النص المفهرس
صفحات 121-140
بسم الله الرحمن الرحيم
٢ - كتاب الإيمان
بكسر الهمزة وهو لغة التصديق، وهو كما قاله التفتازاني إذعان لحكم المخبر وقبوله وجعله
صادقًا، إفعال من الأمن كأن حقيقة آمن به أمنه التكذيب والمخالفة، يعدّى باللام كما في قوله تعالى
حكاية عن يوسف: ﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾ [يوسف: ١٧] أي مصدق لنا، وبالباء كما في
قوله {وَلجر: ((الإيمان أن تؤمن بالله)). الحديث. فليس حقيقة التصديق أن يقع في القلب نسبة
التصديق إلى الخبر أو المخبر من غير إذعان وقبول، بل هو إذعان وقبول لذلك بحيث يقع عليه اسم
التسليم على ما صرَّح به الإمام الغزالي. والكتاب من الكتب وهو الجمع والضم، ومن ثم استعمل
جامعًا للأبواب والفصول الجامعة للمسائل، والضم فيه بالنسبة إلى الحروف المكتوبة حقيقة، وبالنسبة
إلى المعاني المرادة منها مجاز. ولم يقل في الأول كتاب بدء الوحي لأنه كالمقدمة، ومن ثم بدأ به لأن
من شأن المقدمة كونها أمام المراد، وأيضًا فإن من الوحي عرف الإيمان وغيره.
١ - باب قولِ النبيِّ بَّهِ (بُنِيَ الإِسلامُ عَلى خَمْس))
وهو قولٌ وفِعلٌ. ويَزِيدُ ويَنْقُصُ. قال الله تعالى: ﴿لِيَزْدادوا إيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ - وزِذْنَاهُمْ
هُدَى - ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهتَدَوا هُدَى - والَّذِينَ اهتَدَوا زادَهُمْ هُدَى وآتَاهُمْ تَقْواهُمْ - ويَزْداد الذينَ
آمَنوا إيمانًا﴾ وقولُه: ﴿أَيُّكُمْ زادَتْهُ هُذهِ إيمانًا فأمّا الذينَ آمَنوا فزادتهم إيمانًا﴾ وقولُه جلَّ ذِكرُهُ:
﴿فَاخْشَوْهِمْ فزادَهم إيمانًا﴾ وقولُه تعالى: ﴿وما زادَهُمْ إلا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾. والحُبُّ في اللَّهِ
والبُغْضُ في اللَّهِ مِنَ الإيمان. وكَتبَ عُمَرُ بنُ عبدِ العزيز إلى عَدِيٍّ بنِ عَدِيٍّ: إنَّ للإيمانِ فَرائضَ
وشَرائعَ وحُدودًا وسُنَنًا، فَمَنِ اسْتَكْمَلها اسْتَكْمَل الإيمان، ومَنْ لم يَسْتَكْمِلْها لم يَسْتَكْمِل الإيمانَ.
فإن أعِشْ فسأُبيّنها لكم حتى تعملوا بها، وإنْ أمُتْ فما أنا على صُحْبَتِكم بحريص. وقال إبراهيمُ:
١٢٢
كتاب الإيمان/ باب ١
﴿ولكنْ لِيَطْمَئن قلبي﴾. وقال مُعَاذٌ: اجْلِسْ بنا نُؤْمِنْ ساعةً. وقال ابنُ مَسْعودٍ: اليقينُ الإيمانُ
كلُّه. وَقال ابنُ عُمَرَ: لا يَبلُغُ العَبْدُ حقيقةَ التَّقْوىُ حتى يَدَعَ ما حاكَ في الصَّذْر. وقال مُجاهِدٌ:
﴿شَرَعَ لَكُم ... ﴾: أوصَيْنَاكَ يا محَمدُ وإيّاهُ دِينًا واحِدًا. وقال ابنُ عَبّاسِ: ﴿شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجًا﴾:
سَبیلاً وسنّة.
هذا (باب قول النبي ◌َّ﴾) في الحديث الموصول الآتي تامًّا إن شاء الله تعالى.
(بُنِيَ الإسلام على خمس). وفي فرع اليونينية كهي، كتاب الإيمان، وقول النبي ◌َّر. وفي
أخرى باب الإيمان وقول النبي، والأول أصح لأن ذكر الإيمان بعد ذكر كتاب الإيمان لا طائل تحته
كما لا يخفى، وسقط لفظ باب عند الأصيلي. والإسلام لغة الانقياد والخضوع، ولا يتحقق ذلك إلا
بقبول الأحكام والإذعان، وذلك حقيقة التصديق كما سبق، قال الله تعالى: ﴿فأخرجنا من كان فيها
من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ [الذاريات: ٣٥] فالإيمان لا ينفك عن الإسلام
حكمًا فهما متحدان في الصدق وإن تغايرا بحسب المفهوم، إذ مفهوم الإيمان تصديق القلب،
ومفهوم الإسلام أعمال الجوارح، وبالجملة لا يصح في الشرع أن يحكم على أحد بأنه مؤمن وليس
بمسلم أو مسلم وليس بمؤمن، ولا نعني بوحدتهما سوى هذا. ومن أثبت التغاير فقد يقال له ما
حكم من آمن ولم يسلم أو أسلم ولم يؤمن، فإن أثبت لأحدهما حكمًا ليس بثابت للآخر فقد ظهر
بطلان قوله، فإن قيل قوله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾
[الحجرات: ١٤]. صريح في تحقيق الإسلام بدون الإيمان. أجيب بأن المراد أنهم انقادوا في
الظاهر اهـ.
(وهو) أي الإيمان المبوَّب عليه عند المصنف كابن عيينة والثوري وابن جريح ومجاهد ومالك بن
أنس وغيرهم من سلف الأمة وخلفها من المتكلمين والمحدثين: (قول) باللسان وهو النطق
بالشهادتين. (وفعل)، ولأبي ذر عن الكشميهني وعمل بدل فعل، وهو أعمّ من عمل القلب
والجوارح، لتدخل الاعتقادات والعبادات. وهو موافق لقول السلف اعتقاد بالقلب ونطق باللسان
وعمل بالأركان. وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط كماله. وقال المتأخرون ومنهم الأشعرية وأكثر
الأئمة كالقاضي ووافقهم ابن الراوندي من المعتزلة هو تصديق الرسول عليه السلام بما علم مجيئه
ضرورة، وتفصيلاً فيما علم تفصيلاً، وإجمالاً فيما علم إجمالاً تصديقًا جازمًا مطلقًا، سواء كان لدليل
أم لا، قال الله تعالى: ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقال عليه الصلاة
والسلام: ((اللّهمَّ ثبّت قلبي على دينك)). وإذا ثبت أنه فعل القلب وجب أن يكون عبارة عن مجرد
التصديق، وقد خرج بقيد الضرورة ما لم يعلم بالضرورة أنه جاء به كالاجتهادات، وبالجازم التصديق
الظني، فإنه غير كافٍ. وقيل هو المعرفة، فقوم بالله وهو مذهب جهم بن صفوان، وقوم بالله وبما
جاء به الرسول إجمالاً وهو منقول عن بعض الفقهاء. وقال الحنفية التصديق بالجنان والإقرار
١٢٣
كتاب الإيمان/ باب ١
باللسان، قال العلامة التفتازاني: إلا أن التصديق ركن لا يحتمل السقوط أصلاً، والإقرار قد يحتمله
كما في حالة الإكراه.
فإن قلت: التصديق قد يذهل عنه كما في حالة النوم والغفلة، أجيب: بأن التصديق باقٍ في
القلب والذهول إنما هو عن حصوله. وذهب جمهور المحققين إلى أنه هو التصديق بالقلب وإنما
الإقرار شرط لإجراء الأحكام في الدنيا، كما أن تصديق القلب أمر باطني لا بدّ له من علامة اهـ.
وقال النووي: اتفق أهل السُّنّة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين أن المؤمن الذي يحكم بأنه من
أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا عن
الشكوك ونطق مع ذلك بالشهادتين، فإن اقتصر على أحدهما لم يكن من أهل القبلة أصلاً بل يخلد في
النار، إلا أن يعجز عن النطق لخلل في لسانه أو لعدم التمكّن منه لمعالجة المنية أو لغير ذلك، فإنه
حينئذ يكون مؤمنًا بالاعتقاد من غير لفظ اهـ.
وقال الكرامية: النطق بكلمتي الشهادة فقط، وقال قوم العمل. وذهب الخوارج والعلاف
وعبد الجبار إلى أنه الطاعة بأسرها فرضًا كانت أو نفلاً. وذهب الجبائي وابنه وأكثر المعتزلة البصرية إلى
أنه الطاعات المفترضة من الأفعال والتروك دون النوافل. وقال الباقون منهم العمل والنطق
والاعتقاد. والفارق بينه وبين قول السلف السالف أنهم جعلوا الأعمال شرطًا في الكمال، والمعتزلة
جعلوها شرطًا في الصحة فهذه ثمانية أقوال، خمسة منها بسيطة والأول والثامن مركب ثلاثي
والرابع مركب ثنائي، ووجه الحصر أن الإيمان لا يخرج بإجماع المسلمين عن فعل القلب وفعل
الجوارح، فهو حينئذ إما فعل القلب فقط وهو المعرفة على الوجهين أو التصديق المذكور، وإما فعل
الجوارح فقط وهو فعل اللسان وهو الكلمتان، أو غير فعل اللسان وهو العمل بالطاعة المطلقة أو
المفترضة. وإما فعل القلب والجوارح معًا، والجارحة إما اللسان وحده أو جميع الجوارح، وهذا كله
بالنظر إلى ما عند الله تعالى. أما بالنظر إلى ما عندنا فالإيمان هو الإقرار فقط، فإذا أقرّ حكمنا بإيمانه
اتفاقًا، نعم النزاع واقع في نفس الإيمان والكمال فإنه لا بدّ فيه من الثلاثة إجماعًا فمن أقرَّ بالكلمة
جرت عليه الأحكام في الدنيا ولم يحكم بكفره، إلا إن اقترن به فعل كالسجود لصنم، فإن كان غير
دالّ عليه كالفسق، فمن أطلق عليه الإيمان فبالنظر إلى إقراره، ومن نفى عنه الإيمان فبالنظر إلى
كماله، ومن أطلق عليه الكفر فبالنظر إلى أنه فعل الكافر، ومن نفاه عنه فبالنظر إلى حقيقته. وأثبت
المعتزلة الواسطة فقالوا الفاسق لا مؤمن ولا كافر.
