النص المفهرس
صفحات 101-120
المعجم - الإيمان: ك ١، ب ١
١٠٣
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ١
ج ١
٣٦/ب
كَهْمَسُ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةً، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، قَالَ: كَانَ أُوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ / بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ
الْجُهَنِيُّ. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَيْنٍ أَوْ مُعْتَمِرَيْنٍ فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ
وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني الشافعي
رحمه الله في كتابه: ((التحرير في شرح صحيح مسلم)): الإيمان في اللغة هو التصديق ، فإن عني به ١٤٥/١
ذلك فلا يزيد ولا ينقص ، لأن التصديق ليس شيئاً يتجزأ حتى يتصور كماله مرة ونقصه أخرى . والإيمان
في لسان الشرع هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان ، وإذا فسر بهذا تطرق إليه الزيادة والنقص ، وهو
مذهب أهل السنة قال : فالخلاف في هذا على التحقيق إنما هو أن المصدق بقلبه إذا لم يجمع إلى
تصديقه العمل بمواجب الإيمان هل يسمى مؤمناً مطلقاً أم لا ؟ والمختار عندنا أنه لا یسمی به قال
رسول الله ◌َّ *: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن لأنه لم يعمل بموجب الإيمان فيستحق هذا الإطلاق ،
هذا آخر كلام صاحب التحرير . وقال الإمام أبو الحسن علي بن خلف بن بطال المالكي المغربي في شرح
صحيح البخاري : مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها ، أن الإيمان قول وعمل يزيد
وينقص ، والحجة على زيادته ونقصانه ما أورده البخاري من الآيات ، يعني قوله عزّ وجلّ: ﴿ ليزدادوا
إيماناً مع إيمانهم﴾(١)، وقوله تعالى: ﴿وزدناهم هدى﴾(٢)، وقوله تعالى: ﴿ويزيد الله الذين اهتدوا
هدى﴾(٣)، وقوله تعالى: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى﴾(٤)، وقوله تعالى: ﴿ويزداد الذين آمنوا
إيماناً ﴾(٥)، وقوله تعالى: ﴿أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً﴾(٦)، وقوله تعالى:
﴿فاخشوهم فزادهم إيماناً﴾(٧)، وقوله تعالى: ﴿وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً﴾(٨). قال ابن بطال:
فإيمان من لم تحصل له الزيادة ناقص . قال : فإن قيل الإيمان في اللغة التصديق ، فالجواب أن التصديق
يكمل بالطاعات كلها ، فما ازداد المؤمن من أعمال البر كان إيمانه أكمل ، وبهذه الجملة يزيد الإيمان
وبنقصانها ينقص . فمتى نقصت أعمال البر نقص كمال الإيمان ، ومتى زادت زاد الإيمان كمالاً ، هذا
توسط القول في الإيمان. وأما التصديق بالله تعالى ورسوله و 18 فلا ينقص ، ولذلك توقف مالك
رحمه الله ، في بعض الروايات ، عن القول بالنقصان ، إذ لا يجوز نقصان التصديق ، لأنه إذا نقص صار
شكاً وخرج عن اسم الإيمان .
وقال بعضهم : إنما توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان خشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج ،
الذين يكفرون أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب . وقد قال مالك بنقصان الإيمان مثل قول جماعة أهل
السنة . قال عبد الرزاق : سمعت من أدركت من شيوخنا وأصحابنا ، سفيان الثوري ومالك بن أنس
اوعبيدالله بن عمر والأوزاعي ومعمر بن راشد وابن جريح وسفيان بن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد
وينقص . وهذا قول ابن مسعود وحذيفة والنخعي والحسن البصري وعطاء وطاوس ومجاهد وعبد الله بن
(١) سورة الفتح ، الآية : ٤.
(٢) سورة الكهف ، الآية : ١٣ .
(٣) سورة مريم ، الآية : ٧٦ .
(٤) سورة محمد ، الآية : ١٧ .
(٥) سورة المدثر، الآية : ٣١ .
(٦) سورة التوبة ، الآية : ١٢٤.
(٧) سورة آل عمران ، الآية : ١٧٣.
(٨) سورة الأحزاب ، الآية : ٢٢ .
المعجم - الإيمان: ك ١، ب ١
١٠٤
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ١
أَصْحَابٍ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هُؤُلَاءٍ فِي الْقَدَرِ. فَوَفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
دَاخِلَا الْمَسْجِدَ، فَاكْنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِي. أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَظَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي
١٤٦/١ المبارك، فالمعنى الذي يستحق به العبد المدح والولاية من المؤمنين هو إتيانه بهذه الأمور الثلاثة :
التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح . وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أنه لو أقر وعمل على
غير علم منه ومعرفة بربه لا يستحق اسم مؤمن ، ولو عرفه وعمل وجحد بلسانه وكذب ما عرف من التوحيد
لا يستحق اسم مؤمن ، وكذلك إذا أقر بالله تعالى وبرسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولم يعمل
بالفرائض لا يسمى مؤمناً بالإطلاق ، وإن كان في كلام العرب يسمى مؤمناً بالتصديق ، فذلك غير مستحق
في كلام الله تعالى لقوله عز وجل : ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته
زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون
حقاً ﴾(١) فأخبرنا سبحانه وتعالى أن المؤمن من كانت هذه صفته .
وقال ابن بطال في باب من قال الإيمان هو العمل ، فإن قيل قد قدمتم أن الإيمان هو التصديق .
قيل : التصديق هو أول منازل الإيمان ، ويوجب للمصدق الدخول فيه ولا يوجب له استكمال منازله ،
ولا يسمى مؤمناً مطلقاً . هذا مذهب جماعة أهل السنة أن الإيمان قول وعمل .
قال أبو عبيد : وهو قول مالك والثوري والأوزاعي ومن بعدهم من أرباب العلم والسنة ، الذين كانوا
مصابيح الهدى وأئمة الدين ، من أهل الحجاز والعراق والشام وغيرهم . قال ابن بطال : وهذا المعنى ،
أراد البخاري رحمه الله إثباته في كتاب الإيمان وعليه بوب أبوابه كلها ، فقال : باب أمور الإيمان ، وباب
الصلاة من الإيمان ، وباب الزكاة من الإيمان ، وباب الجهاد من الإيمان ، وسائر أبوابه ، وإنما أراد الرد
على المرجئة في قولهم : إن الإيمان قول بلا عمل ، وتبيين غلطهم وسوء اعتقادهم ومخالفتهم للكتاب
والسنة ومذاهب الأئمة . ثم قال ابن بطال في باب آخر : قال المهلب : الإسلام على الحقيقة هو الإيمان
الذي هو عقد القلب المصدق لإقرار اللسان الذي لا ينفع عند الله تعالى غيره .
وقالت الكرامية وبعض المرجئة : الإيمان هو الإقرار باللسان دون عقد القلب . ومن أقوى ما يرد به
عليهم إجماع الأمة على إكفار المنافقين وإن كانوا قد أظهروا الشهادتين . قال الله تعالى: ﴿ولا تصل على
أحدٍ منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله - إلى قوله تعالى -: وتزهق أنفسهم وهم
كافرون﴾(٢) هذا آخر كلام ابن بطال.
وقال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله: قوله { 18: ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله
وأن محمداً رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه
١٤٧/١ سبيلاً. والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره )). قال : هذا
بيان لأصل الإيمان ، وهو التصديق الباطن ، وبيان لأصل الإسلام ، وهو الاستسلام والانقياد الظاهر .
وحكم الإسلام في الظاهر ثبت بالشهادتين ، وإنما أضاف إليهما الصلاة والزكاة والحج والصوم لكونها أظهر
(١) سورة الأنفال ، الآية: ٢ - ٤.
(٢) سورة التوبة ، الآية : ٨٤.
المعجم - الإيمان: ك ١، ب ١
١٠٥
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ١
سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ. فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمْنِ! إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَؤُونَ الْقُرآنَ وَيَتَقَفِّرُونَ
الْعِلْمَ - وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ - وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنْفٌ. فَقَالَ(1): [فَإِذَا](2) لَقِيتَ
شعائر الإسلام وأعظمها ، وبقيامه بها يتم استسلامه وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده أو اختلاله . ثم إن
اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث وسائر الطاعات لكونها ثمرات للتصديق الباطن
الذي هو أصل الإيمان ومقويات ومتممات وحافظات له . ولهذا فسر ◌َّلية الإيمان في حديث وفد عبد القيس
بالشهادتين والصلاة والزكاة وصوم رمضان وإعطاء الخمس من المغنم ، ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق
على من ارتكب كبيرة أو بدل فريضة ، لأن اسم الشيء مطلقاً يقع على الكامل منه ولا يستعمل في الناقص
ظاهراً إلا بقيد. ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه في قوله {#1: ((لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)).
واسم الإسلام يتناول أيضاً ما هو أصل الإيمان وهو التصديق الباطن ، ويتناول أصل الطاعات ، فإن ذلك
كله استسلام . قال : فخرج مما ذكرناه وحققنا أن الإيمان والإسلام يجتمعان ويفترقان ، وأن كل مؤمن
مسلم وليس كل مسلم مؤمنا . قال : وهذا تحقيق وافر بالتوفيق بين متفرقات نصوص الكتاب والسنة الواردة
في الإيمان والإسلام التي طالما غلط فيها الخائضون ، وما حققناه من ذلك موافق لجماهير العلماء من أهل
الحديث وغيرهم ، هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو بن الصلاح.
فإذا تقرر ما ذكرناه من مذاهب السلف وأئمة الخلف فهي متظاهرة متطابقة على كون الإيمان يزيد
وينقص ، وهذا مذهب السلف والمحدثين وجماعة من المتكلمين . وأنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصانه
وقالوا : متى قبل الزيادة كان شكاً وكفراً . قال المحققون من أصحابنا المتكلمين : نفس التصديق لا يزيد
ولا ينقص ، والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته وهي الأعمال ونقصانها . قالوا : وفي هذا توفيق
بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة وأقاويل السلف ، وبين أصل وضعه في اللغة وما عليه
المتكلمون . وهذا الذي قاله هؤلاء ، وإن كان طاهراً حسناً ، فالأظهر - والله أعلم - أن نفس التصديق يزيد
بكثرة النظر وتظاهر الأدلة ، ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبه ولا
يتزلزل إيمانهم بعارض ، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال ، وأما غيرهم من ١٤٨/١
المؤلفة ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك . فهذا مما لا يمكن إنكاره ولا يتشكك عاقل في أن نفس
تصديق أبي بكر الصديق رضي الله عنه لا يساويه تصديق آحاد الناس . ولهذا قال البخاري في صحيحه :
قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي وَ ل18 ، كلهم يخاف النفاق على نفسه ، ما منهم أحد
يقول : إنه على إيمان جبريل وميكائيل ، والله أعلم .
وأما إطلاق اسم الإيمان على الأعمال فمتفق عليه عند أهل الحق . ودلائله في الكتاب والسنة أكثر
من أن تحصر ، وأشهر من أن تشهر. قال الله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾(١) أجمعوا على أن
(1) في المطبوعة: قال.
(2) في المخطوطة: إذا، وأثبتنا ما في المطبوعة لموافقتها الشرح.
(١) سورة البقرة ، الآية : ١٤٣ .
المعجم - الإيمان: ك ١، ب ١
١٠٦
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ١
أُوْلِئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ! لَوْ
المراد صلاتكم . وأما الأحاديث فستمر بك في هذا الكتاب ، منها جمل مستكثرات ، والله أعلم . واتفق
أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في
النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقاداً جازماً خالياً من الشكوك ونطق بالشهادتين . فإن اقتصر
على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلاً إلا إذا عجز عن النطق لخلل في لسانه أو لعدم التمكن منه
لمعاجلة المنية أو لغير ذلك ، فإنه يكون مؤمناً . أما إذا أتى بالشهادتين فلا يشترط معهما أن يقول : وأنا
بريء من كل دين خالف الإسلام إلا إذا كان من الكفار الذين يعتقدون اختصاص رسالة نبينا وصل إلى
العرب ، فإنه لا يحكم بإسلامه إلا بأن يتبرأ . ومن أصحابنا ، أصحاب الشافعي رحمه الله ، من شرط أن
يتبرأ مطلقاً ، وليس بشيء . أما إذا اقتصر على قوله لا إله إلا الله ولم يقل محمد رسول الله ، فالمشهور من
مذهبنا ومذاهب العلماء أنه لا يكون مسلماً . ومن أصحابنا من قال : يكون مسلماً ويطالب بالشهادة
الأخرى، فإن أبى جعل مرتداً. ويحتج لهذا القول بقوله18: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إلّه
إلا الله فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم)). وهذا محمول عند الجماهير على قول الشهادتين
واستغنى بذكر إحداهما عن الأخرى لارتباطهما وشهرتهما ، والله أعلم .
أما إذا أقر بوجوب الصلاة أو الصوم أو غيرهما من أركان الإسلام ، وهو على خلاف ملته التي كان
عليها فهل يجعل بذلك مسلماً ؟ فيه وجهان لأصحابنا : فمن جعله مسلماً قال : كل ما يكفر المسلم بإنكاره
يصير الكافر بالإقرار به مسلماً . أما إذا أقر بالشهادتين بالعجمية وهو يحسن العربية ، فهل يجعل بذلك
مسلماً ؟ فيه وجهان لأصحابنا ، الصحيح منهما أنه يصير مسلماً لوجود الإقرار . وهذا الوجه هو الحق ولا
١٤٩/١ يظهر للآخر وجه ، وقد بينت ذلك مستقصى في شرح المهذب ، والله أعلم . واختلف العلماء من السلف
وغيرهم في إطلاق الإنسان قوله : أنا مؤمن . فقالت طائفة : لا يقول أنا مؤمن مقتصراً عليه ، بل يقول :
أنا مؤمن إن شاء الله .
وحكى هذا المذهب بعض أصحابنا عن أكثر أصحابنا المتكلمين . وذهب آخرون إلى جواز
الإطلاق ، وأنه لا يقول : إن شاء الله، وهذا هو المختار وقول أهل التحقيق . وذهب الأوزاعي وغيره إلى
جواز الأمرين ، والكل صحيح باعتبارات مختلفة . فمن أطلق نظر إلى الحال وأحكام الإيمان جارية عليه
في الحال ، ومن قال : إن شاء الله فقالوا فيه: هو إما للتبرك وإما لاعتبار العاقبة ، وما قدر الله تعالى فلا
يدري أيثبت على الإيمان أم يصرف عنه . والقول بالتخيير حسن صحيح نظراً إلى مأخذ القولين الأولين
ورفعاً لحقيقة الخلاف . وأما الكافر ففيه خلاف غريب لأصحابنا ، منهم من قال : يقال هو كافر ولا يقول
إن شاء الله ، ومنهم من قال : هو في التقييد كالمسلم ، على ما تقدم ، فيقال على قول التقييد هو كافر إن
شاء الله نظراً إلى الخاتمة ، وأنها مجهولة ، وهذا القول اختاره بعض المحققين ، والله أعلم .
واعلم أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب ، ولا يكفر أهل الأهواء والبدع ،
وأن من جحد ما يعلم من دين الإسلام ضرورة حكم بردته وكفره ، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ
ببادية بعيدة ونحوه ممن يخفى عليه ، فیعرف ذلك ، فإن استمر حكم بكفره . وکذا حكم من استحل الزنا
أو الخمر أو القتل أو غير ذلك من المحرمات التي يعلم تحريمها ضرورة . فهذه جمل من المسائل المتعلقة
المعجم - الإيمان: ك ١، ب ١
١٠٧
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ١
ج ١
١/٣٧
أَنَّ/ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أَحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ، مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ
الْخَطَّابِ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ وَ﴿ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضٍ
بالإيمان قدمتها في صدر الكتاب تمهيداً لكونها مما يكثر الاحتياج إليه ولكثرة تكررها وتردادها في الأحاديث
فقدمتها لأحيل عليها إذا مررت مما يخرج عليها ، والله أعلم بالصواب . وله الحمد والنعمة وبه التوفيق
والعصمة .
١٥٠/١
قال الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج رضي الله عنه ( حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب ثنا وكيع
عن کهمس عن عبد الله بن بريدة عن یحیی بن يعمرح وثنا عبيد الله بن معاذ العنبري وهذا حديثه : ثنا أبي
ثنا كهمس عن ابن بريدة عن يحيى بن يعمر قال : كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني إلى
آخر الحديث) اعلم أن مسلماً رحمه الله سلك في هذا الكتاب طريقة في الإتقان والاحتياط والتدقيق
والتحقيق مع الاختصار البليغ والإيجاز التام ، في نهاية من الحسن مصرحة بغزارة علومه ودقة نظره
وحذقه . وذلك يظهر في الإسناد تارةً ، وفي المتن تارةً ، وفيهما تارةً . فينبغي للناظر في كتابه أن يتنبه لما
ذكرته ، فإنه يجد عجائب من النفائس والدقائق ، تقر بآحاد أفرادها عينه ، وينشرح لها صدره ، وتنشطه
للاشتغال بهذا العلم . واعلم أنه لا يعرف أحد شارك مسلماً في هذه النفائس التي يشير إليها من دقائق علم
الإسناد . وكتاب البخاري وإن كان أصح وأجل وأكثر فوائد في الأحكام والمعاني ، فكتاب مسلم يمتاز
بزوائد من صنعة الإسناد . وسترى مما أنبه عليه من ذلك ما ينشرح له صدرك ، ويزداد به الكتاب ومصنفه
في قلبك جلالة إن شاء الله تعالى . فإذا تقرر ما قلته ففي هذه الأحرف التي ذكرها من الإسناد أنواع مما
ذكرته . فمن ذلك أنه قال أولاً : حدثني أبو خيثمة ، ثم قال في الطريق الآخر : وحدثنا عبيد الله بن معاذ .
ففرق بين حدثني وحدثنا . وهذا تنبيه على القاعدة المعروفة عند أهل الصنعة ، وهي أنه يقول فيما سمعه
وحده من لفظ الشيخ حدثني ، وفيما سمعه مع غيره من لفظ الشيخ حدثنا ، وفيما قرأه وحده على الشيخ
أخبرني ، وفيما قرىء بحضرته في جماعة على الشيخ أخبرنا . وهذا اصطلاح معروف عندهم وهو مستحب
عندهم ، ولو تركه وأبدل حرفاً من ذلك بآخر صح السماع ولكن ترك الأولى ، والله أعلم .
ومن ذلك أنه قال في الطريق الأول : حدثنا وكيع عن كهمس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن
يعمر ، ثم في الطريق الثاني أعاد الرواية عن كهمس عن ابن بريدة عن يحيى . فقد يقال هذا تطويل
لا يليق بإتقان مسلم واختصاره ، فكان ينبغي أن يقف بالطريق الأول على وكيع ، ويجتمع معاذ ووكيع في
الرواية عن كهمس عن ابن بريدة . وهذا الاعتراض فاسد لا يصدر إلا من شديد الجهالة بهذا الفن . فإن
مسلماً رحمه الله يسلك الاختصار ، لكن بحيث لا يحصل خلل ولا يفوت به مقصود ، وهذا الموضع
يحصل في الاختصار فيه خلل ويفوت به مقصود . وذلك لأن وكيعاً قال: عن كهمس ومعاذ قال : حدثنا ١٥١/١
كهمس . وقد علم بما قدمناه في باب المعنعن . أن العلماء اختلفوا في الاحتجاج بالمعنعن ولم يختلفوا
في المتصل بحدثنا ، فأتى مسلم بالروايتين كما سمعنا ليعرف المتفق عليه من المختلف فيه ، وليكون راوياً
باللفظ الذي سمعه ، ولهذا نظائر في مسلم ستراها مع التنبيه عليها إن شاء الله تعالى ، وإن كان مثل هذا
ظاهراً لمن له أدنى اعتناء بهذا الفن ، إلا أني أنبه عليه لغيرهم ولبعضهم ممن قد يغفل ، ولكلهم من جهة
المعجم - الإیمان: ك ١، ب ١
١٠٨
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ١
القِيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَ يُرَى عَلَيْهِ أَثْرُ السَّفَرِ، وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدُ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِّ ◌َِ،
فَأَسْنَدَ رُكْبَيْهِ إِلَى رُكْبَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ. فَقَال
رَسُولُ اللّهِ وَ﴾: ((الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ،
أخرى ، وهو أنه يسقط عنهم النظر وتخرير عبارة عن المقصود وهنا مقصود آخر ، وهو أن في رواية وكيع
قال : ( عن عبد الله بن بريدة)، وفي رواية معاذ قال : ( عن ابن بريدة ) فلو أتى بأحد اللفظين حصل
خلل. فإنه إن قال (( بن بريدة)) لم ندر ما اسمه ، وهل هو عبد الله هذا أو أخوه سليمان بن بريدة ؟ وإن
قال: ((عبد الله بن بريدة)) كان كاذباً على معاذ ، فإنه ليس في روايته عبد الله ، والله أعلم .
وأما قوله في الرواية الأولى : (عن يحيى بن يعمر ) فلا يظهر لذكره أولاً فائدة ، وعادة مسلم وغيره
في مثل هذا أن لا يذكروا يحيى بن يعمر ، لأن الطريقين اجتمعتا في ابن بريدة ولفظهما عنه بصيغة
واحدة . إلا أني رأيت في بعض النسخ في الطريق الأولى عن يحيى فحسب ، وليس فيها ابن يعمر . فإن
صح هذا فهو مزيل للإنكار الذي ذكرناه ، فإنه يكون فيه فائدة كما قررناه في ابن بريدة ، والله اعلم . ومن
ذلك قوله : ( وحدثنا عبيد الله بن معاذ) وهذا حديثه ، فهذه عادة لمسلم رحمه الله قد أكثر منها . وقد
استعملها غيره قليلاً وهي مصرحة بما ذكرته من تحقيقه وورعه واحتياطه ، ومقصوده أن الراويين اتفقا في
المعنى واختلفا في بعض الألفاظ ، وهذا لفظ فلان والآخر بمعناه ، والله أعلم .
وأما قوله : (ح) بعد يحيى بن يعمر ، في الرواية الأولى ، فهي حاء التحويل من إسناد إلى
إسناد ، فيقول القارىء إذا انتهى إليها ح . قال: وحدثنا فلان هذا هو المختار وقد قدمت في الفصول
السابقة بيانها والخلاف فيها ، والله أعلم . فهذا ما حضرني في الحال في التنبيه على دقائق هذا الإسناد ،
وهو تنبيه على ما سواه ، وأرجو أن يتفطن به لما عداه . ولا ينبغي للناظر في هذا الشرح أن يسأم من شيء
من ذلك يجده مبسوطاً واضحاً ، فإني إنما أقصد بذلك ، إن شاء الله الكريم الإيضاح والتيسير والنصيحة
لمطالعه وإعانته وإغنائه من مراجعة غيره في بيانه ، وهذا مقصود الشروح . فمن استطال شيئاً من هذا
وشبهه فهو بعيد من الإتقان ، مباعد للفلاح في هذا الشأن ، فلیعن نفسه لسوء حاله ولیرجع عما ارتكبه من
قبيح فعاله . ولا ينبغي لطالب التحقيق والتنقيح والإتقان والتدقيق أن يلتفت إلى كراهة أو سآمة ذوي البطالة
١٥٢/١ وأصحاب الغباوة والمهانة والملالة ، بل يفرح بما يجده من العلم مبسوطاً، وما يصادفه من القواعد
والمشكلات واضحاً مضبوطاً ويحمد الله الكريم على تيسيره ، ويدعو لجامعه الساعي في تنقيحه وإيضاحه
وتقريره . وفقنا الله الكريم لمعالي الأمور ، وجنبنا بفضله جميع أنواع الشرور ، وجمع بيننا وبين أحبابنا في
دار الحبور والسرور ، والله أعلم .
وأما ضبط أسماء المذكورين في هذا الإسناد ، فخيثمة ، بفتح المعجمة وإسكان المثناة تحت
وبعدها مثلثة . وأما كهمس ، فبفتح الكاف وإسكان الهاء وفتح الميم وبالسين المهملة ، وهو كهمس بن
الحسن أبو الحسن التميمي البصري . وأما يحيى بن يعمر فبفتح الميم ، ويقال بضمها ، وهو غير
مصروف لوزن الفعل . كنية يحيى بن يعمر : أبو سليمان ، ويقال : أبو سعيد ، ويقال : أبو عدي
البصري ثم المروزي ، قاضيها من بني عوف بن بكر بن أسد . قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخ
المعجم - الإيمان: ك ١، ب ١
١٠٩
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ١
ج ١
٣٧/ب
وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ، إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)). قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ:
فَعَجِبْنَا لَهُ/، يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِ عَنِ الْإِيمَانِ. قَالَ: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ،
وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ)). قَال: صَدَقْتَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ.
نيسابور : يحيى بن يعمر فقيه أديب نحوي مبرّر ، أخذ النحو عن أبي الأسود ، نفاه الحجاج إلى خراسان
فقبله قتيبة بن مسلم وولاه قضاء خراسان . وأما معبد الجهني ، فقال أبو سعيد عبد الكريم بن محمد بن
منصور السمعاني التميمي المروزي في كتابه ((الأنساب)): الجهني ، بضم الجيم ، نسبة إلى جهينة ،
قبيلة من قضاعة . واسمه : زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة . نزلت الكوفة وبها محلة
تنسب إليهم ، وبقيتهم نزلت البصرة . قال : وممن نزل جهينة فنسب إليهم معبد بن خالد الجهني ، كان
يجالس الحسن البصري ، وهو أول من تكلم في البصرة بالقدر ، فسلك أهل البصرة بعده مسلكه لما رأوا
عمرو بن عبيد ينتحله ، قتله الحجاج بن يوسف صبراً ، وقيل : إنه معبد بن عبد الله بن عويمر ، هذا آخر
كلام السمعاني . وأما البصرة ، فبفتح الباء وضمها وكسرها ، ثلاث لغات ، حكاها الأزهري ، والمشهور
الفتح . ويقال لها البصيرة ، بالتصغير . قال صاحب المطالع : ويقال لها تدمر ، ويقال لها المؤتفكة ،
لأنها انتفكت بأهلها في أول الدهر . والنسب إليها بصري ، بفتح الباء وكسرها وجهان مشهوران . قال
السمعاني : يقال البصرة قبة الإسلام وخزانة العرب . بناها عتبة بن غزوان في خلافة عمر بن الخطاب
رضي الله عنه ، بناها سنة سبع عشرة من الهجرة ، وسكنها الناس سنة ثماني عشرة ، ولم يعبد الصنم قط
على أرضها . هكذا كان يقول لي أبو الفضل عبد الوهاب بن أحمد بن معاوية الواعظ بالبصرة . قال
أصحابنا : والبصرة داخلة في أرض سواد العراق وليس لها حكمه ، والله أعلم .
وأما قوله : ( أول من قال في القدر ) فمعناه أول من قال بنفي القدر ، فابتدع وخالف الصواب الذي
عليه أهل الحق . ويقال القدر والقدر ، بفتح الدال وإسكانها، لغتان مشهورتان ، وحكاهما ابن قتيبة عن
الكسائي وقالهما غيره . واعلم أن مذهب أهل الحق إثبات القدر . ومعناه أن الله تبارك وتعالى قدر الأشياء
في القدم وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى وعلى صفات مخصوصة ، فهي
تقع على حسب ما قدرها سبحانه وتعالى . وأنكرت القدرية هذا ، وزعمت أنه سبحانه وتعالى لم يقدرها
ولم يتقدم علمه سبحانه وتعالى بها ، وأنها مستأنفة العلم أي إنما يعلمها سبحانه بعد وقوعها . وكذبوا على
الله سبحانه وتعالى ، وجلّ عن أقوالهم الباطلة علواً كبيراً . وسميت هذه الفرقة قدرية لإنكارهم القدر .
قال أصحاب المقالات من المتكلمين : وقد انقرضت القدرية القائلون بهذا القول الشنيع الباطل ، ولم يبق
أحد من أهل القبلة عليه ، وصارت القدرية في الأزمان المتأخرة تعتقد إثبات القدر ، ولكن يقولون الخير
من الله والشر من غيره ، تعالى الله عن قولهم .
وقد حكى أبو محمد بن قتيبة في كتابه: ((غريب الحديث)) ، وأبو المعالي إمام الحرمين في كتابه :
((الإرشاد في أصول الدين)): أن بعض القدرية قال: لسنا بقدرية بل أنتم القدرية لاعتقادكم إثبات
القدر . قال ابن قتيبة والإمام : هذا تمويه من هؤلاء الجهلة ومباهتة وتواقح ، فإن أهل الحق يفوضون
أمورهم إلى الله سبحانه وتعالى ، ويضيفون القدر والأفعال إلى الله سبحانه وتعالى، وهؤلاء الجهلة
١٥٣/١
المعجم ۔ الإیمان: ۵ ١، ب ١
١١٠
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ١
قَالَ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ)). قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ. قَالَ:
(مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ)). قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا(1). قَالَ: ((أَنْ تَلِدَ الْأُمَّةُ رَبَّتَهَا،
يضيفونه إلى أنفسهم ، ومدعي الشيء لنفسه ومضيفه إليها أولى بأن ينسب إليه ممن يعتقده لغيره وينفيه عن
نفسه. قال الإمام: وقد قال رسول الله يقول: ((القدرية مجوس هذه الأمة)) شبههم بهم لتقسيمهم الخير
والشر في حكم الإرادة كما قسمت المجوس ، فصرفت الخير إلى يزدان والشر إلى أهرمن . ولا خفاء
باختصاص هذا الحديث بالقدرية . هذا كلام الإمام، وابن قتيبة وحديث: ((القدرية مجوس هذه الأمة))
رواه أبو حازم عن ابن عمر عن رسول الله چ9 ، أخرجه أبو داود في سننه والحاكم أبو عبد الله في المستدرك
على الصحيحين ، وقال : صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر .
قال الخطابي: إنما جعلهم ور مجوساً لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس في قولهم : بالأصلين
النور والظلمة ، يزعمون أن الخير من فعل النور ، والشر من فعل الظلمة ، فصاروا ثنوية . وكذلك القدرية
يضيفون الخير إلى الله تعالى والشر إلى غيره ، والله سبحانه وتعالى خالق الخير والشر جميعاً ، لا يكون
شيء منهما إلا بمشيئته ، فهما مضافان إليه سبحانه وتعالى خلقاً وإيجاداً وإلى الفاعلين لهما من عباده فعلاً
١٥٤/١ واكتساباً، والله أعلم . قال الخطابي: وقد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار
الله سبحانه وتعالى العبد وقهره على ما قدره وقضاه ، وليس الأمر كما يتوهمونه ، وإنما معناه : الإخبار عن
تقدم علم الله سبحانه وتعالى بما يكون من اكتساب العبد وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها .
قال : والقدر اسم لما صدر مقدراً عن فعل القادر . يقال : قدرت الشيء وقدرته ، بالتخفيف والتثقيل ،
بمعنى واحد ، والقضاء في هذا معناه الخلق ، كقوله تعالى: ﴿فقضاهن سبع سموات في يومين﴾(١)
أي : خلقهن . قلت : وقد تظاهرت الأدلة القطعيات من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل الحل
والعقد من السلف والخلف على إثبات قدر الله سبحانه وتعالى . وقد أكثر العلماء من التصنيف فيه ، ومن
أحسن المصنفات فيه وأكثرها فوائد كتاب الحافظ الفقيه أبي بكر البيهقي رضي الله عنه . وقد قرر أئمتنا من
المتكلمين ذلك أحسن تقرير بدلائلهم القطعية السمعية والعقلية ، والله أعلم .
قوله : ( فوفق لنا عبد الله بن عمر) هو بضم الواو وكسر الفاء المشددة . قال صاحب التحرير : معناه
جعل وفقاً لنا ، وهو من الموافقة التي هي كالالتحام . يقال : أتانا لتيفاق الهلال وميفاقه ، أي حين أهل لا
قبله ولا بعده ، وهي لفظة تدل على صدق الاجتماع والالتئام. وفي مسند أبي يعلى الموصلي: ((فوافق
لنا)) بزيادة ألف . والموافقة المصادقة .
قوله : ( فاکتنفته أنا وصاحبي ) يعني صرنا في ناحیتیه . ثم فسره فقال : أحدنا عن يمينه والآخر عن
شماله ، وكنفا الطائر جناحاه . وفي هذا تنبيه على أدب الجماعة في مشيهم مع فاضلهم ، وهو أنهم
یکتنفونه ویحفون به .
(1) في كتاب شرح الأربعين النووية: أماراتها.
(١) سورة فصلت ، الآية : ١٢.
المعجم - الإيمان: ك ١، ب ١
١١١
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ١
وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ، الْعَالَةَ، رِعَاءَ الشَّاءِ، يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ)). قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْتُ مَلِيّاً.
ثُمَّ قَالَ اِي |: ((يَا عُمَرُ! أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟)). قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ،
أَتَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ)).
قوله : (فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ) معناه : يسكت ويفوضه إليّ لإقدامي وجرأتي
وبسطة لساني ، فقد جاء عنه في رواية: ((لأني كنت أبسط لساناً)).
قوله : ( ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم ) هو بتقديم القاف على الفاء . ومعناه
يطلبونه ويتتبعونه ، هذا هو المشهور ، وقيل : معناه يجمعونه . ورواه بعض شيوخ المغاربة من طريق
ابن ماهان ((يتفقرون)» بتقديم الفاء ، وهو صحيح أيضاً . معناه : يبحثون عن غامضه ويستخرجون خفيه .
وروي في غير مسلم: ((يتقفون)) بتقديم القاف وحذف الراء ، وهو صحيح أيضاً . ومعناه أيضاً :
يتتبعون . قال القاضي عياض : ورأيت بعضهم قال فيه يتقعرون ، بالعين ، وفسره بأنهم يطلبون قعره أي
غامضه وخفيه، ومنه تقعر في كلامه إذا جاء بالغريب منه. وفي رواية أبي يعلى الموصلي: ((يتفقهون))
بزيادة الهاء وهو ظاهر .
١٥٥/١
قوله : (وذكر من شأنهم ) هذا الكلام من كلام بعض الرواة الذين دون يحيى بن يعمر . والظاهر
أنه من ابن بريدة الراوي عن يحيى بن يعمر يعني وذكر ابن يعمر من حال هؤلاء ووصفهم بالفضيلة في
العلم والاجتهاد في تحصيله والاعتناء به .
قوله : ( يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف ) هو بضم الهمزة والنون ، أي مستأنف لم يسبق به قدر
ولا علم من الله تعالى ، وإنما يعلمه بعد وقوعه ، كما قدمنا حكايته عن مذهبهم الباطل . وهذا القول قول
غلاتهم وليس قول جميع القدرية ، وكذب قائله وضل وافترى عافانا الله وسائر المسلمين .
قوله : ([فقال ](١) - يعني ابن عمر رضي الله عنهما - فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم
وأنهم برآء مني . والذي يحلف به عبد الله بن عمر ، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ، ما قبل الله منه
حتى يؤمن بالقدر ) هذا الذي قاله ابن عمر رضي الله عنهما ظاهر في تكفيره القدرية . قال القاضي عياض
رحمه الله : هذا في القدرية الأول الذين نفوا تقدم علم الله تعالى بالكائنات . قال : والقائل بهذا كافر
بلا خلاف ، وهؤلاء الذين ينكرون القدر هم الفلاسفة في الحقيقة . قال غيره : ويجوز أنه لم يرد بهذا
الكلام التكفير المخرج من الملة ، فيكون من قبيل كفران النعم . إلا أن قوله : ( ما قبله الله منه ) ظاهر في
[ التكفير](٢)، فإن إحباط الأعمال إنما يكون بالكفر. إلا أنه يجوز أن يقال في المسلم لا يقبل عمله
لمعصيته ، وإن كان صحيحاً ، كما أن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة غير محوجة إلى القضاء عند
جماهير العلماء ، بل بإجماع السلف ، وهي غير مقبولة ، فلا ثواب فيها على المختار عند أصحابنا ،
والله أعلم .
(١) كذا في نسخة ش: قال . وأثبتنا ما في نسخة ك؛ لموافقتها المتن .
(٢) في الأصل : التفكير ، وفي نسخة ك : الكتفير ، وكلاهما خطأ والصواب ما أثبتناه من نسخة ش .
المعجم - الإيمان: ك ١، ب ١
١١٢
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ١
ج ١
١/٣٨
٩٤ - ٢/٢ - حدّثني مُحَمِّدُ بْنُ عُبَيْدِ الْغُبَرِيُّ، وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالُوا:
حَدِّثَنَا حَمَّادُ/ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مَطَرِ الْوَرَّاقِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَىْ بْنٍ يَعْمَرَ، قَالَ: لَمَّا
تَكَلِّمَ مَعْبَدٌ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ فِي شَأْنِ الْقَدْرِ، أَنْكَرْنَا ذُلِكَ. قَالَ: فَحَجَجْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمْنِ
الْحِمْيَرِيُّ حِجَّةٌ. وَسَاقُوا الْحَدِيثَ، بِمَعْنَى حَدِيثٍ كَهْمَسٍ وَإِسْنَادِهِ، وَفِيهِ بَعْضُ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانُ
أُخْرُفٍ.
٩٤ - تقدم تخريجه بمثل الحديث الذي قبله (الحديث ٩٣).
وقوله : (فأنفقه) يعني في سبيل الله تعالى ، أي طاعته ، كما جاء في رواية أخرى . قال
١٥٦/١ نفطويه: سمي الذهب ذهباً لأنه يذهب ولا يبقى .
قوله : (لا يرى عليه أثر السفر) ضبطناه بالياء المثناة من تحت المضمومة ، وكذلك ضبطناه في
الجمع بين الصحيحين وغيره . وضبطه الحافظ أبو حازم العدوي هنا نرى ، بالنون المفتوحة ، وكذا هو في
مسند أبي يعلى الموصلي وكلاهما صحيح .
قوله : ( ووضع کفیه علی فخذيه ) معناه أن الرجل الداخل وضع کفیه علی فخذي نفسه وجلس على
هيئة المتعلم ، والله أعلم .
قوله ◌َّير: ( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والإيمان أن تؤمن بالله إلى
آخره ) هذا قد تقدم بيانه وإيضاحه بما يغني عن إعادته .
قوله : ( فعجبنا له يسأله ويصدقه ) سبب تعجبهم أن هذا خلاف عادة السائل الجاهل ، إنما هذا
كلام خبير بالمسؤول عنه ، ولم يكن في ذلك الوقت من يعلم هذا غير النبي ◌َاير .
قوله : (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) هذا من جوامع الكلم التي
أوتيها #، لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه سبحانه وتعالى لم يترك شيئاً مما يقدر عليه
١٥٧/١ من الخضوع والخشوع وحسن السمت ، واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن
وجوهها إلا أتى به، فقال ◌َ : ((اعبد الله في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان)). فإن التتميم
المذكور في حال العيان إنما كان لعلم العبد باطلاع الله سبحانه وتعالى عليه ، فلا يقدم العبد على تقصير
في هذا الحال للإطلاع عليه . وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد ، فينبغي أن يعمل بمقتضاه .
فمقصود الكلام الحث على الإخلاص في العبادة ومراقبة العبد ربه تبارك وتعالى في إتمام الخشوع
والخضوع وغير ذلك . وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعاً من تلبسه بشيء من
النقائص احتراماً لهم واستحياء منهم ، فكيف بمن لا يزال الله تعالى مطلعاً عليه في سره وعلانيته .
قال القاضي عياض رحمه الله : وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة
والباطنة من عقود الإيمان وأعمال الجوارح وإخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال ، حتى أن علوم
الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه . قال : وعلى هذا الحديث وأقسامه الثلاثة ألفنا كتابنا الذي سميناه
المعجم - الإيمان: ك ١، ب ١
١١٣
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ١
٩٥ - ٣/٣ - | و| حدثني مُحَمِّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّنُ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ
غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، وَحُمَّيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمْنِ، قَالَ: لَقِينًا
٩٥ - حديث حميد بن عبد الرحمن أخرجه أبو داود في كتاب: السنة، باب: في القدر (الحديث ٤٦٩٦)، تحفة
الأشراف (١٠٥١٦). وحديث يحيى بن يعمر، تقدم تخريجه (الحديث ٩٣).
بالمقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان ، إذ لا يشذ شيء من الواجبات والسنن والرغائب والمحظورات
والمكروهات عن أقسامه الثلاثة ، والله أعلم .
قوله ◌َّي: ( ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) فيه أنه ينبغي للعالم والمفتي وغيرهما إذا سئل عما
لا يعلم أن يقول : لا أعلم ، وأن ذلك لا ينقصه بل يستدل به على ورعه وتقواه ووفور علمه ، وقد بسطت
هذا بدلائله وشواهده وما يتعلق به في مقدمة شرح المهذب المشتملة على أنواع من الخير لا بد لطالب
العلم من معرفة مثلها وإدامة النظر فيه ، والله أعلم .
قوله : ( فأخبرني عن أماراتها) هو بفتح الهمزة . والأمارة والأمار بإثبات الهاء وحذفها هي العلامة .
قوله : (أن تلد الأمة ربتها). وفي الرواية الأخرى: ((ربها)) على التذكير. وفي الأخرى:
((بعلها)). وقال: يعني السراري. ومعنى ربها وربتها: سيدها ومالكها وسيدتها ومالكتها . قال الأكثرون
من العلماء : هو إخبار عن كثرة السراري وأولادهن ، فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها ، لأن مال
الإنسان صائر إلى ولده ، وقد يتصرف فيه في الحال تصرف المالكين ، إما بتصريح أبيه له بالإذن وإما بما ١٥٨/١
يعلمه بقرينة الحال أو عرف الاستعمال . وقيل : معناه أن الإماء يلدن الملوك ، فتكون أمه من جملة رعيته
وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته ، وهذا قول إبراهيم الحربي . وقيل : معناه أنه تفسد أحوال الناس فيكثر
بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان فيكثر تردادها في أيدي المشترين حتى يشتريها ابنها ولا يدري . ويحتمل
على هذا القول أن لا يختص هذا بأمهات الأولاد فإنه متصور في غيرهن ، فإن الأمة تلد ولداً حراً من غير
سيدها بشبهة ، أو ولداً رقيقاً بنكاح أوزنا ، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعاً صحيحاً وتدور في الأيدي حتى
يشتريها ولدها ، وهذا أكثر وأعم من تقديره في أمهات الأولاد. وقيل في معناه غير ما ذكرناه ، ولكنها أقوال
ضعيفة جداً أو فاسدة فتركتها . وأما بعلها : فالصحيح في معناه أن البعل هو المالك أو السيد ، فيكون
بمعنى ربها على ما ذكرناه .
قال أهل اللغة : بعل الشيء ربه ومالكه . وقال ابن عباس رضي الله عنهما والمفسرون في قوله
سبحانه وتعالى: ﴿أتدعون بعلاً﴾(١) أي: رباً. وقيل: المراد بالبعل في الحديث الزوج ، ومعناه نحو
ما تقدم ، أنه يكثر بيع السراري حتى يتزوج الإنسان أمه وهو لا يدري . وهذا أيضاً معنى صحيح ، إلا أن
الأول أظهر لأنه إذا أمكن حمل الروايتين في القضية الواحدة على معنى واحد كان أولى ، والله أعلم .
واعلم أن هذا الحديث ليس فيه دليل على إباحة بيع أمهات الأولاد ولا منع بيعهن . وقد استدل إمامان من
كبار العلماء به على ذلك ، فاستدل أحدهما على الإباحة والآخر على المنع ، وذلك عجب منهما ، وقد
(١) سورة الصافات ، الآية : ١٢٥ .
المعجم - الإیمان: ك ١، ب ١
١١٤
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ١
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَذَكَرْنَا الْقَدَرَ وَمَا يَقُولُونَ فِيهِ، فَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ كَنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النِّّ ◌َ، وَفِيهِ شَيْءٌ مِنْ زِيَادَةٍ، وَقَدْ نَقَصَ مِنْهُ شَيْئًا.
٣٨/ب
١٢ ٩٦ - ٤/٤ - ١ واحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ/، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ
أَبِهِ، عَنْ يَحْيَى بْنٍ يَعْمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.
٩٦ - تقدم تخريجه (الحديد. ٩٣).
أنكر عليهما . فإنه ليس كل ما أخبر # بكونه من علامات الساعة يكون محرماً أو مذموماً، فإن تطاول
الرعاء في البنيان وفشو المال وكون خمسين امرأة لهن قيم واحد ليس بحرام بلا شك ، وإنما هذه
علامات ، والعلامة لا يشترط فيها شيء من ذلك بل تكون بالخير والشر والمباح والمحرم والواجب وغيره ،
والله أعلم .
قوله : ( وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ) أما العالة فهم الفقراء ،
والعائل الفقير ، والعيلة الفقر . وعال الرجل يعيل عيلة أي افتقر . والرعاء ، بكسر الراء وبالمد ، ويقال
فيهم رعاة بضم الراء وزيادة الهاء بلا مد ، ومعناه : أن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة تبسط
لهم الدنيا حتى يتباهون في البنيان ، والله أعلم .
١٥٩/١
قوله : ( فلبث ملياً) هكذا ضبطناه ، لبث آخره تاء مثلثة من غير تاء . وفي كثير من الأصول المحققة
لبثت ، بزيادة تاء المتكلم ، وكلاهما صحيح . وأما ملياً بتشديد الياء فمعناه: وقتاً طويلاً . وفي رواية
أبي داود والترمذي أنه قال ذلك بعد ثلاث . وفي شرح السنة للبغوي : بعد ثالثة . وظاهر هذا أنه بعد
ثلاث ليال . وفي ظاهر هذا مخالفة لقوله في حديث أبي هريرة بعد هذا: (( ثم أدبر الرجل فقال
رسول الله *: ردوا عليّ الرجل، فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئاً. فقال النبي ﴿و: هذا جبريل)).
فيحتمل الجمع بينهما أن عمر رضي الله عنه لم يحضر قول النبي وم له لهم في الحال ، بل كان قد قام من
المجلس فأخبر النبي ◌ّير الحاضرين في الحال، وأخبر عمر رضي الله عنه بعد ثلاث إذ لم يكن حاضراً
وقت إخبار الباقين ، والله أعلم .
قوله: (* هذا (١) جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) فيه أن الإيمان والإسلام والإحسان تسمى كلها
ديناً. واعلم أن هذا الحديث يجمع أنواعاً من العلوم والمعارف والآداب واللطائف ، بل هو أصل
الإسلام ، كما حكيناه عن القاضي عياض ، وقد تقدم في ضمن الكلام فيه جمل من فوائده . ومما لم
نذكره من فوائده أن فيه : أنه ينبغي لمن حضر مجلس العالم إذا علم بأهل المجلس حاجة إلى مسألة
لا يسألون عنها أن يسأل هو عنها ليحصل الجواب للجميع ، وفيه : أنه ينبغي للعالم أن يرفق بالسائل ويدنيه
منه ليتمكن من سؤاله ، غير هائب ولا منقبض ، وأنه ينبغي للسائل أن يرفق في سؤاله ، والله أعلم .
(١) ساقطة في نسخة ك، وفي المتن : فإنه.
المعجم - الإيمان: ك ١، ب ١
١١٥
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٢
[٢/٠٠٠ - باب: الإيمان ما هو؟ وبيان خصاله] (1)
٩٧ - ١/٥ - حدّثني(2) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزْهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ زُهَيْرٌ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَّبِي حَيَّنَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِوبْنٍ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً،
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ:
٩٧ - أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: سؤال جبريل النبيّ ر عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم
الساعة (الحديث ٥٠)، وأخرجه أيضاً في كتاب: التفسير، باب: إن الله عنده علم الساعة (الحديث ٤٧٧٧)،
وأخرجه ابن ماجه في المقدمة، باب: في الإيمان بتمامه (الحديث ٦٤)، وأخرجه أيضاً في كتاب: الفتن، باب:
أشراط الساعة ببعضه (الحديث ٤٠٤٤) تحفة الأشراف (١٤٩٢٩).
قوله : ( حدثني محمد بن عبيد الغبري وأبو كامل الجحدري وأحمد بن عبدة ) . أما الغبري ،
فبضم الغين المعجمة وفتح الموحدة . وقد تقدم بيانه واضحاً في أول مقدمة الكتاب . والجحدري ،
اسمه : الفضيل بن حسين ، وهو بفتح الجيم وبعدها حاء ساكنة ، وتقدم أيضاً بيانه في المقدمة . وعبدة ،
بإسكان الباء ، وقد تقدم في الفصول بيان عبدة وعبيدة . وفي هذا الإسناد: مطر الوراق . هو مطر بن
طمهان أبو رجاء الخرساني . سكن البصرة . كان يكتب المصاحف فقيل له الوراق .
قوله: (فححجنا حجة) هي بكسر الحاء وفتحها لغتان، فالكسر هو المسموع من العرب ، والفتح ١٦٠/١
هو القياس ، كالضربة وشبهها كذا قاله أهل اللغة .
قوله : ( عثمان بن غياث ) هو بالغين المعجمة . وحجاج بن الشاعر هو حجاج بن يوسف بن حجاج
الثقفي أبو محمد البغدادي ، وقد تقدم في أوائل الكتاب بيانه واتفاقه مع الحجاج بن يوسف الوالي الظالم
المعروف وافتراقه . وفي الإسناد يونس ، وقدم تقدم فيه ست لغات : ضم النون وكسرها وفتحها مع الهمز
فيهن ، وتركه . وفي الإسناد الآخر أبو بكر بن أبي شيبة وإسماعيل بن علية . وهو إسماعيل بن إبراهيم في
الطريق الأخرى ، وقد تقدم بيانه وبيان حال أبي بكر بن أبي شيبة وحال أخيه عثمان وأبيهما محمد وجدهما
أبي شيبة إبراهيم وأخيهما القاسم ، وأن اسم أبي بكر عبد الله، والله أعلم . وفي هذا الإسناد : أبو حيان
عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي . فأبو حيان ، بالمثناة تحت ، واسمه : يحيى بن
سعيد بن حيان التيمي ، تيم الرباب الكوفي . وأما أبو زرعة فاسمه : هرم ، وقيل : عمرو بن عمرو ،
وقيل : عبيد الله ، وقيل : عبد الرحمن .
١٦١/١
قوله : (كان رسول الله ﴿﴿ يوماً بارزاً) أي ظاهراً. ومنه قول الله تعالى: ﴿وترى الأرض
بارزة﴾(١) و﴿ برزوا لله جميعاً﴾(٢) و﴿ برزت الجحيم﴾(٣) و﴿ لما برزوا لجالوت﴾(٤).
(1) زيادة من تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف
(2) في المطبوعة: وحدثنا.
(١) سورة الكهف ، الآية : ٤٧ .
(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٢١ .
(٣) سورة الشعراء ، الآية : ٩١ .
(٤) سورة البقرة ، الآية : ٢٥٠ .
المعجم - الإيمان: ك ١، ب ٢
١١٦
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٢
((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكِتَابِهِ، وَلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخِرِ)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ!
مَا الْإِسْلاَمُ؟ قَالَ: ((الْإِسْلَامُ(٤) أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ لَا تُشْرِكَ(٥) بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَةَ الْمَكْتُوبَةَ،
وَتُؤَدِّيَ / الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ
ج ١
١/٣٩
قوله #1 : (أن تؤمن بالله ولقائه وتؤمن بالبعث الآخر) هو بكسر الخاء . واختلف في المراد بالجمع
بين الإيمان بلقاء الله تعالى والبعث . فقيل : اللقاء يحصل بالانتقال إلى دار الجزاء ، والبعث بعده عند
قيام الساعة ، وقيل : اللقاء ما يكون بعد البعث عند الحساب . ثم ليس المراد باللقاء رؤية الله تعالى ،
فإن أحداً لا يقطع لنفسه برؤية الله تعالى ، لأن الرؤية مختصة بالمؤمنين ، ولا يدري الإنسان بماذا يختم
له . وأما وصف البعث بالآخر ، فقيل : هو مبالغة في البيان والإيضاح ، وذلك لشدة الاهتمام به . وقيل :
سببه أن خروج الإنسان إلى الدنيا بعث من الأرحام ، وخروجه من القبر للحشر بعث من الأرض ، فقيد
البعث بالآخر ليتميز ، والله أعلم .
١٦٢/١
قوله وَاء: ( الإسلام أن تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة إلى آخره ) أما العبادة فهي الطاعة
مع خضوع ، فيحتمل أن يكون المراد بالعبادة هنا معرفة الله تعالى والإقرار بوحدانيته . فعلى هذا يكون
عطف الصلاة والصوم والزكاة عليها لإدخالها في الإسلام فإنها لم تكن دخلت في العبادة ، وعلى هذا إنما
اقتصر على هذه الثلاث لكونها من أركان الإسلام ، وأظهر شعائره ، والباقي ملحق بها . ويحتمل أن يكون
المراد بالعبادة الطاعة مطلقاً ، فيدخل جميع وظائف الإسلام فيها . فعلى هذا يكون عطف الصلاة وغيرها
من باب ذكر الخاص بعد العام تنبيهاً على شرفه ومزيته ، كقوله تعالى : ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم
ومنك ومن نوح﴾(١) ونظائره. وأما قوله وَله: (لا تشرك به) فإنما ذكره بعد العبادة لأن الكفار كانوا
يعبدونه سبحانه وتعالى في الصورة ويعبدون معه أوثاناً يزعمون أنها شركاء فنفى هذا ، والله أعلم .
قوله وَل: (وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان) أما تقييد الصلاة
بالمكتوبة فلقوله تعالى : ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ﴾ (٢). وقد جاء في أحاديث وصفها
بالمكتوبة كقوله *: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ، وأفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة
الليل)) و((خمس صلوات كتبهن الله)). وأما تقييد الزكاة بالمفروضة، وهي المقدرة ، فقيل احتراز من
الزكاة المعجلة قبل الحول فإنها زكاة وليست مفروضة . وقيل : إنما فرق بين الصلاة والزكاة في التقييد
لكراهة تكرير اللفظ الواحد ، ويحتمل أن يكون تقييد الزكاة بالمفروضة للاحتراز عن صدقة التطوع فإنها
زكاة لغوية . وأما معنى إقامة الصلاة فقيل فيه قولان: أحدهما : أنه إدامتها والمحافظة عليها . والثاني :
إتمامها على وجهها . قال أبو علي الفارسي: والأول أشبه . قلت : وقد ثبت في الصحيح أن
رسول الله وَ ﴿ قال: ((اعتدلوا في الصفوف، فإن تسوية الصف من إقامة الصلاة)) معناه، والله أعلم ، من
(1 - 1) في المطبوعة: أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، بزيادة حرف (واو)، وأثبتنا ما في المخطوطة لأنها توافق الشرح.
(١) سورة الأحزاب، الآية : ٧ .
(٢) سورة النساء ، الآية : ١٠٣.
المعجم - الإيمان: ك ١، ب ١
١١٧
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٢
كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: (مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا
بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَلَكِنْ سَأَحَدِّئُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا، إِذَا وَلَدَتِ الْأُمَّةُ رَبَّهَا فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا
كَانَتِ الْعُرَاةُ الْحُفَاةُ رُؤُوسَ النَّاسِ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رِعَاءُ الْبَهْمِ فِي الْبُنْيَانِ فَذَاكَ مِنْ
أَشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّ اللَّهُ))، ثُمَّ تَلَّهَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ
وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ [وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَِّ أَرْضٍ تَمُوتُ](١) إِنَّ
اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (2).
قَالَ: ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ ل: ((رُدُّوا عَلَيِّ الرَّجُلَ)). فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا ◌َرَبـ
شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿: ((هَذَا: جِبْرِيلُ، جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ)).
٩٨ - ٢/٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّنَ الَّيْمِيُّ،
٩٨ - تقدم تخريجه بمثل الحديث الذي قبله (الحديث ٩٧).
إقامتها المأمور بها في قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾(١)، وهذا يرجح القول الثاني، والله أعلم. وأما
قوله وَّل: (وتصوم رمضان) ففيه حجة لمذهب الجماهير، وهو المختار الصواب أنه لا كراهة في قول
رمضان من غير تقييد بالشهر ، خلافاً لمن كرهه . وستأتي المسألة في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى
موضحة بدلائلها وشواهدها ، والله أعلم .
قوله : (سأحدثك عن أشراطها) هي بفتح الهمزة . واحدها شرط ، بفتح الشين والراء .
والأشراط : العلامات ، وقيل : مقدماتها ، وقيل : صغار أمورها قبل تمامها ، وكله متقارب .
قوله وَّل: (وإذا تطاول رعاء البهم) هو بفتح الباء وإسكان الهاء . وهي الصغار من أولاد الغنم،
الضأن والمعز جميعاً . وقيل : أولاد الضأن خاصة ، واقتصر عليه الجوهري في صحاحه . والواحدة
بهمة . قال الجوهري : وهي تقع على المذكر والمؤنث ، والسخال: أولاد المعزى . قال: فإذا جمعت ١٦٣/١
بينهما قلت بهام وبهم أيضاً . وقيل : إن البهم يختص بأولاد المعز ، وإليه أشار القاضي عياض بقوله :
وقد يختص بالمعز. وأصله: كل ما استبهم عن الكلام . ومنه البهيمة ووقع في رواية البخاري: ((رعاء
الإبل البهم)) بضم الباء . وقال القاضي عياض رحمه الله : ورواه بعضهم بفتحها ، ولا وجه له مع ذكر
الإبل . قال : ورويناه برفع الميم وجرها ، فمن رفع جعله صفة للرعاء أي أنهم سود ، وقيل : لا شيء
(1) في المخطوطة بدلاً من إتمامها ذكر: إلى قوله .
(2) سورة: لقمان، الآية: ٣٤.
(١) سورة البقرة، الآية : ٨٣.
المعجم - الإیمان: ك ١، ب ٢
١١٨
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٣
بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ: ((إِذَا وَلَدَتِ الْأُمَّةُ بَعْلَهَا)) يَعْنِي: السَّرَارِيِّ.
[٣/٠٠٠ - باب: الإسلام ما هو؟ وبيان خصاله](١)
٩٩ - ١/٧ - حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ - وَهُوَ: ابْنُ الْقَعْقَاعِ -، عَنْ أَبِي
زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ: ((سَلُونِ)) فَهَابُوهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ. فَجَاءَ رَجُلٌ فَجَلَسَ
عِنْدَ رُكْبَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: ((أَلَّ (2) تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي
الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ)). قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ/: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ،
وَمَلَائِكَتِهِ، وَكِتَابِهِ، وَلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلُِّ)). قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: ((أَنْ تَخْشَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلّ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ
يَرَاكَ)). قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَتَّى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَالَ: ((مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمْ مِنَ
السَّائِلِ، وَسَأَحَدِّتُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا. إِذَا رَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَلِدُ رَبَّهَا فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ
الْعُرَاةَ الصُمِّ الْبُكْمَ مُلُوكَ الْأَرْضِ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ رِعَاءَ الْبَهْمِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ
ج ١
١/٤٠
٩٩ - انفرد به مسلم، تحفة الأشراف (١٤٩١٥).
لهم . وقال الخطابي : هو جمع بهيم ، وهو المجهول الذي لا يعرف ، ومنهم أبهم الأمر . ومن جر الميم
جعله صفة للإبل أي السود لرداءتها، والله أعلم .
قوله : ( يعني السراري ) هو بتشديد الياء ، ويجوز تخفيفها ، لغتان معروفتان . الواحدة سرية
بالتشديد لا غير. قال ابن السكيت في ((إصلاح المنطق )): كل ما كان واحده مشدداً من هذا النوع جاز
في جمعه التشديد والتخفيف . والسرية : الجارية المتخذة للوطء مأخوذة من السر وهو النكاح . قال
الأزهري : السرية فعلية من السر ، وهو النكاح . قال : وكان أبو الهيثم يقول السر السرور ، فقيل لها سرية
لأنها سرور مالكها . قال الأزهري : وهذا القول أحسن والأول أكثر .
قوله : ( عن عمارة وهو ابن القعقاع ) فعمارة بالضم والقعقاع بفتح القاف الأولى . وقوله : ( وهو
١٦٤/١ ابن ) قد قدمنا بيان فائدته في الفصول وفي المقدمة ، وأنه لم يقع في الرواية نسبه فأراد بيانه بحيث لا يزيد
في الرواية على ما سمع ، والله أعلم .
قوله ◌َل: (سلوني) هذا ليس بمخالف للنهي عن سؤاله، فإن هذا المأمور به هو فيما يحتاج إليه
وهو موافق لقول الله تعالى: ﴿ فاسألوا أهل الذكر﴾(١) .
قوله وَيّ: (وإذا رأيت الحفاة العراة ، الصم البكم ، ملوك الأرض، فذاك من أشراطها) المراد
(1) زيادة من تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف.
(2) في المطبوعة: لا تشرك بالله شيئاً، وتقيمُ الصلاة ... ).
(١) سورة الأنبياء ، الآية : ٧ .
المعجم - الإيمان: ك ١، ب ٢
١١٩
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٤
ج١
٤٠/ب
فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لَ يَعْلَمُهُنَّ إِلَّ اللَّهُ)). ثُمَّ قَرَأْ الآية(١)/: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ
عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ
بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾(2).
ا قَالَ |: ثُمَّ قَامَ الرَّجُلُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَه: ((رُدُّوهُ عَلَيَّ) فَالْتُمِسَ فَلَمْ يَجِدُوهُ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((هَذَا جِبْرِيلُ أَرَادَ أَنْ تَعَلَّمُوا، إِذْ لَمْ تَسْأَلُوا)).
[٤/٢ - باب: بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام](3)
١٠٠ - ١/٨ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلٍ بْنِ طَرِيفٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنْسٍ
- فِيمَا قُرِىءَ عَلَيْهِ -، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى
١٠٠ - أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: الزكاة من الإسلام (الحديث ٤٦)، وأخرجه أيضاً في كتاب:
الشهادات، باب: كيف يستحلف (الحديث ٢٦٧٨)، وأخرجه أيضاً في كتاب: الصوم، باب: وجوب صوم رمضان
(الحديث ١٨٩١)، وأخرجه أيضاً في كتاب: الحيل، باب: في الزكاة، وأن لا يُفرَّق بين مجتمع، ولا يجمع بين
متفرِّق، خشية الصدقة (الحديث ٦٩٥٦)، وأخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: فرض الصلاة =
بهم الجهلة السفلة الرعاع، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿صم بكم عمي﴾(١) أي لما لم ينتفعوا بجوارحهم
هذه فكأنهم عدموها . هذا هو الصحيح في معنى الحديث ، والله أعلم .
قوله وسلم: (هذا جبريل أراد أن تعلموا إذا لم تسألوا) ضبطناه على وجهين أحدهما: تعلموا، بفتح ١٦٥/١
التاء والعين وتشديد اللام ، أي تتعلموا . والثاني : تعلموا بإسكان العين . وهما صحيحان ، والله أعلم .
باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام
١٠٠ - ١٠١ - فيه ( قتيبة بن سعيد الثقفي ) اختلف فيه . فقيل: قتيبة اسمه ، وقيل: بل هو لقب واسمه
علي ، قاله أبو عبد الله بن منده . وقيل : اسمه يحيى ، قاله ابن عدي .
وأما قوله : ( الثقفي ) فهو مولاهم . قيل : إن جده جميلاً كان مولى للحجاج بن يوسف الثقفي .
وفيه أبو سهيل عن أبيه اسم أبي سهيل : نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي . ونافع عم مالك بن أنس
الإمام ، وهو تابعي ، سمع أنس بن مالك .
(1) زيادة في المخطوطة .
(2) سورة: لقمان، الآية: ٣٤.
(3) في المخطوطة: باب: خمس صلوات في اليوم والليلة.
(١) سورة البقرة، الآية : ١٨.
المعجم - الإیمان: ك ١، ب ٢
١٢٠
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٤
١/٤١
رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ مِنْ أَهْلِ / نَجْدٍ، ثَاثِرُ الرَّأْسِ، نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ وَلاَ نَفَقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ
رَسُولِ اللَّهِ ﴿، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ
وَاللَّيْلَةِ)). قَالَ(١): هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: ((لَ، إِلَّ أَنْ تَطَّوَّعَ، وَصِيَامُ شَهْرٍ رَمَضَانَ)). قَال(2): هَلْ
عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ (2): ((لَا، إِلَّ أَنْ تَطَّوَّعَ)). وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ الزَّكَاةَ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟
قَالَ: ((لَ، إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ)). قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ! لَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ مِنْهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((أَفْنَحَ إِنْ صَدَقَ)).
= (الحديث ٣٩١ و٣٩٢)، وأخرجه أيضاً في كتاب: الأيمان والنذور، باب: في كراهية الحلف بالآباء
(الحديث ٣٢٥٢)، وأخرجه النسائي في كتاب: الصلاة، باب: كم فرضت في اليوم والليلة (الحديث ٤٥٧)،
وأخرجه أيضاً في كتاب: الصوم، باب: وجوب الصيام (الحديث ٢٠٨٩)، وأخرجه أيضاً في كتاب: الإيمان، باب:
الزكاة (الحديث ٥٠٤٣). تحفة الأشراف (٥٠٠٩).
قوله : ( رجل من أهل نجد ثائر الرأس ) هو برفع ثائر ، صفة لرجل ، وقيل : يجوز نصبه على
الحال . ومعنى ثائر الرأس : قائم شعره منتفشه .
وقوله : ( نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول ) روي نسمع ونفقه ، بالنون المفتوحة فيهما ، وروي
بالياء المثناة من تحت المضمومة فيهما ، والأول هو الأشهر الأكثر الأعرف . وأما دوي صوته فهو بعده في
الهواء . ومعناه : شدة صوت لا يفهم ، وهو بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء ، هذا هو المشهور .
وحكى صاحب المطالع : فيه ضم الدال أيضاً .
قوله : ( هل عليّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع ) المشهور فيه تطوع بتشديد الطاء على إدغام
إحدى التاءين في الطاء . وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى : هو محتمل للتشديد
١٦٦/١ والتخفيف على الحذف. قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: قوله وعلا: ((إلا أن تطوع)) استثناء منقطع.
ومعناه : لكن يستحب لك أن تطوع . وجعله بعض العلماء استثناءً متصلاً ، واستدلوا به على أن من شرع
في صلاة نفل أو صوم نفل وجب عليه إتمامه . ومذهبنا أنه يستحب الإتمام ولا يجب ، والله أعلم .
قوله : (فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. فقال رسول الله صل: أفلح إن
صدق ) قيل : هذا الفلاح راجع إلى قوله لا أنقص خاصة ، والأظهر أنه عائد إلى المجموع ، بمعنى أنه
إذا لم يزد ولم ينقص كان مفلحاً ، لأنه أتى بما عليه ، ومن أتى بما عليه فهو مفلح . وليس في هذا أنه إذا
أتى بزائد لا يكون مفلحاً، لأن هذا مما يعرف بالضرورة . فإنه إذا أفلح بالواجب فلأن يفلح بالواجب
والمندوب أولى . فإن قيل : كيف قال : لا أزيد على هذا؟ وليس في هذا الحديث جميع الواجبات ولا
المنهيات الشرعية ولا السنن المندوبات ؟ فالجواب أنه جاء في رواية البخاري في آخر هذا الحديث زيادة
(1) في المطبوعة: فقال.
(2) في المطبوعة: فقال.
المعجم - الإيمان: ك ١، ب ٢
١٢١
التحفه - الإيمان: ك ١، ب ٤
١٠١ - ٢/٩ - حدّثْنَا (١) يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفٍَ، عَنْ
أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ / النَّبِّ ◌َ بِهِذَا الْحَدِيثِ، نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ.
غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَفْلَحَ، وَأَبِهِ، إِنْ صَدَقَ))، أَوْ: ((دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَأَبِيهِ، إِنْ
صَدَقَ)).
ج ١
٤١/ب
١٠١ - تقدم تخريجه بمثل الحديث الذي قبله (الحديث ١٠٠).
توضح المقصود. قال: ((فأخبره رسول الله وَليل بشرائع الإسلام، فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد
ولا أنقص مما فرض الله تعالى عليّ شيئاً، فعلى عموم قوله: (( بشرائع الإسلام)) وقوله: (( مما فرض الله
عليّ)) يزول الإشكال في الفرائض . وأما النوافل فقيل: يحتمل أن هذا كان قبل شرعها ، وقيل : يحتمل
أنه أراد لا أزيد في الفرض بتغيير صفته ، كأنه يقول : لا أصلي الظهر خمساً . وهذا تأويل ضعيف .
ويحتمل أنه أراد أنه لا يصلي النافلة ، مع أنه لا يخل بشيء من الفرائض . وهذا مفلح بلا شك وإن كانت
مواظبته على ترك السنن مذمومة ، وترد بها الشهادة ، إلا أنه ليس بعاص ، بل هو مفلح ناج ، والله أعلم .
واعلم أنه لم يأت في هذا الحديث ذكر الحج ، ولا جاء ذكره في حديث جبريل من رواية
أبي هريرة . وكذا غير هذا من هذه الأحاديث لم يذكر في بعضها الصوم ، ولم يذكر في بعضها الزكاة ، ١٦٧/١
وذكر في بعضها صلة الرحم ، وفي بعضها أداء الخمس ، ولم يقع في بعضها ذكر الإيمان . فتفاوتت هذه
الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادة ونقصاً وإثباتاً وحذفاً . وقد أجاب القاضي عياض وغيره رحمهم الله
عنها بجواب ، لخصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالی وهذبه فقال : ليس هذا باختلاف صادرٍ
من رسول الله وَّة ، بل هو من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط . فمنهم من قصر فاقتصر على ما حفظه
فأداه ، ولم يتعرض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات ، وإن كان اقتصاره على ذلك يشعر بأنه الكل . فقد بان
بما أتى به غيره من الثقات أن ذلك ليس بالكل ، وأن اقتصاره عليه كان لقصور حفظه عن تمامه . ألا ترى
حديث النعمان بن قوقل الآتي قريباً ، اختلفت الروايات في خصاله بالزيادة والنقصان ، مع أن راوي
الجميع راوٍ واحد وهو جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في قضية واحدة . ثم إن ذلك لا يمنع من إيراد
الجميع في الصحيح ، لما عرف في مسألة زيادة الثقة من أنا نقبلها . هذا آخر كلام الشيخ ، وهو تقرير
حسن ، والله أعلم .
قوله وَير: (أفلح وأبيه إن صدق) هذا مما جرت عادتهم، أن يسألوا عن الجواب عنه، مع
قوله وخ18: ((من كان حالفاً فليحلف بالله)). وقوله وَّه: ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)). وجوابه أن
قوله وَّي: (أفلح وأبيه ) ليس هو حلفاً إنما هو كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها ، غير قاصدة
بها حقيقة الحلف . والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف ، لما فيه من إعظام المحلوف به ،
(1) في المطبوعة : حدثني .
المعجم - الإيمان: ك ١، ب ٣
١٢٢
التحفة - الإيمان: ك ١، ب ٥
٥/٣ - باب: [السؤال عن أركان الإسلام](1)
١٠٢ - ١/١٠ - حدّثني عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرِ النَّقِدِ، حَدَّثْنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ أَبُو النَّضْرِ،
حَدِّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللّهِ وَ عَنْ
شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرِّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، الْعَاقِلُ، فَيَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ. فَجَاءَ رَجُلٌ
مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ: يَا مُحَمِّدُ! أَتَانَا رَسُولُكَ، فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ:
((صَدَقَ). قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟. قَالَ: ((آللَّهُ)). قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: ((آللَّهُ)). قَالَ:
١٤- فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ. قَالَ: ((آللَّهُ)) / قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ، وَخَلَقَ
الْأَرْضَ، وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ
صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا. قَالٍ: ((صَدَقَ)). قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، اللَّهُ أَمَرَكَ بِهِذَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ)).
١٠٢ - أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: ما جاء في العلم، وقوله تعالى: ﴿وقل رب زدني علماً﴾ تعليقاً
(الحديث ٦٣ م)، وأخرجه الترمذي في كتاب: الزكاة، باب: ما جاء إذا أديت الزكاة فقد قضيت ما عليك
(الحديث ٦١٩)، وأخرجه النسائي في كتاب: الصوم، باب: وجوب الصيام (الحديث ٢٠٩٠)، تحفة الأشراف
(٤٠٤).
ومضاهاته به الله سبحانه وتعالى . فهذا هو الجواب المرضي . وقيل : يحتمل أن يكون هذا قبل النهي عن
الحلف بغير الله تعالى ، والله أعلم . وفي هذا الحديث أن الصلاة التي هي ركن من أركان الإسلام ، التي
أطلقت في باقي الأحاديث ، هي الصلوات الخمس ، وأنها في كل يوم وليلة على كل مكلف بها . وقولنا
بها احتراز من الحائض والنفساء ، فإنها مكلفة بأحكام الشرع إلا الصلاة وما ألحق بها مما هو مقرر في كتب
١٦٨/١ الفقه. وفيه أن وجوب صلاة الليل منسوخ في حق الأمة، وهذا مجمع عليه. واختلف قول الشافعي
رحمه الله في نسخه في حق رسول الله وَّر، والأصح نسخه . وفيه أن صلاة الوتر ليست بواجبة ، وأن
صلاة العيد أيضاً ليست بواجبة ، وهذا مذهب الجماهير . وذهب أبو حنيفة رحمه الله وطائفة إلى وجوب
الوتر . وذهب أبو سعيد الأصطخري من أصحاب الشافعي ، إلى أن صلاة العيد فرض كفاية . وفيه أنه لا
يجب صوم عاشوراء ولا غيره سوى رمضان ، وهذا مجمع عليه . واختلف العلماء هل كان صوم عاشوراء
واجباً قبل إيجاب رمضان أم كان الأمر به ندباً؟ وهما وجهان لأصحاب الشافعي أظهرهما : لم يكن
واجباً ، والثاني : كان واجباً ، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله . وفيه أنه ليس في المال حق سوى الزكاة على
من ملك نصاباً ، وفيه غير ذلك ، والله أعلم .
باب السؤال عن أركان الإسلام