النص المفهرس

صفحات 1-20

إِنْشَاءُ الشَّارِيْ
لِشِرْح مَحِسٍْ النخَارى
٠
تَأليف
الإمام شهاب الدين أبي العباس أحمد بن محمد الشافي القسطلانى
المتوفى سنة ٩٢٣ هـ.
ضَبِطَ وَصَحُّحَّه
*
محمّ عبد العزيز الخالدي
الجُزء الاوّل
يحتوي على الكتب التالية:
بدء الوحي - الإيمان - العلم - الوضوء - الغسل - الحيض - التيمم
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان

جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب
العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة
أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا" أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة
كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات
ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيا".
Copyright C
All rights reserved
Exclusive rights by DAR al-KOTOB al-
ILMIYAH Beirut - Lebanon. No part of this
publication may be translated, reproduced,
distributed in any form or by any means, or
stored in a data base or retrieval system,
without the prior written permission of the
publisher.
الطَّبعَة الأولى
١٤١٦ هـ - ١٩٩٦م.
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
: رمل الظريف، شارع البحترى، بناية ملكارت
العنوان
تلفون وفاكس: ٢٦٤٣٩٨ - ٢٦٦١٣٥ - ٦٠٢١٣٣ (١ ٩٦١ ) ..
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
DAR al-KOTOB al-ILMIYAH
Beirut - Lebanon
Address : Ramel al-Zarif, Bohtory st., Melkart bldg., 1st Floore.
Tel. & Fax : 00 (961 1) 60.21.33 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon

بسْمِ اللهِ الرَّحْزِ الرَّحِيمْ
يقول أحمد بن محمد الخطيب القسطلاني غفر الله له آمين:
الحمد لله الذي شرح بمعارف عوارف السنة النبوية صدور أوليائه، وروّح بسماع أحاديثها
الطيبة أرواح أهل وداده وأصفيائه، فسرّح سرّ سرائرهم في رياض روضة قدسه وثنائه، أحمده على ما
وفق من إرشاده وأسدى من آلائه وأشكره على فضله المتواتر الكامل الوافر، وأسأله المزيد من عطائه
وكشف غطائه، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له الفرد المنفرد في صمدانیته بعز کبریائه،
واصل من انقطع إليه إلى حضرة قربه وولائه ومدرجه في سلسلة خاصته وأحبائه، وأشهد أن سيدنا
محمدًا عبده ورسوله المرسل بصحيح القول وحسنه رحمة لأهل أرضه وسمائه، الماحي للمختلق
الموضوع بشوارق بوارق لألائه، فأشرقت مشكاة مصابيح الجامع الصحيح من أنوار شريعته
وأنبائه وَيهر وعلى آله وأصحابه وخلفائه آمين.
وبعد فإنّ علم السنة النبوية بعد الكتاب العزيز أعظم العلوم قدرًا وأرقاها شرفًا وفخرًا، إذ
عليه مبنى قواعد أحكام الشريعة الإسلامية، وبه تظهر تفاصيل مجملات الآيات القرآنية، وكيف لا
ومصدره عمن لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
فهو المفسر للكتاب وإنما نطق النبي لنا به عن ربه
وإن كتاب البخاري الجامع قد أظهر من كنوز مطالبها العالية إبريز البلاغة، وأبرز وحاز قصب
السبق في ميدان البراعة وأحرز، وأتى من صحيح الحديث وفقهه بما لم يسبق إليه ولا عرّج أحد
عليه، فانفرد بكثرة فرائد فوائده وزوائد عوائده، حتى جزم الراوون بعذوبة موارده، فلذا رجح على .
غيره من الكتب بعد كتاب الله، وتحرّكت بالثناء عليه الألسن والشفاه، ولطالما خطر في الخاطر

٤
المقدمة
المخاطر أن أعلق عليه شرحًا أمزجه فيه مزجًا وأدرجه ضمنه درجًا، أميز فيه الأصل من الشرح
بالحمرة والمداد واختلاف الروايات بغيرهما، ليدرك الناظر سريعًا المراد، فيكون بادیًا بالصفحة مدركًا
باللمحة كاشفًا بعد أسراره لطالبيه، رافع النقاب عن وجوه معانيه لمعانيه، موضحًا مشكله فاتحا مقفله
مقيدًا مهمله، وافيًا بتغليق تعليقه، كافيًا في إرشاد الساري لطريق تحقيقه، محرّرًا لرواياته معربًا عن
غرائبه وخفياته، فأجدني أحجم عن سلوك هذا المسرى، وأبصرني أقدّم رجلاً وأؤخر أخرى، إذ أنا
بمعزل عن هذا المنزل، لا سيما وقد قيل إنّ أحدًا لم يستصبح سراجه ولا استوضح منهاجه ولا
اقتعد صهوته ولا افترع ذروته، ولا تبوّأ خلاله ولا تفيأ ظلاله، فهو درّة لم تثقب ومهرة لم تركب،
ولله درّ القائل :
أعيى فحول العلم حل رموز ما أبداه في الأبواب من أسرار
فازوا من الأوراق منه بما جنوا منها ولم يصلوا إلى الأثمار
ما زال بكرًا لم يفض ختامه وعراه ما حلّت عن الأزرار
ضربت على الأبواب كالأستار
حجبت معانيه التي أوراقها
ينهار منه العلم كالأنهار
من كل باب حين يفتح بعضه
لا غرو أن أمسى البخاري للورى مثل البحار لمنشأ الأمطار
خضعت له الأقران فيه إذ بدا خرّوا على الأذقان والأكوار
ولم أزل على ذلك مدّة من الزمان، حتى مضى عصر الشباب وبان، فانبعث الباعث إلى ذلك
راغبًا، وقام خطيبًا لبنات أبكار الأفكار خاطبًا، فشمرت ذيل العزم عن ساق الحزم، وأتيت بيوت
التصنيف من أبوابها، وقمت في جامع جوامع التأليف بين أثمته بمحرابها، وأطلقت لسان القلم في
ساحات الحكم بعبارة صريحة واضحة، وإشارة قريبة لائحة، لخصتها من كلام الكبراء الذين رقت
في معارج علوم هذا الشأن أفكارهم، وإشارات الألباء الذين أنفقوا على اقتناص شوارده أعمارهم،
وبذلت الجهد في تفهم أقاويل الفهماء المشار إليهم بالبنان، وممارسة الدواوين المؤلفة في هذا الشان،
ومراجعة الشيوخ الذين حازوا قصب السبق في مضماره، ومباحثة الحذاق الذين غاصوا على جواهر
الفرائد في بحاره، ولم أتحاش عن الإعادة في الإفادة عند الحاجة إلى البيان، ولا في ضبط الواضح
عند علماء هذا الشان، قصدًا لنفع الخاص والعام، راجيًا ثواب ذي الطول والإنعام، فدونك شرحًا
قد أشرقت عليه من شرفات هذا الجامع أضواء نوره اللامع، وصدع خطيبه على منبره السامي
بالحجج القواطع، القلوب والمسامع، أضاءت بهجته فاختفت منه كواكب الدراري، وكيف لا وقد
فاض عليه النور من فتح الباري. على أنني أقول كما قال الحافظ أبو بكر البرقاني:
وما لي فيه سوى أنني أراه هوى وافق المقصدا

٥
المقدمة
وأرجو الثواب بكتب الصلاة على السيد المصطفى أحمدا
وبالجملة فإنما أنا من لوامع أنوارهم مقتبس، ومن فواضل فضائلهم ملتمس، وخدمت به
الأبواب النبوية والحضرة المصطفوية، راجيًا أن يتوّجني بتاج القبول والإقبال، ويجيزني بجائزة الرضا
في الحال والمآل. وسميته (إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري). والله أسأل التوفيق والإرشاد إلى
سلوك طرق السداد، وأن يعينني على التكميل، فهو حسبي ونعم الوكيل.
وهذه مقدمة، مشتملة على وسائل المقاصد يهتدي بها إلى الإرشاد السالك والقاصد، جامعة
الفصول، هي لفروع قواعد هذا الشرح أصول.