(و) إذا تقرر هذا فاعلم أن الإيمان (يزيد) بالطاعة (وينقص) بالمعصية كما عند المؤلف وغيره،
وأخرجه أبو نعيم كذا بهذا اللفظ في ترجمة الشافعي من الحلية، وهو عند الحاكم بلفظ الإيمان قول
وعمل ويزيد وينقص، وكذا نقله اللالكائي في كتاب السُّنّة عن الشافعي، وأحمد بن حنبل،
وإسحاق بن راهويه، بل قال به من الصحابة عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن
١٢٤
کتاب الإيمان/ باب ١
مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وابن عباس، وابن عمر، وعمارة، وأبو هريرة، وحذيفة،
وعائشة وغيرهم، ومن التابعين كعب الأحبار، وعروة، وطاوس، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم.
وروى اللالكائي أيضًا بسند صحيح عن البخاري قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء
بالأمصار فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص. وأما توقف مالك
رحمه الله عن القول بنقصانه فخشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج، ثم استدل المؤلف على زيادة
الإيمان بثمان آيات من القرآن العظيم مصرّحة بالزيادة، وبثبوتها يثبت المقابل، فإن كل قابل للزيادة
قابل للنقصان ضرورة فقال :
(قال) وفي رواية الأصيلي وقال (الله تعالى) بالواو في سورة الفتح، ولأبي ذر: عز وجل
(ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم) وقال تعالى في الكهف: (وزدناهم هدى) أي بالتوفيق والتثبيت وهذه الآية
ساقطة في رواية ابن عساكر كما في فرع اليونينية كهي، والآية الثالثة في مريم: (ويزيد الله) بالواو،
وفي رواية ابن عساكر يزيد الله، وفي أخرى للأصيلي، وقال: ويزيد الله (الذين اهتدوا هدى) أي
بتوفيقه. وقال في القتال وفي رواية ابن عساكر والأصيلي، وقوله وفي رواية بإسقاطهما والابتداء
يقوله: (والذين اهتدوا زادهم هدى) بالتوفيق، (وآتاهم تقواهم). أي بيَّن لهم ما يتقون أو أعانهم
على تقواهم أو أعطاهم جزاءها، وقال تعالى في المدثر: (ويزداد) ولابن عساكر والأصيلي، وقوله:
ويزداد (الذين آمنوا إيمانًا) بتصديقهم بأصحاب النار المذكورين في قوله: ﴿وما جعلنا أصحاب النار
إلا ملائكة﴾ الآية [المدثر: ٣١]. (وقوله) تعالى في براءة (أتكم زادته هذه) أي السورة (إيمانًا فأما
الذين آمنوا فزادتهم إيمانًا) بزيادة العلم الحاصل من تدبرها وبانضمام الإيمان بها وبما فيها إلى
إيمانهم. (وقوله جل ذكره) في آل عمران (فاخشوهم فزادهم إيمانًا) لعدم التفاتهم إلى من ثبطهم عن
قتال المشركين بل ثبت يقينهم بالله وازداد إيمانهم، قال البيضاوي وهو دليل على أن الإيمان يزيد
وينقص. (وقوله تعالى) في الأحزاب (وما زادهم) أي لما رأوا الخطب أو البلاء في قصة الأحزاب،
وسقطت واو وما للأصيلي فقال: ما زادهم (إلا إيمانًا) بالله ومواعيده، (وتسليمًا) لأوامره ومقاديره.
فإن قلت: الإيمان هو التصديق بالله وبرسوله والتصديق شيء واحد لا يتجزأ فلا يتصور
كماله تارة ونقصه أخرى، أجيب بأن قبوله الزيادة والنقص ظاهر على تقدير دخول القول والفعل
فيه. وفي الشاهد شاهد بذلك، فإن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى أنه يكون في بعض
الأحيان أعظم يقينًا وإخلاصًا وتوكلاً منه في بعضها، وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور
البراهين وكثرتها، ومن ثم كان إيمان الصدِّيقين أقوى من إيمان غيرهم، وهذا مبني على ما ذهب
إليه المحققون من الأشاعرة من أن نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، وأن الإيمان الشرعي يزيد
وينقص بزيادة ثمراته التي هي الأعمال ونقصانها، وبهذا يحصل التوفيق بين ظواهر النصوص الدالّة
على الزيادة وأقاويل السلف بذلك، وبين أصل وضعه اللغوي وما عليه أكثر المتكلمين.
١٢٥
كتاب الإيمان/ باب ١
نعم يزيد وينقص قوة وضعفًا وإجمالاً وتفصيلاً أو تعدّدًا بحسب تعدد المؤمن به. وارتضاه
النووي. وعزاه التفتازاني في شرح عقائد النسفي لبعض المحققين، وقال في المواقف: إنه الحق وأنكر
ذلك أكثر المتكلمين والحنفية، لأنه متى قبل ذلك كان شكًا وكفرًا، وأجابوا عن الآيات السابقة
ونحوها بما نقلوه عن إمامهم أنها محمولة على أنهم كانوا آمنوا في الجملة، ثم يأتي فرض بعد فرض
فكانوا يؤمنون بكل فرض خاص. وحاصله أنه كان يزيد بزيادة ما يجب الإيمان به، وهذا لا يتصور
في غير عصره وَّ ر وفيه نظر، لأن الاطلاع على تفاصيل الفرائض يمكن في غير عصره عليه
السلام، والإيمان واجب إجمالاً فيما علم إجمالاً، وتفصيلاً فيما علم تفصيلاً، ولا خفاء في أن
التفصيلي أزيد اهـ.
ثم استدل المؤلف على قبول الزيادة أيضًا بقوله: (والحب في الله) وهو بالرفع مبتدأ (والبغض
في الله) عطف عليه. وقوله: (من الإيمان) خبر المبتدأ وهذا لفظ حديث رواه أبو داود من حديث
أبي أمامة لأن الحب والبغض يتفاوتان.
(وكتب عمر بن عبد العزيز) بن مروان الأموي القرشي أحد الخلفاء الراشدين المتوفى بدير
سمعان بحمص يوم الجمعة لخمس ليالٍ بقين من رجب سنة إحدى ومائة، (إلى عديّ بن عديّ) بفتح
العين وكسر الدال المهملتين فيهما ابن عمرة بفتح العين الكندي التابعي المتوفى سنة عشرين ومائة،
(ان للإيمان) بكسر همزة ان في اليونينية (فرائض) بالنصب اسم ان مؤخر أي أعمالاً مفروضة
(وشرائع) أي عقائد دينية (وحدودًا) أي منهيّات ممنوعة (وسُنًّا) أي مندوبات، وفي رواية ابن عساكر
أن الإيمان فرائض بالرفع خبر ان وما بعده معطوف عليه، ووقع للجرجاني فرائع وليس بشيء.
(فمن استكملها) أي الفرائض وما معها فقد (استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان)
فيه إشارة إلى قبول الإيمان الزيادة والنقصان. ومن ثم ذكره المؤلف هنا استشهادًا لا يقال إنه لا يدل
على ذلك بل على خلافه، إذ قال للإيمان كذا وكذا، فجعل الإيمان غير الفرائض وما ذكر معها،
وقال من استكملها أي الفرائض وما معها فجعل الكمال لما للإيمان لا للإيمان، لأنا نقول آخر
كلامه يُشعِر بذلك حيث قال: فمن استكملها أي الفرائض وما معها استكمل الإيمان. (فإن أعش
فسأبينها) أي فسأوضحها (لكم) إيضاحًا يفهمه كل أحد منكم. والمراد تفاريعها لا أصولها إذ كانت
معلومة لهم على سبيل الإجمال. وأراد سأبينها لكم على سبيل التفصيل. (حتى تعملوا بها، وإن مت
فما أنا على صحبتكم بحريص) وليس في هذا تأخير البيان عن وقت الحاجة إذ الحاجة لم تتحقّق، أو
أنه علم أنهم يعلمون مقاصدها ولكنه استظهر وبالغ في نصحهم وتنبيههم على المقصود وعرَّفهم
أقسام الإيمان مجملاً، وأنه سيذكرها مفصلاً إذا تفرع لها فقد كان مشغولاً بالأهم، وهو من تعاليق
المؤلف المجزومة وهي محكوم بصحتها. ووصله أحمد وابن أبي شيبة في كتاب الإيمان لهما من طريق
عيسى بن عاصم، قال: حدّثني عديّ بن عديّ فذكره.
١٢٦
کتاب الإيمان/ باب ١
(وقال إبراهيم) الخليل زاد الأصيلي في روايته كما في فرع اليونينية كهي ◌َّلقر، وقد عاش فيما
روي مائة سنة وخمسًا وسبعين سنة أو مائتي سنة ودفن بحبرون بالحاء المهملة: (ولكن ليطمئن قلبي)
أي ليزداد بصيرة وسكونًا بمضامة العيان إلى الوحي والاستدلال، فإن عين اليقين فيه طمأنينة ليست
في علم اليقين ففيه دلالة على قبول التصديق اليقيني للزيادة، وعند ابن جرير بسند صحيح إلى
سعيد بن جبير أي يزداد يقيني. وعن مجاهد لأزداد إيمانًا إلى إيماني. لا يقال كان المناسب أن ذكر
المؤلف هذه الآية عند الآيات السابقة، لأنّا نقول إن هاتيك دلالتها على الزيادة صريحة بخلاف هذه
فلذا أخّرها إشعارًا بالتفاوت.
