النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
کتاب الإيمان/ باب ٤٢
وزاد فيه: النصيحة لكتاب الله وذلك يقع بتعلمه وتعليمه وإقامة حروفه في التلاوة وتحريرها في
الكتابة وبفهم معانيه وحفظ حدوده والعمل بما فيه إلى غير ذلك، وإنما لم يسنده المؤلف لأنه ليس على
شرطه لأن راويه تميم، وأشهر طرقه فيه سهيل بن أبي صالح، وقد قال ابن المديني فيما ذكره عنه
المؤلف أنه نسي كثيرًا من الأحاديث لموجدته لموت أخيه. وقال ابن معين: لا يحتج به، ونسبه
بعضهم لسوء الحفظ، ومن ثم لم يخرج له البخاري، وقد أخرج له الأئمة كمسلم والأربعة. وروى
عنه مالك ويحيى الأنصاري والثوري وابن عيينة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وقال ابن عديّ:
هو عندي ثبت لا بأس به مقبول الأخبار، ثم إن هذا الحديث قد عدَّ من الأحاديث التي عليها مدار
الإسلام وهو من بليغ الكلام والنصيحة من نصحت العسل إذا صفّيته من الشمع أو من النصح وهو
الخياطة بالمنصحة وهي الإبرة، والمعنى أنه يلم شعثه بالنصح كما تلم المنصحة ومنه التوبة النصوح
كأن الذنب يمزق الدين والتوبة تخيطه.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله آية يعضد بها الحديث فقال: (وقوله تعالى) ولأبي الوقت: عز وجل
بدل قوله تعالى، ولأبي ذر، وقول الله (﴿إذا نصحوا لله ورسوله﴾) [التوبة: ٩١] بالإيمان والطاعة
في السر والعلانية أو بما قدروا عليه فعلاً أو قولاً يعود على الإسلام والمسلمين بالصلاح.
٥٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال: حدَّثَنا يحيى عن إسماعيلَ قال: حدَّثني قَيسُ بنُ أبي حازِمٍ عنْ
جَرِيرِ بنِ عبدِ اللهِ قال: بايَعْتُ رسولَ اللَّهِ وَه على إقام الصلاة، وإيتاءِ الزّكاةِ، والنّضْحِ لِكلْ
مُسْلم. [الحديث ٥٧ _ أطرافه في: ٥٢٤، ١٤٠١، ٢١٥٧، ٢٧١٤، ٢٧٠٥، ٧٢٠٤].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان
(عن إسماعيل) بن أبي خالد البجلي التابعي (قال: حدّثني) بالتوحيد (قيس بن أبي حازم) بالحاء
المهملة والزاي المعجمة البجلي بفتح الموحدة والجيم نسبة إلى بجيلة بنت صعب الكوفي التابعي
المخضرم، المتوفى سنة أربع أو سبع وثمانين أو سنة ثمان وتسعين، (عن جرير بن عبد الله) بن
جابر البجلي الأحمسي بالحاء والسين المهملتين، المتوفى سنة إحدى وخمسين.
(قال بايعت رسول الله (#) أي عاقدته وكان قدومه عليه سنة عشر في رمضان وأسلم
وبايعه (على إقام الصلاة وإيتاء) أي إعطاء (الزكاة والنصح) بالعطف على المجرور السابق (لكل
مسلم) ومسلمة وفيه تسمية النصح دينًا وإسلامًا، لأن الدين يقع على العمل كما يقع على القول وهو
فرض كفاية على قدر الطاقة إذا علم أنه يقبل نصحه ويأمن على نفسه المكروه، فإن خشي فهو في
سعة فيجب على من علم بالمبيع عيبًا أن يبينه بائعًا كان أو أجنبيًّا، وعلى أن ينصح نفسه بامتثال
الأوامر واجتناب المناهي وحذف التاء من إقامة تعويضًا عنها بالمضاف إليه ولم يذكر الصوم ونحوه
لدخوله في السمع والطاعة.

٢٢٢
کتاب الإيمان/ باب ٤٢
وهذا الحديث من الخماسيات وفيه اثنان من التابعين إسماعيل وقيس وكل رواته كوفیون غير
مسدد وفيه التحديث بالإفراد والجمع والعنعنة. وأخرجه المؤلف في الصلاة والزكاة والبيوع والشروط
ومسلم في الإيمان والترمذي في البيعة.
٥٨ - حدثنا أبو النُّعْمانِ قال: حدِّثَنا أبو عَوانةَ عن زِيادِ بنِ عِلاقةَ قال: سَمعتُ جَرِيرَ بنَ
عبدِ اللَّهِ يقولُ يومَ ماتَ المُغِيرةُ بنُ شُغْبةَ، قامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عليهِ وقال: عليكم باتّقاءِ اللَّهِ
وَحَدَه لا شَرِيكَ لهُ، والوقارِ والسّكِينةِ، حتَّى يَأْتِيَكمْ أميرٌ، فإنَّما يأتيكمُ الآنَ. ثمّ قال: اسْتَعفوا
لأميرٍكمْ، فإنهُ كانَ يُحِبُّ العَفْوَ. ثم قال: أما بعدُ فإِنِّي أَتَيْتُ النبيِّ وَّهِ قلتُ: أُبَابِعُكَ على
الإسلام. فشرّطَ علَيَّ (والنُّصْحِ لِكلِّ مُسْلم)، فبايَعتُه على هذا، ورَبِّ هذا المسجد إنِّي لناصِحْ
لَكم. ثمَّ اسْتَغْفَرَ ونزل.
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسيّ بفتح السين الأولى نسبة إلى
سدوس بن شيبان البصري المعروف بعارم بمهملتين المختلط بأخرة المتوفى بالبصرة سنة أربع عشرة
ومائتين (قال: حدّثنا أبو عوانة) بفتح العين والنون الوضاح اليشكري (عن زياد بن علاقة) بكسر
العين المهملة وبالقاف ابن مالك الثعلبي بالمثلثة والمهملة الكوفي المتوفى سنة خمس وعشرين ومائة.
(قال: سمعت جرير بن عبد الله) البجلي الأحمسي الصحابي المشهور، المتوفى سنة إحدى وخمسين،
وله في البخاري عشرة أحاديث أي سمعت كلامه، فالمسموع هو الصوت والحروف فلما حذف هذا
وقع ما بعده تفسيرًا له وهو قوله (يقول) قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: ﴿إننا سمعنا مناديًا
ينادي للإيمان﴾ [آل عمران: ١٩٣] أوقع الفعل على المسمع وحذف المسموع لدلالة وصفه عليه
وفيه مبالغة ليست في إيقاعه على نفس المسموع (يوم) بالنصب على الظرفية أضيف إلى قوله: (مات
المغيرة بن شعبة) سنة خمسين من الهجرة وكان واليًا على الكوفة في خلافة معاوية واستناب عند موته:
ولده عروة، وقيل استناب جريرًا ولذا خطب وقد:
(قام فحمد الله) أي أثنى عليه بالجميل عقب قيامه وجملة قام لا محل لها من الأعراب لأنها
استئنافية (وأثنى عليه) ذكره بالخير أو الأوّل وصف بالتحلّ بالكمال، والثاني وصف بالتخلي عن
النقائص، وحينئذ فالأولى إشارة إلى الصفات الوجودية، والثانية إلى الصفات العدمية أي التنزيهات
(وقال: عليكم باتقاء الله) أي الزموه (وحده) أي حال كونه منفردًا (لا شريك له والوقار) أي الرزانة
وهو بفتح الواو والجر عطفًا على اتّقاء أي وعليكم بالوقار (والسكينة) أي السكون (حتى يأتيكم أمير)
بدل أميركم المغيرة المتوفى (فإنما يأتيكم الآن) بالنصب على الظرفية أي المدة القريبة من الآن فيكون
الأمير زيادًا إذ ولاه معاوية بعد وفاة المغيرة الكوفة، أو المراد الآن حقيقة فيكون الأمير جريرًا بنفسه
لما روي أن المغيرة استخلف جريرًا على الكوفة عند موته، وإنما أمرهم بما ذكره مقدمًا لتقوى الله
تعالى، لأن الغالب أن وفاة الأمراء تؤدي إلى الاضطراب والفتنة سيما ما كان عليه أهل الكوفة إذ

