النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
کتاب الإيمان/ باب ١٩
﴿ومن يبتغ غير الإسلام﴾ أي غير التوحيد والانقياد لحكم الله تعالى ﴿دينا فلن يُقبل منه﴾ [آل
عمران: ٨٥]. جواب الشرط. ووجه الدلالة على ترادفهما أن الإيمان لو كان غير الإسلام لما كان
مقبولاً، فتعين أن يكون عينه لأن الإيمان هو الدين والدين هو الإسلام لقوله تعالى: ﴿إن الدين عند
الله الإسلام﴾ فينتج أن الإيمان هو الإسلام وسقط للكشميهني والحموي من قوله: ومن يبتغ الخ.
٢٧ - حدثنا أبو اليَمانِ قال: أخبرَنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال: أخْبَرَنِي عامِرُ بنُ سَعدِ بنِ أبي
وَقّاصٍ عن سَعدٍ رضيَ اللهُ عنه ((أنَّ رسولَ اللَّهِ وَِّ أَعْطى رَهْطَا - وسعد جالسٌ - فتركَ رسولُ
اللهِ وََّ رَجُلاَ هُوَ أعْجَبُهُم إليَّ. فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ ما لَكَ عنْ فُلانٍ؟ فَوَاللَّهِ إني لأَرَاهُ مُؤْمِنًا.
فقال: أو مُسْلمًا. فَسَكتُّ قَليلاً. ثمَّ غَلَبَني ما أعْلَمُ مِنه فعُدتُ لِمَقالتي فقلتُ: ما لَكَ عن فُلانٍ؟
فوَالَّلِهِ إني لأراهُ مُؤْمِنًا فقالَ: أوْ مُسلِمًا. فَسَكتُ قَلِيلاً ثُمَّ غَلَبَنِي ما أعلَمُ منهُ فَعُدْتُ لِمَقالَتِي، وعادَ
رسولُ اللَّهِ بِهَ. ثمّ قال: يا سَعدُ، إنِّي لِأُعْطِي الرَّجُلَ وغيرُهُ أحَبُّ إليَّ منْهُ، خَشِيَةَ أنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ في
النار)). ورواه يونُسُ وصالحْ وَمَعْمَرٌ وَابنُ أخي الزُّهريّ عنِ الزُّهريّ. [الحديث ٢٧ - طرفه في:
١٤٧٨].
وبسندي الذي قدّمته أول هذا التعليق إلى المؤلف قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع
الحمصي (قال أخبرنا) وللأصيلي حدّثنا (شعيب) هو ابن أبي حمزة الأموي (عن الزهري) محمد بن
مسلم (قال أخبرني) بالإفراد (عامر بن سعد بن أبي وقاص) بتشديد القاف وسعد بسكون العين واسم
أبي وقاص مالك القرشي المتوفى بالمدينة سنة ثلاث أو أربع ومائة (عن) أبيه (سعد) المذكور أحد
العشرة المبشرة بالجنة المتوفى آخرهم بقصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة سنة سبع وخمسين،
وحمل على رقاب الرجال إلى المدينة ودفن بالبقيع، وله في البخاري عشرون حديثًا (رضي الله عنه).
(أن رسول الله وَ ل ◌ّ أعطى رهطًا) من المؤلفة شيئًا من الدنيا لما سألوه كما عند الإسماعيلي
ليتألفهم لضعف إيمانهم، والرهط: العدد من الرجال لا امرأة فيهم من ثلاثة أو سبعة إلى عشرة أو
مما دون العشرة ولا واحد له من لفظه، وجمعه أرهط وأزاهط وأرهاط وأراهيط. (وسعد جالس) جملة
اسمية وقعت حالاً ولم يقل أنا جالس كما هو الأصل، بل جرّد من نفسه شخصًا وأخبر عنه
بالجلوس أو هو من باب الالتفات من التكلم الذي هو مقتضى المقام إلى الغيبة كما هو قول صاحب
المفتاح.
قال سعد: (فترك رسول الله ﴿ ﴿ رجلاً) سأله أيضًا مع كونه أحب إليه ممن أعطى وهو
جعيل بن سراقة الضمري المهاجري (هو أعجبهم إلّ) أي أفضلهم وأصلحهم في اعتقادي، والجملة
نصب صفة لرجلاً، وكان السياق يقتضي أن يقول أعجبهم إليه لأنه قال وسعد جالس، بلى قلل إلّ
على طريق الالتفات من الغيبة إلى التكلم (فقلت يا رسول الله ما لك عن فلان) أي أيَّ سبب لعدولك
عنه إلى غيره؟ ولفظ فلان كناية عن اسم أبهم بعد أن ذكر (فوالله إني لأراه مؤمنًا) بفتح الهمزة أي
إرشاد الساري/ ج ١/ ٥ ١١

١٦٢
كتاب الإيمان/ باب ١٩
أعلمه. وفي رواية أبي ذر وغيره هنا كالزيادة لأراه بضمها بمعنى أظنه وبه جزم القرطبي في المفهم،
وعبارته الرواية بضم الهمزة وكذا رواه الإسماعيلي وغيره. ولم يجوزه النووي محتجًّا بقوله الآتي، ثم
غلبني ما أعلم منه لأنه راجع النبي وَ لّ مرارًا فلو لم يكن جازمًا باعتقاده لما كرر المراجعة. وتعقب
بأنه لا دلالة فيه على تعين الفتح لجواز إطلاق العلم على الظن الغالب نحو قوله تعالى: ﴿فإن
علمتموهنّ مؤمنات﴾ [الممتحنة: ١٠]. أي العلم الذي يمكنكم تحصيله وهو الظن الغالب بالحلف
وظهور الأمارات، وإنما سماه علمًا إيذانًا بأنه كالعلم في وجوب العمل به كما قاله البيضاوي.
وأجيب بأن قسم سعد وتأكيد كلامه بإن واللام ومراجعته للنبي وَلّ وتكرار نسبة العلم إليه يدل على
أنه كان جازمًا باعتقاده (فقال) ◌َ لّ وفي رواية الأصيلي وابن عساكر قال: (أو مسلمًا) بسكون الواو
فقط بمعنى الإضراب على قول سعد وليس الإضراب هنا بمعنى إنكار كون الرجل مؤمنًا بل معناه
النهي عن القطع بإيمان من لم يختبر حاله الخبرة الباطنة لأن الباطن لا يطّلع عليه إلا الله فالأولى
التعبير بالإسلام الظاهر بل في الحديث إشارة إلى إيمان المذكور وهي قوله لأعطي الرجل وغيره
أحب إلي منه قال سعد: (فسكت) سكوتًا (قليلاً ثم غلبني ما) أي الذي (أعلم منه فعدت) أي
فرجعت (لمقالتي) مصدر ميمي بمعنى القول أي لقولي وثبت لأبي ذر وابن عساكر فعدت وسقط
للأصيلي وأبي الوقت لفظ لمقالتي (فقلت) يا رسول الله (ما لك عن فلان فوالله إني لأراه) باللام وضم
الهمزة وكذا رواه ابن عساكر ورواه أبو ذر أراه (مؤمنًا فقال) عليه الصلاة والسلام (أو مسلمًا
فسكت) سكوتًا (قليلاً) وسقط للحموي قوله فسكت قليلاً (ثم غلبني ما) أي الذي (أعلم منه فعدت
المقالتي وعاد رسول الله وَسليه) وليس في رواية الكشميهني إعادة السؤال ثانيًا ولا الجواب عنه وإنما لم
يقبل عليه الصلاة والسلام قول سعد في جعيل لأنه لم يخرج مخرج الشهادة وإنما هو مدح له وتوسل
في الطلب لأجله ولهذا ناقشه في لفظه نعم في الحديث نفسه ما يدل على أنه عليه الصلاة والسلام
قبل قوله فيه وهو قوله (ثم قال) و له مرشدًا له إلى الحكمة في إعطاء أولئك وحرمان جعيل مع كونه
أحب إليه من أعطاه (يا سعد إني لأعطي الرجل) الضعيف الإيمان العطاء أتألف قلبه به (وغيره أحب
إلي منه) جملة حالية وفي رواية أبي ذر والحموي والمستملي أعجب إليّ منه (خشية أن يكبه الله) بفتح
المثناة التحتية وضم الكاف ونصب الموحدة بأن أي لأجل خشية كبّ الله إياه أي إلقائه منكوسًا (في
النار) لكفره إما بارتداده إن لم يعط، أو لكونه ينسب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى البخل، وأما
من قوي إيمانه فهو أحب إلي فأكله إلى إيمانه ولا أخشى عليه رجوعًا عن دينه ولا سوءًا في اعتقاده،
وفيه الكناية لأن الكب في النار من لازم الكفر فأطلق اللازم وأراد الملزوم. وفي الحديث دلالة على
جواز الحلف على الظن عند من أجاز ضم همزة أراه، وجواز الشفاعة إلى ولاة الأمور وغيرهم
ومراددة الشفيع إذا لم يؤدّ إلى مفسدة، وأن المشفوع إليه لا عتب عليه إذا رد الشفاعة إذا كانت خلاف
المصلحة، وأن الإمام يصرف الأموال في مصالح المسلمين الأهم فالأهم، وأنه لا يقطع لأحد على
التعيين بالجنة إلا العشرة المبشرة، وأن الإقرار باللسان لا ينفع إلا إذا قرن به الاعتقاد وعليه الإجماع
كما مر. واستدل به عياض لعدم ترادف الإيمان والإسلام، ولكنه لا يكون مؤمنًا إلا مسلمًا، وقد

