وأكد باللام وقد (ذات يوم) أي يومًا فهو من إضافة المسمى
إلى اسمه أي ظهرت في زمان هو مسمى لفظ اليوم وصاحبه (على ظهر بيتنا فرأيت رسول الله وال
قاعدًا على لبنتين) يقضي حاجته حال كونه (مستقبل بيت المقدس) ولم يقع في رواية يحيى الأنصاري