النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١
(٤٢) كتاب التفسير - (٢) ومن سورة البقرة
[٢٨٥٥] وعن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُواْمَا
فِى أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اَللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، قال: دخل
قلوبَهُم منها شيءٌ لم يدخلْ قلوبَهُم من شيءٍ. قال النَّبِيُّ ◌َّهِ: («قولوا:
سَمِعْنا وأَطَعْنا وسَلَّمْنا)). قال: فألقى اللَّهُ الإيمانَ في قلوبهم، فأنزل
الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا
فنفى اللَّهُ ذلك بقوله: ﴿وَلَّيْسَ أَلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]
ثم بيَّن ما يكون فيه البِرُّ بقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ أَنَّقَى﴾ [البقرة: ١٨٩] أي: بُّ من
اتقى الله، وعمل بما أمره اللَّهُ به من طاعته. ويُستفاد منها: أن الطاعات والقربَ يتوصل إلى
إنما يُتوصَّل إليها بالتوقيف الشَّرعي، والتعريف، لا بالعقل والتخريف. فالبيوتُ الطاعات
على هذا محمولةٌ على حقائقها، وقد قال بعضُ العلماء: إن المراد بها إتيان الأمور الشرعي
بالتوقيف
من وجوهها، وهو بعيدٌ، وأبعدُ من قول من قال: إن المرادَ بها إتيانُ النساء في
فروجهن، لا في أدبارهن، والصحيحُ الأول. وأما القولان الآخران فيؤخذان من
موضع آخر، لا من الآية.
و (قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]) التكليف هو الأمر لا يأمر تعالى
بما يشقّ عليه (١)، وتكلفت الشيء: تجشّمته. حكاه الجوهري، والوسع: الطاقة إلا بما يطيقه
والجِدَة. وهذا خبرٌ من الله تعالى أنه لا يأمرُنا إلا بما نطيقه ويمكننا إيقاعُه عادةً،
الناس
وهو الذي لم يقعْ في الشريعة غيره، ويدلُّ على ذلك تصفّحها، وقد حُكي الإجماعُ
على ذلك. وإنما الخلافُ في جواز التكليف بما لا يمكننا إيقاعُه عقلاً، كالجمع
بين الضدين، أو عادةً كالطيران في الهواء، والمشي على الماء، فمِن مجوِّزٍ، ومِن
مانع، وقد بيَّنَّا ذلك في الأصول، واستيفاءُ الكلامِ عليها في عِلْم الكلام.
تنبيهً: الله تعالى بلطفه بنا وإنعامه علينا، وإن كان قد كلَّفنا بما يشق علينا،
(١) ليست في (م ٤).
٣٢٢
(٤٢) كتاب التفسير - (٢) ومن سورة البقرة
لَهَامَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قال: قد
فعلت ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾، قال:
قد فعلتُ ﴿ وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾
[البقرة: ٢٨٦]. قال: قد فعلتُ)).
رواه مسلم (١٢٦)، والترمذيّ (٢٩٩٥).
*
ويثقلُ، كثبوت الواحد للعشرة، وهجرة الإنسان، وخروجه عن وطنه، ومفارقة
أهله وولده وعادته، لكنه لم يكلِّفنا بالمشقات المثقلة، ولا بالأمور المؤلمة كما
كُلِّف مَن قبلنا؛ إذ كلَّفهم بقتل أنفسهم، وقرض موضع البول من أبدانهم، بل
سهّل، ورفق بنا، ووضع عنا الإصر والأغلال التي وضعها على مَن كان قبلنا، فله
الحمدُ والمنَّة، والفضل والنعمة.
أفعال العباد
مکتسبة
و (قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] دليل على صحة
إطلاق أئمتنا على أفعال العباد: كسباً، واكتساباً؛ ولذلك لم يطلقوا على ذلك:
لا خلق، ولا خالق، خلافاً لمن أطلق ذلك من مجترئة المبتدعة، ومن أطلق من
أئمتنا على العبد فاعل: فالمجاز المحض كما يعرف في الكلام.
و (قوله: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]) أي: اعفُ عن
إثم ما يقعُ مَّا على هذين الوجهَيْن أو أحدهما، كقوله وَّر: ((رُفع عن أمتي الخطأ،
والنسيان، وما استكرهوا عليه))(١) أي: إثم ذلك، وهذا لم يختلف فيه: أنّ الإثم
مرفوع، وإنما اختلف فيما يتعلَّق على ذلك من الأحكام؛ هل ذلك مرفوع لا يلزمُ
(١) رواه البيهقي في السنن (٨٤/٦) و (٣٥٧/٧). وانظر: مجمع الزوائد (٢٥٠/٦)،
وفتح الباري (١٦٠/٥ و١٦١).
٣٢٣
(٤٢) كتاب التفسير - (٣) ومن سورة آل عمران
(٣) ومن سورة آل عمران
[٢٨٥٦] عن أبي سعيد الخُذْرِيِّ: أنَّ رجالاً من المنافقين، في عهد
رسول الله وَ﴿، كانوا إذا خرج النَّبِيُّ وَّهِ إلى الغَزْوِ تَخَلَّقُوا عَنه، وفَرحوا
بمقعَدِهم خِلافَ رسول الله ◌َ ﴿، فإذا قَدَمَ النَّبيُّ ◌َّرِ اعتذروا له، وحلفوا،
منه شيءٌ، أو يلزم أحكام ذلك كلّه؟ اختلف فيه. والصحيحُ أنَّ ذلك يختلفُ أقسام الخطأ
بحسب الوقائع؛ فقسمٌ: لا يسقط بالخطأ والنسيان باتفاقٍ، كالغرامات والديات والنسيان
والصَّلوات، وقسم: يسقطُ باتفاق، كالقصاص، والنطق بكلمة الكفر ونحو ذلك.
وقسم ثالث: يُختلف فيه، وصُوَره لا تنحصر، ويُعرف تفصيل ذلك في الفروع.
والإصر: الثقل والمشقة الفادحة. وقول ابن عباس في هذا الحديث حكاية عن
الله تعالى: ((قد فعلت)). وقول أبي هريرة في حديثه الذي تقدم في كتاب الإيمان؛
قال: ((نعم)) دليلٌ على أنهم كانوا ينقلون الحديث بالمعنى، وقد قرَّرنا في الأصول: حكم تَقْل
أن ذلك جائزٌ من العالم بمواقع الألفاظ، وأن ذلك لا يجوزُ لمن بعد الصدر الأول الحديث
بالمعنى
لتغيُّر اللغات، وتباين الكلمات. والمولى: الولي. والناصر: المعين على العدو.
والكافر: الجاحد.