١٦٣
کتاب الإيمان/ باب ٢٠
يكون مسلمًا غير مؤمن، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، وفيه ثلاثة رواة زهريون مدنيون وثلاثة
تابعيون يروي بعضهم عن بعض، ورواية الأكابر عن الأصاغر، وأخرجه المؤلف أيضًا في الزكاة
ومسلم في الإيمان والزكاة.
قال المؤلف: (ورواه) بواو العطف وللأربعة بإسقاطها أي هذا الحديث أيضًا (يونس) بن يزيد
الأيلي (وصالح) يعني ابن كيسان المدني (ومعمر) بفتح الميمين يعني ابن راشد البصري (وابن أخي
الزهري) محمد بن عبد الله بن مسلم المتوفى فيما جزم به النووي في سنة اثنتين وخمسين ومائة.
هؤلاء الأربعة (عن الزهري) محمد بن مسلم بإسناده كما رواه شعيب عنه، فحديث يونس موصول
في كتاب الإيمان لعبد الرحمن بن عمر الملقب رسته وهو قريب من سياق الكشميهني ليس فيه إعادة
السؤال ولا الجواب عنه. وحديث صالح موصول عند المؤلف في الزكاة. وحديث معمر عند
أحمد بن حنبل والحميدي وغيرهما عن عبد الرزاق عنه وقال فيه: أنه أعاد السؤال ثالثًا وحديث ابن
أخي الزهري عند مسلم وساق فيه السؤال والجواب ثلاث مرات، والله تعالى أعلم.
٢٠ - باب إنْشاءُ السَّلام مِنَ الإسلام.
وقال عَمَّارٌ: ثَلاثٌ مَنْ جَمعَهُنَّ فقدْ جَمَعَ الإيمانَ:
الإنصافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلامِ لِلْعَالَمَ، وَالإنْفاقُ مِنَ الإْتار
هذا (باب) بالتنوين (السلام من الإسلام) أي هذا باب بيان أن السلام من شعب الإسلام،
وفي رواية غير الأصيلي وأبي ذر وابن عساكر إفشاء السلام من الإسلام وهو بكسر الهمزة أي إذاعة
السلام ونشره (وقال عمار) أبو اليقظان بالمعجمة ابن ياسر بن عامر أحد السابقين الأوّلين المقتول
بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين مع علي ومقول قوله (ثلاث) أي ثلاث خصال (من جمعهن فقد جمع
الإيمان) أي حاز كماله أحدهما: (الإنصاف) وهو العدل (من نفسك) بأن لم تترك لمولاك حقًّا واجبًا
عليك إلا أدّيته ولا شيئًا مما نهيت عنه إلا اجتنبته وسقط لفظ فقد عند الأربعة، (و) الثاني: (بذل
السلام) بالمعجمة (للعالم) بفتح اللام أي لكل مؤمن عرفته أو لم تعرفه وخرج الكافر بدليل آخر. وفيه
حضّ على مكارم الأخلاق والتواضع واستئلاف النفوس، (و) الثالث: (الإنفاق من الإقتار) بكسر
الهمزة أي في حالة الفقر وفيه غاية الكرم لأنه إذا أنفق وهو محتاج كان مع التوسع أكثر إنفاقًا،
والإنفاق شامل للنفقة على العيال وعلى الضيف والزائر، وهذا الأثر أخرجه أحمد في كتاب الإيمان،
والبزار في مسنده، وعبد الرزاق في مصنفه، والطبراني في معجمه الكبير.
٢٨ - حدّثنا حدّثنا قُتَيْبَةُ قال: حدّثنا اللَّيْثُ عنْ يزيدَ بنِ أبي حَبيبٍ عنْ أبي الخَيرِ عن
عبد اللَّهِ بنِ عَمْرِو ((أنَّ رَجُلاَ سَأل رسولَ اللَّهِ وَ هَ: أُّ الإسْلامِ خَيرٌ؟ قال: تُطْعِمُ الطَّعامَ وَتَقْرَأُ
السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لم تَعْرِفْ)).

١٦٤
کتاب الإيمان/ باب ٢١
وبالسند إلى المؤلف قال رحمه الله تعالى: (حدّثنا قتيبة) تصغير قتبة بكسر القاف واحدة الأقتاب
وهي الأمعاء. قال الصغاني: وبها سمي الرجل قتيبة، وكنيته أبو رجاء واسمه فيما قاله ابن منده
علي بن سعيد بن جميل البغلاني نسبة إلى بغلان بفتح الموحدة وسكون المعجمة قرية من قرى بلخ
المتوفى سنة أربعين ومائتين (قال: حدثنا الليث) بن سعد (عن يزيد بن أبي حبيب) المصري (عن أبي
الخير) مرثد بفتح الميم والمثلثة (عن عبد الله بن عمرو) يعني ابن العاص رضي الله عنهما.
(أن رجلاً) هو أبو ذر فيما قيل (سأل رسول الله وَ ليل أي) خصال (الإسلام خير. قال) عليه
الصلاة والسلام: (تطعم) الخلق (الطعام وتقرأ) بفتح التاء (السلام على من عرفت ومن لم تعرف) من
المسلمين. وهذا الحديث تقدم في باب إطعام الطعام، وأعاده المؤلف هنا كعادته في غيره لما اشتمل
عليه وغاير بين شيخيه اللذين حدّثاه عن الليث مراعاة للفائدة الإسنادية وهي تكثير الطرق حيث
يحتاج إلى إعادة المتن، فإن عادته أن لا يعيد الحديث في موضعين على صورة واحدة، وقد مرّ أن
المؤلف أخرج هذا الحديث في ثلاثة مواضع، وأخرجه مسلم والنسائي.
٢١ - باب كُفْرَانِ العَشِيرِ، وكُفْرِ دُونَ كُفْرٍ .
فِيهِ أَبُو سَعيدٍ عنِ النبيِّ ◌َِّلـ
هذا (باب) بغير تنوين لإضافته لقوله: (كفران العشير) وهو الزوج كما يدل عليه السياق. قيل
له عشير بمعنى معاشر والمعاشرة المخالطة أو الألف واللام للجنس، والكفران من الكفر بالفتح وهو
الستر، ومن ثم سمي ضد الإيمان كفرًا لأنه ستر على الحق وهو التوحيد، وأطلق أيضًا على جحد
النعم، لكن الأكثرون على تسمية ما يقابل الإيمان كفرًا وعلى جحد النعم كفرانًا، وكما أن الطاعات
تسمى إيمانًا كذلك المعاصي تسمى كفرًا، لكن حيث يطلق عليها الكفر لا يراد به المخرج عن الملة،
ثم إن هذا الكفر يتفاوت في معناه كما أشار إليه المؤلف بقوله: (وكفر دون كفر) كذا للأربعة أي
أقرب من كفر، فأخذ أموال الناس بالباطل دون قتل النفس بغير حق، وفي بعض الأصول: وكفر
بعد كفر ومعناه كالأول وهو الذي في فرع اليونينية كهي لكنه ضبب عليه، وأثبت على الهامش
الأوّل راقمًا عليه علامة أبي ذر والأصيلي وابن عساكر وأصل السميساطي والجمهور على جر وكفر
عطفًا على كفران المجرور، ولأبوي ذر والوقت وكفر بالرفع على القطع وخصّ المؤلف كفران العشير
من بين أنواع الذنوب، كما قال ابن العربي لدقيقة بديعة وهي قوله عليه الصلاة والسلام: ((لو أمرت
أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)» فقرن حق الزوج على الزوجة بحق الله تعالى،
فإذا كفرت المرأة حق زوجها وقد بلغ من حقه عليها هذه الغاية كان ذلك دليلاً على تهاونها بحق الله
تعالى. وقال ابن بطال: كفر نعمة الزوج هو كفر نعمة الله لأنها من الله أجراها على يده.
وقال المؤلف رحمه الله (فيه) أي يدخل في الباب حديث رواه (أبو سعيد) سعد بن مالك
رضي الله عنه (عن النبي ◌ِّر) كما أخرجه المؤلف في الحيض وغيره من طريق عياض بن عبد الله

١٦٥
کتاب الإيمان/ باب ٢١
عنه، ولكريمة وغير الأصيلي وأبي ذر فيه عن أبي سعيد ولأبي الوقت زيادة الخدري، أي مروي عن
أبي سعيد، ونبّه بذلك على أن للحديث طريقًا غير هذه الطريق التي ساقها هنا، وزاد الأصيلي بعد
قوله وسلم کثیرًا.
٢٩ - حقثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسْلمَةَ عنْ مالِكِ عنْ زَيدِ بنِ أسْلمَ عنْ عَطاءِ بنِ يَسارٍ عنِ ابنِ
عَبَّاسٍ قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((أُرِيتُ النارَ، فإذا أكثرُ أهلِها النّساءُ يَكْفُرْنَ. قيل: أيُكفُرنَ باللَّهِ؟ قال:
يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ويَكْفُرْنَ الإحسانَ. لَوْ أحسنتَ إلى إحداهُنَّ الدَّهرَ ثمَّ رأتْ منكَ شَيئًا قالتْ: ما
رأيتُ مِنكَ خَيْرًا قَطُ)). [الحديث ٢٩ - أطرافه في: ٤٣١، ٧٤٨، ١٠٥٢، ٣٢٠٢، ٥١٩٧].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي المدني (عن مالك) يعني ابن أنس
إمام الأئمة (عن زيد بن أسلم) مولى عمر رضي الله عنه المكنى بأبي أسامة المتوفى سنة ثلاث وثلاثين
ومائة (عن عطاء بن يسار) بمثناة تحتية ومهملة مخففة القاص المدني الهلالي مولى أم المؤمنين ميمونة
المتوفى سنة ثلاث أو أربع ومائة، وقيل: أربع وتسعين (عن ابن عباس) رضي الله عنهما (قال):
(قال النبي) وفي رواية الأصيلي وابن عساكر في نسخة وأبي ذر عن النبي (مَالفوز: أريت النار)
بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول من الرؤية بمعنى أبصرت، وتاء المتكلم هو المفعول الأوّل أقيم مقام
الفاعل، والنار هو المفعول الثاني أي أراني الله النار، ولأبي ذر: ورأيت بالواو ثم راء وهمزة
مفتوحتين، وللأصيلي فرأيت بالفاء (فإذا أكثر أهلها النساء) برفع أكثر والنساء مبتدأ وخبر، وفي
رواية: رأيت النار فرأيت أكثر أهلها النساء بنصب أكثر والنساء مفعولي رأيت، ولأبوي ذر والوقت
وابن عساكر: رأيت النار بالنصب أكثر بالرفع، وفي رواية أخرى: أريت النار أكثر أهلها النساء
بحذف فرأيت، وحينئذ فقوله: أريت بمعنى أعلمت والتاء والنار والنساء مفاعيله الثلاثة وأكثر بدل
من النار (يكفرن) بمثناة تحتية مفتوحة أوّله وهي جملة مستأنفة تدل على السؤال والجواب كأنه جواب
سؤال سائل سأل يا رسول الله؟ وللأربعة بكفرهن أي بسبب كفرهن (قبل) يا رسول الله: (أيكفرن
بالله؟ قال) وَله: (يكفرن العشير) أي الزوج فأل للعهد كما سبق أو المعاشر مطلقًا فتكون للجنس
(ويكفرن الإحسان) ليس كفران العشير لذاته بل كفران إحسانه، فهذه الجملة كالبيان للسابقة وتوعده
على كفران العشير وكفران الإحسان بالنار. قال النووي: يدل على أنهما من الكبائر (لو) وفي رواية
الحموي والكشميهني إن (أحسنت إلى إحداهن الدهر) أي مدة عمرك أو الدهر مطلقًا على سبيل
الفرض مبالغة في كفرهن وهو نصب على الظرفية، والخطاب في أحسنت غير خاص بل هو عامّ
لكل من يتأتى منه أن يكون مخاطبًا فهو على سبيل المجاز، لأن الحقيقة أن يكون المخاطب خاصًّا لكنه
جاء على نحو: ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم﴾ [السجدة: ١٢].
فإن قلت: لولا امتناع الشيء لامتناع غيره فكيف صح جعل إن في الرواية الثانية موضعها،
أجيب بأن لو هنا بمعنى إن في مجرد الشرطية فقط لا بمعناها الأصلي ومثله كثير أو هو من قبيل :