(وقال معاذ) بضم الميم والذال المعجمة وللأصيلي في روايته، وقال معاذ بن جبل كما في فرع
اليونينية كهي ابن عمرو الخزرجي الأنصاري المتوفى سنة ثمانية عشر، وله في البخاري ستة أحاديث
للأسود بن هلال. (اجلس بنا) بهمزة وصل (نؤمن) بالجزم (ساعة) أي نزداد إيمانًا لأن معاذًا كان
مؤمنًا أي مؤمن، وقال النووي معناه نتذاكر الخير وأحكام الآخرة وأمور الدين، فإن ذلك إيمان.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي لا تتعلق فيه للزيادة لأن معاذًا إنما أراد تجديد الإيمان لأن العبد
يؤمن في أول مرة فرضًا، ثم يكون أبدًا مجددًا كلما نظر أو فكر، وقال في الفتح متعقبًا له وما نفاه
أولاً أثبته آخرًا لأن تجديد الإيمان إيمان، وهذا التعليق وصله أحمد وابن أبي شيبة كالأول بسند
صحيح إلى الأسود بن هلال، قال: قال لي معاذ: اجلس فذكره، وعرف من هذا أن الأسود أبهم
نفسه .
(وقال ابن مسعود) عبد الله وجده غافل بالمعجمة والفاء الهذلي نسبة إلى جده هذيل بن مدركة
المتوفّى بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وله في البخاري خمسة وثمانون حديثًا، (اليقين الإيمان كله) أكده
بكل لدلالتها كأجمع على التبعيض للإيمان إذ لا يؤكد بهما إلا ذو أجزاء يصح افتراقها حسًّا أو
حكمًا، وهذا التعليق طرف من أثر. رواه الطبراني بسند صحيح وتتمته والصبر نصف الإيمان.
ولفظ النصف صريح في التجزئة.
(وقال ابن عمر) عبد الله وجدّه الخطاب أحد العبادلة السابق للإسلام مع أبيه أحد الستة
المكثرين للرواية المتوفى سنة ثلاث أو أربع وسبعين. (لا يبلغ العبد) بالتعريف وفي رواية ابن عساكر
عبد بالتنكير (حقيقة التقوى)، التي هي وقاية النفس عن الشرك والأعمال السيئة والمواظبة على
الأعمال الصالحة. (حتى يدع ما حاك) بالمهملة، والكاف الخفيفة أي اضطرب (في الصدر) ولم
ينشرح له وخاف الإثم فيه. وفي بعض نسخ المغاربة ما حك بتشديد الكاف، وفي بعض نسخ
العراق ما حاك بالألف والتشديد من المحاكة، حكاهما صاحب عمدة القاري والبرماوي. وقد روى
مسلم معناه من حديث النواس بن سمعان مرفوعًا: البرّ حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك
وكرهت أن يطّلع الناس عليه. وفي أثر ابن عمر هذا إشارة إلى أن بعض المؤمنين بلغ كنه الإيمان
وبعضهم لم يبلغه، فتجوز الزيادة والنقصان.
١٢٧
کتاب الإيمان/ باب ٢
(وقال مجاهد) أي ابن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة غير مصغر على الأشهر المخزومي مولى
عبد الله بن السائب المخزومي المتوفى وهو ساجد سنة مائة في تفسير قوله تعالى: (شرع لكم)
[الشورى: ١٣] زاد الهروي وابن عساكر من الدين أي (أوصيناك يا محمد وإياه) أي نوحًا (دينًا
واحدًا) خصّ نوحًا عليه السلام لما قيل أنه الذي جاء بتحريم الحرام وتحليل الحلال، وأوّل من جاء
بتحريم الأمهات والبنات والأخوات. لا يقال إن إياه تصحيف وقع في أصل البخاري في هذا
الأثر، وإن الصواب وأنبياءه كما عند عبد بن حميد وابن المنذر وغيرهما. وكيف يفرد مجاهد الضمير
لنوح وحده مع أن في السياق ذكر جماعة، لأنه أجيب بأن نوحًا عليه السلام أفرد في الآية، وبقية
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عطف عليه وهم داخلون فيما وصى به نوحًا في تفسير مجاهد،
وكلهم مشتركون في ذلك، فذكر واحد منهم يغني عن الكل على أن نوحًا أقرب مذكور في الآية،
وهو أولى بعود الضمير إليه في تفسير مجاهد، فليس بتصحيف بل هو صحيح، وهذا التعليق أخرجه
عبد بن حميد في تفسيره بسند صحيح عن شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح.
(وقال ابن عباس) عبد الله رضي الله عنهما في تفسيره قوله تعالى: (شرعة ومنهاجًا سبيلاً)
[المائدة: ٤٨] أي طريقًا واضحًا وهو تفسير لمنهاجًا (وسُنّة). يقال شرع يشرع شرعًا أي سنّ، فهو
تفسير لشرعة فيكون من باب اللف والنشر الغير المرتب، وسقطت الواو من وقال لابن عساكر، وهذا
التعليق وصله عبد الرزاق في تفسيره بسند صحيح وقد وقع هنا في رواية أبي ذر وغيره باب
بالتنوين، وهو ثابت في أصل عليه خط الحافظ قطب الدين الحلبي كما قال العيني أنه رآه ورأيته أنا
كذلك في فرع اليونينية كهي، لكنه فيها ساقط في رواية الأصيلي وابن عساكر، وأيّده قول الكرماني
أنه وقف على أصل مسموع على الفربري بحذفه، بل قال النووي: ويقع في كثير من النسخ هنا باب
وهو غلط فاحش وصوابه بحذفه، ولا يصح إدخاله هنا لأنه لا يتعلق له بما نحن فيه، ولأنه ترجم
لقوله عليه الصلاة والسلام: بُنِيَ الإسلام ولم يذكره قبل هذا، وإنما ذكره بعده وليس مطابقًا
للترجمة .
وعلى هذا فقوله: [الفرقان: ٧٧] (دعاؤكم إيمانكم) من قول ابن عباس يشير به إلى قوله
تعالى: ﴿قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم﴾ فسمي الدعاء إيمانًا والدعاء عمل، فاحتجَ به على أن
الإيمان عمل وعطفه على ما قبله كعادته في حذف أداة العطف، حيث ينقل التفسير. وهذا التعليق
وصله ابن جرير من قوله ابن عباس، وفي رواية أبي ذر لقوله تعالى ﴿قل ما يعبأ بكم ربي لولا
دعاؤكم﴾ ومعنى الدعاء في اللغة الإيمان.
٢ - باب دُعاؤُكُمْ إِيمانكم
٨ - حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ موسى قال: أخبرَنا حَنْظَةُ بنُ أبي سُفْيانَ عن ◌ِكْرِمَةَ بن خالدٍ عن
ابنِ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنهما قال: قال رسولُ اللَّهِ وَهِ: (بُنِيَ الإسلامُ عَلى خَمْسٍ شَهادَةِ أنْ لا إلهَ إلاّ
١٢٨
كتاب الإيمان/ باب ٢
اللَّهُ، وَأنَّ محمدًا رسولُ اللَّهِ، وَإِقام الصلاة، وإيتاءِ الزَّكَاةِ، والحَجِّ، وصَوْم رَمَضانَ)). [الحديث
٨ - طرفه في: ٤٥١٥].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا عبيد الله) بالتصغير وفي الفرع خلافًا لأصله. وحدّثنا
محمد بن إسماعيل يعني البخاري حدّثنا عبيد الله (بن موسى) بن باذام بالموحدة والذال المعجمة
آخره ميم العبسي بفتح المهملة وتسكين الموحدة الشيعي الغير داعية المتوفى بالإسكندرية سنة ثلاث
عشرة أو أربع عشرة أو خمس عشرة ومائتين، (قال: أخبرنا) وفي رواية الهروي، حدّثنا (حنظلة بن
أبي سفيان) بن عبد الرحمن الجمحي المكي القرشي المتوفى سنة إحدى وخمسين ومائة، (عن عكرمة بن
خالد) يعني ابن العاصي المخزومي القرشي، المتوفى بمكة بعد عطاء وهو توفي سنة أربع عشرة أو
خمس عشرة ومائة، (عن ابن عمر) بن الخطاب عبد الله (رضي الله عنهما)، هاجر به أبوه واستصغر
يوم أُحُد وشهد الخندق وبيعة الرضوان والمشاهد، وكان واسع العلم متين الدين وافر الصلاح وتوفي
سنة ثلاث وسبعين وله في البخاري مائتان وسبعون حديثا (قال: قال رسول الله وَلير):
(بني الإسلام) الذي هو الانقياد (على خمس) أي خمس دعائم، وقال بعضهم، على بمعنى من
أي بني الإسلام من خمس، وبهذا يحصل الجواب عما يقال إن هذه الخمس هي الإسلام، فكيف
يكون الإسلام مبنيًّا عليها والمبني لا بدّ أن يكون غير المبني عليه، ولا حاجة إلى جواب الكرماني بأن
الإسلام عبارة عن المجموع والمجموع غير كل واحد من أركانه: (شهادة أن لا إله إلاّ الله و) شهادة (أن
محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة) أي المداومة عليها، والمراد الإتيان بها بشروطها وأركانها، (وإيتاء
الزكاة) أي إعطائها مستحقيها بإخراج جزء من المال على وجه مخصوص كما سيأتي البحث فيه إن شاء
الله تعالى في محله بعون الله، (والحج) إلى بيت الله الحرام، (وصوم) شهر (رمضان). بخفض شهادة
على البدل من خمس، وكذا ما بعدها. ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف أي وهي والنصب بتقدير
أعني، قال البدر الدماميني: أما وجه الرفع فواضح، وأما وجه الجر فقد يقال فيه إن البدل من خمس
هو مجموع المجرورات المتعاطفة لا كل واحد منها.