(٣) ومن سورة آل عمران
(قوله: تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم) تخلّفوا: تأخّروا. والمقعد: القعود.
وحديث أبي سعيد هذا يدلُّ على: أنَّ قولَه تعالى: ﴿لا تحسبن ... ) الآية نزلتْ
في المنافقين، وحديث ابن عباس الذي بعده يدلُّ على أنها نزلتْ في أهل الكتاب،
ولا بُعْدَ في ذلك؛ لإمكان نزولها على السببين؛ لاجتماعهما في زمانٍ واحد،
فكانت جواباً للفريقين. واللَّهُ تعالى أعلم. والمفازة: الموضع الذي يفاز فيه من للعموم صيغ
مخصوص
المكروه.
٣٢٤
(٤٢) كتاب التفسير - (٣) ومن سورة آل عمران
وأحبُّوا أن يُحْمَدوا بما لَمْ يَفعلوا. فَنَزلت: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوَأْ
وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلَا تَحْسَبَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْمَذَّابِ﴾ [آل
عمران: ١٨٨].
رواه البخاريُّ (٤٥٦٧)، ومسلم (٢٧٧٧).
[٢٨٥٧] عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، قال: إنَّ مروانَ قال:
اذهب يا رافع ! - لبوّابِه - إلى ابن عباسٍ فقل: لَئِن كانَ كُلُّ امرئٍ مِنْا فَرِحَ
بما أَتَى، وَأَحبَّ أن يُحْمَد بما لَمْ يفعَل، مُعذَّباً، لَنْعَذَّبَنَّ أَجْمَعونَ! فقال
ابن عبّاس: ما لَكُمْ ولَهُذِه الآية؟ إنما أُنْزِلَتْ هذِ الآية في أهل الكتاب، ثم
و (قوله: ﴿ولا تحسبن﴾) أي: لا تظننَّ. أي: لتعلموا أنهم غير فائزين من
عذاب الله؛ لأنهم كتموا الحق، وأحبُّوا أن يُحمدوا به؛ أي: يُثنى عليهم بأنَّهم
عليه. والذين فاعل لتحسينَّ، ومفعولاها محذوفان؛ لدلالة ((تحسبنهم)) عليه،
وهذا نحو قول الشاعر(١):
بِأَيِّ كِتَابٍ أَمْ بِأَيَّةِ سُنَّةٍ تَرَى حُبَّهُمْ عاراً عَلَيَّ وَتَحْسِبُ؟!
اكتفى بذكر مفعولي الفعل الواحد عن ذكر مفعولي الثاني، وهذا أحسنُ
ما قيل فيه.
و (قوله: واستحمدوا بذلك عنده) أي: طلبوا أن يُحمدوا.
و (قول مروان لابن عباس - رضي الله عنهما -: لئن كان كل امرىء منا فرح
بما أتى، وأحبّ أن يُحمد بما لم يفعل معذباً، لَنُعَذبن أجمعون) دليل على صحة
القول بأنَّ للعموم صيغاً مخصوصة، وأن (الذين) منها، وهذا مقطوعٌ به من
بعضهم، ذلك من القرآن والسنة.
(١) هو الكميت بن زيد الأسدي. انظر: خزانة الأدب (٩/ ١٣٧).
٣٢٥
(٤٢) كتاب التفسير - (٤) ومن سورة النساء
تلا ابنُ عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّئُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا
تَكْتُمُونَهُ﴾ وتلا ﴿لَا تَجْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوَأْ وَ يُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾
[آل عمران: ١٨٧ - ١٨٨]، وقال ابن عباس: سَأَلَّهُم النَّبِيُّ ◌َله عن شيءٍ
فكَتَموه إيَّاهُ، وأَخْبَرُوه بِغِيْره، فخرجوا قَدْ أَرَوْهُ أَنْ قد أخبروه بما سألهم
عنه، واسْتَحْمَدوا بِذلك إليه، وفَرِحُوا بما أَتوا من كِتْمانهم إيَّه ما سألهم
عنه .
رواه البخاريُّ (٤٥٦٨)، ومسلم (٢٧٧٨)، والترمذيّ (٣٠١٨).
[٢٨٥٨] وعن أنس بن مالكٍ، قال: ((يُقَالُ للكافرِ يومَ القيامة:
أرأيتَ لَوْ كانَ لكَ مِلُ الأرض ذهباً، أكنت تفتدي به؟ فيقولُ: نعم.
فيقال: كَذَبْتَ! لقد سئلتَ أيسرَ من ذلك)).
رواه أحمد (٢١٨/٣)، والبخاريُّ (٦٥٣٨)، ومسلم (٢٨٠٥)
(٥٢).
(٤) ومن سورة النساء
[٢٨٥٩] عن عروة بن الزُبير، أنَّه سأل عائشة عن قول الله تعالى:
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِىِ الْيَ فَأَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَتُلَثَ وَرُّبَعَ﴾
[النساء: ٣]، قالت: يابنَ أُختي! هِي اليتيمة تكون في حَجْرٍ وَلِيُّها تُشارِكُه
(٤) ومن سورة النِّساء
(قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِكُواْ فِ اٌلْيَى فَأَنْكِحُواْمَا طَابَ لَّكُمْ مِنَ النِّسَآِ﴾ [النساء: ٣])
خفتم: فزعتم وفَرقتم، وهو ضدُّ الأمن، ثم قد يكون الخوفُ منه معلومَ الوقوع
٣٢٦
(٤٢) كتاب التفسير - (٤) ومن سورة النساء
في مالِه، فيُعجبُهُ مالُها وجمالُها، فيريدُ وَلُّها أن يتزوَّجَها بغير أَنْ يُقْسطَ في
صَدَاقها، فيُعْطِيها مثلَ ما يُعْطِيها غيرُه، فَنُهوا أنْ ينكحُوهن إلا أن يُقسطوا
لَهُن، ويَبْلُغُوا بهن أعلى سُنَّتِهِن من الصَّداقِ، وأمرُوا أن ينكحُوا ما طاب
معنی الُم
وقد يكون مظنوناً، فلذلك اختلف العلماءُ في تفسير هذا الحديث. هل هو بمعنى
العلم، أو بمعنى الظن، فقال بعضُهم: خفتم: علمتم، وقال آخرون: خفتم:
ظننتم، وحقيقةُ الخوف ما ذكرناه أولاً. وتقسطوا: تعدلوا. وقد تقدَّم: أن أقسطَ
بمعنى عدل، وقسط: بمعنى جار. وقد تقدم أن اليتم في بني آدم من قِبَل فَقْد
الأب، وفي غيرهم مِن قبل فَقْد الأم، وأن اليتيم إنما أصلُه أن يقال على مَن لم
يبلغ، وقد أُطلق في هذه الآية على المحجور عليها - صغيرة كانت أو كبيرة -
استصحاباً لإطلاق اسم اليتيم لبقاء الحَجْر عليها، وإنما قلنا: إن اليتيمةَ الكبيرة قد
دخلتْ في الآية؛ لأنَّها قد أُبيح العقدُ عليها في الآية، ولا تنكح اليتيمةُ الصغيرةُ إذ
لا إذنَ لها، فإذا بلغتْ جاز نكاحها لكن بإذنها، كما قال النبيُّ نَّهِ فيما خرَّج
الدارقطني، وغيره في بنت عثمان بن مظعون، وأنها يتيمة، ولا تنكح إلا بإذنها(١)،
وهذا مذهبُ الجمهور خلافاً لأبي حنيفة، فإنه قال: إذا بلغت لم تحتج إلى وليٍّ،
بناءً على أصله في عدم اشتراط الولي في صحة النكاح - كما قدمناه في كتاب
النكاح ۔.