الفصل الأوّل
في فضيلة أهل الحديث وشرفهم في القديم والحديث
أقول مستمدًّا من الله الإعانة على التوفيق للإيضاح والإبانة: روينا عن ابن مسعود رضي الله
عنه قال: قال رسول الله وَلقول: ((نضر الله أمراً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأدّاها فربّ حامل فقه
إلى من هو أفقه منه)). رواه الشافعيّ والبيهقيّ وكذا أبو داود والترمذيّ بلفظ: ((نضر الله امرءًا سمع
منّا شيئًا فبلغه كما سمعه فربّ مبلغ أوعى من سامع)). وقال الترمذي: حسن صحيح. وعن أبي
سعيد الخدريّ رضي الله عنه عن النبيّ وَلقال أنه قال في حجة الوداع: ((نضر الله امرأً سمع مقالتي
فوعاها فربّ حامل فقه ليس بفقيه)) الحديث. رواه البزار بإسناد حسن وابن حبان في صحيحه من
حديث زيد بن ثابت، وكذا روي من حديث معاذ بن جبل والنعمان بن بشير وجبير بن مطعم وأبي
الدرداء وأبي قرصافة وغيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وبعض أسانيدهم صحيح، كما
قاله المنذري، وقوله نضر الله بتشديد الضاد المعجمة وتخفف، والنضرة: الحسن والرونق، والمعنى
خصّه الله تعالى بالبهجة والسرور لأنه سعى في نضارة العلم وتجديد السُّنّة، فجازاه في دعائه له بما
يناسب حاله في المعاملة. وأيضًا فإن من حفظ ما سمعه وأدّاه كما سمعه من غير تغيير، كأنه جعل
المعنى غضًّا طريًّا، وخصّ الفقه بالذكر دون العلم إيذانًا بأنّ الحامل غير عار عن العلم إذ الفقه علم
بدقائق العلوم المستنبطة من الأقيسة. ولو قال غير عالم لزم جهله. وقوله ربّ وضعت للتقليل،
فاستعيرت في الحديث للتكثير. وقوله إلى من هو أفقه منه صفة لمدخول رب استغنى بها عن جوابها،
أي رب حامل فقه أدّاه إلى من هو أفقه منه لا يفقه ما يفقهه المحمول إليه.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَلّ: ((اللّهمَّ ارحم خلفائي)) قلنا يا
رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: ((الذين يروون أحاديثي ويعلمونها الناس)). رواه الطبراني في
الأوسط. ولا ريب أنّ أداء السنن إلى المسلمين نصيحة لهم من وظائف الأنبياء صلوات الله وسلامه

٧
المقدمة
عليهم أجمعين. فمن قام بذلك كان خليفة لمن يبلغ عنه. وكما لا يليق بالأنبياء عليهم السلام أن
يهملوا أعاديهم ولا ينصحوهم، كذلك لا يحسن لطالب الحديث وناقل السُّنن أن يمنحها صديقه
ويمنعها عدوّه، فعلى العالم بالسُّنّة أن يجعل أكبر همه نشر الحديث، فقد أمر النبي بَّر بالتبليغ عنه
حيث قال: ((بلغوا عني ولو آية)) الحديث رواه البخاري رحمه الله. قال المظهري أي بلغوا عني
أحاديثي ولو كانت قليلة. قال البيضاوي رحمه الله قال: ((ولو آية)) ولم يقل ولو حديثًا لأنّ الأمر
بتبليغ الحديث يفهم منه بطريق الأولوية، فإن الآيات مع انتشارها وكثرة حملتها تكفل الله تعالى
بحفظها وصونها عن الضياع والتحريف اهـ.
وقال إمام الأئمة مالك رحمه الله تعالى: بلغني أن العلماء يسألون يوم القيامة عن تبليغهم العلم
كما تسأل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقال سفيان الثوري: لا أعلم علمًا أفضل من علم
الحديث لمن أراد به وجه الله تعالى، إن الناس يحتاجون إليه حتى في طعامهم وشرابهم، فهو أفضل
من التطوّع بالصلاة والصيام لأنه فرض كفاية. وفي حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه عن
النبي ◌َّهو أنه قال: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين
وتأويل الجاهلين)). وهذا الحديث رواه من الصحابة علّ وابن عمر وابن عمرو وابن مسعود وابن
عباس وجابر بن سمرة ومعاذ وأبو هريرة رضي الله عنهم، وأورده ابن عديّ من طرق كثيرة كلها
ضعيفة، كما صرّح به الدارقطني وأبو نعيم وابن عبد البرّ، لكن يمكن أن يتقوّى بتعدّد طرقه ويكون
حسنًا كما جزم به ابن كيكلدي العلائي، وفيه تخصيص حملة السُّنّة بهذه المنقبة العلية، وتعظيم لهذه
الأمة المحمدية وبيان لجلالة قدر المحدّثين وعلوّ مرتبتهم في العالمين، لأنهم يحمون مشارع الشريعة
ومتون الروايات من تحريف الغالين وتأويل الجاهلين، بنقل النصوص المحكمة لرد المتشابه إليها .
وقال النووي في أوّل تهذيبه: هذا إخبار منه بَّر بصيانة هذا العلم وحفظه وعدالة ناقليه، وأن الله
تعالى يوفق له في كل عصر خلفًا من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف فلا يضيع، وهذا تصريح
بعدالة حامليه في كل عصر. وهكذا وقع ولله الحمد، وهو من أعلام النبوّة، ولا يضرّ كون بعض
الفسّاق يعرف شيئًا عن علم الحديث، فإن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه لا أنّ غيرهم
لا يعرف شيئًا منه اهـ.
على أنه قد يقال ما يعرفه الفسّاق من العلم ليس بعلم حقيقة لعدم عملهم، كما أشار إليه
المولى سعد الدين التفتازاني في تقرير قول التلخيص: وقد ينزل العالم منزلة الجاهل، وصرّح به الإمام
الشافعي في قوله: ولا العلم إلا مع التقى ولا العقل إلا مع الأدب. ولعمري إن هذا الشأن من
أقوى أركان الدين وأوثق عُرى اليقين. لا يرغب في نشره إلا صادق تقيّ ولا يزهده إلا كل منافق
شقيّ. قال ابن القطان: ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث. وقال الحاكم: لولا كثرة
طائفة المحدّثين على حفظ الأسانيد لدرس منار الإسلام ولتمكن أهل الإلحاد والمبتدعة من وضع
الأحادیث وقلب الأسانید.