فإن قلت: يكون كل منها بدل بعض، قلت حينئذ يحتاج إلى تقدير رابط اهـ. ((ولا)) في قوله:
لا إله إلاّ الله، هي النافية للجنس وإله اسمها مركب معها تركيب مزج كأحد عشر، والفتحة فتحة
بناء، وعند الزجاج فتحة إعراب لأنه عنده منصوب بها لفظًا وخبرها محذوف اتفاقًا تقديره موجود،
وإلا حرف استثناء، والاسم الكريم مرفوع على البدلية من الضمير المستتر في الخبر، وقيل: مرفوع
على الخبرية لقوله لا وعليه جماعة. وفي هذه المسألة مباحث ضربت عليها بعد أن أثبتها خوف
الإطالة، ثم إن هذا التركيب عند علماء المعاني يفيد القصر وهو في هذه الكلمة من باب قصر الصفة
على الموصوف لا العكس، فإن إله في معنى الوصف.
فإن قلت: لم قدّم النفي على الإثبات فقيل لا إله إلاّ الله ولم يقل الله لا إله إلاّ هو بتقديم
الإثبات على النفي؟ أجيب: بأنه إذا نفى أن يكون ثم إله غير الله فقد فرّغ قلبه مما سوى الله بلسانه
١٢٩
کتاب الإيمان/ باب ٢
ليواطىء القلب وليس مشغولاً بشيء سوى الله تعالى، فيكون نفي الشريك عن الله تعالى بالجوارح
الظاهرة والباطنية. ووجه الحصر في الخمسة أن العبادة إما قولية أو غيرها. الأولى الشهادتان،
والثانية إما تركية أو فعلية، الأولى الصوم، والثانية إما بدنية أو مالية الأولى الصلاة، والثانية الزكاة أو
مركبة منهما وهي الحج، وقد ذكره مقدّمًا على الصوم. وعليه بنى المصنف ترتيب جامعه هذا. لكن
عند مسلم من رواية سعد بن عبيدة عن ابن عمر تأخير الصوم عن الحج، فقال رجل وهو يزيد بن
بشر السكسكي: والحج وصوم رمضان. فقال ابن عمر: لا، صيام رمضان والحج هكذا سمعته من
رسول الله وَالرّ. فيحتمل أن يكون حنظلة رواه هنا بالمعنى لكونه لم يسمع رد ابن عمر على يزيد أو
سمعه ونسيه، نعم رواه ابن عمر في مسلم من أربع طرق تارة بالتقديم وتارة بالتأخير.
فإن قلت: لم لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة وأسقط الجهاد؟ أجيب: بأن الجهاد فرض كفاية
ولا يتعين إلا في بعض الأحوال، وإنما لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة لأن المراد بالشهادة تصديق
الرسول فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذكر من الاعتقادات. وفي قوله: بني الخ استعارة بأن يقدر
الاستعارة في بني، والقرينة في الإسلام شبه ثبات الإسلام واستقامته على هذه الأركان الخمسة ببناء
الخباء على هذه الأعمدة الخمسة، ثم تسري الاستعارة من المصدر إلى الفعل، أو تكون مكنية بأن
تكون الاستعارة في الإسلام والقرينة بني على التخييل بأن شبّه الإسلام بالبيت، ثم خيل كأنه بيت
على المبالغة، ثم أطلق الإسلام على ذلك المخيل، ثم خيل له ما يلزم الخباء المشبه به من البناء، ثم
أثبت له ما هو لازم البيت من البناء على الاستعارة التخييلية ثم نسبه إليه ليكون قرينة مانعة من إرادة
الحقيقة .
ويجوز أن تكون استعارة بالكناية لأنه شبه الإسلام بمبنيّ له دعائم، فذكر المشبه وطوى ذكر
المشبه به وذكر ما هو من خواص المشبه به وهو البناء، ويسمى هذا استعارة ترشيحية، ويجوز أن
تكون استعارة تمثيلية، فإنه مثل حالة الإسلام مع أركانه الخمسة بحالة خباء أقيم على خمسة أعمدة
وقطبها التي تدور عليه هو شهادة أن لا إله إلاّ الله وبقية شعب الإيمان كالأوتاد للخباء.
وقال في الفتح، فإن قلت: الأربعة المذكورة بعد الشهادة مبنية على الشهادة إذ لا يصح شيء
منها إلا بعد وجودها، فكيف يضم مبني إلى مبني عليه في مسمى واحد؟ أجيب: بجواز ابتناء أمر
على أمر يبتنى على الأمرين أمر آخر.
فإن قلت: المبني لا بد أن يكون غير المبني عليه. فالجواب أن المجموع غير من حيث الانفراد
عين من حيث الجمع، ومثاله البيت من الشعر يجعل على خمسة أعمدة أحدها أوسط والبقية أركان،
فما دام الأوسط قائمًا فمسمى البيت موجود ولو سقط ما سقط من الأركان، فإذا سقط الأوسط
سقط مسمى البيت، فالبيت بالنظر إلى مجموعه شيء واحد وبالنظر إلى أفراده أشياء. وأيضًا فبالنظر
إلى أسّه وأركانه الأس أصل والأركان تبع وتكملة، والله الموفق. ومن لطائف إسناد هذا الحديث
إرشاد الساري/ ج ١ / م ٩
١٣٠
کتاب الإيمان/ باب ٣
جمعه للتحديث والإخبار والعنعنة وكل رجاله مكيّون إلا عبيد الله فإنه كوفي، وهو من الرباعيات
وأخرج متنه المؤلف أيضًا في التفسير ومسلم في الإيمان خماسي الإسناد اهـ.
٣ - باب
أُمورِ الإيمان، وقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿لَيسَ الْبَرَّ أَنْ تُوَلُوا وُجوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ،
ولكِنَّ البِرَّ مَنْ آَمَنَ باللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ والملائكةِ والكِتابِ والنَِّيِّينَ وَآتَى المالَ على حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى
والْيَتَامَى والمساكينَ وابنَ السَّبِيلِ والسائلينَ وفي الرِّقَابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكَاةَ والمُوفونَ بِعَهْدِهمْ
إذا عاهَدُوا والصابرينَ في البأساءِ والضَّرَّاءِ وحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقوا وأولئِكَ هُمُ المَتَّقون .
قد أفلَحَ المُؤْمِنون﴾ الآية.
هذا (باب أمور الإيمان) بالإضافة البيانية لأن المراد بيان الأمور التي هي الإيمان، لأن
الأعمال عند المؤلف هي الإيمان، أو بمعنى اللام أي باب الأمور الثابتة للإيمان في تحقيق حقيقته
وتكميل ذاته، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني أمر الإيمان بالإفراد على إرادة الجنس. (وقول الله
تعالى) بالجر عطفًا على أمور، وفي رواية أبوي ذر والوقت والأصيلي عز وجل بدل قوله تعالى، (ليس
البر) وهو اسم لكل خير وفعل مرضي، (أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب). قال القاضي
ناصر الدين البيضاوي: أي ليس البر مقصورًا على أمر القبلة أو ليس البر ما أنتم عليه فإنه منسوخ،
(ولكن البر) الذي ينبغي أن يهتم به (من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب) القرآن أو أعم،
(والنبيين وآتى المال على حبه) تعالى أو حب المال (ذوي القربى واليتامى) المحاويج منهم، ولم يقيده
لعدم الإلباس. (والمساكين وابن السبيل) المسافر أو الضيف، (والسائلين) أي الذين ألجأتهم الحاجة
إلى السؤال، (وفي الرقاب) أي تخليصها بمعاونة المكاتبين أو فك الأسارى أو ابتياع الرقاب لعتقها،
(وأقام الصلاة وآتى الزكاة) المفروضتين، والمراد بآتى المال بيان مصارفها، (والموفون بعهدهم إذا
عاهدوا) عطف على من آمن، (والصابرين في البأساء والضراء) نصب على المدح، ولم يعطف لفضل
الصبر على سائر الأعمال. وعن الأزهري البأساء في الأموال كالفقر، والضرّاء في الأنفس كالمرض.
(وحين البأس) وقت مجاهدة العدو، (أولئك الذين صدقوا) في الدين واتباع الحق وطلب البر،
(وأولئك هم المتقون) [البقرة: ١٧٧] عن الكفر وسائر الرذائل، والآية كما ترى جامعة للكمالات
الإنسانية بأسرها دالّة عليها صريحًا أو ضمنًا، فإنها بكثرتها وتشعبها منحصرة في ثلاثة أشياء: صحة
الاعتقاد وحسن المعاشرة وتهذيب النفس. وقد أشير إلى الأول بقوله: من آمن، إلى والنبيين، وإلى
الثاني بقوله: وآتى المال، إلى وفي الرقاب. وإلى الثالث بقوله: وأقام الصلاة إلى آخرها. ولذلك
وصف المستجمع لها بالصدق نظرًا إلى إيمانه واعتقاده وبالتقوى اعتبارًا لمعاشرته للخلق ومعاملته مع
الحق، وإليه أشار عليه الصلاة والسلام بقوله من عمل بهذه الآية، فقد استكمل الإيمان. وهذا وجه
استدلال المؤلف بهذه الآية ومناسبتها لتبويبه. وفي حديث أبي ذر عند عبد الرزاق بسند رجاله ثقات
١٣١
کتاب الإیمان/ باب ٣
أنه سأل النبيّ وَّ ر عن الإيمان فتلا عليه هذه الآية، ولم يذكره المؤلف لأنه ليس على شرطه، وقد
سقط في رواية الأصيلي وأبي ذر ولكن البر إلى آخر الآية، وسقط لابن عساكر واليوم الآخر.