و (قوله: ﴿فَأَنكِحُوْمَا طَابَ لَّكُمْ مِنَ النِّسَآءِ﴾ [النساء: ٣]) قد تقدَّم أنَّ (ما) أصلُها
لما لا يعقل، وقد تجيءُ بمعنى الذي، فتطلق على مَن يعقل كما جاءت في هذه
الآية؛ فإنها فيها للنساء، وهنَّ ممن يعقل، ولا يُلتفت لقول من قال: إن المرادَ بها
- هنا - العقد؛ لقوله تعالى بعد ذلك (من النساء) مبيّناً لمبهم (ما).
و (قوله: ﴿مَثْنَ وَثُلَثَ وَرُبَعَ﴾) قد فهم من هذا مَن بَعُدَ فهمه للكتاب
(١) رواه الدارقطني (٢٢٩/٣ - ٢٣٠).
٣٢٧
(٤٢) كتاب التفسير - (٤) ومن سورة النساء
لهم من النساء سِوَاهُنَّ. قال عروةُ: قالت عائشةُ: ثمّ إنَّ النَّاس اسْتَفْتوا
رسول الله ◌َ﴿ بعد هذه الآية فيهنّ، فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِ النِّسَآِ قُلِ اَللَّهُ
يُقْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾، إلى قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]،
قالت: والذي ذكرَ الله: أنَّه يُتْلَى عليكم في الكتاب الآية الأولى الذي قال
الله فيها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِي الْيَكَ فَنكِحُواْ﴾ [النساء: ٣]، قالت: وقول
الله في الآية الأخرى: وتَرْغَبُون أَن تَنْكحُوهُن، رَغْبَة أحدِكم عن يتيمته التي
والسنة، وأعرض عمَّا كان عليه سلف هذه الأمة، وقلَّ علمُه باللسان واللغة؛ أنه
يجوزُ لنا أن ننكح تسعاً، ونجمع بينهن في عصمةٍ واحدة من هذه الآية، وزعم أن
الواو جامعة، وعضَّد ذلك بأن النبيَّ ◌َ ﴿ نكح تسعاً، وجمع بينهن في عصمة.
والذي صار إلى هذه الجهالة: الرافضة، وطائفة من أهل الظاهر. فجعلوا مثنى
وثلاث ورباع مثل اثنين، وثلاث، وأربع، وبينهما من الفرقان ما بين الجماد
والإنسان، فإنَّ أهلَ اللغة مُطْبِقون على الفرق بينهما، ولا نعلمُ بينهم خلافاً في
ذلك، وبيانُ الفرق: أن العربَ إذا قالت: جاءت الخيلُ مثنى مثنى إنما تعني
بذلك: اثنين، اثنين. أي: جاءت مزدوجة. قال الجوهري: وكذلك جميع معدول
العدد.
قلتُ: وعلى هذا جاء قولُه تعالى في وصف الملائكة: ﴿أُوْلٌ أَجْنِحَةٍ مَّْفَى
وَثُلَكَ وَرُبَعَ﴾ [فاطر: ١] ويعلم على القطع والبتات: أنه لم يرد هنا توزيع هذه
الأعداد على الملائكة حتى يكونوا هم: أولي تسعة أجنحة يشتركون فيها، ولا أنه
جمع كلّ واحد من آحاد الملائكة تسعة أجنحة. وتلزم هذه الفضائح مَن قال
بالجمع في آية النكاح، إذ لا فرقَ بين هاتين الآيتين في هذا اللفظ في العدل(١)،
(١) في (م ٤): العدول. وانظر في هذا بحثاً قيِّماً للقرطبي في تفسيره. الجامع لأحكام
القرآن (١٥/٥).
٣٢٨
(٤٢) كتاب التفسير - (٤) ومن سورة النساء
تكون في حَجْره، حين تكونُ قليلة المال والجمالِ، فَنُهوا أن ينكحُوا ما
رَغِبُوا في مَالِها، وجمالِها من يتامى النِّساءِ إلَّ بالقِسْط من أَجْلِ رغبتهِم
عنهنّ.
والعطف بالواو الجامعة، وإنما المراد: أنَّ اللَّهَ تعالى خلق الملائكةَ أصنافاً، فمنهم
صنفٌ جَعَل لکلّ واحد منهم جناحین، ومنهم صنف جعل لكل واحد منهم ثلاثة،
ومنهم صنف جعل لكل واحدٍ منهم أربعة، وكذلك آية النكاح معناها: أنَّ الله تعالى
أباح لكلِّ واحدٍ منهم من الزوجات ما يقدرُ على العدول فيه، فمن يقدرُ على العدل
في اثنتين أُبيح له ذلك، ومن يقدرُ على العدل في أكثر أُبيح له ذلك، فإن خافَ أَلَّ
غاية الإباحة يعدلَ فواحدة كما قال تعالى، وغايةُ الإباحة أربع؛ لأنه انتهى إليهن في العدد،
في النكاح أربع ولقول النبيِّ ◌َله الغيلان بن أمية: ((أمسك أربعاً، وفارق سائرهن)) (١) ولأنه لم يُسْمَعْ
نسوة
عن أحد من الصحابة، ولا التابعين: أنه جَمَع في عصمته بين أكثر من أربع، وما
زواجه {ێ﴾
أُبيح للنبيِّ ◌َل﴿ من ذلك، فذلك من خصوصياته، بدليل: أنَّ أصحابَهُ قد علموا
بأكثر من أربع ذلك، وتحقَّقوه، فلو علموا أن ذلك مُسوَّغٌ لهم لاقتدوا به في ذلك، فكانوا
من
خصوصياته
يجمعون بين تسع، فإنهم كانوا لا يعدلون عن الاقتداء به في جميع أفعاله،
وأحواله، ويبادرون إلى ذلك مبادرة مَن عَلِم: أنَّ التوفيقَ والفلاح، والحصول على
خير الدنيا والآخرة في الاقتداء به، فلولا أنهم علموا خصوصيته بذلك لما امتنعوا
منه، وما يروي الرافضةُ في ذلك عن علي، أو غيره من السّلف، فغيرُ معروفٍ عند
أهل السُّنَّة، ولا مأخوذٍ عن أحد من علماء الأمة، وکیف لا؟ وقوله لغیلان قد بيَّن
القدرَ المباح غاية البيان، وهو مِن الأحاديث المعروفة المشهورة عند كل أحدٍ،
بحيث لا يحتاج فيه إلى إقامة سند. وقد ذهب بعضُ أهل الظاهر إلى إباحة الجمع
بين ثماني عشرة، تمشّكاً بأن العدل في تلك الصّيغ يفيدُ التكرار لما لم يمكنه لذلك
إنكار، لكنه لما حمل الواو على الجمع جمع بين هذه الأعداد، وقَصَر كلّ صيغة
(١) رواه ابن حبان (٤١٥٧ و٤١٥٨)، والبيهقي (١٨١/٧).