٢٢٣
كتاب الإيمان/ باب ٤٢
ذاك من مخالفة ولاة الأمور، ومفهوم الغاية من حتى هنا وهو أن المأمور به وهو الاتّقاء ينتهي بمجيء
الأمير ليس مرادًا، بل يلزم عند مجيء الأمير بطريق الأولى وشرط اعتبار مفهوم المخالفة أن لا
يعارضه مفهوم الموافقة.
(ثم قال) جرير (استعفوا) بالعين المهملة أي اطلبوا العفو (الأميركم) المتوفى من الله تعالى (فإنه)
أي الأمير والفاء للتعليل (كان يحب العفو) عن ذنوب الناس فالجزاء من جنس العمل، وفي رواية أبي
الوقت وابن عساكر: استغفروا لأميركم بغين معجمة وزيادة راء (ثم قال أما بعد) بالبناء على الضم
ظرف زمان حذف منه المضاف إليه ونوى معناه وفيه معنى الشرط تلزم الفاء في تاليه والتقدير أما بعد
كلامي هذا (فإني أتيت النبي وَلاير قلت) لم يأت بأداة العطف لأنه بدل اشتمال من أتيت أو استئناف
وفي رواية أبي الوقت فقلت له: يا رسول الله (أبايعك على الإسلام. فشرط) وَلاخير (علي) بتشديد الياء
أي الإسلام (والنصح) بالجر عطفًا على قوله الإسلام وبالنصب عطفًا على المقدر أي شرط عليّ
الإسلام وشرط النصح (لكل مسلم) وكذا لكل ذمي بدعائه إلى الإسلام وإرشاده إلى الصواب إذا
استشار فالتقييد بالمسلم من حيث الأغلب، (فبايعته على هذا) المذكور من الإسلام والنصح، (وربّ
هذا المسجد) أي مسجد الكوفة إن كانت خطبته ثم أو أشار به إلى المسجد الحرام، ويؤيده ما في
رواية الطبراني بلفظ: ورب الكعبة تنبيهًا على شرف المقسم به ليكون أقرب إلى القلوب (إني لناصح
لكم) فيه إشارة إلى أنه وفى بما بايع به النبي وَ لهر وأن كلامه عارٍ عن الأغراض الفاسدة، والجملة
جواب القسم مؤكد بأن واللام والجملة الاسمية، (ثم استغفر) الله (ونزل) عن المنبر أو قعد من قيامه
لأنه خطب قائمًا كما مرَّ. وهذا الحديث من الرباعيات، ورواته ما بين كوفي وبصري وواسطي مع
التحديث والسماع والعنعنة، وأخرجه المؤلف أيضًا في الشروط، ومسلم في الإيمان، والنسائي في
البيعة والسير والشروط، والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم
٣ - كتاب العلم
أي بيان ما يتعلق به، وقدم على لاحقه لأن على العلم مدار كل شيء والعلم مصدر علمت
أعلم علمًا وحدّه صفة توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض في الأمور المعنوية، واحترزوا بقولهم لا يحتمل
النقيض عن مثل الظن، وبقولهم في الأمور المعنوية عن إدراك الحواس لأن إدراكها في الأمور
الظاهرة المحسوسة. وقال بعضهم: لا يحدّ لعسر تحديده. وقال الإمام فخر الدين: لأنه ضروري إذ
لو لم یکن ضروريًّا لزم الدور.
(بسم الله الرحمن الرحيم) كذا في رواية الأصيلي وكريمة، وفي رواية أبي ذر وغيره ثبوتها قبل
کتاب.
١ - باب فضلِ العِلْمِ، وقولِ اللَّهِ
تعالى: ﴿يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ والَّذِينَ أُوتوا
العِلمَ دَرَجَاتٍ، واللَّهُ بما تَعْمَلونَ خَبِير﴾ وقولِهِ عزَّ وجلّ: ﴿رَبِّ زِدْنٍ عِلْمًا﴾
(باب فضل العلم) وكلا كتاب العلم وباب فضل العلم ثابت عند ابن عساكر، (وقول الله
تعالى) وفي رواية أبي ذر عز وجل، وقول بالجر عطفًا على المضاف إليه في قوله باب فضل العلم على
رواية من أثبت الباب أو على العلم في قوله كتاب العلم على رواية من حذفه، وقال الحافظ ابن
حجر: ضبطناه في الأصول بالرفع على الاستئناف، وتعقبه العيني فقال: إن أراد بالاستئناف الجواب
عن السؤال فذا لا يصح لأنه ليس في الكلام ما يقتضي هذا، وإن أراد ابتداء الكلام فذا أيضًا لا
يصح لأنه على تقدير الرفع لا يتأتى الكلام، لأن قوله وقول الله ليس بكلام فإذا رفع لا يخلو إما أن
يكون رفعه بالفاعلية أو بالابتداء وكلٌّ منهما لا يصح، أما الأوّل فواضح، وأما الثاني فلعدم الخبر.

٢٢٥
كتاب العلم/ باب ١
فإن قلت: الخبر محذوف! قلت: حذف الخبر لا يخلو إما أن يكون جوازًا أو وجوبًا، فالأوّل
فيما إذا قامت قرينة كوقوعه في جواب الاستفهام عن المخبر به أو بعد إذا الفجائية أو يكون الخبر
فعل قول وليس شيء من ذلك هلهنا، والثاني فيما إذا التزم في موضعه غيره وليس هذا أيضًا
كذلك، فتعين بطلان دعوى الرفع.
(يرفع) برفع يرفع في الفرع والتلاوة بالكسر للساكنين وأصلحها في اليونينية بكشط الرفع
وإثبات الكسر (الله الذين آمنوا منكم) بالنصر وحسن الذكر في الدنيا وإيوائكم غرف الجنان في
الآخرة (والذين أوتوا العلم درجات) نصب بالكسر مفعول يرفع أي، ويرفع العلماء منكم خاصة
درجات بما جمعوا من العلم والعمل. قال ابن عباس: درجات العلماء فوق المؤمنين بسبعمائة درجة
ما بين الدرجتين خمسمائة عام (والله بما تعملون خبير) [المجادلة: ١١] تهديد لمن لم يمتثل الأمر أو
استكرهه.
(وقوله عز وجل: رب) وللأصيلي: وقل رب (زدني علمًا) [طه: ١١٤] أي سله الزيادة منه،
واكتفى المصنف في بيان فضيلة العلم بهاتين الآيتين، لأن القرآن العظيم أعظم الأدلة أو لأنه لم يقع
له حديث من هذا النوع على شرطه أو اخترمته المنيّة قبل أن يلحق بالباب حديثًا يناسبه لأنه كتب
الأبواب والتراجم، ثم كان يلحق فيها ما يناسبها من الحديث على شرطه فلم يقع له شيء من ذلك،
ولو لم يكن من فضيلة العلم إلاّ آية ﴿شهد الله﴾ [آل عمران: ١٨] فبدأ الله تعالى بنفسه وثنى
بملائكته وثلث بأهل العلم وناهيك بهذا شرفًا، والعلماء ورثة الأنبياء كما ثبت في الحديث، وإذا
كان لا رتبة فوق النبوّة فلا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة، وغاية العلم العمل لأنه ثمرته
وفائدة العمر وزاد الآخرة فمن ظفر به سعد ومن فاته خسر، فإذًا العلم أفضل من العمل به لأن
شرفه بشرف معلومه، والعمل بلا علم لا يسمى عملاً بل هو ردّ وباطل، وينقسم العلم بانقسام
المعلومات وهي لا تحصى.
فمنها: الظاهر والمراد به العلم الشرعي المقيد بما يلزم المكلف في أمر دينه عبادة ومعاملة وهو
يدور على التفسير والفقه والحديث، وقد عدّ الشيخ عز الدين بن عبد السلام تعلم النحو وحفظ
غريب الكتاب والسُّنّة وتدوين أصول الفقه من البدع الواجبة.
ومنها: علم الباطن وهو نوعان. الأوّل: علم المعاملة، وهو فرض عين في فتوى علماء
الآخرة فالمعرض عنه هالك بسطوة مالك الملوك في الآخرة، كما أن المعرض عن الأعمال الظاهرة
هالك بسيف سلاطين الدنيا بحكم فتوى فقهاء الدنيا، وحقيقته النظر في تصفية القلب وتهذيب
النفس باتّقاء الأخلاق الذميمة التي ذمّها الشارع كالرياء والعجب والغش وحب العلو والثناء والفخر
والطمع ، ليتصف بالأخلاق الحميدة المحمدية كالإخلاص والشكر والصبر والزهد والتقوى والقناعة،
ليصلح عند أحكامه ذلك لعمله بعلمه ليرث ما لم يعلم، فعلمه بلا عمل وسيلة بلا غاية وعكسه
جناية وإتقانهما بلا ورع كلفة بلا أجرة، فأهم الأمور زهد واستقامة لينتفع بعلمه وعمله، وسأشير
إرشاد الساري/ ج ١ / م ١٥

٢٢٦
كتاب العلم/ باب ٢
إلى نبذة منثورة في هذا الكتاب من مقاصد هذا النوع إن شاء الله تعالى بألطف إشارة، وأعبر عن
مهماته الشريفة بأرشق عبارة جمعًا لفرائد الفوائد.
وأما النوع الثاني: فهو علم المكاشفة وهو نور يظهر في القلب عند تزكيته فتظهر به المعاني
المجملة فتحصل له المعرفة بالله تعالى وأسمائه وصفاته وكتبه ورسله؛ وتنكشف له الأستار عن مخبآت
الأسرار فافهم. وسلم تسلم، ولا تكن من المنكرين تهلك مع الهالكين. قال بعض العارفين: من لم
يكن له من هذا العلم شيء أخشى عليه سوء الخاتمة وأدنى النصيب منه التصديق به وتسليمه لأهله،
والله تعالى أعلم.
٢ - باب مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ
مُشْتَغِلٌ في حَدِيثِه فأتمَّ الحديثَ ثم أجابَ السائلَ
(باب من سئل) بضم السين وكسر الهمزة (علمًا) بالنصب مفعول ثانٍ (وهو مشتغل في
حديثه) جملة وقعت حالاً من الضمير، (فأتم الحديث ثم أجاب السائل) عطفه بثم لتراخيه.
٥٩ - حدثنا محمد بن سِنانٍ قال: حدَّثَنَا فُلْح. ح.
وحدَّثني إبراهيمُ بنُ المُنْذِرِ قال: حدَّثَنا محمدُ بنُ فُليْح قال: حدَّثني أبي قال: حدّثني
هِلالُ بنُ عليٍّ عن عَطاءِ بنِ يَسارٍ عنْ أبي هُرَيرةً قال: بَيْنما النبيُّ بِّهَ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القومَ
جاءَه أعرابيٌّ فقال: مَتى الساعةُ؟ فمضى رسولُ اللَّهِ وَلَهِ يُحَدِّثُ. فقالَ بعضُ القوم: سَمِعَ ما قال
فكرهَ ما قال، وقال بعضهم: بلْ لمْ يَسْمَعْ. حتى إذا قَضى حَدِيثَهُ قال: أينَ أُراهُ السائلُ عنِ الساعةِ؟
قال: ها أنا يا رسولَ اللَّهِ. قال: «فإذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانْتَظِرِ الساعةَ)). قال: كيفَ إضاعَتُها؟ قال:
((إذا وُسِّدَ الأمرُ إلى غيرِ أهلهِ فانتَظِرِ الساعةَ)). [الحديث ٥٩ - طرفه في: ٦٤٩٦].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا محمد بن سنان) بكسر السين المهملة وبالنونين أبو بكر
البصري (قال: حدّثنا فليح) بضم الفاء وفتح اللام وبسكون المثناة التحتية وفي آخره حاء مهملة وهو
لقب له واسمه عبد الملك وكنيته أبو يحيى (ح). قال البخاري: (وحدّثني) بالإفراد، وفي رواية ابن
عساكر قال: وحدّثنا (إبراهيم بن المنذر) المدني (فال: حدّثنا محمد بن فليح) المذكور (قال: حدّثني)
بالإفراد وفي رواية الأصيلي وابن عساكر وأبي الوقت: حدّثنا (أبي) فليح (قال: حدّثني) بالإفراد
(هلال بن علي) ويقال له هلال بن أبي ميمونة وهلال بن أبي هلال وهلال بن أسامة نسبة إلى جده
وقد يظن أنهم أربعة والكل واحد (عن عطاء بن يسار) مولى ميمونة بنت الحرث (عن أبي هريرة)
عبد الرحمن بن صخر أنه (قال):
(بينما) بالميم (النبي ◌َّه في مجلس يحدث القوم) أي الرجال فقط أو والنساء تبعًا لأن القوم
شامل للرجال والنساء (جاءه) أي النبي وب لير (أعرابي) الأعراب سكان البادية لا واحد له من لفظه ولم