ثم استدل المؤلف لذلك أيضًا بآية أخرى فقال: (قد أفلح) أي فاز (المؤمنون الآية)
[المؤمنون: ١]. بإسقاط واو العطف لعدم الإلباس، قال في الفتح: ويحتمل أن يكون ساقه تفسيرًا
لقوله هم المتقون تقديره المتقون هم الموصوفون بقوله قد أفلح، وفي رواية الأصيلي، وقد أفلح
بإثبات الواو وفي رواية ابن عساكر، وقوله قد أفلح. قلت: وفيهما ردّ لما قاله في الفتح من احتمال
التفسير، والآية يجوز فيها النصب بتقدير اقرأ والرفع مبتدأ حذف خبره.
٩ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ قال: حدّثنا أبو عامِرِ العَقَدِيُّ قال: حدّثنا سُليمانُ بنُ بلالٍ
عن عبدِ اللَّهِ بنِ دِينارٍ عن أبي صالح عن أبي هُرَيرةَ رضي اللَّهُ عنه عن النبيِّ وَ ل ◌َ قال: ((الإيمانُ
بِضْعٌ وسِتُونَ شُعْبةً، والحياءُ شَعْبةٌ مِنَ الإيمان)).
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) أي ابن جعفر المسندي بضم الميم وسكون
المهملة وفتح النون، سمي به لأنه كان يطلب المسندات ويرغب عن المرسل والمنقطع أو كان يتحرى
المسانيد، أو لأنه أوّل من جمع مسند الصحابة على التراجم بما وراء النهر. وفي رواية ابن عساكر
الجعفي كما في فرع اليونينية كهي المتوفى سنة تسع وعشرين ومائتين. (قال حدّثنا أبو عامر)
عبد الملك بن عمرو بن قيس (العقدي) بفتح العين المهملة والقاف نسبة إلى العقدة، قوم من قيس
وهم بطن من الأزد أو بطن من بجيلة أو قبيلة من اليمن البصري المتوفى سنة خمس أو أربع ومائتين.
(قال: حدثنا سليمان بن بلال) القرشي المدني المتوفى بها سنة سبع وعشرون ومائة، (عن أبي صالح)
ذكوان السمان الزيات المدني المتوفى سنة إحدى ومائة، (عن أبي هريرة رضي الله عنه) تصغير هرة
عبد الرحمن بن صخر الدوسي المختلف في اسمه، قال النووي: على أكثر من ثلاثين قولاً، وحمله
في الفتح على الاختلاف في اسمه واسم أبيه معًا المتوفى بالمدينة سنة تسع أو ثمان أو سبع وخمسين
وأسلم عام خيبر، وشهدها مع النبيّ وَّر، ثم لزمه وواظبه حتى كان أحفظ الصحابة، وروى عنه
عليه الصلاة والسلام فأكثر، ذكر بقي بن مخلد أنه روى خمسة آلاف حديث وثلثمائة وأربعة وسبعين
حديثًا، وله في البخاري أربعمائة وستة وأربعون حديثا، وهذا أوّل حديث وقع له في هذا الجامع.
(عن النبي ◌ََّ) أنه (قال).
(الإيمان) بالرفع مبتدأ وخبره (بضع) بكسر الموحدة وقد تفتح، قال الفراء: هو خاص
بالعشرات إلى التسعين، فلا يقال بضع ومائة ولا بضع وألف وفي القاموس هو ما بين الثلاث إلى
التسع أو إلى الخمس أو ما بين الواحد إلى أربعة أو من أربع إلى تسع أو هو سبع، وإذا جاوز العشر
ذهب البضع لا يقال بضع وعشرون أو يقال ذلك اهـ. ويكون مع المذكر بهاء ومع المؤنث بغير هاء
فتقول بضعة وعشرون رجلاً وبضع وعشرون امرأة، ولا تعكس، وفي رواية أبي ذر وأبي الوقت
١٣٢
کتاب الإيمان/ باب ٣
والأصيلي وابن عساكر بضعة (وستون شعبة) بتأنيث بضعة على تأويل الشعبة بالنوع إذا فسرت الشعبة
بالطائفة من الشيء، وقال الكرماني: إنها في أكثر الأصول. قال ابن حجر: بل هي في بعضها،
وصوّب العيني قول الكرماني تعصبًا، والذي رأيته في هامش فرع اليونينية كهي. قال الأصيلي:
صوابه بضع يعني بإسقاط الهاء، وقد وقع عند مسلم من طريق سهل بن أبي صالح عن عبد الله بن
دينار بضع وستون أو بضع وسبعون على الشك، وعند أصحاب السنن الثلاثة من طريقه بضع
وسبعون من غير شك، ورجح البيهقي رواية البخاري بعدم شك سليمان وعورض بوقوع الشك عنه
عند أبي عوانة. ورجح لأنه المتيقن وما عداه مشكوك فيه، لا يقال بترجيح رواية بضع وسبعون
لكونها زيادة ثقة لأنا نقول الذي زادها لم يستمر على الجزم بها لا سيما مع اتحاد المخرج، وهل المراد
حقيقة العدد أم المبالغة، قال الطيبي الأظهر معنى التكثير ويكون ذكر البضع للترقي يعني أن شعب
الإيمان أعداد مبهمة، ولا نهاية لكثرتها، ولو أراد التحديد لم يبهم. وقال آخرون: المراد حقيقة العدد
ويكون النص وقع أوّلاً على البضع والستين لكونه الواقع ثم تجددت العشر الزائدة فنص عليها، وقد
حاول جماعة عدّها بطريق الاجتهاد، وللبيهقي وعبد الجليل كتاب الإيمان (والحياء) بالمد وهو في
الشرع خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق وهو هنا مبتدأ خبره
(شعبة) و(من الإيمان) صفة لشعبة، وإنما خصّه هنا بالذكر لأنه كالداعي إلى باقي الشعب، لأنه
يبعث على الخوف من فضيحة الدنيا والآخرة، فيأتمر وينزجر، ومن تأمل معنى الحياء ونظر في قوله
عليه الصلاة والسلام: استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: إنا لنستحي من الله يا رسول الله والحمد
الله. قال: ليس ذلك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن يحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى
ويذكر الموت والبنى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا وآثر الآخرة على الأولى فمن يعمل ذلك فقد
استحيا من الله حق الحياء ورأى العجب العجاب.
قال الجنيد: الحياء يتولد من رؤية الآلاء ورؤية التقصير فليذق من منح الفضل الإلهي ورزق
الطبع السليم معنى إفراد الحياء بالذكر بعد دخوله في الشعب، كأن يقول: هذه شعبة واحدة من
شعبه فهل تحصى وتعد شعبها هيهات. واعلم أنه لا يقال إن الحياء من الغرائز فلا يكون من الإيمان
لأنه قد يكون غريزة وقد يكون تخلقًا إلا أن استعماله على وفق الشرع يحتاج إلى اكتساب وعلم ونية،
فمن ثم كان من الإيمان مع كونه باعثًا على الطاعات واجتناب المخالفات، وفي هذا الحديث دلالة
على قبول الإيمان الزيادة، لأن معناه كما قال الخطابي إن الإيمان الشرعي اسم لمعنى أجزاء له أدنى
وأعلى، والاسم يتعلق ببعض تلك الأجزاء كما يتعلق بكلها. وقد زاد مسلم على ما في البخاري
فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. وتمسك به القائلون بأن الإيمان فعل
الطاعات بأسرها والقائلون بأنه مركب من التصديق والإقرار والعمل جميعًا.
وأجيب: بأن المراد شعب الإيمان قطعًا لا نفس الإيمان فإن إماطة الأذى عن الطريق ليس
داخلاً في أصل الإيمان حتى يكون فاقده غير مؤمن فلا بدَّ في الحديث من تقدير مضاف. ثم إن
١٣٣
كتاب الإيمان/ باب ٤
في هذا الحديث تشبيه الإيمان بشجرة ذات أغصان وشعب، ومبناه على المجاز لأن الإيمان كما مر
في اللغة التصديق وفي عرف الشرع تصديق القلب واللسان وتمامه وكماله بالطاعات، فحينئذ
الإخبار عن الإيمان بأنه بضع وستون يكون من باب إطلاق الأصل على الفرع لأن الإيمان هو
الأصل والأعمال فروع منه، وإطلاق الإيمان على الأعمال مجاز لأنها تكون عن الإيمان، وهذا مبني
على القول بقبول الإيمان الزيادة والنقصان، أما على القول بعدم قبوله لهما فليست الأعمال داخلة
في الإيمان، واستدل لذلك بأن حقيقة الإيمان التصديق، ولأنه قد ورد في الكتاب والسُّنّة عطف
الأعمال على الإيمان كقوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ مع القطع بأن العطف
يقتضي المغايرة وعدم دخول المعطوف في المعطوف عليه، وقد ورد أيضًا جعل الإيمان شرط صحة
الأعمال كما في قوله تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن﴾ [طه: ١١٢]. مع القطع بأن
المشروط لا يدخل في الشرط لامتناع اشتراط الشيء لنفسه، وورد أيضًا إثبات الإيمان لمن ترك بعض
الأعمال كما في قوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: ٤٩]. مع القطع بأنه
لا يتحقق الشيء بدون ركنه، ولا يخفى أن هذه الوجوه إنما تقوم حجة على من يجعل الطاعات ركنًا
من حقيقة الإيمان، بحيث إن تاركها لا يكون مؤمنًا كما هو رأي المعتزلة، لا على من ذهب إلى أنها
ركن من الإيمان الكامل بحيث لا يخرج تاركها عن حقيقة الإيمان كما هو مذهب الشافعي رحمه الله
تعالى قاله العلامة التفتازاني.