٣٢٩
(٤٢) كتاب التفسير - (٤) ومن سورة النساء
وفي روايةٍ: قالت: أُنْزِلتْ في الرجلِ تكون له اليتيمة، وهو وليُّها
ووارثُها، ولها مالٌ، ولَيس لَها أحدٌ يُخاصِمُ دُونها فلا يُنْكِحُها لِمالها فَيَضُرُ
بها، ويُسيء صُحْبَتها. فقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِي الْيَ فَأَنكِحُوَأْمَا طَابَ لَكُمْ
مِّنَ النِّسَآَِّ﴾ [النساء: ٣]. يقولُ: ما أَحْلَلْتُ لكُمْ. ودَعْ هَذه التي تَضُرُّ بها.
من العدد المعدود على أقله، فجعل: مثنى بمعنى: اثنين واثنين، وثلاث: بمعنى
ثلاث وثلاث، ورباع: بمعنی أربع وأربع. وهذا القائلُ أعور بأي عينيه شاء، فإن کل
ما ذكرناه يُبطل دعواه، ونزيدُ هنا نكتةً تضمَّنها الكلام المتقدم، وهي أن قَصْره كلَّ
صيغةٍ على أقلّ ما تقتضيه بزعمه، تحكّم بما لا يوافقه أهلُ اللسان عليه، ولا يرشدُ
معنى الاثنين إليه؛ لأن مقصودَ الآية إباحةُ نكاح اثنتين لمن أراد، ونكاح ثلاث لمن
أراد، ونكاح أربع لمن أراد، وكلُّ واحد من آحاد كلِّ نوع من هذه الثلاثة
لا ينحصرُ، فكلُّ اثنين، وثلاث، وأربع لا ينحصر، فقصره على بعض أعداد ما تضمّنه
ذلك مخالفٌ لمقصود الآية، فتفهَّمْ ذلك؛ فإنه من لطيف الفهم، وللكلامُ في هذه
الآية متّسع، وفيما ذكرناه تنبيهٌ ومقنع.
وبعد أن فهمتَ أفرادَ تلك الكلمات، فاعلمْ أن العلماءَ اختلفوا في سبب
نزول هذه الآية، وفي معناها، فذهبت عائشةُ - رضي الله عنها - إلى ما ذكر في
الأصل عنها، وحاصلُ الروايات المذكورة عنها: أنها نزلتْ في ولي اليتيمة التي لها
مال، فأراد وليُّها أن يتزوَّجها، فَأُمِر بأن يوفيها صداق أمثالها، أو يكونَ لها مالٌ
عنده بمشاركةٍ أو غيرها، وهو لا حاجةً له لتزويجها لنفسه، ويكره أن يزوّجها غيره
مخافةً أخذ مالها من عنده، فأمر اللَّهُ الأولياءَ بالقسط، وهو العدلُ، بحيث: إن
تزوَّجها بَذَل لها مَهْرَ مثلها، وإن لم تكنْ له رغبةٌ فيها زوَّجها مِن غيره، وأوصلها
إلى مالها على الوجه المشروع، وتكميل معنى الآية: أنّ اللهَ تعالى قال للأولياء:
إن خفتم أَلَّ تقوموا بالعدل، فتزوَّجوا غيرهنّ، ممن طاب لكم من النساء اثنتين
اثنتين إن شئتم، وثلاثاً ثلاثاً لمن شاء، وأربعاً أربعاً لمن شاء. هذا قولُ عائشة في
٣٣٠
(٤٢) كتاب التفسير - (٤) ومن سورة النساء
وفي أخرى: أنزلتْ في اليتيمة، تكونُ عند الرَّجُلِ، فَتَشرَكُه في مالِه،
فيَرْغَبُ عَنها أن يتزوجها، ويكره أن يُزُوِّجَها غيره فيَشْرَكُهُ في مالِهِ،
فيَعْضِلُها، فلا يَتَزوَّجُها ولا يُزَوِّجها غَيْرَه.
رواه البخاري (٤٥٧٤)، ومسلم (٣٠١٨) (٦ و٨)، وأبو داود
(٢٠٦٨)، والنسائي (١١٥/٦).
الآية. وقال ابن عباس في معنى الآية: إنه قصر الرجال على أربع؛ لأجل أموال
اليتامى. فنزلت جواباً لتحرُّجهم عن القيام بإصلاح أموال اليتامى. وفسَّر عكرمة
قول ابن عباس هذا بألّا تكثروا من النساء، فتحتاجوا إلى أخذ أموال اليتامى. وقال
السديُّ وقتادة: معنى الآية: إن خفتم الجَوْرَ في أموال اليتامى فخافوا مثله في النساء،
فإنهن كاليتامى في الضعف، فلا تنكحوا أكثر مما يمكنكم إمساكهن بالمعروف.
قلتُ: وأقربُ هذه الأقوال وأصخُها: قول عائشة - إن شاء الله تعالى -.
