النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ (٤٢) كتاب التفسير - (١٣) ومن سورة مريم (١٣) ومن سورة مَرْيَم [٢٨٨٩] عن خَبَّابٍ، قال: كان لي على العَاصِ بنِ وائلٍ دَيْنٌ؛ فأتيتُه أتقاضاه، فقال لي: لن أقضيك حتى تَكْفُرَ بمحمَّدٍ! قال: فقلت له: لن أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث! قال: وإني لمبعوث من بعد الموت؟! فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد! قال: فنزلت هذه الآية: ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوَتَّيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى قوله: ﴿ وَيَأْنِيِنَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٧٧ - ٨٠]. وفي روايةٍ: قال خبَّابٌ: كنت قَيْناً في الجاهلية، فعملت للعاص بن وائل عملاً، فأتيته ... وذكره. رواه البخاريُّ (٤٧٣٣)، ومسلم (٢٧٩٥) (٣٥ و٣٦)، والترمذيُّ (٣١٦١). (١٣) ومن سورة مريم (قول خباب: كنت قيناً في الجاهلية) أي: حدَّاداً؛ وهذا أصلُ هذا اللفظ، وقد يقال: على كلِّ صانع، وقد تقدَّم ذلك. و (قوله تعالى: ﴿أَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ أَخَلَ عِنْدَ الرَّحَْنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨]) أي: أَنَظَر في اللوح المحفوظ فرأى أمنيته، أم أعطاه اللَّهُ موثقاً بذلك، وهذا توبيخٌ له على جهله وتحگّمه، ثم إنّه تعالى نفى ذلك، وزجره عنه، وتوعَّده عليه بقوله: كلا! سنكتب ما يقول؛ أي: نكتب في ديوان أعماله، أو نُريه ذلك مكتوباً عليه في القيامة. ونمذُّ له من العذاب مدّاً؛ أي: نزيده منه أضعافاً من قولهم: مدَّ النهر، ومدَّه نهر آخر. ونرثه ما يقول؛ أي: نسلبه ما يقول بالموت. ويقول: بمعنى قال، يعني به: ماله أو ولده. وعبَّر عن الحال بالماضي لقربه، أو لتماديه على ذلك ٣٦٢ (٤٢) كتاب التفسير - (١٤) ومن سورة الأنبياء (١٤) ومن سورة الأنبياء [٢٨٩٠] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((يقبض الله تبارك وتعالى الأرض يوم القيامة ويطوي السَّماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك! أين ملوك الأرض؟!)). رواه البخاريُّ (٤٨١٢)، ومسلم (٢٧٨٧)، ولم يذكره المؤلف في التلخيص، وقد شرح ما أشكل فيه في المفهم. القول. وفرداً: وحيداً مسلُوباً، لا نصيرَ له ولا مُجير. (١٤) ومن سورة الأنبياء (قوله: ((يقبض الله تبارك وتعالى))) في هذه الرواية، وفي الرواية الأخرى: (يطوي))، وفي الثالثة: ((يأخذ)). هذا الاختلافُ يدلُّ على أنَّه نَقْلٌ بالمعنى، وأنَّ اللفظَ الذي قاله النبيُّ وَ﴿ لم يتعيَّن. وحاصلُ مدلولِ هذه الألفاظ: أنه تعالى يفعل في السَّموات والأرض فِعْلاً؛ وهو أنه يقبضُ مبسوطهما، ويطمس أنوارهما، فعبَّر عن ذلك بعباراتٍ مختلفة كالطيِّ والتكوير، وغير ذلك مما في معناه ممَّا جاء في الكتاب. وقد تقدَّم: أن اليدَ تُطلق في اللسان على القدرة والنعمة، والمراد بها هنا: القدرة، وكذلك الإصبع، وسيأتي تكميلُ هذا المعنى في الزّمر. و (قوله تعالى: ﴿كَطَيِّ السّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]) اختلف المفسرون في السجل، فقال يزيد: هو اسمُ كاتب النبيِّ وَّهِ. وقال ابن عباس: السجل بلغة الحبش: الرجل. وقد رَوَى ذلك أبو داود من حديث أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: كان النبيِّ وَّ﴿ كاتبٌ يُسمَّى السجل(١). وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاءَ كَطَيِّ السّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. (١) رواه أبو داود (٢٩٣٥). ٣٦٣ (٤٢) كتاب التفسير - (١٥) ومن سورة الحج [٢٨٩١] وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَليقول: ((يطوي (بدل) يقبض)). وفي روايةٍ: ((يأخذ)). رواه البخاريُّ (٧٤١٣)، ومسلم (٢٧٨٨) (٢٤ و ٢٥)، وأبو داود (٤٧٣٢)، وابن ماجه (١٩٨) ولم يذكره المؤلف في التلخيص. وقد شرح ما أشكل فيه في المفهم. (١٥) ومن سورة الحج [٢٨٩٢] عن قَيْسِ بن عُبَادٍ، قال: سمعتُ أبا ذَرِّ يُقْسِم قَسَماً: إنّ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ ... ﴾ [الحج: ١٩]: أنَّها نزلت في الذين قلتُ: وفي إسناده مقال، وقال السُّدِّي: اسم ملك يكتب أعمال العباد، وقال مجاهد: هو الصَّحيفة. واللام بمعنى على، أي: على المكتوب، وقيل: هي على أصلها، ويكون معناه: ليصير كتاباً. والمساجلة: المكاتبة، وأصله: منازعة الدلو. قال: مَنْ يُسَاجِلْنِي يُسَاجِلْ مَاجِداً يَمْدُ الدَّلْوَ إِلَى عَقْدِ الكَرَبُ(١) (١٥) ومن سورة الحج (قوله: ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج: ١٩]) إشارة إلى الفريقين اللذين الفريقان ذكرهما أبو ذرّ، وهما: عليّ، وحمزة، وعبيدة، وهم المؤمنون؛ والفريق الآخر: المتبارزان