٢٢٧
كتاب العلم/ باب ٣
يعرف اسمه نعم سماه أبو العالية فيما نقله عنه البرماوي رفيعًا، وفيه استعمال بينما بدون إذ وإذا
وهو فصيح (فقال: متى الساعة) استفهام عن الوقت التي تقوم فيه (فمضى رسول الله بص له* يحدث)
أي القوم، وفي رولمية ابن عساكر وأبي ذر عن المستملي والحموي والكشميهني يحدّثه بالهاء أي يحدّث
القوم الحديث الذي كان فيه فلا يعود الضمير المنصوب على الأعرابي (فقال بعض القوم: سمع) عليه
الصلاة والسلام (ما قال فكره ما قال) أي الذي قاله فحذف العائد (وقال بعضهم: بل لم يسمع)
قوله، وبل حرف إضراب وليه هنا جملة وهي لم يسمع فيكون بمعنى الإبطال لا العطف، والجملة
اعتراض بين فمضى وبين قوله (حتى إذا قضى) وَ لير (حديثه) فحتى إذا يتعلق بقوله فمضى يحدث
لا بقوله لم يسمع، وإنما لم يجبه عليه الصلاة والسلام لأنه يحتمل أن يكون لانتظار الوحي أو يكون
مشغولاً بجواب سائل آخر، ويؤخذ منه أنه ينبغي للعالم والقاضي ونحوهما رعاية تقدم الأسبق
فالأسبق، (قال) وَ لقر (أين أراه) بضم الهمزة أي أظن أنه قال أين (السائل عن الساعة) أي عن
زمانها، والشك من محمد بن فليح ولم يضبط همزة أراه في اليونينية، وفي رواية أين السائل وهو في
الروايتين بالرفع على الابتداء وخبره أين المتقدم وهو سؤال عن المكان بني لتضمنه حرف الاستفهام.
(قال) الأعرابي: (ها أنا) السائل (يا رسول الله) فالسائل المقدر خبر المبتدأ الذي هو أنا وها حرف
تنبيه (قال) وَلّه: (فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال) الأعرابي: (كيف إضاعتها؟ قال) عليه
الصلاة والسلام مجيبًا له: (إذا وسد) بضم الواو وتشديد السين أي جعل (الأمر) المتعلق بالدين
كالخلافة والقضاء والإفتاء (إلى غير أهله) أي بولاية غير أهل الدين والأمانات (فانتظر الساعة): الفاء
للتفريع أو جواب شرط محذوف، أي: إذا كان الأمر كذلك فانتظر الساعة، ولا يقال هي جواب إذا
وسد لأنها لا تتضمن هنا معنى الشرط. وقال ابن بطال فيه: إن الأئمة ائتمنهم الله على عباده وفرض
عليهم النصح، وإذا قلدوا الأمر لغير أهل الدين فقد ضيعوا الأمانات، وفيه: أن الساعة لا تقوم
حتى يؤتمن الخائن، وهذا إنما يكون إذا غلب الجهّال وضعف أهل الحق عن القيام به ونصرته، وفيه
وجوب تعليم السائل لقوله عليه الصلاة والسلام: أين السائل، وفيه مراجعة العالم عند عدم فهم
السائل لقوله: كيف إضاعتها، وهو ثمانيّ الإسناد ورجاله كلهم مدنيون مع التحديث بالإفراد
والجمع والعنعنة، وأخرجه المصنف أيضًا في الرقاق مختصرًا وهو مما انفرد به عن بقية الكتب الستة.
٣ - باب مَن رَفَعَ صَوْتَهُ بالعِلْم
(باب من) أي الذي (رفع صوته بالعلم) أي بكلام يدل على العلم فهو من باب إطلاق اسم
المدلول على الدال، وإلا فالعلم صفة معنوية لا يتصوّر رفع الصوت به.
٦٠ - هذّثنا أبو النُّعْمانِ عارِمُ بنُ الفَضْلِ قال: حدَّثَنا أبو عَوَانَةَ عَنْ أبي بِشْرِ عن يوسُفَ بٍ.
ماهَكَ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو قال: تَخلَفَ النبيُّ ◌َ ﴿ فِي سَفْرَةٍ سافَرْناها، فأدْرَكَنا وقد أُرْهَقَتْنا

٢٢٨
كتاب العلم/ باب ٤
الصلاةُ ونحنُ نَتَوَضَّأُ، فَجعَلْنا نَمْسَحُ على أرْجُلِنا، فنادَى بأعلىُ صَوْتِهِ: ((ويْلٌ للأعْقَابِ مِنَ النار))
مَرَّتينٍ أو ثلاثًا. [الحديث ٦٠ - طرفاه في: ٩٦، ١٦٣].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا أبو النعمان عارم بن الفضل) واسمه محمد وعارم لقبه
السدوسي البصري المتوفى سنة ثلاث أو أربع وعشرين ومائتين، وسقط عند ابن عساكر والأصيلي
وأبي ذر عارم بن الفضل (قال: حدّثنا أبو عوانة) بفتح العين المهملة الوضاح اليشكري (عن أبي بشر)
بكسر الموحدة وسكون المعجمة جعفر بن إياس اليشكري عرف بابن وحشية الواسطي الثقة المتوفى
سنة أربع وعشرين ومائة، (عن يوسف) بتثليث السين المهملة مع الهمز وتركه (ابن ماهك) بفتح
الهاء غير منصرف للعلمية والعجمة لأن ماهك بالفارسية تصغير ماه وهو القمر بالعربي، وقاعدتهم
إذا صغّروا الاسم جعلوا في آخره الكاف، وفي رواية الأصيلي ماهك بالصرف لأنه لاحظ فيه معنى
الصفة، لأن التصغير من الصفات، والصفة لا تجامع العلمية لأن بينهما تضادًّا، وحينئذ يصير الاسم
بعلة واحدة وهي غير مانعة من الصرف، وروي بكسر الهاء مصروفًا اسم فاعل من مهكت الشيء
مهكًا إذا بالغت في سحقه، وعلى قول الدارقطني: إن ماهك اسم أمه يتعين عدم صرفه للعلمية
والتأنيث، لكن الأكثرون على خلافه وأن اسمها مسيكة ابنة بهز بضم الموحدة وسكون الهاء وبالزاي
الفارسي المكي المتوفى سنة ثلاث عشرة ومائة، وقيل غير ذلك (عن عبد الله بن عمرو) أي ابن
العاصي رضي الله عنهما.
(قال تخلف) أي تأخر خلفنا (النبي) ولأبي ذر تخلّف عنّا النبي (َ﴿ في سفرة سافرناها) من
مكة إلى المدينة كما في مسلم (فأدركنا) النبي ◌َّر أي لحق بنا وهو بفتح الكاف (وقد أرهقتنا) بتأنيث
الفعل أي غشيتنا (الصلاة) بالرفع على الفاعلية أي وقت صلاة العصر كما في مسلم، وفي رواية
أرهقنا بالتذكير وسكون القاف لأن تأنيث الصلاة غير حقيقي والصلاة بالنصب على المفعولية أي
أخرناها وحينئذ فنا ضمير رفع، وفي الرواية الأولى ضمير نصب (ونحن نتوضأ) جملة اسمية وقعت
حالاً (فجعلنا) أي كدنا (نمسح) أي نغسل غسلاً خفيفًا أي مبقعًا حتى يرى كأنه مسح (على أرجلنا)
جمع رجل لمقابلة الجمع، وإلا فليس لكل إلا رجلان، ولا يقال يلزم أن يكون لكل واحد رجل
واحدة لأنّا نقول: المراد جنس الرجل سواء كانت واحدة أو اثنتين، (فنادى) عليه الصلاة والسلام
(بأعلى صوته: ويل) بالرفع على الابتداء وهي كلمة عذاب وهلاك (للأعقاب) المقصرين في غسلها أو
العقب هي المخصوصة بالعقوبة (من النار مرتين أو ثلاثًا) شك من ابن عمرو، وأل في الأعقاب
للعهد، والمراد الأعقاب التي رآها لم ينلها المطهر، ويحتمل أن لا يختصّ بتلك الأعقاب المرئية له، بل
المراد كل عقب لم يعمها الماء فتكون عهدية جنسية.
٤ - باب قولِ المحدّثِ ((حدَّثَنا)) أو ((أخبرَنا)) و((أنبأنا))
وقال لنا الحُمَيْدِيُّ: كان عندَ ابن عُيَيْنَةَ حدَّثَنا وأخبرَنا وأنبأنا وسمعتُ واحدًا. وقال ابن

