النص المفهرس

صفحات 1-20

صحيح مستا الله و
ضُمِّي مُسَلام
كـ
٧ صحيح مشاك مي حي
بشَرَّح الإِمَامِ مُ الدِّيْن النّوَويُ
المتوفى سنة ٦٧٦هـ
المسمّى
المِنْهَاج
شَرْحٌ صَحِيحٌ مُسْلم بن الجَّاع
مُقَدْمَة
الشَّيَخْ خَلَيْلِ مَأْمُون شِْحَا
دار المعرفة
بيروت - لبنان

١-٢

جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية
محفوظة لدار المعرفة بيروت - لبنان
CopyrightºAll rights reserved
Exclusive rights by Dar Al-Marefah
Beirut - Lebanon
ISBN: 9953-420-38-6
الطبعة التاسعة عشر
( 2012 -61433
دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع
DAR AL-MAREFAH
Printing & Publishing
جسر المطار شارع البرجاوي + هاتف: ٨٣٤٣٠١ - ٨٣٤٣٣٢
فاكس: ٨٣٥٦١٤ ٠ ص.ب: ٧٨٧٦ - بيروت - لبنان
Airport Bridge Birjawi Str. * Tel: 834301 - 834332
Fax: 835614 * P.O.Box: 7876 Beirut - Lebanon
Email: info@marefah.com * www.marefah.com

بِسِالهَالَمِ الرَّمَ
مقدمة الناشر
الطبعة الثالثة
الحمد لله ربّ العالمين، الذي شرفنا وأكرمنا بخدمة كتب سنة سيد المرسلين، والصلاة
والسلام على خير خلق اللَّه أجمعين، وعلى آل بيته الطّاهرين المطهّرين، وأصحابه المكرمين،
وأتباعهم المخلصین، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
فإننا - دار المعرفة - بيروت - نحرص كل الحرص منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا على
أن يكون عملنا هذا خدمةً للإسلام والمسلمين كافةً مبتدئين بجوهر الكلام وأساس العلم
والبلاغة، وبأهل الشرع والتقوى والورع بعد القرآن الكريم، وهو سنّة رسول اللّه وَ﴾ انطلاقاً من
قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ .
لذلك سرّنا أن يترافق مع انطلاقنا هذا وانتشاره تَشرّفُنا بطبع كتب التراث الإسلامي على
مختلف أنواعه وخاصةً الحديث الشريف منه، فكان همّنا الأول إظهار هذه الطبعات محققة
مضبوطة مخدومة إلى كل المسلمين كافّة في كل بقعة من بقاع الأرض؛ ليستضيء بهدي هذا
السفر العظيم.
ومع هذا كان شرفنا وبحمد اللَّه تعالى أن أصدرنا الطبعة الثالثة من كتاب صحيح مسلم
بشرح الإمام النووي مع الفهارس العامة، ولقد أولينا هذه الطبعة إهتماماً خاصاً كعادتنا وذلك
بمراجعة وتصحيح بعض الأخطاء المطبعية، وبمراجعة الهوامش والتخاريج، منطلقين من قول
الرسول وَ﴿﴿: ((إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه))، آملين من اللَّه عزّ وجلّ أن
نكون قد وفقنا بعملنا هذا لما يحب ويرضى، والله من وراء القصد.
وأخيراً، لا يسعنا في مقامنا هذا، إلا أن نتوجه بالشكر والإمتنان إلى كل من وجه لنا
ملاحظاته البناءة، سائلين الله سبحانه وتعالى أن يجزيهم عنا خير جزاء.

٦
مقدمة الناشر
وإن شاء المولى تعالى سيصدر قريبًا كتاب: ((صحيح البخاري)، وكتاب ((سنن أبي داود»
وكتاب: ((سنن الترمذي، وسنن الدارمي، وموطأ الإمام مالك ومسند الإمام أحمد))، على نفس
الخطة والمنهج سائلين المولى أن يوفقنا على إتمام أصدار كتب السنة النبوية الشريفة التسعة.
وأخيراً نسأله عزّ وجلّ أن يوفقنا لما فيه مرضاته، وصلاحنا في الدنيا والآخرة وأن يكتب
عملنا هذا في صحيفة أعمالنا وأن يغفر لوالدينا ويجزيهما عنّا خير الجزاء، إنه السميع المجيب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
الناشر
دار المعرفة - بيروت

مقدمة المحقق
الحمد لله الذي أكرم هذا الدين بعلمائه، فأبهرهم بكرمه وعطائه، وهداهم إلى خير
سنن أنبيائه، وأورثهم بواطن قلوب أوليائه، وأرشدهم إلى سبيل صفاء أصفيائه، وأنعمهم
بدخول روضة قدسه وثنائه، وجعلهم المقربين منه ومن أخلائه، أحمده حمداً لا يحصى
على كرمه وآلائه، ما دامت الأرض قائمة تحت سمائه، وما دامت المجرات مسلوبة في
فضائه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه شهادةً لعزته وكبريائه.
والصلاة والسلام على من ورّث العلماء من أبنائه، فأنار صدورهم من قبس سنائه،
وأجلى سواد قلوبهم بضيائه، حتى حارت عقولهم بكنه صفائه، وعجزت أفكارهم عن
وصف حوبائه، صلاةً وسلاماً ما لاح برق في دجى ظلمائه، الصادق المصدوق بعهد اللَّه
وولائه، القائل بأمر اللَّه: أنا لها أنا لها يوم لقائه، وعلى آله المتعلقين بضياء لألائه،
وأصحابه المبشرين بالجنة وخيرة خلفائه، وأتباعه الذين اهتدوا ببهائه.
أما بعد:
فيقول العبد الفقير، المذنب الجاني الحقير، التي حقيقته في القصور والتقصير،
لا تخفى على كبير ولا صغير، خليل بن مأمون شيحا عامله اللَّه بلطفه الغزير، وغفر له
ولوالديه ولشيخه محمود النحرير: لما رأيت الهمم مائلة لطلب العلم الوفير، والطباع
راغبة لتلقي آداب البشير، أحببت أن أبتعد عن القيل والقال، وكثرة السؤال، بعد أن فشى
الكره بين علمائنا، وعمَّ الكذب بين أحبَّائنا، ودخل الشيطان بيوت آبائنا، ومضى عهد
العلماء العظام، وتركوا العلم لِلٌّئام، حتى أصبح يتداول بين الغشّام، فجاءني بعض
الإخوة الحذَّاق، ومنهم أبو عامر المشهور بالمذاق، وطلب مني أن أخدم كتب السنّة
الوتيدة، وأن أخرجها للتراث الإسلامي بحلتها الجديدة، وكانت الهمم قد دخلها

٨
مقدمة المحقق
القصور، وأجواء العصر أحدثت فيَّ الفتور، فأبديت لهم رغبتي مع صدق نويته، ومع
إخلاص طويته، وها أنا إن شاء اللَّه المعين، أبدأ العمل وبه أستعين، مفتتحاً عملي
بكتاب المنهاج، شرح صحيح مسلم بن الحجاج، وسعيت له كل المساعي، رغم قلة
علمي، وباعي، طالباً من المولى أن يعصمني من الخطأ والزلل، وأن يعينني على إخراج
هذا العمل، وكان اعتنائي به إجابة لسؤالهم، وتبليغاً لآمالهم، فما كان فيه من خطأ فإليَّ
العتاب، وما كان فيه من صواب فمن اللَّه الملهم للصواب.
ثم اعلموا إخواني الكرام أن أشرف علم بعد العلم بالله تعالى هو علم الحديث
الشريف إذ هو أساس الدين، لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نِهَاكُم
عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ فلمّا خوطب المؤمنون بذلك جوّلوا البلاد، وطلبوا رُوَاة الحديث، فلزموهم
حتى نقلوا عنهم أخبار رسول اللّه وَّه وجمعوا ما رُوي عن الصحابة والتابعين، وضبطوا
ما وصل إليهم من سِيَرهم وآثارهم ومذاهبهم واختلافهم في أحكامهم وأقوالهم وأفعالهم
وأخلاقهم وأحوالهم، وصححوا رواياتهم بسماع الأذن وحفظ القلب والضبط من أصول
الثقات عن الثقات العدول عن العدول، فأتقنوا ذلك، وعرفوا أماكن الرُّواة في النقل
والضبط، ودوّنوا أسماءهم وكُناهم وموالدهم ووفاتهم، وأرخوا ذلك حتى عرفوا أن كل
رجل من هؤلاء كم من حديث رواه؟ وعمّن رواه؟ وعمن نقل إليه؟ ومن أخطأ منهم في
النقل؟ ومن غلط منهم في زيادة حرف أو نقصان لفظة، ومن تعمد منهم في ذلك، ومن
سومح له بغلطة أو هفوة، حتى عرفوا أسماء المتهمين منهم بالكذب على
رسول اللّه وَله، وعرفوا من تصح عنه الرواية ومن لا تصح، ومن انفرد منهم بحديث
لا يرويه غيره، أو انفرد بلفظة ليست عند غيره، فحفظوا أن كل حديث من ذلك كم من
نفسٍ رواه؟ وما العلة في ناقله؟ حتى جمعوا الأبواب، وبوّبوا السنن، وميزوا ما يدخل في
الصحيح وما يختلف في صحته، وما كان في روايته رجل ضعيف، ووقفوا على رواية
المقلين والمُكثرين، وفهموا أحاديث أئمة الأمصار، وطبقات الرُّواة: التابع من المتبوع،
والكبير من الصغير، وأحاط عِلمُهم بعلل اختلاف الرواة، وزياداتهم ونقصانهم،
وأماكنهم، في رواية السنن والآثار، إذ كان ذلك أساس الدين.
وهم في ذلك متفاضلون حتى يستحق أحدهم بزيادة علمه وإتقانه وحفظه قَبول
الشهادة على العلماء في العدل والتجريح، والرّد والقبول؛ وتكون شهادته مقبولة على

٩
مقدمة المحقق
رسول اللَّهُ وَّةِ فيما قال وفعل وأمر ونهى وندب ودعا؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلكَ
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّة وَسَطاً﴾ أي عدولاً ﴿لِتكونُوا شُهَدَاء على الناس ويكون الرسولُ عليكم
شهيدًا﴾، يقال: إنهم أصحاب الحديث: يشهدون على رسول اللّه وَ له، وعلى الصحابة
والتابعين فيما قالوا وفعلوا ويكون الرسولُ عليكم شهيداً فيما شهدوا عليه من أفعاله
وأقواله وأحواله وأخلاقه، قال النبي ◌َّه: من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار،
وقال النبي ◌َّه: ((نضر اللَّه وجه امرىء سمع مني حديثًا فبلّغه)) الحديث. يقال: إنه
لا يكون واحد من أصحاب الحديث إلا وفي وجهه نضرة لموضع دعاء رسول اللَّه وَلتر .
واعلموا إخواني الكرام أن أفضل شيء بعد التفقه بحديث رسول اللّه ◌َآل﴾ وخدمته،
الفرار إلى اللَّه تعالى فقال عز وجل: ﴿ففروا إلى اللَّه إني لكم منه نذير مبين﴾ والفرار
لا یکون إلا بالزَّادِ قال تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ لذلك إخواني فاتقوا اللَّه
وأطيعوه، وأكثروا في ذكر هازم اللذات - ألا وهو الموت - وأعدوا له ما استطعتم. لأن
زلزلة الساعة شيء عظيم، وتقربوا إلى اللَّه تعالى بالنوافل والتهجّد وقراءة القرآن إني لكم
نصيح أمين، فعسى أن يبعثكم اللَّه مقاماً محموداً، وأعدوا ليوم الرحيل ﴿يوم لا ينفع مال
ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم﴾ فاسمعوا إلى قوله عز وجل بتفكر وإنصات وخشوع
فقال تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود
هو جازٍ عن والده شيئاً إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم باللَّه الغرور
إن اللَّه عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب
غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير﴾ .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
بيروت في ٧ كانون الأول ١٩٩٣ م
الموافق ٢٣ جمادي الآخرة ١٤١٤ هـ
و کتبه
خليل بن مأمون شیحا

