النص المفهرس
صفحات 41-60
يقول : ثم إنا إن شاء الله مبتدئون في تخريج ما سألت وتأليفه على شريطة سوف أذكرها لك وهو أنا نعمد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رسول اللّه عَ اله فنقسمها على ثلاثة أقسام وثلاث طبقات من الناس على غير تكرار الا أن يأتي موضع لا يُستغنى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنَى أو إسناد يقع إلى جنب اسناد لعلَّة تكون هناك لأن المعنَى الزائد في الحديث المحتاج إليه يقوم مقام حديث تام فلابد من اعادة الحديث الذي فيه ما وصفنا من الزيادة فأما القسم الأول فانا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقَى، من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث واتقان لما نقلوا لم يوجد في رواياتهم اختلاف شديد ولا تخليط فاحش، کما قد عثر على کثیر من المحدثين ، وبان ذلك في حديثهم فإذا نحن تقصَّينا أخبار هذا الصنف من الناس ، أتبعناها أخباراً يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والاتقان كالصنف المتقدم قبلهم . على أنهم وان كانوا فيما وصفنا دونهم فان اسم الستر والصدق وتعاطي - العلم يشملهم كعطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد وليث بن أبي سليم ، وأضرابهم من خُمال الآثار ونُقال الأخبار فهم وإن كانوا بما وصفنا من العلم والستر عند أهل العلم معروفين فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الاتقان والاستقامة في الرواية يفضلونهم في الحال والمرتبة لأن هذا عند أهل العلم درجة رفيعة وخصلة سنَّة ... فأما ما كان عن قوم عند أهل الحديث متَّهمون أو عند الأكثر منهم ، فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم ... وكذلك الغالب على حديثه المنكر أو الغلط أمسكنا أيضا عن حديثهم (54) (54) أنظر مسلم: مقدمة الصحيح 3 ، 4 ، 5 41 وقد سبر الامام الحازمي كتب الأئمة الخمسة البخاري ومسلم وأبي داوود والنسائي ، والترمذي - وحاول أن يقدم لنا ملامح المنهج عندهم وذلك في جزء ( شروط الأئمة الخمسة ) فقال : مذهب من يخرج الصحيح أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه وفيمن روى عنهم وهم ثقات أيضا وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت يلزم اخراجه ، وعن بعضهم مدخول لا يصح إخراجه الا في الشواهد والمتابعات وهذا باب فيه غموض . وطريقة معرفة طباق الرواة عن راوي الأصل ومراتب مداركهم ولنوضح ذلك بمثال : وهو أن تعلم أن أضحاب الزهري مثلاً على خمس طبقات ، ولكل طبقة منها مزيَّة على التي تليها . وتفاوت فمن كان في الطبقة الأولى فيهي الغاية في الصحة وهو غاية قصد البخاري ، كمالك وابن عيينة ويونس وعقيل الايليين وجماعة ، والثانية شاركت الأولى في العدالة غير أن الأولى جمعت ، بين الحفظ والإتقان . وبين طول الملازمة للزهري بحيث كان منهم من يلازمه في السفر والحضر كالليث بن سعد، والأوزاعي ، والنعمان بن راشد ، والثانية لم تلازم الزهري إلا مدة يسيرة فلم تمارس حديثه وكانوا في الاتقان دون الطبقة الأولى كجعفر بن بُرقان وسفيان بن حسين السلمي ، وزمعة بن صالح المكي ، وهم شرط مسلم على قصد الاستيعاب (55). وقد يخرج البخاري عن أعيان الطبقة الثانية كما تقدم وأما مسلم فيخرجها على سبيل الاستيعاب وقد يخرج حديث من لم يسلم من غوائل الجرح ، إذا كان طويل الملازمة لمن أخذ عنه كحماد بن سلمة في ثابت . البناني فإنه لكثرة ملازمته له وطول صحبته إياه صارت صحيفة ثابت على ذكره وحفظه بعد الاختلاط كما كانت قبله وعمل مسلم في هذه كعمل البخاري في الثانية (56) (55) أنظر السيوطي: تدريب الراوي ص 69 وشروط الأئمة الخمسة ص 56 - 57. (56) أنظر السخاوي فتح المغيث 47/1 42 وعلى أية حال فكتاباهما أصح الكتب باتفاق أهل السنة ، وذلك من حيث الأهمية وان كان بعض المغاربة يفضل كتاب النسائي على البخاري كما يرى ذلك أبو مروان الطبني ويرويه عن بعض شيوخه (57) فذلك راجع إلى اعتبار آخر من حيث