يوم عتبة، وشيبة، والوليد بن عتبة. التقيا يوم بدر في أول الحرب، فافتخر المشركون بار (١) ((الكَرَب)»: الحبلُ الصغير يصلُ حَبْلَ الدَّلْو بالخشبة المعترضة على الدَّلْو. ٣٦٤ (٤٢) كتاب التفسير - (١٥) ومن سورة الحج بَرِزُوا يوم بدرٍ: حَمزةُ، وعلىٍّ، وعُبَيْدَةُ بنُ الحارثِ، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعةً، والوليدُ بن عتبةً. رواه البخاريُّ (٣٩٦٨)، ومسلم (٣٠٣٣). بدينهم، وانتسبوا إلى شركهم، وافتخر المسلمون بالإسلام، وانتسبوا إلى التوحيد. ولما خرج المشركون، ودعوا إلى البراز، خرج إليهم عوف ومعوّذ ابنا عفراء، وعبد الله بن رواحة الأنصاري، فلما انتسبوا لهم قالوا: أكفاء كرام، ولكنا نريد قومَنا، فخرج إليهم حمزةُ بن عبد المطلب، وعبيدةُ بن الحارث، وعليٍّ - رضي الله عنهم -، فأمَّا حمزة وعليّ فلم يُمْهِلا صاحبيهما، فقتلاهما، واختلفت بين عبيدة وشيبة ضربتان، كلاهما أثبت(١) صاحبه، وكرَّ حمزة وعليٍّ على شيبة، فقتلاه، واحتملا صاحبيهما، فمات من جرحه ذلك بالصفراء عند رجوعه. وقال قتادة: هم: أهل الكتاب افتخروا بسبق دينهم وكتابهم، فقال المسلمون: كتابنا مهيمن على الكتب، ونبينا خاتم الأنبياء. وقال مقاتل: أهل الملل في دعوى الحق. و (قوله: ﴿قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن ◌َّارٍ﴾ [الحج: ١٩]) أي: أُعدَّت كما يُقطع من الثوب القميص والسراويل، كما قال تعالى: ﴿ سَرَابِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْثَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] فَأُلْبِسُوا والله ثياباً. العريُّ خيرٌ منها. كما أُطْعِمُوا طعاماً، وسُقُوا شراباً، الجوعُ والظمأُ خيرٌ منهما. و (قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِ بُطُونِهِمْ وَلْتُلُودُ﴾(٢) [الحج: ٢٠]) أي: يقطع به، ويُنضج، ويُذاب. (١) ((أثبت)): أثبتَ الرمح فيه: أنفذه. (٢) هذه الآية لم ترد في التلخيص. ٣٦٥ (٤٢) كتاب التفسير - (١٦) ومن سورة النور (١٦) ومن سورة النُّور [٢٨٩٣] عن عائشةَ، زوج النَّبِيِّنَ ﴿ قالتْ: كان رسول الله وَلّ إذا أراد أن يخرجَ سَفَراً، أَقْرِعَ بين نسائه، فأيَّهُنَّ خرج سَهْمُها، خرجَ بها رسول اللّه ◌َ﴾. قالت: فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها، فخرج فيها سَهْمي، فخرجتُ مع رسول الله وَ﴿، وذلك بعدما أُنزِلَ الحجابُ، فأنا أُحْمَلُ في هَوْدَجِي، وأُنْزِلُ فيه مَسِيرَنا، حتى إذا فَرَغْ رسولُ اللهِ وَِّ من غزوهِ، وقَفَلَ، (١٦) ومن سورة النور (قولها: كان رسولُ الله ◌َ# إذا أراد أن يخرج سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن العمل بالقرعة خرج سهمُها خرج بها معه) دليل على: أنَّ للقرعة مدخلاً شرعياً في الحقوق المشتركة، وهو قولُ الكافَّة. قال أبو عبيدة وقد عمل بها ثلاثة من الأنبياء: يونس وزكريا ومحمد - صلّى الله عليهم أجمعين -. قال ابنُ المنذر: واستعمالُها كالإجماع بين أهل العلم فيما يُقْسَمُ بين الشركاء، ولا معنى لقول مَن ردَّها، وحُكي عن أبي حنيفة إجازتها. قال: ولا تقسيم في القياس، ولكنا تركنا القياسَ للآثار. قلتُ: ومقتضى هذا: أنه قَصَرها على المواضع التي وردت في الأحاديث دون تعديتها إلى غيرها، وهو قولُ مالك أيضاً والمغيرة وبعض أصحابنا. وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة ترك القول بها، وأنكرها بعضُ الكوفيين، وقال: هي كالأزلام. وبإجازتها في المشكلات قال الشافعي. قال القاضي: وهو مشهورُ مذهبٍ مالك. وأما القرعة بين النساء إذا أراد سفراً، فقد اختلف العلماءُ في ذلك، فذهب القرعة بين مالكٌ في أَحَد قوليه، والشافعي، وأبو حنيفة إلى: أنه لا يخرجُ منهن إلا من النساء عند السفر خرجتْ عليها القرعةُ؛ تمسُّكاً بظاهر هذا الحديث؛ فإنه كالنص في ذلك، وقال مالِك أيضاً: إنَّ له أن يسافرَ بمن شاء منهن بغير قرعة، وإن القسمة هنا سقطتْ ٣٦٦ (٤٢) كتاب التفسير - (١٦) ومن سورة النور ودَنَوْنَا من المدينة، آذَنَ ليلةً بالرَّحيل. فقمتُ حين أذَّنُوا بالرحيل، فمشَيْتُ حتى جاوزتُ الجيشَ، فلمّا قضيتُ من شأني أقبلتُ إلى الرَّحلِ، فَلَمَسْتُ صدري فَإِذا عِقْدِي مِنْ جَزْعِ ظَفارٍ قد انقطع، فرجعتُ، فالتمستُ عِقدي فَحَبَسني ابتغاؤه، وأقبل الرَّهَطُ الذين كانوا يَرْحَلُون بي، فحملوا هودجي، للضرورة؛ إذ قد تكون إحداهُنَّ أخفَّ محملاً، وأقلَّ مؤونة، وأصلحَ للسفر، والأخرى أصلح للمقام في بيته لسدِّ ضَيْعته، وللقيام بولده، وقد تكونُ أثقلَ جسماً، وأكثرَ مؤونة. قلتُ: والذي يقعُ لي: أنَّ هذا ليس بخلافٍ في أصل القرعة في هذا، وإنما هذا لاختلافِ أحوالِ النساء، فإذا كان فيهن مَن تصلحُ للسفر ومن لا تصلح تعیَّن من تصلح. ولا يمكن أن يقال: يجبُ أن يسافرَ بمن لا تصلح؛ لأن ذلك ضررٌ ومشقّة عليه، ولا ضررَ ولا ضرار، وإنما تدخل القرعة إذا كنّ كلهن صالحات للسفر، فحينئذٍ تتعيَّن القرعة؛ لأنه لو أخرجَ واحدةً منهن بغير قرعة لخيف أن يكونَ ذلك ميلاً إليها، ولكان للأخرى مطالبته بحقّها؛ فإذا خرج بمن وقعتْ عليها القرعةُ انقطعتْ حُجَّةُ الأخرى، وارتفعتِ التهمةُ عنه، وطاب قلبُ مَن بقي منهن، والله تعالى أعلم. و (قوله: آذن ليلةً بالرحيل) هو بالمدّ، وفتح الذال بمعنى أَعْلَم. والهودجُ: القبّةُ التي تكون فيها المرأةُ على ظهر البعير، وهو الخدر، ويُجمع: هوادج. و (قولها: فإذا عقدي من جَزْع ظفار قد انقطع) قال ابنُ السكيت: الجَزْع - بفتح الجيم، وإسكان الزايـ: الخرز اليماني. وظَفار - بفتح الظاء -: قرية بالیمن. قلتُ: هكذا صحيحُ الرواية. ظفار كما قاله ابنُ السكيت، وفي الصحاح ظفار: مثل قطام: مدينة في اليمن. يقال: من دَخل ظفار حمَّر، وجَزَع ظفاريٍّ: ٣٦٧ (٤٢) كتاب التفسير - (١٦) ومن سورة النور فَرَحَلُوه على بعيري الذي كنت أركبُ، وهُم يحْسَبُون أتِّي فيه. قالتْ: وكانت النساءُ إذ ذاك خفافاً. لم يُهَبَّلْنَ ولم يَغْشَهُنَّ اللحمُ، إنَّما يَأْكُلنَ العُلْقَةَ من الطعام، فلم يستنكرِ القومُ ثِقَلَ الهَوْدجِ حين رَحَلوه، ورفعُوه، وكنتُ جاريةً حديثة السنّ، فبعثُوا الجَمَلَ وساروا،َ ووجدتُ عِقْدِي، بَعْدَما استمرّ الجيش، فجئتُ منازِلَهم وليس بها داع ولا مجيبٌ، فتيمَّمتُ منزلي الذي كنتُ فيه، وظننتُ أنَّ القوم سيفقدوني، فيرجعونَ إليّ. فَبَيْنا أنا منسوب إليها، وكذلك عودٌ ظفاريّ، وهو العودُ الذي يُتبخر به، وعلى هذا فمن قيَّده جزع أظفار بألف، فقد أخطأ، وبالوجه الصحيح رويته. و (قولها: وكانت النساءُ إذ ذاك خِفافاً لم يُهبَّن، ولم يغشهنَّ اللحم، إنما يأكلن العلق) اختلف الرواةُ في تقييد هذا الحرف، فرواه العذريُّ بضم الياء وفتح الهاء وتشديد الباء على ما لم يُسمَّ فاعلُه: يُهَبَّلْن، ومن طريق الطبري: بفتح الياء وسكون الهاء وفتح الباء: يَهْبَلْن، والصواب: بضمها؛ لأن ماضيه فَعُلَ، وفي بعض الروايات عن ابن الحذاء: لم يُهَيِّلْن: بضم الياء، وفتح الهاء، وكسر الباء مُشدَّدة، وهذه الروايةُ هي المعروفةُ في اللغة. قال في الصِّحاح: هبّله اللحم: إذا كثر عليه، وركب بعضُه على بعض. وأهبله أيضاً، يقال: رجل مهبّل. قال أبو كبير: فَشَبَّ غَيْرَ مُهَبَّلٍ (١) قال: وقالت عائشةُ في حديث الإفك: والنساء يومئذ لم يهبلهن اللحم. والعلق: جمع علقة، وهو القليلُ من الطعام، وكأنَّ الذي يمسكُ الرَّمق، ويعلق النفس للازدياد منه. أي: یشوقها إليه. و (قولها: فتيمَّمتُ منزلي الذي كنتُ فيه) أي: قصدته. وقد تقدم أنَّ التیُمَ (١) هذا جزء من عجز بيت، والبيت بتمامه: مِمَّنْ حَمَلْنَ بِه وَهُنَّ عَوَاقِدٌ حُبُكَ النِّطاقِ فَشَبَّ غَيْرَ مُهَبَّلٍ ٣٦٨ (٤٢) كتاب التفسير - (١٦) ومن سورة النور جالسةٌ في منزلي غَلَبْني عيني فنمتُ. وكان صفوان بنُ المُعطَّلِ السُّلَمِيُّ، ثُمَّ الذَّكْوانِيُّ، قَدْ عَرَّسَ مِن وراء الجيش، فادَّلج، فأصبحَ عند منزلي، فرأى سَوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرفني حين رآني، وقدْ كان يراني قَبْلَ أن يُضْربَ الحجابُ عليَّ، فاستيقظتُ باسترجاعه حين عرفني، فخمَّرتُ وجهي بجلبابي. وواللهِ ما يُكلِّمُني كَلِمَةً، ولا سَمِعْتُ منه كَلِمَةً غير استرجاعِهِ، حتى أناخ راحلتَهُ، فوطىء على يدِها فركبتُها، فانطلق يقُود بي الرَّاحلَةَ، حتى أَتَيْنا الجيشَ بعدما نزلوا مُوغِرينَ في نَحْرِ الظَّهِيرة، فهلك مَنْ هَلَكَ في شأنِي، وكان الذي تولى كِبْرَهُ عبدُ الله بن أبيٍّ ابن سلول، فقدمنا المدينةَ. في الأصل هو القصدُ. والتعريسُ: النزولُ من آخر الليل. وقال أبو زيد: هو النزولُ في أيّ وقت كان، وأدلج: سار من أوَّل الليل، وادّلج - مُشدَّداً - سار من آخره. وقيل: هما لغتان، والأول المعروف. و (قولها: فخمَّرتُ وجهي بجلبابي) أي: غطّتُهُ بثوبي. و (قولها: بعدما نزلوا مُوغِرين في نحر الظهيرة) الرواية الصحيحة بالغين المعجمة، والراء المهملة من الوغْرة، بسكون الغين، وهي: شدَّة الحرِّ، ومنه قيل: في صدره على وغْر: بالتسكين، أي: ضغن وعداوة، تقول: وغر صدره عليَّ، يوغر، وغراً، فهو واغرُ الصدر عليه، وقد أوغرتُ صدره على فلان. وقد رواه مسلم من حديث يعقوب بن إبراهيم: موعزين، بالعين المهملة والزاي، ويمكن أن يقال فيه: هو من وعزت إليه، أي: تقدَّمت. يقال: وعزت إليه وعزاً، مخففاً، ويقال: وغَّزت إليه توعيزاً، بالتشديد، والرواية الأولى أصحُّ وأولى، والظهيرة: شدَّةُ الحرِّ، وهي الهاجرة. ونَحْرُها: صدرها؛ أي: أوّلها. وقد صحَّفه بعضُهم فقال: مُوعِرين بالعين المهملة، والراء، ولا يُلتفت إليه. و (قولها: فهلك مَن هَلَك في شأني) أي: بقول البهتان والقذف. وكبر ٣٦٩ (٤٢) كتاب التفسير - (١٦) ومن سورة النور فاشتكيتُ حين قدمنا المدينةَ شهراً، والنَّاس يُفِيضُونَ في قولِ أَهْلِ الإفكِ، ولا أشعر بشيءٍ من ذلك. وهو يَرِيبُني في وجعي أنِّي لا أعرفُ من رسول الله ﴿ اللُّطْفَ الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنّما يدخلُ رسولُ اللهِ﴿ فَيُسَلِّمُ، ثم يقول: كَيْفَ تِيْكُمْ؟ فَذَاك يَرِبِيُِّي، ولا أشعر بالشرِّ، حتى خرجتُ بعدما نَقِهْتُ، وخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحِ قِبَلَ المَنَاصِعِ، وهو مُتَبَرَّزُنا، ولا نخرجُ إلَّا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قَبْلَ أن نتَّخِذَ الكُنُفَ قريباً من بيوتنا، وأَمْرُنا أَمْرُ العربِ الأُول في الشَّه، وكُنَا نَتَأَذَّى بالكُنفِ أن نَتَّخِذها عِنْد بُيُوتِنا. فانطلقتُ أنا وأُّ مِسْطَحِ، وهي بنتُ أبي رُهْمِ بنِ الشيء: معظمه. والناس يفيضون: أي: يخوضون فيه، ويكثرون القول. ويريبني: من الرّيبة، وهي اسمٌ للتهمة والشك. تقول: رابني فلان: إذا رأيتَ منه ما يريبك، وهُذيل تقول: أرابني فلان. قال الهذلي: يَا قَوْم! مَا لِي وَأَبا ذُؤَيِبٍ كَأَنِي أَرَبْتُهُ بِرَيْبٍ وأراب الرجل: صار ذا ريبة، فهو مريب، حكاه الجوهريُّ، وقال غيره: يقال: أرابني الأمر: يريبني: إذا توهَّمته، وشككت فيه، فإذا استيقنته قلت: رابني منه كذا، يريبني، وقال الفراء: هما بمعنى واحدٍ في الشَّكِّ. و (قولها: بعدما نَقَهت من مرضي) هو بفتح القاف؛ أي: أفقت، فأما بكسر القاف فهو بمعنى فهمت الحديث. والمناصع: مواضع معروفة. والمتبرّز: بفتح الراء: هو موضعُ التبرُّز، وهو الخروجُ إلى البراز، وهو الفضاءُ من الأرض التي مَن خرج إليها فقد برز، أي: ظهر، وكني به - هنا - عن الخروج للحَدَث. والكُنُف: جمع كنيف، وهو الموضعُ المتَّخذ للتخلِّي، وأصلُ الكنيف: الساتر، والمرط: الكساء. ٣٧٠ (٤٢) كتاب التفسير - (١٦) ومن سورة النور المُطَّلبِ بنِ عبدِ منافٍ، وأُّها ابنةُ صَخْرِ بن عامرٍ، خالةٌ أبي بكرِ الصديقِ، وابْتُها مِسْطَحُ بِنُ أَثَاثَة بنِ عَبَّادِ بنِ المطَّلَبِ، فأقبلتُ أنَا وبنتُ أبي رُهْمٍ قِبَل بَيْتِي. حين فرَغْنا من شأنِنا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطح في مِرْطِها، فقالت: تَعِسَ مِسْطَح! فقلتُ لَها: بِئْسَ ما قُلْتِ! أَتَسُبِّينَ رجلاً قَدْ شَهِدَ بَدْراً؟! قالتْ: أيْ هَنْتَاهُ! أولَمْ تَسْمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقولِ أهل الإفك، فازددتُ مَرَضاً إلى مَرَضِي، فلما رجعتُ إلى بيتي، فدخل عَلَيَّ رسولُ اللهِ وَلِهِ، فسلَّم، ثُم قالَ: (كَيفَ تِيكُم؟))، قلتُ: أَتَأْذَنُ لِي أن آتِي أَبَوَيَّ؟ قالتْ: وأَنا حينئذٍ أُريدُ أن أتيَقَّن الخبر من قِبَلهِمَا .. فَأَذِنَ لِي رسولُ اللهِوَ ◌َّ، فجئتُ أَبَويَّ، فقُلْتُ لِأُمِّي: يا أُمَّتَاه! مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فقالت: يا بنية! هوِّي عَلَيْكِ! فوالله! لَقَلَّما كانتْ امرأةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّها، ولها ضَرَائرُ إلا كثَّرْنَ عَلَيْها. قالتْ: قلتُ: سبحان الله! وقد و (قولها: تَعِس مسطح) هو بكسر العين، معناه: انتكس، وسقط على وجهه، دعتْ عليه لِما قال. والمِسطح: عودٌ من أعواد الحنّاء، وهو - هنا - لقبٌ لهذا الرجل، واسمه: عوف بن أثاثة بن عبد المطلب بن عبد مناف. و (قولها: يا هَنْتَاهُ(١)) أي: يا امرأة. ويقال للرجل: يا هناه، ولا يُستعملان إلا في النداء، وهما في الأصل عبارةٌ عن كلِّ نكرة، وقد تقدم الكلامُ عليها، ونونها مُخفَّفةٌ، وحكى الهرويُّ عن بعضهم تشديد النون، فأنكره الأزهري. و (قولها: فوالله لقلما كانت امرأةٌ وضيئة قطّ عند رجل يحبُّها، ولها ضرائر إلا كثَّرن عليها) وضيئة: فَعِيلة من الوضاءة، وهي الحُسْن والنَّظافة. أي: جميلة، وكانت عائشة - رضي الله عنها - كذلك. والضرائر: الضَّرات. وكثَّرن؛ أي: بالقول والأذى، تُهوّن عليها ما سمعت. (١) في التلخيص ومسلم: أي مَنْتَاه. ٣٧١ (٤٢) كتاب التفسير - (١٦) ومن سورة النور تحدّثَ الناسُ بهذا؟ قالتْ، فَبَكيْتُ تِلْكَ الليلةَ حتى أصبحتُ لا يرْقأ لي دَمْعٌ، ولا أُكْتَحِلُ بنوْمٍ، ثُمّ أصبحتُ أبْكِي. ودَعَا رسولُ الله ◌ِّر عليَّ بن أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زَيدٍ حَيْنَ استَلْبَثَ الوحْيُ يستشيرهُما في فراقِ أهْلِهِ. قالَتْ: فأمّا أسامة بن زيد فأشار عَلَى رسول اللهِ وَ ﴿ بالذي يعلمُ من بَراءَةِ أهلِهِ، وبالذي يعلمُ في نفسه لَهُمْ من الوُدِّ، فقال: يا رسول الله! هُم أهْلُكَ، وَلا نعلمُ إلا خَيْراً. وأمَّا عليٍّ بنُ أبي طالبٍ فقال: لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ! والنساءُ سِواها كثيرً! وإن تسألِ الجاريةَ تصدُقْكَ! قالتْ: فدعا رسولُ اللهِ﴿ برِيرَةَ فقال: ((أيْ بَرِيرةُ! هل رأيتٍ من شيءٍ يَرِيبُك من عائشةَ؟))