النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
کتاب العلم/ باب ٤٤
من السابق في باب الخروج في طلب العلم هل تعلم أن أحدًا أعلم منك؟ فقال: لا فإنه إنما نفى
هناك علمه وهنا على البتّ، (فعتب الله عليه إذ) بسكون الذال للتعليل (لم يردّ العلم إليه) فكان
يقول نحو الله أعلم، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني إلى الله ويردّ بضم الدال اتباعًا لسابقها
ويفتحها لخفته وبكسرها على الأصل في الساكن إذا حرك وجوّز الفك أيضًا، والعتب من الله محمول
على ما يليق به فيحمل على أنه لم يرض قوله شرعًا: ، فإن العتب الذي هو بمعنى تغيير النفس
مستحيل على الله تعالى: (فأوحى الله) تعالى (إليه أن عبدًا) بفتح الهمزة أي بأن وفي فرع اليونينية
بكسرها على تقدير فقال إن عبدًا والمراد الخضر (من عبادي) كائنًا (بمجمع البحرين) أي ملتقى بحري
فارس والروم من جهة الشرق أو بإفريقية أو طنجة (هو أعلم منك). أي بشيء مخصوص كما يدل
عليه قول الخضر الآتي إن شاء الله تعالى إني على علم من علم الله علّمنيه لا تعلمه أنت وأنت على
علم علمك لا أعلمه ولا ريب أن موسى أفضل من الخضر بما اختصّ به من الرسالة وسماع الكلام
والتوراة، وأن أنبياء بني إسرائيل كلهم داخلون تحت شريعته ومخاطبون بحكم نبوّته حتى عيسى عليه
السلام، وغاية الخضر أن يكون كواحد من أنبياء بني إسرائيل وموسى أفضلهم. وإن قلنا إن الخضر
ليس بنبي بل ولي، فالنبي أفضل من الولّ وهو أمر مقطوع به، والقائل بخلافه كافر لأنه معلوم من
الشرع بالضرورة، وإنما كانت قصة موسى مع الخضر امتحانًا لموسى ليعتبر، ووقع عند النسائي أنه
عرض في نفس موسى عليه السلام أن أحدًا لم يؤت من العلم ما أُوتي وعلم الله بما حدّث به نفسه،
فقال: يا موسى إن من عبادي من آتيته من العلم ما لم أُوتك. (قال: رب) بحذف أداة النداء وياء
المتكلم تخفيفًا اجتزاء بالكسرة وفي بعض الأصول يا رب (وكيف لي به) أي كيف السبيل إلى
لقائه؟ (فقيل له احمل) بالجزم على الأمر (حوتًا) أي سمكة كائنة (في مكتل) بكسر الميم وفتح المثناة
الفوقية شبه الزنبيل يسع خمسة عشر صاعًا كذا في العباب (فإذا فقدته) بفتح القاف أي الحوت (فهو
ثم) بفتح المثلثة بمعنى هناك أي العبد الأعلم منك هناك (فانطلق) موسى (وانطلق بفتاه يوشع) مجرور
بالفتحة عطف بيان لفتاه غير منصرف للعجمة والعلمية (ابن نون) مجرور بالإضافة منصرف كنوح
ولوط على الفصحى، وفي رواية أبي ذر وانطلق معه فتاه فصرح بالمعيّة للتأكيد وإلا فالمصاحبة
مستفادة من قوله بفتاه (وحملا حوتًا في مكتل) كما وقع الأمر به، وقد قيل كانت سمكة مملوحة،
وقيل شقّ سمكة (حتى كانا عند الصخرة) التي عند ساحل البحر الموعود بلقي الخضر عنده (وضعا
رؤوسهما وناما) وفي رواية الأربعة فناما بالفاء وكلاهما للعطف على وضعا، (فانسل الحوت) الميت
المملوح (من المكتل) لأنه أصابه من ماء عين الحياة الكائنة في أصل الصخرة شيء إذ إصابتها مقتضية
للحياة كما عند المؤلف في رواية (فاتخذ سبيله) أي طريقه (في البر سربًا) أي مسلكًا زاد في سورة
الكهف، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عله مثل الطاق (وكان) إحياء الحوت المملوح
وإمساك جرية الماء حتى صار مسلكًا (لموسى وفتاه عجبًا فانطلقا بقية) بالنصب على الظرف (ليلتهما)
بالجر على الإضافة (ويومهما) بالنصب على إرادة سير جميعه وبالجر عطفًا على ليلتهما والوجه الأوّل:
هو الذي في فرع اليونينية، وفي مسلم كالمؤلف في التفسير بقية يومهما وليلتهما وهو الصواب
إرشاد الساري/ ج ١/ م ٢١

٣٢٢
كتاب العلم/ باب ٤٤
لقوله، (فلما أصبح) إذ لا يقال أصبح إلا عن ليل (قال موسى لفتاه آتنا غداءنا) بفتح الغين مع المد
وهو الطعام يؤكل أوّل النهار (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا) أي تعبّا والإشارة لسير البقية والذي
يليها ويدل عليه قوله (ولم يجد موسى) عليه السلام (مسًا) وفي نسخة شيئًا (من النصب حتى جاوز
المكان الذي أمر به) فألقي عليه الجوع والنصب (فقال) وفي رواية الأصيلي قال (له فتاه: أرأيت) أي
أخبرني ما دهاني (إذ أوبنا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت) أي فقدته أو نسيت ذكره بما رأيت، زاد
في رواية ابن عساكر: وما أنسانيه أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان، وإنما نسبه للشيطان هضمًا
لنفسه (قال موسى ذلك) أي أمر الحوت (ما كنا نبغي) هو الذي كنا نطلّب لأنه علامة وجدان
المطلوب وحذف العائد (فارتدا على آثارهما) أي فرجعا في الطريق الذي جاء فيه يقصّان (قصصًا) أي
يتبعان آثارهما اتباعًا، (فلما أتيا إلى الصخرة) وفي نسخة انتهيا (إذا رجل) مبتدأ وسوغ لتخصيصه
بالصفة وهي قوله (مسجى) أي مغطى كله (بثوب) والخبر محذوف أي نائم (أو قال تسجی بثوبه)
شك من الراوي، (فسلم موسى) عليه السلام (فقال الخضر وأنَّى) بهمزة ونون مشددة مفتوحتين أي
كيف (بأرضك السلام) وهو غير معروف بها وكأنها كانت دار كفر وكانت تحيتهم غيره وعنده في
التفسير وهل بأرضي من سلام (فقال) وفي رواية الأصيلي قال (أنا موسى فقال) له الخضر أنت
(موسى بني إسرائيل) فهو خبر مبتدأ محذوف (قال نعم) أنا موسى بني إسرائيل فهو مقول القول ناب
عن الجملة، وهذا يدل على أن الأنبياء ومن دونهم لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله تعالى،
لأن الخضر لو كان يعلم كل غيب لعرف موسى قبل أن يسأله (قال هل أتبعك على أن تعلمني مما
علمت) أي من الذي علمك الله علمًا (رشدًا) ولا ينافي نبوّته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من
غيره ما لم يكن شرطًا في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه فيما بعث
به من أصول الدين وفروعه لا مطلقًا، وقد راعى في ذلك غاية التواضع والأدب فاستجهل نفسه
واستأذن أن يكون تابعًا له وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليه به قاله
البيضاوي، لكن لم يكن موسى مرسلاً إلى الخضر فقد يوهم ما قاله دخوله فيهم من السياق فليتأمل.
(قال إنك لن تستطيع معي صبرًا) فإني أفعل أمورًا ظاهرها مناكير وباطنها لم تحط به (يا موسى إني
على علم من علم الله علمنيه) جملة من الفعل والفاعل والمفعولين أحدهما ياء المفعول والثاني الضمير
الراجع إلى العلم صفة لعلم (لا تعلمه أنت وأنت على علم) مبتدأ وخبره معطوف على السابق (علمك
الله) جملة كالسابقة لكن الثاني محذوف تقديره علمك الله إياه. وفي فرع اليونينية علمكه الله بهاء
الضمير الراجع إلى العلم (لا أعلمه) صفة أخرى وهذا لا بد من تأويله لأن الخضر كان يعرف من
علم الشرع ما لا غنى للمكلف عنه وموسى كان يعرف من علم الباطن ما لا بدّ منه كما لا يخفى
(قال ستجدني إن شاء الله صابرًا) معك غير منكر عليك وانتصاب صابرًا مفعول ثانٍ لستجدني وإن
شاء الله اعتراض بين المفعولين (ولا أعصي لك أمرًا) عطف على صابرًا أي ستجدني صابرًا أو غير
عاصٍ. قال القاضي: وتعليق الوعد بالمشيئة إما للتيمن وإما لعلمه بصعوبة الأمر فإن الصبر على
خلاف المعتاد شديد (فانطلقا) على الساحل حال كونهما (يمشيان على ساحل البحر ليس لهما سفينة