١٦٦
كتاب الإيمان/ باب ٢٢
نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، فالحكم ثابت على النقيضين، والطرف المسكوت عنه أولى
من المذكور، ويسميه البيانيون ترك المعين إلى غير المعين ليعم كل مخاطب.
(ثم رأت منك شيئًا) قليلاً لا يوافق مزاجها أو شيئًا حقيرًا لا يعجبها (قالت ما رأيت منك
خيرًا قط) بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة على الأشهر ظرف زمان لاستغراق ما مضى.
وفي هذا الحديث وعظ الرئيس المرؤوس وتحريضه على الطاعة ومراجعة المتعلم العالم والتابع
المتبوع فيما قاله إذا لم يظهر له معناه، وجواز إطلاق الكفر على كفر النعمة وجحد الحق وأن المعاصي
تنقص الإيمان لأنه جعله كفرًا ولا يخرج إلى الكفر الموجب للخلود في النار، وأن إيمانهنّ يزيد بشكر
نعمة العشير، فثبت أن الأعمال من الإيمان. ورواة هذا الحديث كلهم مدنيون إلا ابن عباس مع أنه
أقام بالمدينة وفيه التحديث والعنعنة، وهو طرف من حديث ساقه في صلاة الكسوف تامًّا، وكذا
أخرجه في باب من صلى وقدّامه نار، وفي بدء الخلق في ذكر الشمس والقمر، وفي عشرة النساء،
وفي العلم. وأخرجه مسلم في العيدين.
٢٢ - باب المَعاصي مِنْ أمْر الجاهِليَّة. ولا يُكَفَّرُ صاحبُها بارْتِكابِها إلاّ بالشِّرْك،
لِقولِ النَّبِيِّ بَّهِ: ((إنَّك امرؤ فيك جاهليةٌ)) وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ
يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذُلك لِمَنْ يَشاء﴾
هذا (باب) بالتنوين وهو ساقط عند الأصيلي (المعاصي) كبائرها وصغائرها (من أمر الجاهلية)
وهي زمان الفترة قبل الإسلام وسمي بذلك لكثرة الجهالات فيه (ولا يكفر) بفتح المثناة التحتية
وسكون الكاف، وفي غير رواية أبي الوقت ولا يكفر بضمها وفتح الكاف وتشديد الفاء المفتوحة
(صاحبها بارتكابها) أي لا ينسب إلى الكفر باكتساب المعاصي والإتيان بها (إلا بالشرك) أي بارتكابه
خلافًا للخوارج القائلين بتكفيره بالكبيرة والمعتزلة القائلين بأنه لا مؤمن ولا كافر، واحترز بالارتكاب
عن الاعتقاد. فلو اعتقد حلّ حرام معلوم من الدين بالضرورة كفر قطعًا.
ثم استدل المؤلف لما ذكره فقال: (لقول النبي ◌َّل﴿ إنك امرؤ فيك جاهلية) أي إنك في تعبيره
بأمه على خُلُق من أخلاق الجاهلية ولست جاهلاً محضًا (وقول الله تعالى) ولأبي ذر والأصيلي عز
وجل ولأبي ذر عن الكشميهني، وقال الله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) أي يكفر به ولو بتكذيب
نبيه لأن من جحد نبوّة الرسول عليه الصلاة والسلام مثلاً فهو كافر ولو لم يجعل مع الله إلهًا آخر،
والمغفرة منتفية عنه بلا خلاف (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [النساء: ٤٨] فصير ما دون الشرك
تحت إمكان المغفرة، فمن مات على التوحيد غير مخلد في النار وإن ارتكب من الكبائر غير الشرك ما
عساه أن يرتكب.

١٦٧
کتاب الإيمان/ باب ٢٢
٣٠ - حدثنا سُليمانُ بنُ حَرْبِ قال: حدّثنا شُعْبةُ عن واصِلِ عنِ المَغرور قال:
لَقِيتُ أبا ذَرِّ بالرَّبَدةِ وعليهِ حُلَّ وعلى غُلامِه حُلَّة، فسألتُه عنْ ذُلكَ فقال: إنِّي سابَبْتُ رَجُلاً فَعَيَّتُه
بأُمْه، فقال لي النبيُّ ◌َ: ((يا أبا ذَرّ، أعَيَّرَتَهُ بِأُمّهِ؟ إنَّكَ امرُؤٌ فيكَ جاهِليَّة. إخْوانُكُمْ خَوَلُكُمْ،
جَعَلَهمُ اللَّهُ تحتَ أيدِيكُمْ. فَمَنْ كانَ أخوهُ تحتَ يدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ ممّا يَأْكُلُ، وَلْيَلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، ولا
تُكلّفوهمْ ما يَغْلِيُهم، فإنْ كلَّفتموهُم فأعِينوهُم)). [الحديث ٣٠ - طرفاه في: ٢٥٤٥، ٦٠٥٠].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) بالموحدة الأزدي البصري (قال: حدّثنا
شعبة) بن الحجاج (عن واصل) هو ابن حيان بالمهملة المفتوحة والمثناة التحتية المشددة، ولغير أبوي
ذر والوقت عن واصل الأحدب وللأصيلي هو الأحدب (عن المعرور) بعين مهملة وراءين مهملتين
بينهما واو، وفي رواية ابن عساكر زيادة ابن سويد (قال) ولأبي ذر عن الكشميهني وقال (لقيت أبا
ذر بالربذة) بالذال المعجمة المفتوحة وتشديد الراء جندب بضم الجيم والدال المهملة وقد تفتح ابن
جنادة بضم الجيم الغفاري السابق في الإسلام، الزاهد القائل بحرمة ما زاد من المال على الحاجة،
المتوفى بالربذة بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة منزل للحاج العراقي على ثلاث مراحل من المدينة،
وله في البخاري أربعة عشر حديثًا (وعليه) أي لقيته حال كونه عليه (حلة) بضم المهملة ولا تكون إلا
من ثوبين سميا بذلك لأن كل واحد منهما يحل على الآخر (وعلى غلامه حلة) أي وحال كون غلامه
عليه حلة ففيه ثلاث أحوال، قال في فتح الباري: ولم يسم غلام أبي ذر؛ ويحتمل أن يكون أبا
مراوح مولى أبي ذر (فسألته عن ذلك) أي عن تساويهما في لبس الحلة، وسبب السؤال أن العادة جارية
بأن ثياب الغلام دون ثياب سيده (فقال) أبو ذر رضي الله عنه: (إني ساببت) بموحدتين أي شاتمت
(رجلاً فعيّرته بأمه) بالعين المهملة أي نسبته إلى العار، وعند المؤلف في الأدب المفرد: وكانت أمه
أعجمية فنلت منها، وفي رواية فقلت له: يا ابن السوداء (فقال لي النبي وَلي: يا أبا ذر أعيّرته بأمه)؟
بالاستفهام على وجه الإنكار التوبيخي (إنك امرؤ) بالرفع خبر إن وعين كلمته تابعة للامها في
أحوالها الثلاث (فيك جاهلية) بالرفع مبتدأ قدّم خبره، ولعل هذا كان من أبي ذر قبل أن يعرف
تحريم ذلك، فكانت تلك الخصلة من خصال الجاهلية باقية عنده، ولذا قال له عليه الصلاة والسلام:
إنك امرؤ فيك جاهلية، وإلا فأبو ذر من الإيمان بمنزلة عالية، وإنما وبّخه بذلك على عظيم منزلته
تحذيرًا له عن معاودة مثل ذلك. وعند الوليد بن مسلم منقطعًا كما ذكره في الفتح أن الرجل المذكور
هو بلال المؤذن. وروى البرماوي أنه لما شكاه بلال إلى رسول الله وَ ليل قال له: ((شتمت بلالاً وعيّرته
بسواد أُمه))؟ قال: نعم. قال: ((حسبت أنه بقي فيك شيء من كبر الجاهلية)) فألقى أبو ذر خدّه على
التراب ثم قال: لا أرفع خدّي حتى يطأ بلال خدّي بقدمه. زاد ابن الملقن فوطىء خدّه اهـ.
ثم قال رسول الله وَلير: (إخوانكم) أي في الإسلام أو من جهة أولاد آدم فهو على سبيل
المجاز (خولكم) بفتح أوّله المعجم والواو أي خدمكم أو عبيدكم الذين يتخوّلون الأمور أي

