النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ أول من دون الحدیث مسلم، خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن الكريم - كما مر سابقاً. وثانيهما: لسعة حفظهم وسيلان أذهانهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار - كما علمت سابقاً - وتبويب الأخبار، لما انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداعُ من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار فكان أول من جمع ذلك(١) بمكة: ابن جريج المتوفى سنة: ١٥٠ هـ، وابن إسحاق المتوفى سنة: ١٥١ هـ، وبالمدينة: سعيد بن أبي عروبة المتوفى سنة: ١٥٦ هـ، والربيع بن صبيح المتوفى سنة: ١٦٠ هـ، والإمام مالك المتوفى سنة: ١٧٩ هـ، وبالبصرة: حماد بن سلمة المتوفى سنة: ١٦٧ هـ، وبالكوفة: سفيان الثوري المتوفى سنة: ١٦١ هـ، وبالشام: أبو عمرو الأوزاعي المتوفى سنة: ١٥٧ هـ، وبواسط: هشيم المتوفى سنة ١٥٤ هـ، وبالري: جريربن عبد الحميد المتوفى سنة: ١٨٨ هـ، وبخراسان: عبد الله بن المبارك المتوفى سنة: ١٨١ هـ، وباليمن: معمر المتوفى سنة: ١٥٤ هـ، وبمصر: عبد الله بن وهب المتوفى سنة: ١٩٧ هـ، وكذلك فعل شعبة بن الحجاج المتوفى سنة: ١٦٠ هـ، والليث بن سعد المتوفى سنة: ١٧٥ هـ، وسفيان بن عيينة المتوفى سنة: ١٩٨ (٢) هـ [منهج ذوي النظر: ص: ١٨]. والظاهر أن هؤلاء كانوا في عصر واحد وهو القرن الثاني فلا يدرى أي واحد سبق لهذا، ولكن: إن ما ذكر إنما هو بالنسبة للجمع في الأبواب(٣)، فكان صنيعهم هذا هو أن يجمعوا حديث رسول اللّه وَله مختلطاً بأقوال الصحابة وفتاوى كبار التابعين مع ضم الأبواب بعضها إلى بعض في كتاب واحد، كما يتبين لنا هذا في موطأ الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى، ففيه ثلاثة آلاف مسألة وسبعمئة حدیث (٤) ثم انقضى القرن الثاني وجاء القرن الثالث وهو عصر أتباع التابعين وأتباعهم، فكان أزهى عصور السنة وأسعدها بتدوين الحديث، واستقراره في تواليف عظيمة خالدة، فقد ابتدأ التأليف في هذا القرن على طريق المسانيد خالية من فتاوى الصحابة والتابعين، وهي مقصورة على السنة النبوية وحدها، وأول من ألف تلك المسانيد أبو داود سليمان بن الجارود الطيالسي المتوفى سنة: ٢٠٤ هـ ثم تبعه بعض من عاصره من أتباع التابعين (١) مقدمة فتح الباري: ٤. (٢) تذكرة الحفاظ: ٢٢٩/١. (٣) توجيه النظر: ٨. (٤) الرسالة المستطرفة: ١١ . ٢٢ مقدمة المحقق وأتباعهم، فصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني المتوفى سنة: ٢١١ هـ وأسد بن موسى الأموي المتوفى سنة: ٢١٢ هـ، وعبيد الله بن موسى العبسي المتوفى سنة: ٢١٣ هـ ومسدد البصري المتوفى سنة: ٢٢٨ هـ، ونعيم بن حمّاد الخزاعي المصري المتوفى سنة: ٢٢٨ هـ، واقتفى الأئمة آثارهم، كأحمد بن حنبل المتوفى سنة: ٢٤١ هـ، وإسحاق بن راهويه المتوفى سنة: ٢٣٨ هـ، وعثمان بن أبي شيبة المتوفى سنة: ٢٣٩ هـ(١)، وكانت طريقة هؤلاء في التأليف أن يمزجوا فيها الصحيح بغيره ذاكرين طرقاً كثيرة لكل حديث ليتمكن بها جهابذة هذا العلم من معرفة الصحيح من الضعيف، والقوي من المعلول، وهذا لا يتيسر لكل طالب الحديث، إلا إذا كان من أئمة هذا الشأن، ثم جاء بعدهم أئمة رأوا أن يكتبوا في الحديث الصحيح فقط دون ما سواه، وظهرت الكتب الستة في هذا العصر - عصر أتباع أتباع التابعين، وكان أول من صنف ذلك إمام المحدثين، ودرة السنة في عصره أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري المتوفى سنة: ٢٥٦ هـ، ثم تبعه معاصره وتلميذه الإمام مسلم بن الحجاج القشيري المتوفى سنة: ٢٦١ هـ، فكان لهما الفضل الأول في تمهيد الطريق أمام طالب الحديث ليجد الحديث الصحيح من عناء ولا تعب، ثم تبعهما بعد ذلك كثيرون منهم: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني: المتوفى سنة: ٢٧٥ هـ، وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي المتوفى سنة: ٢٧٩ هـ، وأحمد بن شعيب النسائي الخراساني المتوفى سنة: ٣٠٣ هـ، وأبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني المتوفى سنة: ٢٧٣ هـ، وهذه الكتب قد خدمت من قبل العلماء الأفذاذ بالشرح تارة وبالاختصار تارة أخرى. ثم جاء القرن الرابع فلم يأت رجاله على رجال القرن الثالث شيئاً جديداً إلا يسيراً مما استدركوه عليهم، ومن أشهر الأئمة في هذا العصر الإمام سليمان بن أحمد الطبراني المتوفى سنة: ٣٦٠ هـ، وعلي بن عمر الدارقطني المتوفى سنة: ٣٨٥ هـ، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة المتوفى سنة: ٣١١ هـ، ومحمد بن حبان البستي المتوفى سنة: ٣٥٤ هـ، والطحاوي المتوفى سنة: ٣٢١ هـ، ثم لم يكن للعلماء بعد إلا استدراكات على كتب الصحاح، كمستدرك أبي عبد اللَّه الحاكم النيسابوري المتوفى سنة: ٤٠٥ هـ، ثم جاء بعدهم علماء متأخرون عن عصر الرواية فكان عملهم اختصاراً أو جمعاً للكتب (١) الرسالة المستطرفة: ٣٦ - ٣٧. ٢٣ أول من دون الحدیث الصحيحة، فيجمع أبو عبد الله الحميدي المتوفى سنة: ٤٤٨ هـ الصحیحین عصر ترتيب المسانيد، ثم أبو السعادات مبارك بن الأثير المتوفى سنة: ٦٠٦ هـ، جمع الكتب الستة بترتيب الأبواب، ثم نور الدين الهيثمي المتوفى سنة: ٨٠٧ هـ، ثم أخيراً الإمام السيوطي المتوفى سنة: ٩١١ هـ. وهكذا مر تدوين الحديث النبوي الشريف بأطوار طويلة وصعبة، ومراحل منتظمة حتى انتهى إلينا محرراً مضبوطاً بهذا الشكل، فجزاهم اللَّه تعالى عنا وعن المسلمين خير الجزاء، وأتمنى أن أكون قد وفقت في عرض هذه الفكرة بعد أن عشت لحظات جميلة عاطفية مع المراحل التي مر بها حديث رسول اللَّه ◌َله حيث بدأ ينتقل من أيادي أمينة موثقة إلى صدر رحب مليء بالمحبة والإخاء والرحمة وكل هذا كان في سبيل اللّه تعالى ليحظوا برضوانه ويكفيهم شرفاً ورضواناً في اللَّه تعالى أنهم كانوا من العاملين في سنّة رسول اللّه وَ له والذي قال: ((خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) فكانت العصور التي مر بها حديث رسول اللّه وَ ﴿ قبل التدوين وأثنائه وعند انتهائه تقريباً عصوراً مشهوداً لها بالخيرية، وإن أكرمني اللَّه سبحانه وتعالى فإني سأقف حياتي على خدمة السنّة النبوية الشريفة لأتأسى منهم، سائلاً المولى أن يجمعنا على كلمة واحدة تحت راية الإسلام على القرآن الكريم وعلى ما صح عن رسول اللّه وَّ إنه قريب مجيب الدعوات، وأخيراً أحمده تعالى كما حمدته في البداية، فهو الموفق والهادي وإليه المصير، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم تسليماً كثيراً وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن نهج منهجه إلى يوم الدين آمين . الإسناد من الدين إن عناية الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم والتابعين ومن بعدهم رحمهم اللَّه