٣٢٣
كتاب العلم/ باب ٤٤
فمرت بهما سفينة فكلموهم) أي موسى والخضر ويوشع كلموا أصحاب السفينة (أن) أي لأن
(يحملوهما) أي لأجل حملهم إياهما (فعرف الخضر فحملوهما) أي الخضر وموسى (بغير نول) بفتح
النون أي بغير أجرة ولم يذكر يوشع معهما كما في قوله، فانطلقا يمشيان لأنه تابع غير مقصود
بالأصالة، ويحتمل أن يكون يوشع لم يركب معهما لأنه لم يقع له ذكر بعد ذلك وضمه معهما في
كلام أهل السفينة لأن المقام يقتضي كلام التابع، لكن في رواية بفرع اليونينية كهي فعرف الخضر
فحملوهم بالجمع وهو يقتضي الجزم بركوبه معهما في السفينة (فجاء عصفور) بضم أوّله، وحكى
ابن رشيق في كتاب الغرائب فتحه قيل وسمي به لأنه عصى وفرّ قاله الدميري، وقيل إنه الصرد
(فوقع على حرف السفينة فنقر نقرة) بالنصب على المصدر (أو نقرتين) عطف عليه (في البحر فقال
الخضر يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله) أي من معلومه (إلا كنقرة هذا العصفور في
البحر) وعند المؤلف أيضًا ما علمي وعلمك في جنب علم الله تعالى إلا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره
من هذا البحر أي في جنب معلوم الله تعالى، وهو أحسن سياقًا من المسوق هنا وأبعد عن الإشكال
ومفسر للواقع هنا والعلم يطلق، ويراد به المعلوم بدليل دخول حرف التبعيض وهو من في قوله من
علم الله لأن العلم القائم بذات الله تعالى صفة قديمة لا تتبعض، فليس العلم هنا على ظاهره لأن
علم الله تعالى لا يدخله نقص، وقيل نقص بمعنى أخذ لأن النقص أخذ خاص فيكون التشبيه واقعًا
على الأخذ لا على المأخوذ منه إذ نقص العصفور لا تأثير له فكأنه لم يأخذ شيئًا فهو كقوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
أي ليس فيهم عيب. وقيل: هذا الطائر من الطيور التي تعلو مناقيرها بحيث لا يعلق بها ماء
البتة، (فعمد الخضر) بفتح الميم كضرب (إلى لوح من ألواح السفينة فنزعه) بفأس فانخرقت ودخل
الماء (فقال) له (موسى) عليه السلام هؤلاء (قوم حملونا بغير نول) بفتح أوّله أي بغير أجر (عمدت)
بفتح الميم (إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق) بضم المثناة الفوقية وكسر الراء على الخطاب مضارع أغرق
أي لأن تغرق (أهلها) نصب على المفعولية ولا ريب أن خرقها سبب لدخول الماء فيها المفضي إلى
غرق أهلها. وفي رواية ليغرق بفتح المثناة التحتية وفتح الراء على الغيب مضارع غرق أهلها بالرفع
على الفاعلية. (قال) الخضر (ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا) ذكره بما قال له قبل (قال) موسى
(لا تؤاخذني بما نسيت) أي بالذي نسيته أو بنسياني أو بشيء نسيته يعني وصيته بأن لا يعترض عليه
وهو اعتذار بالنسيان أخرجه في معرض النهي عن المؤاخذة مع قيام المانع لها زاد في رواية أبوي ذر
والوقت: ولا ترهقني من أمري عسرًا أي ولا تغشني عسرًا من أمري بالمضايقة والمؤاخذة على المنسي
فإن ذلك يعسر على متابعتك، (فكانت) المسألة (الأولى من موسى) عليه السلام (نسيانًا) بالنصب خبر
كان، (فانطلقا) بعد خروجهما من السفينة (فإذا غلام) بالرفع مبتدأ لكونه تخصص بالصفة وهو قوله:
(يلعب مع الغلمان) والخبر محذوف والغلام اسم للمولود إلى أن يبلغ، وكان الغلمان عشرة وكان
الغلام أظرفهم وأوضأهم، واسم الغلام حيسون أو حيسور. وعن الضحاك يعمل بالفساد ويتأذى منه

٣٢٤
کتاب العلم/ باب ٤٤
أبواه، وعن الكلبي يسرق المتاع بالليل فإذا أصبح لجأ إلى أبويه فيقولان لقد بات عندنا، (فأخذ
الخضر برأسه من أعلاه) أي جرّ الغلام برأسه (فاقتلع رأسه بيده) وعنده في بدء الخلق فأخذ الخضر
برأسه فقطعه هكذا وأومأ سفيان بأطراف أصابعه كأنه يقطف شيئًا. وعن الكلبي صرعه ثم نزع رأسه
من جسده فقتله، والفاء في اقتلع للدلالة على أنه لما رآه اقتلع رأسه من غير تروِّ واستكشاف حال
(فقال موسى) للخضر عليه السلام: (أقتلت نفسًا زكية) بتشديد الياء أي طاهرة من الذنوب وهي
أبلغ من زاكية بالتخفيف. وقال أبو عمرو بن العلاء: الزاكية التي لم تذنب قطّ. والزكية التي أذنبت
ثم غفرت، ولذا اختار قراءة التخفيف فإنها كانت صغيرة لم تبلغ الحلم، وزعم قوم أنه كان بالغًا
يعمل بالفساد واحتجوا بقوله: (بغير نفس) والقصاص إنما يكون في حق البالغ ولم يرها قد أذنبت
ذنبًا يقتضي قتلها أو قتلت نفسًا فتقاد به نبه به على أن القتل إنما يباح حدًّا أو قصاصًا، وكلا الأمرين
منتفٍ. والهمزة في أقتلت ليست للاستفهام الحقيقي فهي كهي في قوله تعالى: ﴿ألم يجدك يتيمًا
فآوى﴾ وكان قتل الغلام في أبلة بضم الهمزة والموحدة وتشديد اللام المفتوحة بعدها هاء مدينة قرب
بصرة وعبادان (قال) الخضر لموسى عليهما السلام: (ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا) بزيادة
لك في هذه المرة زيادة في المكافحة بالعتاب على رفض الوصية والوسم بقلة الثبات والصبر لما تكرر
منه الاشمئزاز والاستنكار ولم يرعو بالتذكير أوّل مرة حتى زاد في الاستكثار ثاني مرة (قال ابن عيينة)
سفيان (وهذا أوكد) واستدل عليه بزيادة لك في هذه المرة (فانطلقا حتى أتيا) وفي رواية غير أبي ذر
حتى إذا أتيا موافقة للتنزيل (أهل قرية) هي أنطاكية أو أبلة أو ناصرة أو برقة أو غيرهن فلما وافياها
بعد غروب الشمس (استطعما أهلها) واستضافوهم (فأبوا أن يضيفوهما) ولم يجدوا في تلك القرية
قرى ولا مأوى وكانت ليلة باردة (فوجدا فيها) أي في القرية (جدارًا) على شاطىء الطريق وكان
سمكه مائتي ذراع بذراع تلك القرية وطوله على وجه الأرض خمسمائة ذراع وعرضه خمسون ذراعًا
(يريد أن ينقض) أي يسقط فاستعيرت الإرادة للمشارفة وإلا فالجدار لا إرادة له حقيقة. وكان أهل
القریة یمرون تحته على خوف (قال الخضر بيده) أي أشار بها وفي رواية قال فمسح بيده (فأقامه) وقیل
نقضه وبناه وقيل بعمود عمده به، وفيه إطلاق القول على الفعل. وفي رواية أبي ذر والمستملي يريد
أن ينقض فأقامه (قال موسى) وفي رواية غير أبي ذر فقال له موسى أي للخضر (لو شئت لاتخذت)
بهمزة وصل وتشديد التاء وفتح الخاء على وزن افتعلت من تخذ كاتبع من تبع وليس من الأخذ عند
البصريين، وفي رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر لتخذت أي لأخذت (عليه أجرًا) فيكون لنا قوتًا
وبلغة على سفرنا، قال القاضي: كأنه لما رأى الحرمان ومساس الحاجة واشتغاله بما لا يعنيه لم
يتمالك نفسه. (قال) الخضر لموسى عليه السلام: (هذا فراق بيني وبينك) بإضافة الفراق إلى البين
إضافة المصدر إلى الظرف على الاتّساع والإشارة في قوله هذا إلى الفراق الموعود بقوله: فلا تصاحبني
أو تكون الإشارة إلى السؤال الثالث أي هذا الاعتراض سبب للفراق أو إلى الوقت أي هذا الوقت
وقت الفراق. (قال النبي ◌َّيقول: يرحم الله موسى) إنشاء بلفظ الخبر (لوددنا) بكسر الدال الأولى
وسكون الثانية أي والله لوددنا (لو صبر) أي صبره لأنه لو صبر لأبصر أعجب الأعاجيب (حتى