١٦٨
كتاب الإيمان/ باب ٢٢
يصلحونها وقدّم الخبر على المبتدأ في قولكم إخوانكم خولكم للاهتمام بشأن الأخوة ويجوز أن يكونا
خبرين حذف من كل مبتدؤه أي هم إخوانكم هم خولكم وأعربه الزركشي بالنصب أي احفظوا
قال: وقال أبو البقاء إنه أجود لكن رواه البخاري في كتاب حسن الخلق هم إخوانكم وهو يرجح
تقدير الرفع هم (جعلهم الله تحت أيديكم) مجاز عن القدرة أو الملك أي وأنتم مالكون إياهم (فمن كان
أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس) أي من الذي يأكله ومن الذي يلبسه والمثناة التحتية
في فليطعمه وليلبسه مضمومة وفي يلبس مفتوحة، والفاء في فمن عاطفة على مقدّر أي وأنتم مالكون
إلى آخر ما مرّ، ويجوز أن تكون سببية كما في ﴿فتصبح الأرض مخضرة﴾ [الحج: ٦٣] ومن للتبعيض،
فإذا أطعم عبده مما يقتاته كأن قد أطعمه مما يأكله ولا يلزمه أن يطعمه من كل مأكوله على العموم من
الأدم وطيبات العيش، لكن يستحب له ذلك (ولا تكلفوهم ما) أي الذي (يغلبهم) أي تعجز قدرتهم
عنه والنهي فيه للتحريم (فإن كلفتموهم) ما يغلبهم (فأعينوهم) ويلحق بالعبد الأجير والخادم
والضيف والدابة. وفي الحديث النهي عن سبّ العبيد ومن في معناهم وتعييرهم بآبائهم والحث على
الإحسان إليهم والرفق بهم، وأن التفاضل الحقيقي بين المسلمين إنما هو في التقوى، فلا يفيد
الشريف النسب نسبه إذا لم يكن من أهل التقوى ويفيد الوضيع النسب بالتقوى. قال الله تعالى: ﴿إن
أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣] وجواز إطلاق الأخ على الرقيق والمحافظة على الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي رجاله بصري وواسطي وكوفيان والتحديث والعنعنة، وأخرجه
المصنف في العتق والأدب، ومسلم في الإيمان والنذور، وأبو داود والترمذي باختلاف ألفاظ
بینھم.
باب ﴿وإنْ طَائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتلوا فأصْلِحوا بَيْتَهُمَا﴾ فسمّاهُم المُؤْمِنِين
هذا (باب) بالتنوين وهو ساقط في رواية الأصيلي (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا)
[الحجرات: ٩] أي تقاتلوا والجمع باعتبار المعنى فإن كل طائفة جمع (فأصلحوا بينهما) بالنصح
والدعاء إلى حكم الله تعالى، وللأصيلي وأبي الوقت اقتتلوا الآية. (فسماهم المؤمنين) ولابن عساكر
مؤمنين مع تقاتلهم كذا في رواية الأصيلي وغيره فصل هذه الآية والحديث التالي لها بباب كما ترى،
وأما رواية أبي ذر عن مشايخه فأدخل ذلك في الباب السابق بعد قوله ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن
يشاء﴾ [النساء: ٤٨] لكن سقط حديث أبي بكرة من رواية المستملي.
٣١ - حدثنا عبدُ الرَّحْمُنِ بنُ المُبَارَكِ حَدْثنا حَمّادُ بنُ زيدٍ حدّثنا أيوبُ ويُونُسُ عنِ الحسَنِ
عنِ الأختَفِ بنِ قَيْسٍ قال: ذَهبتُ لأَنْصُرَ هذا الرَّجُلَ، فَلَقِيَني أبو بَكرةَ فقال: أينَ تُريدُ؟ قلتُ:
أنصُرُ هذا الرَّجُلَ. قال: ارْجِعْ، فإنّي سَمِعْتُ رسولَ اللّهِ وَله يقول: ((إذا الْتَّقى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهما
فالْقاتِلُ والمقتولُ في النار. فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ هذا القاتِلُ، فما بالُ المقتول؟ قال: إنه كان
حَريصًا على قتلٍ صاحبِه)). [الحديث ٣١ - طرفاه في: ٦٨٧٥، ٧٠٨٣].

١٦٩
کتاب الإیمان/ باب ٢٣
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا عبد الرحمن بن المبارك) بن عبد الله العيشي بفتح العين
المهملة وسكون المثناة التحتية وبالشين المعجمة البصري، المتوفى سنة ثمان أو تسع وعشرين ومائتين
قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم أبو إسماعيل الأزرق الأزدي البصري، المتوفى سنة تسع
وسبعين ومائة قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (ويونس) بن عبيد بن دينار البصري، المتوفى سنة تسع
وثلاثين ومائة كلاهما (عن الحسن) أبي سعيد بن أبي الحسن الأنصاري البصري المتوفى سنة ست عشرة
ومائة (عن الأحنف) من الحنف وهو الاعوجاج في الرجل بالمهملة والنون أبي بحر الضحاك (بن
قيس) بن معاوية المخضرم، المتوفى بالكوفة سنة سبع وستين في إمارة ابن الزبير أنه (قال ذهبت
لأنصر) أي لأجل أن أنصر (هذا الرجل) هو علي بن أبي طالب كما في مسلم من هذا الوجه، وأشار
إليه المؤلف في الفتن بلفظ: أريد نصرة ابن عمّ رسول الله وَ لّ وكان ذلك يوم الجمل (فلقيني أبو
بكرة) نفيع بضم النون وفتح الفاء ابن الحرث بن كلدة بالكاف واللام المفتوحتين. المتوفى بالبصرة سنة
اثنتين وخمسين، وله في البخاري أربعة عشر حديثًا (فقال: أين تريد؟ قلت) وللأصيلي فقلت: أريد
مكانًا لأن السؤال عن المكان والجواب بالفعل فيؤوّل بذلك (أنصر) أي لكي أنصر (هذا الرجل.
قال: ارجع فإني سمعت رسول الله وَّه) حال كونه (يقول: إذا التقى المسلمان بسيفيهما) فضرب كل
واحد منهما الآخر (فالقاتل والمقتول في النار) إذا كان القاتل منهما بغير تأويل سائغ أما إذا كانا
صحابيين فأمرهما عن اجتهاد وظن لإصلاح الدين فالمصيب منهما له أجران والمخطىء أجر، وإنما
حمل أبو بكرة الحديث على عمومه في كل مسلمين التقيا بسيفيهما حسمًا للمادة، وقد رجع الأحنف
عن رأي أبي بكرة في ذلك وشهد مع علي باقي حروبه، ولا يقال إن قوله فالقاتل والمقتول في النار
يشعر بمذهب المعتزلة القائلين بوجوب العقاب للعاصي، لأن المعنى أنهما يستحقان وقد يعفى عنهما
أو واحد منهما فلا يدخلان النار كما قال تعالى: ﴿فجزاؤه جهنم﴾ [النساء: ٩٣] أي جزاؤه وليس
بلازم أن يجازى. قال أبو بكرة (فقلت) وللأربعة وكريمة قلت (يا رسول الله هذا القاتل) يستحق
النار لكونه ظالمًا (فما بال المقتول) وهو مظلوم؟ (قال) وَلّر: (إنه كان حريصًا على قتل صاحبه)
مفهومه أن من عزم على المعصية بقلبه ووطن نفسه عليها أثم في اعتقاده وعزمه، ولا تنافي بين هذا
وبين قوله في الحديث الآخر ((إذا همَّ عبدي بسيئة فلم يعملها فلا تكتبوها عليه)) لأن المراد أنه لم
يوطن نفسه عليها بل مرت بفكره من غير استقرار، ورجال إسناد هذا الحديث كلهم بصريون وفيه
ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض وهم: أيوب والحسن والأحنف، واشتمل على التحديث
والعنعنة والسماع، وأخرجه المؤلف أيضًا في الفتن، ومسلم وأبو داود والنسائي.
٢٣ - باب ظُلْمٌ دُونَ ظُلْم
هذا (باب) بالتنوين (ظلم دون ظلم) أي بعضه أخف من بعض، وهذه الترجمة لفظ رواية
حديث رواه الإمام أحمد من كتاب الإيمان من حديث عطاء.

١٧٠
کتاب الإيمان/ باب ٢٣
٣٢ - حدّثنا أبو الْوَليدِ قال: حدّثنا شُعْبةُ. ح. قال: وحدّثني بِشْرّ قال: حدّثنا محمد عنْ
شُعْبةَ عنْ سُلَيمان عنْ إبراهيمَ عنْ عَلْقَمةَ عنْ عبدِ اللَّهِ قال: لمَّا نَزَلتْ ﴿الَّذِينَ آمَنوا ولم يَلْبِسوا
إيمانَهُمْ بظُلْم﴾ قال أصحابُ رسولِ اللَّهِ وَّرَ: أَيُّنا لم يَظْلِمْ نَفسَهُ؟ فأنزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
عَظيم﴾. [الحديث ٣٢ - أطرافه في: ٣٣٦٠، ٣٤٢٨، ٣٤٢٩، ٤٦٢٩، ٤٧٧٦، ٦٩١٨،
٦٩٣٧].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي الباهلي البصري
السابق (قال: حدثنا شعبة) بن الحجاج (ح) مهملة (قال: وحدّثني) بالإفراد (بشر) كذا في فرع
اليونينية كهي، وفي بعض الأصول وهو لكريمة ح. وحدّثني بشر قال في الفتح: فإن كانت - يعني
الحاء المفردة - من أصل التصنيف فهي مهملة مأخوذة من التحويل على المختار، وإن كانت مزيدة من
بعض الرواة فيحتمل أن تكون مهملة كذلك أو معجمة مأخوذة من البخاري لأنها رمزه، أي قال
البخاري: وحدثني بشر، لكن في بعض الروايات المصححة وحدّثني بواو العطف من غير حاء
قبلها، وبشر بكسر الموحدة وسكون المعجمة، وفي رواية ابن عساكر بن خالد أبو محمد العسكري
كما في فرع اليونينية كهي المتوفى أبو بشر المذكور سنة ثلاث وخمسين ومائتين (قال: حدّثنا محمد)
وفي رواية ابن عساكر محمد بن جعفر كما في الفرع أيضًا كاليونينية الهذلي البصري المعروف بغندر
المتوفى فيما قاله أبو داود سنة ثلاث وتسعين ومائة (عن شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران
الأعمش الأسدي الكاهلي الكوفي، ولد يوم قتل الحسين يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وعند
المؤلف سنة ستين المتوفى سنة ثمان ومائة (عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعي أبي عمران الكوفي
الفقيه الثقة، وكان يرسل كثيرًا، المتوفى وهو مُتَفٍ من الحجاج سنة ست وتسعين وهو من الخامسة
(عن علقمة) بن قيس بن عبد الله، المتوفى سنة اثنتين وستين، وقيل: وسبعين (عن عبد الله) بن
مسعود رضي الله عنه.
(قال لما نزلت) زاد الأصيلي قال: لما نزلت هذه الآية: (﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم))
﴿أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام: ٨٢] وقوله: بظلم أي عظيم أي لم يخلطوه بشرك إذ لا
أعظم من الشرك، وقد ورد التصريح بذلك عند المؤلف من طريق حفص بن غياث عن الأعمش
ولفظه: قلنا يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ قال: ليس كما تقولون بل لم يلبسوا إيمانهم بظلم بشرك
ألم تسمعوا إلى قول لقمان فذكر الآية الآتية، لكن منع التيمي تصوّر خلط الإيمان بالشرك وحمله على
عدم حصول الصفتين لهم كفر متأخر عن إيمان متقدّم. أي: لم يرتدوا أو المراد أنهم لم يجمعوا بينهما
ظاهرًا وباطنًا أي لم ينافقوا وهذا أوجه. (قال أصحاب رسول الله) وللأصيلّ النبي (مَّ أينا لم يظلم
نفسه) مبتدأ وخبر والجملة مقول القول (فأنزل الله) ولأبي ذر والأصيلي، فأنزل الله عز وجل عقب
ذلك (إن الشرك لظلم عظيم) إنما حملوه على العموم لأن قوله بظلم نكرة في سياق النفي، لكن
عمومها هنا بحسب الظاهر. قال المحققون: إن دخل على النكرة في سياق النفي ما يؤكد العموم