التقسيم والتبويب لا من حيث الصحة وسنذكر وجه التفضيل كما يراه الطبني وأشياخه قريبا. وقد انتقد بعض العلماء كالنسائي والدارقطني وغيرهم رجالا وأحاديث في الصحيحين الا أن الحق بالجملة معهما - أعني البخاري ومسلم . -. وبقيا هما المقياس لكل كتاب حديثي قبلها وبعدهما ولهذا فقد نالا من العناية والدّرس والبحث والتمحيص مالم يحظ به كتاب آخر على وجه الأرض سوى القرآن الكريم . وقد قصد البخاري في صحيحه إبراز فقه الحديث الصحيح واستنباط الفوائد منه وعلى هذه الفوائد بنى تراجمه وأبوابه وهذا ما دعاه الى تعليق بعض الأحاديث أحياناً ، فيذكر المتن بغير إسناد أو يحذف من أول الاسناد واحداً فأكثر .. وقد يكرر الحديث في مواقع كثيرة يشير في كل موضع إلى فائدة جديدة تُستنبط من الحديث ولم يُخله من ذكر فتاوى الصحابة والتابعين ، مع الاستدلال بكثير من الآيات القرآنية الكريمة ، حتَّى اشتهر بين العلماء فقه البخاري في تراجمه (58) . وأما مسلم فقد سار على أسلوب آخر غير منهج البخاري - وذلك انه (57) أنظر السخاوي : فتح المغيث 31/1. (58) أنظر ابن حجر العسقلاني هدى الساري 19/1 والعتر ، منهج النقد عند المحدثين ص 234 ٠١ ٢ 43 لم يقصد فقه الحديث بل قصد إبراز الفوائد الاسنادية في كتابه وزيادة معرفة الرواة بعضهم على بعض في المتن أو الاسناد ولهذا فهو يروي الحديث في أنسب المواضع ويجمع طرقه وأسانيده في ذلك الموضع - ويبين ما بينها من تفاضل بينما البخاري يفرق الحديث في مواطن متعددة . ويرويه في كل موطن بإسناد جديد ما أمكن (59) . فمن أراد التفقه فيجد في كتاب البخاري بغيته ومن أراد معرفة الأسانيد وسياقاتها ودقتها فيجد في مسلم طلبته ، قال أبو جعفر بن الزبير : أولى ما أُرشد إليه ما اثَّفق المسلمون على اعتماده وللصحيحين فيها شفوف وللبخاري لمن أراد التفقه مقاصد جليلة (60) وأما سنن النسائي فقد أطلق عليها اسم الصحيح حفاظ أعلام منهم : أبو عبد الله بن منده ت 395هـ وابن السكن صاحب الصحيح والسنن ت 353هـ وأبو علي النيسابوري والحافظ أمير المؤمنين في الحديث أبو الحسن الدارقطني ت 385 هـ وهو صاحب الالزامات والانتقادات على الصحيحين وتلميذ النسائي ابن عدي صاحب الكامل في الجرح والتعديل ت 365 هـ، والخطيب البغدادي ت 463هـ وآخرون. يقول أبو عبد الله بن رشيد : كتاب النسائي أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفا ، وأحسنها ترصيفا ، وقد قال بعض المكيين من شيوخ ابن الأحمر : إنَّه أشرف المصنفات كلها ، وما وضع في الاسلام مثله (61) وإن كان كلام هذا المكي يعتمد بالدرجة الأولى على الذوق الا أن له نصيباً كبيرا من الصحة في الميزان العلمي وبيان ذلك كالتالي : . (59) أنظر العتر منهج النقد عند المحدثين ص 236 ومحمد عجاج الخطيب أصول الحديث .317 (60) أنظر السخاوي فتح المغيث 83/1 والسيوطي زهر الربي 3/1. (61) أنظر السخاوي فتح المغيث 84/1. وانظر فهرست ابن خير ص 117 فقد ساقه بإسناده إلى عبد الرحيم المكي . 44 يعتبر الامام النسائي من المتشددين في الجرح كما نص على ذلك غير واحد من الحفاظ منهم الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى (62) وله كلمة جدّ قيمة تصوّر نفسية هذا الإمام ومشاعره تجاه الذين يستحقون الرواية عنهم من المحدثين إذ يقول ( أمناء الله عز وجل على علم . رسول اللّه عَ لمل ثلاثة؛ شعبة ابن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان، ومالك بن أنس قال : والثوري إمام الا أنه كان يروي عن الضعفاء ، قال : وما أحد عندي بعد التابعين أنبل من مالك بن أنس ، ولا أحد آمن على الحديث منه ، ثم شعبة في الحديث ثم يحيى بن سعيد القطان ليس أحد آمن على الحديث من هؤلاء الثلاثة ، ولا أقل رواية عن الضعفاء منهم)(٥) فهذا النص تراه يجعل الابتعاد عن الرواية عن الضعفاء جزءاً من مكملات الإمامة وهذا ما يفسر لنا ، تجنبه لحديث ابن لهيعة وقد كان بين يديه كله وأمثال ذلك من تشدده رحمه الله. وقد ظهر أثر ذلك