٨
المقدمة
وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنه أن رسول الله وَالر قال: «العلم ثلاثة آية
محكمة أو سُنّة قائمة أو فريضة عادلة وما سوى ذلك فهو فضل)). رواه أبو داود وابن ماجة. قال في
شرح المشكاة: والتعريف في العلم للعهد وهو ما علم من الشارع وهو العلم النافع في الدين،
وحينئذ العلم مطلق فينبغي تقييده بما يفهم منه المقصود، فيقال علم الشريعة معرفة ثلاثة أشياء
والتقسيم حاصر، وبيانه أن قوله آية محكمة يشتمل على معرفة كتاب الله تعالى وما يتوقف عليه
معرفته، لأن المحكمة هي التي أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه، فكانت أمّ
الكتاب، فتحمل المتشابهات عليها وترد إليها، ولا يتم ذلك إلا للماهر الحاذق في علم التفسير
والتأويل، الحاوي لمقدّمات يفتقر إليها من الأصلين وأقسام العربية، وقوله سُنّة قائمة، معنى قيامها
ثباتها ودوامها بالمحافظة عليها من قامت السوق إذا نفقت، لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء
النافق الذي تتوجّه إليه الرغبات ويتنافس فيه المخلصون بالطلبات، ودوامها إما أن يكون بحفظ
أسانيدها من معرفة أسماء الرجال والجرح والتعديل، ومعرفة الأقسام من الصحيح والحسن
والضعيف المتشعب منه أنواع كثيرة، وما يتصل بها من المتممات مما يسمى علم الاصطلاح مما يأتي
في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى. وإما أن يكون بحفظ متونها من التغيير والتبديل بالإتقان وتفهم
معانيها واستنباط العلوم منها كما سيأتي إن شاء الله تعالى في هذا الشرح بعون الله سبحانه، لأن
جلّها بل كلها من جوامع كلمه التي خصّ بها لا سيما هذه الكلمة الفاذة الجامعة مع قصر متنها
وقرب طرفيها علوم الأوّلين والآخرين. وقوله أو فريضة عادلة أي مستقيمة مستنبطة من الكتاب
والسُّنّة والإجماع. وقوله: ((وما سوى ذلك فهو فضل)) أي لا مدخل له في أصل علوم الدين، بل
ربما يستعاذ منه حينًا كقوله: ((أعوذ بك من علم لا ينفع)) ولله درّ أبي بكر حميد القرطبيّ فلقد أحسن
وأجاد حيث قال :
نور الحديث مبين فادن واقتبس واحد الركاب له نحو الرضا الندس
أعلامه برباها يا ابن الدلس
عمرًا يفوتك بين اللحظ والنفس
شغل اللبيب بها ضرب من الهوس
ولا أتت عن أبي هرّ ولا أنس
ليست برطب إذا عدت ولا يبس
أجدى وجدك منها نغمة الجرس
وكن إذا سألوا تعزى إلى خرس
يجلو بنور هداه كل ملتبس
حمى لمحترس نعم لمبتئس
واطلبه بالصين فهو العلم إن رفعت
فلا تضغ في سوى تقييد شارده
وخل سمعك عن بلوى أخي جدل
ما إن سمت بأبي بكر ولا عمر
إلا هوى وخصومات ملفقة
فلا يغرّك من أربابها هذر
أعرهم أذنّا صمًّا إذا نطقوا
ما العلم إلا كتاب الله أو أثر
نور لمقتبس خير لملتمس
فاعكف ببابهما على طلابهما تمحو العمى بهما عن كل ملتمس

٩
المقدمة
تغسل بماء الهدي ما فيه من دنس
ورد بقلبك عذبًا من حياضهما
من هديهم أبدًا تدنو إلى قبس
واقف النبيّ وأتباع النبيّ وكن
واندب مدارسهم بالأربع الدرس
والزم مجالسهم واحفظ مجالسهم
تكن رفيقهم في حضرة القدس
واسلك طريقهم واتبع فريقهم
فحط رحلك قد عوفيت من تعس
تلك السعادة إن تلمم بساحتها
ومن شرف أهل الحديث ما رويناه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال
رسول الله وَالر: ((إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علّ صلاة)). قال الترمذي حسن غريب.
وفي سنده موسى بن يعقوب الزمعيّ قال الدارقطني إنه تفرّد به، وقال ابن حبان في صحيحه في
هذا الحديث بيان صحيح. على أن أولى الناس برسول الله وَلّر في القيامة أصحاب الحديث، إذ ليس
من هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه منهم. وقال غيره المخصوص بهذا الحديث نقلة الأخبار الذين
يكتبون الأحاديث ويذبّون عنها الكذب آناء الليل وأطراف النهار. وقال الخطيب في كتابه شرف
أصحاب الحديث قال لنا أبو نعيم: هذه منقبة شريفة يختص بها رواة الآثار ونقلتها لأنه لا يعرف
لعصابة من العلماء من الصلاة على رسول الله وس# أكثر ما يعرف لهذه العصابة نسخًا وذكرًا. وقال
أبو اليمن بن عساكر: ليهن أهل الحديث كثرهم الله تعالى هذه البشرى، فقد أتم الله تعالى نعمه
عليهم بهذه الفضيلة الكبرى، فإنهم أولى الناس بنبيّهم ◌َلّر، وأقربهم إن شاء الله تعالى وسيلة يوم
القيامة إلى رسول الله وَالير، فإنهم يخلدون ذكره في طروسهم، ويجددون الصلاة والتسليم عليه في
معظم الأوقات في مجالس مذاكرتهم وتحديثهم ودروسهم، فهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية جعلنا
الله تعالى منهم وحشرنا في زمرتهم آمين.

الفصل الثاني
في ذكر أوّل مَن دوّن الحديث
والسُّنن ومَن تلاه في ذلك سالكًا أحسن السُّنن
اعلم أنه لم يزل الحديث النبويّ والإسلام غض طريّ والدين محكم الأساس قويّ، أشرف
العلوم وأجلّها لدى الصحابة والتابعين وأتباعهم خلفًا بعد سلف، لا يشرف بينهم أحد بعد حفظ
التنزيل إلا بقدر ما يحفظ منه، ولا يعظم في النفوس إلا بحسب ما سمع من الحديث عنه، فتوفرت
الرغبات فيه وانقطعت الهمم على تعلمه، حتى رحلوا المراحل ذوات العدد، وأفنوا الأموال والعدد،
وقطعوا الفيافي في طلبه وجابوا البلاد شرقًا وغربًا بسببه، وكان اعتمادهم أوّلاً على الحفظ والضبط
في القلوب والخواطر، غير ملتفتين إلى ما يكتبونه، ولا معوّلين على ما يسطرونه، وذلك لسرعة
حفظهم وسيلان أذهانهم. فلما انتشر الإسلام واتسعت الأمصار وتفرّقت الصحابة في الأقطار،
وكثرت الفتوحات ومات معظم الصحابة وتفرّق أصحابهم وأتباعهم، وقلّ الضبط واتسع الخرق وكاد
الباطل أن يلتبس بالحق، احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة، فمارسوا الدفاتر وسايروا
المحابر وأجالوا في نظم قلائده أفكارهم، وأنفقوا في تحصيله أعمارهم، واستغرقوا لتقييده ليلهم.
ونهارهم، فأبرزوا تصانيف كثرت صنوفها، ودوّنوا دواوين ظهرت شفوفها، فاتخذها العالمون قدوة،
ونصبها العالمون قبلة، فجزاهم الله سبحانه وتعالى عن سعيهم الحميد أحسن ما جزى به علماء أمّة
وأحبار ملّة. وكان أوّل من أمر بتدوين الحديث وجمعه بالكتابة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه
خوف اندراسه، كما في الموطأ رواية محمد بن الحسن ((أخبرنا يحيى بن سعيد أن عمر بن عبد العزيز
كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن انظر ما كان من حديث رسول الله وَله أو سنته،
فاکتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء)) .
وأخرج أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أهل الآفاق ((انظروا
إلى حديث رسول الله وَلقر فاجمعوه)). وعلّقه البخاريّ في صحيحه. فيستفاد منه كما قال الحافظ ابن