١٧١
کتاب الإيمان/ باب ٢٤
ويقوّيه نحو: من في قوله: ما جاءني من رجل أفاد تنصيص العموم، وإلا فالعموم مستفاد بحسب
الظاهر كما فهمه الصحابة من هذه الآية، وبيّن لهم النبي وَّ أن ظاهره غير مراد، بل هو من العام
الذي أريد به الخاص، والمراد بالظلم أعلى أنواعه وهو الشرك، وإنما فهموا حصر الأمن والاهتداء
فيمن لم يلبس إيمانه حتى ينتفيا عمن لبس من تقديم لهم على الأمن في قوله لهم الأمن أي: لهم لا
لغيرهم ومن تقديم وهم على مهتدون. وفي الحديث أن المعاصي لا تسمى شركًا وأن من لم يشرك
بالله شيئًا فله الأمن وهو مهتدٍ. لا يقال: إن العاصي قد يعذب فما هذا الأمن والاهتداء الذي
حصل له؟ لأنه أجيب بأنه آمن من التخليد في النار مهتدٍ إلى طريق الجنة انتهى.
وفيه أيضًا: أن درجات الظلم تتفاوت كما ترجم له، وأن العامّ يطلق ويراد به الخاصّ،
فحمل الصحابة ذلك على جميع أنواع الظلم، فبين الله تعالى أن المراد نوع منه، وأن المفسر يقضي على
المجمل، وأن النكرة في سياق النفي تعم، وأن اللفظ يحمل على خلاف ظاهره لمصلحة دفع
التعارض.
وفي إسناده رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض وهم: الأعمش عن شيخه إبراهيم
النخعي عن خاله علقمة بن قيس والثلاثة كوفيون فقهاء، وهذا أحد ما قيل فيه إنه أصح الأسانيد،
وأمن تدليس الأعمش بما وقع عند المؤلف فيما مرَّ في رواية حفص بن غياث عنه حدّثنا إبراهيم،
وفيه التحديث بصورة الجمع والإفراد والعنعنة، وأخرج متنه المؤلف أيضًا في باب أحاديث الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام وفي التفسير، ومسلم في الإيمان والترمذي.
ولما فرغ المؤلف من بيان مراتب الكفر والظلم وأنها متفاوتة عقبه بأن النفاق كذلك فقال:
٢٤ - باب عَلاماتِ المنافق
هذا (باب علامات المنافق) جمع علامة وهي ما يستدل به على الشيء، وعدل عن التعبير بآيات
المنافق المناسب للحديث المسوق هنا للعلامات موافقة لما ورد في صحيح أبي عوانة، ولفظ باب ساقط
عند الأصيلي، والجمع في العلامات رواية الأربعة. والنفاق لغة مخالفة الظاهر للباطن فإن كان في
اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر، وإلا فهو نفاق العمل ويدخل فيه الفعل والترك وتتفاوت مراتبه،
ولفظ المنافق من باب المفاعلة وأصلها أن تكون بين اثنين لكنها هنا من باب خادع وطارق.
٣٣ - حدثنا سُليمانُ أبو الرَّبيع قال: حدّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ قال: حدّثنا نافِعُ بنُ مالكِ بنِ
أبي عامرٍ أبو سُهَيلٍ عن أبيه عن أبي هُرَيرةً عن النبيِّ ◌ََّ قال: «آيَةُ المُنافِقِ ثلاثٌ: إذا حَدَّثَ
كَذَب، وإذا وَعَدَ أخْلَفَ، وإذا اثْتُمِنَ خان)). [الحديث ٣٣ - أطرافه في: ٢٦٨٢، ٢٧٤٩،
٦٠٩٥].
١٠

١٧٢
کتاب الإیمان/ باب ٢٤
وبالسند إلى المصنف قال: (حدّثنا سليمان أبو الربيع) بن داود الزهراني العتكي المتوفى بالبصرة
سنة أربع وثلاثين ومائتين (قال: حدّثنا إسماعيل بن جعفر) هو ابن أبي كثير الأنصاري الزرقي
مولاهم المدني قارىء أهل المدينة الثقة الثبت وهو من الثامنة المتوفى ببغداد سنة ثمانين ومائة (قال:
حدّثنا نافع بن مالك بن أبي عامر أبو سهيل) الأصبحي التيمي المدني من الرابعة المتوفى بعد الأربعين
(عن أبيه) مالك جدّ إمام الأئمة المتوفى سنة اثنتي عشرة ومائة (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن
النبي ◌َّخير) أنه (قال):
(آية المنافق) أي علامته واللام للجنس وكان القياس جمع المبتدأ الذي هو آية ليطابق الخبر الذي
هو (ثلاث) وأجيب: بأن الثلاث اسم جمع ولفظه مفرد على أن التقدير آية المنافق معدودة بالثلاث.
وقال الحافظ ابن حجر: الإفراد على إرادة الجنس أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث. قال:
والأوّل أليق بصنيع المؤلف ولهذا ترجم بالجمع انتهى. وتعقبه العلامة العيني فقال: كيف يراد الجنس
والتاء فيها تمنع ذلك لأن التاء فيها كالتاء في تمرة، فالآية والآي كالتمرة والتمر. قال: وقوله إنما
تحصل باجتماع الثلاث يشعر بأنه إذا وجد فيه واحد من الثلاث لا يطلق عليه منافق وليس كذلك بل
يطلق عليه اسم المنافق، غير أنه إذا وجد فيه الثلاث كلها يكون منافقًا كاملاً. وأجيب بأنه مفرد
مضاف فیعم کأنه قال: آياته ثلاث.
(إذا حدّث) في كل شيء (كذب) أي أخبر عنه بخلاف ما هو به قاصدًا للكذب (وإذا وعد)
بالخير في المستقبل (أخلف) فلم يَفِ وهو من عطف الخاص على العامّ، لأن الوعد نوع من التحديث
وكان داخلاً في قوله: وإذا حدّث ولكنه أفرده بالذكر معطوفًا تنبيهًا على زيادة قبحه.
۔۔
فإن قلت: الخاص إذا عطف على العامّ لا يخرج من تحت العامّ وحينئذ تكون الآية اثنتين لا
ثلاثًا. أجيب: بأن لازم الوعد الذي هو الإخلاف الذي قد يكون فعلاً ولازم التحديث الذي هو
الكذب الذي لا يكون فعلاً متغايرًا فبهذا الاعتبار كان الملزومان متغايران وخلف الوعد لا يقدح إلا
إذا كان العزم عليه مقارنًا للوعد، أما لو كان عازمًا ثم عرض له مانع أو بدا له رأي فهذا لم يوجد
منه صورة النفاق. وفي حديث الطبراني ما يشهد له حيث قال: إذا وعد وهو يحدّث نفسه أنه
يخلف، وكذا قال في باقي الخصال. وإسناده لا بأس به وهو عند الترمذي وأبي داود مختصرًا بلفظ:
إذا وعد الرجل أخاه ومن نيّته أن يَفِي له فلم يَفِ فلا إثم عليه وهذا في الوعد بالخير، أما الشر
فیستحب إخلافه وقد يجب.
(و) الثالثة من الخصال (إذا ائتمن) على صيغة المجهول من الائتمان أمانة (خان) بأن تصرف
فيها على خلاف الشرع. ووجه الاقتصار على هذا الثلاث أنها منبهة على ما عداها إذ أصل عمل
الديانة منحصر في ثلاث: القول والفعل والنية، فنبّه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل
بالخيانة، وعلى فساد النيّة بالخلف، وحينئذ فلا يعارض هذا الحديث بما وقع في الآتي بلفظ: أربع
من كنّ فيه، وفيه: وإذا عاهد غدر إذ هو معنى قوله: وإذا ائتمن خان لأن الغدر خيانة.