٢٢٩
كتاب العلم / باب ٤
مَسْعودٍ: حدَّثنا رسولُ اللهِوَّهِ وَهُوَ الصادِقُ المَصْدوقُ. وقال شَقِيقٌ عن عبدِ اللَّهِ: سمعتُ
النبيَّ ◌َ ﴿ كلمةً. وقال حُذَيفةُ حدَّثَنَا رسولُ اللّهِ وَ هِ حَدِيثَيْن. وقال أبو العاليةِ: عن ابنِ عبّاسٍ عن
النبيِّ ◌َ ﴿ فيما يَرْوِي عنْ ربِّهِ. وقال أنسٌ: عن النبيِّ وَ﴿ يَروِيهِ عن ربِّهِ عزَّ وجلَّ. وقال أبو هُزَيرةً:
عنِ النبيِّ وَّهِ يَروِيه عن ربّكم عزَّ وجل.
(باب قول المحدث) أي الذي يحدث غيره (حدّثنا أو أخبرنا) وللأصيلي وغيره: وأخبرنا
(وأنبأنا) هل بينهما فرق أو الكل واحد؟ ولكريمة بإسقاط وأنبأنا، وللأصيلي بإسقاط وأخبرنا، وثبت
الجميع في رواية أبي ذر. (قال) لنا (الحميدي) بضم المهملة وفتح الميم فياء تصغير وياء نسبة أبو
بكر بن عبد الله بن الزبير المكي المذكور أوّل الكتاب (كان عند ابن عيينة) سفيان، وللأصيلي وكريمة
وقال لنا الحميدي، وكذا ذكره أبو نعيم في المستخرج فهو متصل، وأفاد جعفر بن حمدان النيسابوري
أن كل ما في البخاري من قال لي فلان فهو عرض أو مناولة. (حدّثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعت
واحدًا) لا فرق بين هذه الألفاظ الأربعة عند المؤلف كما يعطيه قوة تخصيصه بذكره عن شيخه
الحميدي من غير ذكر ما يخالفه، وهو مروي أيضًا عن مالك والحسن البصري ويحيى بن سعيد
القطان ومعظم الكوفيين والحجازيين، وممن رواه عن مالك إسماعيل بن أبي أويس فإنه قال: إنه
سئل عن حديث أسماع هو فقال منه سماع ومنه عرض وليس العرض عندنا بأدنى من السماع.
وقال القاضي عياض: لا خلاف أنه يجوز في السماع من لفظ الشيخ أن يقول السامع فيه حدّثنا
وأخبرنا وأنبأنا وسمعته يقول وقال لنا فلان وذكر لنا فلان، وإليه مال الطحاوي، وصحح هذا
المذهب ابن الحاجب ونقل هو وغيره أنه مذهب الأئمة الأربعة، ومنهم من رأى إطلاق ذلك حيث
يقرأ الشيخ من لفظه وتقييده حيث يقرأ عليه وهو مذهب إسحاق بن راهويه والنسائي وابن حبان
وابن منده وغيرهم. وقال آخرون بالتفرقة بين الصيغ بحسب افتراق التحمل، فلما سمع من لفظ
الشيخ سمعت أو حدّثنا، ولما قرأه على الشيخ أخبرنا، والأحوط الإفصاح بصورة الواقع فيقول إن
كان قرأ قرأت على فلان أو أخبرنا بقراءتي عليه، وإن كان سمع: قرأً عليّ فلان وأنا أسمع،
وأخبرنا فلان قراءة عليه وأنا أسمع، وأنبأنا ونبأنا بالتشديد للإجازة التي يشافه بها الشيخ من جيزه،
وهذا مذهب ابن جريج والأوزاعي وابن وهب وجمهور أهل المشرق، ثم أحدث أتباعهم تفصيلاً آخر
فمن سمع وحده من لفظ الشيخ أفرد فقال حدّثني، ومن سمع مع غيره جمع فقال حدّثنا، ومن قرأ
بنفسه على الشيخ أفرد فقال أخبرني، ومن سمع بقراءة غيره جمع فقال أخبرنا، وأما قال لنا أو قال لي
واذكر لنا وذكر لي ففيما سمع في حال المذاكرة، وجزم ابن منده بأنه للإجازة، وكذا قال أبو يعقوب
الحافظ، وقال أبو جعفر بن أحمد أنه عرض ومناولة. قال في فتح المغيث: وهو على تقدير تسليمه
منهم له حكم الاتصال أيضًا على رأي الجمهور لكنه مردود عليهم، فقد أخرج البخاري في الصوم
من صحيحه حديث أبي هريرة قال: قال: إذا نسي أحدكم فأكل أو شرب فقال فيه حدّثنا عبدان،
وأورده في تاريخه بصيغة قال لي عبدان، وأورد حديثًا في التفسير من صحيحه عن إبراهيم بن موسى

٢٣٠
كتاب العلم/ باب ٤
بصيغة التحديث، ثم أورده في الإيمان والنذور منه أيضًا بصيغة قال لي إبراهيم بن موسى في أمثلة
كثيرة. قال: وحقّقه شيخنا باستقرائه لها أنه إنما يأتي بهذه الصيغة يعني بانفرادها إذا كان المتن ليس
على شرطه في أصل موضوع كتابه كأن يقول ظاهره الوقف أو في السند من ليس على شرطه في
الاحتجاج، وذلك في المتابعات والشواهد، وإنما خصّوا قراءة الشيخ بحدّثنا لقوّة إشعاره بالنطق
والمشافهة، وينبغي ملاحظة هذا الاصطلاح لئلا يختلط المسموع بالمجاز، قال الإسفرايني: لا يجوز فيما
قرأ أو سمع أن يقول حدّثنا ولا فيما سمع لفظًا أن يقول أخبرنا، إذ بينهما فرق ظاهر، ومن لم يحفظ
ذلك على نفسه كان من المدلسين، ثم عطف المؤلف ثلاثة تعاليق يؤيد بها مذهبه في التسوية بين
الصيغ الأربعة فقال :
(وقال ابن مسعود) عبد الله رضي الله عنه (حدّثنا رسول الله وَّه وهو الصادق) في نفس الأمر
(المصدوق) بالنسبة إلى الله تعالى أو إلى الناس أو بالنسبة إلى ما قاله غيره أي جبريل له، وهذا طرف
من حديث وصله المؤلف في القدر.
(وقال شقيق) بفتح المعجمة أبو وائل السابق في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله من كتاب
الإيمان (عن عبد الله) أي ابن مسعود، وإذا أطلق كان هو المراد من بين العبادلة (سمعت النبي)
ولأبي ذر والأصيلي سمعت من النبي (َ﴿ كلمة) وهذا وصله المؤلف في الجنائز.
(وقال حذيفة) بن اليمان صاحب سرّ رسول الله وَ له في المنافقين، المتوفى بالمدائن سنة ست
وثلاثين بعد قتل عثمان رضي الله عنه بأربعين ليلة ومقول قوله: (حدّثنا رسول الله وَل﴿ حديثين)
وهذا وصله المؤلف في الرقاق، وساق التعاليق الثلاثة تنبيهًا على أن الصحابي تارة يقول حدّثنا،
وتارة يقول سمعت، فدلّ على عدم الفرق بينهما. ثم عطف على هذه الثلاثة ثلاثة أخرى فقال:
(وقال أبو العالية) بالمهملة والمثناة التحتية هو رفيع بضم الراء وفتح الفاء ابن مهران بكسر الميم
الرياحي بالمثناة التحتية والحاء المهملة، أسلم بعد موته وَل بسنتين، وتوفي سنة تسعين. وقال
العيني، كالقطب الحلبي: هو البراء بتشديد الراء نسبة لبري النبل، واسمه زياد بن فيروز القرشي
البصري المتوفى سنة تسعين. قال ابن حجر: وهو وهم فإن الحديث المذكور معروف برواية الرياحي
دونه، وتعقبه العيني بأن كل واحد منهما يروي عن ابن عباس، وترجيح أحدهما عن الآخر في
رواية هذا الحديث عن ابن عباس يحتاج إلى دليل، وبأن قوله: فإن الحديث المذكور معروف برواية
الرياحي دونه يحتاج إلى نقل عن أحد يعتمد عليه. وأجاب في انتقاض الاعتراض بأن المصنف وصله
في التوحيد، ولو راجعه العيني من هناك لما احتاج إلى طلب الدليل. (عن ابن عباس، عن النبي ◌َل
فیما یروي عن ربه) عز وجل.
(وقال أنس بن مالك رضي الله عنه (عن النبي وَّر يرويه عن ربه عز وجل) وللأصيلي فيما
يرويه عن ربه، ولأبوي ذر والوقت تبارك وتعالى بدلاً عن قوله عز وجل.

٢٣١
كتاب العلم/ باب ٤
(وقال أبو هريرة) رضي الله عنه (عن النبي وَ ي يرويه عن ربكم عز وجل) بكاف الخطاب مع
ميم الجمع، وهذه التعاليق الثلاثة وصلها المؤلف في كتاب التوحيد، وأوردها هنا تنبيهًا على حكم
المعنعن، والذي ذهب إليه هو وأئمة جمهور المحدّثين أنه موصول إذا أتى عن رواة مسمّين معروفين
بشرط السلامة واللقاء، وهو مذهب ابن المديني وابن عبد البر والخطيب وغيرهم. وعزاه النووي
للمحققين بل هو مقتضى كلام الشافعي. نعم لم يشترطه مسلم بل أنكر اشتراطه في مقدمة صحيحة
وادّعى أنه قول مخترع لم يسبق قائله إليه، وإن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديمًا
وحديثًا ما ذهب هو إليه من عدم اشتراطه لكنه اشترط تعاصرهما فقط، وإن لم يأت في خبر قط أنهما
اجتمعا وتشافها يعني تحسينًا للظن بالثقة وفيما قاله نظر يطول ذكره.
٦١ - حدّثنا قُتَيْبةُ حدّثنا إسماعيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ عنِ ابنِ عُمَرَ قال: قال
رسولُ اللَّهِ وَله: ((إنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لا يَسْقُطْ وَرَقُها، وإنَّها مَثَلُ المُسْلمِ، فَحدُثُونِي ما هِيَ؟
فَوَقَعَ الناسُ في شَجَرِ البَوادي. قال عبدُ اللَّهِ: وَوَقَع في نَفسِي أَنَّهَا النَّخْلةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ. ثمَّ قالوا:
حَدِّثْنا ما هِيَ يا رسولَ اللَّهِ. قال: هي النَّخْلة)). [الحديث ٦١ - أطرافه في: ٦٢، ٧٢، ١٣١،
٢٢٠٩، ٤٦٩٨، ٥٤٤٤، ٥٤٤٨، ٦١٣٢، ٦١٤٤].
وبالسند إلى المؤلف رحمه الله قال: (حدّثنا قتيبة) زاد فى رواية ابن عساكر ابن سعيد وقد مرّ
.قال: (حدّثنا إسماعيل بن جعفر) المذكور في باب علامة المنافق (عن عبد الله بن دينار) السابق في
باب أمور الإيمان (عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما (قال: قال رسول الله وَليه):
(إن من الشجر) أي من جنسه (شجرة) بالنصب اسم إن وخبرها الجار والمجرور ومن
للتبعيض. وقوله (لا يسقط ورقها) في محل نصب صفة لشجرة وهي صفة سلبية تبين أن موصوفها
مختص بها دون غيرها (وإنها مثل المسلم) بكسر الهمزة عطفًا على أن الأولى وبكسر ميم مثل وسكون
المثلثة كذا في رواية أبي ذر، وفي رواية الأصيلي وكريمة مثل بفتحهما كشبه وشبه لفظًا ومعنى،
واستعير المثل هنا كاستعارة الأسد للمقدام للحال العجيبة أو الصفة الغريبة كأنه قال: حال المسلم
العجيب الشأن كحال النخلة أو صفته الغريبة كصفتها فالمسلم هو المشبه والنخلة هي المشبه بها.
وقوله: (فحدّثوني) فعل أمر أي إن عرفتموها فحدّثوني (ما هي) جملة من مبتدأ وخبر سدّت مسد
مفعول التحديث (فوقع الناس في شجر البوادي) أي جعل كل منهم يفسرها بنوع من الأنواع وذهلوا
عن النخلة، (قال عبد الله) بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: (ووقع في نفسي أنها النخلة)
بالرفع خبر أن وبفتح الهمزة لأنها فاعل وقع (فاستحييت) أن أتكلم، وعنده أبو بكر وعمر وغيرهما
رضي الله عنهم هيبة منه وتوقيرًا لهم (ثم قالوا: حدّثنا) بكسر الدال وسكون المثلثة (ما هي يا رسول
الله: قال) وَلير: (هي النخلة). وعند المؤلف في التفسير من طريق نافع عن ابن عمر قال: كنا عند