١١
المقدمة
حجر ابتداء تدوين الحديث النبويّ. وقال الهرويّ في ذم الكلام: ((ولم تكن الصحابة ولا التابعون
يكتبون الأحاديث إنما كانوا يؤدونها حفظًا ويأخذونها لفظًا إلا كتاب الصدقات، والشيء اليسير
الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء، حتى خيف عليه الدروس وأسرع في العلماء الموت، أمر
عمر بن عبد العزيز أبا بكر بن محمد فيما كتب إليه أن انظر ما كان من سنّة أو حديث فاكتبه)).
وقال في مقدمة الفتح: وأوّل من جمع في ذلك الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما،
وكانوا يصنفون كل باب على حدة، إلى أن انتهى الأمر إلى كبار الطبقة الثالثة، وصنّف الإمام
مالك بن أنس الموطأ بالمدينة، وعبد الملك بن جريح بمكة، وعبد الرحمن الأوزاعيّ بالشام، وسفيان
الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بن دينار بالبصرة، ثم تلاهم كثير من الأئمة في التصنيف كلٍّ على
حسب ما سنح له، وانتهى إليه علمه، فمنهم من رتب على المسانيد كالإمام أحمد بن حنبل
وإسحاق بن راهويه وأبي بكر بن شيبة وأحمد بن منيع وأبي خيثمة والحسن بن سفيان وأبي بكر البزار
وغيرهم، ومنهم من رتّب على العلل بأن يجمع في كل متن طرقه واختلاف الرواة فيه، بحيث يتضح
إرسال ما يكون متصلاً أو وقف ما يكون مرفوعًا أو غير ذلك، ومنهم من رتبه على الأبواب الفقهية
وغيرها ونوّعه أنواعًا وجمع ما ورد في كل نوع وفي كل حكم إثباتًا ونفيًا في باب فباب، بحيث
يتميز ما يدخل في الصوم مثلاً عما يتعلق بالصلاة، وأهل هذه الطريقة منهم من تقيد بالصحيح
كالشيخين وغيرهما، ومنهم من لم يتقيد بذلك كباقي الكتب الستة. وكان أوّل من صنّف في
الصحيح محمد بن إسماعيل البخاري أسكننا الله تعالى معه في بحبوحة جنانه بفضله الساري، ومنهم
المقتصر على الأحاديث المتضمنة للترغيب والترهيب، ومنهم من حذف الإسناد واقتصر على المتن فقط
کالبغوي في مصابيحه واللؤلؤي في مشکاته.
وبالجملة فقد كثرت في هذا الشأن التصانيف، وانتشرت في أنواعه وفنونه التآليف، واتسعت
دائرة الرواية في المشارق والمغارب، واستنارت مناهج السُّنّة لكل طالب.

الفصل الثالث
في نبذة لطيفة جامعة لفرائد فوائد مصطلح الحديث عند أهله وتقسيم أنواعه وكيفية
تحمله وأدائه ونقله مما لا بدّ للخائض في هذا الشرح منه لما علم أن لكل أهل فنّ
اصطلاحًا يجب استحضاره عند الخوض فيه
وأوّل من صنّف في ذلك القاضي أبو محمد الرامهرمزي في كتابه المحدّث الفاضل، والحاكم
أبو عبد الله النيسابوري، ثم أبو نعيم الأصبهاني، ثم الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في كتابه
الكفاية في قوانين الرواية، وكتاب الجامع لآداب الشيخ والسامع، ثم القاضي عياض في الإلماع،
والحافظ القطب أبو بكر بن أحمد القسطلاني في المنهج المبهج عند الاستماع لمن رغب في علوم
الحديث على الاطلاع، وأبو جعفر الميانجي في جزء سمّاه ما لا يسع المحدّث جهله، ثم الحافظ أبو
عمرو بن الصلاح، فعكف الناس عليه وساروا بسيره، فمنهم الناظم له والمختصر والمستدرك عليه،
والمقتصر والمعارض له والمنتصر، فجزاهم الله تعالى خيرًا.
وإذا علم هذا فليعلم أنهم قسموا السنن المضافة له وَ لّر قولاً وفعلاً أو تقريرًا، وكذا وصفًا
وخلقًا ككونه ليس بالطويل ولا بالقصير، وأيامًا كاستشهاد حمزة وقتل أبي جهل، إلى متواتر،
ومشهور، وصحيح، وحسن، وصالح، ومضعف وضعيف، ومسند، ومرفوع، وموقوف،
وموصول، ومرسل، ومقطوع، ومنقطع، ومعضل، ومعنعن، ومؤنن، ومعلق، ومدلس،
ومدرج، وعال، ونازل، ومسلسل، وغريب، وعزيز، ومعلل، وفرد، وشاذ، ومنكر، ومضطرب،
وموضوع، ومقلوب، ومركب، ومنقلب، ومدبج، ومصحف، وناسخ، ومنسوخ، ومختلف.
فالمتواتر الذي يرويه عدد تحيل العادة تواطؤهم على الكذب من ابتدائه إلى انتهائه، وينضاف
لذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه، كحديث ((من كذب علّ متعمدًا)) فنقل النوويّ أنه جاء
عن مائتين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
والمشهور وهو أوّل أقسام الآحاد ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين، كحديث ((إنما الأعمال