نبذة عن
تاريخ تدوين الحديث الشريف
التعريف بالحديث والسنّة :
الحديث لغةً: نقيض القديم، وبمعنى آخر الجديد من الأشياء.
وشرعاً: ما أضيف إلى النبي ◌َ ﴿ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقية
أو خُلُقية(١). ومثال قوله وَّر ما تحدث به رسول اللّه ◌َ له في مناسبات مختلفة مما يتعلق
بالتشريع أو بغيره، كقوله ◌َّر في البحر: ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته))(٢)، وقوله ◌َليل:
((البيِّعان بالخيار ما لم يفترقا))(٣).
ومثال فعله ◌َلجر: ما رواه الصحابة رضوان الله عليهم من أفعاله ◌َّر الداخلة في
شؤون العبادات، كوضوئه 18 وأداء الصلوات، ومناسك الحج، وآداب الصيام وغير
ذلك كثير .
ومثال تقريره بَّيه: كإقراره على أكل الضب بحضرته عليه الصلاة والسلام، وإقراره
على اجتهاد الصحابة في أمر صلاة العصر في بني قريظة، وكإقراره لعائشة على اللعب
بالبنات، وإقراره في الأعياد على مثل غناء الجاريتين وغير ذلك كثير.
ومثال صفته الخَلْقية: ما رواه الصحابة رضوان الله عليهم من وصفه بَّر: أنه أربع
الجسم أسود الشعر أكحل العينين ومن ذلك مما يستفاد عن ملامحه عليه الصلاة والسلام
(١) راجع قواعد التحديث: ٦١.
(٢) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
(٣) أخرجه البخاري ومسلم.

١١
موقف الرسول من كتابة الحديث
ومثال صفته الخُلُقية: ما روي عن بعض أخباره قبل النبوة وبعض سيرته قبل النبوة، مثل
تحنثه بغار حراء، ومثل حسن سيرته، وما كان عليه من كرائم الأخلاق، ومحاسن
الأفعال قبل النبوة وبعدها، فقد مدحه اللَّه سبحانه وتعالى قائلاً له: ﴿وإنك لعلى خلقٍ
عظيم﴾(١) وقول عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن خلق رسول اللّه وَ له فقالت: كان
خلق رسول اللَّه القرآن (٢).
والسنّة لغةً: الطريقة حسنة كانت أو قبيحة ومنها قوله وَ لجر: ((من سنَّ سنّة
حسنة ... الحديث)) (٣).
وشرعاً: مرادفة للحديث النبوي الشريف وهذا عند المحدثين.
ويرى بعض المحدثين: أن الحديث ما ينقل عن النبي ◌َّهر، والسنّة ما كان عليه
العمل المأثور في الصدر الأول، ولذلك تجد أحاديث تخالف السنّة المعمول بها، وبناءً
على هذا تجد قول عبد الرحمن بن مهدي يفرق بين السنّة والحديث بقوله عندما سئل عن
سفيان الثوري والأوزاعي ومالك: ((سفيان الثوري إمام في الحديث وليس بإمام في
السنّة، والأوزاعي إمام في السنّة وليس بإمام في الحديث، ومالك إمام فيهما)) (٤).
وهكذا تطور استعمال لفظ الحديث بعد أن كان يطلق على القرآن الكريم قال
تعالى: ﴿فليأتوا بحديثٍ مثله﴾(٥) وقوله: ﴿اللَّه أنزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً﴾(٦)،
حتى أصبح يطلق على نوع خاص من الأخبار المنقولة عن رسول اللّه وَّر، سأل
أبو هريرة رسول اللّه و له فقال: يا رسول اللّه من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال
له الرسول: ((لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما
رأيت من حرصك على الحديث))(٧).
موقف الرسول والقر من كتابة الحديث :
لم يكن للصحابة رضوان الله عليهم في عهد رسول اللّه وَ لتر مصدر للأحكام سوى
القرآن الكريم الذي لقي عناية فائقة منهم، مما جعله محفوظاً في الصدور ومكتوباً في
(١) سورة: القلم، الآية: ٤.
(٢) أخرجه الحاكم.
(٣) رواه مسلم.
(٤) الزرقاني على الموطأ: ٣/١.
(٥) سورة: الطور، الآية: ٣٤.
(٦) سورة: الزمر، الآية: ٢٣.
(٧) رواه البخاري.

١٢
مقدمة المحقق
الرقاع والسعف والحجارة وغيرها، فكانوا من تلقاء أنفسهم منصرفين إلى تلقيه،
مشغولين بجمعه، حتى أنه كان يستغرق جلّ أوقاتهم، ففي ظل هذه الظروف التي كان
القرآن الكريم ينزل منجماً على الرسول وَلتر بحسب الحوادث، منعهم وَلّر من كتابة
الأحاديث التي يرويها مخافة التباس أقواله وشروحه بالقرآن الكريم، فقال: ((لا تكتبوا
عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه))(١)، ومع هذا النهي عن كتابة أحاديثه بَّر، ثبت
أنه كان لبعض الصحابة صحف يدونون فيها ما سمعوه من رسول اللّه ◌ِ له، كصحيفة
عبد الله بن عمرو بن العاص فعن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: ما كان أحد أعلم
بحديث رسول اللّه وَله مني إلا عبد الله بن عمرو، فقد كان يكتب ولا أكتب. وكتابة
عبد الله بن عمرو استرعت أنظار بعض الصحابة - وخاصة وقت النهي عن الكتابة - الذين
قالوا: إنك تكتب عن رسول اللَّه كل ما يقول، ورسول اللَّه قد يغضب فيقول ما لا يتخذ
شرعًا عامًا. فرجع ابن عمرو إلى رسول اللّه وَ له فقال له: ((اكتب عني فوالذي نفسي بيده
ما خرج من فمي إلا الحق)) (٢) وهكذا كان إذنه وَاليه لعبد الله بن عمرو وقت النهي عن
تدوين أقواله إذنًا خاصًا به؛ لأنه كان قارئًا للكتب وكان يكتب بالسريانية والعربية في
الوقت الذي كان غيره من الصحابة أميين، لا يكتب منهم إلا الواحد والاثنان، وإذا كتب
لم يتقن ولم يصب التهجي، فلما أمن على عبد الله بن عمرو من النسيان وعدم الضبط
والغلط، كإن إذنه له استثناء خصه به ◌َلقر، كما خص به نفراً من أصحابه لأسباب وجيهة
تبعاً للظروف والأشخاص.
ولما نزل أكثر الوحي وحفظه الكثيرون وأمن اختلاطه بأحاديثه وأقواله وَّ قال:
((قيدوا العلم بالكتابة))(٣)، وعن رافع بن خديج أنه قال: قلت: يا رسول اللَّه إنا نسمع
منك أشياء أفنكتبها؟ قال: ((اكتبوا ولا حرج))(٤).
موقف الصحابة بعد وفاة النبي ◌َّ ر من كتابة الحديث:
انقضى عهد الرسول ولي والذين كتبوا الحديث من الصحابة كان عددهم قليلاً ولم
يتغير الحال كثيرًا في عهد الخلفاء الراشدين، فقد كانت آراء هؤلاء الخلفاء في التشدد في
(١) رواه مسلم.
(٢) جامع بيان العلم: ٧٦/١.
(٣) رواه الحاكم.
(٤) تدريب الراوي: ١٥٠ .

١٣
تفاوت الصحابة في التحديث
عدم كتابة الحديث كما كانت عليها آراؤهم في عصر رسول اللَّه والتر، فهذا الخليفة
أبو بكر رضي اللَّه عنه يجمع بعض الأحاديث ثم يحرقها (١) وهذا أمير المؤمنين عمر بن
الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب رسول اللّه وَالخيرِ فأشار عليه
عامتهم بذلك فلبث عمر شهراً يستخير اللَّه في ذلك شاكاً فيه، ثم أصبح يوماً وقد
عزم الله له، فقال: إني كنت قد ذكرت لكم في كتاب السنن ما قد علمتم، ثم تذكرت،
فإن أناس من أهل الكتاب قبلكم، قد كتبوا مع كتاب اللَّه كتبًا، فأكبّوا عليها، وتركوا
كتاب اللَّه، وإني والله لا ألبس كتاب اللَّه بشيء أبداً، فترك كتاب السنن(٢) حتى أنه
رضي الله عنه حبس ثلاثة من كبار الصحابة لإكثارهم الحديث، وهم ابن مسعود،
وأبو الدرداء، وأبو ذر(٣)، ومع هذا فما أن جاور ◌َ ير الرفيق الأعلى حتى كثر عدد من كان
يكتب الحديث من الصحابة رضوان الله عليهم فتمسكوا بسنته وّ# اتباعًا لأوامر الله تعالى
في قوله: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (٤)، واتباعاً لأوامره وَله
حيث قال: ((نضر الله امرءاً سمع مقالتي فحفظها ووعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ
أوعى من سامع))(٥)، وهكذا أوصى رسول اللَّه ◌َلّ صحابته تبليغ السنّة إلى من وراءهم،
وما كان منهم إلا أن استجابوا وامتثلوا لأوامره ون لتر فأخذوا بسنّته وتمسكوا بها فتفرقوا في
الأمصار والأعصار، وبلغوا أمانة الرسول إلى المسلمين وأصبحوا محل عناية التابعين،
فأبوا أن يكونوا ذلك الرجل الذي يوشك أن يكون متكئاً على أريكته يُحَدَّثُ بحديث من
حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب اللَّه عز وجل .. ))(٦). ومهما يكن من إكثار بعض
الصحابة التحديث عن رسول اللَّه فقد كان ذلك قليلاً في عصري الشيخين أبي بكر وعمر
- كما مر - إذ كانت خطتهما حمل المسلمين على التثبت في الحديث من جهة، وحمل
المسلمين على العناية بالقرآن أولاً من جهة أخرى (٧). واستمر الأمر على ذلك، البعض
يكتب والبعض لا يكتب حتى عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
تفاوت الصحابة في التحديث:
ومع ما قدمنا لك من موقف الصحابة من الكتابة والتدوين، نجد أن الصحابة كانوا
(١) تذكرة الحفاظ: ٥/١.
(٢) كنز العمال: ٢٣٩/٥.
(٣) الإحكام: ١٩٣/٢.
(٤) سورة: الحشر، الآية: ٧.
(٥) رواه أبو داود.
(٦) رواه ابن ماجه.
(٧) السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي: ٦٤.

١٤
مقدمة المحقق
متفاوتين في التحديث عن رسول اللَّه وله كثرةً وقلة، فمن المكثرين تحديثًا أبو هريرة
حيث روى خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثًا، وروى عنه أكثر من ثمانمائة
رجل وهو أحفظ الصحابة، ثم عبد الله بن عمر حيث روى ألفي حديث وستمائة وثلاثين
حديثًا، ثم أنس بن مالك حيث روى ألفين ومائتين وستة وثمانين حديثًا، ثم ابن عباس،
حيث روى ألفاً وستمائة وستين حديثًا، ثم جابر بن عبد اللَّه حيث روى ألفًا وخمسمائة
وأربعين حديثًا، ثم أبو سعيد الخدري سعد بن مالك حيث روى ألفًا ومائة وسبعين
حديثًا، ثم عائشة الصديقة أم المؤمنين، روت ألفين ومائتين وعشرة أحاديث، وليس في
الصحابة من يزيد حديثه على ألف غير هؤلاء، وإياهم عني من أنشد(١):
مِنَ الْحَدِيثِ عَنِ الْمُخْتَارِ خَيْرٍ مُضَرْ
سَبْعٌ مِنَ الصَّحْبِ فَوْقَ الأَلْفِ قَدْ تَقَلُوا
صِدِّيقَةٌ، وَابْنُ عَبَّاسِ، كَذَا ابْنُ عُمَرْ
أَبُو هُرَيْرَةَ، سَعْدٌ، جَابِرٌ، أَنَسٌ
وقد اشتهر هؤلاء الصحابة بكثر التحديث عن رسول اللّه وي لتر إما لقدم صحبتهم له
كعبد الله بن مسعود، أو لملازمتهم خدمته كأنس بن مالك، أو لإحاطتهم بأحواله
الداخلية كعائشة، أو لعنايتهم بحديثه كعبد اللَّه بن عمر وعبد الله بن عمر وأبي هريرة
رغم صغر الأولين وتأخر إسلام الثالث(٢).
ومن المقلين في التحديث: الزبير، فروي عن عبد الله بن الزبير أنه قال لأبيه: إني
لا أسمعك تحدث عن رسول اللّه و له كما يحدث فلان وفلان، فقال: أما إني لم أفارقه
ولكن سمعته يقول: ((من كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار)) أخرجه البخاري، ومنهم
أيضًا زيد بن أرقم رضي الله عنه، فكان يقال له: حدِّثنا. فيقول: كبرنا ونسينا،
والحديث عن رسول الله شديد، ومنهم أيضًا عمران بن حصين رضي الله عنه، ويقول
السائب بن يزيد: صحبت سعد بن مالك - أي أبو سعيد الخدري - من المدينة إلى مكة
فما سمعته يحدث عن النبي وَل ل حديثًا واحدًا. ومثلهم أيضًا عثمان وطلحة، والزبير،
وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي عبيدة بن الجراح، وسعيد بن
زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي بن كعب، وسعد بن عبادة، وعبادة بن الصامت، وأسيد بن
حضير، ومعاذ بن جبل، ونظرائهم.
وهكذا مضى كثير من أصحاب رسول اللَّه ◌َ لي قبله وبعده بعلمه لم يؤثر عنه شيء،
(١) تدريب الراوي: ٢٥.
(٢) السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي: ٧٤.

١٥
رحلة الصحابة في طلب الحديث
ولم يحتج إليه لكثرة أصحاب رسول اللَّهُ وَّيه، ومنهم من لم يحدث عنه وَ له شيئًا ولعله
أكثر له صحبة ومجالسة وسماعًا من الذي حدث عنه(١).
رحلة الصحابة ومن بعدهم في طلب الحديث:
الرحلة في طلب الحديث أمر معهود في عهد رسول اللّه ◌َ ار، فكان بعضهم يسمع
بالرسالة الجديدة، فيسافر إلى رسول اللّه وَله من أجل أن يسمع منه القرآن الكريم،
ويتعلم منه تعاليم الإسلام، ومما يتميز به صحابة رسول اللّه ◌َ لل كثرة ارتحالهم، وملازمة
الأسفار في بَثِّ وتبليغ ما أمروا به من جهة، ومن جهة أخرى للرحلة في طلب الحديث،
حتى أصبحوا يقطعون المسافات الطويلة لسماع حديث واحد كان قد بلغهم بطريق الرواة
الثقات للتأكد من ضبطه وصحته، أو ليأخذ الحديث عمن رواه بلا واسطة وإن كان
صحابياً مثله، كما حصل مع جابر بن عبد الله الأنصاري حيث رحل مسيرة شهر إلى
عبد الله بن أُنَيْس في حديث واحد، فقال رضي الله عنه: بلغني عن رجل حديث سمعه
من رسول اللَّه ◌َّر فاشتريت بعيرًا، ثم شددت رحلي فسرت إليه شهرًا، حتى قدمت
الشام، فإذا عبد اللّه بن أنيس فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب، فقال:
ابن عبد الله؟ قلت: نعم. فخرج فاعتنقني فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من
رسول اللّه ولهل فخشيت أن أموت قبل أن أسمعه. فقال: سمعت رسول اللَّه وَله يقول:
((يحشر اللَّه الناس يوم القيامة عراة ... )) الحديث(٢)، ورحلات الصحابي جابر
رضي الله عنه متعددة مشهورة.
وهذا الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري يرحل في طلب حديث واحد من
الحجاز إلى مصر ليصل إلى عقبة بن عامر رضي الله عنهما بسبب حديث يرويه في الستر
على المؤمن؛ ليتأكد من صحة ما يحفظه عن الرسول الكريم وَّر، فعن عطاء بن
أبي رباح قال: خرج أبو أيوب الأنصاري إلى عقبة بن عامر، يسأله عن حديث سمعه من
رسول اللّه وَ له، ولم يبق أحد سمعه من رسول اللّه وَ ل غيره وغير عقبة، فلما قدم إلى
منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري - وهو أمير مصر - فأخبره فعجل عليه، فخرج إليه
فعانقه، ثم قال له: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول اللَّه وَلتر،
لم يبق أحد سمعه من رسول اللّه ◌َ ل ل غيري وغير عقبة، فابعث من يدلني على منزله،
(١) قواعد التحديث: ٧٢، ٧٣.
(٢) الأدب المفرد: ٣٣٧.

١٦
مقدمة المحقق
قال: فبعث معه من يدله على منزل عقبة، فأخبر عقبة، فعجل فخرج إليه فعانقه، فقال:
ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول اللّه ◌َله لم يبق أحد سمعه من
رسول اللّه وَلهل غيري وغيرك في ستر المؤمن، قال عقبة؟ نعم سمعت رسول اللَّه ◌ِله
يقول: ((من ستر مؤمناً في الدنيا على خزيةٍ، ستره الله يوم القيامة)) فقال له أبو أيوب:
صدقت. ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته، فركبها راجعاً إلى المدينة، فما أدركته جائزة
مسلمة بن مخلد إلا بعريش مصر(١).
وهكذا كان الصحابة يشجعون على طلب الحديث والعلم، وعلى الرحلة من
أجله، فهذا الإمام الصحابي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: لو أعلم أحداً أعلم
بكتاب الله تعالى مني تبلغه الإبل لأتيته (٢)، وكذلك الصحابي الجليل سعيد بن المسيب
رضي الله عنه يقول: إني كنت لأسافر مسيرة الأيام والليالي في الحديث الواحد(٣)، حتى
صار الصحابي محط الأنظار من أقرانه الصحابة ومن التابعين رضي الله عنه، وفعلاً كان
يرحلون إلى الصحابة ولا يرون أن سفرهم قد ضاع، فعن كثير بن قيس قال: كنت جالسًا
عند أبي الدرداء في مسجد دمشق، فأتاه رجل، فقال: يا أبا الدرداء: أتيتك من المدينة،
مدينة رسول اللَّهول﴿ لحديث بلغني أنك تحدث به عن النبي ◌َ ◌ّ قال: فما جاء بك
تجارة؟ قال: لا. قال: ولا جاء بك غيره؟ قال: لا، قال: فإني سمعت رسول اللَّه وله
يقول: ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علمًا سهّل اللَّه له طريقًا إلى الجنّة ... )) الحديث (٤)،
حتى أنه يروى عن أبي العالية قوله: كنا نسمع الرواية عن أصحاب رسول اللّه ◌ِليه
بالبصرة، فلم نرض حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواههم(٥).
وأخبار العلماء ورحلاتهم كثيرة يضيق المقام بسردها، فيكفي شرفًا لهذه الأمة أن
تكون تلك الرحلات عاملاً جليلاً في المحافظة على السنة وجمعها وتدوينها؛ لأن
الحديث النبوي الشريف لم يصلنا بشكله الحالي وتصانيفه الكثيرة إلا بعد أن قاسى
الصحابة والتابعين ومن تبعهم والعلماء في قطع الفيافي والبعد عن الأهل والأوطان
ووقفوا عليه حياتهم. فجزاهم اللَّه تعالى عنا خير الجزاء.
(١) معرفة علوم الحديث: ٨.
(٢) الكناية في علم الرواية: ٤٠٢.
(٣) معرفة علوم الحديث: ٨.
(٤) رواه ابن ماجه.
(٥) الجامع لأخلاق الراوي: ١٦٨ .

١٧
تدوين الحديث النبوي
تدوين الحديث النبوي الشريف :
بعد أن علمنا أن بعض الصحابة بعد وفاة النبي وَّر منهم من دوَّن أحاديثه وَّ
ومنهم من كره التدوين لحديثه وَ له وخاصة الشيخين رضي اللَّه عنهما وعلمنا أن كراهة
التدوين كانت ليضمنوا حفظ المصدر التشريعي الأول - أي القرآن الكريم - من أن يشوبه
أية شائبة، ثم لما زالت هذه الكراهة، ومضى نزول الوحي وانقضى عهد الشيخين قام
الصحابة رضوان الله عليهم بالمحافظة على السنّة بدراستها ومذاكراتها وكتابتها وتدوينها
أحياناً، واحتاج الناس إلى الصحابة وخاصة صغارهم بعد أن أخذ الكبار يتناقصون يوماً
بعد يوم، فاجتهد صغار الصحابة بجمع الحديث وتدوينه والأمر بكتابته، فهذا الحسن بن
علي رضي اللَّه عنهما يقول لبنيه وبني أخيه: تعلموا تعلموا، فإنكم صغار قوم اليوم،
تكونون كبارهم غداً، فمن لم يحفظ منكم فليكتب(١) وفي رواية: فليكتبه، وليضعه في
بيته(٢). وهذه أم المؤمنين عائشة رضي اللَّه عنها تقول لابن أختها عروة بن الزبير:
يا بني، بلغني أنك تكتب عني الحديث ثم تعود فتكتبه. فقال لها: أسمعه منك على
شيء، ثم أعود فأسمعه على غيره، فقالت: هل تسمع في المعنى خلافاً؟ قال: لا.
قالت: لا بأس بذلك(٣). وهذا معاوية بن أبي سفيان يكتب إلى المغيرة بن شعبة يقول
له: اكتب إلي شيء سمعته من رسول اللَّه ما﴾(٤) ... وهذا أنس بن مالك رضي الله عنه
كان يقول لبنيه: يا بني قيدوا العلم بالكتاب. وكان يملي الحديث(٥) حتى إذا كثر عليه
الناس جاء بمجال من كتب. فألقاها ثم قال: هذه أحاديث سمعتها وكتبتها عن
رسول اللَّه ◌َيٍ(٦).
وانقضى عهد الصحابة رضوان الله عليهم وجاء عهد التابعين، وتلقى هؤلاء
ورحمهم الله تعالى علومهم على يدي الصحابة، وخالطوهم وعرفوا كل شيء عنهم،
وحملوا الكثير الطيب من حديث رسول اللّه ◌َ لتر عن طريقهم وعرفوا قد كره هؤلاء
الصحابة رضي الله عنهم كتابة الحديث ومتى أباحوه، فقد تأسوا بهم، وهم الرعيل الأول
الذين حفظوا القرآن الكريم والسنّة الشريفة، فمن الطبيعي أن تتفق آراء التابعين وآراء
(١) الكفاية في علم الرواية: ٢٢٩.
(٢) تقييد العلم: ٩١.
(٣) الكفاية في علم الرواية: ٢٠٥.
(٤) معرفة علوم الحديث: ١٠٠ .
(٥) تاريخ بغداد: ٥٩/٨.
(٦) تقييد العلم: ٩٥.

١٨
مقدمة المحقق
الصحابة حول حكم التدوين، فإن الأسباب التي حملت الخلفاء الراشدين والصحابة على
الكراهة هي نفسها التي حملت التابعين عليها، فيقف الجميع موقفاً واحداً، ويكرهون
الكتابة ما دامت أسباب الكراهة قائمة، ويجمعون على الكتابة وجوازها عند زوال تلك
الأسباب، بل إن أكثرهم يحضّ على التدوين ويشجع عليه(١).
وممن امتنع عن الكتابة والتدوين من كبار التابعين: عبيدة بن عمرو السلماني
المرادي المتوفى سنة ٧٢ هـ، وإبراهيم بن يزيد التيمي المتوفى سنة ٩٢ هـ،
وإبراهيم النخعي المتوفى سنة ٩٦(٢) هـ الذي كره أن تكتب الأحاديث
في الكراريس وتُشَبَّه بالمصاحف(٣) وكان يقول: ما كتبت شيئاً قط. حتى أنه
منع حماد بن سليمان من كتابة أطراف الأحاديث (٤)، وهذا عامر الشعبي المتوفى سنة
١٠٣ هـ نسمعه يردد عبارته: ما كتبت سوداء في بيضاء ولا سمعت من رجل حديثاً
فأردت أن يعيده عليّ (٥) . وهكذا ازدادت كراهة التابعين للكتابة عندما اشتهرت آراؤهم
الخاصة بهم، فخشوا من طلابهم أن يدونوا مع الحديث شيئاً من آرائهم فيلتبس الأمر على
من بعدهم، كما حصل مع سعيد بن المسيب عندما جاءه رجل فسأله عن شيء فأملاه
عليه ثم سأله عن رأيه فأجابه، فكتب الرجل، فقال رجل من جلساء سعيد: أیکتب یا
أبا محمد رأيك؟ فقال سعيد للرجل: ناولنيها. فناوله الصحيفة، فخرقها (٦) وما فعله
هذا إلا مخافة أن يلتبس بين الحديث ورأيه الذي قد يخطىء فيه فيرجع عنه، كما قال
جابر بن زيد عندما قيل له: إنهم يكتبون رأيك قال: تكتبون ما عسى أرجع عنه غداً(٧).
وهكذا يمكن لنا أن نستخلص من هذا العرض أن الكراهة لم تكن لمجرد النهي عن
تدوين العلم أو الحديث، بل النهي كان عن تدوين الآراء مع الحديث مخافة الالتباس،
وهذا ما يشابه عصر الرعيل الأول رضوان اللَّه عليهم عندما خافوا أن يدونوا الحديث مع
القرآن الكريم مخافة الالتباس، أو الالتفات إليه دون غيره.
ومع هذا كله نجد بعض التابعين الكرام يهتمون بالكتابة، حتى أن بعضهم كان
(١) السنّة قبل التدوين: ٣٢٢.
(٢) راجع في هذا الموضوع جامع بيان العلم: ٧٦/١.
(٣) انظر سنن الدارمي.
(٤) . طبقات ابن سعد: ١/ ١٩٠.
(٥) رواه الدارمي.
(٦) جامع بيان العلم: ٢/ ١٤٤.
(٧) جامع بيان العلم: ٣١/٢.

١٩
تدوين الحديث النبوي الشريف
يحرص على الكتابة حرصاً شديداً فهذا سعيد بن بصير رحمه اللَّه تعالى المتوفى سنة
٩٥ هـ كان يكتب عن ابن عباس، فإذا ما امتلأت صحيفة كتب في نعله حتى يملأها(١)،
ولم يكتف بذلك، بل بالغ في الحرص على تدوين الحديث حتى أنه قال مرة: كنت أسير
بين ابن عمر وابن عباس، فكنت أسمع الحديث منهما، فأكتبه على واسطة الرحل حتى
أنزل فأكتبه(٢) ولما نشط التدوين وفرق طلاب العلم بين النهي عن كتابة الحديث والنهي
عن كتابة الرأي مع الحديث رخص عندئذٍ التابعون لتلامذتهم بتقييد العلم عنهم، وحضّهم
على الكتابة، كما رخص سعيد بن المسيب رحمه اللّه تعالى المتوفى سنة ١٠٥ هـ
لعبد الرحمن بن حرملة بتدوين العلم حين شكا إليه سوء حفظه(٣) وكذلك فسمع عامراً
الشعبي يردد قوله: إذا سمعتم مني شيئاً فاكتبوه ولو في حائط (٤) وقوله: الكتابة قيد
العلم(٥) بعد أن كان يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء، وكذلك قتادة بن دعامة السدوسي
رحمه اللّه تعالى المتوفى سنة ١١٨ هـ لم يتردد في ترخيص التدوين عندما استفتي في
الكتابة بقوله: وما يمنعك أن تكتب وقد أخبرك اللطيف الخبير أنه یکتب: ﴿قال علمها
عند ربي في كتاب، لا يضل ربي ولا ينسى﴾(٦) بعد أن كان يكره الكتابة حتى أنه إذا
سمع وقع الكتاب أنکره والتمسه بيده(٧).
وهكذا وصلت فكرة التدوين إلى ذروتها ونشطت كذلك الحركة العلمية وازدادت
معها الكتابة والقراءة على العلماء، واستمر الأمر كذلك إلى أن وقعت الفتن والخلافات
السياسية والذهبية وانتشر الوضع والكذب في حديث رسول اللَّه وَّر مما جعل أجلاء
التابعين خاصة ومن بعدهم يقاومون حركة الوضع هذه ويضاعفون جهودهم إلى أن دونوا
الأحاديث الشريفة مخافة الضياع، وصيانة لها من التزيُّد والنقصان.
وأجمعت الآراء أن أول من كان له فضل التدوين الأول وجمعه في كراريس هو
الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه المتوفى سنة ١٠١ هـ حين أمر
رسمياً بالشروع في تدوين الحديث بقوله إلى أهل الآفاق: انظروا إلى حديث
(١) تقييد العلم: ١٠٢ .
(٢) تقييد العلم: ١٠٣ .
(٣) انظر جامع بيان العلم: ٧٣/١.
(٤) تقييد العلم: ١٠٠ .
(٥) المرجع السابق: ٩٩.
(٦) سورة: طه، الآية ٥٢ .
(٧) انظر سنن الدارمي.

٢٠
مقدمة المحقق
رسول اللَّه فاجمعوه(١) مستنداً إلى آراء العلماء وكبار التابعين أمثال ابن شهاب حيث
قال: لولا أحاديث تأتينا من قبل المشرق ننكرها لا نعرفها ما كتبت حديثاً، ولا أذنت في
كتابته (٢) فكان هذان العاملان من أقوى العوامل التي حفزت همم العلماء إلى خدمة
السنّة وتدوين الحديث النبوي الشريف.
وهكذا فإن أَمْرَ الخليفة عمر بن عبد العزيز بالتدوين للأحاديث إنما كان مخافة من
دروس العلم وذهاب أهله، فقد أَمَرَ عامله أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المتوفى
سنة: ١١٧ هـ بالمدينة قائلاً له: اكتب إلي بما ثبت عندك من الحديث عن رسول اللّه وَله
فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل غير حديث النبي ◌َّر، وليفشوا
العلم، وليجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً (٣) وكذلك
أمره أن يكتب له العلم من عمرة بنت عبد الرحمن المتوفاة سنة ٩٨ هـ. ومن القاسم بن
محمد المتوفى سنة: ١٠٧ هـ - وكلاهما من تلاميذ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها -
فكتبه له(٤)، ولكن المنية كانت قد اخترمت الخليفة الراشد قبل أن يبعث بها إليه(٥).
ومع هذا لم يدوِّن أبو بكر بن حزم للخليفة كل ما في المدينة من سنة أو أثر، وإنما فعل
هذا الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المتوفى سنة: ١٢٤ هـ حیث قال: لم یدون
هذا العلم أحد قبل تدويني (٦) فكان أول من دون العلم كما قاله المؤرخون والعلماء (٧).
وهكذا كانت نهاية القرن الأول الهجري وبداية القرن الثاني خاتمة حاسمة لما كان
من كراهة الكتابة وإباحتها، فدونت السنة في صحف وكراريس ودفاتر، وكثرت الصحف
في أيدي طلاب الحديث(٨).
أول من دوّن الحدیث :
إعلم - علمني الله وإياك - أنَّ آثارَ النبي ◌َّ لم تكن في عصر أصحابه وكبار تَبَعِهم
مُدَوَّنة في الجوامع، ولا مرتبة؛ لأمرين:
أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك، كما ثبت في صحيح
(١) فتح الباري: ٢٠٤/١.
(٢) تقييد العلم: ١٠٨ .
(٣) فتح الباري: ٢٠٤/١.
(٤) مقدمة الجرح والتعديل: ٢٠.
(٥) قواعد التحديث: ٧٢.
(٦) توجيه النظر: ٦.
(٧) الرسالة المستطرفة: ٤.
(٨) السنّة قبل التدوين: ٣٣٣.