٢٣٢
كتاب العلم/ باب ٥
رسول الله ﴿ه فقال: أخبروني بشجرة كالرجل المسلم لا يتحات ورقها ولا ولا ولا ذكر النفي ثلاث
مرات على طريق الاكتفاء، وقد ذكروا في تفسيره ولا ينقطع ثمرها ولا يعدم فيئها ولا يبطل نفعها.
٥ - باب طرح الإمام المَسْألةَ على أصحابِهِ لِيَخْتَبِرَ ما عِنْدَهم مِنَ العِلْم
هذا (باب طرح) بالجر للإضافة أي إلقاء (الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم) أي
ليمتحن الذي عندهم (من العلم).
٦٢ - حدثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيمانُ حدَّثَنا عبدُ اللَّهِ بنُ دِينارٍ عنِ ابنِ عُمَرَ عنٍ
النبيِّ وَّه قال: ((إنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لا يَسْقُطُ وَرَقُها وإِنَّها مَثَلُ المُسْلم، حَدُثوني ما هيَ؟ قال:
فوقَعَ الناسُ في شَجَرِ البَوادي. قال عبدُ اللَّهِ فَوقَعَ في نَفْسِي أَنَّها النَّخْلَةُ. ثمَّ قالوا: حَدْثْنَا ما هيَ يا
رسولَ اللَّهِ؟ قال: هي النَّخْلة)).
وبه قال: (حدّثنا خالد بن مخلد) بفتح الميم وسكون الخاء أبو الهيثم القطواني بفتح القاف
والطاء نسبة لموضع بالكوفة البجلي مولاهم الكوفي تكلم فيه. وقال ابن عدي: لا بأس به المتوفى في
المحرم سنة ثلاث عشرة ومائتين قال: (حدّثنا سليمان) بن بلال أبو محمد التيمي القرشي المدني الفقيه
المشهور، وكان بربريًّا حسن الهيئة وتوفي سنة اثنتين وسبعين ومائة في خلافة هارون الرشيد. قال:
(حدّثنا عبد الله بن دينار عن ابن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما (عن النبي) أنه (قال):
(إن من الشجر شجرة) زاد المؤلف في باب الفهم في العلم قال: صحبت ابن عمر إلى المدينة
فقال: كنا عند النبي وَ لغرفأتي بجمارة فقال: إن من الشجر شجرة (لا يسقط ورقها وإنها مثل)
بكسر الأوّل وسكون الثاني ويفتحهما على ما مرّ أي شبه (المسلم، حدّثوني) كذا في الرواية بغير فاء
على الأصل (ما هي؟ قال: فوقع الناس في شجر البوادي) أي ذهبت أفكارهم إليها دون النخلة،
وسقطت لفظة قال من الرواية الأولى (قال عبد الله) بن عمر رضي الله عنهما: (فوقع في نفسي)
وفي الرواية السابقة ووقع في نفسي (أنها النخلة). وفي صحيح أبي عوانة قال: فظننت أنها النخلة
من أجل الجمار الذي أتي به. زاد في رواية أبي ذر عن المستملي وأبي الوقت والأصيلي فاستحييت.
قال في رواية مجاهد عند المؤلف في باب الفهم في العلم: فأردت أن أقول هي النخلة فإذا أنا أصغر
القوم وعنده في الأطعمة فإذا أنا عاشر عشرة أنا أحدثهم، وفي رواية نافع: ورأيت أبا بكر وعمر لا
يتكلمان فكرهت أن أتكلم. (ثم قالوا: حدّثنا) المراد منه الطلب والسؤال (ما هي يا رسول الله؟ قال:
هي النخلة) ولابن عساكر حدّثنا يا رسول الله. قال: هي النخلة، وللأصيلي ثم قالوا: حدّثنا يا
رسول الله. ووجه الشبه بين النخلة والمسلم من جهة عدم سقوط الورق كما رواه الحرث بن أبي
أسامة في هذا الحديث كنا ذكره السهيلي في التعريف. وقال زاد زيادة تساوي رحلة ولفظه عن ابن
عمر قال: كنا عند رسول الله وَّ# ذات يوم فقال: إن مثل المؤمن كمثل شجرة لا يسقط لها أبلمة"
أتدرون ما هي؟ قالوا: لا. قال: هي النخلة لا يسقط لها أبلمة ولا يسقط لمؤمن دعوة فبين وجه

٢٣٣
كتاب العلم/ باب ٦
الشبه. قال ابن حجر: وعند المؤلف في الأطعمة من حديث ابن عمر بينما نحن عند النبي ◌َّ ر إذ
أتي بجمارة فقال: إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم وهذا أعمّ من الذي قبله. وبركة النخلة
موجودة في جميع أجزائها تستمر في جميع أحوالها من حين تطلع إلى حين تيبس تؤكل أنواعًا ثم ينتفع
بجميع أجزائها حتى النوى في علف الدواب والليف في الحبال وغير ذلك مما لا يخفى، وكذلك
بركة المسلم عامة في جميع الأحوال ونفعه مستمر له ولغيره. وأما من قال: إن وجه الشبه كون
النخلة خلقت من فضل طينة آدم فلم يثبت الحديث بذلك، وفائدة إعادته لهذا الحديث اختلاف
السند المؤذن بتعداد مشايخه واتساع روايته مع استفادة الحكم المترتب عليه المقتضي لدقّة نظره في
تصرفه في تراجم أبوابه، والله الموفق والمعين.
٦ - باب ما جاءَ في العِلْم، وقول الله تعالى: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْني عِلْمًا﴾
بابُ القِراءة والعَرْض على المُحَدِّثِ. ورَأى الحسَنُ وسُفيانُ ومالكٌ القراءة جائزةً. واحتجّ
بعضُهم في القراءَةِ على العالِم بحَدِيثٍ ضِمامٍ بنِ ثَعْلبةَ قال للنبيِّ بَّهِ: آللَّهُ أمَرَكَ أنْ تُصَلِّيَ
الصَّلَواتِ؟ قال: نعم. قال: فهذِهِ قِراءةٌ على النبيِّ ◌َِّ، أخبرَ ضِمامٌ قومَه بذلكَ فأجازوه. واحتجّ
مالكٌ بالصَّكْ يُقْرَأُ على القَوم فيقولونَ: أَشْهَدنا فُلانٌ، ويُقْرَأُ ذلكَ قِراءَةً عليهم. ويُقْرَأُ على المقْرِىء
فيقول القارىء: أقرأني فلان. حدَّثَنا محمدُ بنُ سَلامِ حدَّثَنا محمدُ بنُ الحسَنِ الواسِطيُّ عنْ عوفٍ
عنِ الحسَنِ قال: لا بأسَ بالقراءةِ على العالِمِ حَدَّثَنَا عُبِيدُ اللَّهِ. وأخبرَنا محمد بنٍ يوسُفَ الفِربِيُّ
وحدَّثَنا محمدُ بنُ إسْماعيلَ البخاريُّ قال: حدَّثَنَا عُبَيدُ اللَّهِ بنُ موسى عن سُفيانَ قال: إذا قرىءَ
على المحدِّثِ فلا بأس أن يَقُولَ: حدَّثَني. قال: وسمعتُ أبا عاصم يقول عن مالكٍ وسُفيانَ:
القِراءَةُ على العالِم وقِراءتُه سَواء.
(باب ما جاء في العلم وقول الله تعالى: وقل رب زدني علمًا) أي سل الله تعالى زيادة العلم
وهذا ساقط في رواية ابن عساكر والأصيلي وأبوي ذر والوقت، والباب التالي له ساقط عند الأصيلي
وأبي ذر وابن عساكر.
(باب القراءة والعرض على المحدث) وفى نسخة القراءة والعرض على المحدث بحذف الباب
أي بأن يقرأ عليه الطالب من حفظه أو كتاب أو يسمعه عليه بقراءة غيره من كتاب أو حفظ
والمحدّث حافظ للمقروء أو غير حافظ، لكن مع تتبع أصله بنفسه أو ثقة ضابط غيره واحترز به عن
عرض المناولة وهو العاري عن القراءة. وصورته: أن يعرض الطالب مروي شيخه اليقظ العارف
عليه فيتأمله الشيخ ثم يعيده عليه ويأذن له في روايته عنه. (ورأى الحسن) البصري (وسفيان) الثوري
(ومالك) أي ابن أنس إمام الأئمة (القراءة) على المحدّث (جائزة) في صحة النقل عنه خلافًا لأبي
عاصم النبيل وعبد الرحمن بن سلام الجمحي ووكيع. والمعتمد الأوّل، بل صرح القاضي عياض
بعدم الخلاف في صحة الرواية بها، وقد كان الإمام مالك يأبى أشد الإباء على المخالف ويقول:

٢٣٤
كتاب العلم/ باب ٦
كيف لا يجزيك هذا في الحديث ويجزيك في القرآن والقرآن أعظم. وقال بعض أصحابه: صحبته
سبع عشر سنة فما رأيته قرأ الموطأ على أحد بل يقرؤون عليه، وفي رواية غير الأصيلي وأبي الوقت
وابن عساكر. قال أبو عبد الله أي المؤلف سمعت أبا عاصم يذكر عن سفيان الثوري ومالك الإمام
أنهما كانا يريان القراءة والسماع جائزًا وفي رواية أبي ذر جائزة أي القراءة لأن السماع لا نزاع فيه،
ولغير أبي ذر حدّثنا عبيد الله بن موسى عن سفيان قال: إذا قرىء على المحدّث فلا بأس أن يقول
حدّثني بالإفراد وسمعت.
(واحتجّ بعضهم) هو الحميدي شيخ المؤلف أو أبو سعيد الحداد كما في المعرفة للبيهقي من
طريق ابن خزيمة (في القراءة على العالم) أي في صحة النقل عنه (بحديث ضمام بن ثعلبة) بكسر
الضاد المعجمة وثعلبة بالمثلثة ثم المهملة وبعد اللام موحدة. زاد في رواية الأصيلي وأبي ذر أنه
وسقطت لغيرهما كما في فرع اليونينية كهي (قال للنبي وَّر: آلله) بهمزة الاستفهام مرفوع مبتدأ خبره
قوله (أمرك أن) أي بأن (تصلي) بالمثناة الفوقية وفي فرع اليونينية أن نصلي بنون الجمع (الصلوات).
وفي رواية أبوي الوقت وذر عن الكشميهني الصلاة بالإفراد (قال) وَّر (نعم) أمرنا أن نصلي. قال
الحميدي: (فهذه قراءة على النبي ◌َّه) وفي رواية الأصيلي كما في الفرع فهذه قراءة على العالم (أخبر
ضمام قومه بذلك فأجازوه) أي قبلوه من ضمام وليس في الرواية الآتية من حديث أنس في قصته
أنه أخبر قومه بذلك. نعم روي ذلك من طريق آخر عند أحمد من حديث ابن عباس قال: بعث بنو
سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة الحديث، وفيه أن ضمامًا قال لقومه عندما رجع إليهم: إن الله قد
بعث رسولاً وأنزل عليه كتابًا وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه. قال: فوالله ما أمسى
من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلمًا.
(واحتج مالك) الإمام (بالصك) بفتح المهملة وتشديد الكاف الكتاب فارسي معرب يكتب فيه
إقرار المقر (يقرأ على القوم) بضم المثناة التحتية مبنيًّا للمفعول (فيقولون) أي الشاهدون لا القوم لأن
المراد منهم من يعطي الصك وهم المقرون بالديون أو غيرها فلا يصح لهم أن يقولوا: (أشهدنا فلان
ويقرأ ذلك قراءة عليهم) وفي رواية أبوي ذر والوقت: وإنما ذلك قراءة عليهم فتسوغ الشهادة
عليهم بقولهم نعم بعد قراءة المكتوب عليهم مع عدم تلفظهم بما هو مكتوب. قال ابن بطال: وهذه
حجة قاطعة لأن الإشهاد أقوى حالات الإخبار (ويقرأ) بضم أوله أيضًا (على المقرىء) المعلم للقرآن
(فيقول القارىء) عليه (أقرأني فلان) روى الخطيب البغدادي في كفايته من طريق ابن وهب قال:
سمعت مالكًا رحمه الله وقد سئل عن الكتب التي تعرض: أيقول الرجل حدّثني؟ قال: نعم كذلك
القرآن أليس الرجل يقرأ على الرجل فيقول أقرأني فلان، فكذلك إذا قرأ على العالم صحّ أن يروي عنه
انتھی .
وبالسند السابق إلى المؤلف قال: (حدّثنا محمد بن سلام) بتخفيف اللام البيكندي، قال:
(حدّثنا محمد بن الحسن) بفتح الحاء ابن عمران (الواسطي) قاضيه المتوفى سنة تسع وثمانين ومائة

٢٣٥
کتاب العلم/ باب ٦
وليس له في البخاري غير هذا (عن عوف) بفتح العين آخره فاء هو ابن أبي جميلة الأعرابي (عن
الحسن) البصري (قال: لا بأس) في صحة النقل عن المحدّث (بالقراءة على العالم) أي الشيخ.
وبه قال المؤلف: (حدّثنا عبيد الله) زاد في رواية أبوي ذر والوقت وابن عساكر ما هو ثابت
في فرع اليونينية لا في أصلها إلا في الهامش وفوقه هـ س ط.
(وأخبرنا محمد بن يوسف الفربري، وحدّثنا محمد بن إسماعيل البخاري قال: حدّثنا عبيد الله)
بضم العين وفتح الموحدة مصغر (ابن موسى) بن باذام العبسي بالمهملتين (عن سفيان) الثوري أنه
(قال: إذا قرىء) بضم القاف وكسر الراء وللأصيلي وابن عساكر: إذا قرأت، وفي رواية أبي الوقت:
إذا قرأ (على المحدّث فلا بأس) على القارىء (أن يقول حدّثني) كما جاز أن يقول أخبرني (قال) أي
المؤلف: (وسمعت) وفي رواية س قال أبو عبد الله سمعت بغير واو (أبا عاصم) هو الضحاك بن
مخلد الشيباني البصري النبيل بفتح النون وكسر الموحدة وسكون المثناة التحتية المتوفى في ذي الحجة
سنة اثنتي عشرة ومائتين (يقول عن مالك) إمام دار الهجرة (و) عن (سفيان) الثوري (القراءة على
العالم وقراءته سواء) في صحة النقل وجواز الرواية. نعم استحب مالك القراءة على الشيخ، وروى
عنه الدار قطني أنها أثبت من قراءة العالم والجمهور على أن قراءة الشيخ أرجح من قراءة الطالب عليه،
وذهب آخرون إلى أنهما سواء كما تقدم عن مذهب المؤلف ومالك وغيرهما.
٦٣ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ قال: حدَّثَنا الليثُ عنْ سعيدٍ - هو المَقْبُرِيُّ - عنْ شَرِيكِ بنِ
عبدِ اللهِ بنِ أبي نَمِرٍ أَنَّ سَمِعَ أنَسَ بنَ مالكِ يقول: ((بَيْنما نحنُ جُلوسٌّ معَ النبيِّ نََّ في المسجد
دَخَلَ رَجُل على جَمَل فأناخَهُ في المسجدِ ثمَّ عَقَلَهُ ثم قال لهم: أَيُّكُمْ محمد - والنبيُّ ◌َرْ مُتَكُىءُ
بَيْنَ ظَهْرَانيهِمْ - فقلنا: هذا الرجُلُ الأبيضُ المُتَّكِىءُ، فقال له الرجُل: ابنَ عبدِ المطّلبِ. فقال له
النبيُّ وَّهُ: قَدْ أَجَبْتُكَ: فقال الرجلُ للنبيِّ وَّر: إني سائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عليكَ في المَسْألةِ، فلا تَجِدْ
عليَّ في نَفسِكَ. فقال: سَلْ عمّا بدا لكَ. فقال: أسْألكَ بِرَبِّكَ ورَبِّ مَنْ قَبْلَك، آللَّهُ أرسلَكَ إلى
الناسِ كلِّهمْ؟ فقال: اللَّهِمَّ نَعم. قال: أنْشُدُكَ باللَّهِ، آللَّهُ أمَرَكَ أنْ نُصَلِّيَ الصَّلَواتِ الخمْسَ في اليومِ
والليلة؟ قال: اللَّهُمَّ نَعم. قال: أَنْشُدُكَ باللَّهِ، آللَّهُ أمَرَكَ أنْ تَصومَ هذا الشهرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قال: اللَّهُمَّ
نَعم. قال: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أمَرَكَ أنْ تَأْخُذَ هُذِهِ الصَّدَقةَ مِنْ أَغْنِيائنا فَتَقْسِمَها على فُقَرائنا؟ فقال
النبيُّ وَّةِ: اللَّهُمَّ نَعم. فقال الرَّجُلُ: آمَنْتُ بما جِئتَ بهِ، وأنا رسولُ مَنْ وَرائي مِن قَومي، وأنا
ضِمامُ بنُ ثَعْلبةَ أخو بني سَعْدِ بنِ بَكر)). رواه مُوسى وعليُّ بن عبد الحميدِ عن سُلَيمانَ عن ثابتٍ
عن أنسٍ عنِ النبيِّ يَّر بهذا.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: حدَّثنا الليث) بن سعد عالم مصر (عن
سعيد) بن أبي سعيد بكسر العين فيهما (هو المقبري) بضم الموحدة ولفظ هو ساقط في رواية أبي ذر