١٣
المقدمة
بالنيّة)) لكنه إنما طرأت له الشهرة من عند يحيى بن سعيد، وأوّل إسناده فرد، وهو ملحق بالمتواتر
عندهم، إلا أنه يفيد العلم النظريّ.
والصحيح ما اتصل سنده بعدول ضابطين بلا شذوذ، بأن لا يكون الثقة خالف أرجح منه
حفظًا أو عددًا مخالفة لا يمكن الجمع، ولا علة خفية فادحة مجمع عليها، أي إسناده ضعيف لا أنه
مقطوع به في نفس الأمر، لجواز خطأ الضابط الثقة ونسيانه. نعم يقطع به إذا تواتر، فإن لم يتصل
بأن حذف من أوّل سنده أو جميعه لا وسطه فمعلق، وهو في صحيح البخاريّ يكون مرفوعًا
وموقوفًا، يأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى في الفصل التالي، والمختار لا يجزم في سند بأنه أصح
الأسانيد مطلقًا غير مقيد بصحابي، تلك الترجمة لعسر الإطلاق، إذ يتوقف على وجود درجات
القبول في كل فرد فرد من رواة السند المحكوم له، فإن قيد بصاحبها ساغ، فيقال مثلاً أصح أسانيد
أهل البيت جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه عن علي رضي الله عنه إذا كان الراوي عن جعفر ثقة،
وأصح أسانيد الصدّيق رضي الله عنه إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر،
وأصح أسانيد عمر رضي الله عنه الزهريّ عن سالم عن أبيه عن جدّه، وأصح أسانيد أبي هريرة
رضي الله عنه الزهريّ عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وأصح أسانيد ابن عمر مالك عن نافع
عن ابن عمر، وأصح أسانيد عائشة عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها وعنهم
أجمعين. ويحكم بتصحيح نحو جزء نص على صحته من يعتمد عليه من الحفاظ النقاد، أو لم ينص
على صحته معتمد، فالظاهر جواز تصحيحه لمن تمكنت معرفته وقوي إدراكه كما ذهب إليه ابن
القطان والمنذريّ والدمياطيّ والسبكيّ وغيرهم، خلافًا لابن الصلاح، حيث منع لضعف أهل هذه
الأزمان.
والحسن ما عرف مخرّجه من كونه حجازيًّا شاميًّا عراقيًّا مكيًّا كوفيًّا، كأن يكون الحديث عن
راوٍ قد اشتهر برواية أهل بلده، كقتادة في البصريين، فإن حديث البصريين إذا جاء عن قتادة ونحوه
كان مخرجه معروفًا، بخلافه عن غيره. والمراد به الاتصال، فالمنقطع والمرسل والمعضل لغيبة بعض
رجالها لا يعلم مخرج الحديث منها لا يسوغ الحكم بمخرجه، فالمعتبر الاتصال، ولو لم نعرف
المخرج، إذ كل معروف المخرج متصل ولا عكس، وشهرة رجاله بالعدالة والضبط المنحط عن
الصحيح، ولو قيل هذا حديث حسن الإسناد أو صحيحه فهو دون قولهم حديث حسن صحيح أو
حديث حسن، لأنه قد يصح أو يحسن الإسناد لاتصاله وثقة رواته وضبطهم دون المتن، الشذوذ أو
علة. وما قيل فيه حسن صحيح أي صح بإسناد وحسن بآخر.
والصالح دون الحسن، قال أبو داود وما كان في كتابي السنن من حديث فيه وهن شديد، فقد
بيّته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح. وبعضها أصح من بعض اهـ. قال الحافظ ابن حجر لفظ
صالح في كلامه أعمّ من أن يكون للاحتجاج أو للاعتبار، فما ارتقى إلى الصحة ثم إلى الحسن فهو
بالمعنى الأوّل، وما عداهما فهو بالمعنى الثاني، وما قصر عن ذلك فهو الذي فيه وهن شدید.

١٤
المقدمة
والمضعف ما لم يجمع على ضعفه بل في متنه أو سنده تضعيف لبعضهم وتقوية للبعض الآخر
وهو أعلى من الضعيف وفي البخاري منه.
والضعيف ما قصر عن درجة الحسن وتتفاوت درجاته في الضعف بحسب بعده من شروط
الصحة .
والمسند ما اتصل سنده من رواته إلى منتهاه رفعًا ووقفًا.
والمرفوع ما أضيف إلى النبي وَلّر من قول أو فعل أو تقرير متصلاً كان أو منقطعًا، ويدخل فيه
المرسل ويشمل الضعيف.
والموقوف ما قصر على الصحابيّ قولاً أو فعلاً ولو منقطعًا، وهل يسمى أثرًا؟ نعم. ومنه قول
الصحابي: كنا نفعل ما لم يضفه إلى النبي ◌َلّر، فإن أضافه إليه كقول جابر: كنّا نعزل على عهد
رسول الله ◌َّر، فمن قبيل المرفوع وإن كان لفظه موقوفًا لأن غرض الراوي بيان الشرع. وقيل لا
يكون مرفوعًا. وقول الصحابي من السنة كذا أو أمرنا بضم الهمزة، أو كنا نؤمر أو نهينا أو أبيح،
فحكمه الرفع أيضًا، كقول الصحابي: أنا أشبهكم صلاة به رَّظهر، كتفسير تعلق بسبب النزول،
وحديث المغيرة: ((كان أصحاب رسول الله (َّ﴿ يقرعون بابه بالأظافير)) صوّب ابن الصلاح رفعه،
وقال الحاكم موقوف، وقول التابعي فمن دونه يرفعه أو رفعه أو مرفوعًا أو يبلغ به أو يرويه أو ينمّيه
بفتح أوّله وسكون ثانيه وكسر ثالثه، أو يسنده أو يأثره مرفوع بلا خلاف، والحامل له على ذلك
الشك في الصيغة التي سمع بها، أهي: قال رسول الله وله أو النبيّ أو نحو ذلك، كسمعت أو
حدّثني، وهو تمن لا يرى الإبدال أو طلبًا للتخفيف وإيثارًا للاختصار أو للشك في ثبوته أو ورعًا،
حيث علم أن المرويّ بالمعنى فيه خلاف، وفي بعض الأحاديث قول الصحابي عن النبي ێر يرفعه،
وهو في حكم قوله عن الله تعالى، ولو قال تابعيّ كنّا نفعل، فليس بمرفوع ولا بموقوف إن لم يضفه
لزمن الصحابة، بل مقطوع. فإن أضافه لزمنهم احتمل الوقف، لأن الظاهر اطّلاعهم عليه
وتقريرهم، واحتمل عدمه لأن تقرير الصحابي قد لا ينسب إليه بخلاف تقريره بَالر، وإذا أتى شيء
عن صحابي موقوفًا عليه مما لا مجال للاجتهاد فيه كقول ابن مسعود: من أتى ساحرًا أو عرّافًا فقد
كفر بما أنزل على محمد والهير، فحكمة الرفع تحسينًا للظن بالصحابة. قاله الحاكم.
والموصول ويسمى المتصل ما اتصل سنده رفعًا ووقفًا لا ما اتصل للتابعي، نعم يسوغ أن يقال
متصل إلى سعيد بن المسيب أو إلى الزهري مثلاً.
والمرسل ما رفعه تابعي مطلقًا أو تابعي بكبير إلى النبي ◌َّز، وهو ضعيف لا يحتج به عند
الشافعي والجمهور، واحتج به أبو حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه، فإن اعتضد بمجيئه من وجه
آخر مسندًا أو مرسلاً آخر أخذ مرسله العلم عن غير رجال المرسل الأوّل، احتج به. ومن ثم احتج
الشافعي بمراسيل سعيد بن المسيب، لأنها وجدت مسانيد من وجوه أُخر. قال النووي: إنما اختلف