ومن لطائف إسناد حديث هذا الباب أن رجاله كلهم مدنيون إلا العقدي فإنه بصري وإلا
المسندي وفيه تابعي عن تابعي، وهو عبد الله بن دينار عن أبي صالح، وأخرج متنه أبو داود في
السُّنّة والترمذي في الإيمان، وقال: حسن صحيح، والنسائي في الإيمان أيضًا وابن ماجة.
٤ - باب المُسْلِمُ مَنْ سلمَ المُسْلِمونَ مِنْ لِسانِهِ ویدهِ
١٠ - حدثنا آدَمُ بنُ أبي إياسٍ قال: حدّثنا شُغْبةُ عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي السَّفَرِ وَإسماعيلَ عنِ
الشّغْبِيِّ عن عبدِ اللهِ بن عَمْرِو رضي اللّهُ عنهما عن النبيِّ رَِّ قال: ((المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمونَ
مِن لِسانِهِ وَيَدِهِ، والمهاجِرُ مَن هَجرَ ما نَهى اللَّهُ عنه)). قال أبو عبدِ اللَّهِ وقال أبو مُعاوِيةً: حدّثنا
داودُ عن عامٍِ قال: سَمِعْتُ عبد اللَّهِ عِنِ النبيِّ وَلَ. وقال عبدُ الأعلى: عن داوُدَ عن عامِرٍ عن
عبدِ اللَّهِ عنِ النِبِيِّ بَّر. [الحديث ١٠- طرفه في: ٦٤٨٤].
(باب) بالتنوين (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) وسقط لفظ باب للأصيلي.
وبالسند السابق للمؤلف قال: (حدّثنا آدم بن أبي إياس) بكسر الهمزة وتخفيف المثناة التحتية
آخره سين مهملة المتوفى سنة ست وعشرين ومائتين. (قال: حدّثنا شعبة)، ولابن عساكر عن شعبة
غير منصرف ابن الحجاج بن الورد الواسطي المتوفى بالبصرة أول سنة ستين ومائة. (عن عبد الله بن
١٣٤
كتاب الإيمان / باب ٤
أبي السفر) بفتح المهملة والفاء، وحكى إسكانها ابن يحمد بضم المثناة التحتية وفتح الميم أو بكسرها
الهمداني الكوفي المتوفى في خلافة مروان بن محمد. (و) عن (إسماعيل) وفي رواية الأصيلي وابن
عساكر في نسخة ابن أبي خالد أي الأحمسي المتوفى سنة خمس وأربعين ومائة، كلاهما (عن الشعبي)
بفتح المعجمة وسكون المهملة وكسر الموحدة نسبة إلى شعب بطن من همدان أبي عمرو وعامر بن
شراحيل الكوفي التابعي الجليل قاضي الكوفة، المتوفى بعد المائة. (عن عبد الله بن عمرو) أي ابن
العاصي القرشي السهمي المتوفى بمكة أو الطائف أو مصر في ذي الحجة سنة خمس أو ثلاث أو سبع
وستين أو اثنتين أو ثلاث وسبعين، وكان أسلم قبل أبيه (رضي الله عنهما)، وكان بينه وبينه في
السن إحدى عشرة سنة كما جزم به المزي، وله في البخاري ستة وعشرون حديثًا، (عن النبي ◌َّ)
أنه (قال) :
(المسلم) الكامل (من سلم المسلمون) وكذا المسلمات وأهل الذمة إلا في حد أو تعزير أو
تأديب، (من لسانه ويده) وهذا من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام الذي لم يسبق إليه.
فإن قلت: هذا يستلزم أن من اتصف بهذه خاصة كان مسلمًا كاملاً، أجيب: بأن المراد بذلك
مع مراعاة باقي الصفات التي هي أركان الإسلام، أو يكون المراد أفضل المسلمين كما قاله الخطابي،
وعبر باللسان دون القول ليدخل فيه من أخرج لسانه استهزاء بصاحبه، وقدمه على اليد لأن إيذاءه
أكثر وقوعًا وأشد نكاية ولله در القائل :
جراحات السنان لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسان
وخصّ اليد مع أن الفعل قد يحصل بغيرها لأن سلطنة الأفعال إنما تظهر بها إذ بها البطش
والقطع والوصل والأخذ والمنع، ومن ثم غلبت فقيل في كل عمل هذا مما عملت أيديهم وإن كان
متعذرًا الوقوع بها، فالمراد من الحديث ما هو أعم من الجارحة كالاستيلاء على حق الغير من غير
حق، فإنه أيضًا إيذاء لكن ليس باليد الحقيقية. ثم عطف على ما سبق قوله: (والمهاجر) أي المهاجر
حقيقة (من هجر) أي ترك (ما نهى الله عنه) كأن المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتكلوا على مجرد
الانتقال من دارهم، أو وقع ذلك بعد انقطاع الهجرة تطييبًا لقلوب من لم يدرك ذلك. وفي إسناد
هذا الحديث التحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلف أيضًا في الرقاق وهو مما انفرد بجملته عن مسلم،
وأخرج مسلم بعضه في صحيحه، وأخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم.
(قال أبو عبد الله) البخاري وفي رواية الأصيلي وابن عساكر بإسقاط قال أبو عبد الله كما في
فرع اليونينية كهي: (وقال أبو معاوية) محمد بن خازم بالمعجمتين الضرير الكوفي، وكان مرجئًا
المتوفى سنة خمس وتسعين ومائة في صفر، (حدّثنا داود) زاد في رواية الكشميهني وابن عساكر هو
ابن أبي هند المتوفى سنة أربعين ومائة، (عن عامر) الشعبي السابق قريبًا (قال سمعت عبد الله) بن
عمرو وللأصيلي يعني ابن عمرو ولابن عساكر هو ابن عمرو، (عن النبي وَّر وقال عبد الأعلى) بن
١٣٥
کتاب الإیمان/ باب ٥ و٦
عبد الأعلى السامي بالمهملة من بني سامة بن لؤي القُرَشي البصري المتوفى في شعبان سنة سبع
وثمانين ومائة، (عن داود) بن أبي هند السابق، (عن عامر عن عبد الله) بن عمرو بن العاصي،
(عن النبي وقّ) وهذا التعليق وصله إسحاق بن راهويه في مسنده.
٥ - باب أيُّ الإسلام أفضَلُ؟
١١ - هذثنا سَعيد بنُ يَحيى بنِ سَعيدٍ الْقُرَشِيُّ قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا أبو بُرْدَةً بنُ
عبدِ اللَّهِ بنِ أبي بُرْدَةً عن أبي بُرْدَةً عن أبي موسى رضي اللهُ عنهُ قال: «قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، أيُّ
الإسلام أفضلُ؟ قال: مَنْ سَلِمَ المسلمونَ مِنْ لِسانِهِ ويَدِه)) .
* (باب) بالتنوين (أي الإسلام أفضل).
وبالسند الماضي إلى المؤلف أوّلاً قال: (حدّثنا سعيد بن يحيى بن سعيد القرشي) بجر الياء كما
في اليونينية صفة لسعيد الثاني المتوفى سنة سبع وأربعين ومائتين، وليس عند الأصيلي ابن سعيد
القرشي (قال حدثنا أبي) يحيى بن سعيد المتوفى سنة أربع وسبعين ومائة (قال حدّثنا أبو بردة) بضم
الموحدة وسكون الراء واسمه بريد بالتصغير، (ابن عبد الله بن أبي بردة عن أبي بردة) بضم الموحدة
جد الذي قبله وافقه في الكنية لا في الاسم، وأسمه عامر المتوفى فيما قاله الواقدي بالكوفة سنة
ثلاث ومائة أو هو والشعبي في جمعة واحدة (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس بن سليم بضم السين
الأشعري نسبة إلى الأشعر لأنه ولد أشعر، المتوفى بالكوفة سنة خمس أو إحدى أو أربع وأربعين وله
في البخاري سبعة وخمسون حديثًا (رضي الله عنه قال):
(قالوا) وعند مسلم قلنا وعند ابن منده قلت: (يا رسول الله أي) شرط أي أن تدخل على متعدد
وهو هنا مقدّر بذوي أي أيّ أصحاب (الإسلام أفضل) وعند مسلم أي المسلمين أفضل (قال) عليه
الصلاة والسلام (من سلم المسلمون من لسانه ويده) أي أفضل من غيره لكثرة ثوابه. ومن لطائف
إسناد هذا المتن أن فيه التحديث والعنعنة. وكل رجاله كوفيون، وأخرج متنه مسلم والنسائي في
الإيمان، والترمذي في الزهد.
٦ - باب إطعامُ الطَّعام مِنَ الإسْلام
١٢ - حدثنا عَمْرُو بنُ خالِدٍ قال: حدَّثنا اللَّيثُ عن يَزِيدَ عن أبي الْخَيْرِ عن عبدِ اللَّهِ بنِ
عَمْرٍو رَضي اللَّهُ عنهما ((أنَّ رَجُلاً سأل النِبِيِّ وََّ: أُ الإسلامِ خَيْرٌ؟ قال: تُطْعِمُ الطَّعامَ، وَتَقْرَأُ
السَّلامَ عَلى مَن عَرَفْتَ وَمَن لم تَعْرِف)). [الحديث ١٢ - طرفاه في: ٢٨، ٦٢٣٦].