٣٢٥
كتاب العلم/ باب ٤٥
يقص) على صيغة المجهول (علينا من أمرهما) مفعول لم يسم فاعله، وفي هذه القصة حجة على صحة
الاعتراض بالشرع على ما لا يسوغ فيه. ولو كان مستقيمًا في باطن الأمر على أنه ليس في شيء مما
فعله الخضر مناقضة للشرع، فإن نقض لوح السفينة لدفع الظالم عن غصبها ثم إذا تركها أعيد اللوح
جائز شرعًا وعقلاً، ولكن مبادرة موسى بالإنكار بحسب الظاهر وقد وقع ذلك صرتجا عند مسلم،
ولفظه: فإذا جاء الذي يسخرها وجدها منخرقة. وأما قتله الغلام فلعله كان تلك الشريعة. وقد
حكى القرطبي عن صاحب العرس والعرائس أن موسى لما قال للخضر: أقتلت نفسًا زاكية اقتلع
الخضر كتف الصبي الأيسر وقشر عنه اللحم فإذا في عظم كتفه كافر لا يؤمن بالله أبدًا. وفي مسلم
وأما الغلام فطبع يوم طبع كافرًا لا يؤمن بالله، وأما إقامة الجدار فمن باب مقابلة الإساءة بالإحسان.
وهذا الحديث أخرجه البخاري في أكثر من عشرة مواضع، وفيه رواية تابعي عن تابعي وصحابي عن
صحابي، وفيه التحديث والإخبار بصيغة الإفراد والسؤال.
٤٥ - باب من سَأل وهو قائم عالِمًا جالِسًا
هذا (باب من سأل وهو قائم عالمًا جالسًا) بالنصب صفة لعالمًا المنصوب على المفعولية بسأل
ومن موصول والواو للحال، والمراد جواز فعل ذلك إذا أمنت النفس فيه من الإعجاب وليس هو من
باب من يتمثل له الناس قيامًا .
١٢٣ - حدثنا عثمانُ قال: أخْبَرني جريرٌ عن منصورٍ عن أبي وائلٍ عن أبي موسى قال: جاءَ
رَجُلٌ إلى النبيِّ وَ﴿ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، ما القِتالُ في سَبيلِ اللَّهِ؟ فإنَّ أحدَنا يقاتِلُ غضبًا ويُقاتِلُ
حَمِيَّةَ. فَرَفِعَ إليه رأسَهُ . قال: وما رَفعَ إليهِ رَأْسَهُ إلاّ أنّهُ كان قائمًا - فقال: ((مَنْ قاتَلَ لِتَكونَ كلمةُ
اللَّهِ هي العُليا فهوَ في سَبيلِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ)). [الحديث ١٢٣ - أطرافه في: ٢٨١٠، ٣١٢٦،
٧٤٥٨].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا عثمان) بن أبي شيبة (قال: أخبرني) بالإفراد وفي رواية حدّثنا
(جرير) هو ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي وائل) هو شقيق بن سلمة (عن أبي
موسى) عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه (قال):
(جاء رجل إلى النبي وَّي فقال: يا رسول الله ما القتال في سبيل الله) مبتدأ وخبره وقع مقول
القول، (فإن أحدنا يقاتل غضبًا) نصب مفعول له والغضب حالة تحصل عند غليان الدم في القلب
لإرادة الانتقام، (ويقاتل حمية) نصب مفعول له أيضًا وهو بفتح الحاء وكسر الميم وتشديد المثناة
التحتية وهي الأنفة من الشيء أو المحافظة على الحرم. (فرفع) رسول الله ويلي (إليه) أي إلى السائل
(رأسه) الشريف (قال) أبو موسى أو من دونه: (وما رفع إليه رأسه إلا أنه) أي السائل (كان قائمًا)
أي ما رفع لأمر من الأمور إلا لقيام الرجل فإنّ واسمها وخبرها في تقدير المصدر وفيه جواز وقوف

٣٢٦
كتاب العلم / باب ٤٦
المستفتي لعذر أو لحاجة (فقال) بَلّ: (من قاتل) بمقتضى القوّة العقلية (لتكون) أي لأن تكون (كلمة
الله) أي دعوته إلى الإسلام أو كلمة الإخلاص (هي العليا) لا من قاتل عن مقتضى القوّة الغضبية أو
الشهوانية (فهو في سبيل الله عز وجل) ويدخل فيه من قاتل لطلب الثواب ورضاء الله فإنه من إعلاء
كلمة الله، وقد جمع هذا الجواب معنى السؤال لا بلفظه لأن الغضب والحمية قد يكونان لله تعالى أو
الغرض الدنيا فأجاب عليه السلام بالمعنى مختصرًا إذ لو ذهب يقسم وجوه الغضب لطال ذلك
ولخشي أن يلبس عليه.
فإن قلت: السؤال عن ماهية القتال والجواب ليس عنها بل عن المقاتل. أجيب: بأن فيه
الجواب وزيادة أوان القتال بمعنى اسم الفاعل أي المقاتل بقرينة لفظ فإن أحدنا ويكون عبّر بما عن
العاقل.
٤٦ - باب السُؤالِ والفُتيا عندَ رَمي الجمار
هذا (باب السؤال) من جهة المستفتي (والفتيا) بضم الفاء من جهة المفتي (عند رمي الجمار)
الكائنة بمعنى.
١٢٤ - حدثنا أبو نِعَيم قال: حدَّثَنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي سَلمَةَ عنِ الزُّهْريِّ عن عيسى بنِ
طلحةَ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرو قال: ((رَأيت النبيَّ ◌َِّ عندَ الجَمْرةِ وهوَ يُسْألُ، فقال رجلٌ: يا رسولَ
اللَّهِ نحَرتُ قبلَ أنْ أرميَ. قال: ازْمٍ ولا حَرَجَ. قال آخَرُ: يا رسولَ اللَّهِ حَلقتُ قبلَ أن أنحَرَ. قال:
انحز ولا حَرَج. فما سُئلَ عن شيءٍ قُدِّمَ ولا أُخْرَ إلاّ قال: افعلْ ولا حَرَجٍ)).
وبالسند إلى المؤلف رحمه الله قال: (حدثنا أبو نعيم) بضم النون وفتح العين الفضل بن دكين
(قال: حدّثنا عبد العزيز بن أبي سلمة) نسبه لجده لشهرته به وإلا فأبوه عبد الله واسم أبي سلمة
الماجشون بفتح الجيم وكسرها (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن عيسى بن طلحة) بن عبيد الله
القرشي التيمي (عن عبد الله بن عمرو) أي ابن العاص رضي الله عنهما (قال):
(رأيت النبي وَّر عند الجمرة) أي جمرة العقبة لأنها المقصودة عند الإطلاق فأل للعهد (وهو
يسأل) بضم أوّله على صيغة المجهول (فقال رجل: يا رسول الله نحرت) الإبل (قبل أن أرمي
قال) مَليّ وفي رواية الأصيلي وأبي الوقت فقال: (ارم ولا حرج) عليك. (قال آخر) وفي رواية
الأصيلي فقال، وفي أخرى وقال وكلاهما للعطف على السابق (يا رسول الله حلقت) رأسي (قبل أن
أنحر قال) عليه الصلاة والسلام: (انحر ولا حرج) عليك (فما سئل) وَّر (عن شيء) من المناسك
(قدّم ولا أخّر إلا قال افعل ولا حرج) واعترض على الترجمة بأنه ليس في الخبر أن المسألة وقعت في
خلال الرمي بل فيه أنه كان واقفًا عندها فقط وأجيب بأن المصنف كثيرًا ما يتمسك بالعموم فوقوع

٣٢٧
كتاب العلم/ باب ٤٧
السؤال عند الجمرة أعمّ من أن يكون في حال اشتغاله بالرمي أو بعد الفراغ منه أو يقال: إن كونه
عند الجمرة قرينة أنه كان يرمي أو في الذكر المقول عندها.
٤٧ - باب قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلم إلاّ قليلاً﴾
هذا (باب قول الله تعالى: ﴿وما أُوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾) [الإسراء: ٨٥] وسقط لفظ باب
للأصيلي.
١٢٥ - حدّثنا قيسُ بنُ حَفْصٍ قال: حدَّثَنا عبدُ الواحدِ قال: حدَّثَنا الأعمشُ سُليمانُ عن
إبراهيمَ عن عَلْقَمةَ عن عبدِ اللهِ قال: بَينا أنا أمْشي معَ النبيِّ وََّ فِي خِرَبِ المدينةِ - وَهُوَ يَتَوَكَّأُ
عَلَى عَسِيبٍ معَهُ - فمرَّ بنَفَرِ مِنَ اليَهودِ، فقال بعضُهم لبعضٍ : سَلُوه عنِ الرُّوحِ. وقال بعضُهم لا
تَسْألوهُ، لا يَجِيءُ فيهِ بشيء تكرَهونَه. فقال بعضُهم لَنَسْأَنَّهُ، فقام رجلٌ منهم فقال: يا أبا القاسمِ،
ما الرُّوحُ؟ فسَكتَ. فَقُلتُ: إنَّه يُوحى إليه، فقمتُ. فلمّا انْجَلَى عنه فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عن
الرُّوحِ، قُلِ الرُّوحُ مِنْ أمْرِ رَبِّي، وَما أُوتُوا مِنَ العِلم إلّ قليلاً﴾ قال الأعمشُ: هكذا في قِراءتِنا.
[الحديث ١٢٥ - أطرافه في: ٤٧٢١، ٧٢٩٧، ٧٤٥٦، ٧٤٦٢].
وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى قال: (حدّثنا قيس بن حفص) هو ابن القعقاع الدارمي،
المتوفى سنة سبع وعشرين ومائتين (قال: حدّثنا عبد الواحد) بن زياد البصري (قال: حدّثنا الأعمش
سليمان) زاد في رواية ابن عساكر بن مهران (عن إبراهيم) بن يزيد النخعي (عن علقمة) بن قيس
النخعي (عن عبد الله) بن مسعود رضي الله عنه (قال):
(بينا أنا أمشي مع النبي ◌َّي في خرب المدينة) بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء آخره موحدة،
وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني بكسر ثم فتح جمع خربة وكلاهما في فرع اليونينية بل الأول في
الأصل والثاني في هامشه مرقوم عليه علامة أبي ذر والكشميهني وعزا العيني الأول لضبط بعضهم
أخذًا عن بعض الشارحين، ورده بأنه ليس بجمع خربة كما زعموا، وإنما جمع خربة خرب ككلمة
وكلم كما ذكره الصغاني، وعند المؤلف فتي موضع آخر بالحاء المهملة المفتوحة وإسكان الراء وبالمثلثة
آخره (وهو) وَ لجر (يتوكأ) جملة اسمية وقعت حالاً أي يعتمد (على عسيب) بفتح الأوّل وكسر الثاني
المهملتين وسكون المثناة التحتية آخره موحدة أي عصا من جريد النخل (معه) صفة لعسيب (فمر
بنفر) بفتح الفاء عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة (من اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه) أي
النبي وَّر (عن الروح. وقال) وفي رواية أبي الوقت فقال (بعضهم لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء
تكرهونه) برفع يجيء على الاستئناف، وهو الذي في الفرع فقط والمعنى لا يجيء فيه بشيء تكرهونه
وبجزمه على جواب النهي. قال ابن حجر: وهو الذي في روايتنا والمعنى لا تسألوه لا يجيء بمكروه
وينصبه على معنى لا تسألوه خشية أن يجيء فيه بشيء ولا زائدة وهو ماشٍ على مذهب الكوفيين