١٥
المقدمة
أصحابنا المتقدمون في معنى قول الشافعي إرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن على قولين، أحدهما
أنه حجة عنده بخلاف غيرها من المراسيل لأنها وجدت مسندة، ثانيهما أنها ليست بحجة عنده بل
كغيرها، وإنما رجح الشافعي بمرسله، والترجيح بالمرسل جائز. قال الخطيب: والصواب الثاني.
وأما الأول فليس بشيء لأن في مراسيل سعيد ما لم يوجد بحال من وجه يصح، وأما مرسل
الصحابي كابن عباس وغيره من صغار الصحابة عنه وَّر مما لم يسمعوه منه فهو حجة، وإذا تعارض
الوصل والإرسال بأن تختلف الثقات في حديث فيرويه بعضهم متصلاً وآخر مرسلاً، كحديث ((لا
نكاح إلا بولّ)) رواه إسرائيل وجماعة عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي بردة عن أبي موسى عن
النبي ◌َّر. ورواه الثوري وشعبة عن أبي إسحق عن أبي بردة عن النبي ◌َّر، فقيل الحكم للمسند إذا
كان عدلاً ضابطًا، قال الخطيب وهو الصحيح، وسئل عنه البخاري فحكم لمن وصل، وقال الزيادة
من الثقة مقبولة، هذا مع أن المرسل شعبة وسفيان ودرجتهما من الحفظ والإتقان معلومة، وقيل
الحكم للأكثر، وقيل للأحفظ، وإذا قلنا به وكان المرسل الأحفظ فلا يقدح في عدالة الواصل وأهليته
على الصحيح، وإذا تعارض الرفع والوقف بأن يرفع ثقة حديثًا وقفه ثقة غيره، فالحكم للرافع لأنه
مثبت وغيره ساكت، ولو كان نافيًا، فالمثبت مقدّم وتقبل زيادة الثقات مطلقًا على الصحيح، سواء
كانت من شخص واحد، بأن رواه مرّة ناقصًا ومرّة أخرى وفيه تلك الزيادة، أو كانت الزيادة من
غير من رواه ناقصًا، وقيل بل مردودة مطلقًا، وقيل مردودة منه مقبولة من غيره، وقال الأصوليون
إن اتحد المجلس ولم يحتمل غفلته عن تلك الزيادة غالبًا ردّت، وإن احتمل قبلت عند الجمهور، وإن
جهل تعدد المجلس، فأولى بالقبول من صورة اتحاده، وإن تعددت يقينًا قبلت اتفاقًا.
والمقطوع ما جاء عن تابعي من قوله أو فعله موقوفًا عليه وليس بحجة.
والمنقطع ما سقط من رواته واحد قبل الصحابيّ، وكذا من مكانين وأكثر، بحيث لا يزيد كل
ما سقط منها على راوٍ واحد.
والمعضل ما سقط من رواته قبل الصحابي اثنان فأكثر، مع التوالي، كقول مالك قال رسول
الله ◌َله، ولعدم التقيد باثنين، قال ابن الصلاح إن قول المصنفين قال رسول الله وَلقر من قبيل
المعضل، ومنه أيضًا حذف لفظ النبي والصحابي معًا، ووقف المتن على التابعي، كقول الأعمش عن
الشعبي ((يقال للرجل يوم القيامة عملت كذا وكذا فيقول ما عملته فتنطق جوارحه)) الحديث.
والمعنعن الذي قيل فيه فلان عن فلان، من غير لفظ صريح بالسماع أو التحديث أو الإخبار
أتى عن رواة مسمين معروفين موصول عند الجمهور، بشرط ثبوت لقاء المعنعنين بعضهم بعضًا ولو
مرة، وعدم التدليس من المعنعن، لكن في شرطية ثبوت اللقاء بينهما. وكذا طول الصحبة ومعرفة
الرواية للمعنعن عن المعنعن عنه خلف، صرح باشتراط اللقاء علي بن المديني وعليه البخاري،
وجعلاه شرطًا في أصل الصحة، وعزاه النووي للمحققين، وهو مقتضى كلام الشافعي، ولم يشترطه
مسلم بل أنكر اشتراطه في مقدمة صحيحه، وادّعى أنه قول مخترع لم يسبق قائله إليه.

١٦
المقدمة
والمؤنن قول الراوي حدّثنا فلان أن فلانًا قال، وهو كعن في اللقاء والمجالسة والسماع مع
السلامة من التدليس.
والمعلق ما حذف من أوّل إسناده لا وسطه، مأخوذ من تعليق الجدار لقطع اتصاله، وسبق
ويأتي حكمه إن شاء الله تعالى في الفصل التالي بعون الله سبحانه.
والمدلس بفتح اللام المشددة ثلاثة :
أحدها، أن يسقط اسم شيخه ويرتقي إلى شيخ شيخه أو من فوقه، فيسند عنه ذلك بلفظ لا
يقتضي الاتصال، بل بلفظ موهم له، فلا يقول أخبرنا وما في معناها، بل يقول عن فلان أو قال
فلان أو أن فلانًا، موهما بذلك أنه سمعه تمن رواه عنه، وإنما يكون تدليسًا إذا كان المدلس قد عاصر
الذي روى عنه أو لقيه ولم يسمع منه أو سمع منه ولم يسمع ذلك الذي دلسه عنه، فلا يقبل ممن
عرف بذلك إلا ما صرح فيه بالاتصال، كسمعت. وفي الصحيحين من حديث أهل هذا القسم
المصرح فيه بالسمع كثير، كالأعمش والثوري وما فيهما من حديثهم بالعنعنة ونحوها، محمول على
ثبوت السماع عند المخرج من وجه آخر، ولو لم نطلع عليه تحسينًا للظن بصاحبي الصحيح.
ثانيها، تدليس التسوية بأن يسقط ضعيفًا بين شيخيهما الثقتين، فيستوي الإسناد كله ثقات،
وهو شر التدليس، وكان بقية بن الوليد أفعل الناس له.
ثالثها، تدليس الشيوخ، بأن يسمي شيخه الذي سمع منه بغير اسمه المعروف، أو ينسبه أو
يصفه بما لم يشتهر به تعمية، كيلا يعرف، وهو جائز لقصد تيقظ الطالب واختباره ليبحث عن
الرواة.
والمدرج كلام يذكر عقب الحديث متصلاً، يوهم أنه منه، أو يكون عنده متنان بإسنادين
فيرويهما بأحدهما، كرواية سعيد بن أبي مريم ((لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تنافسوا))
أدرج ابن أبي مريم ولا تنافسوا من متن آخر. أو يسمع حديثًا من جماعة مختلفين في إسناده أو متنه
فيرويه عنهم على الاتفاق، أو يسوق الإسناد فيعرض له عارض فيقول كلامًا من قبل نفسه، فيظن
بعض من سمعه أن ذلك الكلام من متن الحديث فيرويه عنه كذلك، ويكون في المتن تارة في أوّله
كحديث أبي هريرة («أسبغوا الوضوء فإن أبا القاسم وَ ﴿ قال ويل للأعقاب من النار)) فأسبغوا، من
قول أبي هريرة والباقي مرفوع. ويكون أيضًا في أثنائه وفي آخره وهو الأكثر، كحديث ابن مسعود
أنه وَّر علّمه التشهد في الصلاة، فقال التحيات لله الخ. أدرج فيه أبو خيثمة. زهير بن معاوية أحد
رواته عن الحسن بن الحر هنا كلامًا لابن مسعود، وهو فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك إن شئت
أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد.
والعالي خمسة: المطلق، وهو القرب من رسول الله وَل بعدد قليل بالنسبة إلى سند آخر يرد
بذلك الحديث بعينه بعدد كثير، أو بالنسبة لمطلب الأسانيد والقرب من إمام من أئمة الحديث ذي