وقد اتفق كلُّ من يعاني العلوم على: أن قولَه تعالى: ﴿وإن خفتم أَلَّ تقسطوا في
اليتامى﴾ ليس له مفهوم؛ إذ قد أجمع المسلمون على: أن من لم يَخَفِ القسط في
اليتامى له أن ينكحَ أكثر من واحدة: اثنتين، أو ثلاثاً، أو أربعاً، كمن خاف. فدلَّ
ذلك على: أنَّ الآيةَ نزلتْ جواباً لمن خاف، وأن حُكْمها أعمُّ من ذلك، وفي الآية
مباحثُ تُشْكِت الناقث(١). والمعدولة عن أسماء العدد صفات، وقيل: للعدل
والتأنيث؛ لأن أسماءَ العدد مؤنثة، وقيل: لتكرار العدد في اللفظ، والمعنى: لأنه
عدل عن لفظ اثنين إلى لفظ مثنى، وإلى معنى: اثنين اثنين، ومبدأُ العدل آحاد،
ومنتھاہ رُباع، ولم يُسمَعْ فیما فوق ذلك إلا في عُشار في قول الکمیت:
وَلَمْ يَسْتَرِيُثُوكَ حَتَّى رَمَّيْ ـتَ فَوْقَ الرِّجالِ خِصالاً عُشارا
(١) (الناقث)): نَقَث حديثه: إذا خلطه كخلط الطعام. ونَقَت العظم: استخرج مُخَّه. ونَقَد
عن الشيء: إذا حَفَر عنه.
٣٣١
(٤٢) كتاب التفسير - (٤) ومن سورة النساء
[٢٨٦٠] وعنها؛ في قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[النساء: ٦]، قالت: أُنزِلَتْ في وَالي اليتيم الذي يقومُ علیه ویُصلِحِهُ، إذا
كان مُخْتاجاً أن يأكلَ مِنْهُ.
في أخرى: بقدر ماله بالمعروف.
رواه البخاريُّ (٤٥٧٥)، ومسلم (٣٠١٩) (١٠ و١١).
وتختلفُ صيغ المعدول عن العدد، فيقال: موحد وآحاد وأحد، ومثنى،
وثنا، وثناي، ومثلثٌ وثَلاَثٌ وثُلَثُ، ومَرْبَعٌ ورَبَاعٌ ورَبَعٌ. وقرأ النخعي: (ثلث)
و (ربع).
و (قول عائشة في قوله تعالى: ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلِّ حُكْم أكل
بِاَلْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]: أنزلت في والي اليتيم) فعلى هذا: المراد بها أولياء الولي من مال
الیتیم
الأيتام، وهو قولُ الجمهور. وقال بعضُهم: المراد به اليتيم إن كان غنياً وسّع عليه
وأعفّ من ماله، وإن كان فقيراً أنفق عليه بقدره، وهذا في غاية البُعْد؛ لأن اليتيمَ
لا يخاطبُ بالتصرُّف في ماله لصغره، ولسفهه؛ ولأنه إنما يأكلُ من ماله بالمعروف
على الحالين، فيضيعُ التّنويعُ والتقسيم المذكور في الآية، وعلى قولِ الجمهور
فالولي الغني لا يأخذُ من مال يتيمه شيئاً، ولا يستحق على قيامه عليه أجراً دنيوياً؛
بل: ثواباً أخروياً، وأما الفقير، فاختلف فيه، هل يأخذ من مال يتيمه شيئاً؛ أم لا؟
فذهب زيد بن أسلم إلى أنه: لا يأخذ منه شيئاً وإن كان فقيراً، وحكي ذلك عن
ابن عباس بناءً على أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ بَأْكُلُونَ أَمْوَلَ
اَلْيَتَى كُلْمًا ... الآية﴾ [النساء: ١٠] وقيل: بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُوْاْ أَمْوَلَّكُم بَيْنَكُم
بِالْبَطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
قلتُ: وهذا لا يصح النسخ فيه لعدم شرطه؛ إذ الجمع ممكن؛ إذ الأخذ
الذي أباحه اللَّهُ تعالى ليس ظلماً، ولا أَكْلَ مالٍ بالباطل، فلم تتناوله الآيتان. وهذا
هو القولُ بالموجب. وذهب جمهورُ المجوِّزين إلى إباحة الأخذ، لكنهم اختلفوا
٣٣٢
(٤٢) كتاب التفسير - (٤) ومن سورة النساء
[٢٨٦١] وعن زيد بن ثابتٍ، أَنَّ النَّبيَّ ◌َِّ، خرج إلى أُحُدٍ، فَرَجَعَ
ناسٌ مِمَّن كان مَعَه، فكانَ أصحابُ النبيِّ ◌َ ﴿ فيهم فرقتين. قال بعضهم:
نَقْتُلُهُمْ. وقال بعضهم: لا. فنزلتْ:
﴿﴿ فَمَا لَكُمْ فِ اٌلْتُفِقِينَ فِئَتَيِّنِ ﴾
[النساء: ٨٨].
رواه البخاريُّ (٤٠٥٠)، ومسلم (٢٧٧٦)، والترمذيُّ (٣٠٣١).
في القَدْر المأخوذ، وفي قضاء المأخوذ، وفي وَجْه الأخذ، فروي عن عمر
- رضي الله عنه - أنه قال: إن أكلتَ قضيت، وبه قال عبيدة السلماني،
وأبو العالية، وهو أحدُ قولي ابن عباس وعكرمة، وقال مَنْ عدا هؤلاء: إنَّ له
الأَخْذَ ولا قضاءَ عليه، لكنهم اختلفوا في وَجْه الأخذ، فذهب عطاءً إلى أنه يأخذُ
بقَدْر الحاجة(١)، وقال الضخَّاك: يضارب بماله، ويأكل من ربحه. الحسن: يسدّ
الجَوْعة، ويستر العورة. الشعبي: من التمر واللبن. وقد رُوي هذا عن ابن عباس
- رضي الله عنهما - فقال: يأكل، ويشرب، ويركب الظهر غير مضرٌّ بنَسْلٍ ولا ناهكٍ
في الحلب. قال القاضي أبو بكر بن العربي: وعليه مذهبُ مالك.
قلتُ: والصحيح من هذه الأقوال - إن شاء الله - أن مالَ اليتيم إن كان كثيراً
يحتاجُ إلى كثير قيامٍ عليه، بحيث يشغل الولي عن حاجاته ومهماته، فرض له فيه
أجرة عمله، وإن كان قليلاً مما لا يُشغِلُه عن حاجاته فلا يأكل منه شيئاً، غير أنه
يستحبُّ له شربُ قليلِ اللبن، وأكل القليل من الطعام والتمر، غير مُضرٍّ به، ولا
مُستكثر له؛ بل: ما جرت به العادةُ بالمسامحة فيه. وما ذكرته من الأجرة، ونیل
القليل من الثمر واللبن كلّ واحد منهما معروف، فصلح حَمْل الآية على ذلك،
والله أعلم.