، قالتْ له بريرة: والذي بَعَثَّكَ بالحق! إنْ رأيتُ عَلَيْها أمراً قطُّ أَغْمِصُهُ عليها، أكثرَ من أنَّها جاريَةٌ حديثةُ السنِّ، تَنَامُ عن عَجِيْنِ أهْلِها، و (قولها: لا يرقأ لي دمع) أي: لا ينقطع، وهو مهموز. يقال: رقأ الدمُ يرقأ: إذا انقطع، ومنه قولهم: ((لا تسبوا الإبل، فإن فيها رقُوءَ الدم))(١) بفتح الراء، والهمز. واستلبث الوحيَ؛ أي: استبطأه، فيكون الوحيُّ منصوباً على المفعول، ویصُ رفعه علی أن یکون استلبث بمعنی لبث، كما قال: استجاب بمعنی أجاب، وهو كثير. و (قولها: أهْلَكَ، ولا نعلمُ إلا خيراً) منصوب على أنه مفعول بفعل مضمر؛ أي: أمسكْ أهلكَ، أو الزمْ. هكذا وقع في نسخة بالنصب، وفي رواية: هم أهلُك، على الابتداء والخبر؛ أي: العفائف واللائقاتُ بك. وأغمصُه: أعيبُه، من الغَمْص، وهو العيب. والدَّاجن: الشاة المقيمة في البيت. ويُقال على الحمام أيضاً. ودجنَ: إذا أقام. (١) ذكره ابن الأثير في النهاية (٢٤٨/٢). ٣٧٢ (٤٢) كتاب التفسير - (١٦) ومن سورة النور فَتَأْتِي الدّاجنُ فتأكُلُه. قالتْ: فقام رسول الله وَّرِ على المنبر، فاسْتَعْذَر من عبدِ الله بن أُبيِّ بنِ سلول. قالتْ: فقالَ رسولُ الله ◌َ﴿ وهو على المنبرِ: ((يا معشر المسلمين! منْ يَعْذِرُنِي من رجل قد بلغ أذاهُ في أهلِ بَيْتِيِ؟ فواللَّهِ! ما علمتُ على أَهْلِي إلَّا خَيْراً! ولَقدْ ذَكَروا رجُلاً ما علمتُ عليه إلّ خيراً! وما كانَ يدخل على أهْلِي إلا مَعِي)). فقامَ سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ فقال: أنا أعْذِرُكَ منه يا رسول الله! إنْ كَانَ من الأَوْسِ ضَرَبْنا عُنُقَه! وإنْ كانَ من إخْوانِنا الخَزرج أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنا أَمْرِكَ! قالتْ: فقام سعدُ بن عُبادة - وهو سيِّدُ الخَزْرَج، وكانَ رَجُلاً صالحاً، ولكن اجْتَهَلَتْهُ الحميَّةُ - فقال لسعدٍ بن معاذٍ: كَذَبْتَ! لَعَمْرُ اللَّهِ لا تَقْتُلُهُ، ولا تقْدِرُ عَلَى قَتْلِه! فقامَ أُسيْدُ بنُ حُضَيْرٍ - وهو ابنُ عَمِّ سعد بن معاذٍ - فقَال لسعد بن عُبَادةَ: كذَبْتَ! لَعمرُ اللَّهِ النَقْتُلَنَّه! فإنّك منافقٌ تجادلُ عن المنافقينَ! فثار الحيَّانِ الأُوسُ والخزرج حتى هَمُّوا أن يَقْتَتِلُوا، ورسولُ اللهِ ◌ِّ قائمٌ على المنبرِ، فَلَمْ يَزَلْ رسولُ الله ◌َِلِّ يُخفّضُهُمْ حتى سَكتُوا وسَكَتَ. قالت: وبَكَيْتُ يومي ذلك، لا يرقأ لي دمعٌ، ولا أكْتَحِلُ بَنَوْمِ. ثم بَكَيْتُ لَيْلَتِي المُقْبِلَة، لا يزْقأ لي دَمْعٌ، ولا أكْتَحِلُ بِنَومِ. وأبواي يَظُنَّانِ أن البكاء فالقُ كبدي! فبينما هما و (قولها: فاستعذرَ من عبد الله بن أُبيِّ) أي: طلبَ من يقبلُ عذرَه، كما قال: ((مَنْ يعذرُني من رجل قد بلغَ أذاه في أهلي)) أي: من يقبل عذري في حقِّه وعقوبته. فقال سعد: أنا أعذرُك منه، أي: أقبلُ عذرك فيه. و (قولها: ولكن اجتهلته الحميَّةُ) كذا رواية الجَلوديّ، وعند ابن ماهان احتملته، أي: حملته، والمعنى واحد. وهو أنَّ الحميّة حملته على الغضب حتى صدرَ عنه خلق الجاهلية. وبينَ السعدين ما بين الكلمتين، والله يؤتي فضلَه من يشاء. وثار الحيَّان: تواثبَ القبيلان؛ الأوس والخزرج. ٣٧٣ (٤٢) كتاب التفسير - (١٦) ومن سورة النور جالسان عندي، وأنا أبكي، استأذنَتْ عليَّ امرأةٌ مِن الأنصارِ فأذِنْتُ لها، فجلستْ تَبْكي. قالتْ: فَبَيْنا نحنُ على ذلك دخل علينا رسول الله مَّر، ثم جلسَ. قالت: وَلَمْ يجلسْ عندي مُنْذ قِيل لي ما قيل، وقد لَبِثَ شَهْراً لا يُوحى إليه في شأني بشيءٍ. قالتْ: فتشهَّد رسولُ الله ◌َّ حين جلسَ، ثم قال: ((أمّا بعد! يا عائشةُ! فإنَّه قَد بلَغَني عَنْكِ كذا وكذا. فإن كنت بريئةً فسَيُبَرَّتُكِ اللَّهُ، وإن كنتِ المَمْتِ بذنبٍ، فاستغفري الله وتُوبي إليه، فإنَّ العبدَ إذا اعترفَ بذَنْبٍ ثم تابَ، تابَ الله عليه!)). و (قوله: ((فإنه قد بلغني كذا وكذا))) هو كناية عما رُميت به من الإفك، وهذا يدلُّ على أن: كذا وكذا يُكنى بها عن الأحوال، كما يُكنى بها عن الأعداد، وقد تقدَّم. و (قوله: ((إن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري اللَّهَ وتوبي إليه))) من الإلمام، وهو النزول النادر غير المتكرر، كما قال: مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِم بِنَا فِي دِيَارِنا(١) أي: متى يقع منك هذا النادر؟ وهو أصلُ اللمم. و (قوله: «فإنَّ العبدَ إذا اعترفَ بذنبه(٢) ثم تابَ تابَ الله علیه))) دليل على: أنَّ مجرَّدَ الاعتراف لا يُغني عن التوبة، بل إذا اعترفَ به متَّصلاً نادماً، وقد تقدَّم مجرد القول في التوبة في كتابها. الاعتراف لا يغني عن التوبة (١) هذا صدر بيت وعجزه: تجدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تَأَجَّجا وفي (ز): دَارنا. (٢) في التلخيص ومسلم: ((بذئْبٍ)). ٣٧٤ (٤٢) كتاب التفسير - (١٦) ومن سورة النور قالتْ: فلمّا قضى رسولُ اللهِ وَ﴿ِ مَقَالَتْهُ، قَلَصَ دَمْعِي، حتّى ما أُحِسُّ مِنه قطرةً. فقلت لأبي: أجبْ عَنِّ رسولَ الله ◌ِ ﴿ فيما قال! فقال: والله ما أدري ما أقولُ لرسولِ الله وَل﴿! فقلت لأمّي: أجيبي عَني رسولَ اللهِ بَلْ! فقالت: والله ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ وَ لِ﴿ ! - وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ، لا أقرأ كثيراً من القرآن -: إنِّي واللَّهِ! لَقَدْ عَرَفْتُ أنَّكُمْ قَدْ سَمِعْتُم بهذا حتّى استقرّ في نُفُوسِكُمْ وصَدَّقْتُم به، فإنْ قلتُ لَكُمْ إِنِّي بريئةٌ - والله يعلمُ أنِّي بريئةٌ - لا تُصدِّقُوني بذلك! ولئن اعترفتُ لَكُم بأمْرٍ، والله يعلمُ أنِّي بريئةٌ لِتُصدِقُونَنِي، وإني واللهِ! ما أجدُ لي ولكُم مَثَلاً إلَّا كَمَا قالَ أَبُو يوسُف: ﴿فَصَبْرٌ جميلٌ وَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، قالتْ: ثم تحوّلتُ، فاضطجعت على فراشي. قالتْ: وأنا والله حينئذٍ أعلمُ أني بريئةٌ، وأن الله مبرِّي بِيَرَاءَتِي، ولكنْ والله! ما كُنْتُ أظنُّ أن يُنْزِلَ فِي شَأْنِي وَحْيٌ يُثْلى. ولَشَأْنِى كان أحقرَ في نَفْسِي مِن أَنْ يتكلم اللَّهُ عزّ وجلَّ فيَّ بأمرٍ يُثْلى، و (قولها: فلما قضى رسولُ الله ◌ِوَ﴿ه مقالتَه قَلَصَ دمعي حتى ما أحسُّ منه قطرةً) أي: انقبض وارتفع، وإنما كان ذلك؛ لأن الحزن والموجدة، قد انتهت نهايتها، وبلغت غايتَها، ومهما انتهى الأمر إلى ذلك جفَّ الدمع لفرط حرارة المصيبة، كما قال الشاعر: جَلَّ مُصابِي عَنِ الدَّوَاءِ عَيْنَيَّ سُخَّا ولاَ تَشُكَا إِنَّ الأَسَى وَالبُّكَا جَمي عاَ ضِدَّانَ كالدَّاءِ والذَّوَاءِ و (قولها: ولشأني كان في نفسي أحقر من أن يتكلم اللَّهُ فيَّ بأمرٍ يُلى) دليلٌ على: أن الذين يتعيَّن على أهل الفضل، والعلم، والعبادة، والمنزلة: احتقار ما يتعيّن على أهل الفضل والعلم ٣٧٥ (٤٢) كتاب التفسير - (٤) ومن سورة النور ولكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ لهِ فِي النَّومِ رُوْيَا يُبَرِّثني اللَّهُ بِها. قالتْ: فواللَّهِ! ما رَام رسولُ اللهِ ﴿ مَجلسَهُ، ولا خَرَجَ من أهْل البيت أحدٌ؛ حتى أَنْزَل اللَّهُ عزَّ وجلّ على نبيّه وَّةِ، فَأَخَذَهُ ما كانَ يأْخُذُهُ من البُرحَاء عند الوحي، حتى إنّه ليتَحدَّر منه مثلُ الجُمَانِ من العَرقِ في اليوم الشَّاتي، مِن ثِقَلِ القولِ الذي أُنزِلَ عَلَيْه. قالَتْ: فَلَمَّا سُرِّي عن رسولِ اللهِ وَ﴿ وهو يَضْحَكُ، فَكَانَ أَوَّل كلمةٍ تكلّم بها أنْ قال: ((أبشري! يا عائشة! أمَّا الله فقد برأكِ))، فقالتْ لي أمِّ: قومي إليه! فقلتُ: واللهِ أنفسهم، وترك الالتفات إلى أعمالهم، ولا إلى أحوالهم، وتجريد النظر إلى لطف الله، ومنَّته، وعفوه، ورحمته، وكرمه، ومغفرته. وقد اغترَّ كثيرٌ من الجهَّال بالأعمال فلاحظوا أنفسَهم بعين استحقاقِ الكرامات، وإجابة الدَّعوات، وزعموا أنَّهم ممن يُبرَّك بلقائهم، ويُغتنم صالحُ دعائهم، وأنهم يجب احترامُهم وتعظيمُهم، فيُتمسَّحُ بأثوابهم، وتُقَبَّل أيديهم، ويرون أنَّ لهم من المكانة عند الله بحيثُ ينتقم لهم ممن تنفَّصَهم في الحال، وأن يُؤْخَذَ من أساء الأدب عليهم من غير إمهال، وهذه كلُّها نتائجُ الجهل العميم، والعقل غير المستقيم؛ فإن ذلك إنما يصدرُ من جاهلٍ مُعْجَبٍ بنفسه، غافل عن جُرْمه وذنبه، مُغَترٌّ بإمهال الله - عز وجل - له عن أَخْذه، ولقد غلب أمثالُ هؤلاء الأنذال في هذه الأزمان فاستتبعوا العوامّ، وعظمت بسببهم على أهل الدِّين المصائبُ والطوامَ، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وهذه نفثاتُ مصدور، وإلى الله عاقبة الأمور. و (قولها: فما رامِ رسولُ اللهِ﴿ مجلسَه) أي: ما برحه، ولا قام عنه. يقال: رامه یریمه ريماً؛ أي: برحه ولازمه، ويقال: رمت فلاناً، ورمت من عند فلان. قال الأعشى: أبانا فَلاَ رِمْتَ مِنْ عِنْدِنا فَإِنَا بِخَيْرٍ إذا لَمْ تَرِمْ ٣٧٦ (٤٢) كتاب التفسير - (١٦) ومن سورة النور لا أقوم إليه! ولا أحْمَدُ إلا اللَّهَ هو الذي أنزل براءَتي! قالتْ: فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَآءُ و بِاَ لْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾ [عَشْرِ آيات [النور: ١١ -٢٠]، فأنزل الله عز وجلّ هؤلاء الآياتِ بَرَاءتي. قالتْ: فقال أبو بكر - وكان يُنفق على مسْطَح لِقرابَتِهِ منه وفَقْرِه -: والله! لا أُنْفِقُ عليْه شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة. فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوَأْ أُوْلِى اَلْقُرْبَ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]. قال عبد الله بن المبارك: هذِهِ أَرْجَى آيةٍ في كتابِ اللَّهِ - فقال أبو بكرٍ: والله! إنِّي لأُحِبُّ أنْ يَغْفِرِ الله لي، فرَجَع إلى مِسْطِحِ النَّفَقَّةَ التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنْزِعُها مِنه أبداً. قالتْ عائشة: وكان رسولُ اللّهِ وَلِ سَأل زينب بنت جحش زَوْجَ النَّبِيِّ وَِّ عن أمْرِي: ((مَا عَلِمْتٍ؟ - أو: ما رأيتِ ـ؟))، فقالتْ: وأما رام: بمعنى: طلب. فيقال منه: رام يروم روماً. والبرحاء على فعلاء: شدة الحمى وغيرها، وهو البَرَح أيضاً. يقال: لقيتُ منه بَرَحاً بارحاً، ولقيت منه البُرحين والبِرحين - بضم الباء وكسرها - أي: الشدائد، والدواهي. وسُرِّي عن رسول الله وَ ل﴾ أي: انكشف ما كان به، وزال عنه، وهو بالتشديد مبني لما لم يُسَمَّ فاعلُه. و (قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْثَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ... ) الآية [النور: ٢٢]) أي: لا يحلف. يقال: آلى يؤلي، وائتلى يأتلي: بمعنى واحد، والفضلُ هنا: المال والسَّعة في العيش والرزق. و (قولها: تساميني) أي: تعاندني، وتضاهيني في الجمال والمكانة عند رسول الله ◌َفي، من السمو، وهو الارتفاع. ٣٧٧ (٤٢) كتاب التفسير - (١٦) ومن سورة النور يا رسولَ الله! أَحْمِي سَمْعي وبَصَرِي. واللَّهِ! ما علمتُ إلا خيراً. قالتْ عائشة: وهي التي كانَتْ تُساميني من أزواج النبي ◌َّ فَعَصَمَها الله بالورع، وطَفِقَت أُخْتُها حَمْنَة بنتُ جَحشٍ تُحاربُ لَها، فَهَلَكتْ فيمن هَلَك. قال الزُّهرِي: فهذا ما انتهى إلينا. و (قول زينب: أحمي سمعي وبصري) أي: أمنعهما من عقوبة الله تعالى بالكفّ عن قول: سمعت، أو رأيت. أي: لم أَرَ ولم أسمع، وما علمتُ إلا خيراً، فعصمها اللَّهُ مِنَ الهلاك بما رَزَقَها من التثبُّت، والدِّين، والورع، مع أنها كانت تُناصبها، وتنافسها في المرتبة، فكان كما قال من لا يجوزُ عليه الخطأُ ولا الكذب: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ بَخْرًَّا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ -٣]. و (قولها: وطفقتْ أختُها حمنة بنت جحش تحاربُ لها، فهلكت فيمن هلك) أي: حُدَّت حدَّ القذف فيمن حُدَّ. و(قوله: أسقطوا لها به) كذا عند الجلودي. أي: كلّموها بسقط من القول. يقال: أسقط الرجل: إذا قال كلاماً رديئاً سقط فيه. وعلى هذا فيكون الضمير في (به) عائداً على القول. أي: أسقطوا لها بالقول. وقيل معناه: صرَّحوا لها بالفحش، ولذلك لما سمعته بريرة أعظمتْ ذلك، وأنكرته، وقالت: سُبحان الله! والله ما علمتُ عليها إلا ما يعلم الصائغُ على تِبْر الذهب الأحمر. وقد وقعتْ هذه الكلمة التي هي: سبحان الله، في هذا الحديث على نحو ما جاءت في قوله: ﴿ سُبْحَتَكَ هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] والمقصودُ بذكرها في هذه المواضع إعظامُ نسبة السوء إلى عائشة - رضي الله عنها - وتحقيق براءتها، وكأن المتكلِّمَ بها يريدُ أن يقول: التنزيه والبراءة الله من أن يجريَ ذلك على مثل عائشة، وأن يوقعَه في الوجود، والله تعالى أعلم. ٣٧٨ (٤٢) كتاب التفسير - (١٦) ومن سورة النور زاد في رواية: قال عروة: كانتْ عائشةُ تكرَهُ أن يُسبَّ حَسَّانُ عندها. وتقولُ: إنه قال: فَإِنَّ أبِي وَوَالدَهُ وعِرْضِي لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُم وِقَاءُ وفي أخرى: قالتْ: لما ذُكِرِ مَن شأني الذي ذُكِرَ، وما عَلمْتُ بِهِ، قام رسولُ اللهَ وَِّ خطيباً فَتَشْهَّدَ، فَحَمد الله وأثنى عليهِ بمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثمّ قال: ((أَمَا بَعْدُ: أشِيروا عليَّ في أُنَاس أَبْنُوا أَهْلِي، وايم الله! ما عَلِمتُ عَلى أَهْلِي من سوءٍ قَطُّ، وأَبُوهُم، بِمَنْ، والله! مَا علمتُ عليه من سوءٍ قطُّ، ولا دَخل بيتي قَطُ إلَّا وأنا حاضِرٌ ولا غِبْتُ في سَفَرِ إلَّ غَابَ مَعِي)). وساقَ الحديثَ بقصته. وفيه: ولقَدْ دخل رِسِولُ اللهِ وَهُ بَيْتِي فسأل جارِيتي، فقالتْ: واللَّهِ! ما علمتُ عَلَيها عيْباً، إلّا أنها كانت ترقدُ حتى تدخل الشاةُ فتأكلَ عَجِينَها - أو قالتْ: خَميرها - فانتهَرَها بعضُ أصحابه، فقال: اصدُقي رسولَ اللَّهِ وَلَ! حتى أسقَطوا لها به. فقالتْ: سُبحانَ اللَّهِ! واللهِ! ما عَلِمْتُ عَلَيْها إلَّ ما يعلمُ الصائغ على تِبْرِ الذَّهب الأحمر! وقد بلغَ الأمر ذلك الرجلَ الذي قيل له. فقالَ: سبحانَ الله! والله! ما كشفتُ عن كَنَف أُنَّثِى قَطُّ! قالت عائشةُ: وقُتِلَ شهيداً في سبيل الله. و (قوله: ((أشيروا عليَّ في أناسٍ أَبْنُوا أهلي))) أي: اتَّهموهم، وقذفوهم بالفاحشة، ويقال: رجل مأبون: أي: معروفٌ بِخَلَّةٍ من السوء؛ أي: مُتَّهم. ويقال: أَبْنَه - بالفتح - في الماضي، يأْبِنَّه - بالضم والكسر - في المضارع. و (قول صفوان - رضي الله عنه -: واللَّهِ ما كشفتُ عن كنف أنثى قطّ) هو بفتح النون، وهو الثوبُ هنا، وأصله السَّاتر، وهو كنايةٌ عن الجماع. أقسم أنه ما جامع امرأةً قط. وكأنه لم يكنْ له أربٌّ في النساء، والله تعالى أعلم. ٣٧٩ (٤٢) كتاب التفسير - (١٦) ومن سورة النور وكان الذين تكلّموا بهِ: مِسْطَحٌ، وحمنَةُ، وحسَّانُ. وأمَّا المنافقُ عبدُ و (قوله: وكان الذين تكلَّموا به: مسطح(١)، وحَمْنَة، وحسان)، وقد ذكرنا الخلافَ في حسان في باب فضائله. هل صرَّح بالقذف أم لا؟ وهل حُدَّ أم لا؟ والصحيح: أنه حُدَّ بما رواه أبو داود عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: لما نزل عُذْري قام النبيُّ ◌َ ﴿ فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل أَمَر بالرجلين والمرأة من خُدَّ في فضُرِبوا حدَّهم وسمَّاهم: حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحَمْنَةُ بنت قذف السيدة جحش(٢). وفي كتاب الطحاوي: ثمانين ثمانين. وأما حمنة ومسطح، فحُدَّا، ولم عائشة يُسْمَعْ بحدٍّ لعبد الله بن أبيٍّ، والظاهر مِن الأخبار والأحاديث: أنه لم يُحَدَّ. وإنما لم يُحَدَّ عدو الله؛ لأن اللَّهَ قد أعدَّ له في الآخرة عذاباً عظيماً؛ لكان نقصاً من عذابه في الأخرى، وتخفيفاً عنه، وقد أشار اللَّهُ تعالى إلى هذا بقوله: ﴿وَلَذِى تَوَلَّك كِبْرَءُ مِنْهُمْ لَهُمُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]. مع أنَّ اللَّهَ تعالى قد شهد ببراءة عائشة ثبوت براءة - رضي الله عنها - وبكذب كلِّ مَن رماها، فقد حصلت فائدةُ الحدِّ؛ إذ مقصودُه السيدة عائشة إظهارُ كذب القاذف وبراءة المقذوف، كما قال تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالنُّهَدَآءِ فَأُوْلَكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، وإنما حُدَّ هؤلاء المسلمون ليكفّر عنهم إثمُ ما صدر عنهم من القذف، حتى لا يبقى عليهم تبعةٌ من ذلك في الآخرة. وقد قال النبي * في الحدود إنها كفارة لمن أقيمت عليه، كما تقدم في حديث عبادة بن الصامت. ويحتمل أن يقال: إنما ترك حدَّ ابن أبيّ استئلافاً لقومه، واحتراماً لابنه، وإطفاءً لثائرة الفتنة المتوقَّعة من ذلك، وقد كانت ظهرت مباديها من سعد بن عبادة، ومِن قومه كما تقدَّم. ومعنى يستوشيه: يطلبه، ويبحث عنه، ويشنّعه. يقال: فلان يستوشي فرسه: يعقبه؛ أي: يطلب ما عنده من الجري، ويستخرجه. وحديث الإفك هذا فيه أحكامٌ كثيرة، لو تُتُبُّعتْ لطال الأمر، وأفضى إلى الملال، ومَن تفقَّدها مِن أهل الفطنة وجدها. (١) جاءت هذه اللفظة في جميع نسخ المفهم بالنصب، بينما جاءت في التلخيص بالرفع. (٢) رواه أبو داود (٤٤٧٤)، والترمذي (٣١٨٠)، وابن ماجه (٢٥٦٧). ٣٨٠ (٤٢) كتاب التفسير - (١٦) ومن سورة النور الله بنُ أُبيِّ فهُوَ الذي كان يَسْتَوشِيهِ، ويجمعهُ، وهو الذي تولى كِبره، وحمنهُ. رواه أحمد (١٩٥/٦)، والبخاريُّ (٤٧٥٠)، ومسلم في التوبة (٢٧٧٠)((٥٦ - ٥٨)، والترمذيُّ (٣١٧٩)(، والنسائي (١٦٣/١). ووقعتْ هذه القضية في غزوة المريسيع، وهو ما في ناحية قديد مما يلي الساحل. أغار النبيُّ ◌َ﴿ على بني المصطلق وهم غارُّون؛ أي: غافلون، وأنعامهم تُسقى على الماء، فقتل المقاتلةَ، وأسر، وكانت هذه الغزوةُ في شعبان سنة ست من الهجرة. هذا أشهرُ الأقوال عند أهل السِّير، وعلى هذا ينشأ بحثٌ يلزمُ منه وَهْمُ بعضٍ النقلة؛ فإنه قد تقدَّم في هذا الحديث أنَّ سعد بن معاذ هو الذي راجَعَ سعدَ ابن عُبادة حتى سَرَى أمرُهما، ولم يختلف أحدٌ من الرواة في أنَّ سعد بن معاذٍ - رضي الله عنه - مات في منصرف رسولِ الله ◌ِ ﴿ من بني قريظة، بعد أن حَكَم بحكم الله، وذلك سنة أربع، ولم يدرك غزوة المريسيع. هذا قولُ أهلِ الثَّقْل. قلتُ: فعلى هذا يكونُ ذِكْرُ سعد بن معاذ في هذا الحديث وهماً وغلطاً، وكذلك قال أبو عمر بن عبد البر. قال: وإنما تَراجَعَ في ذلك سعد بن عبادة وأسيد ابن حضير، وكذلك ذَكَر ابنُ إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، وهو الصَّحيح. قال القاضي أبو الفضل: قال ابنُ عقبة: إن غزوة المريسيع كانت سنة أربع في سنة غزوة الخندق، وقد ذكر البخاريُّ اختلافَ ابنِ إسحاق، وابن عقبة في ذلك. قال: وقد وجدتُ الطبريَّ ذَكَر ذلك عن الواقدي: أنَّ المریسیعَ سنة خمس، قال: وكانت الخندقُ وقريظةُ بعدها. قال: ووجدتُ القاضي إسماعيل قال: اختلفوا في ذلك، والأولى: أن تكونَ المريسيعُ قبلها . قلتُ: فعلى هذا يستقيمُ ما رواه مسلم والبخاري من ذِكْر سعد بن معاذ، ولا يكون ذكرُه وهماً، والله تعالى أعلم.