النص المفهرس

صفحات 341-360

المعجم - الإيمان: ك ١، ب ٦٢
٣٤٣
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٦١
مُحَمِّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى
رَسُولِ اللّهِ وَ﴿ِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: ((فَلاَ تُعْطِهِ
مَالَكَ)). قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: ((قَاتِلْهُ)) قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: (فَأَنْتَ شَهِيدٌ)). قَالَ:
أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: ((هُوَ فِي النَّارِ)).
٣٥٩ - ٢/٢٢٦ - حدّثني الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُحَمِّدُ بْنُ رَافِعٍ،
- وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ -، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثْنَا، عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ
جُرَيْجٍ /، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ: أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمْنِ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ
ج ٢
٤٦/ب
٣٥٩ - انفرد به مسلم، تحفة الأشراف (٨٦١١).
مالي قال فلا تعطه مالك قال أرأيت أن قاتلني قال قاتله قال أرأيت أن قتلني قال فأنت شهيد قال أرأيت إن
قتلته قال هو في النار). أما ألفاظ الباب، فالشهيد، قال النضر بن شميل: سمي بذلك لأنه حي، لأن
أرواحهم شهدت دار السلام، وأرواح غيرهم لا تشهدها إلا يوم القيامة. وقال ابن الأنباري: لأن الله تعالى ١٦٣/٢
وملائكته عليهم السلام يشهدون له بالجنة، فمعنى شهيد مشهود له. وقيل: سمي شهيداً لأنه يشهد عند
خروج روحه ما له من الثواب والكرامة. وقيل: لأن ملائكة الرحمة يشهدونه فيأخذون روحه. وقيل: لأنه
شهد له بالإيمان وخاتمة الخير بظاهر حاله. وقيل: لأن عليه شاهداً يشهد بكونه شهيداً، وهو دمه، فإنه
يبعث وجرحه يثعب دماً. وحكى الأزهري وغيره قولاً آخر أنه سمي شهيداً لكونه ممن يشهد يوم القيامة على
الأمم، وعلى هذا القول لا اختصاص له بهذا السبب. واعلم أن الشهيد ثلاثة أقسام؛ أحدها المقتول في
حرب الكفار بسبب من أسباب القتال، فهذا له حكم الشهداء في ثواب الآخرة وفي أحكام الدنيا، وهو أنه
لا يغسل ولا يصلى عليه. والثاني شهيد في الثواب دون أحكام الدنيا، وهو المبطون والمطعون وصاحب
الهدم ومن قتل دون ماله، وغيرهم ممن جاءت الأحاديث الصحيحة بتسميته شهيداً، فهذا يغسل ويصلى
عليه وله في الآخرة ثواب الشهداء، ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول. والثالث من غل في الغنيمة وشبهه
ممن وردت الآثار بنفي تسميته شهيداً إذا قتل في حرب الكفار، فهذا له حكم الشهداء في الدنيا، فلا يغسل
ولا يصلى عليه، وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة، والله أعلم.
وفي الباب في الحديث الثاني: (تيسروا للقتال فركب خالد بن العاصي)، معنى تيسروا للقتال تأهبوا
وتهيؤا. وقوله: فركب، كذا ضبطناه، وفي بعض الأصول: وركب، بالواو، وفي بعضها: ركب، من غير
فاء ولا واو، وكله صحيح. وقد تقدم أن الفصيح في العاصي إثبات الياء، ويجوز حذفها، وهو الذي
يستعمله معظم المحدثين أو كلهم. وقوله بعد هذا: (أما علمت أن رسول اللّه م لل قال)، هو بفتح التاء من ١٦٤/٢
علمت، والله أعلم.
وأما أحكام الباب، ففيه جواز قتل القاصد لأخذ المال بغير حق، سواء كان المال قليلاً أو كثيراً،
لعموم الحديث، وهذا قول الجماهير من العلماء. وقال بعض أصحاب مالك: لا يجوز قتله إذا طلب شيئاً

المعجم - الإیمان: ك ١، ب ٦٣
٣٤٤
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٦٢
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَبَيْنَ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مَا كَانَ، تَسِّرُوا لِلْقِتَّالِ، فَرَكِبَ خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ إِلَى
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَوَعَظَهُ خَالِدٌ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ قَالَ: ((مَنْ
قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)).
٣٦٠ - ٣/٠٠٠ - وحدّثنيه مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. [ح](١) وَحَدَّثَنَاهُ(2) أَحْمَدُ بْنُ
عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهِذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٦٢/٦٣ - باب: استحقاق الوالي، الغاش لرعيته، النارَ.
٣٦١ - ١/٢٢٧ - حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثْنَا أَبُو الْأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: عَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ/
ابْنُ زِيَادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارِ الْمُزَنِيَّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ. قَالَ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ
مِنْ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةٌ مَا حَدَّثْتُكَ. إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ يَقُولُ: ((مَا مِنْ
ج ٢
١/٤٧
٣٦٠ - انفرد به مسلم، تحفة الأشراف (٨٦١١).
٣٦١ - أخرجه البخاري في كتاب: الأحكام، باب: من استرعى رعية فلم ينصح. مختصراً (الحديث ٦٧٣١)
و (الحديث ٦٧٣٢)، وأخرجه مسلم، في كتاب: المغازي، باب: فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر، والحث
على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم (الحديث ٤٧٠٦) و (الحديث ٤٧٠٧)، تحفة
الأشراف (١١٤٦٦).
يسيراً [كالثوب](١) والطعام، وهذا ليس بشيء، والصواب ما قاله الجماهير. وأما المدافعة عن الحريم
فواجبة بلا خلاف، وفي المدافعة عن النفس بالقتل خلاف في مذهبنا ومذهب غيرنا، والمدافعة عن المال
جائزة غير واجبة، والله أعلم.
وأما قوله وَّه: (فلا تعطه)، فمعناه لا يلزمك أن تعطيه، وليس المراد تحريم الإعطاء.
وأما قوله ◌َل# في الصائل: (إذا قتل هو في النار)، فمعناه أنه يستحق ذلك، وقد یجازی وقد يعفى
عنه، إلا أن يكون مستحلاً لذلك بغير تأويل فإنه يكفر ولا يعفى عنه، والله أعلم.
باب: استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار
١٦٥/٢ ٣٦١ -٣٦٤ - فيه قوله {َّل: (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله
(1) ساقطة من المخطوطة .
(2) في المطبوعة : حدثنا.
(١) في الأصل: كالثرب، وفي نسخة ش: كالشراب، وأثبتنا ما في نسخة ك؛ لأنها أضبط نسخة موجودة حتى الآن.

المعجم - الإیمان: ك ١، ب ٦٣
٣٤٥
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٦٢
عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌ لِرَعِيْتِهِ، إِلَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)).
٣٦٢ - ٢/٢٢٨ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَىْ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ،
قَالَ: دَخَلَ | عُبَيْدُ اللَّهِ | بْنُ زِيَادٍ عَلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ وَهْوَ وَجِعٌ. فَسَأَلَهُ فَقَالَ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا
لَمْ أَكُنْ حَدَّثْتُكَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((لَ يَسْتَرْعِي اللَّهُ عَبْدًا رَعِيَّةُ، يَمُوتُ حِينَ يَمُوتُ وَهْوَ
غَاشِرٌ / لَهَا، إِلَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)). قَالَ: أَلَّ كُنْتَ حَدَّثْتَنِي هَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ؟ قَالَ: مَا حَدَّثْتُكَ،
أَوْ لَمْ أَكُنْ لَإِحَدِّثَكَ.
٤٧/ب
٣٦٣ - ٣/٢٢٩ - وحدّثني الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، - يَعْنِي الْجُعْفِيَّ-، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ
هِشَامٍ، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: كُنَّا عِنْدَ مَعْقِلٍ بْنِ يَسَارِ نَعُودُهُ، فَجَاءَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ:
إِنِّي سأَحَدِّئُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ. ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا.
٣٦٢ - تقدم تخريجه بمثل الحديث الذي قبله (الحديث ٣٦١).
٣٦٣ - تقدم تخريجه (الحديث ٣٦١).
عليه الجنة)، وفي الرواية الأخرى: (ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل
معهم الجنة).
أما فقه الحديث، فقوله ◌َّه: (حرم الله عليه الجنة)، فيه التأويلان المتقدمان في نظائره؛ أحدهما
أنه محمول على المستحل، والثاني حرم عليه دخولها مع الفائزين السابقين، ومعنى التحريم هنا المنع.
قال القاضي عياض رحمه الله: معناه بين في التحذير من غش المسلمين، لمن قلده اللّه تعالى شيئاً من
أمرهم، واسترعاه عليهم، ونصبه لمصلحتهم، في دينهم أو دنياهم، فإذا خان فيما اؤتمن عليه، فلم ينصح
فيما قلده، إما بتضييعه تعريفهم ما يلزمهم من دينهم وأخذهم به، وإما بالقيام بما يتعين عليه من حفظ
شرائعهم، والذب عنها لكل متصد لإدخال داخلة فيها أو تحريف لمعانيها، أو إهمال حدودهم، أو تضييع
حقوقهم، أو ترك حماية حوزتهم ومجاهدة عدوهم، أو ترك سيرة العدل فيهم، فقد غشهم. قال القاضي :
وقد نبه ◌َ لّ على أن ذلك من الكبائر الموبقة المبعدة عن الجنة، والله أعلم.
وأما قول معقل رضي الله عنه لعبيد الله بن زياد: (لو علمت أن لي حياة ما حدثتك)، وفي الرواية
الأخرى: (لولا أني في الموت لم أحدثك)، فقال القاضي عياض رحمه الله: إنما فعل هذا؛ لأنه علم قبل ١٦٦/٢
هذا أنه ممن لا ينفعه الوعظ، كما ظهر منه مع غيره، ثم خاف معقل من كتمان الحديث ورأى تبليغه
أو فعله، لأنه خافه لو ذكره في حياته لما يهيج عليه هذا الحديث ويثبته في قلوب الناس من سوء حاله. هذا
كلام القاضي. والاحتمال الثاني هو الظاهر، والأول ضعيف، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
لا يسقط باحتمال عدم قبوله، والله أعلم.

المعجم - الإیمان: ك ١، ب ٦٤
٣٤٦
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٦٣
٣٦٤ - ٤/٠٠٠ - وحدّثنا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثْنِّى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ
إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا: مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ:
أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ فِي مَرَضِهِ. فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ / لَوْلاَ أَنِّي
فِي الْمَوْتِ لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهِ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ يَقُولُ: ((مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ
لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ إِلَّ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ).
ج ٢
١/٤٨
٦٣/٦٤ - باب: رفع الأمانة والإيمان من | بعض |القلوب، و| عرض الفتن على
القلوب |
٣٦٥ - ١/٢٣٠ - حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثْنَاهُ(١٤) أَبُو كُرَيْبٍ،
٣٦٤ - أخرجه مسلم في كتاب: المغازي، باب: فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية
والنهي عن إدخال المشقة عليهم (الحديث ٤٧٠٨)، تحفة الأشراف (١١٤٨٠).
٣٦٥ - أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: رفع الأمانة (الحديث ٦٤٩٧)، وأخرجه أيضاً في كتاب: الفتن،
باب: إذا بقي في حثالة من الناس (الحديث ٧٠٨٦)، وأخرجه أيضاً في كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب:
الاقتداء بسنن رسول اللَّه ﴿ (الحديث ٧٢٧٦) مختصراً، وأخرجه الترمذي في كتاب: الفتن، باب: ما جاء في رفع
الأمانة (الحديث ٢١٧٩)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الفتن، باب: ذهاب
الأمانة (الحديث ٤٠٥٣)، تحفة الأشراف (٣٣٢٨).
وأما ألفاظ الباب، ففيه شيبان عن أبي الأشهب عن الحسن عن معقل بن يسار رضي الله عنه. وهذا
الإسناد كله بصريون، وفروخ غير مصروف لكونه عجمياً، تقدم مرات، وأبو الأشهب اسمه جعفر بن حيان،
بالمثناة، العطاردي السعدي البصري. وفيه عبيد الله بن زياد، هو زياد بن أبيه، الذي يقال له زياد بن
أبي سفيان. وفيه أبو غسان المسمعي، وقد تقدم بيانه في المقدمة، وأن غسان يصرف ولا يصرف،
والمسمعي، بكسر الميم الأولى وفتح الثانية، منسوب إلى مسمع بن ربيعة، واسم أبي غسان مالك بن
عبد الواحد. وفيه أبو المليح، بفتح الميم، واسمه عامر، وقيل زيد بن أسامة الهذلي البصري، واللّه
أعلم.
باب: رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب
وعرض الفتن على القلوب
٣٦٥ - ٣٦٦ - فيه قول حذيفة رضي الله عنه: (حدثنا رسول اللّه وَ ل حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر
(1) في المطبوعة: حدثنا.

المعجم - الإيمان: ك ١، ب ٦٤
٣٤٧
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٦٣
حَدُثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنٍ وَهْبٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، حَدَّثْنَا رَسُولُ اللّهِ وَ﴾َ حَدِيثَيْنِ قَدْ
رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ، حَدَّثَنَا: ((أَنَّ الْأُمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جِذْرٍ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ نَزَلَ
الآخر إلى آخره)، وفيه حديث حذيفة الآخر في عرض الفتن، وأنا أذكر شرح لفظهما ومعناهما على
ترتيبهما إن شاء تعالى. فأما الحديث الأول، فقال مسلم: (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية
ووكيع قال وحدثنا أبو كريب حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة رضي الله عنه)،
هذا الإسناد كله كوفيون، وحذيفة مدايني كوفي. وقوله: عن الأعمش عن زيد، والأعمش مدلس، وقد
قدمنا أن المدلس لا يحتج بروايته إذا قال عن، وجوابه ما قدمناه مرات في الفصول وغيرها، أنه ثبت سماع ١٦٧/٢
الأعمش هذا الحديث من زيد من جهة أخرى، فلم يضره بعد هذا قوله فيه عن. وأما قول حذيفة رضي اللّه
عنه: حدثنا رسول اللّه ◌َ ﴿ حديثين، فمعناه حدثنا حديثين في الأمانة، وإلا فروايات حذيفة كثيرة في
الصحيحين وغيرهما. قال صاحب التحرير: وعني بأحد الحديثين قوله: حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر
قلوب الرجال، وبالثاني قوله: ثم حدثنا عن رفع الأمانة، إلى آخره.
قوله: (أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال)، أما الجذر، فهو بفتح الجيم وكسرها، لغتان،
وبالذال المعجمة فيهما، وهو الأصل، قال القاضي عياض رحمه الله: مذهب الأصمعي في هذا الحديث
فتح الجيم، وأبو عمرو يكسرها. وأما الأمانة فالظاهر أن المراد بها التكليف الذي كلف الله تعالى به عباده،
والعهد الذي أخذه عليهم. قال الإمام أبو الحسن الواحدي رحمه اللَّه في قول اللَّه تعالى: ﴿إنا عرضنا
الأمانة على السموات والأرض والجبال﴾(١) قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي الفرائض التي افترضها
اللّه تعالى على العباد، وقال الحسن: هو الدين، والدين كله أمانة، وقال أبو العالية: الأمانة ما أمروا به
وما نهوا عنه، وقال مقاتل: الأمانة الطاعة، قال الواحدي: وهذا قول أكثر المفسرين. قال: فالأمانة في قول
جميعهم الطاعة، والفرائض التي يتعلق بأدائها الثواب وبتضييعها العقاب، والله أعلم. وقال صاحب
التحرير الأمانة في الحديث هي الأمانة المذكورة في قوله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة﴾(١)، وهي عين
الإيمان، فإذا استمكنت الأمانة من قلب العبد قام حينئذ بأداء التكاليف، واغتنم ما يرد عليه منها، وجد في
إقامتها، والله أعلم.
وأما قوله ◌َله: (فيظل أثرها مثل الوكت)، فهو بفتح الواو وإسكان الكاف وبالتاء المثناة من فوق، وهو
الأثر اليسير، كذا قاله الهروي، وقال غيره: هو سواد يسير، وقيل: هو لون يحدث مخالف للون الذي كان
قبله. وأما (المجل)، فبفتح الميم وإسكان الجيم وفتحها، لغتان حكاهما صاحب التحرير، والمشهور ١٦٨/٢
الإسكان، يقال منه مجلت يده، بكسر الجيم، تمجل، بفتحها، مجلًا، بفتحها أيضاً، ومجلت، بفتح
الجيم، تمجل، بضمها، مجلًا، بإسكانها، لغتان مشهورتان، وأمجلها غيرها. قال أهل اللغة: والغريب
المجل هو التنفط الذي يصير في اليد من العلم بفأس أو نحوها، ويصير كالقبة فيه ماء قليل.
وأما قوله: (كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبراً وليس فيه شىء) فالجمر والدحرجة
(١) سورة: الأحزاب، الآية: ٧٢ .

المعجم - الإيمان: ك ١، ب ٦٤
٣٤٨
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٦٣
الْقُرْآنُ، فَعَلِّمُوا مِنَ الْقُرْآنِ وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ». ثُمَّ حَدَّثْنَا عَنْ رَفْعِ الْأَمَانَةِ قَالَ: ((يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ
ج ٢
فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَظَلُّ أَثْرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ / فَتُقْبَضُ الْأُمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ
٤٨/ب
أَثْرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ، فَتَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ - ثُمَّ أَخَذَ حَصَّى
معروفان. ونفط، بفتح النون وكسر الفاء، ويقال تنفط بمعناه. ومنتبراً مرتفعاً، وأصل هذه اللفطة الارتفاع،
ومنه المنبر لارتفاعه وارتفاع الخطيب عليه. وقوله: نفط، ولم يقل نفطت مع أن الرجل مؤنثة، إما أن يكون
ذكر نفط اتباعاً للفظ الرجل، وإما أن يكون اتباعاً لمعنى الرجل وهو العضو.
وأما قوله: (ثم أخذ حصى فدحرجه)، فهكذا ضبطناه، وهو ظاهر، ووقع في أكثر الأصول: ثم أخذ
حصاة فدحرجه، بإفراد لفظ الحصاة، وهو صحيح أيضاً، ويكون معناه دحرج ذلك المأخوذ أو الشيءٍ،
وهو الحصاة، والله أعلم. قال صاحب التحرير: معنى الحديث أن الأمانة تزول عن القلوب شيئاً فشيئاً،
فإذا زال أول جزء منها زال نورها، وخلفته ظلمة كالوكت، وهو اعتراض لون مخالف للون الذي قبله، فإذا
زال شيء آخر صار كالمجل، وهو أثر محكم لا يكاد يزول إلا بعد مدة، وهذه الظلمة فوق التي قبلها، ثم
شبه زوال ذلك النور بعد وقوعه في القلب، وخروجه بعد استقراره فيه، واعتقاب الظلمة إياه، بجمر
يدحرجه على رجله حتى يؤثر فيها، ثم يزول الجمر ويبقى التنفط، وأخذه الحصاة ودحرجته إياها أراد بها
زيادة البيان وإيضاح المذكور، والله أعلم.
١٦٩/٢
وأما قول حذيفة رضي الله عنه: (ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلماً ليردنه
على دينه ولئن كان نصرانياً أو يهودياً ليردنه على ساعيه وأما اليوم فما كنت لأبايع إلا فلاناً وفلاناً)، فمعنى
المبايعة هنا البيع والشراء المعروفان، ومراده أني كنت أعلم أن الأمانة لم ترتفع، وأن في الناس وفاء
بالعهود، فكنت أقدم على مبايعة من اتفق غير باحث عن حاله، وثوقاً بالناس وأمانتهم، فإنه إن كان مسلماً
فدينه وأمانته تمنعه من الخيانة، وتحمله على إداء الأمانة، وإن كان كافراً فساعيه، وهو الوالي عليه، كان
أيضاً يقوم بالأمانة في ولايته، فيستخرج حقي منه، وأما اليوم، فقد ذهبت الأمانة فما بقي لي وثوق بمن
أبايعه، ولا بالساعي في أدائهما الأمانة، فما أبايع إلا فلاناً وفلاناً، يعني أفراداً من الناس، أعرفهم وأثق
بهم. قال صاحب التحرير والقاضي عياض رحمهما الله: وحمل بعض العلماء المبايعة هنا على بيعة
الخلافة وغيرها من المعاقدة والتحالف في أمور الدين، قالا: وهذا خطأ من قائله، وفي هذا الحديث
مواضع تبطل قوله؛ منها قوله: ولئن كان نصرانياً أو يهودياً، ومعلوم أن النصراني واليهودي لا يعاقد على
شيء من أمور الدين، والله أعلم. وأما الحديث الثاني في عرض الفتن، ففي إسناده سليمان بن حيان،
بالمثناة، وربعي، بكسر الراء، وهو ابن حراش، بكسر الحاء المهملة.
وقوله: (فتنة الرجل في أهله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة) قال أهل اللغة: أصل الفتنة في
١٧٠/٢ كلام العرب الابتلاء والامتحان والاختبار. قال القاضي: ثم صارت في عرف الكلام لكل أمر كشفه الاختبار
عن سوء. قال أبو زيد: فتن الرجل يفتن فتوناً، إذا وقع في الفتنة وتحول من حال حسنة إلى سيئة. وفتنة
الرجل في أهله وماله وولده ضروب من فرط محبته لهم، وشحه عليهم، وشغله بهم عن كثير من الخير،

المعجم - الإيمان: ك ١، ب ٦٤
٣٤٩
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٦٣
فَدَحْرَجَهُ عَلَى رِجْلِهِ - فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتْبَايَعُونَ، لَ يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأُمَانَةَ حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي
كما قال تعالى: ﴿أنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾(١) أو لتفريطه بما يلزم من القيام بحقوقهم وتأديبهم
وتعليمهم، فإنه راع لهم ومسئول عن رعيته، وكذلك فتنة الرجل في جاره من هذا، فهذه كلها فتن تقتضي
المحاسبة،، ومنها ذنوب يرجى تكفيرها بالحسنات، كما قال تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾(٢).
وقوله: (التي تموج كما يموج البحر)، أي تضطرب ويدفع بعضها بعضاً، وشبهها بموج البحر لشدة
عظمها وكثرة شيوعها .
وقوله: (فأسكت القوم)، هو بقطع الهمزة المفتوحة: قال جمهور أهل اللغة: سكت وأسكت،
لغتان، بمعنى صمت: وقال الأصمعي: سكت صمت، وأسكت أطرق. وإنما سكت القوم لأنهم لم يكونوا
يحفظون هذا النوع من الفتنة، وإنما حفظوا النوع الأول.
وقوله: (للَّه أبوك)، كلمة مدح تعتاد العرب الثناء بها، فإن الإضافة إلى العظيم تشريف، ولهذا يقال
بيت اللَّه وناقة اللَّه. قال صاحب التحرير: فإذا وجد من الولد ما يحمد قيل له: لله أبوك حيث أتى بمثلك.
وقوله مثل: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً)، هذان الحرفان مما اختلف في ضبطه
على ثلاثة أوجه، أظهرها وأشهرها عوداً عوداً، بضم العين وبالدال المهملة، والثاني بفتح العين وبالدال
المهملة أيضاً، والثالث بفتح العين وبالذال المعجمة، ولم يذكر صاحب التحرير غير الأول، وأما القاضي
عياض فذكر هذه الأوجه الثلاثة عن أئمتهم، واختار الأول أيضاً. قال: واختار شيخنا أبو الحسين بن سراج
فتح العين والدال المهملة. قال: ومعنى تعرض أنها تلصق بعرض القلوب، أي جانبها، كما يلصق
الحصير بجنب النائم، ويؤثر فيه شدة التصاقها به. قال: ومعنى عوداً عوداً، أي: تعاد وتكرر شيئاً بعد
شيء. قال ابن سراج: ومن رواه بالذال المعجمة فمعناه سؤال الاستعاذة منها، كما يقال غفراً غفراً،
وغفرانك، أي نسألك أن تعيذنا من ذلك وأن تغفر لنا. وقال الأستاذ أبو عبد الله بن سليمان: معناه تظهر ١٧١/٢
على القلوب، أي تظهر لها فتنة بعد أخرى. وقوله: كالحصير، أي كما ينسج الحصير عوداً عوداً، وشظية
بعد أخرى. قال القاضي: وعلى هذا يترجح رواية ضم العين، وذلك أن ناسج الحصير عند العرب كلما
صنع عوداً أخذ آخر ونسجه، فشبه عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير على
صانعها واحداً بعد واحد. قال القاضي: وهذا معنى الحديث عندي، وهو الذي يدل عليه سياق لفظه
وصحة تشبيهه، والله أعلم .
قوله : (فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء)، معنى
أشربها: دخلت فيه دخولاً تاماً وألزمها وحلت منه محل الشراب، ومنه قوله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم
العجل﴾ (٣)، أي حب العجل، ومنه قولهم: ثوب مشرب بحمرة، أي خالطته الحمرة مخالطة لا انفكاك
لها. ومعنى نكت نكتة، نقط نقطة، وهي بالتاء المثناة في آخره. قال ابن دريد وغيره: كل نقطة في شيء
(١) سورة: الأنفال، الآية: ٢٨.
(٢) سورة: هود، الآية: ١١٤.
(٣) سورة: البقرة، الآية: ٩٣.

المعجم - الإیمان: ك ١، ب ٦٤
٣٥٠
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٦٣
قُلَنٍ رَجُلاً أَمِينًا، حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ! مَا أَظْرَفَهُ! مَا أَعْقَلَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَيَّةٍ مِنْ
خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ».
بخلاف لونه فهو نكت. ومعنى أنكرها ردها، والله أعلم.
وقوله : (حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض
والآخر أسود مرباداً كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه)، قال القاضي
عياض رحمه الله: ليس تشبيهه بالصفا بياناً لبياضه، لكن صفة أخرى لشدته على عقد الإيمان وسلامته من
الخلل، وأن الفتن لم تلصق به ولم تؤثر فيه، كالصفا وهو الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء. وأما
قوله: مرباداً، فكذا هو في روايتنا وأصول بلادنا، وهو منصوب على الحال. وذكر القاضي عياض رحمه
١٧٢/٢ اللَّه خلافاً في ضبطه، وأن منهم من ضبطه كما ذكرناه، ومنهم من رواه مربئد، بهمزة مكسورة بعد الباء.
قال القاضي: وهذه رواية أكثر شيوخنا، وأصله أن لا يهمز، ويكون مربد مثل مسود ومحمر، وكذا ذكره
أبو عبيد والهروي، وصححه بعض شيوخنا عن أبي مروان بن سراج، لأنه من أربد، إلا على لغة من قال
احمار، بهمزة بعد الميم، لإلتقاء الساكنين، فيقال اربأد ومربئد، والدال مشددة على القولين، وسيأتي
تفسيره. وأما قوله: مجخياً، فهو بميم مضمومة ثم جيم مفتوحة ثم خاء معجمة مكسورة، معناه مائلاً، كذا
قاله الهروي وغيره، وفسره الراوي في الكتاب بقوله: منكوساً، وهو قريب من معنى المائل. قال القاضي
عياض: قال لي ابن سراج: ليس قوله: كالكوز مجخياً، تشبيهاً لما تقدم من سواده، بل هو وصف آخر من
أوصافه بأنه قلب ونکس، حتی لا یعلق به خير ولا حكمة، ومثله بالكوز المجخي، وبينه بقوله: لا يعرف
معروفاً ولا ينكر منكراً. قال القاضي رحمه اللّه: شبه القلب الذي لا يعي خيراً بالكوز المنحرف الذي
لا يثبت الماء فيه. وقال صاحب التحرير: معنى الحديث أن الرجل إذا تبع هواه وارتكب المعاصي دخل
قلبه بكل معصية يتعاطاها ظلمة، وإذا صار كذلك افتتن وزال عنه نور الإسلام، والقلب مثل الكوز، فإذا
انکب انصب ما فيه، ولم يدخله شيء بعد ذلك.
وأما قوله في الكتاب: (قلت لسعد ما أسود مرباداً فقال شدة البياض في سواد)، فقال القاضي عياض
رحمه الله: كان بعض شيوخنا يقول إنه تصحيف، وهو قول القاضي أبي الوليد الكناني. قال: أرى أن
صوابه شبه البياض في سواد، وذلك أن شدة البياض في سواد لا يسمى ربدة، وإنما يقال لها: [بلق](١) إذا
كان في الجسم، وحوراً إذا كان في العين، والربدة إنما هو شيء من بياض يسير يخالط السواد، كلون أكثر
النعام، ومنه قيل للنعامة ربداء، فصوابه شبه البياض لا شدة البياض . قال أبو عبيد عن أبي عمرو وغيره:
الربدة لون بين السواد والغبرة. وقال ابن دريد: الربدة لون أكدر، وقال غيره: هي أن يختلط السواد بكدرة.
وقال الحربي: لون النعام بعضه أسود وبعضه أبيض، ومنه أربد لونه إذا تغير ودخله سواد. وقال نفطويه:
١٧٣/٢ المربد الملمع بسواد وبياض، ومنه تربد لونه أي تلون، والله أعلم.
قوله: حدثته أن بينك وبينها باباً مغلقاً يوشك أن يكسر، قال عمر رضي الله عنه: أكسراً لا أبا لك،
(١) في الأصل: باق، وهو خطأ والتصويب من نسخة ش وك.

المعجم - الإیمان: ك ١، ب ٦٤
٣٥١
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٦٣
وَلَقَدْ أَتَّى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتَ، لَيْنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدُّنُّهُ عَلَيَّ دِينُهُ، وَلَيْنْ كَانَ
نَصْرَائِيّاً أَوْ يَهُودِيََّ لَيَرُدُّنُّهُ عَلَيْ سَاعِيهِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ لُأَبَايِعَ مِنْكُمْ إِلَّ فُلَانًا وَفُلَانًا.
٣٦٦ - ٢/٠٠٠ - وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي وَوَكِيعٌ. [ح](١٤) وَحَدَّثَنَا إِسْحُقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ/، ج1
٣٦٦ - تقدم تخريجه بمثل الحديث الذي قبله (الحديث ٣٦٥).
فلو أنه فتح لعله كان يعاد. أما قوله: إن بينك وبينها باباً مغلقاً، فمعناه أن تلك الفتن لا يخرج شيء منها
في حياتك. وأما قوله: يوشك، فبضم الياء وكسر الشين، ومعناه يقرب. وقوله: أكسراً، أي أيكسر كسراً،
فإن المكسور لا يمكن إعادته، بخلاف المفتوح، ولأن الكسر لا يكون غالباً إلا عن إكراه وغلبة وخلاف
عادة. وقوله: لا أبا لك، قال صاحب التحرير: هذه كلمة تذكرها العرب للحث على الشيء، ومعناها أن
الإنسان إذا كان له أب وحزبه أمر ووقع في شدة، عاونه أبوه ورفع عنه بعض الكل، فلا يحتاج من الجد
والاهتمام إلى ما يحتاج إليه حالة الانفراد وعدم الأب المعاون، فإذا قيل لا أبا لك، فمعناه جد في هذا
الأمر وشمر وتأهب تأهب من ليس له معاون، والله أعلم.
قوله: وحدثته أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت حديثاً ليس بالأغاليط، أما الرجل الذي يقتل، فقد جاء
مبيناً في الصحيح أنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقوله: يقتل أو يموت، يحتمل أن يكون حذيفة
رضي الله عنه سمعه من النبي هكذا على الشك، والمراد به الإبهام على حذيفة وغيره، ويحتمل أن ١٧٤/٢
يكون حذيفة علم أنه يقتل، ولكنه كره أن يخاطب عمر رضي الله عنه بالقتل، فإن عمر رضي الله عنه كان
يعلم أنه هو الباب، كما جاء مبيناً في الصحيح أن عمر كان يعلم من الباب كما يعلم أن قبل غد الليلة،
فأتى حذيفة رضي الله عنه بكلام يحصل منه الغرض، مع أنه ليس إخباراً لعمر بأنه يقتل. وأما قوله: حديثاً
ليس بالأغاليط، فهي جمع أغلوطة، وهي التي يغالط بها، فمعناه حدثته حديثاً صدقاً محققاً، ليس هو من
صحف الكتابيين، ولا من اجتهاد ذي رأي، بل من حديث النبي ◌َّ 9. والحاصل أن الحائل بين الفتن
والإِسلام عمر رضي الله عنه، وهو الباب، فما دام حياً لا تدخل الفتن، فإذا مات دخلت الفتن، وكذا كان،
والله أعلم .
وأما قوله في الرواية الأخرى: عن ربعي قال: لما قدم حذيفة من عند عمر رضي الله عنهما جلس،
فحدثنا فقال: إن أمير المؤمنين أمس، لما جلست إليه، سأل أصحابه أيكم يحفظ قول رسول اللّه وَ ل# في
الفتن، إلى آخره، فالمراد بقوله: أمس، الزمان الماضي، لا أمس يومه، وهو اليوم الذي يلي يوم تحديثه،
لأن مراده لما قدم حذيفة الكوفة في انصرافه من المدينة من عند عمر رضي الله عنهما. وفي أمس ثلاث
لغات؛ قال الجوهري: أمس اسم حرك آخره لالتقاء الساكنين، واختلف العرب فيه، فأكثرهم يبنيه على
الكسر معرفة، ومنهم من يعربه معرفة، وكلهم يعربه إذا دخلت عليه الألف واللام، أو صيره نكرة أو أضافه،
تقول مضى الأمس المبارك، ومضى أمسنا، وكل غد صائر أمساً. وقال سيبويه: جاء في الشعر: مذ أمس،
(1) ساقطة من المخطوطة .

المعجم - الإیمان: ك ١، ب ٦٥
٣٥٢
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٦٤
أُخْبَرَنَا(1) عِيْسَى بْنُ يُونُسَ جَمِيعاً عَنِ الْأُعْمَشِ، بِهِذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٦٤/٦٥ - باب: [ بيان أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً، وإنه يأرز بين
(2)
المسجدين ]
٣٦٧ - ١/٢٣١ - وحدّثنا مُحَمِّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ - يَعْنِي: سُلَيْمَانَ بْنَ
حَيَّنَ - عَنْ سَعْدِ بْنٍ طَارِقٍ، عَنْ (٥) رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ (٥)، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَّرَ، فَقَالَ:
أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَذْكُرُ الْفِتْنَ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: نَحْنُ سَمِعْنَاهُ. فَقَالَ: لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرِّجُلِ
٣٦٧ - انفرد به مسلم، تحفة الأشراف (٣٣١٩).
بالفتح: هذا كلام الجوهري. وقال الأزهري: قال الفراء: ومن العرب من يخفض الأمس، وإن أدخل عليه
الألف واللام، والله أعلم.
باب: بيان أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً
(وأنه يأرز بين المسجدين)
١٧٥/٢ ٣٦٧ -٣٧٢ - فيه قوله { ل: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً فطوبى للغرباء وهو يأرز بين
المسجدين كما تأرز الحية في جحرها)، وفي الرواية الأخرى: (إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز
الحية إلى جحرها). أما ألفاظ الباب، ففيه أبو حازم عن أبي هريرة، واسم أبي حازم هذا سلمان الأشجعي
مولى عزة الأشجعية، وتقدم أن اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر، على الأصح من نحو ثلاثين قولاً.
وقوله ◌َله: بدأ الإسلام غريباً، كذا ضبطناه، بدأ بالهمز، من الابتداء. وطوبى، فعلى، من الطيب، قاله
الفراء. قال: وإنما جاءت الواو لضمة الطاء. قال: وفيها لغتان، تقول العرب طوباك وطوبى لك. وأما
معنى طوبى، فاختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿طوبى لهم وحسن مآب﴾(١) فروي عن
ابن عباس رضي اللَّه عنهما أن معناه فرحٍ وقرة عين، وقال عكرمة: نعم مالهم، وقال الضحاك: غبطة لهم،
وقال قتادة: حسنى لهم، وعن قتادة أيضاً معناه: أصابوا خيراً، وقال إبراهيم: خير لهم وكرامة، وقال
ابن عجلان: دوام الخير، وقيل الجنة، وقيل شجرة في الجنة، وكل هذه الأقوال محتملة في الحديث،
والله أعلم.
وفي الإسناد شبابة بن سوار، فشبابة بالشين المعجمة المفتوحة وبالباء الموحدة المكررة، وسّار
بتشديد الواو، وشبابة لقب، واسمه مروان، وقد تقدم بيانه. وفيه عاصم بن محمد العمري، بضم العين،
١٧٦/٢
(1) في المطبوعة: حدثنا.
(2) في المخطوطة: باب: في عرض الفتن على القلوب وتلقيها فيها .
(3 - 3) في المطبوعة: ربعي، بدلاً من: ربعي بن حراش.
(١) سورة: الرعد، الآية: ٢٩ .

المعجم - الإیمان: ك ١، ب ٦٥
٣٥٣
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٦٤
فِي أَهْلِهِ وَجَارِهِ؟ قَالُوا: أَجَلْ. قَالَ: تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلَةُ والصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ، وَلكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ
النَّبِيِّ ◌َ﴿ يَذْكُرُ | الْفِتَنَ | الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ. فَقُلْتُ: أَنَا. قَالَ:
أَنْتَ، لِلَّهِ أَبُوكَ ! .
قَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ / وَهِ يَقُولُ: ((تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا ج٢
عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ تُكْنَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ
عَلَى قَلْبَيْنٍ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ
مُرْبَادّاً، كَالْكُوزِ مُجَخَّيَّا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّ مَا أَشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ)).
قَالَ حُذَيْفَةُ: وَحَدَّثْتُهُ، أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا يُوشِكُ أَنْ يُكْسَرَ. قَالَ عُمَرُ: أَكَسْراً،
لا أَبَا لَكَ! فَلَوْ أَنَّهُ فُتِحَ لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ. [قُلْتُ](٤): لَا، بَلْ يُكْسَرُ، وَحَدَّثْتُهُ، أَنَّ ذْلِكَ الْبَابَ رَجُلٌ يُقْتَلُ
أَوْ يَمُوتُ. حَدِيثاً لَيْسَ بِالْأَغالِيطِ.
قَالَ أَبُو خَالِدٍ: فَقُلْتُ لِسَعْدٍ /: يَا أَبَا مَالِكِ! مَا أَسْوَدُ مُرْبَادًا؟ قَالَ: شِدَّةُ الْبَيَاضِ فِي سَوَادٍ. ج)
قَالَ: قُلْتُ: فَمَا الْكُوزُ مُجْخِّيًّا؟ قالَ: مَنْكُوساً.
٣٦٨ - ٢/٠٠٠ - وحدّثنا(2) ابْنُ أَبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكِ الْأَشْجَعِيُّ،
عَنْ رِبْعِيٍّ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ حُذَيْفَةُ مِنْ عِنْدَ عُمَرَ، جَلَسَ فَحَدَّثَنَا. فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمْسٍ لَمَّا
جَلَسْتُ إِلَيْهِ سَأَلَ أَصْحَابَهُ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِوَ فِي الْفِتَنِ؟ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلٍ
حَدِيثِ أَبِي خَالِدٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ تَفْسِيرَ أَبِي مَالِكٍ لِقَوْلِهِ: (مُرْبَادًاً مُجَخِّيًا)).
٣٦٨ - تقدم تخريجه (الحديث ٣٦٧).
وهو عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم.
وقوله: {وَّه: وهو يأرز، بياء مثناة من تحت بعدها همزة ثم راء مكسورة ثم زاي معجمة، هذا هو
المشهور، وحكاه صاحب المطالع، مطالع الأنوار، عن أكثر الرواة، قال: وقال أبو الحسين بن سراج.
ليأرز، بضم الراء، وحكى القابسي فتح الراء، ومعناه ينضم ويجتمع، هذا هو المشهور عند أهل اللغة
والغريب. وقيل في معناه غير هذا مما لا يظهر. وقوله وَّر: بين المسجدين، أي مسجدي مكة والمدينة.
وفي الإسناد الآخر خُبيب بن عبد الرحمن، وهو بضم الخاء المعجمة، وتقدم بيانه، والله أعلم.
(1) في المخطوطة: قال، والصحيح ما أثبتناه من المطبوعة .
(2) في المطبوعة : حدثني .

المعجم - الإیمان: ك ١، ب ٦٥
٣٥٤
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٦٤
ج ٢
٥٠/ب
٣٦٩ - ٣/٠٠٠ - وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثْنَّى، وعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمِ الْعَمِّيُّ، قَالُوا:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي مِنْدٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ/،
عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ: مَنْ يُحَدِّثْنَا، أَوْ قَالَ: أَيُّكُمْ يُحَدِّثْنَا - وَفَيهِمْ حُذَيْفَةُ - مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه
فِي الْفِتْنَةِ؟ قَالَ حُذَيْفَةٍ: أَنَا. وَسَاقَ الْحَدِيثَ كَنَحْوِ حَدِيثٍ أَبِي مَالِكٍ عَنْ رِبْعِيٍّ. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ:
قَالَ حُذَيْفَةُ: حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسِ بِالْأَغِيطِ. وَقَالَ: يَعْنِي أَنَّهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ .
٠٠/٠٠٠.(٤) - باب: بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ وهو يأرز بين
المسجدين (1)
٣٧٠ - ٤/٢٣٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّدٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِيِّ، قَالَ
ابْنُ عَبَّادٍ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ يَزِيْدَ - يَعْنِي ابْنَ كَيْسَانَ - عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((بَدَأَ الْإِسْلَمُ غَرِيبًّا وَسَيَعُودُ (2) غَرِ يباً كما بَدَأَ (2) فَطُوبِى لِلْغُرَبَاءِ)) /.
ج ٢
١/٥١
٣٧١ - ٥/٠٠٠ - وحدّثني مُحَمِّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَالْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْأَعْرَجُ قَالَ: حَدَّثْنَا شَبَابَةُ بْنُ
سَوَّارٍ، حَدِّثْنَا عَاصِمٌ، - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ - عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النِّّ ◌َ﴿ْ قَالَ:
(إِنَّ الْإِسْلاَمَ بَدَأَّ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي
جُخرِهَا)).
٣٦٩ - تقدم تخريجه (الحديث ٣٦٧).
٣٧٠ - أخرجه ابن ماجه في كتاب: الفتن، باب: بدأ الإسلام غريباً (الحديث ٣٩٨٦)، تحفة الأشراف (١٣٤٤٧).
٣٧١ - انفرد به مسلم، تحفة الأشراف (٧٤٣٠).
وأما معنى الحديث، فقال القاضي عياض رحمه اللَّه في قوله غريباً: روى ابن أبي أويس عن مالك
رحمه اللَّه أن معناه في المدينة، وأن الإسلام بدأ بها غريباً وسيعود إليها. قال القاضي: وظاهر الحديث
العموم، وأن الإسلام بدأ في آحاد من الناس وقلة، ثم انتشر وظهر، ثم سيلحقه النقص والإخلال حتى
لا يبقى إلا في آحاد وقلة أيضاً، كما بدأ، وجاء في الحديث تفسير الغرباء، وهم النزاع من القبائل. قال
الهروي: أراد بذلك المهاجرين الذين هجروا أوطانهم إلى الله تعالى. قال القاضي: وقوله صلاته: وهو يأرز
(1-1) هذا الباب لا يوجد رقم في المعجم ولا في التحفة، كما أنه غير موجود في المطبوعة، بل هو زيادة من المخطوطة.
(2-2) في المطبوعة: كما بدأ غريباً، بدلاً من غريباً كما بدأ.

المعجم - الإيمان: ك ١، ب ٦٦
٣٥٥
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٦٥
٠٠٠/٠٠٠(١) - باب: إن الإيمان ليأرز إلى المدينة(١)
٣٧٢ - ٦/٢٣٣ - حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدِّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَّيْرٍ وَأَبُوْ أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ
ابْنِ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي حَدِّثْنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ خُبَيْبٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ
خَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ ﴾ قَالَ: (إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا
تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَی جُحْرِهَا)).
٦٥/٦٦ - باب: [ ذهاب الإيمان آخر الزمان ](2)
٣٧٣ - ١/٢٣٤ - حدّثني / زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّنُ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتْ عَنْ أَنَسٍ، ج٢
٥١/ب
أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ﴾ قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لاَ يُقَالَ(3) اللَّهُ، اللَّهُ فِي الْأَرْضِ (٥)».
٣٧٢ - أخرجه البخاري في كتاب: فضائل المدينة، باب: الإيمان يأرز إلى المدينة (الحديث ١٨٧٦)، وأخرجه ابن
ماجه في كتاب: المناسك، باب: فضل المدينة (الحديث ٣١١١)، تحفة الأشراف (١٢٢٦٦).
٣٧٣ - انفرد به مسلم، تحفة الأشراف (٣٤٤).
إلى المدينة، معناه أن الإيمان أولاً وآخراً بهذه الصفة، لأنه في أول الإسلام کان کل من خلص إيمانه وصح
إسلامه أتى المدينة، إما مهاجراً مستوطناً، وإما متشوقاً إلى رؤية رسول اللّه وَّه ومتعلماً منه ومتقرباً، ثم
بعده هكذا في زمن الخلفاء كذلك، ولأخذ سيرة العدل منهم والاقتداء بجمهور الصحابة رضوان الله عليهم
فيها، ثم من بعدهم من العلماء الذين كانوا سرج الوقت وأئمة الهدى لأخذ السنن المنتشرة بها عنهم،
فكان كل ثابت الإيمان منشرح الصدر به يرحل إليها، ثم بعد ذلك في كل وقت إلى زماننا لزيارة قبر
النبي وَلّة والتبرك بمشاهده وآثاره وآثار أصحابه الكرام، فلا يأتيها إلا مؤمن. هذا كلام القاضي، والله أعلم
بالصواب .
١٧٧/٢
باب ذهاب الإيمان آخر الزمان
٣٧٣ - ٣٧٤ - فيه قوله : (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض اللَّه الله)، وفي الرواية الأخرى:
(لا تقوم الساعة على أحد يقول الله الله). أما معنى الحديث، فهو أن القيامة إنما تقوم على شرار الخلق،
كما جاء في الرواية الأخرى: (وتأتي الريح من قبل اليمن فتقبض أرواح المؤمنين عند قرب الساعة). وقد
تقدم قريباً في باب الريح التي تقبض أرواح المؤمنين بيان هذا، والجمع بينه وبين قوله مخ له: (لا تزال طائفة
(1-1) هذا الباب لا يوجد له رقم في المعجم ولا في التحفة، كما أنه غير موجود في المطبوعة، بل هو زيادة من المخطوطة .
(2) في المخطوطة: باب: لا تقوم الساعة على من يقول: اللّه.
(3-3) في المطبوعة: في الأرض اللَّه اللَّه، بدلا من: اللَّه الله في الأرض.

المعجم - الإيمان: ك ١، ب ٦٧
٣٥٦
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٦٦
٣٧٤ - ٢/٠٠٠ - حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنْسٍ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللَّهُ، اللَّهُ)).
٦٦/٦٧ - باب: [ الاستسرار بالإيمان للخائف ](1)
٣٧٥ - ١/٢٣٥ - حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ
لَبِي كُرَيْبٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأُعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ فَقَالَ: ((أَحْصُوا لِي كَمْ يَلْفِظُ الْإِسْلَمَ) قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللّهِ وَهَ! أَتَخَافُ عَلَيْنَا
٣٧٤ - انفرد به مسلم، تحفة الأشراف (٤٧٤).
٣٧٥ - أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: كتابة الإمام الناس (الحديث ٣٠٦٠) و (الحديث ٣٠٦١)،
وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الفتن، باب: الصبر على البلاء (الحديث ٤٠٢٩)، تحفة الأشراف (٣٣٣٨).
من أمتي ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة).
وأما ألفاظ الباب، ففيه عبد بن حميد، قيل اسمه عبد الحميد، وقد تقدم بيانه. وفيه قوله وصله: على
أحد يقول اللَّه اللَّه، هو برفع اسم اللَّه تعالى، وقد يغلط فيه بعض الناس فلا يرفعه. واعلم أن الروايات
كلها متفقة على تكرير اسم الله تعالى في الروايتين، وهكذا هو في جميع الأصول. قال القاضي عياض
رحمه اللّه: وفي رواية ابن أبي جعفر يقول: لا إله إلا الله، والله سبحانه وتعالى أعلم.
باب جوز الاستسرار بالإيمان للخائف
٣٧٥ - قال مسلم رحمه الله: (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير وأبو كريب واللفظ
١٧٨/٢ لأبي كريب قالوا حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة قال كنا مع رسول اللّه وَ ﴿ فقال أحصوا
إلى كم يلفظ الإسلام فقلنا يا رسول اللَّه أتخاف علينا ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة قال إنكم
·لا تدرون لعلكم أن تبتلوا قال فابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سراً)، هذا الإسناد كله كوفیون.
وأما متنه، فقوله ◌َ له: (أحصوا)، معناه عدوا، وقد جاء في رواية البخاري: اكتبوا. وقوله ◌َّه: (كم
يلفظ الإسلام)، هو بفتح الياء المثناة من تحت، والإسلام منصوب مفعول يلفظ، بإسقاط حرف الجر،
أي: يلفظ بالإسلام، ومعناه كم عدد من يتلفظ بكلمة الإسلام، وكم هنا استفهامية، ومفسرها مجذوف،
وتقديره: كم شخصاً يلفظ بالإسلام. وفي بعض الأصول تلفظ، بتاء مثناة من فوق وفتح اللام والفاء
المشددة. وفي بعض الروايات للبخاري وغيره: اكتبوا من يلفظ بالإسلام. فكتبنا، وفي رواية النسائي
وغيره: أحصوا لي من كان يلفظ بالإسلام، وفي رواية أبي يعلى الموصلي: أحصوا كل من تلفظ بالإسلام.
(1) في المخطوطة: باب: التحذير من الابتلاء.

المعجم - الإیمان: ك ١، ب ٦٨
٣٥٧
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٦٧
وَنَحْنُ مَا بَيْنَ السِّتِّ مِثَةٍ إِلَى السَّبْعِ مِثَةٍّ؟ قَالَ (إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ، لَعَلَّكُمْ أَنْ تُبْتَلَوْ) قَالَ: فَابْتُلِيْنَا، حَتَّى
جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لَا يُصَلِّي إِلَّ سِرًّا.
٦٧/٦٨ - باب: [ تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه، والنهي عن القطع
بالإيمان من غير دليل قاطع ](1)
٣٧٦ - ١/٢٣٦ - حدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِهِ،
٣٧٦ - أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان الاستسلام أو الخوف
من القتل، لقوله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا. قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ (الحديث ٢٧)، وأخرجه أيضاً في
كتاب: الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾، وكم الغنى، وقول النبي ◌َّر: ((ولا يجد غنى
يغنيه)) (الحديث ١٤٧٨). وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: إعطاء من يخاف على إيمانه (الحديث ٢٤٣٠)
و (الحديث ٢٤٣١)، وأخرجه أبو داود في كتاب: السنة، باب: الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه
(الحديث ٤٦٨٣) و (الحديث ٤٦٨٥)، وأخرجه النسائي في كتاب: الإيمان باب: تأويل قوله عزَّ وجلَّ: ﴿قالت
الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ (الحديث ٥٠٠٧) و(الحديث ٥٠٠٨)، تحفة الأشراف (٣٨٩٠).
وأما قوله: ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة، فكذا وقع في مسلم، وهو مشكل من جهة العربية، وله
وجه وهو أن يكون مائة في الموضعين منصوباً على التمييز، على قول بعض أهل العربية، وقيل إن مائة في
الموضعين مجرورة، على أن تكون الألف واللام زائدتين، فلا اعتداد بدخولهما. ووقع في رواية غير
مسلم: ستمائة إلى سبعمائة، وهذا ظاهر لا إشكال فيه من جهة العزبية. ووقع في رواية البخاري: فكتبنا له
ألفاً وخمسمائة، فقلنا: تخاف ونحن ألف وخمسمائة، وفي رواية للبخاري أيضاً: فوجدناهم خمسمائة،
وقد يقال: وجه الجمع بين هذه الألفاظ أن يكون قولهم ألف وخمسمائة المراد به النساء والصبيان والرجال،
ويكون قولهم إ ستمائة إلى سبعمائة الرجال خاصة، ويكون خمسمائة المراد به المقاتلون، ولكن هذا
الجواب باطل برواية البخاري في أواخر كتاب السير، في باب كتابة الإمام الناس، قال فيها: فكتبنا له ألفاً
وخمسمائة رجل، والجواب الصحيح إن شاء الله تعالى أن يقال: لعلهم أرادوا بقولهم: ما بين الستمائة إلى
السبعمائة، رجال المدينة خاصة، وبقولهم: فكتبنا له ألفاً وخمسمائة، هم مع المسلمين حولهم. وأما
قوله: ابتلينا فجعل الرجل لا يصلي إلا سراً، فلعله كان في بعض الفتن التي جرت بعد النبي مط هر، فكان ١٧٩/٢
بعضهم يخفي نفسه ويصلي سراً مخافة من الظهور والمشاركة في الدخول في الفتنة والحروب، والله
أعدم .
باب: تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه
(والنهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع)
٣٧٦ - ٣٧٩ - فيه حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. أما ألفاظه، فقوله: (قسم رسول اللَّه ◌ِله
(1) في المخطوطة: باب: في صحة الإسلام والإيمان، وإعطاء من يخاف على إيمانه.

المعجم - الإيمان: ك ١، ب ٦٨
٢٥٨
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٦٧
قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ قَسْمًا. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَعْطِ فُلَانًا فَإِنَّهُ مُؤْمِنَ. قَالَ: فَقَالَ
النِّيُّ :﴿: (أَوْ مُسْلِمْ) أَقُولُهَا ثَلاَثًا، وَيُرَدِّدُهَا عَلَيُّ ثلاثًا: (أَوْ مُسلِمْ) ثُمَّ قَالَ: ((إِنِّي لَأَعْطِي الرِّجُلَ
وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيٍّ مِنْهُ، مَخَافَةً أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ».
٣٧٧ - ٢/٢٣٧ - حدّثني زُمَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أُخِي ابْنِ شِهَابٍ
ج ٢
عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ أَعْطَى
٥٢/ب
٣٧٧ - تقدم تخريجه بمثل الحديث الذي قبله (الحديث ٣٧٦).
قسماً)، هو بفتح القاف. وقوله #: (أو مسلم)، هو بإسكان الواو. وقوله وَله: (مخافة أن يكبه اللَّه في
النار)، يكبه بفتح الياء، يقال أكب الرجل وكبه اللَّه، وهذا بناء غريب، فإن العادة أن يكون الفعل اللازم
بغير همزة فيعدى بالهمزة، وهنا عكسه، والضمير في يكبه يعود على المعطي، أي أتألف قلبه بالإعطاء
مخافة من كفره إذا لم يعط. وقوله: (أعطى رهطاً)، أي جماعة، وأصله الجماعة دون العشرة. وقوله:
١٨٠/٢ (وهو أعجبهم إليّ)، أي أفضلهم وأصلحهم في اعتقادي. وقوله: (إني لأراه مؤمناً)، هو بفتح الهمزة من
لأراه، أي لأعلمه، ولا يجوز ضمها، فإنه قال: غلبني ما أعلم منه، ولأنه راجع النبي ◌َّ ثلاث مرات، ولو
لم يكن جازماً باعتقاده لما كرر المراجعة. وقوله: عن صالح عن ابن شهاب قال حدثني عامر بن سعد،
هؤلاء ثلاثة تابعيون يروي بعضهم عن بعض، وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن صالحاً أكبر من
الزهري .
وأما فقهه ومعانيه، ففيه الفرق بين الإسلام والإيمان، وفي هذه المسألة خلاف وكلام طويل، وقد
تقدم بيان هذه المسألة وإيضاح شرحها في أول كتاب الإيمان. وفيه دلالة لمذهب أهل الحق في قولهم: إن
الإقرار باللسان لا ينفع إلا إذا اقترن به الاعتقاد بالقلب، خلافاً للكرامية وغلاة المرجئة في قولهم يكفي
الإقرار، وهذه خطأ ظاهر [يرده](١) إجماع المسلمين، والنصوص في إكفار المنافقين، وهذه صفتهم. وفيه
الشفاعة إلى ولاة الأمور فيما ليس بمحرم. وفيه مراجعة المسؤول في الأمر الواحد. وفيه تنبيه المفضول
الفاضل على ما يراه مصلحة. وفيه أن الفاضل لا يقبل ما يشار عليه به مطلقاً، بل يتأمله، فإن لم تظهر
مصلحته لم يعمل به. وفيه الأمر بالتثبت وترك القطع بما لا يعلم القطع فيه. وفيه أن الإمام يصرف المال
في مصالح المسلمين، الأهم فالأهم. وفيه أنه لا يقطع لأحد بالجنة على التعيين إلا من ثبت فيه نص،
كالعشرة وأشباههم، وهذا مجمع عليه عند أهل السنة.
وأما قوله وله: أو مسلماً، فليس فيه إنكار كونه مؤمناً، بل معناه النهي عن القطع بالإيمان، وأن لفظة
(١) في الأصل: يره، وهو خطأ والتصويب من نسخة ش وك.

المعجم - الإیمان: ك ١، ب ٦٨
٣٥٩
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٦٧
رَهْطًا. وَسَعْدٌ جَالِسٌ فِيهِمْ. قَالَ سَعْدٌ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُعْطِهِ، وَهْوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَوْ مُسْلِمَا))
قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلاً. ثُمَّ غَلَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَالَكَ عَنْ فُلانٍ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَرَاهُ
مُؤْمِنًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِوَله: ((أَوْ مُسْلِمَا)) قَالَ، فَسَكَتُ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا عَلِمْتُ مِنْهُ. فَقُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَوْ مُسْلِمًا، إِنِّي
لَأَعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ/ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ)).
ج ٢
١/٥٣
٣٧٨ - ٣/٠٠٠ - حدّثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ:
ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ
سَعْدٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ رَهْطًا وأَنَا جَالِسٌ فِهِمْ. پِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ
عَنْ عَمِّهِ. وَزَادَ: فَقُمْتُ إِلَّى رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ فَسَارَرْتُهُ. فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ(١) يَا رَسُولَ اللَّهِ(١).
٣٧٨ - تقدم تخريجه (الحديث ٣٧٦).
الإسلام أولى به، فإن إلا سلام معلوم بحكم الظاهر، وأما الإيمان فباطن لا يعلمه إلا الله تعالى. وقد زعم
صاحب التحرير أن في هذا الحديث إشارة إلى أن الرجل لم يكن مؤمناً، وليس كما زعم، بل فيه إشارة إلى
إيمانه، فإن النبي ◌َّه قال في جواب سعد: (إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه)، معناه أعطي من ١٨١/٢
أخاف عليه لضعف إيمانه أن يكفر، وأدع غيره ممن هو أحب إليَّ منه لما أعلمه من طمأنينة قلبه وصلابة
إيمانه .
وأما قول مسلم رحمه الله في أول الباب: (حدثنا ابن أبي عمر قال حدثنا سفيان عن الزهري عن
عامر)، فقال أبو علي الغساني: قال الحافظ أبو مسعود الدمشقي: هذا الحديث إنما يرويه سفيان بن عيينة
عن معمر عن الزهري، قاله الحميدي وسعيد بن عبد الرحمن ومحمد بن الصباح الجرجاني، كلهم عن
سفيان عن معمر عن الزهري بإسناده، وهذا هو المحفوظ عن سفيان، وكذلك قال أبو الحسن الدارقطني
في كتابه الاستدراكات. قلت: وهذا الذي قاله هؤلاء في هذا الإسناد قد يقال: لا ينبغي أن يوافقوا عليه،
لأنه يحتمل أن سفيان سمعه من الزهري مرة وسمعه من معمر عن الزهري مرة، فرواه على الوجهين، فلا
يقدح أحدهما في الآخر، ولكن انضمت أمور اقتضت ما ذكروه، منها أن سفیان مدلس وقد قال عن، ومنها
أن أكثر أصحابه رووه عن معمر، وقد يجاب عن هذا بما قدمناه من أن مسلماً رحمه اللَّه لا يروي عن مدلس
(1 - 1) زيادة في المخطوطة .

المعجم - الإيمان: ك ١، ب ٦٩
٣٦٠
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٦٨
٣٧٩ - ٤/٠٠٠ وحدّثنا - الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدِّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، عَنْ
إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، سَمِعْتُ مُحَمِّدَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ هذَا. فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ
- رَسُولُ اللّهِوَهَ بِيَدِهِ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِيٍ. ثُمَّ قَالَ: ((أَقِتَالاً؟ أَيْ سَعْدُ! إِنِّي لَأَعِْي الرَّجُلَ)).
ج ٢
٥٣/ب
٦٨/٦٩ - باب: [ زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة ](1)
٣٨٠ - ١/٢٣٨ - | و| حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَىْ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمْنِ، وَسَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ ﴾ قَالَ: ((نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكُّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَ إِذْ قَالَ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْبِي الْمَوْثَى؟
٣٧٩ - أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾ (الحديث ١٤٧٨)،
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: إعطاء من يخاف على إيمانه (الحديث ٢٤٣٢)، تحفة الأشراف (٣٩٢١).
٣٨٠ - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى﴾
(الحديث ٤٥٣٧)، وأخرجه أيضاً في الكتاب نفسه، باب: ﴿فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال
النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم قال ما خطبكن إذا راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش للَّه﴾
(الحديث ٤٦٩٤)، وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: من فضائل إبراهيم الخليل # (الحديث ٦٠٩٤)،
وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الفتن، باب: الصبر على البلاء (الحديث ٤٠٢٦)، تحفة الأشراف (١٣٣٢٥)
و (١٥٣١٣).
قال عن إلا أن يثبت أنه سمعه ممنٍ عنعن عنه، وكيف كان فهذا الكلام في الإسناد لا يؤثر في المتن، فإنه
١٨٢/٢ صحيح على كل تقدير متصل، والله أعلم.
باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة
٣٨٠ - ٣٨٢ - فيه قوله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم * إذا قال رب أرني كيف تحيي الموتى قال
أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال ويرحم اللَّه لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في
السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي)، اختلف العلماء في معنى، نحن أحق بالشك من إبراهيم على
أقوال كثيرة، أحسنها وأصحها ما قاله الإمام أبو إبراهيم المزني صاحب الشافعي وجماعات من العلماء:
معناه أن الشك مستحيل في حق إبراهيم، فإن الشك في إحياء الموتى لو كان متطرقاً إلى الأنبياء لكنت أنا
أحق به من إبراهيم، وقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أن إبراهيم عليه السلام لم يشك، وإنما خص
إبراهيم ◌َّر كونه الآية قد يسبق إلى بعض الأذهان الفاسدة منها احتمال الشك، وإنما رجح إبراهيم على
نفسه وَيّ تواضعاً وأدباً أو قبل أن يعلم ◌َ ه أنه خير ولد آدم. قال صاحب التحرير: قال جماعة من العلماء:
(1) في المخطوطة: باب: في قوله عز وجل: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾.

المعجم - الإيمان: ك ١، ب ٦٩
٣٦١
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٦٨
قَالَ: أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ؟ قَالَ: بَلَىْ وَلَكِنْ لِيَظْمَئِنَّ قَلْبِي)). قَالَ: ((وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى
رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثٍ يُوسُفَ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيّ)).
٣٨١ - ٢/٠٠٠ - وحدثني بِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا
ج ٢
جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ أَنَّ سَعِيدَ / بْنَ الْمُسَيِّبٍ وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ
١/٥٤
رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ه بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِي. وفِي حَدِيثٍ مَالِكِ: ((وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنُّ قَلْبِي)). قَالَ:
ثُمَّ قَرَأَ هذِهِ الآيَةَ حَتَّی جَازَهَا.
٣٨١ - أخرجه البخاري في كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول اللَّه تعالى: ﴿لقد كان في يوسف وإخوته آيات
للسائلين﴾ (الحديث ٣٣٨٧)، وأخرجه أيضاً في كتاب: التعبير، باب: رؤيا أهل السجون والفساد والشرك، لقوله
تعالى: ﴿ودخل معه السجن فتيان ... ) الآية. (الحديث ٦٩٩٢)، وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: من
فضائل إبراهيم الخليل وَّة (الحديث ٦٠٩٥)، تحفة الأشراف (١٢٩٣١).
لما نزل قول الله تعالى: ﴿أو لم تؤمن﴾(١) قالت طائفة: شك إبراهيم، ولم يشك نبينا، فقال النبي ◌َّار: نحن
أحق بالشك منه، فذكر نحو ما قدمته. ثم قال: ويقع لي فيه معنيان؛ أحدهما أنه خرج مخرج العادة في
الخطاب، فإن من أراد المدافعة عن إنسان قال للمتكلم فيه: ما كنت قائلاً لفلان أو فاعلاً معه من مكروه
فقله لي وافعله معي، ومقصوده لا تقل ذلك فيه، والثاني أن معناه أن هذا الذي تظنونه شكاً أنا أولى به، فإنه
ليس بشك وإنما هو طلب لمزيد اليقين. وقيل غير هذا من الأقوال فنقتصر على هذه لكونها أصحها ١٨٣/٢
وأوضحها، والله أعلم. وأما سؤال إبراهيم ◌َ ل#؛ فذكر العلماء في سببه أوجهاً، أظهرها أنه أراد الطمأنينة
بعلم كيفية الإحياء مشاهدة بعد العلم بها استدلالاً، فإن علم الاستدلال قد تتطرق إليه الشكوك في
الجملة، بخلاف علم المعاينة، فإنه ضروري، وهذا مذهب الإمام أبي منصور الأزهري وغيره. والثاني:
أراد اختبار منزلته عند ربه في إجابة دعائه، وعلى هذا قالوا: معنى قوله تعالى: ﴿أو لم تؤمن﴾(١) أي
تصدق بعظم منزلتك عندي واصطفائك وخلتك. والثالث: سأل زيادة يقين، وإن لم يكن الأول شكاً،
فسأل الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين، فإن بين العلمين تفاوتاً. قال سهل بن عبد الله التستري
رضي الله عنه: سأل كشف غطاء العيان ليزداد بنور اليقين تمكناً. الرابع: أنه لما احتج على المشركين بأن
ربه سبحانه وتعالى يحيى ويميت، طلب ذلك منه سبحانه وتعالى ليظهر دليله عياناً. وقيل أقوال أخر كثيرة
ليست بظاهرة. قال الإمام أبو الحسن الواحدي رحمه اللَّه: اختلفوا في سبب سؤاله، فالأكثرون على أنه
رأى جيفة بساحل البحر يتناولها السباع والطير ودواب البحر، فتفكر كيف يجتمع ما تفرق من تلك الجيفة،
وتطلعت نفسه إلى مشاهدة میت یحییه ربه، ولم یکن شاكاً في إحياء الموتى، ولکن احب رؤية ذلك كما
أن المؤمنين يحبون أن يروا النبي وهير والجنة، ويحبون رؤية الله تعالى، مع الإيمان بكل ذلك وزوال
(١) سورة: البقرة، الآية: ٢٦٠ .

المعجم - الإيمان: ك ١، ب ٦٩
٣٦٢
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٦٨
٣٨٢ - ٣/٠٠٠ - حدّثناه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ - يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ -،
حَدَّثَنَا أَبُو أُوَيْسٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، كَرِوَايَةِ مَالِكِ بِإِسْنَادِهِ: ﴿ وَقَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هذِهِ الْآيَةَ حَتَّى أَنْجَزَهَا.
٣٨٢ - تقدم تخريجه بمثل الحديث الذي قبله (الحديث ٣٨١).
الشكوك عنه. قال العلماء: والهمزة في قوله تعالى: ﴿أو لم تؤمن﴾(١) همزة إثبات، كقول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا، والله أعلم.
وأما قول النبي ◌َّه: ويرحم اللَّه لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد، فالمراد بالركن الشديد هو الله
١٨٤/٢ سبحانه وتعالى، فإنه أشد الأركان وأقواها وأمنعها. ومعنى الحديث، والله أعلم، أن لوطاً ،﴿ لما خاف
على أضيافه، ولم يكن له عشيرة تمنعهم من الظالمين، ضاق ذرعه واشتد حزنه عليهم، فغلب ذلك عليه،
فقال في ذلك الحال: لو أن لي بكم قوة في الدفع بنفسي أو آوي إلى عشيرة تمنع لمنعتكم، وقصد لوط الفا
إظهار العذر عند أضيافه، وأنه لو استطاع دفع المكروه عنهم بطريق ما لفعله، وأنه بذل وسعه في إكرامهم
والمدافعة عنهم، ولم يكن ذلك إعراضًاً منه وَ## عن الاعتماد على اللَّه تعالى، وإنما كان لما ذكرناه من
تطييب قلوب الأضياف، ويجوز أن يكون نسي الالتجاء إلى الله تعالى في حمايتهم، ويجوز أن يكون
التجأ فيما بينه وبين اللَّه تعالى وأظهر للأضياف التألم وضيق الصدر، والله أعلم.
وأما قوله وَّر: (ولو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي)، فهو ثناء على يوسف عليه
الصلاة والسلام، وبيان لصبره وتأنيه، والمراد بالداعي رسول الملك الذي أخبر اللّه سبحانه وتعالى أنه
قال: ﴿ائتوني به، فلما جاءه الرسول قال: ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾(٢)،
فلم يخرج يوسف وي مبادراً إلى الراحة ومفارقة السجن الطويل، بل تثبت وتوقر وراسل الملك في كشف
أمره الذي سجن بسببه، ولتظهر براءته عند الملك وغيره، ويلقاه مع اعتقاده براءته مما نسب إليه، ولا خجل
من يوسف ولا غيره، فبين نبينا وَّل فضيلة يوسف في هذا وقوة نفسه في الخير وكمال صبره وحسن نظره،
وقال النبي ◌َّر عن نفسه ما قاله تواضعاً وإيثاراً للإبلاغ في بيان كمال فضيلة يوسف وَله، والله أعلم.
وأما ما يتعلق بأسانيد الباب، ففيه مما تقدم بيانه المسيب والد سعيد. وهو بفتح الياء على المشهور
الذي قاله الجمهور، ومنهم من يكسرها وهو قول أهل المدينة وفيه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوفٍ،
واسمه عبد اللَّه على المشهور، وقيلِ اسمه إسماعيل، وقيل لا يعرف اسمه. وفيه قول مسلم رحمه الله:
وحدثني به إن شاء اللَّه تعالى عبد الله بن أسماء، هذا مما قد ينكره على مسلم من لا علم عنده ولا خبرة
لدیه، لكون مسلم رحمه الله قال: وحدثنى به إن شاء الله تعالى، فيقول: كيف يحتج بشيء يشك فيه،
وهذا خيال باطل من قائله، فإن مسلماً رحمه اللَّه لم يحتج بهذا الإسناد، وإنما ذكره متابعة استشهاداً، وقد
١٨٥/٢ قدمنا أنهم يحتملون في المتابعات والشواهد ما لا يحتملون في الأصول، والله تعالى أعلم. وفيه أبو عبيد
عن أبي هريرة، واسم أبي عبيد هذا سعد بن عبيد المدني مولى عبد الرحمن بن أزهر، ويقال مولى
(١) سورة: البقرة، الآية: ٢٦٠
(٢) سورة: يوسف، الآية: ٥٠.