و (قوله: ﴿ فَمَا لَكُمْ فِىِ الْمُفِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]) أي: فريقين
(١) في (ز): الخدمة.
٣٣٣
(٤٢) كتاب التفسير - (٤) ومن سورة النساء
[٢٨٦٢] وعن قيسٍ بنِ عُبَادٍ، قال: قلنا لعمَّارٍ: أرأيتَ قِتالَكم؛ أرأياً
رَأَيْتموهُ؟ - فإنَّ الرأي يُخطىء ويصيبُ - أو عهداً عَهِدَه إليكم
رسولُ اللهَِ﴿؟ فقال: ما عَهِدَ إلينا رسول اللهِ وَ﴿ شيئاً لم يَعْهَدهُ إلى الناس
كافَّة. وقال: إنَّ رسول الله بِ ◌ّ قال: ((إنّ مِنْ أمَّتي - أو في أمتي - اثني عشر
منافقاً لا يدخلون الجنَّة، ولا يجدون ريحها حتى يَلج الجَمَلُ فِي سَمِّ
مختلفين في قتلهم، ويعني بالمنافقين: عبد الله بن أُبَيِّ وأصحابه الذين خذلوا
رسولَ اللهِ وَلَ﴿ يومَ أُحُد، وَرَجعُوا بعسكرهم، بعد أن خَرَجُوا معه إلى أحد، فلم
يأمر اللَّهُ بقتلهم؛ لما علم من المفسدة الناشئة عن ذلك، وهي التي نصَّ عليها
النبيُّ نَّه حيث قال: ((لئلا يتحدَّث الناسُ أنَّ محمداً يقتلُ أصحابه))(١). ثم قال بعد
هذا: ﴿وَاللّهُ أَزَكَسَهُم بِمَا كَسَبُوًا﴾ [النساء: ٨٨] أي: بكسبهم، عن الزجَّاجِ.
ابن عباس: أي: ردِّهم إلى كفرهم. قتادة: أهلكهم. السدِّيِّ: أضلّهم. وكلّها
قريب بعضه من بعض. وقيس بن عُبَاد: هو بضم العين وفتح الباء الموحدة
و تخفيفها .
و (قول عمَّار: ما عهد إلينا رسولُ الله ◌َيغير شيئاً لم يعهده إلى الناس كافة)
تكذيبٌ من عمّار للشيعة فيما يدَّعونه، ويكذبون به على رسول الله وَ ه وعلى عليّ
- رضي الله عنه - في يوم غدير خُمّ وغيره. وقد تقدَّم هذا المعنى. والدُّبيلة:
الداهية. يقال: دَبَلتهم الدُّبيلة؛ أي: أصابتهم الداهية. حكاها أبو عبيد، وصيغتها
صيغة التصغير؛ يُراد به التكثير، كما يقال:
دُوَنِهِيَّةٌ تَصْفَرُ مِنْهَا الأَنامِلُ(٢)
(١) رواه أحمد (٣٩٣/٣)، والبخاري (٤٩٠٧)، ومسلم (٢٥٨٤) (٦٣).
(٢) عجز بيت للبيد، وصدره:
وكلُّ أناسٍ سوفَ تدخُلُ بينهم
٣٣٤
(٤٢) كتاب التفسير - (٤) ومن سورة النساء
الخِيَاط، ثمانيةٌ مِنْهم تَكْفيكَهُمُ الدُّبَيْلة، سِراجٌ من نارٍ، يَظهرُ في أكتافهم
حتّی ینْجُمَ مِن صدورهم».
رواه أحمد (٣٢٠/٤)، ومسلم (٢٧٧٩) (١٠).
[٢٨٦٣] وعن عائشة: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ
إِعْرَاضًا ... ﴾ الآية [النساء: ١٢٨]، قالت: أنزلت في المرأة تكون عند
الرجل، فَلَعَلّه أَلَّا يستكثر منها، ويكونُ لها صحبةٌ ووَلَدٌ فتكره أن يفارقها،
فتقول له: أنْتَ في حِلِّ من شأني.
رواه البخاريُّ (٤٦٠٠)، ومسلم (٣٠٢١) (١٤).
والأظهر: أنه اسمٌ سمِّ به مصغراً كما قالوا: كميت. وأراد به هنا الورم
المهلك الذي يخرجُ بين الكتفين، والظاهر: أن المرادَ بالحديث: أن الله تعالى
يهلك هؤلاء الثمانية من المنافقين بهذا الداء في الدنيا، ولذلك قال: ((تكفيكهم
الدُّبيلة)) أي: يميتهم اللَّهُ بها.
و (قوله: ((حتى ينجم من صدورهم))) أي: تبلغ إلى قلوبهم، وتنفذ في
صدورهم. والله أعلم. وسمّ الخياط: ثقب الإبرة. والسمُّ: الثقب في كلِّ شيءٍ،
يقال: في فتح السين وضمها، وكذلك السمُّ القاتل، ويجمعان على سموم وسمام.
ومسامّ الجسد: ثُقَبُّه. والجمل: واحد الجمال، ودخول الجمل في ثقب الإبرة
محال، والمعلق على المحال محال، فدخول المنافقين الجنة محال، وهذا من
نحو قول العرب :
إذا شاب الغرابُ رجعت أهـ ـلي وصار القارُ كاللبن الحليب
أي: شيب الغراب وبياض القار لا يكونان، فرجوعُه إلى أهله لا يكون.
و (قوله: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨]) البعل:
الزوج. والنشوز: البغض. والإعراض: الميل عنها إلى غيرها. والجناح: الإثم
٣٣٥
(٤٢) كتاب التفسير - (٤) ومن سورة النساء
[٢٨٦٤] وعن سعيدٍ بنِ جُبَيرٍ، قال: قلت لابن عباسٍ: أَلِمَن قَتَلَ
مُؤْمِناً مُتعمِّداً مِنْ تَوْبة؟ قال: لا. فَتَلَوْت عليه هذه الآية التي في الفرقان:
والحرج. ويصَّالحا - بتشديد الصاد - أي: يتصالحا؛ أي: يعقدان بينهما صلحاً
على ما يجوز كإسقاط مَهْر، أو قَسْم، أو غير ذلك. وعن عليٍّ - رضي الله عنه -:
يعطيها مالاً؛ ليحوّل قَسْمها. وقرأه الكوفيون: ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلَّحًا﴾ من
أصلح، ويكون صلحاً مفعولاً، لا مصدراً. ويكون المعنى: أن يعقدا بينهما عقد
صلح، أو يفعلا صلحاً.
و (قوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]) أي: من النشوز، قاله الزجَّاج.
من الفُرْقة: ابن عباس.