تعالى بالحديث الشريف والرحلة في طلبه - كما مر سابقاً - إنما كان لطلب العلو في الإسناد من جهة أولى، ومن جهة ثانية كان للتأكد من صحة ما سمعوه، وللتثبت من الراوي الذي يروي لهم حديثاً أو واقعة ما - كما سيأتي لاحقاً .. ولذلك عني العلماء سابقاً ولاحقاً بالإسناد وعدّوه من الدين، فبذلوا من أجله الدراسات، وأفردوا له التواليف الخاصة به. ولعل أفضل ما قرأت بهذا الخصوص ما كتبه شيخنا الهمام فضيلة العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة حفظه اللَّه تعالى وأمتعه بعمره، وجعله ذخراً للإسلام والمسلمين في كتابه: ((الإسناد من الدین» حیث قال: لقد أكرم الله تعالى هذه الأمةَ الإسلاميةَ المحمدية، بخصائص كثيرة، ومزايا وفيرة، منها ما يتعلق بذات الشريعة المطهرة، وألوانِ العبادات والمعاملات والطاعات والمثوبات، يُسراً وسهولةً ومضاعفةَ أجر ... ومنها ما يتعلّق بخدمةِ الشريعة ونقلها وتبليغها وتدوينها وضبطها وحفظها ... وفي كل ناحيةٍ من هاتين الناحيتين خصائصُ غيرُ قليلة(١). (١) انظر - إذا شئت - خصائصَ الأمة المحمدية في ((المواهب اللدنية)) للقسطلاني ١: ٤٢٢ - ٤٣٣، وقد أوصَلَها إلى ٣٩ خَصِيصة، أو في ((شرح المواهب اللدنية)) للزرقاني ٥: ٣٩٨ - ٤٧٤. ٢٥ الإسناد من الدین ومن أهم هذه الخصائص للأمة المحمدية خصيصةُ (الإسناد) في تبليغ الشريعة المطهرة وعلومِها من السلفِ إلى الخلف، فقد كان الإسنادُ الشرطَ الأولَ في كل علم منقول فيها، حتى في الكلمةِ الواحدة، يتلقاها الخالفُ عن السالف، واللاحقُ عن الساق بالإسناد، حتى إذا مَنَّ اللّه تعالى على الأمة بتثبيت نصوص الشريعة وعلومها، وأصبحت راسخة البنيان، محفوظةً من التغيير والتبديل، تسامَحَ العلماءُ في أمر الإسنادِ، اعتماداً مِنهم على شيوع التدوين وثبوت معالم الدين. قال العلماء: (الإسنادُ) هو مصدرٌ من قولك: أسندتُ الحديثَ إلى قائِلِه، إذا رفعتَه إليه بذكر ناقله. فمثلاً قولُ الإمام أبي عبد اللَّه البخاري رحمه الله تعالى في كتابه الذي سَمَّاه: (الجامِعُ المُسْنَدِ الصحيحُ المختَصَرُ من أُمُورِ رسولِ اللهِهِ وَسُنَّتِهِ وأيَّامِهِ))(١)، في كتاب (١) هكذا كاملُ اسم ((صحيح البخاري)) عند غير واحد من العلماء كما يأتي نقلُ عباراتهم، وقال الحافظ ابن حجر في ((هدي الساري)) ص ٦ من الطبعة البولاقية، و١: ٥ من الطبعة المنيرية، وص ٨ من الطبعة السلفية: ((الفصلُ الثاني في بيانِ موضوع جامِعِهِ الصحيح والكشفِ عن مَغْزَاهُ فيه: تقرَّر أنه التَّزَمَ فيه الصحة، وأنه لا يُورِدُ فيه إلا حديثاً صحيحاً، هذا أصلُّ مَوْضُوعِه، وهو مستفادٌ من تسميتِهِ إياه: (الجامعُ الصحيحُ المستَّدُ من حديثٍ رسول اللَّهِ﴿ وسننه وأيامِه).)). انتهى. وفي الاسم الذي ذكره لصحيح البخاري نظر، فقد قال ابن الصلاح في ((مقدمته)) في علوم الحديث ص ٢٤ - ٢٥، في (النوع الأول: الصحيح)، في الفائدة السادسة: ((اسمُّهُ الذي سَمَّاهُ - البخاريُّ - به: (الجامعُ المسنَدُ الصحيحُ المختَصَرُ مِنْ أُمُورِ رسول اللَّه ◌َلْهِ وسُنَتِهِ وأيامِه).)). وبمثلِهِ تماماً نَقَل اسمَهُ عن البخاري الحافظ أبو نصر الكَلاَبَاذِيُّ في أوائل كتابه ((رجال صحيح البخاري)) ١: ٢٤. وبمثلِهِ تماماً سمَّاه الحافظُ ابنُ خَيْر الإشبيلي في ((فهرستِ ما رواه عن شيوخه)) ص ٩٤ . وبمثلِهِ تماماً أيضاً قال الإمامُ النووي في القطعة التي شَرَحها من ((صحيح البخاري)) ص ٧، وفي كتابه ((تهذيب الأسماء واللغات)) ١: ٧٣، في ترجمة البخاري، قال: ((أمَّا اسمُ صحيح البخاري فسمَّاه مؤلّفُه أبو عبد اللَّه البخاري رحمه الله: (الجامعُ المسنَدُ الصحيحُ المختصَرُ من أمورٍ رسول اللّهِ وَّهُ وسُنَتِهِ وأيامِه).)). انتهى. وبمثلِهِ تماماً سمَّاء الحافظ ابنُ رُشَيْد السَّبْتي الأندلسي في كتابه «إفادة النَّصِیح في التعريف بسند الجامع الصحيح، ص ١٦ . وهكذا قال البدرُ العيني في ((عمدة القاري)) ١: ٥ «سَمَّى البخاريُّ كتابَه: (الجامعُ المسنَدُ الصحیحُ المختَصَرُ من أمورِ رسول اللّهِ﴿ وسُنَتِهِ وأيامِه).)). انتهى. وقد جاء هذا الاسمُ على وجهِ مخطوطتين قديمتين، أوردتُ صورتَهُ فيهما بآخر الكتاب. فالاسمُ الذي أورده الحافظ ابن حجر فيه قصور، والدِّقَّهُ والتَّمَامُ فيما ذكره الآخرون، فعند الحافظ ابن حجر قُدِّمَ لفظُ (الصحيحُ) على (المستَدُ)، والأقوَمُ تأخيرُه كما جاء عند الآخرين، ونَقَصَ عنده - ٢٦ مقدمة المحقق = لفظُ (المختَصَرُ من أُمورِ رسول اللَّه)، وجاء بدلاً عنه (من حديثٍ رسول اللَّه)، وما عندهم أدَقُّ وأشمَلُ. ومن العَجَبِ كلِّ العَجَب أن هذا الاسم لكتاب ((صحيح البخاري))، لم يُثَبت على نسخة من طبعات الكتاب التي وقفتُ عليها، وحَقُّه أن يُثبتَ على وجه كل جزءٍ من أجزائه، ليَدُلَّ على مضمونِهِ بالاسم العَلَمي الذي سَمَّاه به مؤلّفُهُ رضي الله عنه. وقُلْ مِثْلَ هذا في إثباتِ اسم ((صحيح مسلم)) عليه، وقد سَمَّاه الحافظ ابن خير الإشبيلي في ((فهرست ما رواه عن شيوخه)) ص٩٨ّ ((المسند الصحيح المختصر من السُّنَن بنقلِ العدلِ عن العدلِ عن رسول اللَّهِ وَ﴾)). وقُلْ مثلَ ذلك في إثبات اسم كتابٍ الترمذيِّ عليه، فقد أُثْبِتَ على وجهِ المطبوع منه بالقاهرة ثم في بيروت: ((صحيحُ الترمذي بشرح الإمام ابن العربيٍ)). وهو خطأ، فليس هو مُسمَّىَ بالصحيحِ. والعَجبُ أن شيخنا العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى، حينما شَرَح كتاب الترمذي أَثْبَتَ على وجهه ((الجامعُ الصحيحُ، وهو سُنَّنُ الترمذي)). فالجزءُ الثاني من هذا الاسم: (وهو سُنَّنُ الترمذي)، من باب رعايةِ المعنى والمضمونِ للكتاب فلا مانعَ منه، وقد اشتَهَر به أيضاً كما أشار إليه صاحبُ (كشف الظنون)) ١: ٥٥٩، أما الجزءُ الأوَّلُ من هذا الاسم وهو: (الجامعُ الصحيحُ)، فهذا الوصفُ: (الصحيحُ) ما كان ينبغي له إثباتُهُ على وجهِ الكتاب، وقد أثبتَهُ غيرَ مرة: في وجهِ الجزء الأولِ، وفي ص ٩٠ من المقدمة، وفي وجهٍ أول الكتاب بعدَ المقدمة، وفي وجه الجزء الثاني من طبعة مصطفى البابي الحلبي. وتابَعَ شيخُنا في هذا: مَنْ تساهَلَ في إطلاق هذا الوصف على كتاب الترمذي، فقد أطلق الحاكمُ عليه اسمَ (الجامع الصحيح)، وأطلَق الخطيبُ عليه أيضاً اسمَ (الصحيح)، كما حكاه عنهما الحافظ ابنُ الصلاح في ((مقدمته)»، في آخر (النوع الثاني: الحسن)، وتعقَّبِه بقوله: ((وهذا تساهلٌ، لأن فيها - أي في الكتب المعدود فيها كتاب الترمذي - ما صرحوا بكونه، ضعيفاً أو منكراً أو نحوَ ذلك من أوصافِ الضعیف». انتهى. وقال الحافظ الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) ١٣: ٢٧٤، في ترجمة الترمذي: ((في ((الجامع)) عِلْمٌ نافع، وفوائدُ غَزِيرة، ورُؤُوسُ المسائل، وهو أحَدُ أصول الإسلام، لولا