١٧
المقدمة
صفة عالية كالحفظ والضبط كمالك والشافعي، والقرب بالنسبة لرواية الشيخين وأصحاب السنن
والعلو بتقدم وفاة الراوي، سواء كان سماعه مع متأخر الوفاة في آن واحد أو قبله، والعلوّ بتقدّم
السماع، فمن تقدم سماعه من شيخ أعلى ممن سمع من ذلك الشيخ نفسه بعده.
والنازل كالعالي بالنسبة إلى ضد الأقسام العالية.
والمسلسل ما ورد بحالة واحدة في الرواة أو الرواية وأصحها قراءة سورة الصف.
والغريب ما انفرد راوٍ بروايته أو برواية زيادة فيه عمّن يجمع حديثه كالزهري أحد الحفاظ في
المتن أو السند، وينقسم إلى غريب صحيح كالأفراد المخرجة في الصحيحين، وإلى غريب ضعيف
وهو الغالب على الغرائب، وإلى غريب حسن. وفي جامع الترمذي منه كثير.
والعزيز ما انفرد بروايته اثنان أو ثلاثة دون سائر رواة الحافظ المروي عنه.
والمعلل ولا يقال المعلول، خبر ظاهره السلامة لجمعه شروط الصحة، لكن فيه علة خفية فيها
غموض تظهر للنقاد أطباء السنة الحاذقين بعللها عند جمع طرق الحديث والفحص عنها، كمخالفة
راوي ذلك الحديث لغيره ممن هو أحفظ وأضبط وأكثر عددًا وتفرّده وعدم المتابعة عليه، مع قرائن
تنبّه على وهمه في وصل مرسل أو رفع موقوف أو إدراج حديث في حديث، أو لفظة أو جملة ليست
من الحديث أدرجها فيه، أو وهم بإبدال راوٍ ضعيف بثقة، ويقع في الإسناد والمتن، فالأوّل كحديث
يعلى بن عبيد عن الثوري عن عمرو بن دينار ((البيعان بالخيار)) صرح النقاد بأن يعلى غلط إنما هو
عبد الله بن دينار لا عمرو بن دينار، وشذّ بذلك عن سائر أصحاب الثوري، وسبب الاشتباه
اتفاقهما في اسم الأب وفي غير واحد من الشيوخ، وتقاربهما في الوفاة. وأما علة المتن فكحديث
مسلم من جهة الأوزاعي عن قتادة، أنه كتب إليه يخبره عن أنس أنه حدثه أنه قال صلّيت خلف
النبي ◌َّ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله ربّ العالمين لا يذكرون بسم الله
الرحمن الرحيم في أوّل قراءة ولا في آخرها، فقد أعلّ الشافعي رضي الله عنه وغيره هذه الزيادة
التي فيها عدم البسملة، بأن سبعة أو ثمانية خالفوا في ذلك واتفقوا على الاستفتاح بالحمد لله رب
العالمين، ولم يذكروا البسملة. والمعنى أنهم يبدؤون بقراءة أُم القرآن قبل ما يقرأ بعدها، ولا يعني .
أنهم يتركون البسملة. وحينئذ فكأن بعض رواته فهم من الاستفتاح نفي البسملة، فصرّح بما فهمه وهو
مخطىء في ذلك. ويتأيد بما صح عن أنس أنه سئل أكان النبي وَّر يستفتح بالحمد لله رب العالمين أو
يبسم الله الرحمن الرحيم، فقال للسائل إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه وما سألني عنه أحد قبلك،
على أن قتادة ولد أكمه وكاتبه لم يعرف، وهذا أهم في التعليل، وهذا من أغمض أنواع علوم
الحديث وأدقها ولا يقوم به إلا ذو فهم ثاقب وحفظ واسع ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وملكة قوية
ار شاد السابع/ ج ١ / ٢٥

١٨
المقدمة
بالأسانيد والمتون، وقد تقصر عبارة المعلل عن إقامة الحجة على دعواه كالصيرفيّ في نقد الدينار
والدرهم.
والفرد يكون مطلقًا بأن ينفرد الراوي الواحد عن كل واحد من الثقات وغيرهم، ويكون
بالنسبة إلى صفة خاصة، وهو أنواع: ما قيد بثقة، كقول القائل في حديث قراءته وّر في الأضحى
والفطر بقاف واقتربت، لم يروه ثقة إلا ضمرة بن سعيد، فقد انفرد به عن عبيد الله بن عبد الله عن
أبي واقد الليثي صحابيه، أو ببلد معين كمكة والبصرة والكوفة. كقول القائل في حديث أبي سعيد
الخدري المروي عند أبي داود في كتابيه السنن، والتفرد، عن أبي الوليد الطيالسي عن همام عن قتادة
عن أبي نضرة عنه، أمرنا رسول الله * أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر. لم يرو هذا الحديث غير
أهل البصرة. قال الحاكم إنهم تفردوا بذكر الأمر فيه من أول الإسناد الخ، ولم يشركهم في لفظه
سواهم. وكذا قال في حديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء النبي وسير أن قوله ومسح رأسه بماء
غير فضل يده، سنّة غريبة تفرّد بها أهل مصر لم يشركهم أحد. ولا يقتضي شيء من ذلك ضعفه إلا
أن يراد تفرّد واحد من أهل البصرة، فيكون من الفرد المطلق. والثالث ما قيد براوٍ مخصوص حيث لم
يروه عن فلان إلا فلان، كقول أبي الفضل بن طاهر عقب الحديث المروي في السنن الأربعة من
طريق سفيان بن عيينة عن وائل بن داود عن ولده بكر بن وائل عن الزهري عن أنس، أن النبي أولم
على صفية بسويق وتمر. لم يروه عن بكر إلا وائل، ولم يروه عن وائل غير ابن عيينة فهو غريب.
وكذا قال الترمذي إنه حسن غريب. قال وقد رواه غير واحد عن ابن عيينة عن الزهريّ يعني بدون
وائل وولده، قال وكان ابن عيينة ربما دلسهما، والحكم بالتفرّد يكون بعد تتبع طرق الحديث الذي
يظن أنه فرد هل شارك راويه آخر أم لا، فإن وجد بعد كونه فردًا أن راويًا آخر ممن يصلح أن يخرج
حديثه للاعتبار والاستشهاد به وافقه، فإن كان التوافق باللفظ سمي متابعًا، وإن كان بالمعنى سمي
شاهدًا، وإن لم يوجد من وجه بلفظه أو بمعناه فإنه يتحقق فيه التفرّد المطلق حينئذ. ومظنة معرفة
الطرق التي يحصل بها المتابعات والشواهد وتنتفي بها الفردية الكتب المصنفة في الأطراف، وقد مثل
ابن حبّان لكيفية الاعتبار بأن يروي حماد بن سلمة حديثًا لم يتابع عليه عن أيوب عن ابن سيرين عن
أبي هريرة عن النبي ◌َّر، فينظر هل روى ذلك ثقة غير أيوب عن ابن سيرين، فإن وجد علم به أن
للحديث أصلاً يرجع إليه، وإن لم يوجد ذلك فثقة غير ابن سيرين، رواه عن أبي هريرة، وإلا
فصحابي غير أبي هريرة رواه عن النبي ◌َّر، فأي ذلك وجد علم به أن للحديث أصلاً يرجع إليه،
وإلا فلا. وكما أنه لا انحصار للمتابعات في الثقة كذلك الشواهد، فيدخل فيهما رواية من لا يحتج
بحديثه وحده، بل يكون معدودًا في الضعفاء، وفي البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء ذكراهم في
المتابعات والشواهد، وليس كل ضعيف يصلح لذلك. وكذا قال الدارقطني فلان يعتبر به وفلان لا
يعتبر به. وقال النووي في شرح مسلم ((وإنما يدخلون الضعفاء لكون التابع لا اعتماد عليه وإنما
الاعتماد على من قبله)) اهـ.