وقول سعيد بن جبير لابن عباس: ألمن قَتَل مؤمناً متعمداً من توبة؟ قال: قبول توبة
لا ... الحديث. هذا هو المشهور - عن ابن عباس - وقد روي عنه: أن توبته القاتل العمد
تُقبل، وهذا هو قولُ أهل السُّنَّة، والذي دلَّ عليه الكتاب والسنة، كقوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وكقوله:
﴿ وَالَّذِينَ لَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَّهَا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلََّّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُنَ
وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّ مَن تَابَ
وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا فَأُوْلَكَ يُدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾
[الفرقان: ٦٨ - ٧٠]، وكقوله: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ
اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].
وأما السنة فكثيرة، كحديث عُبادة بن الصَّامت الذي قال فيه: ((تبايعوني على
أَلا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا
بالحق، فمن أصاب شيئاً من ذلك فعوقب به، فهو كفَّارة له، ومَن أصاب شيئاً من
ذلك فَسَتره اللَّهُ عليه، فهو إلى اللّهِ، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذَّبه)(١). وكحديث
(١) رواه البخاري (٧٢١٣)، ومسلم (١٧٠٩)، والترمذي (١٤٣٩)، والنسائي (١٤٨/٧).
٣٣٦
(٤٢) كتاب التفسير - (٤) ومن سورة النساء
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ آَلَِّى حَرَّعَ اللَّهُ إِلَّا بِأَلْحَقِّ﴾
إلى آخر الآية [الفرقان: ٦٨]. قال: هذه آيةٌ مكيَّةٌ نَسَخَتْها آيَةٌ مَدَنِية:
﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّهُ﴾ [النساء: ٩٣].
أبي هريرة - رضي الله عنه - في الذي قتل مئة نفس، وكحديث جابر في الذي قتل
نفسه بقطعه براجمه، وقد تقدّم کلُّ ذلك.
و (قول ابن عباس - رضي الله عنهما -: هذه آيةٌ مكية نسختها آيةٌ مدنية) قولٌ
لا يليقُ بعلم ابن عباس، ولا بفهمه؛ لأنه إن أراد به حقيقةَ النسخ كان غیر صحیح؛
النسخ لا يدخل لأنَّ الآيةَ خبرٌ عن وقوع العذاب بمن فعل تلك الأمور المذكورة في الآية، والنسخ
الأخبار
لا يدخل الأخبار، كما قرَّرناه في الأصول، سَلَّمنا أنه يدخلها النسخ، لكن الجمع
بين الآيتين ممكن بحيث لا يبقى بينهما تعارض، وذلك بأن يُحملَ مطلقٌ آية النساء
على مقيّد آية الفرقان، فيكون معناها: فجزاؤه جهنم إلا من تاب، لا سيما وقد
اتَّحد الموجِبُ، وهو القتل، والموجَبُ؛ وهو المتوعَّد بالعقاب، وقد قلنا في
أصول الفقه: إن مثل هذه الصورة مُتَّق عليها. وقد تأول جمهورُ العلماء آيةَ سورة
النساء تأويلات :
إحداها: أن المتعمد: المعنى فيها هو المستحلّ لقتل المسلم، ومن كان
کذلك کان کافراً.
وثانيها: أن قوله: ﴿فجزاؤه جهنم﴾ لا يلزم منه دخوله في جهنم ولا بُدَّ؛
لأنَّ معناه: إن جازاه، وقد رُفِع هذا التّقييد إلى النبي وَّ.
قلتُ: وتحرِّي هذا القول؛ أنّ قوله: ﴿فجزاؤه جهنم﴾ هو خبرٌ عن
استحقاقه لذلك، لا عن وقوع ذلك، ويجوز العفو عن المستحق، وحاصلُه راجعٌ
إلى القول بموجب الآية، فلا دلالةً فيها.
وثالثها: أن الخلود ليس نصّاً في التأبيد الذي لا انقطاعَ له، بل مقتضاه:
٣٣٧
(٤٢) كتاب التفسير - (٤) ومن سورة النساء
وفي روايةٍ: فنزلت: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠].
رواه مسلم (٣٠٢٣) (١٩ و٢٠).
[٢٨٦٥] وعن ابن عباس، قال: لقي ناسٌ من المسلمين رجلاً في
غُنَيْمةٍ له، فقال: السَّلام عليكم، فَأَخَذُوه فقتلوه، وأخذوا تلك الغُنَيْمَةَ،
فنزلت: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السَّلَم(١) لست مؤمناً﴾
[النساء: ٩٤]. وقرأها ابن عباس: (السَّلام)(٢).
رواه البخاريُّ (٤٥٩١)، ومسلم (٣٠٢٥)، وأبو داود (٣٩٧٤)،
والترمذيُّ (٣٠٣٣).
تطويل الآماد، وتكرير الأزمان، ما لم يرد معه من القرائن ما يقتضي التأبيدَ، كما
ورد في وعيد الكفار، فيجوزُ أن يدخلَ القاتلُ في جهنم، ويُعذَّبَ فيها ما شاء اللَّهُ
من الأزمان، ثم يلحقه ما يلحق الموحّدين من الشفاعة والغفران، والله تعالى
أعلم.
و (قوله: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤])
هذه قراءةُ ابن عباس وجماعة من القراء، السلام بألف، يعنون به التحية، وقرأه
جماعةٌ أخرى: السّلم بغير ألف، يعنون بذلك: الصلح، والقراءتان في السّبع،
وقرأ ابن وثاب: السِّلْم - بكسر السين وسكون اللام -: وهي لغة في السلم، الذي
هو الصلح.
و (قوله: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤]) أي: تريدون
المال، وما يعرضُ من الأعراض الدنيوية.
(١) وهي قراءة نافع وابن عامر وحمزة وأبي جعفر وخلف ووافقهم الحسن والأعمش.
(٢) وهي قراءة الباقين.
٣٣٨
(٤٢) كتاب التفسير - (٤) ومن سورة النساء
[٢٨٦٦] وعن ابن عمر، عن النَّبيِّ وَهِ قال: ((مَثَلُ المنافقِ كَمَثَلٍ
الشّاةِ العائرةِ بين الْغَنَمين. تَعِيرُ إلى هذِه مرةً، وإلى هذه أخرى)).
وفي رواية: ((تکُّ - بدل - تعیر)).
رواه أحمد (٦٨/٢)، ومسلم (٢٧٨٤) (١٧)، والنَّسائي (١٢٤/٨).
و (قوله: ﴿فَمِنْدَ اَللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ [النساء: ٩٤]) أي: إن اتقيتم الله،
وكففتم عمَّا ينهاكم عنه سلَّمكم وغنَّمكم.