٣٢٨
كتاب العلم/ باب ٤٨
(فقال بعضهم) لبعض: والله (لنسألنه) عنها (فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم ما الروح)؟
وسؤالهم بقولهم ما الروح مشكل إذ لا يعلم مرادهم لأن الروح جاء في التنزيل على معانٍ منها
القرآن وجبريل أو ملك غيره وعيسى، لكن الأكثرون على أنهم سألوه عن حقيقة الروح الذي في
الحيوان. وروي أن اليهود قالوا لقريش: إن فسر الروح فليس بنبي، ولذا قال بعضهم لا تسألوه لا
يجيء بشيء تكرهونه أي إن لم يفسره لأنه يدل على نبوّته وهم يكرهونها. (فسكت) رسول الله پیو لما
سألوه. قال ابن مسعود (فقلت إنه يوحى إليه فقمت) حتى لا أكون مشوّشًا عليه أو فقمت حائلاً
بينه وبينهم (فلما انجلى عنه) أي انكشف عنه عليه الصلاة والسلام الكرب الذي كان يتغشاه حال
الوحي (فقال) وفي رواية الأربعة قال: (ويسألونك) بإثبات الواو كالتنزيل وفي رواية أبي ذر
والأصيلي وابن عساكر: يسألونك (عن الروح قل الروح من أمر ربي) أي من الإبداعيات الكائنة بكن
من غير مادة وتولد من أصل، واقتصر على هذا الجواب كما اقتصر موسى عليه السلام في جواب
﴿وما ربّ العالمين﴾ [الشعراء: ٢٣] بذكر بعض صفاته إذ الروح لدقته لا تمكن معرفة ذاته إلا
بعوارض تميزه عما يلتبس، فلذلك اقتصر على هذا الجواب، ولم يبين الماهية لكونها مما استأثر الله
بعلمها، ولأن في عدم بيانها تصديقًا لنبوّة نبيّنا وَ لّر، وقد كثر اختلاف العلماء والحكماء قديمًا
وحديثًا في الروح وأطلقوا أعنّة النظر في شرحه وخاضوا في غمرات ماهيته، والذي اعتمد عليه
عامّة المتكلمين من أهل السُّنّة أنه جسم لطيف في البدن سار فيه سريان ماء الورد فيه، وعن
الأشعري النفس الداخل الخارج. (وما أوتوا) بصيغة الغائب في أكثر نسخ الصحيحين (من العلم
( إلا) علمًا أو إيتاء (قليلاً) أو إلا قليلاً منكم أي بالنسبة إلى معلومات الله تعالى التي لا نهاية لها (قال
الأعمش) سليمان بن مهران: (هكذا في) وفي رواية الحموي والمستملي هكذا هي في (قراءتنا) أي
أوتوا بصيغة الغائب. قال ابن حجر: وقد أغفلها أبو عبيد في كتاب القراءات له من قراءة الأعمش
اهـ.
وليست في طرق مجموعي المفرد في فنون القراءات عن الأعمش وهي مخالفة لخط المصحف
وفي رواية وما أوتيتم بالخطاب موافقة للمرسوم وهو خطاب عامّ أو خاصّ باليهود، ويأتي البحث
إن شاء الله تعالى - في الروح في كتاب التفسير، والله الموفق والمعين والحمد لله وحده.
٤٨ - باب من تَرَكَ بعضَ الاخْتِيارِ مَخافَةً
أَنْ يَقْصُرَ فَهمُ بعضِ النّاسِ عنْهُ فَيَقَعوا في أشَدَّ منه
(باب من) أي الذي (ترك بعض الاختيار) أي فعل الشيء المختار أو الإعلام به (مخافة) بغير
تنوين أي لأجل خوف (أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا) نصب بإسقاط النون عطفًا على
المضارع المنصوب بأن (في أشد منه) أي من ترك الاختيار وفي رواية الأصيلي في أشرّ بالراء، وفي
أخرى لأبي ذر عن الكشميهني في شرّ منه بالراء مع إسقاط الهمزة.

٣٢٩
كتاب العلم/ باب ٤٩
١٢٦ - حدثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ موسى عن إسرائيلَ عن أبي إسحق عنِ الأسْوَدِ قال: قال لي ابنُ
الزُّبير: كانتْ عائشةُ تُسِرُّ إليكَ كثيرًا، فما حدَّثَتْكَ في الكعبةِ؟ قلتُ: قالت لي: قال النبيُّ بَّهِ: ((يا
عائشةُ لَوْلا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُم - قال ابنُ الزَّبيرِ: بِكُفْرٍ - لَنَقَضتُ الكعبةَ فجعلتُ لها بابَينِ: بابٌ
يدخُلُ الناسُ، وبابٌ يَخْرُجونَ)) ففَعَلَهُ ابنُ الزُّبَير. [الحديث ١٢٦ - أطرافه في: ١٥٨٣، ١٥٨٤،
١٥٨٥، ١٥٨٦، ٣٣٦٨، ٤٤٨٤، ٧٢٤٣].
وبه قال: (حدّثنا عبيد الله) بالتصغير (ابن موسى) العبسي مولاهم الكوفي (عن إسرائيل) بن
يونس بن أبي إسحق السبيعي بفتح المهملة وكسر الموحدة نسبة إلى سبيع بن سبع، المتوفى سنة ستين
ومائة (عن) جده (أبي إسحاق عن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي أدرك الزمن النبوي وليست له
رؤية، وتوفي بالكوفة سنة خمس وسبعين أنه (قال):
(قال لي ابن الزبير) عبد الله الصحابي المشهور (كانت عائشة) رضي الله تعالى عنها (تسرّ إليك)
أسرارًا (كثيرًا) من الإسرار ضد الإعلان، وفي رواية ابن عساكر تسرّ إليك حديثًا كثيرًا. فإن قلت:
قوله كانت للماضي وتسر للمضارع فكيف اجتمعا؟ أجيب: بأن تسر تفيد الاستمرار وذكر بلفظ
المضارع استحضارًا لصورة الإسرار. (فما حدّثتك في) شأن (الكعبة)؟ قال الأسود: (قلت) وفي
رواية أبي ذر فقلت (قالت لي قال النبي ◌َّير: يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم) بتنوين حديث
ورفع عهدهم على إعمال الصفة (قال) وفي رواية الأصيلي فقال (ابن الزبير بكفر) كأن الأسود نسي
قولها بكفر فذكره ابن الزبير، وأما التالي الخ فيحتمل أن يكون مما نسي أيضًا أو مما ذكر، ورواه
الإسماعيلي من طريق زهير بن معاوية عن أبي إسحق بلفظ قلت حدّثني حديثًا حفظت أوله ونسيت
آخره، وللترمذي كالمؤلف فى الحج بجاهلية بدل قوله بكفر (لنقضت الكعبة) جواب لولا (فجعلت
لها بابين باب يدخل) منه (الناس وباب يخرجون) منه ولأبي ذر بابًا في الموضعين بالنصب على أنه
بدل أو بيان لبابين وضمير المفعول محذوف من يدخل ويخرجون. وفي رواية الحموي والمستملي كما
في فرع اليونينية إثبات ضمير الثاني يخرجون منه وهي منازعة الفعلين (ففعله) أي النقص المذكور
والبابين (ابن الزبير) وهذه المرة الرابعة من بناء البيت ثم بناه الخامسة الحجاج، واستمر. وقد تضمن
الحديث معنى ما ترجم له لأن قريشًا كانت تعظم أمر الكعبة جدًّا فخشي وَلّ أن يظنوا لأجل قرب
عهدهم بالإسلام أنه غير بناءها لينفرد بالفخر عليهم في ذلك.
٤٩ - باب مَنْ خَصَّ بالعِلمِ قَوْمَا دُونَ قوم كَراهِيَةَ أنْ لا يَفْهموا
وقال عليٍّ: حَدْثوا الناسَ بما يَعرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ ورسولُه؟.
هذا (باب من خص بالعلم قومًا دون قوم) أي سوى قوم لا بمعنى إلا دون (كراهية) بتخفيف
الياء والنصب على التعليل مضاف لقوله (أن لا يفهموا) وأن مصدرية، والتقدير لأجل كراهية عدم

٣٣٠
كتاب العلم/ باب ٤٩
فهم القوم الذين هم سوى القوم الذين خصّهم بالعلم. ولفظ ((أن)) ساقط للأصيلي، وهذه الترجمة
قريبة من السابقة لكنها في الأفعال وهذه في الأقوال (وقال علي) أي ابن أبي طالب رضي الله عنه
(حدّثوا) بصيغة الأمر أي كلموا (الناس بما يعرفون) ويدركون بعقولهم ودعوا ما يشتبه عليهم فهمه
(أتحبون) بالخطاب (أن يكذب الله ورسوله) لأن الإنسان إذا سمع ما لا يفهمه وما لا يتصوّر إمكانه
اعتقد استحالته جهلاً فلا يصدق وجوده، فإذا أسند إلى الله تعالى ورسوله و لو لزم ذلك المحذور
ويكذب بفتح الذال على صيغة المجهول.
١٢٧ - حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ موسى عنْ مَعْروفِ بنِ خَرَّبُوذٍ عن أبي الطُّفَيل عن عليٍّ بذلك.
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا عبيد الله) بالتصغير (ابن موسى) العبسي مولاهم، وللأصيلي
وابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني حدّثنا به (عن معروف بن خرّبوذ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد
الراء المفتوحة وضم الموحدة آخره ذال معجمة مصروف باليونينية المكي مولى قريش ضعفه ابن معين،
وليس له عند المؤلف سوى هذا الحديث وسقط في رواية أبي ذر وابن عساكر والأصيلي لفظ ابن
خربوذ، (عن أبي الطفيل) بضم الطاء وفتح القاء عامر بن واثلة وهو آخر الصحابة موتًا (عن علّ
بذلك) وللأصيلي زيادة ابن أبي طالب أي بالأثر المذكور، وهذا الإسناد من عوالي المؤلف لأنه يلتحق
بالثلاثيات من جهة أن الراوي الثالث، وهو أبو الطفيل صحابي، وأخّر المؤلف هنا السند عن المتن
ليميز بين طريقة إسناد الحديث وإسناد الأثر أو لضعف الإسناد بسبب ابن خربوذ أو للتفنّن وبيان
الجواز، ومن ثم وقع في بعض النسخ مقدمًا وقد سقط هذا الأثر كله من رواية الكشميهني.
١٢٨ - حدثنا إسحقُ بنُ إبراهيمَ قال: حدَّثَنا مُعاذُ بنُ هِشام قال: حدَّثني أبي عن قَتادةَ
قال: حدَّثنا أنَسُ بنُ مالكِ ((أنّ رسولَ اللَّهِ وَ ◌ّه ـ ومُعاذْ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ - قال: يا مُعاذُ بنَ جَبَلٍ. قال:
لَيكَ يا رسولَ اللَّهِ وسَعدَيكَ. قال: يا مُعاذُ. قال: لبّيكَ يا رسولَ اللَّهِ وسَعدَيك (ثلاثًا). قال: ما
مِنْ أحَدٍ يَشهدُ أن لا إلهَ إلاّ اللَّهُ وأن محمدًا رسولُ اللَّهِ صِدْقًا مِن قَلبِهِ إلاّ حرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّار.
قال: يا رسولَ اللَّهِ أَفَلا أُخبرُ بهِ النّاسَ فَيَسْتَبْشِروا؟ قال: إذًا يَتَّكِلوا)). وأخبرَ بها مُعاذٍ عندَ مَوتِه
تَأْثُمًا. [الحديث ١٢٨ - طرفه في: ١٢٩].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه (قال: حدّثنا) وفي رواية
أبوي ذر والوقت والأصيلي أخبرنا (معاذ بن هشام) أي ابن أبي عبد الله الدستوائي، المتوفى بالبصرة
سنة مائتين (قال: حدّثني) بالإفراد (أبي) هشام (عن قتادة) بن دعامة أنه (قال: حدّثنا أنس بن
مالك) رضي الله عنه .
(أن رسول الله ( * ومعاذ) أي ابن جبل (رديفه) أي راكب خلفه (على الرحل) بفتح الراء
وسكون الحاء المهملتين وهو للبعير أصغر من القتب، وعند المؤلف في الجهاد أنه كان على حمار (قال

٣٣١
كتاب العلم/ باب ٤٩
يا معاذ بن جبل) بضم معاذ منادى مفرد علم، واختاره ابن مالك لعدم احتياجه إلى تقدير ونصبه على
أنه مع ما بعده كاسم واحد مركب كأنه أضيف، وهذا اختاره ابن الحاجب والمنادى المضاف منصوب
فقط (قال) أي معاذ (لبيك يا رسول الله وسعديك، قال) عليه الصلاة والسلام: (يا معاذ. قال)
معاذ: (لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثًا) يعني أن نداءه عليه الصلاة والسلام لمعاذ وإجابة معاذ قيل
ثلاثًا (قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) شهادة (صدقًا من قلبه إلا حرمه
الله على النار) والجار والمجرور الأول وهو من قلبه يتعلق بقوله صدقًا أو بقوله يشهد، فعلى الأول
الشهادة لفظية أي يشهد بلفظه ويصدق بقلبه، وعلى الثاني قلبية أي يشهد بقلبه ويصدّق بلسانه
واحترز به عن شهادة المنافقين.
فإن قلت: إن ظاهر هذا يقتضي عدم دخول جميع من شهد الشهادتين النار لما فيه من التعميم
والتأكيد وهو مصادم للأدلة القطعية الدالّة على دخول طائفة من عصاة الموحدين النار ثم يخرجون
بالشفاعة؟ أجيب: بأن هذا مقيد بمن يأتي بالشهادتين تائبًا ثم يموت على ذلك، أو أن المراد بالتحريم
هنا تحريم الخلود لا أصل الدخول أو أنه خرج مخرج الغالب إذ الغالب أن الموحد يعمل بالطاعات
ويجتنب المعاصي، أو من قال ذلك مؤديًا حقه وفرضه، أو المراد تحريم النار على اللسان الناطق
بالشهادتين كتحريم مواضع السجود.
(قال) معاذ (يا رسول الله أفلا) بهمزة الاستفهام وفاء العطف المحذوف معطوفها والتقدير أقلت
ذلك فلا (أخبر به الناس فيستبشروا) نصب بحذف النون والتقدير فأن يستبشروا، ولأبي ذر
فيستبشرون بالنون أي فهم يستبشرون. (قال) وَ له: (إذًا) أي إن أخبرتهم (يتكلوا) بتشديد المثناة
الفوقية أي يعتمدوا على الشهادة المجردة، وللكشميهني ينكلوا بنون ساكنة وضم الكاف من النكول
وهو الامتناع أي يمتنعوا عن العمل اعتمادًا على مجرد التلفّظ بالشهادتين (وأخبر) وفي رواية أخبر
بغير واو (بها معاذ عند موته) أي موت معاذ (تأثمًا) بفتح المثناة الفوقية والهمزة وتشديد المثلثة نصب
على أنه مفعول له أي تجنبًا عن الإثم إن كتم ما أمر الله بتبليغه حيث قال: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين
أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ [آل عمران: ١٨٧].
فإن قلت: سلمنا أنه تأثم من الكتمان، فكيف لا يتأثم من مخالفة الرسول عليه الصلاة
والسلام في التبشير؟ أجيب بأن النهي كان مقيدًا بالاتكال، فأخبر به من لا يخشى عليه ذلك أو أن
النهي إنما كان للتنزيه لا للتحريم، وإلاّ لما كان يخبر به أصلاً. وقد روى البزار من حديث أبي سعيد
الخدري في هذه القصة أن النبي ور أذن لمعاذ في التبشير فلقيه عمر رضي الله عنه فقال: لا تعجل
ثم دخل فقال: يا نبي الله أنت أفضل رأيًا لأن الناس إذا سمعوا ذلك اتكلوا عليها. قال: فرده
فرده. وقد تضمن هذا الحديث أن يخص بالعلم قوم فيهم الضبط وصحة الفهم ولا يبذل المعنى
اللطيف لمن لا يستأهله ومن يخاف عليه الترخيص، والاتكال لتقصير فهمه وهو مطابق لما ترجم له
المؤلف .