١٩
المقدمة
قال شيخنا ولا انحصار له في هذا، بل قد يكون كلٍّ من المتابع والمتابع لا اعتماد عليه،
فباجتماعهما تحصل القوة، ومثال المتابع والشاهد ما رواه الشافعي في الأم عن مالك عن عبد الله بن
دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله وَ الر قال: ((الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى
تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه. فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)). فإنه في جميع الموطآت
عن مالك بهذا السند بلفظ فإن غم عليكم فاقدروا له. وأشار البيهقي إلى أن الشافعي تفرد بهذا اللفظ
عن مالك فنظرنا فإذا البخاري روى الحديث في صحيحه، فقال حدّثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي
حدّثنا مالك به بلفظ الشافعي سواء، فهذه متابعة تامة في غاية الصحة لرواية الشافعي، ودلّ هذا
على أن مالكًا رواه عن عبد الله بن دينار باللفظين معًا وقد توبع فيه عبد الله بن دينار من وجهين عن
ابن عمر، أحدهما أخرجه مسلم من طريق أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع، فذكر
الحديث، وفي آخره فإن غمّ عليكم فاقدروا ثلاثين. والثاني أخرجه ابن خزيمة في صحيحه من
طريق عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه عن جدّه ابن عمر بلفظ فإن غمّ عليكم فكملوا ثلاثين. فهذه
متابعة لكنها ناقصة، وله شاهدان أحدهما من حديث أبي هريرة رواه البخاري عن آدم عن شعبة عن
محمد بن زياد عن أبي هريرة بلفظ فإن غمّ عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين. وثانيهما من حديث
ابن عباس، أخرجه النسائي من رواية عمرو بن دينار عن محمد بن حنين عن ابن عباس بلفظ حدّثنا
ابن دينار عن ابن عمر سواء. وإنما أطلت الكلام في هذا لكثرة ما في البخاري منه والله سبحانه
الموفق والمعين.
والشاذ ما خالف الراوي الثقة فيه جماعة الثقات بزيادة أو نقص فيظن أنه وهم فيه. قال ابن
الصلاح الصحيح التفصيل، فما خالف فيه المنفرد من هو أحفظ وأضبط فشاذ مردود، وإن لم يخالف
بل روى شيئًا لم يروه غيره وهو عدل فصحيح أو غير ضابط، ولا يبعد عن درجة الضابط فحسن،
وإن بعد فشاذ منكر. ويكون الشذوذ في السند كرواية الترمذي والنسائي وابن ماجة من طريق ابن
عيينة عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رجلاً توفي على عهد
رسول الله وَله ولم يدع وارثًا إلى مولى هو أعتقه الحديث. فإن حماد بن زيد رواه عن عمرو مرسلاً
بدون ابن عباس، لكن قد تابع ابن عيينة على وصله ابن جريج وغيره. ويكون في المتن كزيادة يوم
عرفة في حديث ((أيام التشريق أيام أكل وشرب)) فإن الحديث من جميع طرقه بدونها، وإنما جاء بها
موسى بن علي (بالتصغير) ابن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر، كما أشار إليه ابن عبد البر. على
أنه قد صحح حديث موسى هذا ابنا خزيمة وحبان والحاكم، وقال على شرط مسلم، وقال الترمذي
حسن صحيح. وكأن ذلك لأنها زيادة ثقة غير منافية لإمكان حملها على حاضري عرفة.
والمنكر الذي لا يعرف متنه من غير جهة راويه فلا متابع له ولا شاهد، قاله البرديجي.
والصواب التفصيل الذي ذكره ابن الصلاح في الشاذ، فمثال ما انفرد به ثقة يحمل تفرّده حديث
مالك عن الزهري عن علي بن حسين عن عمر بن عثمان عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما رفعه

٢٠
المقدمة
((لا يرث المسلم الكافر)) فإن مالكًا خالف في تسمية راويه عمر بضم العين، غيره، حيث هو عندهم
عمرو بفتحها. وقطع مسلم وغيره على مالك بالوهم فيه. ومثال ما انفرد به ثقة لا يحمل تفرده
حديث أبي ذكير يحيى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها
مرفوعًا: كلوا البلح بالتمر. الحديث تفرد به أبو ذكير وهو شيخ صالح أخرج له مسلم في
صحيحه، غير أنه لم يبلغ مبلغ من يحمل تفرده، وقد ضعفه ابن معين وابن حبان، وقال ابن عدي
أحاديثه مستقيمة سوى أربعة عدّ منها هذا.
والمضطرب ما روي على أوجه مختلفة متدافعة على التساوي في الاختلاف من راوٍ واحد، بأن
رواه مرة على وجه وأخرى على آخر مخالف له، أو رواه أكثر بأن يضطرب فيه راويان فأكثر، ويكون
في سند رواته ثقات، كحديث ((شيبتني هود وأخواتها))، فإنه اختلف فيه على أبي إسحق، فقيل عنه
عن عكرمة عن أبي بكر، ومنهم من زاد بينهما ابن عباس، وقيل عنه عن أبي جحيفة عن أبي بكر،
وقيل عنه عن البراء عن أبي بكر، وقيل عنه عن أبي ميسرة عن أبي بكر، وقيل عنه عن مسروق عن
عائشة عن أبي بكر، وقيل عنه عن علقمة عن أبي بكر، وقيل عنه عن عامر بن سعد البجلي عن أبي
بكر، وقيل عنه عن عامر بن سعد عن أبيه عن أبي بكر، وقيل عنه عن مصعب بن سعد عن أبيه
عن أبي بكر، وقيل عنه عن أبي الأحوص عن ابن مسعود. وقد يكون الاضطراب في المتن، وقلّ أن
يوجد مثال سالم له كحديث نفي البسملة، حيث زال الاضطراب عنه بحمل نفي القراءة على نفي
السماع، ونفي السماع على نفي الجهر كما قرر في موضعه من المطوّلات. ثم إن الاضطراب سواء
كان في السند أو في المتن موجب للضعف لإشعاره بعدم ضبط الراوي.
والموضوع هو الكذب على رسول الله وَله، ويسمى المختلق الموضوع، وتحرم روايته مع العلم
به إلا مبينًا، والعمل به مطلقًا وسببه نسيان أو افتراء أو نحوهما، ويعرف بإقرار واضعه أو قرينة في
الراوي والمروي، فقد وضعت أحاديث يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها. وروينا عن الربيع بن
خيثم التابعي الجليل أنه قال إن للحديث ضوءاً كضوء النهار يعرف، وظلمة كظلمة الليل تنكر.
والمقلوب كحديث متنه مشهور براو كسالم أبدل بواحد من الرواة نظيره في الطبقة كنافع
ليرغب فيه لغرابته، أو قلب سند لمتن آخر مروي بسند آخر بقصد امتحان حفظ المحدث، كقلب
أهل بغداد على البخاري رحمه الله تعالى مائة حديث امتحانًا، فردّها على وجوهها كما سيأتي إن شاء
الله تعالى في ترجمته.
والمركب كإبدال نحو سالم بنافع كما مر، أو الذي ركب إسناده لمتن آخر ومتنه لإسناد متن
آخر .
والمنقلب الذي ينقلب بعض لفظه على الراوي فيتغير معناه، كحديث البخاري في باب أن رحمة
الله قريب من المحسنين عن صالح بن كيسان عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه،