النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ (٤٢) كتاب التفسير - (١٦) ومن سورة النور [٢٨٩٤] وعن جابر، أنَّ جاريةً لعبد الله بن أُبيّ يقال لها: مُسَيْكَةٌ، وأُخرى يقالُ لها: أُميمَةُ. فكان يريدهما على الزّنى، فشَكَتا ذلك إلى النَّبِيِّ وَّهِ. فأنزل الله: ﴿ وَلَا تُكْرِهُواْ فَيَتِكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِبِمٌ﴾ [النور: ٣٣]. وفي روايةٍ: كان يقول لجاريته: اذهَبِي فَابْغِيْنا شَيئاً. رواه مسلم (٣٠٢٩) (٢٦ و٢٧)، وأبو داود (٢٣١١). و (قول جابر: إن عبد الله بن أبي كانت له جاريتان: مسيكة وأميمة)، يريدُهما على الزنى. رَوَى غيرُه: أنهن كن ستّاً. قال: معاذة، ومسيكة، وأروى، وقتيلة، وعمرة، ونبيهة(١)، فكن يحملهن على الزنى، ويأخذُ منهن أجورهُنَّ. والفتيات: جمع فتاة، والفتيان: جمع فتى. وهم المماليكُ. والبغاء: الزنى. و (قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنَا﴾ [النور: ٣٣]) أي: عفافاً، ولا دليلَ خطابٍ لهذا الشرط، ولا يجوزُ إكراههن عليه بوجهٍ، سواء أردن تحصُّناً، أو لم(٢) يُرِذن، وإنما علَّق النهي على الإكراه على إرادة التحصُّن؛ لأنَّ الإكراه لا يُصوَّر إلَّا مع ذلك. فأما إذا رغبت في الزنى فلا إكراهَ يُتصوَّر. و (قوله: ﴿وَمَنْ يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]) أي: لمن تاب من ذلك. وكان الحسنُ يقول: غفورٌ لهن والله، لا لمكرهن، مستدلاً على ذلك بإضافة الإكراه إليهن. (١) ورد في التفسير الكبير للفخر الرازي: أميمة بدلاً من نبيهة. (٢) في (ز): لا. ٣٨٢ (٤٢) كتاب التفسير - (١٧) ومن سورة الفرقان (١٧) ومن سورة الفرقان [٢٨٩٥] عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية بمكة: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾، إلى قوله: ﴿مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩]، فقال المشركون: وما يُغْنِي عَنّا الإسلامُ وقد عَدَلْنا باللَّهِ، وقَتلنا النفسَ التي حرّم اللَّهُ، وأَتَيْنا الفواحِشَ؟ فَأَنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلَا صَالِحًا ... ) إلى آخر الآية [الفرقان: ٧٠]. (١٧) ومن سورة الفرقان صفات عباد الرحمن (قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ ... ) الآيتين [الفرقان: ٦٨ - ٦٩]) هذه الآيةُ معطوفةٌ على ما قبلها من الأوصاف التي وصف بها عباد الرحمن، وهو من باب عطف الصِّفات بعضها على بعض، وكذلك ما بعد هذه الآية من الآيات معطوفٌ بعضها على بعض، والكلُّ معطوفٌ على قوله: ﴿الَّذِينَ يَمْثُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوّنًا﴾ إلى أن قال: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ ... ﴾ إلى قوله: ﴿وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٧٥ -٧٦]، وهذه الجملةُ هي خبرُ المبتدأ الذي هو: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٣]، وما بين المبتدأ والخبر أوصافٌ لهم، وما تعلَّق بها، وقد تضمنت هذه الآيةُ مدحَ مَن لم تقعْ منه هذه الفواحشُ الثلاث؛ التي هي: الشِّرك بالله، والقتل: العدوان، والزنى، وذمّ من وقعتْ منه، ومضاعفة العذاب عليه، وهي محمولةٌ على ظاهرها عند الجمهور، وعليه فیکون معنى قوله: ﴿إلا بالحق﴾ أي: بأمر موجبٍ للقتل شرعاً. وذلك الأمرُ هو المذكورُ في قوله وَله: ((لا يحلُّ دمُ امرىءٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنىّ بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان، أو قتل نفس بغير نفس»(١). وقد صَرَفَ هذه الآية عن ظاهرها بعضُ (١) رواه أبو داود (٤٥٠٢)، والترمذي (٢١٥٩)، والنسائي (٩٢/٧). ٣٨٣ (٤٢) كتاب التفسير - (١٧) ومن سورة الفرقان قال: فأمّا مَن دَخَلَ في الإسلام وعَقَلُهُ، ثم قَتَلَ، فلا توبة له. رواه مسلم (٣٠٢٣) (١٩). أهلِ المعاني فقال: لا يليقُ بمن أضافهم الرحمنُ إليه إضافةَ الاختصاص، ووصفهم بما ذكرهم من صفاتِ المعرفة والتشريف، وقوع هذه الأمور القبيحة منهم حتى يُمْدَحُوا بنفيها؛ لأنّهم أعلى وأشرف. فقال: معناها: لا يدعون الهوى إلهاً، ولا يذلُّون أنفسهم بالمعاصي فيكون قَتْلاً لها. ومعنى: ﴿إلا بالحق﴾ أي: إلا بسكين الصبر، وسيف المجاهدة، ولا ينظرون إلى نساء(١) ليست لهم بمحرم بشهوة، فيكون ◌ِفاحاً، بل: بالضّرورة، فيكون كالنّكاح مُباحاً. قلتُ: وهذا كلامٌ رائق، غير أنَّه عند السَّبر مائق(٢)، وهي نبعةٌ باطنية، ونزعةٌ باطليّة، وإنما يصحُّ تشريفُ عبادِ الرَّحمن باختصاص الإضافة بعدَ أن تحلوا بتلك الصِّفات الحميدة، وتخلّوا عن نقائض ذلك من الأوصاف الذَّميمة، فبدأ في صَدْر هذه الآيات بصفات التحلِّي تشريفاً لها، ثم أعقبها بصفات التخلِّي تقعيداً لها. والله تعالى أعلم. وقد تقدَّم القولُ على: ﴿إلا من تاب﴾ وعلی قول ابن عباس في سورة النساء. وفي هذه الآية دليلٌ على: أنَّ الكفارَ مُخاطَبُون بالفروع. وقد الكفار استوفينا ذلك في الأصول، وفي الآية مباحثُ تطول. مخاطَبُون بالفروع (١) في جميع نسخ المفهم (دينا)، وما أثبتناه من تفسير القرطبي، وبه يستقيم المعنى. (٢) ((المائق)): قليل الثبات. ٣٨٤ (٤٢) كتاب التفسير - (١٨) ومن سورة الشعراء (١٨) ومن سورة الشعراء [٢٨٩٦] عن أبي هريرة، قال: لمَّا نَزَلَتْ هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]. دعا رسول الله وَالقه قريشاً، فاجْتَمعُوا، فعمَّ وخصّ. فقال: ((يا بني كعب بنِ لُؤيّ! أنقذُوا أنفسكم من النّارِ! يا بني مُرّةَ بن كَعْبٍ! أنقذُوا أنفسكم من النار! يا بني عَبْدِ شمسٍ! أنقذوا أنفسكم من النار! يا بني هاشمٍ! أنقذوا أنفسكم من النار! يا بني عبد المطلب! أنقذُوا أنفسكم من النار! يا فاطمةُ! أنقذي نفسك من النار! فإني لا أملكُ لكم من الله شيئاً، غير أنّ لَكُم رَحِماً سَأَبُّلُها بيلالها)». رواه البخاريُّ (٤٧٧١)، ومسلم (٢٠٤)، والترمذيُّ (٣١٨٤)، والنسائيُّ (٢٤٨/٦). [٢٨٩٧] وعن عائشة، قالت: لما نزلتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَيِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قامَ رسولُ اللهَ ﴿ على الصَّفا فقال: ((يا فاطمةُ بنتَ (١٨) ومن سورة الشعراء (قوله: ((فإني لا أملكُ لكم من الله شيئاً)) أي: لا أقدرُ على دَفْع عذابه عن لا ينفع القرب أحد، ولا على جَلْب ثوابٍ لأحد، أي: فلا ينفعُ القربُ في الأنساب مع البعد في في الأنساب الأسباب. مع البعد في الأسباب و (قوله: ((غير أن لكم رحماً سأبُّها ببلالها))) أي: سأبلُّها الصلة التي تليقُ بها، فَصِلَةُ المؤمن: إكرامُه، ومَبَرَّته. وصلةُ الكافر: إرشادُه ونصيحتُهُ، وقد تقدَّم القولُ في تفصيل صلةِ الأرحام. و (قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ((ورهطك منهم المخلصين))) ظاهر هذا: أنَّ هذا كان قرآناً يُتلى، وأنه نُسِخ؛ إذ لم يثبت نقلُه في ٣٨٥ (٤٢) كتاب التفسير - (١٨) ومن سورة الشعراء محمدٍ! يا صفَيّةُ بنتَ عبدِ المطلبِ! يا بني عبد المطلب! لا أملكُ لَكُم من الله شيئاً. سَلُوني مِنْ مَالِي مَا شِئْتُم)). رواه أحمد (١٨٧/٦)، ومسلم (٢٠٥)، والترمذي (٣١٨٤)، والنسائي (٦/ ٢٥٠). [٢٨٩٨] وعن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ورَهْطَكَ منهم المخْلَصِين. خرج رسولُ اللهِ﴿ حتى صَعِدَ الصَّفَا، فَهَتَفَ: ((يَا صَبَاحَاه!)) فقالوا: مَنْ هذا الذي يهتفُ؟ قالوا: محمد. فاجتمعوا إليه. فقال: ((يا بني فلانٍ! يا بني فلانٍ! يا بني فلانٍ! يا بني عَبْدِ منافٍ! يا بني عبد المطلبِ!))، فاجتمعُوا إليه فقال: ((أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أنَّ خَيْلاً تَخْرُجُ بِسَفْح هذا الجَبَلِ أُكنُم مُصَدِّقيَّ؟))، قالوا: ما جرَّبْنَا عليك كَذِباً. قال: ((فإني نَذِيرٌ لكُمْ بَيْنَ يَدي عذابٍ شدیدٍ». قال: فقال أبو لهب: تبّاً لك! أمَا جَمَعْتَنَا إلَّا لِهَذا؟ ثم قام. فنزلتْ هذه السورة: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١ - ٥]. وقد تبَّ. هكذا قرأه الأعمش إلى آخر السورة. المصحف، ولا تواتر، ويلزم على ثبوته إشكال، وهو أنَّه كان يلزمُ عليه ألا ينذرَ إلا مَن آمنَ مِن عشيرته؛ فإنَّ المؤمنين هم الذين يُوصَفُون بالإخلاص في دِيْن الإسلام، وفي حُبِّ النبيِّ ◌َ ﴿ لا المشركون؛ لأنهم ليسوا على شيءٍ من ذلك، والنبيُّ ◌َ ﴿ دعا عشيرته كلَّهم - مؤمنهم وكافرهم - وأنذر جميعهم، فلم يثبتْ ذلك نقلاً ولا معنىّ، فالحمدُ لله الذي رَفَع عنا الإشكالَ والعناء. وسفح الجبل: جانبه، وهو بالسين. و (قوله: ﴿تَبَّتْ بَدَآ أَبِ لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]) أي: قد خسرت، والتَّباب: ٣٨٦ (٤٢) كتاب التفسير - (١٨) ومن سورة الشعراء رواه أحمد (٢٨١/١)، والبخاريّ (٤٩٧١)، ومسلم (٢٠٨) (٣٥٥)، والترمذيّ (٣٣٦٣). * الخُسْران، ونَسْب التباب لليد، والمراد صاحب اليد؛ لأنَّ اليدَ أصلٌ في الأعمال. ولهب: فيها لغتان؛ السكون في الهاء وفتحها، واسم أبي لهب: عبد العزَّى، ولُقِّب بأبي لهب لإشراق وجنتيه؛ كأنهما كانتا تلتهبان ناراً. قلتُ: وأولى من ذلك كلِّه أنَّ اللَّهَ تعالى أجرى عليه هذا اللقبَ لعلمه بمآل أمره، وأنه مِن أهل النار، كما أجرى على أبي جَهْل لقب: الجهل، وسَلَبه أبا الحكم، وحُكِي في قولٍ مصيب: لكل امرىء من اسمه نصيب، ألا يقتضي العجب من قوله: ﴿سَيَصْلَ نَارَاذَاتَ لَبٍ﴾ [المسد: ٣]؟ !. و (قوله: ﴿وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]) معطوفٌ على الأوَّل، وكلاهما بمعنى الدعاء، وقيل: الأول: دعاء، والثاني: إخبار بإجابة الدُّعاء فيه، ويُؤْيِّده قراءةُ ابن مسعود، وابن عباس - رضي الله عنهم -: (وقد تب)، وقيل: كلاهما خبر، فالأول: خسرت يداه مُرادَه من الرسول وَلغير؛ إذ كان مراده قتله، وإخفاء كلمته. وتبّ: هو بما أصابه من العذاب، وقيل: تبّ في نفسه، وتبّ في ولده وکسبه؛ إذ لم يُغنيا عنه شيئاً، ولا جرًّا له نفعاً. و (قوله: ﴿حَمَّالَةَ الْخَطَبِ﴾ [المسد: ٤]) الجمهورُ: على رفع حمالة على الصفة أو البدل، أو على أنه خبرُ ابتداءٍ محذوف، وقرأه عاصم بالنصب على الذَّمِّ، ويجوزُ أن يكون حالاً، وسُمِّيت بذلك؛ لأنها كانت تُلْقِي الشوكَ في طريق النبيِّ وَّه لتؤذيه، قاله الضخَّاك. وقيل: لأنها كانت نقَّالةً للحديث نمَّامة، فكانت تشعلُ نارَ العداوة، كما تُشْعَلُ النارُ في الحطب. قال الشاعر: إنَّ يَنِي الأَذْرَمِ حَمَّالُو الحَطَبْ هُمُ الوُشَاةُ فِي الرِّضَا وَفِي الْغَضَبْ ٣٨٧ (٤٢) كتاب التفسير - (١٩) ومن سورة الم السجدة (١٩) ومن سورة: ألَمّ السجدة [٢٨٩٩] عن أبيٍّ بن كعبٍ، في قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ اَلْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١]، قال: مصائبُ الدُّنْيا، والرُّومُ، والبطشة، أو الدخان - شعبة الشالأُ -. رواه مسلم (٢٧٩٩). وقال قتادة: لأنَّ مصيرَها إلى النار كالحطب. يُقال: فلان يحتطبُ على ظهره، أي : يجني على نفسه. و (قوله: ﴿فِي جِيدِ هَا حَبْلٌ مِّن مَّسَلٍ﴾ [المسد: ٥]) الجيد: العُثُق، وجمعه: أجياد. والمسد - هنا -: الليف، وسُمِّي الليفُ مَسَداً؛ لأنَّه يُمْسَدُ منه المسد، وهو: الحبل؛ أي: يُفْتَل. قال الشاعر: أَعُوذُ باللَّهِ مِنْ لَيْلِ يُقَرِّبُنِي إِلَى مَضاجِعِهِ كَالدَّلْوِ بالمَسَدِ أي: الحبل المفتول، وأصلُ المسد: الفتل. يقال: دابة ممسودة؛ أي: شديدة الأسر. أي: يُجْعَلُ في عنقها حبل من نار مفتول، ولعلَّه السلسلة التي قال الله تعالى: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاءًا﴾ [الحاقة: ٣٢]، والله تعالى أعلم. (١٩ و٢٠) ومن سورة ألّم تنزيل السجدة والأحزاب (قول الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١]) فسَّرها أُبيِّ بالأربعة التي ذكرَ، مصائب الدنيا: رزاياها من الأمراض والآلام، وذهاب الأموال والأهلين، ونحو ذلك. والروم: يعني بها قوله تعالى: ﴿الَّمَّ * غُلِبَتِ الرُّومُ ... ﴾ [الروم: ١ - ٢]. والدخان يعني به قوله ٣٨٨ (٤٢) كتاب التفسير - (٢٠) ومن سورة الأحزاب (٢٠) ومن سورة الأحزاب [٢٩٠٠] عن عائشة، في قوله تعالى: ﴿إِذْجَاءُوَكُمْ مِن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذِزَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ اَلْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]. قالت: كان ذلك يومَ الخندق. رواه البخاريُّ (٤١٠٣)، ومسلم (٣٠٢٠). تعالى: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، وقد تقدَّم الخلاف فيه. والبطشة الكبرى: هي ما أوقع الله تعالى بقريش يوم بدرٍ من الأسر والقتل، وقال مجاهد: الأدنى: عذاب القبر، والأكبر: عذاب الآخرة. وقال جعفر الصَّادق: الأدنى غلاء الأسعار، والأكبر خروج المهدي بالسيف. وقال أبو سليمان الدَّاراني: الأدنى: الهوان. والأكبر: الخذلان. و (قوله: ﴿لعلَّهم يرجعون)) أي: لكي يرجعوا عن غيِّهم. قاله الفرَّاء، وعلی مذهب سیبویه: ليصلوا إلى حالٍ يُرجی لهم ذلك. وقوله: ﴿ إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقَّكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠] كان ذلك في غزوة الخندق الذي حفره المسلمون حولَ المدينة برأي سلمانَ، وتسمَّى غزوة الأحزاب؛ لأن الكفّار تحَّبوا أحزاباً وتجمَّعوا جموعاً حتى اجتمع في عددهم خمسة عشر ألفاً من أهل نجد وتهامة، ومِن حولهم أو نحوهم، وحاصروا المسلمينَ في المدينة شهراً، ولم يكن بينهم قتال إلا الرمي بالنّبْل والحَصَى، ونقضتْ قريظةُ ما كان بينهم، وبينَ رسول الله ﴿﴿ من العهد، وحينئذ جاء المسلمين عدؤُهم من فوقهم ومن أسفلَ منهم. وزاغتِ الأبصارُ: يعني مالت عن سَنَن القصد فعلَ المرعوب. وقال قتادةُ: شخصت. وبلغتِ القلوبُ الحناجرَ، أي: قاربت الخروج من الضُّيق والرَّوْع وشدّة البلاء والجَهْد، وکان وقتَ بلاءٍ وتمحيص، ولذلك نجم في كثير من الناس النفاق، وظهرَ منهم الشقاق. ٣٨٩ (٤٢) كتاب التفسير - (٢١) ومن سورة تنزيل (٢١) ومن سورة تنزيل [٢٩٠١] عن عبدِ الله بن مسعودٍ، قال: جاء رجلٌ من أهل الكتاب إلى رسول الله ◌َ﴿ فقال: يا أبا القاسم! إنَّ الله يُمْسِكُ السمواتِ على إصْبَعٍ، والأَرَضينِ على أصبعٍ، والشجرَ والثَّرى على أصبع. و (قوله: ﴿ وَتَظْتُونَ بِاللَّهِ اَلْتُظُنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠]) أي: تشكُّون في الوعد بالنصر، يُخبر عن المنافقين. أو يكون معناه: أنهم خافوا من أن يُخذلوا في ذلك الوقت؛ فإنَّ وقتَ وقوع النصر الموعود غيرَ مُعيَّن. وهذا أحسنُ من الأول، ويُؤيِّده قوله تعالى: ﴿مُثَالِكَ أَبْتُلِى الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَلَا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١]. امتُحنوا بالصبر على الحصار وشِدَّة الجوع، وزلزلوا بالخوف من أن يخذلَهم الله في ذلك الوقت، ويديلُ عدوَّهم عليهم، كما فعلَ يومَ أُحد. وقد تقدَّم الخلاف في غزوة الخندق متی کانت. (٢١) ومن سورة تنزيل(١) (قول اليهوديّ: إن الله يُمسكُ السموات على أُصبع ... الحديث إلى آخره). هذا كلُّه قول اليهودي. لا قولَ النبي ◌َ﴿، والغالب على اليهود أنهم يعتقدون الجسميّة، وأن اللَّهَ تعالى شخص ذو جوارح، كما تعتقده غلاة الحشويّة في هذه المِلَّة، وضِحْكُ النبي ◌َ ﴿ منه إنما هو تعجُّبٌ من جهله، ألا ترى أنه قرأ عند ذلك: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَتَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] أي: ما عرفوه حقَّ معرفته، ولا عظَّموه حقَّ تعظيمه. وهذه الرواية هي الرواية الصحيحة المُحقّقة، فأما رواية من زاد في هذا اللفظ تصديقاً له فليست بشيءٍ؛ لأنها من قول الراوي، وهي باطلة؛ لأنَّ النبيَّ وَّر موقف السلف لا يُصدِّقُ الكاذبَ، ولا المحال، وهذه الأوصاف في حقِّ الله تعالى مُحال، بدليل من صفات الله (١) هي سورة الزمر. ٣٩٠ (٤٢) كتاب التفسير - (٢١) ومن سورة تنزيل ما قدَّمناه غيرَ مرَّة، وحاصلُه أنه لو كان تعالى ذايد(١) وأصابع وجوارح على نحو ما هو المعروف عندنا لكان كواحدٍ منا، ويجبُ له من الافتقار والحدّث والنقص والعجز ما يجبُ لنا، وحينئذ تستحيل عليه الإلهيّة، ولو جازت الإلهيّة لمن كان على هذه الأوصاف لجاز أن يكون كلُّ واحد منا إلهاً، ولصحَّت الإلهيّة للدَّجَّال، ولصدقَ في دعواه إياها، وكل ذلك كذبٌ ومُحال، والمفضي إليه كذبٌ ومحال، فقول اليهوديّ كذبٌ ومُحالٌ، ولذلك أنزلَ الله تعالى في الرد عليه: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ﴾. وإنما تعجَّبَ النبيُّ ◌َهَ من جهله، فوَهِمَ الراوي وظنَّ أن ذلك التعجُّبَ تصديقٌ، وليس كذلك. فإن قيل: فقد صَحَّ عن رسول الله وَظاهر أنه قال: ((إن قلوبَ بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن))(٢). فقد أخبرَ بأنَّ له أصابع. فالجواب: أنه إذا جاءنا مثل هذا في كلام الصَّادق تأوَّلْناه، أو توقَّفْنا فيه إلى أن يتبيَّنَ وجهُه، مع القطع باستحالة ظاهره، لضرورة صدق من دلَّت المعجزة على صدقه. فأما إذا جاءَنا مثل هذا على لسان من يجوز عليه الكذب، بل: من أخبرنا الصَّادق عن نوعه بالكذب والتحريف كذَّبناه، وقبَّحناه، ثم لو سلَّمنا أن النبيَّ وَّهِ صِدَّقه، وقال له: صَدَقْتَ لما كان تصديقاً له في المعنى، بل: في النقل، أي في نقل ذلك عن كتابه أو عن نبيّه، وحينئذ نقطعُ بأن ظاهرَه غير مراد، ثم هل تتوقّفُ في تعيين تأويلٍ ونسلُم، أو نُبدي تأويلاً له وجه في اللُّسان وصحة في العقل على الرأيين اللذين لأئمتنا وقد تقدَّما. وقد قلنا: إن الأصبع يصحُّ أن يرادَ به القدرة على الشيء ويسارة تقليبه، كما يقولُ من استسهلَ شيئاً واستخفَّه مخاطباً لمن استثقَلَه: أنا أحملُه على أصبعي أو أرفعه بأصبعي وأمسكه بخنصري. وكما يقول من طاعَ بحمل شيء: أنا (١) الأَوْلى أن نثبتَ لله تعالى ما أثبته لنفسه في قرآنه، من غير تشبيه ولا تجسيم ولا تعطيل ولا تأويل ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير] [الشورى: ١١]. (٢) رواه أحمد (١٦٨/٢)، ومسلم (٢٦٥٤). ٣٩١ (٤٢) كتاب التفسير - (٢١) ومن سورة تنزيل في روايةٍ: ((ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، ثم يقول: أنا المَلِكُ! أنا المَلِكُ!))، قال: فرأيت رسول الله لقد يضحك حتى بدت نواجذه. أحملُه على عيني وأرفعُه على رأسي. يعني به: الطواعية، وما أشبه ذلك مما في معناه، وهو كثير، ولما كان ذلك معروفاً عند العقلاء متداولاً بينهم، خُوطبوا بذلك جرياً على منهاجهم، وتوسُّعاً معلوماً عندهم. وعلى هذا فيمكن حملُ الحديث وما في معناه على نحو من هذا، وبيان ذلك: أنَّ السموات والأرض، وهذه الموجودات عظيمة أقدارها في إدراكنا، وكبيرٌ خلقها في حقِّنا، فقد يسبقُ الوهم الغالب على الإنسان، أن خلقَها وإمساكَها على الله تعالى كبير، وتكلُّفها عسيرٌ، فنفى النبيُّ ◌َ﴿﴿ هذا الوهم بهذا الحديث، وبيَّته على طريق التمثيل بما تعارفناه، فكأنَّه قال: خَلَقَ بيده المذكوراتِ العظيمة، وإمساكُها في قدرة الله تعالى كالشيء الحقير الذي تجعلونه بين أصابعكم، وتهُّونه بين أيديكم، وتتصرفون فيه كيف شئتم، ولهذا أشارَ بقوله: ((ثم يقبضُ أصابعَه ويبسطَها)). وبقوله: ((ثم يهزُّهنَّ)) أي: هن في قدرته كالحبَّة مثلاً في حقِّ أحدنا؛ أي: لا يُبالي بإمساكها، ولا بهزِّها، ولا تحريكها، ولا القبض والبسطَ عليها، ولا يجدُ في ذلك صعوبةً، ولا مشقَّةً، ومن لا يُقنعه هذا التفهيم فليس له إلا سلامةُ التسليم، والله بحقائق الأمور علیم. و (قوله تعالى: ((أنا المَلِكُ))) أي: الحقيق بالمُلْكِ والمَلْكِ؛ إذ لو اجتمع ملوك الدنيا من أولها إلى آخرها، وجميع المخلوقات لما استطاعوا على إمساك مقدار ذرّ من الأرضين، ولا من السموات، وهذا معنى قوله: أنا المَلِكُ في حديث اليهوديّ. فأما قوله: ((أنا المَلِكُ)) في حديث ابن عمر، فمقصوده إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعاوى المُدَّعين، وانتسابِ المنتسبين، إذ قد ذهبَ كلُّ مَلِكِ ومُلْكَه، وكلُّ جبار ومُتكبِّر وملكه، وانقطعت نِسَبُهم، ودعاویھم، وهو نحو قوله تعالى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]. والإمساك المذكور في حديث اليهوديّ خلاف الطَّيِّ والقبض الذي في حديث ابن عمر؛ فإن ٣٩٢ (٤٢) كتاب التفسير - (٢١) ومن سورة تنزيل وفي أخرى: تصديقاً له وتعجباً لما قال، ثم قال: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾)) [الزمر: ٦٧]. رواه البخاريُّ (٧٤١٥)، ومسلم (٢٧٨٦) (٢١ و٢٢)، والترمذيُّ (٣٢٣٨). [٢٩٠٢] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((يقبضُ الله الأرضَ يوم القيامة، ويَطوي السَّماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملكُ! أين ملوكُ الأرض؟)). رواه أحمد (٣٧٤/٢)، والبخاريُّ (٤٨١٢)، ومسلم (٢٧٨٧). [٢٩٠٣] وعن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله وَليقول: ((يطوي الله السموات يوم القيامة. ثم يأخُذُهُنَّ بيده اليُمْنَى! ثم يقول: أنا الملِك! أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملكُ! أينَ الجبارونَ؟ أين المتكبرون؟)). رواه مسلم (٢٧٨٨) (٢٤)، وأبو داود (٤٧٧٨). ذلك الإمساك هو استدامةُ وجود السموات والأرض إلى يوم يطويها ويقبضها ويُبَدِّلُها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِلُكِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَيْنِ زَالَتَآَ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]. وقد بيّنَا القبض والطيَّ في الأنعام. و (قوله في حديث ابن عمر: ((ثم يطوي الأرضَ بشماله))) كذا جاء في هذه الرواية بإطلاق لفظ الشمال على يد الله تعالى، ولا يكادُ يوجد في غير هذه الرواية، وإنما الذي اشتهر في الأحاديث: ((وبيده الأخرى)) كما جاء في حديث أبي موسى الأشعري المتقدم، وقد تحرَّز النبيُّ ◌َ﴿ من إطلاق لفظ الشمال على الله تعالى ٣٩٣ (٤٢) كتاب التفسير - (٢١) ومن سورة تنزيل [٢٩٠٤] عن عبد الله بن مِقْسَم: أنَّه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي رسولَ الله وَل﴿ قال: ((يأخذ الله سمواته وأراضيه بيديه، فيقول: أنا اللَّهُ ! - ويقبضُ أصابِعَهُ ويَبْسُطُها - أنا الملِكُ!))، حتى نظرتُ إلى المنبر يتحركُ من أسفل شيءٍ منه حتى إنِّي لأقول: أساقطٌ هو برسولِ الله وَلٍ؟ !. رواه البخاري (٧٤١٣)، ومسلم (٢٧٨٨) (٢٥)، وأبو داود (٤٧٣٢)، وابن ماجه (١٩٨). فقال: ((وكِلتا يديه يمينٌ، لئلا يُتَوهَّم نقص في صفة الله تعالى، فإن الشمال في حقنا أضعف من اليمين وأنقص، كما تقدَّم، فنفى النبيُّ لَ ه عن الله ذلك، لكنه جاء في هذا الحديث كما ترى على المقابلة المتعارفة في حقوقنا، والله تعالى أعلم. و (قوله: ((ويقبض أصابعَه ويبسطُها))) ظاهرُه: أنه خبر عن الله تعالى، ووجهُه ما ذكرناه، وقال بعضُ علمائنا: هو خبر عما فعلَه النبيُّ كَ فإنه قبضَ أصابعَه وبسطَها، فيخفُّ الإشكال، ويكون ذلك إشارة بالحواسِّ إلى المعاني، والله تعالى أعلم. و (قوله في المنبر: أنه تحرَّك من أسفل شيءٍ منه) أي: أنه تحرك من أسفله إلى أعلاه. أو تحرَّكَ الأسفلُ بتحريك الأعلى. وظاهرُ حركة المنبر أنها: إنما كانت لحركة رسول الله صل﴿، ويحتملُ أن تكونَ حركة المنبر مُساعِدةً لحركة النبيِّ وَلـ كرامةً وزيادةً في دلالة صدقه، كحنين الجِذْع، وتسبيح الحصى وما أشبه ذلك. ٣٩٤ (٤٢) كتاب التفسير - (٢٢) ومن سورة حم السجدة (٢٢) ومن سورة حَمّ السجدة [٢٩٠٥] عن ابن مسعودٍ، قال: اجتَمَعَ عند البيتِ ثلاثةُ نَفَرِ: قُرشيَّانِ، وثَقَفيٌّ . - أو: ثَقفيّانِ، وقُرَشِيٍّ - قليلٌ فِقْهُ قلوبهم، كثيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ. فقال أحَدُهُم: أترونَ اللَّهَ يَسْمَعُ ما نقولُ؟ وقال الآخرُ: يسمعُ إن جھَرْنا، ولا يسمع إن أخفينا. وقال الآخر: إن کان یسمع، إذا جهرنا، فهو يسمع إذا أخفينا. فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَكُمْ وَلَا أَبْصَرَّكُمْ وَلَا جُلُودَكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢]. رواه البخاريُّ (٧٥٢١)، ومسلم (٢٧٧٥)، والترمذيُّ (٣٢٤٥). (٢٢) ومن سورة حم السجدة (قوله: قليلٌ فقهُ قلوبهم) أي: فقههم قليل، أو معدوم، وكثير شحم بطونهم: أي: هم سمان، إذ ليس لهم هَمَّ في عبادة، ولا حظّ من صوم، ولا مُجاهدةٌ. وإنما همُّهم أن يأكلوا أكلَ الأنعام من غير مبالاة باكتساب الآثام. وفيه البطنة تذهب تنبيهٌ على سبب قلّة فهمهم، فإن البِطْنةَ تُذهبُ بالفطنة. الفطنة و (قوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْمُّكُمْ وَلَّ أَبْصَرَّكُمْ وَلَا ◌ُلُودُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢]) أي: ما كنتم تتقون شهادة تلك الجوارح، فتستتروا عنها بالامتناع عن المعاصي، قاله مجاهد. قال قتادة: وما كنتم تظنون ذلك. و (قوله: ﴿وَلَكِن ◌َتَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعَمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢]) أي: شككتم في ذلك لجهلكم. و (قوله: ﴿وَذَلِكُمْ ظَتْكُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَبَّكُمْ أَرْدَنَّكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣]) أي: وذلك ظنكم الواقع بكم اللازم لكم، فهي جملة ابتدائية، وأرداكم: خبر ثانٍ، قاله ٣٩٥ (٤٢) كتاب التفسير - (٢٣) ومن سورة الدخان (٢٣) ومن سورة الدخان [٢٩٠٦] عن مسروقٍ، قال: جاء إلى عبدِ الله رجلٌ فقال: تَركتُ في المسجد رجلاً يُفَسِّر القرآن برأيهِ، يفسِّر هذه الآية: ﴿ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ تُمبِينٍ ﴾ [الدخان: ١٠]. قال: يأتي الناسَ يومَ القيامةِ دُخانٌ فيأخذُ الزجَّاج، وقال غيره: حال؛ أي: قد أرداكم؛ أي: أهلككم. مقاتل: أغواكم. وقيل: هو خبر المبتدأ الأوَّل، وظنکم بیان ذلك. و (قوله: فأصبحتم من الخاسرين)، أي: صرتم خاسرين في صفقتكم، مغبونین في بیعکم. (٢٣) ومن سورة الدخان قد تقدَّم ذكر من خالفَ ابن مسعود في تفسيره للدُّخان المذكور في هذه الآية فيما تقدَّم، وما أنكره يُروى فيه حديث مرفوع من حديث أبي سعيد الخدريِّ - رضي الله عنه - على نحو ما ذكر وزاد: ((فيدخلُ الدُّخانُ جوفَ الكافر والمنافق حتى ينتفخَ))(١) واستعصت: بمعنى: عصت بترك إجابة النبيِّ وَّر. و (قوله: تصعَّبت عليه) أي: أبت الدخول في الإسلام. وسبع(٢) يوسف هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨]. وقد تقدَّم أن الجدبَ والقحط يُقال عليه: سَنَة، ويُجمع: سنين. (١) رواه ابن أبي حاتم، كما في: الدر المنثور (٤٠٨/٧). (٢) كذا في نسخ المفهم، ولم يرد هذا اللفظ في التلخيص، وإنما هو في صحيح مسلم (٢٧٩٨) (٣٩). ٣٩٦ (٤٢) كتاب التفسير - (٢٣) ومن سورة الدخان بأنفاسهم حتى يأخذَهُم منه كهيئة الزُّكام. فقال عبد الله: مَنْ علم علماً فَلْيَقُلْ بِهِ. ومَنْ لم يعلمْ فليقلْ: اللَّهُ أعلمُ. فإن من فِقْهِ الرَّجُل أن يقول لِمَا لا عِلْمَ له بِهِ: اللَّهُ أَعْلمُ. إنَّما كان هذا: أن قُريْشاً لما اسْتَعْصَتْ على النَّبِيِّ وَّرِ، دَعَا عليهم بسنينَ كسنيٍّ يوسفَ، فأصابهم قحطٌ وجَهْدٌ؛ حتى جعلَ الرجلُ ينظر إلى السماءِ فيرى بينَه وبينها كهيئة الدُّخَان من الجهْدِ، وحتى أكلوا العظام، فأتى النَّبِيَّ وَّهِ رجلٌ - في رواية أبي سفيان: فقال: يا محمَّد! إنَّك جئت تأمر بطاعة الله وبصلة الرَّحم، وإنَّ قومك قد هلكوا فادع الله لهم - وفي الرواية الأولى: فقال: يا رسولَ الله! استغفر الله لِمُضر فإنَّهم قد هلكوا. فقال: ((لمضر؟ إنَّك لَجَرِيء!)). قال: فدعا اللَّهُ لهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿ إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَلَيِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]. قال: فمُطِروا، فلما أصابتْهُم الرفاهيةُ، قال: عادوا إلى ما كانوا عليه. قال: فأنزل الله و (قوله: حتى جعل الرَّجلُ ينظر إلى السماء فيرى بينها وبينه كهيئة الدخان من الجَهْد) لا شكّ في أن تسمية هذا دخاناً تَجوِّزٌ، وحقيقة الدخان ما ذكر في حديث أبي سعيد، والذي حملَ عبدَ الله بن مسعود على هذا الإنكار قوله: ﴿رَّبَّنَا أَكْثِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢]، وقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِلًا إِنَّكُ عَلَيِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]، ولذلك قال: أفيكشف عذابُ الآخرة؟ وهذا لا دليلَ فيه على نفي ما قاله ذلك القائل؛ لأنَّ حديثَ أبي سعيد إنما دلَّ على: أن ذلك الدخان يكون من أشراط الساعة قبل أن تقومَ القيامةُ، فيجوز انكشافُه كما تنكشف فِتنُ الدَّجَّال ويأجوج ومأجوج، وأما الذي لا ينكشفُ فعذاب الكافر بعد الموت، فلا معارضة بين الآية والحديث، والشأن في صحة الحديث. الدخان من أشراط الساعة و (قوله: استغفرِ الله لمُضَرَ) كذا صحَّ في كتاب مسلم من الاستغفار، ووقع في كتاب البخاري: استسقِ اللَّهُ لمُضَرَ، من الاستسقاء، وهو مناسب للحال التي ٣٩٧ (٤٢) كتاب التفسير - (٢٣) ومن سورة الدخان يَخْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابُ عز وجل: ﴿فَأَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُچِينٍ أَبِيرٌ﴾ [الدخان: ١٠ - ١١]، ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىَ إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]، قال: يَعْني: يومَ بذرٍ . وفي روايةٍ: قال: أفيُكْشَفُ عذابُ الآخرة؟ قال: وقد مضت آيةُ الدُّخان، والبطشةُ، واللِّزام، وآيةُ الرُّوم. في أخرى: والقمر. رواه البخاريُّ (٤٨٢١)، ومسلم (٢٧٩٨) (٣٩ - ٤١)، والترمذيُّ (٣٢٥١). كانوا عليها من القحط، غير أن الذي يُبعده إنكار النبيِّ وَّه على القائل بقوله المضر: فإنَّ طلبَ السُّقيا لهم لا يُنكر، وإنما الذي يُنكر طلب الاستغفار لهم. وقد فسَّر البطشةَ بأنها يومُ بدر. وأما اللّزام: فهو المذكور بقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]، وقد اختلف فيه فقيل: هو العذاب الدائم، وأنشدوا: فقد لقيا حتوفَهما لِزاما فإما ينجوا من خشف(١) أرضٍ وقال آخر: ولم أجزغ مِن الموت اللِّزام وقال أُبيّ: هو القتل بالسيف يوم بدر، وإليه نحا ابنُ مسعود، وهو قول أكثر النَّاس، وعلى هذا فتكون البطشةُ واللُّزام شيئاً واحداً. وقال القرطبيُّ(٢) وأبو عُبيدة: هو الهلاكُ والموت، وأما الروم؛ فقد روى الترمذي من حديث نيار بن مُكَوَّم الأَسْلميّ قال: لما نزلت: ﴿الَّ * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ الآيتين [الروم: ١ - ٢] فكانت (١) في اللسان: حَثْف. مادة: لزم. (٢) المقصود به هنا: بقيّ بن مَخْلَد المتوفى سنة (٢٧٦ هـ). ٣٩٨ (٤٢) كتاب التفسير - (٢٤) ومن سورة الحجرات (٢٤) ومن سورة الحجرات [٢٩٠٧] عن أنس بن مالكٍ، لمَّا نزلت هذه الآية: ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ﴾ إلى آخر الآية [الحجرات: ٢]، جلس ثابتٌ في بيته وقال: أنا من أهل النَّار، واحتبس عن النَّبِيِّ وَِّ، فسأل النَّبِيُّ ◌َّهِ سعدَ بنَ معاذٍ. فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يُحبُّون ظهور الروم على فارس؛ لأنهم وإيّاهم أهلُ كتاب، وكانت قريش يُحبُّون ظهور فارس على الروم؛ لأنهم وإيّاهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان، ولما نزلت هذه الآية خرجَ أبو بكر يصيح في نواحي مكة بالآية، فقال كبراء المشركين: ألا نراهنُك على ذلك؟ قال: بلى. وذلك قبل تحريم الرِّهان، فارتهنَ أبو بكر والمشركون، وأقبضوا الرِّهانَ، وقالوا لأبي بكر: كم تجعلُ البِضْعَ؟ البضعُ ثلاث سنين إلى تسع، قسِّم بيننا وبينَك وسطاً ننتهي إليه، فسمُّوا بينهم ست سنين، فمضت السِّثُّ سنين قبل أن يظهروا، فأخذَ المشركون رهن أبي بكر، ولما دخلت السنة السابعةُ ظهرتِ الرومُ على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية سِتُّ سنينَ، لأن الله تعالى قال: ﴿في بضع سنین﴾. قال: وأسلم بعد ذلك ناسٌ كثير. قال: هذا حديث حسن صحيح(١)، وسيأتي القول في انشقاق القمر في سورته. (٢٤) ومن سورة الحجرات ثابت هذا هو ثابت بن قيس بن شمَّاس بن مالك الخزرجيّ، يُكنى أبا محمد بابنه، وقيل: أبا عبد الرحمن، قُتل له يوم الحرّة ثلاثةٌ من الولد: محمد ويحيى وعبد الله، وكان خطيباً بليغاً معروفاً بذلك، كان يُقال له: خطيبَ رسول الله وَفيه كما يُقال لحسان: شاعر رسول اللهِ﴾ ﴿. ولما قدمَ وفدُ بني تميم على رسولِ اللهِ وَو (١) رواه الترمذي (٣١٩٤). ٣٩٩ (٤٢) كتاب التفسير - (٢٤) ومن سورة الحجرات فقال: ((يا أبا عمرو! ما شأن ثابت؟ أشْتَكَى؟))، قال سعدٌ: إنه لَجَاري، وما علمتُ له بشكوى. قال: فأتاهُ سعدٌ، فذكرَ لَهُ قولَ رسولِ الله وَله، فقال ثابت: أنْزِلتْ هذه الآية، ولقد علمتم أنّي من أَرْفَعِكم صَوْتاً على وطلبوا المفاخرةَ، قام خطيبُهم فافتخرَ في خطبته. ثم قام ثابتُ بن قيس فخطبَ خطبةً بليغةً جَزْلةً فغلبَهم، وقام شاعرُهم وهو الأقرعُ بن حابس فأنشد: أَتَيْناكَ كيما يعرفَ الناسُ فَضْلَنا إذا خَالفُونَا عِنْدَ ذِكْرِ المَكارِمِ وَأَنْ لَيْسَ فِي أَرْضِ الحِجازِ كَدارِمٍ وإنا رؤوسُ النَّاسِ مِنْ كُلِّ مَعْشَرٍ فقام حسانُ فقال: يَعُودُ وَبالاً عِنْدَ ذِكْرِ المَكَّارِمِ بني دارِمٍ لا تَفْخَرُوا إِنَّ فَخْرَكُمْ هُبِلْتُمْ عَلَيْنَا تَفْخَرُونَ وَأَنْتُمُ لَنَا خَوَلٌ من بَيْن ◌ِتْرٍ وخادِمٍ فقالوا: خطيبُهم أخطبُ من خطيبنا، وشاعرهم أشعرُ من شاعرنا، فارتفعت أصواتُهم فأنزلَ الله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَّكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَِّ وَلَا تَّجْهَرُوا لَمُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات: ٢] ولما نزلت جلسَ ثابتٌ في بيته، فكان كما ذكرَ في الأصل، وقال عطاء الخراساني: حدثتني ابنة ثابت بن قيس، قالت: لما نزلت هذه الآية: ﴿فَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَّكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِّ ... ﴾ الآية [الحجرات: ٢]، دخل أبوها بيتَه، وأغلق عليه بابَه، ففقدَه النبيُّ نَّهِ، فأرسلَ إليه يسألُه: ما خبره؟ فقال: أنا رجلٌ شديدُ الصوت أخافُ أن يكون حَبِطَ عملي. فقال النبيُّ وَّهِ: ((لستَ منهم، بل تعيشُ بخير، وتموتُ بخير)). قال: ثم أنزل الله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [لقمان: ١٨]، فأغلقَ بابَه وطَفِقَ يبكي، ففقدَه النبيُّ ◌َ له فأرسل إليه ما خبره؟ فقال: يا رسول الله! إني أحب الجَمالَ وأحبُّ أن أسودَ قومي، فقال: ٤٠٠ (٤٢) كتاب التفسير - (٢٤) ومن سورة الحجرات رسولِ الله وَّ﴾، فأنا من أهلِ النَّار! فذكر ذلك سعدٌ لِلنَّبِيِّ وَّهِ. فقال رسولُ اللهِوَلِّ: ((بَلْ هو من أهل الجنةِ)). وفي روايةٍ: قال: فَكُنَّا نراهُ يَمْشِي بينَ أظْهُرِنا رجلٌ من أهْلِ الجنة. رواه البخاري (٤٨٤٦)، ومسلم (١١٩) (١٨٧ و١٨٨). (لستَ منهم بل تعيش حميداً، وتُقتل شهيداً، وتدخلُ الجنة)). قالت: فلما كان يوم اليمامة خرجَ مع خالد إلى مُسيلمة، فلما التقوا انكشفوا، فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله وَ﴿ ثم حفرَ كلُّ واحد منهما له حفرةً، فثبتا، وقاتلا حتى قُتلا. وعلى ثابت يومئذ درعٌ له نفيسة، فمرَّ به رجل من المسلمين فأخذَها، فبينا رجلٌ من المسلمين نائم أتاه ثابت في منامه فقال له: أُوصيك بوصيّة، وإِيَّاكَ أن تقولَ هذا حلمٌ فتضيّعَه، إني لما قُتلت أمسٍ مرَّ بي رجلٌ من المسلمين فأخذَ درعي، ومنزلُه في أقصى الناس، وعند خبائه فرسٌ يَسْتَنُّ في طِوَلِه، وقد كفأ على الدِّرع برمةً، وفوق البرمة رَحْلٌ، فَأْتِ خالداً فمره أن يبعثَ إلى درعي، فيأخذَها، وإذا قدمتَ المدينة على خليفة رسول الله وكلي يعني أبا بكر - رضي الله عنه - فقل له: إن عليَّ من الدَّيْن كذا وكذا، وفلان من رقيقي عتيقٌ وفلانٌ. فأتى الرَّجلُ خالداً فأخبره، فبعث إلى الدرع، فأُتي بها، وحدَّث أبا بكر برؤياه فأجازَ وصِیّه. قال: ولا نَعْلَمُ أحداً أُجیزت وصيته بعد موته غير ثابت. و (قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرُ واْلَهُ بِاَلْقَوْلِ﴾ [الحجرات: ٢]) أي: لا تخاطبوه یا محمد ويا أحمد! ولكن: يا نبيَّ الله، أو يا رسولَ الله. توفيراً له وَلِهِ. و (قوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ﴾ [الحجرات: ٢]) أي: من أجل أن تحبط؛ أي: تَبْطُلَ. فإما أصل الأعمال إن كان ذلك عن كفر، وإما ثوابها إن كان عن معصية .