٣٣٢
كتاب العلم/ باب ٥٠
١٢٩ - حقثنا مسدد قال: حدّثنا معتمر قال: سمعت أبي قال: سمعت أنسًا قال: ذكر لي
أن النبيِ وَ ﴿ قال لمعاذ: ((من لَقِيَ اللَّهَ لا يُشرِكُ بهِ شَيئًا دَخْلَ الجنَّةَ» قال: ألا أُبَشِّرُ الناسَ؟ قال:
((لا. أخافُ أن يَتْكِلوا)).
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا معتمر) هو ابن سليمان بن طرخان
البصري نزيل بني تميم، المتوفى بالبصرة سنة سبع وثمانين ومائة (قال: سمعت أبي) سليمان المتوفى
بالبصرة سنة ثلاث وأربعين ومائة (قال: سمعت أنسًا) وفي رواية الأصيلي وابن عساكر أنس بن
مالك (قال ذكر لي) على صيغة المجهول ولم يسمِّ أنس من ذكر له ذلك وهو غير قادح في صحة
الحديث لأن متنه ثابت من طريق أخرى، وأيضًا فأنس لا يروي إلا عن عدل صحابي أو غيره فلا
تضر الجهالة هنا، ويحتمل أن يكون عمرو بن ميمون أو عبد الرحمن بن سلمة.
(أن النبي ◌َّل﴿ قال لمعاذ): زاد في رواية غير أبوي ذر والوقت ابن جبل ومقول القول (من
لقي الله) أي مات حال كونه (لا يشرك به شيئًا) حين الموت (دخل الجنة) وإن لم يعمل صالحًا إما قبل
دخوله النار أو بعده بفضل الله ورحمته، واقتصر على نفي الإشراك لأنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء
ولم يذكر إثبات الرسالة لأن نفي الإشراك يستدعي إثباتها للزوم أن من كذب رسل الله فقد كذب الله
ومن كذب الله فهو كافر أو هو نحو من توضأ صحت صلاته أي عند وجود سائر الشروط فالمراد من
لقي الله موحدًا بسائر ما يجب الإيمان به (قال) معاذ وفي رواية أبي ذر فقال: (ألا أبشر الناس) بذلك
(قال) النبي وَلّ: (لا) تبشرهم ثم استأنف فقال (أخاف أن يتكلوا) بتشديد المثناة الفوقية أي أخاف
اتكالهم على مجرد التوحيد، وفي رواية كريمة وأبي الوقت قال: لا إني أخاف، وعلى الرواية الأولى
ليست كلمة النهي داخلة على أخاف فافهم.
٥٠ - باب الحَياءِ في العِلمِ
وقال مُجاهِد: لا يَتعلْمُ العِلمَ مُسْتَحيي ولا مُسْتَكبِرٌ. وقالت عائشةُ: نِعْمَ النساءُ نساءُ الأنصارِ،
لم يَمنَعْهِنَّ الحياءُ أنْ يَتفقَّهْنَ في الدِّين.
هذا (باب الحياء) بالمد (في) تعلم (العلم) وتعليمه (وقال مجاهد) أي ابن جبر التابعي الكبير مما
وصله أبو نعيم في الحلية من طريق علي بن المديني عن ابن عيينة من منصور عنه بإسناد صحيح على
شرط المؤلف، (لا يتعلم العلم مستحيي) بإسكان الحاء وبياءين أخيرتهما ساكنة من استحيا يستحيي
على وزن يستفعل، ويجوز فيه مستحي أي بياء واحدة من استحى يستحي على وزن مستفع، ويجوز
مستح من غير ياء على وزن مستف (ولا مستكبر) يتعاظم ويستنكف أن يتعلم العلم ويستكثر منه
وهو أعظم آفات العلم، فالحياء هنا مذموم لكونه سببًا لترك أمر شرعي وليست لا ناهية بل نافية
ومن ثم كانت ميم يتعلم مضمومة .

٣٣٣
کتاب العلم/ باب ٥٠
(وقالت عائشة) رضي الله عنها مما وصله مسلم (نعم النساء نساء الأنصار) برفع نساء في
الموضعين، فالأولى على الفاعلية، والثانية على أنها مخصوصة بالمدح والمراد من نساء الأنصار نساء أهل
المدينة (لم يمنعهن الحياء) عن (أن يتفقهن) أي عن التفقه (في) أمور (الدين).
١٣٠ - حدثنا محمد بن سلام قال: أخبرنا أبو معاوية قال: حدّثنا هشام عن أبيه عن زينب
ابنة أُم سلمة عن أم سلمة قالت: ((جاءتْ أُمُّ سُلَيم إلى رسولِ اللهِ وَ﴿ فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ
اللَّهَ لا يَسْتَخْيي مِنَ الحقّ، فهلْ عَلَى المرأةِ مِنِ غُسْلِ إذا احتَلَمَتْ؟ قال النبيُّ ◌َّ: إذا رأتِ الماءَ.
فِغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَة - تَعْنِي وَجْهَها - وقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، وَتَحْتَلِمُ المرأةُ؟ قال: نعم، تَرِبَت يَمِينُكِ،
فبمَ يُشْبِهُها وَلَدُها؟)). [الحديث ١٣٠ - أطرافه في ٢٨٢، ٣٢٢٨، ٦٠٩١، ٦١٢١].
وبالسند إلى المؤلف قال (حدّثنا محمد بن سلام) بتخفيف اللام على الأشهر واقتصر عليه في
فرع اليونينية وهو البيكندي (قال: أخبرنا أبو معاوية) محمد بن خازم بمعجمتين الضرير التيمي
(قال: حدّثنا هشام) وفي رواية ابن عساكر بن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن زينب
ابنة) وفي رواية الأربعة بنت (أم سلمة) وأبوها عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، توفيت سنة ثلاث
وسبعين ونسبت لأمها أم المؤمنين أم سلمة بيانًا لشرفها لأنها ربيبته وَلّر (عن أم سلمة) هند بنت أبي
أمية زوج النبي بَ ل﴿ رضي الله عنها أنها (قالت):
(جاءت أم سليم) بضم المهملة وفتح اللام بنت ملحان بكسر الميم وسكون اللام وبالحاء
المهملة والنون النجارية الأنصارية وهي والدة أنس بن مالك (إلى رسول الله وسلم فقالت: يا رسول
الله إن الله لا يستحيي من الحق) ليس الاستحياء هنا على بابه، وإنما هو جارٍ على سبيل الاستعارة
التبعية التمثيلية أي أن الله لا يمتنع من بيان الحق، فكذا أنا لا أمتنع من سؤالي عما أنا محتاجة إليه،
وإنما قالت ذلك بسطًا لعذرها في ذكر ما تستحيي النساء من ذكره عادة بحضرة الرجال لأن نزول
المني منهنّ يدل على قوّة شهوتهنّ للرجال (فهل) يجب (على المرأة من غُسل) بضم الغين وفي رواية
من غسل بفتحها وهما مصدران عند أكثر أهل اللغة. وقال آخرون بالضم الاسم وبالفتح المصدر
وحرف الجر زائد (إذا) هي (احتلمت) أي رأت في منامها أنها تجامع (قال) وفي رواية أبي ذر وابن
عساكر فقال (النبي) وفي رواية أبي ذر رسول الله (َ﴾) عليها غسل (إذا) أي حين (رأت الماء) أي
المني إذا استيقظت فإذا ظرفية، ويجوز أن تكون شرطية أي إذا رأت وجب عليها الغسل، وجعل
رؤية المني شرطًا للغسل يدل على أنها إذا لم ترَ الماء لا غسل عليها. قالت زينب: (فغطت أم سلمة)
رضي الله عنها أو قالته أم سلمة على سبيل الالتفات من باب التجريد كأنها جرّدت من نفسها شخصًا
فأسندت إليه التغطية إذ الأصل فغطيت قال عروة أو غيره (تعنى وجهها) بالمثناة الفوقية ولابن
عساكر بالتحتية وعند مسلم من حديث أنس أن ذلك وقع لعائشة أيضًا فيحتمل حضورهما معًا في

٣٣٤
كتاب العلم/ باب ٥٠
هذه القصة. (وقالت) أم سلمة (يا رسول الله وتحتلم المرأة) بحذف همزة الاستفهام وللكشميهني أو
تحتلم بإثباتها وهو معطوف على مقدّر يقتضيه السياق أي أترى المرأة الماء، وتحتلم؟ (قال) بَّرِ (نعم)
تحتلم وترى الماء (تربت يمينك) بكسر الراء والكاف أي افتقرت وصارت على التراب وهي كلمة
جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب. (فِمَّ) بحذف الألف (يشبهها
ولدها) وفي حديث أنس في الصحيح: فمن أين يكون الشبه ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة
رقيق أصفر فأيهما علا أو سبق يكون منه الشبه. وفي هذا الحديث ترك الاستحياء لمن عرضت له
مسألة.
١٣١ - حدّثنا إسماعيلُ قال: حدَّثني مالكٌ عن عبدِ اللهِ بنِ دِينارٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ أنَّ
رسولَ اللّهِ وَ ﴿ قَالَ: ((إنَّ منَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لا يَسْقُطُ وَرَقُها وهيَ مَثَلُ المُسْلِم، حَدِّثوني ما هيَ؟
فوقَعَ الناسُ في شَجَرِ الباديةِ، ووقعَ في نَفْسي أنها النَّخْلةُ، قال عبدُ اللَّهِ: فاسْتَحْيَيْتُ. فقالوا يا
رسولَ اللَّهِ أخْبِرْنا بها. فقال رسولُ اللَّهِ وََّ هيَ النَّخلةُ)). قال عبدُ اللَّهِ: فحدَّثتُ أبي بما وقعَ في
نَفْسي، فقالَ: لأنْ تَكونَ قُلتَها أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ يكونَ لي كذا وكذا.
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أُويس ابن أُخت إمام دار الهجرة مالك (قال: حدّثني)
بالإفراد (مالك) الإمام (عن عبد الله بن دينار) المشهور (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله
عنهما ثبت ابن عمرو الترضي لابن عساكر.
(أن رسول الله وَّو قال: إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وهي) وللأصيلي هي بإسقاط
الواو (مثل المسلم) بفتح الميم والمثلثة وفي رواية مثل بكسر الميم وسكون المثلثة (حدّثوني ما هي.
فوقع الناس في شجر البادية، ووقع في نفسي أنها النخلة. قال عبد الله: فاستحييت. فقالوا) ولابن
عساكر والأصيلي قالوا: (يا رسول الله أخبرنا بها. فقال رسول الله وَله: هي النخلة. قال عبد الله
فحدّثت أبي) عمر (بما) أي بالذي (وقع في نفسي) من أنها النخلة (فقال: لأن) بفتح اللام (تكون
قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا) أي من حمر النعم وغيرها.
فإن قلت: لم قال قلتها بلفظ الماضي مع قوله تكون بلفظ المضارع وقد كان حقه أن يقول لأن
كنت قلت؟ أجيب بأن المعنى لأن تكون في الحال موصوفًا بهذا القول الصادر في الماضي انتهى.
وإنما تأسف عمر رضي الله عنه على كون ابنه لم يقل ذلك لتظهر فضيلته فاستلزم حياؤه تفويت ذلك
وقد كان يمكنه إذا استحيا إجلالاً لمن هو أكبر منه أن يذكر ذلك لغيره سرًّا ليخبر به عنه فيجمع بين
المصلحتين، ومن ثم عقبه المؤلف بقوله:

٣٣٥
کتاب العلم/ باب ٥١ و٥٢
٥١ - باب مَنْ اسْتَخْيا فأمَرَ غيرَهُ بالسُؤال
(باب من استحيا) من العالم أن يسأل منه بنفسه (فأمر غيره بالسؤال) منه ولفظ باب ساقط
للأصيلي.
١٣٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال: حدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بنُ داودَ عنِ الأعْمَشِ عن مُنْذِرِ الثَّوْرِيِّ عن محمدٍ
ابنِ الحَنَفِيَّةِ عن عليٍّ قال: كنتُ رَجُلاً مَذّاء، فأمَرْتُ المِقْدَادَ أنْ يَسألَ النبيِّ وَِّ، فَسَأَلَهُ فقال: (فيه
الوضوءُ)). [الحديث ١٣٢ - طرفاه في: ١٧٨، ٢٦٩].
وبالسند إلى المؤلف رحمه الله قال: (حدّثنا مسدد) أي ابن مسرهد (قال: حدّثنا عبد الله بن
داود) بن عامر الخريبي نسبة إلى خريبة بضم الخاء المعجمة وفتح الراء وسكون المثناة التحتيه وفتح
الموحدة محلة بالبصرة، المتوفى سنة ثلاث عشرة ومائتين (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن منذر)
بضم الميم وسكون النون وكسر المعجمة وكنيته أبو يعلى بفتح المثناة التحتية وسكون المهملة وفتح اللام
(الثوري) بالمثلثة الكوفي (عن محمد ابن الحنفية) المتوفى سنة ثمانين أو إحدى وثمانين أو أربع عشرة
ومائة ودفن بالبقيع والحنفية أمه وهي خولة بنت جعفر الحنفي اليمامي وكانت من سبي بني حنيفة
(عن) أبيه (علي) رضي الله عنه، وللأصيلي زيادة ابن أبي طالب (قال):
(كنت رجلاً مذّاء) بالمعجمة المشددة للمبالغة في كثرة المذي وهو بإسكان المعجمة الماء الذي
يخرج من الرجل عند الملاعبة وهو منصوبة صفة رجلاً المنصوب خبر كان (فأمرت المقداد) بكسر الميم
وسكون القاف ابن عمرو زاد في رواية ابن عساكر ابن الأسود وليس بأبيه وإنما رباه أو تبناه أو
حالفه أو تزوّج بأمه فنسب إليه، وإنما أبوه عمرو بن ثعلبة البهراني وهو من السابقين إلى الإسلام،
المتوفى سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله عنه (أن يسأل) أي بأن يسأل (النبي ◌َ لير فسأله)
عن حكم المذي (فقال) النبي ◌َ ◌ّ (فيه) أي في المذي (الوضوء) لا الغسل وقد استدل بعضهم بهذا
الحديث على جواز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع وهو خطأ ففي النسائي أنّ
السؤال وقع وعلّ حاضر قاله في الفتح.
٥٢ - باب ذِكرِ العِلْم والفُتيا في المسجد
هذا (باب) جواز (ذكر العلم والفتيا في المسجد) وإن أدّت المباحثة في ذلك إلى رفع الصوت
وسقط لفظ الباب للأصيلي.
١٣٣ - حدّثنا قُتَيبَةُ قال: حدَّثَنا الليثُ بنُ سَعدٍ قال: حدَّثَنا نافِعْ مولى
عبدِ اللَّهِ بنِ عُمَّر بنِ الخَطَّابِ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عُمَر أنَّ رَجُلاً قامَ في المسجِدِ فقال: يا رسولَ
اللَّهِ، مِنْ أينَ تأمُرُنا أنْ نُهِلَّ؟ فقال رسولُ اللَّهِ وَّرَ: ((يُهِلُّ أهلُ المَدينةِ مِن ذي الحُلَيفةِ، ويُهِلُّ أهلُ

٣٣٦
کتاب العلم/ باب ٥٣
الشام منَ الجُحْفَةِ، ويُهِلُ أهلُ نَجْدٍ من قَرْنٍ)). وقال ابنُ عُمَر: ويزعمونَ أنَّ رسولَ اللَّهِ مَِّ قال:
((ويُهِلُّ أهلُ اليَمنِ مِن يَلَمْلَمَ. وكان ابنُ عُمَر يقول: لم أفْقَهْ هذِهِ مِن رسولِ اللَّهِ وَّ. [الحديث
١٣٣ - أطرافه في: ١٥٢٢، ١٥٢٥، ١٥٢٧، ١٥٢٨، ٧٣٣٤].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا) بالجمع وفي رواية المستملي حدّثني (قتيبة) ولغير أبوي ذر
والوقت وابن عساكر بن سعيد بكسر العين (قال: حدَّثنا الليث بن سعد) إمام المصريين (قال: حدّثنا
نافع) هو ابن سرجس بفتح المهملة وسكون الراء وكسر الجيم آخره سين مهملة وهو (مولى عبد الله بن
عمر بن الخطاب) المتوفى بالمدينة سنة سبع عشرة ومائة وفي رواية ابن عساكر بإسقاط لفظة ابن
الخطاب (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما.
(أن رجلاً قام في المسجد) النبوي ولم يعرف اسم الرجل (فقال: يا رسول الله من أين تأمرنا أن
نهل)؟ أي بالإهلال وهو رفع الصوت بالتلبية في الحج والمراد به هنا الإحرام مع التلبية والسؤال عن
موضع الإحرام وهو الميقات المكاني. (فقال رسول الله وي: يهل) بضم الياء أي يحرم (أهل المدينة من
ذي الحليفة) بضم المهملة وفتح اللام، (ويهل أهل الشام من الجحفة) بضم الجيم وسكون المهملة،
(ويهل أهل نجد) وهو ما ارتفع من أرض تهامة إلى أرض العراق (من قرن) بفتح القاف وسكون الراء
وهو جبل مدوّر أملس كأنه هضبة مطل على عرفات، وقوله ويهل في الكل على صورة الخبر في
الظاهر، والظاهر أن المراد منه الأمر فالتقدير ليهل. (وقال ابن عمر) رضي الله عنهما بواو العطف
على لفظ عن عبد الله بن عمر عطفًا من جهة المعنى كأنه قال: قال نافع، قال ابن عمر وسقط الواو
للأصيلي وابن عساكر. وقال: (ويزعمون) عطف على مقدر وهو قال رسول الله ود ليل ذلك ولا بدّ
من هذا التقدير لأن هذه الواو لا تدخل بين القول ومقوله (أن رسول الله وَّالذي قال: ويهل أهل
اليمن من يلملم) بفتح المثناة التحتية وفتح اللامين جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة.
(وكان ابن عمر) رضي الله عنهما (يقول لم أفقه) أي لم أفهم (هذه) أي الأخيرة (من رسول الله(وَ لخير)
وهذا من شدة تحرّيه وورعه، وأطلق الزعم على القول المحقق لأنه لا يريد من هؤلاء الزاعمين إلا
أهل الحجة والعلم بالسُّنّة، ومحال أن يقولوا ذلك بآرائهم لأن هذا ليس مما يقال بالرأي وتأتي بقية
مباحث الحديث إن شاء الله تعالى في الحج وبالله المستعان.
٥٣ - باب مَن أجابَ السائلَ بأكثرَ مِمّا سَأَلَه
(باب من أجاب السائل بأكثر) وفي رواية ابن عساكر أكثر (مما سأله) فلا يلزم مطابقة الجواب
للسؤال بل إذا كان السؤال خاصًّا والجواب عامًّا جاز وأما ما وقع في كلام كثير من أهل الأصول أنّ
الجواب يجب أن يكون مطابقًا للسؤال. فليس المراد بالمطابقة عدم الزيادة، بل المراد أن الجواب يكون
مفيدًا للحكم المسؤول عنه ولفظ باب سقط عند الأصيلي.