واضحا في سننه وقد قسم الحافظ أبو الفضل ابن طاهر المقدسي أحاديث المجتبى ثلاثة أقسام ومثله أبو داوود ، القسم الأول الصحيح المخرج في الصحيحين - وهو أكثر كتابه - الثاني صحيح على شرطهما ، والقسم الثالث أحاديث أبان عن علتها بما يفهمه أهل المعرفة (63) . وتشدده هذا دعاه إلى ترك عدد لا بأس به من الرجال الذين أخرج لهما الشيخان في الصحيح فجاءت أسانيده نظيفة نقيَّة، حتَّى إنه ابان عن العلل الدقيقة في الأسانيد الصحيحة وان كانت لا تقدح في الصحة دقة منه ومعرفة مما يعطي لسننه وجها جديدا. (62) أنظر تهذيب التهذيب 147/2 . (*) أنظر ملحقات الضعفاء والمتروكين للنسائي ص 123 والانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء ص 31 . (63) أنظر زهر الربَى على هامش السنن 3/1. وانظر شروط الأئمة الستة ص 14. 45 وقد ذكر أبو عمرو بن الصلاح في مقدمته عن أبي عبد الله بن منده أنه سمع محمد بن سعد الباوردي بمصر يقول : كان من مذهب أبي عبد الرحمن النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه قال ابن منده : ومثله أبو داوود (64) . وقوله : كل من لم يجمع على تركه مذهب متَّسع ، وقد حاول الحافظ ابن حجر أن يلتمس لذلك مخرجاً للنسائي الذي عرف بتشدُّده فقال : إنَّ ذلك اجماع خاص وذلك ان كل طبقة من نقّاد الرجال لا تخلو من متشدّد ومتوسط ، فمن الأولى شعبة وسفيان الثوري ، وشعبة أشدَّ منه ، ومن الثانية يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي ، ويحيى أشد من عبد الرحمن ، ومن الثالثة يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ، ويحيى أشد من أحمد ، ومن الرابعة أبو حاتم الرازي والبخاري وأبو حاتم أشدُ من البخاري ، فقال النسائي : لا يترك الرجل عندي حتَّى يجتمع الجميع على تركه ، فإذا وثقه ابن مهدي وضعفه يحيى القطان مثلا لا يترك لما عرف من تشديد يحيى ومن هو مثله في النقل ، يقول الحافظ : وإذا تقرر ذلك ظهر أن الذي يتبادر إلى الذهن من أن مذهب النسائي في الرجال مذهب متسع ليس كذلك ، فكم من رجل أخرج له أبو داوود والترمذي تجنّب النسائي إخراج حديثه ، بل تجنب اخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين (65) وأنظر مثلاً على ذلك اسماعيل بن أبي أويس ابن أخت مالك فقد احتج به الشيخان وروَى له الباقون من الستة ما عدا النسائي . بل إن الإمام الدارقطني جمع أسماء الذين ضعفهم النسائي وأخرج لهم الشيخان في صحيحيهما (66). (64) أنظر ابن الصلاح المقدمة ص 110. (65) أنظر السيوطي زهر الربَى على هامش السنن 3/1. (66) أنظر تاريخ التراث العربي لسزكين 514/1 وذكر أن المخطوط موجود بسراي أحمد الثالث .. 46 وهذا الأمر يتأكد لنا من خلال سبر الذهبي الذي يعد قمة الاستقصاء في علم الرجال وخصوصا رجال الستة: لم يجتمع. اتنان - من المتقدمين - على توثيق ضعيف ، ولا تضعيف ثقة. فيهذا يظهر أن النسائي أخرج أحاديث الثقات فقط ، والآخرون نص على ضعفهم كما يظهر من خلال سننه. فإذا تتبعناها وجدنا أنه يتوخى إخراج أقوى ما في الباب من الأحاديث ، ويعتمد العدالة والضبط في الحديث بقطع النظر عن المعتقد والاتجاه المذهبي فقد روى عن الجوزجاني مثلا ، وفيه انحراف عن علي وأهل الكوفة (67)، وهو ميال الى التشيع كما تقدم . وأخرج عن عمر بن سعد بن أبي وقاص المدني ، وهو الذي كان أميراً على الجيش الذي قتل الحسين بن علي رضي اللّه عنهما . وكذلك وثق أسد بن وداعة وهو ناصبي شديد النصب (68) كما روى عن الأجلح - في اليوم والليلة - وكان مسرفاً في التشيع (69) ، وروى عن شمر بن عطية الأسدي ـ في اليوم والليلة ــ وكان عثمانيا جدّاً (70). وروايته عن الشيعة الحفاظ الضابطين ولو كانوا مسرفين فكثيرة خصوصا في مسند علي كما يتبين لنا من خلال كتب الرجال لأن المسند لم نره - كما تقدم ذلك -. (67) أنظر الذهبي تذكرة الحفاظ 549/2. (68) أنظر ابن حجر تقريب التهذيب 56/2 . وانظر ميزان الاعتدال 207/1 ، والنواصب هم المنحرفون عن علي كرّم الله وجهه . (69) أنظر الحديث رقم 615 من كتابنا هذا. (70) أنظر الحديث رقم 808. 