١٣٦
کتاب الإیمان/ باب ٧
هذا (باب) بالتنوين، وهو عند الأصيلي ساقط في فرع اليونينية كهي، (إطعام الطعام) من
سغب (من الإسلام) وللأصيلي في نسخة من الإيمان أي من خصاله. وبالسند المذكور أوّل هذا
الكتاب إلى البخاري قال :
(حدّثنا عمرو بن خالد) بفتح العين ابن فروخ بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة آخره معجمة
الحرّاني البصري نزيل مصر المتوفى بها سنة تسع وعشرين ومائتين، (قال حدّثنا الليث) بالمثلثة ابن سعد
الفهمي وفهم من قيس عيلان المصري الإمام الجليل المشهور القلقشندي المولد الحنفي المذهب فيما
قاله ابن خلكان، والمشهور أنه كان مجتهدا المتوفى يوم الجمعة نصف شعبان سنة خمس وسبعين ومائة،
(عن يزيد) أبي رجاء بن أبي حبيب المصري التابعي الجليل مفتي مصر المتوفى سنة ثمان وعشرين
ومائة، (عن أبي الخير) مرثد بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة ابن عبد الله اليزني نسبة إلى ذي يزن
المصري المتوفى سنة تسعين، (عن عبد الله بن عمرو) أي ابن العاص (رضي الله عنهما أن رجلاً) قال
صاحب الفتح لم أعرف اسمه وقد قيل إنه أبو ذر (سأل النبي) وفي رواية أبوي ذر والوقت وابن
عساكر رسول الله (3# أي) خصال (الإسلام خير قال) وفي رواية أبوي ذر والوقت فقال أي
النبي ◌َّر: (تطعم) الخلق (الطعام) تطعم في محل رفع خبر مبتدأ محذوف بتقدير أن أي هو أن تطعم
الطعام فأن مصدرية والتقدير هو إطعام الطعام ولم يقل توكل الطعام ونحوه، لأن لفظ الإطعام يشمل
الأكل والشرب والذواق والضيافة والإعطاء وغير ذلك (وتقرأ) بفتح التاء وضم الهمزة مضارع قرأ
(السلام على من عرفت ومن لم تعرف) من المسلمين، فلا تخص به أحدًا تكبرًا وتجبرًا بل عمّ به كل
أحد لأن المؤمنين كلهم إخوة وحذف العائد في الموضعين للعلم به والتقدير على من عرفته ولم يقل
وتسلم حتى يتناول سلام الباعث بالكتاب المتضمن للسلام. وفي هاتين الخصلتين الجمع بين نوعي
المكارم المالية والبدنية: الطعام والسلام.
وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة وكل رواته مصريون وهذا من الغرائب، ورواته كلهم
أئمة أجلاء. وأخرجه المؤلف أيضًا في باب الإيمان بعد هذا الباب بأبواب، وفي الاستئذان ومسلم
في الإيمان والنسائي فيه أيضًا وأبو داود في الأدب وابن ماجة في الأطعمة .
٧ - باب مِنَ الإِيمانِ أنْ يُحِبَّ لأَخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِه
١٣ - حدثنا مُسَدَّدٌ قال: حدّثنا يحيى عن شُعبةَ عن قتادةَ عن أنَسٍ رضي اللَّهُ عنهُ عنِ
النبيِّ نَّه وعن حُسَيْنِ الْمعلُّم قال: حدّثنا فَتادةُ عن أنَسٍٍ عن النبيِّ ◌َ ◌ّه قال: ((لا يُؤْمِنُ أحدُكُمْ حتى
يُحِبَّ لأَخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)).
هذا (باب) بالتنوين وهو ساقط في رواية الأصيلي (من الإيمان أن يحب لأخيه) المسلم وكذا
المسلمة أو أعم مثل (ما) أي الذي (يحب لنفسه).
١٣٧
کتاب الإيمان/ باب ٧
وبالسند إلى المؤلف قال :
(حدّثنا مسدد) بضم الميم وفتح السين وتشديد الدال المهملتين ابن مسرهد، ابن مرعبل بن
أرندل بن سرندل بن غرندل بن ماسك بن مستورد، وعند مسلم في كتب الكنى ابن مغربل بدل
ابن مرعبل الأسدي البصري المتوفى في رمضان سنة ثلاث وعشرين ومائتين (قال: حدّثنا يحيى) بن
سعيد بن فروخ بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة آخره خاء معجمة غير منصرف للعجمة والعلمية،
القطان الأحول التميمي البصري المتفق على جلالته المتوفى سنة ثمان وتسعين ومائة، (عن شعبة) بضم
المعجمة ابن الحجاج الواسطي ثم البصري المتقدم (عن قتادة) بن دعامة بكسر الدال ابن قتادة
السدوسي نسبة لجده الأعلى الأكمه البصري التابعي المجمع على جلالته المتوفى بواسط سنة سبع عشرة
ومائة، (عن أنس) هو ابن مالك بن النضر بالنون والضاد المعجمة الأنصاري النجاري خادم رسول
الله وَلل تسع سنين أو عشر سنين آخر من مات من الصحابة بالبصرة سنة ثلاث وتسعين، وله في
البخاري مائتان وثمانية وستون حديثًا (رضي الله عنه، عن النبي ◌ُّ) ثم عطف على شعبة قوله
(وعن حسين) بالتنوين أي ابن ذكوان (المعلم) البصري، (قال: حدّثنا قتادة) بن دعامة السابق، فكأنه
قال عن شعبة وحسين كلاهما عن قتادة وأفردهما تبعاً لشيخه، وليست طريق حسين معلقة بل
موصولة كما رواها أبو نعيم في مستخرجه من طريق إبراهيم الحربي، عن مسدد شيخ البخاري، عن
يحيى القطان، عن حسين المعلم، عن قتادة، عن أنس عن النبي ◌ُ ◌ّر، قال: ((لا يؤمن عبد حتى
يحب لأخيه وجاره ما يحب لنفسه)).
فإن قلت: قتادة مدلس ولم يصرح بالسماع عن أنس، أجيب بأنه قد صرح أحمد والنسائي في
روايتيهما بسماع قتادة له من أنس فانتفت تهمة تدليسه: (عن أنس) وفي رواية الأصيلي وابن عساكر
عن أنس بن مالك (عن النبي وَّر قال: لا يؤمن) وفي رواية أبوي الوقت وذر والأصيلي وابن
عساكر (أحدكم) وفي رواية أخرى لأبي ذر أحد وفي أخرى لابن عساكر وعبد الإيمان الكامل،
(حتى يحب لأخيه) المسلم وكذا المسلمة مثل (ما يحب لنفسه). أي الذي يحب لنفسه من الخير، وهذا
وارد مورد المبالغة، وإلا فلا بد من بقية الأركان .. ولم ينص على أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه
لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه، ويحتمل أن يكون قوله أخيه شاملاً للذميّ أيضًا بأن يحب له
الإسلام مثلاً، ويؤيده حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلير: ((من يأخذ عني هؤلاء الكلمات
فيعمل بهن أو يعلم من يعمل بهن)). فقال أبو هريرة: قلت: أنا يا رسول الله. فأخذ بيدي فعدّ خمسًا
قال: ((اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارضَ بما قسم لك تكن أغنى الناس، وأحسِن إلى جارك تكن
مؤمنًا. وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا)) الحديث رواه الترمذي وغيره من رواية الحسن
عن أبي هريرة، وقال الترمذي: الحسن لم يسمع من أبي هريرة ورواه البزار والبيهقي بنحوه في الزهد
عن مكحول عن واثلة عنه. وقد سمع مكحول من واثلة. قال الترمذي وغيره لكن بقية إسناده فيه
ضعف. ورواة حديث الباب كلهم بصريون، وإسناد الحديث السابق مصريون، والذي قبله
١٣٨
کتاب الإيمان/ باب ٨
كوفيون، فوقع التسلسل في الأبواب الثلاثة على الولاء وفيه التحديث والعنعنة، وأخرجه مسلم
والترمذي والنسائي.
٨ - باب حُبُّ الرَّسُولِ وَ﴾ِ مِنَ الإيمان
١٤ - هقثنا أبو اليمان قال: أخبرَنا شُعَيبٌ قال: حدّثنا أبو الزّنادِ عن الأعرجِ عن أبي هُرَيرةً
رضي اللَّهُ عنهُ أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ ﴿ قال: ((فَوَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتى أكونَ أحَبَّ إليهِ
من والدِهِ وَوَلَدِهِ».
(باب) بالتنوين (حب الرسول) نبينا محمد (مَل* من الإيمان).
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع السابق (قال: أخبرنا شعيب) أي
ابن أبي حمزة الحمصي (قال: حدّثنا) وفي رواية ابن عساكر أخبرنا (أبو الزناد) بكسر الزاي وبالنون
عبد الله بن ذكوان المدني القرشي التابعي المتوفى سنة ثلاثين ومائة (عن الأعرج) أبي داود
عبد الرحمن بن هرمز التابعي المدني القرشي المتوفى بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومائة على الصحيح،
(عن أبي هريرة) نقيب أهل الصفة (رضي الله عنه أن رسول الله) وفي رواية أبي ذر عن النبي (إليه
قال) :
(فو) الله (الذي) بالفاء وفي رواية أبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر والذي (نفسي بيده)
أي بقدرته أو هو من المتشابه المفوّض علمه إلى الله والأوّل أعلم والثاني أسلم وعن أبي حنيفة يلزم من
تأويله بالقدرة عين التعطيل فالسبيل فيه كأمثلة الإيمان به على ما أراد، ونكف عن الخوض في تأويله
فنقول له يد على ما أراد لا كيد المخلوق، وأقسم تأكيدًا. ويؤخذ منه جواز القسم على الأمر المهم
للتأكيد وإن لم يكن هناك مستحلف. والمقسم عليه هنا قوله (لا يؤمن أحدكم) إيمانًا كاملاً (حتى
أكون أحبّ إليه) أفعل تفضيل بمعنى المفعول، وهو هنا مع كثرته على غير قياس منصوب خبرًا
لأكون وفصل بينه وبين معموله بقوله إليه لأنه يتوسع في الظرف ما لا يتوسع في غيره (من والده)
أبيه أي وأمه أو اكتفى به عنها (وولده) ذكرا أو أنثى. وقدم الوالد للأكثرية لأن كل أحد له والد من
غير عكس، أو نظر إلى جانب التعظيم أو لسبقه في الزمان. وعند النسائي تقديم الولد لمزيد الشفقة،
وخصهما بالذكر لأنهما أعزّ على الإنسان غالبًا من غيرهما. وربما كانا أعزّ على ذي اللب من نفسه.