٢٣٦
كتاب العلم / باب ٦
(عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر) بفتح النون وكسر الميم القرشي المدني المتوفى سنة أربع ومائة (أنه
سمع أنس بن مالك) رضي الله عنه أي كلامه حال كونه (يقول):
(بينما) بالميم وفي نسخة بينا بغير ميم (نحن) مبتدأ خبره (جلوس مع النبي ◌َّ في المسجد)
النبوي (دخل رجل) جواب بينما، وللأصيلي، إذ دخل، لكن الأصمعي لا يستفصح إذ وإذا في
جواب بينا وبينما (على جمل فأناخه في) رحبة (المسجد) أو ساحته (ثم عقله) بتخفيف القاف أي شدّ
على ساقه مع ذراعه حبلاً بعد أن ثنى ركبته، وفي رواية أبي نعيم أقبل على بعير له حتى أتى المسجد
فأناخه ثم عقله فدخل المسجد، وفي رواية أحمد والحاكم عن ابن عباس فأناخ بعيره على باب المسجد
فعقله ثم دخل، وهذا يدل على أنه لم يدخل به المسجد وهو يرفع احتمال دلالة ذلك على طهارة
أبوال الإبل (ثم قال لهم: أيكم) استفهام مرفوع على الابتداء خبره (محمد والنبي مَلِ متكىء) بالهمزة
مستو على وطاء، والجملة اسمية وقعت حالاً (بين ظهرانيهم) بفتح الظاء المعجمة والنون أي بينهم
وزيد لفظ الظهر ليدل على أن ظهرًا منهم قدامه وظهرًا وراءه. فهو محفوف بهم من جانبيه والألف
والنون فيه للتأكيد. قاله صاحب الفائق، وقال في المصابيح: ثم زيدت الألف والنون على ظهر عند
التثنية للتأكيد ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقًا انتهى. فهو مما أريد بلفظ التثنية فيه
معنى الجمع، لكن استشكل البدر الدماميني ثبوت النون مع الإضافة. وأجيب بأنه ملحق بالمثنى لا
أنه مثنى وحذفت منه نون التثنية فصار ظهرانيهم. (فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكىء) والمراد
بالبياض هنا المشرب بحمرة كما دل عليه رواية الحرث بن أبي عمير حيث قال: الأمغر وهو مفسر
بالحمرة مع بياض صافٍ، ولا تنافي بين وصفه هنا بالبياض وبين ما ورد أنه ليس بأبيض ولا آدم
لأن المنفي البياض الخالص كلون الجص، وفي كتابي المنح من مباحث ذلك ما يكفي ويشفي، ويأتي
إن شاء الله تعالى بعون الله نكت من ذلك في الصفة النبوية من هذا المجموع. (فقال له) مليار:
(الرجل) الداخل (ابن عبد المطلب) بكسر الهمزة وفتح النون كما في فرع اليونينية، والذي رأيته في
اليونينية بهمزة وصل. وقال الزركشي والبرماوي. بفتح الهمزة للنداء ونصب النون لأنه مضاف،
وزاد الزركشي لا على الخبر ولا على سبيل الاستفهام بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: قد أجبتك.
قال: وفي رواية أبي داود يا ابن عبد المطلب، وتعقبه في المصابيح بأنه لا دليل في شيء مما ذكره على
تعيين فتح الهمزة لكن إن ثبتت الرواية بالفتح فلا كلام، وإلا فلا مانع من أن تكون همزة الوصل
التي في ابن سقطت للدرج وحرف النداء محذوف وهو في مثله قياس مطّرد بلا خلاف انتهى.
وللكشميهني يا ابن عبد المطلب بإثبات حرف النداء: (فقال له النبي وَلاير قد أجبتك) أي
سمعتك أو المراد إنشاء الإجابة، أو نزل تقريره للصحابة في الإعلام عنه منزلة النطق ولم يجبه عليه
الصلاة والسلام بنعم لأنه أخلّ بما يجب من رعاية التعظيم والأدب حيث قال: أيّكم محمد ونحو
ذلك؟ (فقال الرجل للنبي (98) وسقط قوله الرجل إلى آخر التصلية عند ابن عساكر، وسقط لفظ
الرجل فقط لأبي الوقت (إني سائلك) وفي رواية ابن عساكر أيضًا والأصيلي فقال الرجل: إني سائلك

٢٣٧
كتاب العلم/ باب ٦
(فمشدد عليك في المسألة) بكسر الدال الأولى المثقلة والفاء عاطفة على سائلك (فلا تجد) بكسر الجيم
والجزم على النهي وهي من الموجدة أي لا تغضب (علّ في نفسك. فقال) وَّلجر: (سل عما بدا) أي
ظهر (لك فقال) الرجل (أسألك بربك) أي بحق ربك (ورب من قبلك الله) بهمزة الاستفهام الممدودة
والرفع على الابتداء والخبر قوله (أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال) بَّ؟ وفي رواية قال: (اللّهمّ) أي
يا الله (نعم) فالميم بدل من حرف النداء وذكر ذلك للتبرك، وإلا فالجواب قد حصل بنعم أو استشهد
في ذلك بالله تأكيدًا لصدقه (قال) وفي رواية فقال الرجل: (أنشدك) بفتح الهمزة وسكون النون
وضم الشين المعجمة أي أسألك (بالله) والباء للقسم (آلله أمرك) بالمد (أن نصلي الصلوات الخمس)
بنون الجمع للأصيلي واقتصر عليه في فرع اليونينية ولغيره تصلي بتاء الخطاب وكل ما وجب عليه
وجب على أمته حتى يقوم دليل على الخصوصية.
وللكشميهني والسرخسي الصلاة بالإفراد أي جنس الصلاة (في اليوم والليلة قال) وَلّر (اللّهمَّ
نعم. قال) الرجل (أنشدك بالله الله) بالمد (أمرك أن تصوم) بتاء الخطاب، وللأصيلي أن نصوم بالنون
كذا في الفرع، والذي في اليونينية نصوم بالنون فقط غير مكررة (هذا الشهر من السنة) أي رمضان
من كل سنة فاللام فيهما للعهد والإشارة لنوعه لا لعينه. (قال) عليه الصلاة والسلام: (اللّهمَّ نعم
قال) الرجل: (أنشدك بالله آلله) بالمد (أمرك أن تأخذ) بتاء المخاطب أي بأن تأخذ (هذه الصدقة)
المعهودة وهي الزكاة (من أغنيائنا فتقسمها) بتاء المخاطب المفتوحة والنصب عطفًا على أن تأخذ (على
فقرائنا) من تغليب الاسم للكل بمقابلة الأغنياء أو خرج مخرج الأغلب لأنهم معظم الأصناف الثمانية
(فقال النبي ◌ِّهِ: اللّهمَّ نعم) ولم يتعرض للحج، فقال في مصابيح الجامع كالكرماني والزركشي
وغيرهما لأنه كان معلومًا عندهم في شريعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وكأنهم لم يطلعوا على ما
في صحيح مسلم، فقد وقع فيه ذكر الحج ثابتًا عن أنس، وكذا في حديث أبي هريرة وابن عباس
عنده، وقيل: إنما لم يذكره لأنه لم يكن فرض، وهذا بناء على قول الواقدي وابن حبيب إن قول
ضمام كان سنة خمس وهو مردود بما في مسلم أن قدومه كان بعد نزول النهي عن السؤال في
القرآن، وهو في المائدة ونزولها متأخر جدًّا، وبما قد علم أن إرسال الرسل إلى الدعاء إلى الإسلام
إنما كان ابتداؤه بعد الحديبية ومعظمه بعد فتح مكة وبما في حديث ابن عباس أن قومه أطاعوه
ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم، ولم يدخل بنو سعد وهو ابن بكر بن هوازن في الإسلام إلا
بعد وقعة خيبر، وكانت في شوّال سنة ثمانٍ والصواب أن قدوم ضمام كان في سنة تسع وبه جزم
ابن إسحق وأبو عبيدة وغيرهما. (فقال الرجل) المذكور لرسول الله وَ لجر (آمنت) قبل (بما) أي بالذي
(جئت به) من الوحي، وهذا يحتمل أن يكون إخبارًا، وإليه ذهب المؤلف، ورجحه القاضي عياض
وأنه حضر بعد إسلامه مستثبتًا من الرسول عليه الصلاة والسلام ما أخبره به رسوله إليهم، لأنه قال
في حديث ثابت عن أنس عند مسلم وغيره فإن رسولك زعم، وقال في رواية كريب عن ابن عباس
عند الطبراني أتتنا كتبك وأتتنا رسلك (وأنا رسول من) مبتدأ وخبر مضاف إلى من بفتح الميم (ورائي
من) بكسرها (قومي وأنا ضمام بن ثعلبة) بالمثلثة المفتوحة والمهملة والموحدة (أخو بني سعد بن بكر)