ما كدَّره بأحاديثَ واحية، بعضها موضوع، وكثيرٌ منها في الفضائل)). انتهى. وقال الذهبي أيضاً: ((انحطَّتْ رُقبةُ جامع الترمذي عن سنن أبي داود والنسائي، لإخراجه حديثَ المَصْلُوب والكَلْبِي وأمثالِهما»، نقَلَه السيوطي في ((تدريب الراوي)) ص ٩٩، في أواخر الكلام على (الحديث الحسن). فَوَصْفُ ((جامع الترمذي)) بلفظِ (الصحيح) غيرُ صحيح، فلا يَسُوغ إثباتُه عليه. وسمَّاه الحافظ أبو القاسم الإسْعَرْدِي المتوفى سنة ٦٩٢ رحمه الله تعالى، في جزئه ((فضائل الكتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي)» ص ٣٨: ((المُسْنَد الجامع)). انتهى. وهذا لائقٌ به، وسَمَّاه قبلَه الحافظ ابنُ خَيْرِ الإشبيليُّ المتوفى سنة ٥٧٥ رحمه اللَّه تعالى، في ((فهرست ما رواه عن شيوخه)) ص ١١٧ = ٢٧ الإسناد من الدین العلم، في (باب إثم من كَذَبَ على النبي (وَيرِ) (١): ((حدَّثَنَا مكيُّ بن إبراهيم، قال: حدَّثَنا يزيدُ بنُ أبي ◌ُبيد الله - وهو مَوْلَى سَلَمَة بن الأكوع -، عن سَلَمَة، قال: سمعتُ النبيَّ وَّه يقول: من يَقُلْ عليَّ ما لم أَقُل، فلْيَتبؤَّأ مقعدَهُ من النار)): يُسمَّى إسناداً. وذاتُ السلسلةِ التي ذَكَرَ فيها البخاريُّ الزُّوَاةَ تُسمّى (سَنَداً). وعرَّفوا (الإسناد) بقولهم: هو حِكايةُ طريق متن الحديث. وعرَّفوا (السَّند) بأنه طريقُ متن الحديث. وسُمِّي (سَنَداً) لاعتماد الحفاظ عليه في الحكم بصحة الحديث أو ضعفه، أخذاً من معنى (السَّنَد) لغةً، وهو ما استندتَ إليه من جِدارٍ أو غيرِهِ. وعلى هذا: فـ (الإسنادُ) هو قولُك أو قولُ البخاري مثلاً: حدَّثَنا فلان، قال: حدثنا فلان ... و (السَّنَدُ) هو أولئك الرواةُ الناقلون المذكورون قبل مَثْن الحديث. ومتنُ الحديث هنا قولُه وَّهُ: ((من يَقُلْ عليَّ ما لم أقل ... )). والمحدِّثون يستعملون كلّ من (السَّنَد) و (الإسناد) في موضعِ الآخر، ويُعرَف المراد بالقرائن. قال العلامة الشيخ طاهر الجزائري رحمه اللّه تعالى، في ((توجيه النظر إلى أصول الأثر))(٢): ((وأما الإسنادُ فقد عرفتَ أنه مصدرُ (أَسنَدَ)، ولذلك لا يُثَنَّى ولا يُجمَع، وكثيراً ما يُرادُ به (السّنّدُ) فيُثنى ويُجمَع، تقول: هذا حديثٌ له إسنادان، وهذا حديثٌ له أسانید. وأما (السَّنَّدُ) فيُثَنَّى ولا يُجمَع، تقول: هذا حديثٌ له سَنَدان، ولا يقال: هذا حديثٌ له أَسْنَاد بوزن أَوْتَاد، وكأنهم استغنَوْا بجَمْع (الإسناد) بمعنى (السَّنَد) عن جمعه. وقد ذكَرَ بعضُ اللغويين أن (السّنَد) بمعانيه اللغوية لم يُجمَع أيضاً). انتهى(٣). بقوله: ((الجامعُ المختَصَرُ من السُّنَنِ عن رسولِ اللَّهِ ﴾ ومعرفةُ الصحيح والمعلولِ وما عليه = العَمَلُ)). انتهى. وهذا الاسمُ مطابقٌ لَمضمون الكتاب، ووقفتُ عليه بعينه مُثْبَتَاً على مخطوطتين قديمتين، كَتَبَتْ إحداهما قبلَ سنة ٤٨٠، وقبل ولادة ابن خير سنة ٥٠٢، والأخرى في سنة ٥٨٢، وأثبتُّ صورةً وجههما بآخر الكتاب. (١) ١: ٢٠١ بشرح ((فتح الباري)) طبعة السلفية سنة ١٣٨٠. (٢) ص ٢٥. (٣) قلتُ: نَفْيُ بعضِ اللغويين جَمْعَ (السَّنَدِ) بمعانيه اللغوية على (أسناد) مخالفٌ لما في أمهات كتب اللغة، ففي ((الجمهرة)) لابن دريد ٢: ٢٦٦ ((السَّنّدُ ما قابَلَكَ من الجَبَل مما علا من السَّفْح، والجمِعُ أَسْنَاد)». وفي ((أساس البلاغة)) للزمخشري في (سند): ((ونزلنا في سَنَدِ الجَبَلِ والوادي، وهو مرتفَعٌ = ٢٨ مقدمة المحقق و (الإسنادُ) خَصِيصةٌ فاضلةٌ من خصائص هذه الأمة، لم يُؤْتَها أحدٌ من الأمم قبلَها. وهو من الدين بموقع عظيم، روى الحافظُ الخطيبُ البغدادي في ((تاريخ من الأرض في قُبُلِهِ، والجمعُ أَسْناد)». ومثلُه في ((لسان العرب)) لابن منظور في (سند)، وزاد عليه = قولَهُ: ((والجمعُ الأُسْنَادُ، لا يُكَسَّرُ على غير ذلك)). انتهى. وهذه النصوصُ هي الأصل للمعنى الاصطلاحي للفظِ (السَّنَد). وجاء في ((تهذيب اللغة)) للأزهري ٢: ٣٦٤ «قال ابنُ بُزُرْج: السَّنَدُ واحِدُ الأسناد من الثياب، وهي البُرُودُ، وأنشد: لم يَضْرِبِ الخَيَّاطُ فيها بالإبَرْ جُبَّةُ أَسْنَادِ نَقِيٌّ لَوْنُهَا قال: وهي الحمراءُ من چِبَابِ البُرُود». انتهى. وفي هذه النصوص جميعِهاَ جَمْعُ (السَّنَدِ) لأكثَرَ من معنى من معانيه اللغوية. وتُفيدُ عبارة ((تاجٍ العروس)) في (سند) أن الذي نَفَى جَمْعَ (سَنَدٍ) بمعَانيه اللغوية هو ابنُ الأعرابي. وقد علمتَ أنَّ نصوصَ كبار اللغويين السابقة على خلاف قوله، فلا يُعوَّلُ عليه. ثم قولُ العلّمة الجزائري رحمه اللَّه تعالى: (ولا يقال: هذا حديثٌ له أسنادٌ بوزنِ أوْتَاد، وكأنهم استغنوا ... ) لا يعارضه ما وقع في ((ميزان الاعتدال)» ٣: ٥١٧ في ترجمة (محمد بن الحسن بن أزهر الدَّعَّاء) من قول الذهبي: ((ورأيت له حديثاً أسناده ثقات سواه)). وضبط محقق ((الميزان)) لفظةً (أَسنادَه) بهمزة فوق الألف وعليها فتحة، وهو ضبط خاطىء والصواب ضبطه بكسر الهمزة. وجاء في ((الميزان)) أيضاً في ٤: ١١، في ترجمة (محمد بن القاسم الطايكاني - ويقال له الطايقاني أيضاً -): ((قال عبد اللَّه الأسناد في المُسْنَدِ جَمْعِهِ، حدثنا أحمد بن محمد ... )). ولفظة (الأسناد) ضبطها محقق («الميزان)) بهمزة فوق الألف. وفيه تحريفان: تحريف في إثبات لفظ الأسناد بالهمزة فوق الألف، وتحريف أشد في اللفظ نفسه الذي هو (الأسناد) فإنه محرَّف عن: ((وقال عبد اللَّه الأُسْتَاذ ... )) فالأُسْتَاذ هنا لقب لعبد الله، وهو أبو محمد عبد الله بن محمد بن يعقوب البُخَاري السَّبَذْموني المتوفى سنة ٣٤٠، كما ضبطه السمعاني وترجم له في (الأنساب) ١: ١٩٦، في لفظ (الأُسْتَاذ). قال: ((الأستاذ بضم الألف وسكون السين المهملة، وفتح التاء ثالث الحروف بعدها الألف، وفي آخرها الذال المعجمة، هذا لقب أبي محمد عبد الله بن محمد بن يعقوب البُخَارِي السََّذْمُوني ... )). ووقع تحريف (الأستاذ) إلى (الإسناد) أيضاً، في ((لسان الميزان)) من طبعة الهند ٣٤٣:٥، ومن طبعة دار الفكر ببيروت ٥: ٣٨٧، وهو في مخطوطة ((لسان الميزان)) عندي المقروءة على المؤلّف (الأستاذ) واضحاً جلياً. ولا يعارضه أيضاً ما وقع في ((تهذيب التهذيب)) ٦: ٤٠٤ في ترجمة (عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج): من قول علي بن المديني: ((نظرت فإذا الأسنادُ تدور على ستة، فذكرهم ... )). فإن لفظة (تدور) التي تقتضي قراءة (الأسناد) بفتح الهمزة محرفة عن (يدور) كما جاءت في المصورة من = ٢٩ الإسناد من الدین بغداد))(١)، في ترجمة (أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الأمين البخاري)، بسندِهِ إلى تلميذٍ عبدِ الله بن المبارك: عَبْدَانَ، قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ المبارك يقول: الإسنادُ عندي من الدِّين، ولولا الإسنادُ لقال من شاء: ما شاء(٢)، ولكن إذا قيل له: من حَذَّك؟ بَقِي(٣)! قال عَبْدَانُ: ذَكَر - أي عبدُ اللَّه بنُ المبارك - هَذَا عند ذكرِ الزنادقةِ وما يَضَعُون من الأحاديث)). انتهى (٤). وهذه الكلمة من الإمام عبد الله بن المبارك رضي الله عنه، من ((تهذيب الكمال)) للمزي، فتبين أن هذه النصوص التي وقع فيها لفظ (الأسناد) بفتح الهمزة لا يعول = عليها لتحريفها كما علمت. (١) ٦ : ١٦٦. (٢) روايةُ الخطيب: (لولا الإسناد ... ) بغير واو، وروايةُ مسلم في مقدمة ((صحيحه)) وروايةُ الحاكم المسوقةُ بعدُ: (ولولا الإسناد ... ) بإثبات الواو، فأثبتها. (٣) أي بَقِيَ ساكتاً مُنْقطِعاً مُفْحَماً، وسيأتي مزيدُ بيان لمعنى هذه الكلمة في ص ٥٣، وهذا المعنى وَرَدَ عن الإمام سفيان الثوري وغیرِهِ بأسلوبٍ آخر. قال الحافظ ابنُ الصلاح في ((معرفة أنواع عِلم الحديث))، في (النوع الستين): ((رُوِّينا عن سفيان الثوري أنه قال: لما استَعمَل الرواةُ الكذبَ، استعملنا لهم التاريخ. ورُوِّينا عن حفص بن غياث أنه قال: إذا اتَّهِمْتُم الشيخَ فحاسِبُوهُ بالسِّنَّيْنِ. يعني احسبوا سِنَّةٌ وسِنَّ من كَتَب عنه. وهذا كنحو ما رُوِّيْنَاهُ عن إسماعيل بن عياش، قال: كنتُ بالعراق، فأتاني أهلُ الحديث، فقالوا: ها هنا رجلٌ يُحدِّثُ عن خالد بن مَعْدَان، فأتيتُهُ فقلتُ: أيَّ سنةٍ كتبتَ عن خالد بن مَعْدَان؟ فقال: سنَّةَ ثلاثَ عَشْرَة يعني ومِئة، فقلتُ: أنت تزعمُ أنك سمعتَ من خالد بن مَعْدَان بعدَ موتِهِ بِسَبْعٍ سنين! قال إسماعيل: مات خالد سنةً ستٍ ومئة. ورُوِّينا عن الحاكم أبي عبد اللَّه قال: لمَّا قَدِمَ علينا - نيسابور - أبو جعفر محمد بن حاتم الكِشِّي، وحدَّثَ عن عَبْد بن حُميد، سألتُه عن مولِدِهِ، فذكَرَ أنه وُلِدَ سنةً ستين ومئتين، فقلتُ لأصحابنا: سَمِعَ هذا الشيخُ من عَبْد بن حُمَيد بعدَ موتِهِ بثلاثَ عَشْرَةً سنة)). (٤) وقد وقع من الأستاذ أكرم ضياء العمري، في كتاب ((بُحوث في تاريخ السنّة المشرفة))، في طبعتيه الأولى والثانية ص ٤٩، عَزْوُ هذه الكلمة إلى (محمد بن سيرين)، وأنها في ((صحيح مسلم)) ١ : ١٥، و((الضعفاء والمجروحين)) لابن حبان ١: ١٨، و ((المحدِّث الفاصِل)) للرامَهُزْمُزِي ص ٢٠٩ . وهو سهو منه في إسنادها إلى ابن سيرين، وإنما هي لعبد الله بن المبارك، كما جاءتَ معزوةً إليه في جميع المواضع التي أشار إليها، وقد قلَّده في هذا السهو الأستاذ أبو اليقظان عطية الجُبُوري، في كتابه ((مباحث في تدوين السنّة المطهرة)) ص ٩٦! وقديماً قالوا قد يُقُلَّدُ الساهيَ السامي، ولو كان (أبو اليقظان). كما أن الأستاذ أكرم سَهَا أيضاً في عَزْوِهِ إلى ابن سيرين: ((بَيِّنَا وبينَ القومِ القوائمُ يعني الإسناد)». وهي أيضاً لعبد الله بن المبارك كما في الموضع الذي عزاها إليه في ((صحيحَ مسلم)) ١: ١٥ . ٣٠ مقدمة المحقق أفضلِ ما تُشْخَّصُ به منزلةُ الإسنادِ في الدين وأبلَغِه. قال الحاكم أبو عبد اللّه النيسابوري، في كتابه ((معرفة علوم الحديث(١)، بعدَ ذكرِهِ كلمةَ عبدِ الله بن المبارك «الإسنادُ من الدين وَلَوْلا الإسنادُ ... »: ((قال أبو عبد الله: فلولا الإسنادُ وطَلبُ هذه الطائفةِ لَهُ، وكثرةُ مواظيتِهم على حفظِه، لدَرَس مَنَارُ الإسلام، وتمكَّن أهلُ الإلحادِ والبِدَعِ منه، بوَضْعِ الأحاديث، وقَلْبٍ الأسانيد، فإنَّ الأخبارَ إذا تعرَّتْ عن وجود الإسنادِ فيها كانت بُثْراً. کما حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباسُ بن محمد الدُّوري، حدثنا أبو بكر بن أبي الأَسْوَد، حدثنا إبراهيمُ أبو إسحاقَ الطَّالقَاني، حدثنا بَقِيَّةُ، حدثنا عُثْبَةُ بن أبي حكيم أنه كان عند إسحاق بنٍ - عبد اللَّه بن - أبي فَرْوَة - أحَدِ الضعفاءِ المتروكين -، وعنده الزُّهريُّ، فجَعَل ابنُ أبي فَرُوَة يقول: قال رسول اللّهُ بَّهِ، قال رسول اللَّه ◌َله، فقال له الزهريُّ: قاتَلَك الله يا ابنَ أبي فَرْوَة! ما أجرأَك على اللَّه؟ لا تُسنِدُ حديثَك! تُحدِّثُنا بأحاديثَ ليس لها خُطُمٌ ولا أَزِمَّة!))(٢). انتهى. ورواه من طريقٍ أخرى عن الزهريِّ الحافظُ أبو سَعْد السمعاني في كتابه ((أدب الإملاء والاستملاء))(٣)، وجاء فيه بعد قوله (ليس لها خُطُمٌ ولا أزِمَّة): (يعني: الإسناد). وقد جاء عن ابن المبارك وغيره من الأئمة كلماتٌ كثيرة في تبيين مقام الإسناد، كلُّها تتجه إلى إبراز أهمية (الإسناد)، وفوائِدِه، ومزاياه، ولزوم العناية به، وأنه من خصائص علوم الإسلام، وفي نقلٍ جملةٍ منها هنا استكمالٌ لبيان موضعِ الإسناد من الدين، وإيضاحُ لأثره في تبليغ هذه الشريعة الإسلامية المطهرة وعلومها. (١) ص ٦. (٢) قال ابن الأثير في ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) في (خطم): ((خِطامُ البعير أن يؤخَذَ حَبْلٌ من لِيفٍ أو شَعْر أو كُنَّن، فيُجعَلَ في أحَدٍ طَرَفَيْهِ حَلْقَةٌ، ثم يُشَدُّ فيه الطَّرَفُ الَخَرُ حتى يصيرَ كالحَلْقَة، ثُم يُقَلَّدَ البعيرُ، ثم يُثْنَى على مَخْطِه - أي على أنِفِهِ -، وأمَّ الذي يُجعَلُ في الأنفِ دقيقاً فهو الزَّمامُ)). انتهى. فالخِطَامُ والزّمامُ كلاهما مما يُقَادُ به البعير. ووَجْهُ الشَّبَهِ بين الأسانيدِ والخُطُم والأزِمَّة: الضبطُ والتعرُّف، فكما يُضبطُ سَيْرُ الناقةِ بحركةٍ زِمامِها، وتَتَعرَّفُ من حركتِهِ وجهةَ سَيْرِها الصحيح المطلوب، كذلك تُتَعرَّفُ الأحاديثُ وتُضْبَطُ بِرَجَالِ أسانيدها، وبها يَتميَّزُ صَحيحُها من سَقِيمها. (٣) ص ٦. ٣١ الإسناد من الدین قال الإمامُ مالك رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿وإنه لَذِكْرٌ لَكَ ولِقوْمِك﴾ (١) هو قولُ الرجل: حدَّثني أبي عن جَدّي. وقال عبد اللَّه بن المبارك أيضاً: مَثَلُ الذي يَطْلُبُ أمرَ دينه بلا إسناد، كمثلِ الذي يرتقي السطح بلا سُلّم. وقال أيضاً: بيننا وبين القوم القوائم. يعني بالقوائم: الإسناد، وبالقوم، أهلَ البِدع ومن شاكَلَهم. وقال سفيان الثوري رحمه اللَّه تعالى: الإسنادُ سِلاحُ المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأَيُّ شيء يقاتل؟ وقال أيضاً: الإسنادُ زَيْنُ الحديث، فمن اعتَنَى به فهو السعيد. ((وجاء في ((تهذيب التهذيب)) للحافظ ابن حجر(٢)، في ترجمة (مُقَاتِل بن سُلَيمان الخُراساني البَلْخي) ثم البصري، صاحب ((التفسير))، المتوفى سنة ١٥٠ ((قال نُعَيم بن حماد: رأيتُ عند ابن عيينة كتاباً لمُقَاتِلِ، فقلتُ: يا أبا محمد، تَرْوِي لمُقَاتٍ في التفسير؟ قال: لا، ولكن أستدلُّ به وأستعين، وقال ابنُ المبارك لمَّا نَظَرَ إلى شيءٍ من تفسیره: یا لَهُ من علمٍ لو كان له إسناد)». ورَوَى الرَّامَهُرْمُزِيّ في ((المحدِّث الفاصِل بين الراوي والواعي)) (٣) عن شعبة بن الحجاج قوله: ((كلُّ حديثٍ ليس فيه حدَّثَنَا أو أخبَرَنا، فهو خَلٌّ وبَقْل))(٤). وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: مثلُ الذي يطلبُ الحدیث بلا إسناد، كمثل حاطب ليل، يَحمِلُ حُزمةَ حَطبٍ وفيه أَفْعَى وهو لا يدري !. وقال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: حدَّث الزهريُّ يوماً بحديث، فقلت: هاتِهِ بلا إسناد، فقال الزهري: أترقَى السطح بلا سُلّم؟! وقال الحافظ بَقِيّةُ بن الوليد الحمصي رحمه الله تعالى: ذاكرتُ حمّادَ بن زيد (١) من سورة الزخرف، الآية ٤٤. (٢) ١٠ : ٢٧٩. (٣) ص ٥١٧ . (٤) ومثلُه عن شُعبة في (الكامل)) لابن عدي ١: ٤٨، و((الكفاية)) للخطيب ص ٢٨٣، و ((أدب الإملاء والاستملاء» للسمعاني ص ٧، ووقع في ((جامع الأصول)) لابن الأثير ١: ٥٩، بلفظ (فهو خَلٌّ وثفل). وهو تحريف عن (وبَقْل). والمرادُ من قوله (خَلٌّ وبَقْل) أنه رَخِيصٌ لا قيمةَ له ولا يُتُعلَّقُ به، لفقده الإسناد. ٣٢ مقدمة المحقق بأحاديث، فقال: ما أجوَدَها لو كان لها أجنحة، يعني إسناداً، ويُشيرُ بقوله: لو كان لها أجنحة، إلى أنها ساقطةٌ لا ترتفعُ عن الأرض، لعدمِ الإسنادِ فيها. وقال بعضُ العلماء: الأسانيدُ قوائمُ الأحاديث. أي دعائمها التي تَثْبُتُ بها. وقال بعض الحفاظ: مَثَلُ الذي يطلُبُ دِينَه بلا إسناد، مثَلُ الذي يرتقي السطح بلا سُلّم، فَأَنَّى يَبلغ السّماء؟! وقال الإمام الأوزاعي رحمه اللَّه تعالى: ما ذهابُ العلم إلا ذهابُ الإسناد. وقال الحافظ يزيد بن زُرَيع رحمه اللَّه تعالى: لكل دِین فُرسان، وفُرسان هذا الدین أصحابُ الأسانید. وقال الحافظُ الجَوَّال أبو سَعْد السمعاني رحمه اللَّه تعالى، في كتابه «أدب الإملاء والاستملاء))(١): ((وألفاظُ رسولِ اللَّهُ وَّهِ لا بُدَّ لها من النَّقْل، ولا تُعرَفُ صِحَّتُها إلا بالإسنادِ الصحيح، والصحةُ في الإسنادِ لا تُعرَفُ إلا بروايةِ الثقةِ عن الثقة، والعَذْلِ عن العدل». ثم ساق بإسناده إلى ((زُنَيْجِ محمدِ بن عَمْرو - الرازي شيخ الإمام مسلم وأبي داود وابن ماجه -، قال: سمعتُ بَهْزَ بن أَسَدٍ - العَمِّي البصري، المتوفى بُعَيْدَ سنة ٢٠٠ رحمه اللَّه تعالى، الحافظَ الثقةَ الثَّبْتَ - يقولُ إذا ذُكِرَ له الإسنادُ الصحيحُ: هذه شهاداتُ العُدُولِ المَرْضِيِّنَ بعضِهم على بعض، وإذا ذُكِرَ له الإسنادُ فيه شيء، قال: هذا فيه عُهْدَة، ويقولُ لو أنَّ لرجلٍ على رجلٍ عَشَرَةَ دراهم، ثم جَحَدَهُ، لم يَستطع أخْذَها منه إلا بشاهدينٍ عَذْلَينٍ، فدِيْنُ اللَّه أحقُّ أن يُؤْخَذَ فيه بالعُدُول))(٢). وجاء في (تاريخ نيسابور)) للحاكم النيسابوري رحمه اللَّه تعالى: عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي - هو إسحاق بن رَاهُوَيه(٣) - قال: كان عبد الله بن طاهر - أمیر خراسان في العصر العباسي توفي سنة ٢٣٠ -، إذا سألني عن حديث فذكرتُه له بلا إسناد، سألني (١) ص ٤ و ٥٥. (٢) قولُهُ: (فِدِيْنُ اللَّه أحقُّ ... ) بكسر الدال، بعدها ياء مثناة من تحتُ، ثم نون. ويعني بالدِّيْنِ هنا: أحاديثَ النبي ◌َّهِ. ووقع في المطبوع من (أدب الإملاء) ص ٥٥، وفي («المذهب التربوي عند السمعاني)) بتحقيق الأستاذ شفيق محمد زيعور ص ١٢٧ (فتبيّن اللَّه أحق ... ) وهو تحريف! (٣) يَنطِقُ المُحدثون لفظَ (راهويه) وأمثالِهِ نحو سيبويه، نفطويه، عمرويه، بضم ما قبل الواو مع سكونٍ الواو، لأثر تناقلوه في ذلك. ويَنطِقُها اللغويون والأدباء بفتح ما قبل الواو وفتح الواو أيضاً، تمشياً = ٣٣ الإسناد من الدین عن إسناده ويقول: روايةُ الحديث بلا إسناد من عَمَلِ الزَّمْنَى - أي المَرْضَى -! فإنَّ إسناد الحديثِ كرامةٌ من الله لأمَّةِ محمد ◌ٍَّ. وقال الحافظ أبو حاتم الرازي رحمه اللَّه تعالى: لم يكن في أُمَّةٍ من الأمم، منذ خلَقَ اللَّه آدم، أُمناءُ يحفظون آثارَ نبيهم، وأنسابَ سَلَفِهم(١)، إلا في هذه الأمة، فقال له رجل: يا أبا حاتم، ربما رَوَوا حديثاً لا أصل له ولا يصح؟ فقال أبو حاتم: علماؤهم يعرفون الصحيحَ من السّقيم، فروايتُهم ذلك - أي الحديثَ الواهيَ - للمعرفة، ليَتبيّن لمن بعدهم أنهم ميَّزوا الآثارَ وحفظوها. وقال الإمام أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدَّغُوْلي السَرَخْسِي(٢) رحمه الله مع أصل التركيب لغة، انظر - إذا شئت - تفصيلَ ذلك فيما علَّقته على ((قواعد في علوم الحديث)) = للعلامة التهانوي رحمه الله تعالى ص ١٣١، وتمشياً مني مع مذهب المحدثين - إذ المقالُ في بعض علومهم - شَكَلْتُه كما ينطقه المُحدِّثون هنا وفيما سيأتي، فاعلمه. (١) وقع في ((شرح المواهب اللدنية)) الزرقاني ٥: ٤٥٤، ثم في ((الأجوبة الفاضلة)) لعبد الحي اللكنوي ص ٢٤ نقلاً عنه هكذا: ( ... وأنسابَ خلفهم). وهو تحريف، فلذا تركتُه وأثبتُّ الصواب ونبهت إليه. (٢) هو الحافظ المُحَدِّثُ الفقه أبو العباس محمد بن عبد الرحمن بن سابور الدَّغُوْلي السَّرَخْسي توفي سنة ٣٢٥ رحمه الله تعالى، كما في ترجمته في ((تذكرة الحفاظ)» للذهبي: ٣: ٨٢٣، و((العبر» للذهبي أيضاً ٢ : ٢٠٥. والدَّغُولي بفتح الدال المهملة وضَمِّ الغين المعجمة، كما ضبطه الحافظُ السمعاني في ((الأنساب)) ٥: ٣٥٩، والصلاحُ الصَّفَدِي في ((الوافي بالوفَيَات)» ٣: ٢٢٦. وقد وقع في مختصر («الأنساب)): ((اللُّباب في تهذيب الأنساب)) لابن الأثير ١: ٤٢١ ضَبْطُهُ هكذا: ((الدَّغَولي بفتح الدال المهملة والغين المعجمة)). انتهى. وهو خطأ نشأ عن سَقْطِ لفظةٍ (وضَمِّ الغين المعجمة)، كما هي عبارة الأصل: ((الأنساب)). وتبيَّنَ لي أنَّ لفظةَ (وضَمِّ الغينِ المعجمة) ساقطٌ من الأصل الذي كان بيد الشيخ ابن الأثير رحمه اللَّه تعالى، كما تفيده إشارة محقق طبعة ((الأنساب)) في حاشيته، وقد بين اصطلاحه وخطته في مقدمة الكتاب ص ٣٦. وقد تابَعَ ابنَ الأثير على هذا الضبط الخاطىء: العلامةُ الزُّزْقَاني في ((شرح المواهب اللدنية»: ٥ : ٤٥٣، والعلامةُ الكَتَّاني في ((الرسالة المستطرفة)) ص ١٣٦، ثم تابعتُهُ أنا في ضبطي له في ((الأجوبة الفاضلة)) للكنوي ص ٢٥، ثم المُعَلِّقُ على ((العِبَر)) للذهبي ٢: ٢٠٥، ثم محقّقاً ((طبقات الشافعية الكبرى)) للتاج السبكي ٣: ٧١ و١٨٤ و٣٢٩ و٣٤٥. والصوابُ فيه الدَّغُوْلِي بفتح الدال وضَمِّ الغين، والواوُ ساكنة، ومما يَشْهَدُ لصحة هذا الضبط قولُ أبي عبد اللَّه البَاذِلي الشاعرِ الأديب = ٣٤ مقدمة المحقق تعالى: سمعت محمد بن حاتم بن المظفَّر(١) يقول: إن اللَّه تعالى قد أكرم هذه الأمة وشرَّفها وفضَّلها بالإسناد، وليس لأحدٍ من الأمم كلِّها قديمها وحديثها إسناد، وإنما هي صُحف في أيديهم، وقد خَلَطوا بكتبهم أخبارَهم، وليس عندهم تمييزٌ بين ما نزَل من التوراة والإنجيل مما جاءهم به أنبياؤهم، وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات. وهذه الأمَّةُ الشريفةُ - زادها اللَّه شرفاً بنبيِّها -، إنما تَنْصُّ الحديثَ - أي تَرويه - عن الثقة المعروف في زمانه، المشهورِ بالصدق والأمانة، عن مثله، حتى تَتَنَاهَى أخبارُهم، ثم يبحثون أشدَّ البحث حتى يَعرفوا الأحفظَ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطولَ مُجالسةً لمن فوقه ممن كان أقصَرَ مُجالَسَةً، ثم يكتبون الحديثَ من عشرين وجهاً - أي في أبيات: = إلَّ سَرَخْسَ فإنَّها مَوْفُورَةٌ ما دامَ آلُ دَغُوْلَ في أكنافِها كما ذكره الحافظ ابنُ رُشَيْد ونَقَلَه في كتابه ((إفادة النَّصِيح في التعريف بسند الجامع الصحيح)) ص ٣٢. (١) لم أظفر بترجمة (محمد بن حاتم بم المظفر)، فيما رجعتُ إليه من الكتب والمراجع، وهو من أهل القرن الثالث، لأنَّ تلميذَهُ أبا العباس الدَّغُولي توفي سنة ٣٢٥، وأبو العباس هذا، هو (محمد بن عبد الرحمن السَّرَخْسِي الدَّغُولي)، كان من كبار علماء عصره في الحديث، ومن بيتٍ علمٍ كبير بسَرَخْسٍ، وكان شيخٌّ خراسان في زمانه، فلا يَنقُلُ إلا عن كبيرٍ جليل. وعبارةُ شيخِهِ (محمد بن حاتمٍ بِن المظفَّرِ) هنا: تَدُلُّ على عَلَو مقامِهِ في العلم والمعرفة، وأنه من أصحاب البصارة فيه، فلا بُدَّ أَنَّ له ترجمةً ذاتَ بالٍ وشأن، ولكني لم أُوفّق للوصول إليها. وجاء في ((غريب الحديث)) للخطابي ١: ٦٢، بعدَ ذكرٍ بيتٍ شعر للحُطَيْئة: ((قال أبو سليمان - هو الخطابي -: أنشدنِيهِ بعضُ الأثبات، عن محمد بن حاتمَ المُظَفَّرِيِ، أنشدَنَاهُ الرِّياشِيُ))، وفي ١ : ٦٣ ((وأخبرني أحمدُ بن إبراهيم بن مالك، نا الدَّغُوْلِيُّ، نا المُظَفَّرِيُّ، نا أبو بَهْزِ بنُ أبي الخطاب السُّلمي))، وفي ٢: ٥٢ «حدَّثَنَاهُ ابنُ مالك، نا الدَّغُوليُّ، نا محمدُ بنُ حاتم المظفَّريُّ، نا مصعَبُ ... ))، ((حدَّثَنِهِ أحمدُ بن مالك، نا الدَّغوليُّ، عن المُظَفَّرِي، قال: قال ذلك أبو عُبَيْدَة)). انتھی. فهو تلميدُ الرِّياشيِّ اللغوي البصري، المتوفى سنة ٢٥٧، وتلميذُ الزُّبَيَريّ المَدَني ثم البغدادي، المتوفى سنة ٢٣٦، فهو من علماء القرن الثالث، وخفاءُ ترجمته على أمثالنا ليس بضارٌّ في علو مقامه، فقد قيل: على امْرِىءٍ ذِي جَلالٍ ليس الخُمولُ بعَارِ وتلك خيَرُ اللَّيالِيّ فليلةُ القَدْر تَخْفَى ٣٥ الإسناد من الدین طريقاً - وأكثر(٧)، حتى يُهذِّبوه من الغَلَط والزَّلل، ويَضْبِطُوا حُروفَه، وَيَعُدُّوه عَدّاً. (١) قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في ((تذكرة الحفاظ)) ٢: ٤٣٠، في ترجمة الإمام الحافظ شيخ المحدثين (يحيى بن معين) رحمه الله تعالى: ((قال يحيى بن معين: لو لم نكتب الحديث خمسين مرة ما عرفناه)). وقال الحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) ١١: ٢٨٢، في ترجمة (ابن معين) أيضاً: ((قال مجاهد بن موسى: كان ابنُ معين يكتُبُ الحديثَ نيفاً وخمسين مرة. وقال عباس الدُّوريُّ عن ابن معين: لو لم نكتُب الحديثَ من ثلاثين وجهاً ما عقلناه)». وقال الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) ١: ٥١٦، وفي ((ميزان الاعتدال)) ١ : ٣٥، في ترجمة الحافظ (إبراهيم بن سعيد الجوهري الطبري ثم البغدادي): ((قال عبدُ اللَّه بن جعفر بن خاقان السلمي: سألتُ إبراهيمَ بنَ سعيد عن حديث من (مسند أبي بكر الصديق)، فقال لجاريته: أخرجي لي الجزءَ الثالثَ والعشرين من (مسند أبي بكر)، فقلتُ: لا يصحُّ لأبي بكر عِشرون حديثاً، من أین ثلاثةٌ وعشرون جُزْءاً؟ فقال: کلُّ حديثٍ لم يكن عندي من مئةِ وجهٍ - أي طريق - فأنا فيه يتيم)). وقال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في شرح (ألفيته) في مصطلح الحديث ٢: ٢٣٣ من طبعة المغرب، في باب (آداب طالب الحديث): ((روينا عن أبي حاتم الرازي قال: لو لم نكتب الحديث من ستين وجهاً - أي طريقاً - ما عقلناه)). وقال الحافظ الذهبي أيضاً في ((تذكرة الحفاظ)) ٢: ٩٣٣، في ترجمة الحافظ (حمزة بن محمد المصري الكِنَاني) رحمه اللَّه تعالى: ((وقال أبو عُمَر بن عبد البر: سمعتُ عبدَ الله بن محمد بن أسد، سمعتُ حمزة الكِنَاني يقول: خَرَّجتُ حديثاً واحداً عن النبيِوَ لَّ من نحوٍ مِنْتي طريق، فداخَلَني منِ الفَرَحِ غيرُ قليل، وأُعجِبتُ بذلك، فرأيتُ يحيى بنَ معين في المنامِ، فقلتُ: يا أبا زكريا، خَرَّجتُ حديثاً من مِنْتِي طَريق، فسكت عني ساعةً ثم قال: أَخْشَى أن يَدخُلَ هذا تحتَ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ))! يُشيرُ الإمامُ يحيى بنُ معين رحمه اللَّه تعالى، إلى أنَّ هذا التوسُّعَ في التخريج قليلُ الجَدْوَى، وربما كان مبعثُهُ التفاخرَ والتعاظمَ والزَّهْوَ على الآخَرِين، فلا يُسْتَحسَنُّ الدخولُ فيه. وقد عَدَّ الإمامُ الشاطبيُّ هذا العَمَلَ من مُلَح العلم لا من صُلْبه، فما ينبغي إِذهابُ الوقتِ والطاقاتِ الأخرى فيه، قال رحمه اللَّه تعالى في ((الموافقات)) ١: ٧٧ و٨١ ((من العِلْم ما هو من صُلْب العِلَّم، ومنه ما هو من مُلَح العِلْم لا من صُلْبِهِ، ومنه ما ليس من صُلْبِهِ، ولا مُلَحِه)». ثم قال في التمثيل لما هوَ من مُلَحِ العلمِ: ((مِثلُ التأثُّقِ في استخراجِ الحديثِ من طرقٍ كثيرة، لا على قَصْدِ طلبٍ تواتُرِهِ، بل على أن يُعَدَّ آخِذاً له عن شيوخ كثيرة، ومنَّ جهاتٍ شَتَّى، وإن كان راجعاً إلى الآحادِ في الصحابة أو التابعين أو غيرِهم، فالاشتغالُ بهذا من المُلَح لا من صُلْبِ العلم)». ثم أورد الشاطبي حكايةً حمزة الكِناَني هذه، وعَقَّبها بقوله: ((هذا ما قال - أي يحيى بن معين -، وهو صحيحٌ في الاعتبار لأنَّ تخريجَهُ من طُرقٍ يسيرة كافٍ في المقصود منه، فصار الزائدُ على ذلك فضلاً». ٣٦ مقدمة المحقق فهذا من أفضل نِعَم الله تعالى على هذه الأمّة، فتَستوزعُ اللَّهَ شُكرَ هذه النعمةِ وغيرِها من نِعَمِه(١)، ونسألُه التثبيتَ والتوفيقَ لما يُقَرِّبُ إليه، ويُزْلِفُ لديه، ويُمَسِّكُنا بطاعتِه، إنه ولي حمید. وقال الحافظ الرخَّال المصنِّفُ أبو بكر محمد بن أحمد بن راشد بن مَعْدان الثقفي الأصبهاني، المتوفى سنة ٣٠٩ رحمه اللّه تعالى(٢): بلَغَني أن اللَّه تعالى خَصّ هذه الأُمّة بثلاثةِ أشياء، لم يُعطِها مَنْ قبلَها من الأُمَم: الإسنادُ، والأنسابُ، والإعرابُ. وقال الحافظ ابن حزم رحمه اللَّه تعالى في كتابه «الفِصَل في المِلَل والأهواء والنِّحَلِ))(٣)، ما خُلاصَتُه: (تَقْلُ الثقةِ عن الثقة، حتى يَبَلِغَ به النبيَّ وَّارِ، مع الاتصال، يُخبِرُ كلُّ واحدٍ منهم باسم الذي أخبره ونَسَبِهِ، وكلُّهم معروفُ الحالِ والعينِ والعدالةِ (١) وقعت هذه العبارة محرفة، في نسخة الحافظ الزرقاني من كتابٍ ((المواهب اللدنية))، فشرحها تبعاً لتحريفها! فقال رحمه اللَّه تعالى في ((شرح المواهب اللدنية)» ٤٥٤:٥ (( ... فنستودعُ اللَّه تعالى شُكرَ هذه النعمةِ وغيرها من نِعَمِه، فإنه إِذا استُودِعَ شيئاً حَفِظَه)». انتهى. وهي تحريف عن (فنستوزعُ)، بالزاي بعد الواو، أي نستلهمُ اللَّهَ شُكرَها. وعلى هذا. فيكون قول الشارح الزرقاني: (فإنه إذا استُودِعَ شيئاً حَفِظَه) في غير محله، إذ هو مبني على تحريفِ الكلمة السابقة. (٢) هذه العبارة أوردها الحافظ القسطلاني في ((المواهب اللدنية)) بلفظ ((قال أبو بكر محمد بن أحمد: بلغني أن اللَّه خص ... )) فكتب عليها العلامة الزرقاني في ((شرح المواهب اللدنية)) ٥: ٤٥٥، مُعرِّفاً بأبي بكر محمد بن أحمد ما يلي: ((أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن منصور البغدادي، الحافظ الإمام القدوة، كان فاضلاً ... مات في ثاني ربيع الأول سنة تسع وثمانين وأربع مئة)). انتھی. وهذا وَهَمِّ منه رحمه اللَّه تعالى، في تعيين (أبي بكر محمد بن أحمد)، فإنَّ الخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣، رَوَى هذا الخبر بسنده في كتابه ((شَرَف أصحاب الحديث)) ص ٤٠ عن (أبي بكر محمد بن أحمد). وجاء في سَنَّدِهِ هذا الشيخُ المسمى: شَيْخَ شَيْخِ شيخِه، فهو متوفَّىَ قبلَ الخطيب بدُهورٍ طويلة. والذي ظهر لي أنه هو: أبو بكر محمد بن أحمد بن راشد بن مَعْدان، الثقفي مولاهم، الأصبهاني، ترجَمَ له الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) ٣: ٨١٤، ووصفه بالحافظ الرحَّالِ المصنِّف، ثم قال: ((وقال أبو الشيخ: هو مُحدِّثٌ ابنُ مُحَدِّث، كثيرُ التصانيف، مات بكِرْمان سنة تسع وثلاث مئة)). انتهى. وقد توقف الصديق العالم التركي الأستاذ الدكتور محمد سعيد خطيب أوغلي، في تحقيقه لکتاب (شَرَف أصحاب الحديث))، في تعيين (أبي بكر محمد بن أحمد)، فبيَّضَ لذكر وفاتِهِ، ولم يعينه، ولم يذكُر تاريخ وفاتِهِ، وهذا بيانه فيما وصل إليه فهمي، والله أعلم. (٣) ٢ : ٨١ - ٨٢. ٣٧ الإسناد من الدین والزمانِ والمكان: خَصَّ اللَّه به المسلمين دون سائرِ أهلِ المِلَلِ كلِّها، وأبقاه عندهم غضّاً جديداً على قديم الدهور، يَرحَّلُ في طَلَبِهِ إلى الآفاق البعيدة من لا يُحصِي عَددَهم إلا خالِقُهم، ويُواظِبُ على تقييدِهِ من كان الناقلُ قريباً منه. قد تولَّى اللَّه حِفظَهُ عليهم والحمدُ لله رب العالمين، فلا تفوتُهم زَّةٌ في كلمةٍ فما فوقها، في شيءٍ من النقل إن وقعَتْ لأحدهم، ولا يُمْكِنُ فاسِقاً أن يُفْحِمَ كلمةٍ موضوعةً وللَّهِ تعالى الشكر(١). وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من اليهود، ولكن لا يَقْرُبون فيه من (١) نعم وإليك شواهدَ هذا: ذكر الحافظُ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) ١: ٢٧٣، في ترجمة الحافظ (أبي إسحاق الفَزَاري)، والحافظُ ابنُ حجر في ((تهذيب التهذيب)) ١٥٢:١ في ترجمته أيضاً، والحافظُ السيوطي في ((تاريخ الخلفاء)) ص ١٩٤، والعلامةُ عليٍّ القاري في ((الموضوعات)) ص ١٤. ((عن ابن عُلَيَّةً وإسحاق بن إبراهيم، قالا: أَخَذ هارون الرشيد زنديقاً فأمَرَ بضرب عنقه، فقال له الزنديق: لم تضربُ عنقي؟ قال: لأُرِيحَ العبادَ منك، فقال: يا أمير المأمنين، أين أنت من أربعةٍ آلاف حديث وضعتُها فيكم !! أُحرِّمَ فيها الحِلال، وأُحلِّلُ فيها الحرام، ما قالِ النبي ◌َ ◌ّ منها حرفاً !! فقال له الرشيد: أين أنت يا عَدُوَّ اللَّه من أبي إسحاق الفَزاري وعبدِ اللَّه بن المبارك !! يَنْخُلانها نخلاً، فيُخرجانِها حَرْفاً حرفاً !! )). انتهى. وفي سنة ٤٤٧ في عهد الخليفة العباسي العادل الصالح القائم بأمر اللَّه رحمه اللَّه تعالى، أظهَرَ بعضُ اليهود كتاباً، اذَّعُوْا أنه كتابُ رِسول اللَّه ◌َِه إلى أهل خَيْيَرِ (اليهودِ) بإسقاطِ الجزيةِ عِنهم، وفيه شهادةُ بعض الصحابة رضي الله عنهم بذلك، وذكروا أنَّ خَطَّ سيدنا علي رضي اللَّه عنه فيه، وجاؤوا إلى رئيس الرؤساء أبي القاسم علي بن الحسن وزير القائم بأمر الله. فعرضه رئيس الرؤساء على الحافظ الخطيب البغدادي رحمه اللَّه تعالى، فتأمَّلَهُ ثم قال: هذا كذِبٌ مُزَوَّر، فقيل له: من أين لك هذا؟ قال: فيه شهادةُ مُعاوية رضي الله عنه، وهو إنما أَسلَمٍ عامَ فتح مكة - وكان فتحُها في سنةٍ ثمانٍ من الهجرة، -ِ وفَتْحُ خيبر كان في سنةٍ سَبْعٍ، وفيه شهادةُ سَعْد بن مُعَاذ رضيَ اللَّه عنه، وهو قد مات يومَ بني قُرَيْظَة قبلَ فتح خيبر بسنتين، فاستَحْسَن ذلك منه رئيسُ الرؤساء واعتَمَدهُ وأمضاه، وِرَدَّ اليهودَ شَرَّ رَدِّ لظهورِ تزوير الكتاب. أي استدلَّ الخطيبُ رحمه اللَّه تعالى على كذبِ الكتّاب، بَذِكرِهم فيه شهادةَ سَعْدِ بن معاد الذي مات قبل فتحٍ خيبر بسنتينٍ، وذِكرِهم فيه شهادةَ معاوية الذي تأخَرَ إسلامُه سنةً عن فتح خيبر، فلم يكن رضي اللَّه عنْهِ حِيْنَ فَتْحِها مُسَلِماً ولا صَحَابِيّاً، فكيف يكونُ شاهداً من الصحابة؟! والحادثةُ ذكرها من ترجَمَ للخطيب البغدادي مثلُ ياقوت الحَمَوي في ((معجم الأدباء)» ٤: ١٨، والتاج السبكي في ((طبقات الشافعية)) ٣: ١٤، والإمام ابن القيم في ((المنار المنيف)) ص ١٠٥، = ٣٨ مقدمة المحقق موسى عليه الصلاة والسلام قُرْبَنا من محمد ◌َله، بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثرُ من ثلاثين عصراً، في أزيدَ من ألفٍ وخمسٍ مئة عام، وإنما يَبلُغون بالنقل إلى شمعون ونحوه. وأما النصارى فليس عندهم من صِفة هذا النقل إلا تحريمُ الطلاق وحدَه فقط، على أنَّ مَخْرَجَه من كذَّاب قد صحَّ كَذِبُه !.. وأما النَّقُلُ بالطريق المشتملة على كذابٍ أو مجهولِ العین، فكثيرٌ في نقل اليهود والنصارى. وأما أقوالُ الصحابة والتابعين رضي اللَّه عنهم، فلا يُمكن اليهودَ أن يبلغوا إلى صاحبٍ نبي أصلاً، ولا إلى تابعٍ له، ولا يمكن النصارى أن يَصِلوا إلى أعلى من شمعون ويُولُص)). انتهى (١). وقال الحافظ القاضي أبو بكر بن العربي رحمه اللَّه تعالى، في كتابه («سِراج المريدين» ونقَلَه عنه شيخنا حافظ المغرب عبد الحي الكتاني رحمه اللَّه تعالى في كتابه (فهرس الفهارس والأثبات))(٢): ((واللَّهُ أُكرَمَ هذه الأمةَ بالإسناد، لم يُعطِه لأحدٍ غيرها، فاحْذَرُوا أن تسلكوا مسلكَ اليهودِ والنصارى، فتُحدِّثوا بغير إسناد، فتكونوا سالبين نعمة اللَّه عن أنفسكم، مُطَرِّقين للتُّهمةِ إليكم، خافضين لمنزلتِكم، ومشتركين مع قومٍ لَعَنهم اللَّه وغَضِبَ عليهم، وراكبين لِسَنَنِهِم)). انتهى. وقال الحافظ الإمام ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى، في ((منهاج السنّة النبوية))(٣): ((والإسنادُ من خصائص هذه الأُمَّة، وهو من خصائص الإسلام، ثم هو في الإسلام من والحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية)) ١٢: ١٠١، والسَّخاوي في ((الإعلان بالتوبيخ)) ص ١٠، = فالحمدُ للَّه الذي أقام في كل عصر: من يحفظُ هذا الدين، من كيد الكائدين، ودَسّ المُبْطِلين ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنا لَهُ لَّحَافِظُون﴾. (١) وقد عَقَد العلاَّمةُ المِحجاجُ النظّارُ الشيخ رحمةُ اللَّه بنُ خليلِ الرحمن الدِّهْلَوِي الهندي، المتوفى بمكة سنة ١٣٠٦ رحمه الله تعالى، في كتابه العظيم: ((إظهار الحق))، الذي دَوَّن فيه مناظراته في الهند لكبير قِسِّيسي النصارى في عصره (فندر): عَقَدَ (الفصلَ الثاني في بيانِ أنَّ أهل الكتاب لا يُوجَدُ عندهم سَنَّدٌ متصلٌ لكتاب من كتب العَهْد العتيق والجديد)، وساق فيه الأدلةَ الناطقة بذلك من كتبهم وأقوالهم في ٤٥ صفحة، من ١: ١٠١ - ١٤٥ من طبعة قَطَر ذات الجزءين، فانظره. (٢) ١ : ٥٠. (٣) ٤: ١١ من طبعة بولاق، و٧: ٣٧ من الطبعة المحققة. ٣٩ الإسناد من الدین. خصائصٍ أهلِ السُنَّة، والرافِضَةُ أقَلُّ عنايةً به(١)، إذْ لا يُصَدِّقون إلا بما يُوافِقُ أهواءَهم. وعلامَةُ كذبِهِ - أي عندهم - أنه يُخالِفُ هَوَاهم! ولهذا قال عبد الرحمن بن مَهْدي: أهلُ العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهلُ الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم، وأهلُ البِدع سَلكوا طريقاً أخرى ابتدعوها واعتمدوها، ولا يذكرون الحديثَ، بل ولا القرآنَ في أصولهم إلا للاعتضاد لا للاعتماد». انتهى. وقال العلامة الشيخ علي القاري رحمه اللَّه تعالى، في كتابه ((شَرْحٍ شَرْحٍ النُّخْبَة))(٢)، ((أصلُ الإسناد خَصِيصٌ فاضلةٌ من خصائص هذه الأمّة، وسُنّةٌ بالغةٌ من السنن المؤكّدة، بل من فروضٍ الكفاية)). انتهى. وقال الحافظُ ابنُ حجر رحمه اللَّه تعالى: ((ولكون الإسناد يُعلَم به الحديثُ الموضوعُ من غيره، كانت معرفتُه من فروضٍ الکفایة)). انتھی(٣). وقال أستاذُنا المحقّقُ الإمام، خاتمةُ شيوخ الإسلام في الدولة العثمانية، شيخ الإسلام مصطفى صبري التُّوْقَادي، المتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٣ رحمه الله تعالى، في كتابه الفَذِّ الفريد الذي وُصِفَ حين صدوره بأنه (كتابُ القَرْنِ الرابعَ عَشَر): ((مَوْقِفُ العقل والعِلم والعالَم من رَبِّ العالمين وعبادِهِ المرسَلين)» (٤)، وهو يتحدث عن اهتمام المسلمين (١) قلتُ: نعم، هذا الاهتمامُ العظيمُ بالإسناد خاصٍّ بأهل السنّة، ولم يكن لدى الشيعة الإمامية اهتمامٌ بالإسناد، لأنهم يقولون: ((إنَّ أحاديثنا كلَّها قطعيةُ الصُّدُورِ عن المعصوم، وما كان كذلك فلا يَحتاجُ إلى مُلاحظةٍ سَنَدِه)). نَقَلَهُ عنهم أحَدُ كبار علماءِ الشيعة عبدُ اللَّه المامَقاني، المتوفى سنة ١٣٥١، في كتابه (تنقيحَ المَقَّال في علم الرجال)) ١: ١٧٧، ثم نازع هو في قبولِ هذا القول، بوجودِ الحاجة إلى ملاحظة أحوال الرجال. وجاء في كتاب ((تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة)) للدكتور عبد اللَّه فياض، في ص ١٤٠ قولُه: (ولِمَّا كان الإمامُ معصوماً عند الإمامية، فلا مجال للشك فيما يقول)). وفي ص ١٥٨ قولُه أيضاً: (إنَّ الاعتقاد بعصمةِ الأئمةِ جَعَل الأحاديثَ التي تصدُرُ عنهم صحيحةً، دون أن يشترطوا إيصالَ سَنَدِها إلى النبيِ ﴿ كما هو الحالُ عند أهلِ السُّنَّ)». (٢) ص ١٩٤. (٣) من ((مرقاة المفاتيح)) للعلامة علي القاري ١ : ٢١٨. (٤) ٤: ٨٧، وفي كتابه ((القولُ الفصلُ بين الذين يؤمنون بالغيب والذين لا يؤمنون)) ص ٦٧ من طبعة سنة ١٤٠٧ لدار السلام بالقاهرة، وكتابُهُ هذا هو البابُ الثالث من كتابه ((موقف العقل))، طبَعَه على حِدَةٍ لمناسبةٍ اقتَضَتْ التعجلَ بإخراجه. ٤٠ مقدمة المحقق بحفظ السُّنَّةِ المطهرةِ وضبطِها، والعنايةِ بحراستِها وصِيانتِها بطريق الإسناد، ما يلي: ((الطريقةُ المتبعةُ في الإسلام لتوثيق الأحاديث النبوية: أفضَلُ طريقٍ وأعلاها، لا تُدانيها في دِقَّتِها وسُمُوِّها أيُّ طريقةٍ علميةٍ غَرْبِيَّةٍ أَتُّبِعَتْ في توثيقِ الروايات، ففي ((صحيح البخاري)) مثلاً: ألفان وسِتُّ مِئةٍ واثنانِ من الأحاديث المُسْنَدَة، سوى المكرَّرة، انتقاها البخاري من مِئةٍ ألفٍ حديثٍ صحيح يَحفظُها، وفيه قريبٌ من أَلْفَيْ راوٍ، اختارهم من نيِّقٍ وثلاثين ألفاً من الرُّواةِ الثقاتِ الذين يَعرفهم. وكتابُ البخاري، البالغُ أربعَ مجلداتٍ كبيرة، يَبْقَى بعدَ حذفِ أسانيدِهِ على حَجْمٍ مجلَّدٍ واحدٍ متوسطِ الحجم. فهل سمعتُم وسَمِعَتْ الدنيا أن كتابَ تاريخ في هذا الحجم، يُروَى ما فيه سَمَاعاً من ألفَيْ رجلٍ ثقة، يَعرفُهم المؤلفُ وغيرُهُ من أهل العلم، بأسمائهم وأوصافهم، على أن تكون كلُّ جملةٍ معيَّنةٍ من الكتاب، مؤلَّفةً من سطرٍ أو أكثَرَ أو أقَلَّ تقريباً، سَمِعَها فلان، وهو من فلان، إلى أن اتَّصَل - الإسنادُ والسماعُ - بالنبيِِّ، فيُقَامُ لكل سَطْرٍ من سُطورٍ الكتابِ تقريباً شهودٌ من الرُّواة يَتحمَّلون مسؤوليةَ روايتِه)). انتهى. وهذا شيءٌ لا يُوجَدُ في الدنيا إلا عند المسلمين(٨). (١) وكان شيخُنا الإمامُ مصطفى رحمه اللَّه تعالى قال قبلَ هذا الكلام، في ص ٥٧ - ٥٨ و ٨٧ ما يلي: ((ولا مُغالاةَ أصلاً في نَفْي من يُساوي محمداً ﴾ ﴿ أو يُدانيه، في كون حياتِهِ من بعدٍ مبعثِهِ إلى وفاته - ولا سيما أحاديثُهُ مع المناسباتِ الداعيةِ إلى ورودِها - مضبوطةً مدوَّنة. ولا نغالي أيضاً إذا قلنا: إنَّ ضبط سُنَّةِ نبي الإسلام أصحُّ وأُثْبَتُ من ضبطِ كُتُبٍ أهل الكتاب. فقد أدَّى كمالُ الاعتناءِ الإسلامي بحياة نبينا نَّهِ، وتتبُّع أقوالِهِ وأفعالِه، إلى الاعتناء بحياة المُتَتَبِّعين أنفسِهم أعني الرُّواةَ عنه، وليس أحَدٌ في الدنيا عُنِيَ فِيَ سبيلِ العنايةِ به، بكلِّ من ◌َقِيَهُ وبكلِّ من رَوَی عنه شيئاً، وبمَنْ رَوَى، عمن رَوَى، عمن رَوَى إلى آخرِهِ - إَا رسولَ اللَّه سيدنا محمداً ل ـ. وأُلَّفَ في الصحابة الكُتُب، مثلُ طبقات ابن سعد، وكتاب الصحابة لابن السكن، وكتاب الاستيعاب لابن عبد البر، ومعرفةِ الصحابة للبغوي، وأُسْدِ الغابة لابن الأثير، والإصابةِ لابن حجر، وغيرِها من المؤلفات، ففيها نحو عشرة آلاف صحابي مع تراجمهم. ودُرِسَ في كُتبٍ أسماء الرجال من التابعين، وتَبَع التابعين، حياةُ نحو مئة ألف رجل على الأقل، وعلى تخمين العالم الألماني (شبرينجر) خمسُ مِئة ألف، فلا أُغالَي إذا قلتُ أيضاً: إن كيفية الاعتناءِ بحياة محمد ◌َّ معجزةٌ من معجزاتِ الإسلام، قال العالم الألماني المارُّ الذكر في مقدمة كتاب ((الإصابة)) الذي طَبعَ في كلكته في الهند وتولَّى تصحيحَه: إن الدنيا لم تر، ولن ترى، أمَّة مثلَ المسلمين، فقد دُرِسَ بفضل علم الرجال الذي أوجدوه حیاةُ نِصفٍ مليون رجل. وحَسْبُك أنَّ نَقْدَ الرجال أيْ رجالِ الحديثِ أصبح علماً مدوَّناً في الإسلام، له كتبٌ خاصة =