٣٣٧
کتاب العلم/ باب ٥٣
١٣٤ - حدثنا آدَمُ قال: حَدَّثَنا ابنُ أبي ذِئبٍ عنْ نافعِ عنِ ابنِ عُمرَ عنِ النبيِّ وَّر. وعن
الزُّهْريّ عن سالم عنِ ابنِ عُمرَ عنِ النبيِّ نَّهِ، أن رَجُلاً سِألَهُ: ما يَلْبَسُ المُخْرِمُ؟ فقال: ((لا يَلْبَسُ
القَميصَ ولا العِمَامَةَ ولا السَّراويلَ ولا البُرْنُسَ ولا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ أوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْم لم يَجِدِ
التَّعْلَينِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّينِ، ولْيَقْطَعْهُما حتّى يَكونا تحتَ الكَعْبَين)). [الحديث ١٣٤ - أطرافه في:
٣٦٦، ١٥٤٢، ١٨٣٨، ١٨٤٢، ٥٧٩٤، ٥٨٠٣، ٥٨٠٥، ٥٨٠٦، ٥٨٤٧، ٥٨٥٢].
وبالسند إلى المؤلف رحمه الله قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس (قال: حدّثنا ابن أبي ذئب) بكسر
الذال المعجمة والهمزة الساكنة واسمه محمد بن عبد الرحمن المدني (عن نافع) مولى ابن عمر رضي الله
عنهما (عن ابن عمر) رضي الله عنهما، (عن النبي ◌َّرِ. وعن الزهري) محمد بن مسلم (عن سالم) هو
ابن عبد الله (عن ابن عمر) بضم العين وهو والد سالم (عن النبي 98َّ) وفي رواية أبوي ذر والوقت
والأصيلي والزهري بإسقاط حرف الجر وكلاهما عطف على قوله عن نافع عن ابن عمر فهما إسنادان
أحدهما عن آدم عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر، والآخر عن آدم عن ابن أبي ذئب عن
الزهري عن سالم عن ابن عمر، وفي بعض النسخ ح للتحويل قبل، وعن الزهري:
(أن رجلاً) لم أعرف اسمه (سأله) وَلجر (ما يلبس المحرم) بفتح المثناة التحتية والموحدة مضارع
لبس بكسر الموحدة (فقال) عليه الصلاة والسلام: (لا يلبس) بفتح الأوّل والثالث ويجوز ضم السين
على أنّ لا نافية وكسرها على أنها ناهية، والأوّل لأبي ذر (القميص ولا العمامة) بكسر العين (ولا
السراويل ولا البرنس) بضم الموحدة والنون (ولا ثوبًا مسّه الورس) بفتح الواو وسكون الراء آخره
مهملة نبت أصفر من اليمن يصبغ به (أو الزعفران) بفتح الزاي والفاء للأصيلي مسّه الزعفران أو
الورس (فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفّين وليقطعهما) بكسر اللام وسكونها عطف على فليلبس
(حتى) أن (يكونا) أي غاية قطعهما (تحت الكعبين).
فإن قلت: السؤال قد وقع عما يلبس فكيف أجابه عليه السلام بما لا يلبس؟ أجيب: بأن هذا
من بديع كلامه عليه الصلاة والسلام وفصاحته لأن المتروك منحصر بخلاف الملبوس، لأن الإباحة
هي الأصل فحصر ما يترك ليبين أن ما سواه مباح انتهى.
وفي هذا الحديث السؤال عن حالة الاختيار فأجابه عليه الصلاة والسلام عنها وزاده حالة
الاضطرار في قوله: فإن لم يجد النعلين وليست أجنبية عن السؤال لأن حالة السفر تقتضي ذلك،
وتأتي مباحث الحديث إن شاء الله تعالى في الحج بعون الله وقوته وفضله ومنّته. وهذا آخر أحاديث
كتاب العلم وعدة المرفوع منها مائة حديث وثلاثة أحاديث.
ولما فرغ المؤلف من ذكر أحاديث الوحي الذي هو مادة الأحكام الشرعية وعقبه بالإيمان ثم
بالعلم شرع يذكر أقسام العبادات مرتبًا لذلك على ترتيب حديث الصحيحين ((بني الإسلام على خمس:
شهادة أن لا إله إلّ الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم

٣٣٨
كتاب العلم/ باب ٥٣
رمضان)) وقدم الصلاة بعد الشهادتين على غيرها لكونها أفضل العبادات بعد الإيمان، وابتدأ المؤلف
بالطهارة لأنها مفتاح الصلاة كما في حديث أبي داود بإسناد صحيح ولأنها أعظم شروطها، والشرط
مقدّم على المشروط طبعًا فقدّم عليه وضعًا فقال:

بسم الله الرحمن الرحيم
٤ - كتاب الوضوء
(بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الوضوء) وهو بالضم الفعل وبالفتح الماء الذي يتوضأ به،
وحكي في كل الفتح والضم وهو مشتق من الوضاءة وهي الحسن والنظافة لأن المصلي يتنظف به
فيصير وضيئًا، ولابن عساكر تأخير البسملة عن كتاب الوضوء، ولغير ابن عساكر وأبي ذر باب
بالتنوين في الوضوء.
١ - باب
ما جاء في قول الله تعالى: ﴿إذا قُمْتُم إلى الصَّلاةِ فاغسِلُوا وُجوهَكُمْ وأيدِيَكُمْ إلى المَرافِقِ،
وامْسَحوا بِرُؤُوسِكُمْ وأرجُلَكُمْ إلى الكَعْبَينِ﴾ [المائدة: ٦]. قال أبو عبدِ اللَّهِ: وبَيَّنَ النبيُّ نَّرَ أَنَّ
فَرْضَ الوُضوءِ مَرَّةً مرَّة، وتَوضْأ أيضًا مرَّتَيْنِ مرَّتَيْن، وَثَلاثًا، ولم يزِدْ عَلَى ثَلاث. وكَرِهَ أهلُ العِلم
الإسرافَ فيه، وأنْ يُجاوزوا فِعلَ النّبِّ ◌َ .
هذا (باب ما جاء) من اختلاف العلماء (في) معنى (قول الله تعالى): ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ (إذا
قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) أي مع المرافق، ودلّ على دخولها في الغسل
الإجماع، كما استدل به الشافعي في الأم، وفعله # فيما رواه مسلم أن أبا هريرة توضأ فغسل
وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم اليسرى حتى أشرع في
العضد الحديث. وفيه: ثم قال هكذا رأيت رسول الله بَل* يتوضأ، فثبت غسله عليه الصلاة والسلام
لها، وفعله بيان للوضوء المأمور به ولم ينقل تركه ذلك، ودل عليه الآية أيضًا بجعل اليد التي هي
حقيقة إلى المنكب، وقيل إلى الكوع مجازًا إلى المرفق مع جعل إلى للغاية الداخلة هنا في المغيا أو للمعية
كما في ﴿مَنْ أنصاري إلى الله﴾ [الصف: ١٤] أو بجعل اليد باقية على حقيقتها إلى المنكب مع جعل

٣٤٠
کتاب الوضوء/ باب ١
إلى غاية للغسل أو للترك المقدّر كما قال بكل منهما جماعة، فعلى الأوّل منهما تدخل الغاية لا لكونها
إذا كانت من جنس ما قبلها تدخل كما قيل لعدم اطّراده كما قال التفتازاني وغيره فإنها قد تدخل كما
في قرأت القرآن إلى آخره، وقد لا تدخل كما في قرأت القرآن إلى سورة كذا، بل لقرينتي الإجماع
والاحتياط للعبادة، قال المتولي: بناء على أنها حقيقة إلى المنكب لو اقتصر على قوله: ﴿وأيديكم﴾
لوجب غسل الجميع، فلما قال: ﴿إلى المرافق﴾ أخرج البعض عن الوجوب فما تحقّقنا خروجه تركناه
وما شككنا فيه أوجبناه احتياطًا للعبادة انتهى.
المعنى اغسلوا أيديكم من رؤوس أصابعها إلى المرافق، وعلى الثاني تخرج الغاية، والمعنى اغسلوا
أيديكم واتركوا منها إلى المرافق (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) بالجر، وللأصيلي بالنصب (إلى
الكعبين) [المائدة: ٦] هل فيه تقدير أو الأمر على ظاهره وعمومه، فقال بالأوّل الأكثرون وأنه مطلق
أُريد به التقييد، والمعنى إذا أردتم القيام إلى الصلاة محدثين. وقال الآخرون: بل الأمر على عمومه
من غير تقدير حذف إلا أنه في حق المحدث واجب وفي حق غيره مندوب، وقيل كان ذلك في
أول الأمر ثم نسخ فصار مندوبًا.
واستدلوا له بحديث عبد الله بن حنظلة الأنصاري أن رسول الله وم لو أمره بالوضوء لكل
صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر، فلما شق عليه وضع عنه الوضوء إلا من حدث رواه أبو داود وهو
ضعيف لقوله عليه الصلاة والسلام: ((المائدة من آخر القرآن نزولاً فأحلّوا حلالها وحرّموا حرامها))
وافتتح المؤلف رحمه الله الباب بهذه الآية للتبرّك أو لأصالتها في استنباط مسائله وإن كان حق الدليل
أن يؤخر عن المدلول لأن الأصل في الدعوى تقديم المدعى، وعبّر عن إرادة الفعل في قوله: ﴿إذا
قمتم﴾ بالفعل المسبب عنها للإيجاز والتنبيه على أن من أراد العبادة ينبغي له أن يبادر إليها بحيث لا
ينفك الفعل عن الإرادة.
واختلف في موجب الوضوء فصحح في التحقيق والمجموع، وشرح مسلم الحدث والقيام إلى
الصلاة معًا وبعضهم القيام إلى الصلاة، ويدل له حديث ابن عباس عن النبي وَ لّ قال: ((إنما أمرت
بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة)) رواه أصحاب السُّنن. وقال الشيخ أبو علي: الحدث وجوبًا موسعًا
وعليه يتمشى نيّة الفرضية قبل الوقت، ويجوز أن يقال ما يعني بها لزوم الإتيان ولهذا يصح من
الصبي، بل المعنى إقامة طهارة الحدث المشروطة للصلاة وشروط الشيء تسمى فروضه، وهل الحدث
يحل جميع البدن كالجنابة حتى يمنع من مس المصحف بظهره وبطنه، أو مختص بالأعضاء الأربعة؟
خلاف. والأصح الثاني؟ ووقع في رواية الأصيلي ما جاء في قوله الله دون ما قبله، وفي فرع
اليونينية كأصلها ما جاء في الوضوء. وقال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ إلى ﴿الكعبين﴾
[المائدة: ٦] ولكريمة باب في الوضوء وقول الله الخ. وفي نسخة صدر بها في فرع اليونينية عقب
البسملة كتاب الطهارة باب ما جاء في الوضوء، وهو أنسب من السابق لأن الطهارة أعمّ من
الوضوء، والكتاب الذي يذكر فيه نوع من الأنواع ينبغي أن يترجم بنوع عام حتى يشمل جميع ذلك،