47 وإننا لنلاحظ ان القسم الثالث من الأحاديث التي أخرجها وفيها ضعاف كان يخرجها لأنه لم يجد غيرها أو ذكرها لزيادة فيها على الأحاديث الصحيحة ، كما بين ذلك رحمه اللّه فانظر مثلا قوله : أخبرنا أبو حاتم السجستاني قال : حدثنا عبد الله بن رجاء قال : حدثني سعيد بن سلمة قال : حدثني عمرو بن أبي عمرو ، مولى المطلب بن عبد اللّه بن المطلب عن أنس بن مالك أن رسول اللّه عَ لّم كان إذا دعا قال: اللهم اني أعوذ بك من الهم والحزن ، والعجز والكسل ، والبخل والجبن ، وضلع الدين وغلبة الرجال ، قال أبو عبد الرحمن : سعيد بن سلمة شيخ ضعيف ، وإنما أخرجناه للزيادة في الحديث (71) وكان قد أخرجه بإسناد آخر من غير طريق سعيد بن سلمة . وكما في حديث الخطبة قبل يوم الترويه الذي رواه جابر بن عبد الله، وفيه إرسال سيدنا علي رضي الله عنهما إلى الموسم، وقراءة سورة براءة وأبو بكر أمير الموسم ، فعقب ذلك بقوله : قال أبو عبد الرحمن : ابن خثيم - عبد الله بن عثمان بن خثيم - ليس بالقوى في الحديث وإنما اخرجت هذا لئلا يجعل ابن جريح عن أبي الزبير، وما كتبناه إلا عن اسحق بن ابراهيم ، ويحيى بن سعيد القطان لم يترك ابن خثيم ولا عبد الرحمن ، الا ان علي بن المديني قال : ابن خثيم منكر الحديث ، وكأن علي بن المديني خلق للحديث ومن هذا النص يتبين لنا صواب وجهة النظر التي تبناها ابن حجر في الاخراج عمن لم يجمع على تركه أولاً ثم ميل النسائي إلى التشدد ثانيا . وهذا يدعونا إلى التأكيد بأنه في تعليله للأحاديث وتنويعها لا يخرج عن شرطه الذي رسمه لنفسه فلا يرتضي تعليل حديث برجل واهٍ أو (71) أنظر المجتبى 258/8. 48 متروك ، فإن كان ضعيفا بينه ويختار الترجيح على طريقة الأحفظ والأكثر، حتَّى إن العلامة محمد بن اسماعيل الأمير في توضيح الأفكار يقول : (72) لا يخفى انه قال أئمة هذا الشأن في سنن النسائي الكبرى بقولين: الأول أن شرطه فيها أشد من شرط الشيخين ، الثاني أن شرطه فيها شرط سنن أبي داوود وهو إخراج حديث من لم يجمع على تركه .... (73) . والرأي الثاني هو الصواب والحق وإن كان في الكبرى قد أخرج عن رجال لم يخرج لهم في المجتبى لكنهم في واقع الأمر على شرطه. وهو في الغالب لا يسكت عن الضعيف بل يبينه بما يستحق. وأظهر في هذا الجانب براعة فائقة وبصيرة نافذة ، ومن تتبع كلامه في هذا الجانب تحيّر من حسن كلامه كما قال الحاكم النيسابوري ، فانظر مثلا قوله في عمرو بن أبي عمرو : ليس بالقوي في الحديث وان كان قد روى عنه مالك ، تجده في غاية اللطافة وقوله : سفيان في الزهري ليس بالقوي وهو سفيان بن حسين ، وقوله في محمد بن الزبير الحنظلي ضعيف لا تقوم بمثله حجة ، وقد اختلف عليه في هذا الحديث ، ثم بدأ يسوق اختلاف رواياته التي اضطرب بها مبرزا دليله على ذلك (74) . وهو في صنيعه هذا قد فاق أصحاب الكتب الستة لأن الامام البخاري لا يعرج على ذلك وأما مسلم فيعنى بالأسانيد لزيادات في ألفاظ المتون ، وأما أبو داوود فكانت عنايته منصَّبة على إخراج أحاديث الأحكام وكفى ، وأما الترمذي فكتابه فيه الكثير من الصنعة الحديثيَّة وبعض البيان (72) أنظر المجتبى 248/5. (73) أنظر توضيح الأفكار 221/1. (74) أنظر المجتبى 28/7. 49 للعلل مع بيان مذاهب الفقهاء إلا أنه أخرج عن رجال تحاشى النسائي وأبو داوود الإخراج لهما وأما النسائي ، فيعنى بكل ذلك ، ويبين العلل ، ويبرز أوهام الحفاظ الأعلام فتجد في كتابه مالا تجده في غيره من هذا الجانب ، والجوانب الأخرى لا يقصر عنهم فيها وإليك بعض الأمثلة يقول : أخبرنا محمد بن المثنى قال : حدثنا الأنصاري قال : حدثنا محمد بن عمرو عن أبي الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت قال : نزلت هذه الآية ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها .. الآية كلها بعد الاية التي نزلت في الفرقان بستة أشهر قال أبو عبد الرحمن : محمد بن عمرو لم يسمعه من أبي الزناد. أخبرنا محمد بن بشار عن عبد الوهاب قال : حدثنا محمد بن عمرو عن موسى بن عقبة عن أبي الزناد عن خارجة بن زيد عن زيد في قوله ( ومن يقتل مؤمناً متعمدا فجزاؤه جهنم ... ) قال : نزلت هذه الآية بعد التي في الفرقان بثمانية أشهر ( والذين لا يدعون مع اللّه إلهاً آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ... ) قال أبو عبد الرحمن : أدخل أبو الزناد بينه وبين خارجه مجالد بن عوف. أخبرنا عمرو بن علي عن مسلم بن ابراهيم فقال : حدثنا حماد بن سلمة عن عبد الرحمن بن اسحق عن أبي الزناد عن مجالد بن عوف قال : سمعت خارجة بن زيد بن ثابت يحدث عن أبيه أنه قال :... وساق الحديث (75) . وبيانه للعلل جعله يتكلم كثيرا في الجرح والتعديل الذي تلقفه الأئمة (75) أنظر المجتبى 88/7. 50 من بعده فاعتمدوه وجعلوه حجة في التعديل أو التجريح فإذا أخذت كتابا من كتب الرجال فقلما تجد رجلاً إلا وقد أبدى فيه رأيه نقلوا ذلك من سنته ومن كتبه الأخرى وانهم ليجعلون تعديله حجة وتوثيقه معتمداً وكذلك جرحه لأنه كان في غاية التحري والدقة حتَّى إن قصته مع أحمد بن صالح المصري التي لم يوافقه عليها الجمهور قالوا عن ذلك ان كلامه حق لكنه من باب عين السخط تبدي المساويا ، وذلك مغمور في فضائل أحمد بن صالح المصري وفي هذا يقول أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى : قلت : النسائي إمام حجَّة في الجرح والتعديل وإذا نسب مثله إلى مثل هذا كان وجهه أن عين السخط تبدي مساوئ لها في الباطن مخارج صحيحة تعمى عنها بحجاب السخط لا أن ذلك يقع من مثله تعمدا لقدح يعلم بطلانه (76) وذلك أن أحمد بن صالح كانت آفته الكبر وشراسة الخلق وأقول لو كان ذلك بغير حق لكان مغمورا في بحر فضائل أبي عبد الرحمن رحمه الله لأن الإنسان مهما بلغ لا يمكنه الانسلاخ من بشريته. وقد قيل : إن النسائي يخرج عن رجال مجهولين حالاً أو عينا وواقعٍ الأمر ان إخراجه عن هذه الطائفة لا تغض من قيمة مصنفه خصوصاً المجهولي الحال ، وذلك مذهب لعدد من المحدثين أصحاب الصحاح منهم ابن حبان في صحيحه ومذهبه أن الراوي المجهول الحال إذا روى عن ثقة وروى عنه ثقة ولم يأت بما ينكر اعتبر حديثه صحيحاً ووثقه وكتابه الثقات ملئ بهؤلاء. وهو مذهب معقول مقبول ارتضاه غير واحد من الأئمة منهم أمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني وعدَّه من قبيل ادخال الحسن في قسم الصحيح وذلك اصطلاح ولا مشاحة فيه . (76) أنظر المقدمة ص 351. 51 كما أن شيوخه مجهولي الحال والعين كان ابن حجر العسقلاني يرتضي رواية النسائي عنهم توثيقا وتعديلا ورفعا للجهالة عنهم أنظر مثلا ترجمة أحمد بن يحيى بن محمد بن كثير الحرّاني تجده يقول مستدركاً على الذهبي في قوله لا يعرف قلت : بل يكفي رواية النسائي عنه في التعريف بحاله توثيقه له (77). وقال الحافظ في بذل الماعون في فضل الطاعون عن أبي بلج يحيى الكوفي الكبير. يكفي في تقويته توثيق النسائي وأبي حاتم مع تشددهما. بل إن الحافظ صلاح الدين العلائي يقول تعليقاً على حديث أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود ، وفي اسناده عبد الملك بن زيد . ( عبد الملك بن زيد هذا قال فيه النسائي ، لا بأس به ووثقه ابن حبان ، فالحديث حسن إن شاء الله تعالى، لاسيما مع إخراج النسائي له ، فإنه لم يخرج في كتابه منكراً ولا واهياً ولا عن رجل متروك) وفي ميزان الاعتدال في ترجمة أحمد بن عبد الرحمن البسري أبي الوليد - وقد أخرج له الترمذي والنسائي وابن ماجه - قال الخطيب : وأبو الوليد ليس حاله عندنا ما ذكر أبو بكر الباغندي عن السكري ، بل كان من أهل الصدق حدَّث عنه النسائي، وحسبك به (٥) . ومن انتقاء النسائي وشدَّة تحريه استنتج التهانوي نتيجة هامة حيث قال في كتابه قواعد في علوم الحديث: وكذا من حدَّث عنه النسائي فهو ثقة وَتقيد هذه القاعدة في حالة عدم تضعيفه هو له ، وقال أيضاً ، وكذا من أخرج له النسائي في المجتبى وسكت عنه فهو حجة !(=w). (77) أنظر تهذيب التهذيب 89/1. وأنظر قواعد في علوم الحديث للتهانوي ص 188. و ص 73. (٥) الميزان 115/1. (٥ ٥) انظر قواعد في علوم الحديث ص 222 . 52 وبالجملة فالمجتبى - ويلتحق به السنن الكبرى - أقل الكتب الستة بعد الصحيحين حديثا ضعيفاً (78)، على أنه إذا جردت السنن من الأحاديث التي ضعفها مصنفها لبقيت كلها صحيحة ولا تنزل عن درجة الصحيحين وإن كنا لا ننسى أن المجتبى قد عده كثير من العلماء بهذه المرتبة. كما أنه لم ينقل عن أحد من العلماء أنه ذكر حديثاً موضوعا في سنن النسائي إلا ما كان من صنيع ابن الجوزي فإنَّه ذكر حديثا واحداً وقد ردًّ عليه بينما ذكر عدة أحاديث من بقية السنن؛ أربعة من سنن أبي داوود وثلاثة وعشرين من الترمذي وستة عشر لابن ماجه ، وحديثا من صحيح مسلم وهو ما رواه من طريق أبي عامر العقدي عن أفلح بن سعيد بن عبد اللّه بن رافع عن أبي هريرة رضي الله قال: قال رسول اللّه عَ له : إن طالت بك مدة أوشك أن ترى قوماً يغدون في سخط اللّه ويروحون في لعنته في أيديهم مثل اذناب البقر، ومنها حديث في صحيح البخاري من رواية حماد بن شاكر، وهو حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه : كيف بك يا ابن عمر إذا عُمِّرت بين قوم يخبئون رزق سنتهم (79)، ويحتج الطبني والقاضي ابو الوليد يونس بن عبد الله بقولها : من صرح باشتراط الصحة فقد جعل للجدال موضعا فيها وجعل لمن يستدرك سببا إلى الطعن على ما لم يدخل (80). 2 - مقصد النسائي في سننه : النسائي شافعي المذهب من فقهائه وكانت المعركة في عصره محتدمة حامية لبناء الفقه الاسلامي طبقا (78) أنظر السخاوي فتح المغيث 84/1. (79) أنظر السيوطي ، تدريب الراوي 82. (80) من ظهر النسخة القديمة التي كتبت في القرن السادس موجودة بالخزانة الملكية بالرباط ( رقم 5637 ) 53 للاستدلال الصحيح وكان الفقهاء يرجعون إلى المحدِّثين فى هذا الجانب ، فكان النسائي يقصد في سننه جمع ما ثبت عن رسول اللّه عَ له مما يمكن أن يستدل به الفقهاء ولكنه لم ينس نفسه كمحدث فجمع بين الفقه والحديث وسار على هذه الطريقة الدقيقة التي تجمع بين الاستدلال والاسناد ، ورتب الأحاديث على الأبواب ووضع لها عناوين تبلغ من الدقة منزلة بعيدة ومن التفصيل سعة كبيرة ((8) وسلك طريقة جمع الأسانيد في مكان واحد كصنيع الامام مسلم بن الحجاج ليبرز ما فيها فكان في حقيقة الأمر جامعاً بين طريقتي البخاري ومسلم ومن هنا جاء تفضيل من فضَّله على البخاري لأن البخاري يفرق الحديث الواحد في أماكن متعددة وفي غير مظانه بما يعسر الكشف عنه ، ولا يبرز الفوائد الاسنادية والعلل الحديثيّة ومسلم بعكسه يسوق الحديث سرداً دون تبويب . فالجانب الفقهي في السنن يتجلَّى من خلال النقاط التالية : 1 - بكثرة التفريعات والتفصيلات في الباب الواحد بحثا عن السنن حتَّى إن القارئ ليشعر انه يتناول كتابا يخرج للفقهاء آراءهم ويبين مستندهم حتَّى في أدق الأشياء فخذ مثلا كتاب السهو تجد أبوابه كالتالي : التكبير إذا قام من الركعتين ، باب رفع اليدين في القيام إلى الركعتين الاخريين ، باب رفع اليدين للقيام إلى الركعتين الأخريين حذو المنكبين ، باب رفع اليدين وحمد الله والثناء عليه في الصلاة وباب السلام بالأيدي في الصلاة ، باب رد السلام بالإشارة في الصلاة ، النهي عن مسح الحصى في الصلاة ، باب الرخصة فيه مرة ، النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة ... الخ. وهكذا فإنك تعيش مع تفريعات الفقهاء ودقائقهم وهذا ما دعاه إلى (81) العتر منهج النقد عند المحدثين، ص 258. 54 تكرير الحديث الواحد عدة مرات أحيانا وعلى سبيل المثال فقد كرر حديث النية (إنما الأعمال بالنيات ) ست عشر مرة حتَّى قيل : انه أكثر الكتب تكرارا للأحاديث (82) .. 2 - لا يُخْلي كتابه من النقل عن الفقهاء وان كان ذلك قليلا كما في 314/8 حيث ينقل عن مسروق فتوى في الهدية والرشوة وفي شرب الخمر وكما في 334/8 حيث ينقل عن ابراهيم النخعي وغيره وفعل ذلك في مواضع أخر من كتابه . 3 - يقتصر في أحيان كثيرة على موضع الشاهد من الحديث وهي نزعة إلى الفقه أقرب منها إلى الحديث. 4 - يسوق الأحاديث المتعارضة في الباب إذا صحت عنده ليقيم الدليل على صحة العملين كما فعل في الاسفار بالفجر ، والتغليس به أنظر 271/1 وكما في قراءة البسملة وترك قراءتها أنظر 134/2 وهما مسألتان شغلتا فقهاء الشافعية والحنفية وغيرهما زمنا طويلا وسودت فيها دواوين ومصنفات كثيرة حتَّى يومنا هذا . 5 - ينقل لنا صور كتب فقهية في المزارعة ، والشركات والتدبير والمكاتبة وغيرها بعيدة تماما عن المنهج الحديثي وهي عمل فقهي محض من ذلك مثلا قوله : قال أبو عبد الرحمن : كتابة مزارعة على أن البذر والنفقة على صاحب الأرض ، وللمزارع ربع ما يخرج الله عز وجل منها ، هذا كتاب كتبه فلان بن فلان بن فلان في صحة منه وجواز أمر لفلان بن فلان أنك دفعت إلى جميع أرضك التي بموضع كذا في مدينة كذا مزارعة وهي ... وساق تتمته في صفحتين كبيرتين على الطريقة الفقهية - (82) أنظر منصور على ناصف التاج الجامع للأصول الجزء الأول ، المقدمة. 55 (83) الدقيقة كما أنه تحدث عن أنواع الشركات ، العنان والمفاوضة والأبدان . ودَوَّن لنا صورة عقود كتابة هذه الشركات ثم دون لنا عقد التفريق بين الزوجين وصورة عقد كتابة المملوك ، وتدبيره ، وِتْقَه وهي فوائد عظيمة تشكل معالم هادية أمام تطور الفقه الاسلامي . وللمستشرق الألماني بروكلمان كلمة في هذا الجانب عن النسائي صحيحة إلى حد كبير إذ يقول فيها : وجمع النسائي في سننه كل ما يتعلق بالحياة الدينية من أحاديث على وجه التفصيل والاستقصاء حتَّى لقد ذكر جميع الادعية والأذكار التي تقال في الركعات والسجدات وما بين ذلك كما روى أحاديث كثيرة لما يقال في الاستعاذات ونحوها ، وأورد في ابواب التشريع صيغا ونصوصا مما يجري في جميع أنواع المعاملات (84) وما شاكل ذلك. أما الجانب الحديثي فيتجلى في الأمور التالية : 1 - في سياق الروايات وبيان الخلافات في الأسانيد والمتون وهذا كثرة كثيرة تلفت انتباه القارئ ولابد لي من القول أنه حين يسوق الروايات المتعارضة يرجح بينها اعتمادا على الأحفظ ، والأكثر كما نص على ذلك الحافظ بن حجر في كتابه الأمالي ((نتائج الأفكار)) وغيره (85) وكما يظهر من خلال أقواله واختياراته. 2 - نقده للمتون التي ظاهرها الصحة وتعليله لها - فمثلا في 49/3 يقول : قال أبو عبد الرحمن أنبأنا قتيبة بهذا الحديث مرتين ، ولعله (83) أنظر 52/7. (84) أنظر تاريخ الأدب العربي 196/3. (85) أنظر صفحة 45. 56 أن يكون قد سقط عليه منه شطر، وفي 170/6 يقول : هذا خطأ والصواب مرسل، ويكثر من هذه الصيغة في ثنايا كتابه . 3 - بيانه للأسماء والكنَى التي تلتبس في الأسانيد وهذه قد أكتر منها الترمذي في جامعه وكذلك النسائي فإنه قد ضرب فيها بحظ وافر مثلا في 49/5 يقول : قال أبو عبد الرحمن : أبو عمار اسمه عريب بن حميد ، وعمرو بن شرحبيل يكنى أبا ميسرة وأمثال هذا كثير. 4 - محافظته على سياق الأحاديث باسنادها فيندر أن تجد معلقا ولعلي لم أجد سوى موضعين في المجتبى هما في صورة المعلق ويمكن أن يحملا على الاتصال خلافا للبخاري الذي أكثر من البلاغ والمعلق والمقطوع . 5 - استعمل كثيرا من الاصطلاحات الحديثيَّة السائدة في عصره وعقب بها على الأحاديث ولهذا فائدة هامة جدا إذ تعطينا تصوراًعن مصطلحات القوم في تلك الفترة ، وأكثر من ذلك وأهم المصطلحات التي استعملها : حديث منكر، غير محفوظ ليس بثابت حديث صحيح ، محفوظ خطأ فاحش ، مرسل مسند إسناده حسن وهو منكر .... الخ. 6 - نثره للجرح والتعديل عقب الأسانيد مبيّناً حال بعض الرواة وهذا غير موجود في البخاري ولا مسلم ويندر جدا في سنن أبي داوود وابن ماجة ويوجد بقلة في جامع الترمذي . وبهذا كله استحق كتاب النسائي التقديم على أبي داوود والترمذي ومن باب أولى على ابن ماجة فإن كان أبو داوود قد صب عنايته على أحاديث الأحكام فإنه قد أخرج الواهي والضعيف ، وقد قال هو في رسالته إلى أهل مكة في بيان تأليف السنن : ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه وما 57 كان فيه وهن شديد بينته وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح وبعضها أصح من بعض . وكتابه وكتاب النسائي متقاربان متنافسان وشرطهما في الرجال متشابه كذلك كما تقدم. وأما الترمذي فقد كان متساهلا أكثر إذ أخرج عن رجال تحاشى النسائي وأبو داوود الإخراج عنهم لكنه عني كثيرا بالصنعة الحديثية . ومما ينبغي ذكره أن النسائي قد جمع كتابه من أصول مكتوبة كما تبين لي ذلك من خلال ماقاله في عدد من المواضع منها مثلا في كتاب النكاح من المجتبى (باب إذا استشارت المرأة رجلا فيمن يخطبها) قال أبو عبد الرحمن وجدت هذا الحديث في موضع آخر عن يزيد بن كيسان ان جابر بن عبد اللّه حدّث والصواب أبو هريرة. أعلى ما عنده وأدنى ما عنده : وأنهي هذا الفصل ببيان أعلى ما عنده من الأسانيد وأدنى ما عنده لأن عناية المحدثين قد شغلت بذلك ، ولأنه لصيق بهذا المبحث فنظرا لتأخر وفاة النسائي أولا ولتأخره في الميلاد ثانيا عن زملائه أصحاب الخمسة فقد فاته شيوخ كبار أخذوا عنهم أمثال يحيى بن معين وعلي بن المديني وأحمد بن حنبل وغيره ولهذا فلم يقع له أسانيد ثلاثية ( أي ثلاثة رجال بينه وبين النبي عَ لٍ ) كما وقع للبخاري بلغت اثنين وعشرين حديثاً (86) ، وكما وقع للترمذي ولابن ماجه فالترمذي عنده حديث واحد (87) وابن ماجه عدة أحاديث لكنها من طرق واهية لا يفرح بها من طريق جبارة بن المغلس (88) (86) أنظر القنوجي ( صديق حسن خان) الحطة ص 86. (87) هو حديث أنس بن مالك يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر ، أخرجه في كتاب الفتن . وأنظر المباركفوري . تحفة الأحوذي المقدمة ص .172 (88) جبارة بن المغلس ضعيف كذبه ابن معين وقال أبو حاتم هو على يدي عدل وقال البخاري مضطرب الحديث لكن ابن نمير قال عنه صدوق أنظر الخلاصة ص 55. 58 وأعلى ما عند النسائي أسانيد رباعية هذا من جانب العالي ، أما من الجانب النازل فقد كان النسائي كما قدمنا يبحث عن نظافة الاسناد وصحته أكثر مما يبحث عن العالي والنازل وهذا يظهر من خلال تصرفه في المجتبى وقد روى من طريق عبد الله بن الإمام أحمد حديثين وتوفي عبد اللّه سنة تسعين بعد المائتين . ولا يأنف من ذلك حين يروي عن اقرانه إذا تحقق فيهم شرطه ، ولهذا نزلت اسانيده إلى عشرة رجال وهي أدنى ما عنده وليس عند الخمسة عشاريات في الأسانيد سوى الترمذي فعنده بعض الأحاديث العشارية حتَّى انه قال. عقب حديث عشاري لا أعرف حديثا صحيحا باسناد أطول من هذا. وتأمل صنيع النسائي حين يروي من طريق البخاري وهو من أقرانه ، وأحيانا ينزل إلى أن يروي عن رجل عنه (89). ومع ذلك فهذه العشاريات لم تغض من قيمة سنته بل نص المحدثون على ان اسنادا صحيحا بنزول خير من اسناد عالٍ من طريق ضعيفة (90). (89) أنظر ابن حجر هدي الساري 205/2. (90) أنظر السخاوي فتح المغيث 3/3 والسيوطي تدريب الراوي ص 358 . وغيرها. 59 الفصل الرابع حقيقة السنن الكبرى والصغرى 1 - روى السنن عن النسائي كثيرون اشتهر منهم عشرة ذكرهم الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب وهم : 1) ابنه عبد الكريم . 2) أبو بكر أحمد بن محمد بن اسحق ابن السني . 3) أبو علي الحسن بن الخضر الأسيوطي . 4) الحسن بن رشيق العسكري . 5) أبو القاسم حمزة بن محمد بن علي الكناني . 6) أبو الحسن محمد بن عبد الكريم بن زكريا بن حيَّوية . 7) محمد بن معاوية الأحمر. 8) محمد بن قاسم الأندلسي. 9) علي بن أبي جعفر الطحاوي. 10) أبو بكر أحمد بن محمد بن المهندس. قال الحافظ ابن حجر: وهؤلاء هم رواة السنن (9)، وقد وجدت من خلال تتبعي للأسانيد أن السنن أو بعضها رويت من طريق آخرين منهم : 1) أبو علي الحسن بن بدر بن أبي هلال. 2) أبو الحسن أحمد بن محمد بن أبي التمام إمام المسجد الجامع بمصر. (91) أنظر تهذيب التهذيب 37/1. 60