٢٣٨
كتاب العلم/ باب ٧
بفتح الموحدة أي ابن هوازن وما وقع من السؤال والاستفهام على الوجه المذكور، فمن بقايا جفاء
الأعراب الذين وسعهم حلمه عليه الصلاة والسلام، وليس في رواية الأصيلي وأنا ضمام إلى قوله
بكر. (رواه) أي الحديث السابق، وفي رواية ابن عساكر، ورواه (موسى) أي ابن إسماعيل كما في
رواية ابن عساكر وهو أبو سلمة المنقري، (و) رواه أيضًا (علي بن عبد الحميد) بن مصعب المعنيّ
بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر النون بعدها ياء نسبة إلى معن بن مالك، المتوفى في سنة
اثنتين وعشرين ومائتين كلاهما (عن سليمان) زاد في رواية أبي ذر ابن المغيرة كما في الفرع كأصله
المتوفى سنة خمسين ومائة، وللأصيلي أخبرنا سليمان (عن ثابت) البناني بضم الموحدة وبالنونين نسبة
إلى بنانة بطن من قريش أو اسم أمه بنانة واسم أبيه أسلم العابد البصري، المتوفى سنة ثلاث وعشرين
ومائة (عن أنس) رضي الله عنه (عن النبي (َّه بهذا) أي بمعناه وسقط لفظ بهذا من رواية أبي الوقت
وابن عساكر، وفي رواية مثله. وحديث موسى بن إسماعيل موصول في صحيح أبي عوانة،
وحديث علي بن عبد الحميد موصول عند الترمذي أخرجه عن المؤلف. ولما فرغ المؤلف من عرض
القراءة شرع يذكر المناولة فقال:
٧ - باب ما يُذْكَرُ في المُناوَلَةِ، وكتاب أهلِ العِلم بالعلم إلى البُلدان
وقال أنسٌ: نَسَخَ عثمانُ المَصاحِفَ فبَعثَ بها إلى الآفاقِ، ورأى عبدُ اللَّهِ بنُ عُمرَ
ويَحيى بنُ سَعيدٍ ومالكٌ ذُلكَ جائِزًا. واحتجَّ بعضُ أهلِ الحِجازِ في المُناوَلةِ بحدِيثِ النبيِّ ◌َّل
حَيثُ كَتبَ لأمِيرِ السَّرِيَّةِ كتابًا وقال: لا تَقْرَأْهُ حتَّى تَبْلِغَ مكانَ كذا وكذا، فلما بَلِغَ ذُلكَ المكانَ قَرَأَهُ
عَلَى الناسِ وأخْبَرَهُم بأمرِ النّبِيِّ ◌َ.
(باب ما يذكر) بضم الياء وفتح الكاف (في المناولة) المقرونة بالإجازة وهو أن يعطي الشيخ
الكتاب للطالب ويقول: هذا سماعي من فلان أو تصنيفي وقد أجزت لك أن ترويه عني، وهي
حالة محل السماع عند يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك والزهري فيسوغ فيها التعبير بالتحديث
والإخبار، لكنها أحطّ مرتبة من السماع عند الأكثرين، وهذه غير عرض المناولة السابق الذي هو أن
يحضر الطالب الكتاب على أن الجمهور سوّغوا الرواية بها، وتقييد المناولة باقتران الإجازة مخرج لما إذا
ناول الشيخ الكتاب للطالب من غير إجازة فإنه لا تسوغ الرواية بها على الصحيح. ثم عطف المؤلف
على قوله في المناولة قوله:
(وكتاب أهل العلم بالعلم إلى) أهل (البلدان) بضم الموحدة وأهل القرى والصحارى وغيرهما
والمكاتبة صورتها، أن يكتب المحدّث لغائب بخطه أو يأذن لثقة يكتب سواء كان لضرورة أم لا،
وسواء سئل في ذلك أم لا. فيقول بعد البسملة: من فلان ابن فلان ثم يكتب شيئًا من مرويه حديثًا
فأكثر أو من تصنيفه أو نظمه، والإذن له في روايته عنه كأن يكتب أجزت لك ما كتبته لك أو ما
كتبت به إليك ويرسله إلى الطالب مع ثقة مؤتمن بعد تحريره بنفسه أو بثقة معتمد وشده وختمه

٢٣٩
کتاب العلم/ باب ٧
احتياطًا ليحصل الأمن من توهم تغييره، هذه في القوة والصحة كالمناولة المقترنة بالإجازة كما مشى
عليه المؤلف حيث قال: ما يذكر في المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان، لكن قد رجح قوم
منهم الخطيب المناولة عليها لحصول المشافهة فيها بالإذن دون المكاتبة، وهذا وإن كان مرجحًا فالمكاتبة
أيضًا تترجح بكون الكتابة لأجل الطالب، وإذا أدى المكاتب ما تحمله من ذلك فبأي صيغة يؤدّي؟
جوّز قوم منهم الليث بن سعد ومنصور بن المعتمر إطلاق أخبرنا وحدّثنا، والجمهور على اشتراط
التقييد بالكتابة فيقول: حدّثنا أو أخبرنا فلان مكاتبة أو كتابة أو نحوهما، فإن عرت الكتابة عن
الإجازة فالمشهور تسويغ الرواية بها.
(وقال أنس) وللأصيلي أنس بن مالك كما هو موصول عند المؤلف في حديث طويل في
فضائل القرآن (نسخ) أي كتب (عثمان المصاحف) أي أمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير،
وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام أن ينسخوها. وللأصيلي عثمان بن عفان
وهو أحد العشرة المتوفى شهيد الدار يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين
وهو ابن تسعين سنة، وكانت خلافته اثنتي عشر سنة رضي الله عنه. (فبعث بها) أي أرسل عثمان
بالمصاحف (إلى الآفاق) مصحفًا إلى مكة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين،
وآخر إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وأمسك بالمدينة واحدًا. والمشهور أنها كانت خمسة. وقال الداني
أكثر الروايات على أنها أربعة. قلت: وفيما جمعته في فنون القراءات الأربع عشرة مزيد لذلك
فليراجع .
ودلالة هذا الحديث على تجويز الرواية بالمكاتبة بيِّن غير خفي، لأن عثمان أمرهم بالاعتماد على
ما في تلك المصاحف ومخالفة ما عداها. قال ابن المنير: والمستفاد من بعثه المصاحف إنما هو ثبوت
إسناد صورة المكتوب فيها إلى عثمان لا أصل ثبوت القرآن فإنه متواتر عندهم.
(ورأى عبد الله بن عمر) بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عبد الرحمن القرشي المدني
العدوي، المتوفى سنة إحدى وسبعين ومائة، أو هو عمرو بن العاص، وبالأوّل جزم الكرماني وغيره
وهو موافق لجميع نسخ البخاري حيث ضمت العين من عمر وسقطت الواو، وبالثاني قال الحافظ
ابن حجر معلّلاً بقرينة تقديمه في الذكر على يحيى بن سعيد لأن يحيى أكبر من العمري، وبأنه وجد
في كتاب الوصية لابن مندة من طريق البخاري بسند صحيح إلى أبي عبد الله الحبلي بضم المهملة
والموحدة أنه أتى عبد الله بكتاب فيه أحاديث فقال: انظر هذا الكتاب فما عرفته منه اتركه وما لم
تعرفه امحه. قال: وعبد الله يحتمل أن يكون ابن عمر بن الخطاب، فإن الحبلي سمع منه، ويحتمل أن
يكون ابن عمرو بن العاص فإن الحبلي مشهور بالرواية عنه. وتعقبه العيني بأن التقديم لا يستلزم
التعيين، فمن ادّعى ذلك فعليه بيان الملازمة، وبأن قول الحبلي أنه أتى عبد الله لا يدل بحسب
الاصطلاح إلا على عبد الله بن مسعود، وبأن عمرو بن العاص بالواو وهي ساقطة في جميع نسخ
البخاري. وأجاب في انتقاض الاعتراض بأنه لا يلزم من انتفاء الملازمة أن لا تثبت الملازمة إذا

٢٤٠
كتاب العلم/ باب ٧
وجدت القرينة وهي أن التقديم يفيد الاهتمام والاهتمام بالأسن الأوثق، وبأن الحصر الذي ادعاه
مردود، وقد صرّح الأئمة بخلافه فقال الخطيب عن أهل الصنعة: إذا قال المصري عن عبد الله
فمراده عبد الله بن عمرو بن العاص، وإذا قال الكوفي عبد الله فمراده ابن مسعود والحبلي مصري
انتھی .
(و) كذا رأى (يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني (ومالك) إمام دار الهجرة وللأصيلي مالك بن
أنس (ذلك جائزًا) أي المناولة والإجازة على حدّ قوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بين ذلك﴾ [البقرة: ٦٨] أي ما
ذكر من الفارض والبكر فأشار بذلك إلى المثنى. (واحتج بعض أهل الحجاز) هو شيخ المصنف
الحميدي (في) صحة (المناولة بحديث النبي ◌َّير حيث كتب) أي أمر بالكتابة (لأمير) وفي رواية
الأصيلي إلى أمير (السرية) عبد الله بن جحش المجدّع أخي زينب أم المؤمنين (كتابًا وقال: لا تقرأه
حتى تبلغ مكان كذا وكذا) وفي رواية عروة أنه قال: إذا سرت يومين فافتح الكتاب. وللكشميهني:
لا نقرأ بنون الجمع مع حذف الضمير ويلزم منه كون نبلغ بالنون أيضًا. (فلما بلغ ذلك المكان) وهو
نخلة بين مكة والطائف (قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النبي ◌ّي) ولم يذكره المؤلف موصولاً. نعم
وصله الطبراني بإسناد حسن وهو في سيرة ابن إسحق مرسلاً ورجاله ثقات ووجه الدلالة منه غير
خفية فإنه جاز له الإخبار بما في الكتاب بمجرد المناولة ففيه المناولة ومعنى الكتابة.
٦٤ - حدثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ اللَّهِ قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ سَعدٍ عنْ صالحِ عنِ ابنِ شِهابٍ
عنْ عُبِيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعودٍ أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عَبَّاسِ أخبرَهُ أنَّ رسولَ اللَّهِ وَِّ بعثَ
بِكتابهِ رَجُلاً وأمَرَهُ أنْ يَدْفَعَهُ إلى عظيمِ البَخْرَين، فدَفَعَهُ عظيمُ البَحْرَينِ إلى كِسْرى، فلمّا قَرأْهُ مَزَّقَهُ،
فحسِبْتُ أنَّ ابنَ المُسيَّبِ قال فدَعا عليهم رسولُ اللَّهِ وَِّ أنْ يُمَزِّقوا كُلَّ مُمَزَّق. [الحديث ٦٤.
أطرافه في: ٢٩٣٩، ٤٤٢٤، ٧٢٦٤].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) بن أبي أويس (قال حدّثني) بالإفراد
(إبراهيم بن سعد) بسكون العين سبط عبد الرحمن بن عوف (عن صالح) يعني ابن كيسان الغفاري
المدني (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بالتصغير (ابن عبد الله) بالتكبير (ابن
عتبة) بضم العين المهملة وإسكان المثناة الفوقية وفتح الموحدة (ابن مسعود أن عبد الله بن عباس)
رضي الله عنهما (أخبره):
(أن رسول الله ێ بعث بكتابه رجلاً) أي بعث رجلاً متلبسا بکتابه مصاحبًا له ورجلاً بالنصب
على المفعولية وهو عبد الله بن حذافة السهمي كما سمي في المغازي من هذا الكتاب (وأمره) وَلـ
(أن يدفعه إلى عظيم البحرين) المنذر بن ساوى بالسين المهملة وبفتح الواو والبحرين بلفظ التثنية بلد
بين البصرة وعمان وعبر بالعظيم دون ملك لأنه لا ملك ولا سلطنة للكفار (فدفعه) أي فذهب به إلى
عظيم البحرين فدفعه إليه ثم دفعه (عظيم البحرين إلى كسرى) بكسر الكاف وفتحها والكسر أفصح