و (قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ﴾ [النساء: ٩٤]) أي: قبل الهجرة حين
كنتم تخفون الشهادة. وقيل: من قبل أن تعرفوا الشهادة. ﴿فمنَّ الله عليكم﴾ أي:
بالإسلام، وبإعزازكم بمحمد﴿. ﴿فتبيّوا﴾: من البيان، وتثبّتوا: من التثبُّت.
التوقف عند والقراءتان في السبع، وتفيدان: وجوب التوقف والتبيّن عند إرادة الأفعال إلى أن
إرادة الأفعال
يتّضح الحقُّ، ويرتفع الإشكال.
و (قوله: ((مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنَميْن تعير إلى هذه مرة،
وإلى هذه مرَّة») العائرة: المتردِّدة، وتعير: ترجع وتكرُّ، وإنما ثّى الغنم، وإن
كانت اسم جنس؛ لأنه أراد قطعتين منها. وهذا الحديثُ مناسبٌ لقوله تعالى:
مُّذَبَذَ بِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَآ إِلَى هَؤُلَاءَ وَلَّ إِلَى هَؤُلَاءُ﴾ [النساء: ١٤٣].
٣٣٩
(٤٢) كتاب التفسير - (٥) ومن سورة العقود
(٥) ومن سورة العقود
[٢٨٦٧] عن طارقٍ بن شهابٍ، قال: جاء رجُلٌ من اليهود إلى
عُمَرَ، فقال: يا أميرَ المؤمنين! آيةٌ في كتابكم تَقْرِؤونَها؛ لَوْ عَلَيْنا نزلت
مَعْشَرَ اليهودِ، لاتَّخَذْنا ذلك اليومَ عِيداً! قال: وأيُّ آيةٍ؟ قال: ﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فقال
عُمَرُ: إنِّي لأعلَمُ اليومَ الذي أنزلتْ فيه. والمكان الذي أنزلتْ فيه. نزلتْ
على رسول الله وَ ﴿ بعرفة في يوم جُمُعَة.
رواه البخاريُّ (٤٦٠٦)، ومسلم (٣٠١٧) (٥)، والترمذيّ
(٣٠٤٦)، والنسائي (١١٤/٨).
(٥) ومن سورة العقود(١)
(قوله تعالى: ﴿ أَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ
دِينًا ﴾ [المائدة: ٣]) يعني باليوم: يوم عرفة في حجة الوداع التي نزلت فيها هذه
الآية، كما جاء في هذا الحديث من قول عمر - رضي الله عنه - وهذا أولى من قول
مجاهد: هو يومُ فتح مكة. ودينكم؛ أي: شرائع دينكم؛ فإنها نزلتْ نجوماً، وآخر
ما نزلَ فيها هذه الآية، ولم ينزل بعدها حُكْم. قاله ابنُ عباس. وقال القتبي: يعني شرائع الدبن
برفع النسخ. قتادة: يعني أمر حجّكم؛ إذ لم يحجّ في تلك السّنة مشرك، ولا طاف نزلت نجوماً
بالبيت عُزْيان، ووقف الناسُ كلُّهم بعرفة .
و (قوله: ﴿وَأَتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾) أي: بإكمال الشرائع والأحكام، وإظهار
دِيْن الإسلام. ورضيتُ لكم الإسلام ديناً؛ أي: أعلمتكم برضاي به لكم دِيْناً، فإنه إكمال الشرائع
تعالى لم يزلْ راضياً بالإسلام لنا ديناً، فلا يكون لاختصاص الرِّضا بذلك اليوم والأحكام نعمة
ربانية
فائدة إن حَملناه على ظاهره، ويحتملُ أن يريد: ورضيتَ الإسلام لكم ديناً؛ قائماً
بكماله لا أنسخ منه شيئاً، والله تعالى أعلم.
(١) هي سورة المائدة.
٣٤٠
(٤٢) كتاب التفسير - (٥) ومن سورة العقود
[٢٨٦٨] وعن ابن عمر، قال: خطب عمرُ على منبر رسول الله الَّهـ،
فحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بَعْدُ! ألا وإن الخمر نزل تخريمُها، يوم
نزل، وهي من خمسة أشياء: من الحنطة، والشَّعير، والتَّمر، والَّبيب،
والعسل. والخمرُ ما خَامر العقلَ. وثلاثةُ أشياءَ ودِدْت - أيها النَّاسُ ! - أنّ
رسول الله * كان عَهدَ إلينا فيها: الجَدُّ، والكَلالَةُ، وأَبُوابٌ من أبوابِ
الرِّبا .
وفي روايةٍ: العنب - بدل - الزبيب. وكان عهد إلينا فيهن عهداً ننتهي
إليه .
رواه البخاريُّ (٤٦١٩)، ومسلم (٣٠٣٢) (٣٢ و ٣٣)، وأبو داود
(٣٦٦٩)، والترمذي (١٨٧٤ و١٨٧٥)، والنسائي (٢٩٥/٨).
[٢٨٦٩] وعن ابن شهاب، قال: سمعتُ سعيدَ بنَ المسيَّب يقولُ:
إنَّ البَحِيْرة التي يُمْنعُ دَرُّها للطّواغيت فلا يحلُبُها أحَدٌ من النَّاسِ، وَأما
السائبةَ التي كانوا يُسَيُِّونَها لآلهتهم، فلا يُحْمَلُ عَلَيَها شيءٌ. وقال
و (قول عمر - رضي الله عنه -: أَلّ وإن الخمرَ نزلَ تحريمُها يوم نزل، وهي
من خمسة أشياء ... الحديث) دليلٌ واضحٌ يقاربُ القطعَ بأن النبيذَ يُسمَّى خمراً،
لا تقتصر
وأن اسمَ الخمر ليس مقصوراً على ما يعتصرُ من العنب، وأن الخمر كلّ ما خامر
الخمر على ما العقل؛ فإنَّ عمر - رضي الله عنه - قال بذلك، ونصّ عليه في معدِن الفصاحة، وبين
يعتصر من
العنب
خيار أهل البلاغة، وهم مَن هم علماً وفضلاً، وقوَّة وعدلاً، لا يخافون في الله لومةً
لائم، ولا يبالون في الحق باقتحام العظائم، فلو لم يكن ما قاله لسانُهم، ومعرفة
ذلك شأنهم لبادروا بالإنكار، ولما وُجِد منهم صحيحُ ذلك الإقرار. وقد تقدَّم
القولُ على هذا الحديث في الأشربة، وفي الصلاة. وتقدَّم القولُ أيضاً في البحيرة،
والسائبة في الكسوف.
.