١٧٣
کتاب الإیمان/ باب ٢٤
فإن قلت: إذا وجدت هذه الخصال في مسلم فهل يكون منافقًا؟ أجيب: بأنها خصال نفاق لا
نفاق فهو على سبيل المجاز أو المراد نفاق العمل لا نفاق الكفر أو مراده من اتصف بها وكانت له
ديدنًا وعادة، ويدل عليه التعبير بإذا المفيدة لتكرار الفعل أو هو محمول على من غلبت عليه هذه
الخصال وتهاون بها واستخف بأمرها، فإن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالبًا أو مراده الإنذار
والتحذير عن ارتكاب هذه الخصال، وأن الظاهر غير مراد أو الحديث وارد في رجل معين وكان
منافقًا ولم يصرح عليه الصلاة والسلام به على عادته الشريفة في كونه لا يواجههم بصريح القول بل
يشير إشارة كقوله: ما بال أقوام ونحوه، أو المراد المنافقون الذين كانوا في الزمن النبوي. ورجال
إسناد هذا الحديث كلهم مدنيون إلا أبا الربيع، وفيهم تابعي عن تابعي، وفيه التحديث والعنعنة،
وأخرجه المؤلف أيضًا في الوصايا والشهادات والأدب، ومسلم في الإيمان والترمذي والنسائي.
٣٤ - حدثنا قبيصةُ بنُ عُقْبةَ قال: حدّثنا سُفْيانُ عنِ الأعمشِ عنْ عبدِ اللهِ بنِ مُرّةَ عنْ
مَسْروقٍ عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو أنَّ النبيَّ ◌َّهِ قال: ((أربعٌ مَنْ كُنَّ فيهِ كان مُنافِقًا خالصًا، وَمَنْ كانتْ
فيهِ خَصْلةٌ مِنهنَّ كانتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النفاقِ حتى يَدَعَهَا: إذا اثْتُمِنَ خان، وإذا حدَّثَ كَذَبَ، وإذا
عاهَدَ غَدرَ، وإذا خاصَم فجَرَ .
تابعه شُعبةُ عنِ الأعمش. [الحديث ٣٤ - طرفاه في: ٢٤٥٩ - ٣١٧٨].
وبه قال المؤلف: (حدّثنا قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة وسكون المثناة التحتية وفتح المهملة
(ابن عقبة) بضم المهملة وسكون القاف وفتح الموحدة ابن محمد أبو عامر السوائي الكوفي المختلف
في توثيقه من جهة كونه سمع من سفيان الثوري صغيرًا، فلم يضبط فهو حجة إلا فيما رواه عنه،
لكن احتجاج البخاري به في غير موضع كافٍ. وقول أحمد إنه ثقة لا بأس به لكن كثير الغلط
معارض بقول أبي حاتم لم أرَ من المحدّثين من يحفظ ويأتي بالحديث على لفظ واحد ولا يغيره سوى
قبيصة وأبي نعيم اهـ. وتوفي في المحرم سنة ثلاث عشرة. وقال النووي: سنة خمس عشرة ومائتين.
(قال: حدّثنا سفيان) بتثليث سينه ابن سعيد بن منصور أبو عبد الله الثوري أحد أصحاب المذاهب
الستة المتبوعة، المتوفى سنة ستين ومائة بالبصرة متواريا من سلطانها وكان يدلس (عن الأعمش)
سليمان (عن عبد الله بن مرة) بضم الميم وتشديد الراء الهمداني بسكون الميم الكوفي التابعي الخارفي
بالخاء المعجمة وبالراء والفاء، المتوفى سنة مائة (عن مسروق) يعني ابن الأجدع بالجيم والمهملتين ابن
مالك الهمداني الكوفي الحضرمى المتفق على جلالته، المتوفى سنة ثلاث أو اثنتين وستين (عن
عبد الله بن عمرو) يعني ابن العاصي رضي الله عنهما (أن النبي ◌َّ قال):
(أربع) أي أربع خصال أو خصال أربع مبتدأ خبره (من كنّ فيه كان منافقًا خالصًا) أي في
هذه الخصال فقط لا فى غيرها أو شديد الشبه بالمنافقين، ووصفه بالخلوص يؤيد قول من قال: إن
المراد بالنفاق العملي لا الإيماني أو النفاق العرفي لا الشرعي، لأن الخلوص بهذين المعنيين لا يستلزم

١٧٤
كتاب الإيمان/ باب ٢٤
٣٦ - حدّثنا حَرَمِيُّ بنُ حَفْصٍ قال: حدّثنا عبدُ الواحِدِ قال: حدّثنا عُمارةُ قال: حدّثنا أبو
زُزْعةً بنُ عَمرِو بنِ جَرِيرٍ قال: سمعتُ أبا هُرَيرةَ عن النبيِّ وَهَ قال: ((انْتَدبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ في
سَبِيلِهِ - لا يُخْرِجُه إلاّ إيمانْ بِي وَتَصْدِيقٌ برُسُلي - أنْ أُرْجِعَهُ بما نال مِنْ أجْرٍ أو غَنِيمة، أوْ أُدْخِلَهُ
الجَنَّة. وَلَوْلا أنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتي ما فَعَدْتُ خَلْفَ سِرِيَّةٍ، ولَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ ثمَّ أُخْيا،
ثمَّ أُقتَلُ ثُمَّ أُخيا، ثم أُقتَل)). [الحديث ٣٦- أطرافه في: ٢٧٨٧، ٢٧٩٧، ٢٩٧٢، ٣١٢٣،
٧٢٢٦، ٧٢٢٧، ٧٤٥٧، ٧٤٦٣].
وبالسند إلى البخاري قال: (حدّثنا حرمي بن حفص) أي ابن عمر العتكي بفتح المهملة والمثناة
الفوقية نسبة إلى العتيك بن الأسد القسملي بفتح القاف وسكون المهملة، وفتح الميم نسبة إلى قسملة
وهو معاوية بن عمرو أو إلى القساملة قبيلة من الأزد البصري ثقة من كبار العاشرة، وانفرد به
المؤلف عن مسلم، وتوفي سنة ثلاث أو ست وعشرين ومائتين (قال: حدّثنا عبد الواحد) بن زياد
العبدي نسبة إلى عبد القيس البصري الثقفي نسبة إلى ثقيف، المتوفى سنة سبع وسبعين ومائة (قال
حدّثنا عمارة) بضم العين المهملة ابن القعقاع بن شبرمة الكوفي الضبي نسبة إلى ضبة بن أدّ بن
طابخة (قال حدّثنا أبو زرعة) هرم أو عبد الرحمن أو عمرو أو عبد الله (بن عمرو) وفي رواية غير
أبي ذر والأصيلي بزيادة (ابن جرير) البجلي بفتح الموحدة والجيم نسبة إلى بجيلة بنت صعب (قال:
سمعت أبا هريرة رضي الله عنه (عن النبي بَير أنه قال):
(انتدب الله) بنون ساكنة ومثناة فوقية مفتوحة ودال مهملة كذلك في آخره بموحدة. وقال
الحافظ ابن حجر في رواية الأصيلي: هنا انتدب بمثناة تحتية مهموزة بدل النون من المأدبة وهو
تصحيف وقد وجّهوه بتكلف، لكن إطباق الرواة على خلافه مع اتحاد المخرّج كاف في تخطئته انتهى.
وعزاها القاضي عياض لرواية القابسي، وأما رواية انتدب بالنون فهو من ندبت فلانًا لكذا فانتدب
أي أجاب إليه. وفي القاموس وندبه إلى الأمر دعاه وحثّه أو معناه تكفل، كما رواه المؤلف في
أواخر الجهاد أو سارع بثوابه وحسن جزائه، وللأصيلي وكريمة انتدب الله عز وجل (لمن خرج في
سبيله) حال كونه (لا يخرجه إلا إيمان) وفي رواية إلا الإيمان (بي وتصديق برسلي) بالرفع فيهما
فاعل لا يخرجه والاستثناء مفرغ، وإنما عدل عن به الذي هو الأصل إلى بي للالتفات من الغيبة إلى
التكلم، وقول ابن مالك في التوضيح كان الأليق إيمان به ولكنه على تقدير حال محذوف أي قائلاً لا
يخرجه إلا إيمان بي، ولا يخرجه مقول القول لأن صاحب الحال على هذا التقدير هو الله. ردّه ابن
المرحل فقال: أساء في قوله كان الأليق، وإنما هو من باب الالتفات ولا حاجة إلى تقدير حال لأن
حذف الحال لا يجوز حكاه الزركشي وغيره.
وقال في المصابيح: ما ذكره من عدم جواز حذف الحال ممنوع، فقد ذكر ابن مالك من
شواهده هنا قوله تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا﴾

١٧٥
كتاب الإيمان/ باب ٢٤
[البقرة: ١٢٧] أي قائلين. وقوله تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم﴾
[الرعد: ٢٣] أي قائلين سلام عليكم. وقوله تعالى: ﴿يستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل
شيء﴾ [غافر: ٧] أي قائلين. قال ابن المرحل: وإنما هو من باب الالتفات، وقال الزركشي:
الأليق أن يقال عدل عن ضمير الغيبة إلى الحضور يعني أن الالتفات يوهم الجسمية فلا يطلق في
كلام الله تعالى، وهذا خلاف ما أطبق عليه علماء البيان. وذكر الكرماني قوله: أو تصديق برسلي
بلفظ أو واستشكله لأنه لا بدّ من الأمرين الإيمان بالله والتصديق برسله. وأجاب بما معناه أن أو
بمعنى الواو أو أن الإيمان بالله مستلزم لتصديق رسله وتصديق رسله مستلزم للإيمان بالله. وتعقبه
الحافظ ابن حجر بأنه لم يثبت في شيء من الروايات بلفظ أو اهـ.
نعم. وجدته في أصل فرع اليونينية كهي أو بالألف قبل الواو وعلى الألف لا س علامة
سقوط الألف عند من رقم له بالسين وهو ابن عساكر الدمشقي، ومقتضاه ثبوتها عند غيره فليتأمل
مع كلام ابن حجر، وفوق الواو جزمة سوداء ونصبة بالحمرة، وكذا وجدته أيضًا بالألف في متن
البخاري من النسخة التي وقفت عليها من تنقيح الزركشي، وكذا في نسخة كريمة، وعند
الإسماعيلي كمسلم إلا إيمانًا بالنصب مفعول له أي لا يخرجه المخرج إلا الإيمان والتصديق.
(أن أرجعه) بفتح الهمزة من رجع وأن مصدرية والأصل بأن أرجعه أي يرجعه إلى بلده، وفي
نسخة كريمة وقف الآثار أرجعه بهمزة مضمومة ظاهرها أنها كانت نصبة فأصلحتها ضمة (بما نال
من أجر) أي بالذي أصابه من النيل وهو العطاء من أجر فقط إن لم يغنموا (أو) أجر مع (غنيمة) إن
غنموا أو أن أو بمعنى الواو كما رواه أبو داود بالواو بغير ألف، وعبَّر بالماضي موضع المضارع في
قوله: نال لتحقق وعده تعالى (أو) أن (أدخله الجنة) عند دخول المقربين بلا حساب ولا مؤاخذة
بذنوب إذ تكفرها الشهادة أو عند موته لقوله: ﴿أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران: ١٦٩]
(ولولا أن أشق) أي لولا المشقة (على أمتي ما قعدت خلف) بالنصب على الظرفية أي ما قعدت بعد
(سرية) بل كنت أخرج معها بنفسي لعظم أجرها ولولا امتناعية وأن مصدرية في موضع رفع
بالابتداء وما قعدت جواب لولا وأصله لما فحذفت اللام، والمعنى امتنع عدم القعود وهو القيام
لوجود المشقة وسبب المشقة صعوبة تخلفهم بعده ولا قدرة لهم على المسير معه لضيق حالهم، قال
ذلك وَلّ شفقة على أمته جزاه الله عنا أفضل الجزاء. (ولوددت) عطفًا على ما قعدت واللام للتأكيد
أو جواب قسم محذوف أي: والله لوددت أي أحببت (أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم
أُحيا ثم أُقتل) بضم الهمزة في كلٌّ من أحيا وأقتل وهي خمسة ألفاظ. وفي رواية الأصيلي أن أقتل
بدل أني، ولأبي ذر فأقتل ثم أحيا فأقتل كذا في اليونينية وختم بقوله ثم أقتل، والقرار إنما هو على
حالة الحياة لأن المراد الشهادة فختم الحال عليها أو الاحياء للجزاء من المعلوم فلا حاجة إلى ودادته
لأنه ضروري الوقوع، وثم للتراخي في الرتبة أحسن من حملها على تراخي الزمان لأن المتمنى
حصول مرتبة بعد مرتبة إلى الانتهاء إلى الفردوس الأعلى.