فالثالثة محبة رحمة وشفقة، والثانية محبة إجلال. والأولى وهي محبة الرسول وَل محبة إحسان، وقد
ينتهي المحب في المحبة إلى أن يؤثر هوى المحبوب على هوى نفسه فضلاً عن ولده، بل يجب أعداء
نفسه لمشابهتهم محبوبه قال :
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم إذ صار حظي منك حظي منهمُ
١٣٩
كتاب الإيمان/ باب ٩
١٥ - حققنا يَعْقوبُ بنُ إبراهيمَ قال: حدّثنا ابنُ عُلَيَّةَ عنْ عبدِ العزيزِ بنِ صُهَيبٍ عنْ أنَسٍ
عَنِ النَّبِيِّ ◌َ ◌ّله. ح. وحدَّثَنا آدَم قال: حدَّثَنا شُغْبةُ عن قتادةَ عنْ أَنَسِ قال: قال النبيُّ وَّ: ((لا
يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتى أكونَ أحَبَّ إليهِ مِنْ والِدِهِ وَوَلَدِهِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ)).
وبه قال: (حدّثنا) وفي رواية أخبرنا (يعقوب) أبو يوسف (بن إبراهيم) بن كثير الدورقي
العبدي المتوفى سنة اثنتين وخمسين ومائتين، (قال: حدّثنا ابن علية) بضم العين المهملة وفتح اللام
وتشديد المثناة التحتية نسبة إلى أمه واسمه إسماعيل بن إبراهيم بن سهم البصري الأسدي أسد خزاعة
الكوفي الأصل المتوفى ببغداد سنة أربع وتسعين ومائة، (عن عبد العزيز بن صهيب) بضم الصاد
المهملة وفتح الهاء وسكون المثناة التحتية آخره موحدة البناني بضم الموحدة وبالنون نسبة إلى بنانة بطن
من قريش التابعي كأبيه، (عن أنس) وفي رواية الأصيلي ابن مالك (عن النبي) وفي رواية ابن عساكر
عن أنس قال النبي (َ﴿). ولفظ متن هذا السند كما رواه ابن خزيمة في صحيحه عن يعقوب شيخ
البخاري بهذا الإسناد: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وماله بدل من والده وولده،
وفي فرع اليونينية هنا علامة التحويل (ح وحدّثنا آدم) بن أبي إياس بواو العطف على السند السابق
العاري عن المتن الموهمة لاستواء السندين في المتن الآتي وليس كذلك. إذ لفظ متنه لم يذكره المؤلف
مقتصرًا على لفظ رواية قتادة نظرًا إلى أصل الحديث لا إلى خصوص ألفاظه. لكونها موافقة للفظ أبي
هريرة في الحديث السابق. (قال حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) أنه
(قال: قال النبي) وفي رواية أبي ذر وابن عساكر وأبي الوقت قال رسول الله (صل﴿):
(لا يؤمن أحدكم) الإيمان التام (حتى أكون أحبّ إليه من والده) أبيه وأمه (وولده والناس
أجمعين) هو من باب عطف العام على الخاص. وهل تدخل النفس في عموم الناس الظاهر نعم.
وقيل إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم، فإنك إذا قلت جميع الناس أحب إلى زيد من غلامه
يفهم منه خروج زيد منهم، وأجيب بأن اللفظ عام وما ذكر ليس من المخصصات، وحينئذٍ فلا
يخرج. وقد وقع التنصيص بذكر النفس في حديث عبد الله بن هشام الآتي إن شاء الله تعالى، والمراد
هنا المحبة الإيمانية وهي اتباع المحبوب، لا الطبيعية ومن ثم لم يحكم بإيمان أبي طالب مع حبه له عليه
الصلاة والسلام على ما لا يخفى، فحقيقة الإيمان لا تتم ولا تحصل إلا بتحقيق إعلاء قدره ومنزلته
على كل والد وولد ومحسن، ومن لم يعتقد هذا فليس بمؤمن. وفي المواهب اللدنية بالمنح المحمدية مما
جمعته في ذلك ما يشفي ويكفي. ولما ذكر المؤلف في هذا الباب أن حبه عليه الصلاة والسلام من
الإيمان أردفه بما يوجد حلاوة ذلك فقال :
٩ - باب حَلاوَةِ الإيمانِ
١٦ - حدثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى قال: حدثنا عبدُ الوهَّابِ الثَّقفِيُّ قال: حدَّثَنا أيُّوبُ عنْ أبي
قِلابَةَ عنْ أنسٍ عن النبيِّ وَِّ قال: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإيمان: أنْ يَكونَ اللَّهُ ورسولُه
١٤٠
كتاب الإيمان/ باب ٩
أحبَّ إليهِ مِمَّا سِواهُما، وأنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلاّ بله، وأنْ يَكرَهَ أنْ يَعودَ في الكُفرِ كما يكرَهُ أنْ
يُقْذَفَ في النَّار)). [الحديث ١٦ - أطرافه في: ٢١، ٦٠٤١، ٦٩٤١].
هذا (باب حلاوة الإيمان) والمراد أن الحلاوة من ثمراته، فهي أصل زائد عليه، وقد سقط لفظ
باب عند الأصيلي كما في فرع اليونينية کھي.
وبالسند السابق إلى المؤلف رحمه الله تعالى قال: (حذّثنا محمد بن المثنى) بالمثلثة ابن عبيد العنزي
بفتح النون بعدها زاي نسبة إلى عنزة بن أسد حيّ من ربيعة البصري المتوفى بها سنة اثنتين وخمسين
ومائتين، (قال: حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد بن الصلت (الثقفي) بالمثلثة بعدها قاف ثم فاء
نسبة إلى ثقيف البصري المتوفى سنة أربع وتسعين ومائة، (قال: حدّثنا أيوب) بن أبي تميمة واسمه
كيسان السختياني بفتح المهملة على الصحيح نسبة إلى بيع السختيان وهو الجلد البصري المتوفى سنة
إحدى وثلاثين ومائة، (عن أبي قلابة) بكسر القاف وبالموحدة عبد الله بن زيد بن عمرو أو عامر
البصري المتوفى بالشام سنة أربع ومائة، (عن أنس) وفي رواية الأصيلي وابن عساكر زيادة ابن مالك
(رضي الله عنه عن النبي بَّ) أنه (قال):
(ثلاث) أي ثلاث خصال مبتدأ خبره جملة (من كن فيه وجد) أي أصاب (حلاوة الإيمان)
وكذلك اكتفى بمفعول واحد، وحلاوة الإيمان استلذاذه بالطاعات عند قوّة النفس بالإيمان وانشراح
الصدر له بحيث يخالط لحمه ودمه. وهل هذا الذوق محسوس أو معنوي. وعلى الثاني فهو على سبيل
المجاز والاستعارة الموضحة للمؤلف على استدلاله بزيادة الإيمان ونقصه، لأن في ذلك تلميحًا إلى
قضية المريض والصحيح، لأن المريض الصفراوي يجد طعم العسل مرًّا بخلاف الصحيح، فكلما
نقصت الصحة نقص ذوقه بقدر ذلك، وتسمى هذه الاستعارة تخييلية، وذلك أنه شبّه رغبة المؤمن
في الإيمان بالعسل ونحوه ثم أثبت له لازم ذلك وهي الحلاوة، وأضافه إليه فالمرء لا يؤمن إلا (أن
يكون الله) عز وجل (ورسوله) عليه الصلاة والسلام (أحب إليه مما سواهما) بإفراد الضمير في أحب
لأنه أفعل تفضيل، وهو إذا وصل بمن أفرد دائمًا وعبر بالتثنية في سواهما إشارة إلى أن المعتبر هو
المجموع المركب من المحبتين لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها لاغية إذا لم ترتبط بالأخرى. فمن
يدعي حب الله مثلاً ولا يحب رسوله لا ينفعه ذلك، ولا يعارض تثنية الضمير هنا بقصة الخطيب
حيث قال: ومن يعصهما فقد غوى. فقال له عليه الصلاة والسلام بئس الخطيب أنت فأمره بالإفراد
إشعارًا بأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزامه الغواية، إذ العطف في تقدير التكرير والأصل
استقلال كل واحد من المعطوفين في الحكم. فهو في قوة قولنا: ومن عصى الله فقد غوى ومن عصى
الرسول فقد غوى. ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)
[النساء: ٥٩] لم يعد أطيعوا في أولي الأمر منكم كما أعاده في وأطيعوا الرسول ليؤذن بأنه لا
استقلال لهم في الطاعة استقلال الرسول و له. وقيل: إنه من الخصائص فيمتنع من غيره عليه
الصلاة والسلام لأن غيره إذا جمع أوهم التسوية بخلافه هو عليه الصلاة والسلام، فإن منصبه لا