١٧٦
کتاب الإیمان/ باب ٢٥
الكفر الملقي في الدرك الأسفل من النار. (ومن كانت فيه خصلة منهن كانت) وللأصيلي في نسخة
كان (فيه خصلة من النفاق حتى يدعها) حتى يتركها (إذا ائتمن) شيئًا (خان) فيه (وإذا حدّث كذب)
في كل ما حدّث به (وإذا عاهد) عهدًا (غدر) أي ترك الوفاء بما عاهد عليه (وإذا خاصم فجر) في
خصومته أي مال عن الحق وقال الباطل، وقد تحصل من الحديثين خمس خصال الثلاثة السابقة في
الأوّل والغدر في المعاهدة والفجور في الخصومة فهي متغايرة باعتبار تغاير الأوصاف واللوازم،
ووجه الحصر فيها أن إظهار خلاف ما في الباطن إما في الماليات وهو ما إذا ائتمن، وإما في غيرها
وهو إما في حالة الكدورة فهو إذا خاصم، وإما في حالة الصفاء فهو إما مؤكد باليمين فهو إذا عاهد
أو لا فهو إما بالنظر إلى المستقبل فهو إذا وعد، وإما بالنظر إلى الحال فهو إذا حدّث، لكن هذه
الخمسة في الحقيقة ترجع إلى الثلاث لأن الغدر في العهد منطوٍ تحت الخيانة في الأمانة، والفجور في
الخصومة داخل تحت الكذب في الحديث. ورجال هذا الحديث كلهم كوفيون إلا الصحابي على أنه
قد دخل الكوفة أيضًا، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض والتحديث والعنعنة، وأخرجه
المؤلف أيضًا في الجزية، ومسلم في الإيمان وأصحاب السنن.
ثم قال المؤلف (تابعه) أي تابع سفيان الثوري (شعبة) بن الحجاج في رواية هذا الحديث (عن
الأعمش) وقد وصل المؤلف هذه المتابعة في كتاب المظالم، ومراده بالمتابعة هنا كون الحديث مرويًّا من
طريق أخرى عن الأعمش، والمتابعة هنا ناقصة لكونها ذكرت في وسط الإسناد لا في أوّله.
ولما ذكر المؤلف كتاب الإيمان الجامع لبيان باب السلام من الإسلام وأردفه بخمسة أبواب
استطرادًا لما فيها من المناسبة وضمنها علامات النفاق رجع إلى ذكر علامات الإيمان فقال:
٢٥ - باب قِيامُ ليلةِ القَدْرِ مِنَ الإيمان
هذا (باب) بالتنوين وهو ساقط في رواية الأصيلي (قيام ليلة القدر من الإيمان) أي من شعبه.
٣٥ - حدثنا حدّثنا أبو اليمانِ قال: أخبرَنا شُعَيبٌ قال: حدّثنا أبو الزنادِ عن الأعرجِ عنْ أبي
هُريرةَ قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّرَ: ((مَنْ يَقُمْ ليلةَ القَدْرِ إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ لهُ ما تَقدَّمَ مِنْ ذَنْبِه)).
[الحديث ٣٥ - أطرافه: ٣٧، ٣٨، ١٩٠١، ٢٠٠٨، ٢٠٠٩، ٢٠١٤].
وبالسند المذكور أوّلاً إلى المصنف قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع البهراني بفتح
الموحدة الحمصي الثقة الثبت من العاشرة. يقال: إن أكثر حديثه عن شعيب مناولة، المتوفى سنة اثنتين
وعشرين ومائتين (قال: أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (قال: حدّثنا أبو الزناد) بالنون عبد الله بن
ذكوان القرشي (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني (عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (قال:
قال رسول الله اَليات):

١٧٧
کتاب الإیمان/ باب ٢٦
(من يقم ليلة القدر) للطاعة (إيمانًا) أي تصديقًا بأنه حق وطاعة (واحتسابًا) لوجهه تعالى لا
للرياء ونحوه ونصبًا على المفعول له، وجوّز أبو البقاء فيما حكاه البرماوي أن يكونا على الحال
مصدرًا بمعنى الوصف أي مؤمنًا محتسبًا (غفر له ما تقدم من ذنبه) أي غير الحقوق الآدمية، لأن
الإجماع قائم على أنها لا تسقط إلا برضاهم، وفيه الدلالة على جعل الأعمال إيمانًا لأنه جعل القيام
إيمانًا وليلة نصب مفعول به لا فيه، وجملة غفر له جواب الشرط. وقد وقع ماضيًا، وفعل الشرط
مضارعًا، وفي ذلك نزاع بين النحاة والأكثرون على المنع، واستدل القائلون بالجواز بقوله تعالى:
﴿إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت﴾ [الشعراء: ٤] لأن قوله فظلت بلفظ الماضي وهو تابع
للجواب. وتابع الجواب جواب، وإنما عبَّر بالمضارع في الشرط في قيام ليلة القدر، وبالماضي في
قيام رمضان وصيامه في البابين اللاحقين لأن قيام رمضان وصيامه محقّقا الوقوع فجاءا بلفظ يدل
عليه بخلاف قيام ليلة القدر فإنه غير متيقن، فلهذا ذكره بلفظ المستقبل وقاله الكرماني. وقال غيره:
استعمل لفظ الماضي في الجزاء مع أن المغفرة في زمن الاستقبال إشارة إلى تحقق وقوعه على حد
قوله: ﴿أتى أمر الله﴾ [النحل: ١] وقد روى النسائي الحديث عن محمد بن علي بن ميمون عن أبي
اليمان شيخ المصنف بلفظ ((من يقم ليلة القدر يغفر له)) فلم يغاير بين الشرط والجزاء. قال في
الفتح: فظهر أنه من تصرف الرواة فلا يستدل به للقول بجواز التغاير في الشرط والجزاء. وعند أبي
نعيم في مستخرجه ((لا يقوم أحدكم ليلة القدر فيوافقها إيمانًا واحتسابًا إلا غفر له)). وقوله: فيوافقها
زيادة بيان وإلاّ فالجزاء مرتب على قيام ليلة القدر ولا يصدق قيامها إلا على من يوافقها. وقوله: يقم
بفتح الياء من قام يقوم وقع هنا متعدّيًا، ويدل له حديث الشيخين مرفوعًا ((من قامه إيمانًا واحتسابًا
غفر له ما تقدم من ذنبه)).
ومن لطائف إسناد هذا الحديث ما قيل إن أصح أسانيد أبي هريرة أبو الزناد عن الأعرج عنه،
وأخرجه المؤلف أيضًا في الصيام مطوّلاً، وكذا أبو داود والترمذي والنسائي ومالك في موطئه.
ولما كان التماس ليلة القدر يستدعي محافظة زائدة ومجاهدة تامة ومع ذلك فقد يوافقها وقد لا
يوافقها، وكان هذا المجاهد يلتمس الشهادة ويقصد إعلاء كلمة الله تعالى ناسب أن يعقب المؤلف هذا
الباب بفضل الجهاد استطرادًا فقال:
٢٦ - باب الجِهادُ مِنَ الإيمان
هذا (باب) بالتنوين (الجهاد من الإيمان) أي شعبة من شعبه أو أنه كالأبواب السابقة في أن
الأعمال أيمان لأنه لما كان الإيمان هو المخرج له في سبيله تعالى كان الخروج أيمانًا تسمية للشيء
باسم سببه، والجهاد قتال الكفار لإعلاء كلمة الله، ولفظ باب ساقط في رواية الأصيلي.
إرشاد السماء/ ٠ ١٢٠/١

١٧٨
کتاب الإيمان/ باب ٢٧
فإن قلت: تمنّه عليه الصلاة والسلام أن يقتل يقتضي تمني وقوع زيادة الكفر لغيره وهو ممنوع
للقواعد. أجيب: بأن مراده عليه الصلاة والسلام حصول ثواب الشهادة لا تمنّي المعصية للقاتل.
وفي الحديث استحباب طلب القتل في سبيل الله وفضل الجهاد، ورجاله ما بين بصري وكوفي خالٍ
عن العنعنة وليس فيه إلا التحديث والسماع، وأخرجه المؤلف أيضًا في الجهاد، وكذا مسلم
والنسائي.
٢٧ - باب تَطَوُّعُ قيامِ رَمَضانَ مِنَ الإيمان
هذا (باب) بالتنوين (تطوّع قيام رمضان) بالطاعة في لياليه (من الإيمان) أي من شعبه والتطوع
تفعل ومعناه التكلف بالطاعة، والمراد هنا التنفل وهو رفع بالابتداء مضاف لتاليه، ورمضان ممنوع من
الصرف للعلمية والألف والنون، وفي نسخة بفرع اليونينية باب تطوع قيام رمضان بغير تنوين مضافًا
للاحقه، وفي رواية أبي ذر قيام شهر رمضان ولفظ باب ساقط في رواية الأصيلي.
٣٧ - حدثنا إسماعيلُ قال: حدَّثَني مالكٌ عن ابن شِهابٍ عنْ حُمَيدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ عنْ
أبي هُرَيرَةَ أنَّ رسولَ اللّهِ وَ له قال: ((مَنْ قَامَ رَمَضانَ إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ لهُ ما تَقدَّم مِنْ ذَتْبِه)).
وبالسند إلى البخاري قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أُويس المدني الأصبحي (قال: حدّثني)
بالإفراد (مالك) يعني اين أنس إمام الأئمة وهو خاله (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن
حميد بن عبد الرحمن) بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة أبو إبراهيم القرشي المدني الزهري الثقة
وهو من الثانية وأمه أم كلثوم بنت عقبة أخت عثمان بن عفان لأمه المتوفى بالمدينة سنة خمس
وتسعين. قال العيني وقيل سنة خمس ومائة. قال الحافظ ابن حجر في التقريب: بل هو الصحيح
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله وَ ل قال):
(من قام) بالطاعة صلاة التراويح أو غيرها من الطاعات في ليالي (رمضان) حال كون قيامه
(إيمانًا) أي مؤمنًا بالله مصدقًا به (و) حال كونه (احتسابًا) أي محتسبًا والمعنى مصدقًا ومريدًا به وجه
الله تعالى بخلوص نيته (غفر له ما تقدم من ذنبه) من الصغائر، وفي فضل الله وسعة كرمه ما يؤذن
بغفران الكبائر أيضًا وهو ظاهر السياق، لكنهم أجمعوا على التخصيص بالصغائر كنظائره من إطلاق
الغفران في أحاديث لما وقع من التقييد في بعضها بما اجتنبت الكبائر وهي لا تسقط إلا بالتوبة أو
الحد. وأجيب عن استشكال مجيء الغفران في قيام رمضان وفي صومه وليلة القدر وكفّارة صوم يوم
عرفة سنتين وعاشوراء سنة وما بين الرمضانين إلى غير ذلك مما ورد به الحديث فإنها إذا كفرت بواحد
فما الذي يكفره الآخر بأن كلاً يكفر الصغائر، فإذا لم توجد بأن كفرها واحد مما ذكر أو غفرت
بالتوبة أو لم تفعل للتوفيق المنعم به رفع له بعمله ذلك درجات وكتب له به حسنات أو خفّف عنه
بعض الكبائر كما ذهب إليه بعضهم وفضل الله واسع. ورواة هذا الحديث كلهم أئمة أجلاء

١٧٩
کتاب الإیمان/ باب ٢٨ و٢٩
مدنيون، وفيه التحديث بصيغة الإفراد والجمع والعنعنة، وأخرجه المؤلف في الصيام أيضًا، ومسلم
وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والموطأ وغيرهم.
٢٨ - باب صَوْم رَمَضانَ اخْتِسابًا مِنَ الإيمان
هذا (باب) بالتنوین وهو ساقط عند الأصیلي (صوم رمضان) حال کونه (احتسابًا) أي محتسبًا
(من الإيمان) ولم يقل إيمانًا للاختصار أو لاستلزام الاحتساب الإيمان.
٣٨ - حدثنا ابنُ سَلام قال: أخبرنا محمدُ بن فُضَيلِ قال: حدّثنا يحيى بنُ سَعيدٍ عنْ أبي
سَلَمَةَ عنْ أبي هُرَيرةَ قال: قال رسولُ اللَّهِ وَله: ((مَنْ صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ لهُ ما تَقدَّم
مِنْ ذَنْه».
وبالسند إلى المؤلف قال رحمه الله: (حدّثنا ابن سلام) بالتخفيف على الصحيح وهو رواية ابن
عساكر البيكندي وفي رواية للأصيلي وابن عساكر محمد بن سلام (قال: أخبرنا) وللأصيلي وكريمة
حدّثنا (محمد بن فضيل) بضم الفاء وفتح المعجمة ابن غزوان الضبي مولاهم الكوفي المتوفى سنة تسع
وخمسين ومائة (قال: حدّثنا يحيى بن سعيد) الأنصاري قاضي المدينة (عن أبي سلمة) عبد الله بن
عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (قال: قال رسول الله (وَلِيرٍ):
(من صام رمضان) كله عند القدرة عليه أو بعضه عند عجزه ونيّته الصوم لولا المانع حال كون
صيامه (إيمانًا و) حال كونه (احتسابًا) أي مؤمنًا محتسبًا بأن يكون مصدقًا به راغبًا في ثوابه طيب
النفس به غير مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه (غفر له ما تقدم من ذنبه) الصغائر تخصيصًا للعامّ
بدليل آخر كما سبق ورمضان نصب على الظرفية وأتى باحتسابًا بعد إيمانًا مع أن كلاً منهما يلزم
الآخر للتوكيد، ويأتي ما في البابين من المباحث في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى.
ولما تضمن ما ذكره من الأحاديث الترغيب في القيام والصيام والجهاد أراد أن يبين أن الأولى
للعامل بذلك أن لا يجهد نفسه بحيث يعجز بل يعمل بتلطف وتدريج ليدوم عمله ولا ينقطع فقال:
٢٩ - باب الدِّينُ يُسْر، وقولُ
النبيِّ ◌َّهِ: ((أحبُّ الدِّينِ إلى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحة))
هذا (باب) بالتنوين وسقط لفظ باب للأصيلي (الدين) أي دين الإسلام بالنسبة إلى سائر
الأديان (يسر) أي ذو يسر (وقول النبي وَّه) بجر قول، وفي فرع اليونينية وقول بالرفع فقط على
القطع (أحب) خصال (الدين) المعهود وهو دين الإسلام (إلى الله) الملّة (الحنيفية) أي المائلة عن الباطل
إلى الحق (السمحة) أي السهلة الإبراهيمية وأحب الدين مبتدأ خبره الحنيفية المخالفة لأديان بني
إسرائيل وما يتكلفه أحبارهم من الشدائد، وأحب بمعنى محبوب لا بمعنى محب، وإنما أخبر عنه

١٨٠
کتاب الإيمان/ باب ٢٩
وهو مذكر بمؤنث وهو الحنيفية لغلبة الاسمية عليها لأنها علم على الدين أو لأن أفعل التفضيل
المضاف لقصد الزيادة على ما أُضيف إليه يجوز فيه الإفراد والمطابقة لمن هو له. وهذا التعليق أسنده
ابن أبي شيبة فيما قاله الزركشي والبخاري في الأدب المفرد، وأحمد بن حنبل فيما قاله الحافظ ابن
حجر وغيره، وإنما استعمله المؤلف في الترجمة لأنه ليس على شرطه ومقصوده: أن الدين نبع على
الأعمال لأن الذي يتّصف بالعسر واليسر إنما هو الأعمال دون التصديق.
٣٩ - حدثنا عبدُ السَّلامِ بنُ مُطَهَّرٍ قال: حدَّثنا عُمَرُ بنُ عَلِيٍّ عنْ مَعْنِ بنِ محمدِ الغِفاريِّ عنْ
سَعيدِ بنِ أبي سَعيدِ المَقْبُريّ عنْ أبي هُرَيرةً عنِ النبيِّ وَّهِ قال: ((إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشاذَّ: هَذَا
الدِّينَ أحَدٌ إلاّ غَلَبَه، فَسَدِّدوا وقارِبوا، وأبْشِروا، واسْتَعِينوا بالغَذْوَةِ والرَّوْحةِ وشيءٍ منَ الدُّلْجة)).
[الحديث ٣٩ - أطرافه في: ٥٦٧٣، ٦٤٦٣، ٧٢٣٥].
وبالسند قال: (حدّثنا عبد السلام بن مطهر) بالطاء المهملة والهاء المشددة المفتوحتين ابن حسام
الأزدي البصري المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين (قال: حدّثنا عمر بن علي) يعني ابن عطاء وعين
عمر مضمومة المقدمي البصري وكان يدلس تدليسًا شديدًا يقول: حدّثنا وسمعت ثم يسكت ثم يقول
هشام بن عروة الأعمش وتوفي سنة تسعين ومائة (عن معن بن محمد) بفتح الميم وسكون العين
المهملة واسم جده معن أيضًا (الغفاري) بكسر الغين المعجمة نسبة إلى غفار الحجازي.
فإن قلت: ما حكم حديث رواية عمر بن علي المدلس بالعنعنة عن معن؟ أجيب: بأنها محمولة
على ثبوت سماعه من جهة أخرى كجميع ما في الصحيحين عن المدلسين انتهى.
(عن سعيد بن أبي سعيد) واسمه كيسان (المقبري) بفتح الميم وضم الموحدة نسبة إلى مقبرة
بالمدينة كان مجاورًا بها المدني أبي سعد بسكون العين المتوفى بعد اختلاطه بأربع سنين سنة خمس
وعشرين ومائة وكان سماع معن عن سعيد قبل اختلاطه وإلا لما أخرجه المؤلف (عن أبي هريرة)
رضي الله عنه (عن النبي ◌َِّي) أنه (قال):
(إن الدين يسر) أي ذو يسر. قال العيني: وذلك لأن الالتئام بين الموضوع والمحمول شرط،
وفي مثل هذا لا يكون إلا بالتأويل أو هو اليسر نفسه كقول بعضهم في النبي ◌َّقو: إنه عين الرحمة
مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧] كأنه لكثرة الرحمة المودعة فيه
صار نفسها، والتأكيد بأن فيه ردّ على منكر يسر هذا الدين فإما أن يكون المخاطب منكرًا أو على
تقدير تنزيله منزلته أو على تقدير المنكرين غير المخاطبين أو لكون القصة مما يهتم بها (ولن يشاد هذا)
كذا في اليونينية بغير رقم (الدين) وللأصيلي ولن يشاد الدين (أحد) بالشين المعجمة وإدغام سابق
المثلين في لاحقه من المشادة وهي المغالبة أي لا يتعمق أحد في الدين ويترك الرفق (إلا غلبه) الدين
وعجز وانقطع عن عمله كله أو بعضه، ويشادَّ منصوب بلن والدين نصب بإضمار الفاعل أي لن
يشاذّ الدين أحد، ورواه كذلك ابن السكن، وكذا هو في بعض روايات الأصيلي كما نبهوا عليه