النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٤) باب: إخبار النبي # بما يكون إلى قيام الساعة
وفي رواية: قال: أخبرني رسول الله وَ﴿ بما هو كائنٌ إلى أن تقوم
السَّاعة، فما منه شيءٌ إلا قد سألتهُ إلا أنّي لم أسْأَلهُ ما يُخْرِجُ أهْلَ المدينةِ
من المدينة .
رواه أحمد (٣٨٥/٥)، والبخاريّ (٦٦٠٤)، ومسلم (٢٨٩١) (٢٣
و ٢٤).
الشمس، كما في حديث أبي زيد. واقتصر أبو سعيد في الذِّكر على ما بعد العصر،
وفيه بُعْدٌ، وعلى كلِّ تقديرٍ فعموماتُ هذه الأحاديث يُراد بها الخصوص ؛ إذ
لا يمكنُ أن يحدِّثَ في يوم واحد، بل: ولا في أيام، ولا في أعوام بجميع ما يَحدُث
بعد النبيِّ ◌َ﴿ تفصيلاً؛ وإنما مقصودُ هذه العمومات الإخبارُ عن رؤوس الفتن
والمحن ورؤسائها، كما قال حذيفةُ بعد هذا حين قال: لكنَّ رسولَ الله وَلّ قال
وهو يُحدِّث مجلساً أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله له وهو يعدّ الفتن: ((منهن
ثلاثٌ لا يَكَذْنَ يَذَرْنَ شيئاً، ومنهن کریاح الصَّيف، منها صغار ومنها کبار».
قلتُ: على أني أقولُ: إِنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ كأن الله تعالی قد أعلمه بتفاصيل ما
يجري بعده لأهل بيته وأصحابه، وبأعيان المنافقين، وبتفاصيل ما يقع في أمته من
كبار الفتن، وصِغارها، وأعيان أصحابها، وأسمائهم، وأنه بثَّ الكثيرَ من ذلك عند
من يَصلحُ لذلك من أصحابه كحذيفة - رضي الله عنه - قال: ما ترك رسولُ اللهِ وَله
من قائد فتنةٍ إلى أن تنقضيَ الدُّنيا يبلغ من معه ثلاثمئة فصاعداً، إلا قد سمَّاه لنا
باسمه، واسم أبيه، وقبيلته(١). خرَّجه أبو داود، وبهذا يُعلم: أنَّ أصحابه كان
عندهم مِن عِلْم الكوائن الحادثة إلى يوم القيامة العلم الكثير والحظُّ الوافر، لكن لم
يشيعوها إذ ليستْ من أحاديث الأحكام، وما كان فيها شيءٌ من ذلك حدَّثوا به،
ونقضوا عن عهدته. ولحذيفة في هذا الباب زيادةُ مزيَّة، وخصوصيّة لم تكنْ لغيره
منهم؛ لأنه كان كثيرَ السؤال عن هذا الباب، كما دلَّتْ عليه أحاديثُهُ، وكما دلَّ عليه
(١) رواه أبو داود (٤٢٤٣).

٢٢٢
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٥) باب: في الفتنة التي تموج موج البحر
[٢٧٩٠] وعن أبي زيد - يعني: عمرو بنَ أخطبَ - قال: صلَّى بنا
رسول الله وَ﴿ الفجر، وَصعِد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظُّهْرُ، فَتَزَلَ
فَصَلّى، ثم صَعِدَ المنبر، فخطبنا حتى حضر العصر، ثم نزل فصلى، ثم
صعد المنبر فخطبنا حتى غَرَبت الشَّمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن،
فأعلَمُنا أحفَظُنا.
رواه أحمد (٣٤١/٥)، ومسلم (٢٨٩٢).
*
(٥) باب
في الفتنة التي تموج موج البحر
وفي ثلاث فتن لا يَكَذْن يَذَرْن شيئاً
وقد تقدَّم في كتاب الإيمان حديثُ حذيفة في التي تموج موج
البحر.
[٢٧٩١] وعنه؛ أنَّه قال: والله إني لأعلم النَّاسِ بكلِّ فتنةٍ هي كائنةٌ
فيما بيني وبين السَّاعة! وما بي إلا أن يكون رسولُ الله ◌َ * أسرَّ إليَّ في ذلك
شيئاً لم يحدِّثْهُ غيري، ولكنَّ رسول الله بَّه قال وهو يحدث مجلساً - أنا
اختصاصُ عمر له بالشُّؤال عن ذلك دون غيره. وأبو زيد المذكور في هذا الباب:
هو عمرو بن أَخْطَب - بالخاء المعجمة - الأنصاري، من بني الحارث بن الخزرج.
صَحِب النبيَّ لَ ﴿ وقال: غزوتُ معه ستَّ غزوات، أو سبعاً. وقد تقدم القولُ في
حديث حذيفة في كتاب الإيمان.
و (قوله: ما بي إلا أن يكون رسولُ اللهِ وَ﴿ أُسرَّ إليَّ في ذلك شيئاً لم يُحدِّثْ
به غيري) كذا وقع هذا اللفظ، وكذا صحَّ في الرواية، وما بي إلا أن يكونَ بـ (إلا)

٢٢٣
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٥) باب: في الفتنة التي تموج موج البحر
فيه - عن الفتن، فقال رسول الله وَ له وهو يَعُدُّ الفتن: ((مِنْهِنَّ ثلاثٌ لا يكدن
يَذَرن شيئاً، ومنهنَّ فتنٌ كرياح الصَّيف منها صغارٌ ومنها كبارٌ)). قال حذيفة:
فذهب أولئك الرَّهط كُلُّهم غيري.
رواه أحمد (٣٨٨/٥)، ومسلم (٢٨٩١) (٢٢).
[٢٧٩٢] وعن جندب، قال: جئت يوم الجَرَعةِ فإذا رجلٌ جالسٌ.
الإيجابية، و (أن) المصدرية. فقيل: الوجهُ إسقاطُ إلا؛ لأنَّ مقصودَ الكلام: أنَّ
حذيفةَ أخبر عن نفسه بأنه يعلم كلَّ فتنةٍ تكونُ بين يدي الساعة. فيظنُّ سامعُ هذا
القول: أنَّ رسولَ الله ◌َ ﴿ أسرَّ إليه مِن ذلك بشيء لم يسرَّه إلى غيره، فنفى هذا
الظن بذلك القول. ثم نبّه على سَبب عِلْمه بذلك فقال: ولكن رسول الله وَلو قال
وهو يُحدِّثُ مجلساً أنا فيه عن الفتن، فيعني بذلك أنه سمع من النبيِّ ◌َّر في ذلك
المجلس مع الناس؛ لكنه حفظ ما لم يحفظ غيره، وضبط ما لم يضبط غيره. كما
قال في الحديث المتقدِّم. وقيل: (إلا) ثابتةٌ في الرواية، فلا سبيلَ إلى تقدير
إسقاطها، ومعنى الكلام مع ثبوتها: وما بي عذرٌ في الإعلام بجميعها، والحديث
عنها، إلا ما أسرَّ إليّ النبيُّ نَّهِ ممَّا لم يُحدِّث به غيري، فيكون في كلامِه إشارةٌ
إلى أنَّ النبيَّ ◌َّ عهد إليه، وأسرَّ له أَلَّ يحدِّث بكلِّ ما يعلمه من الفتن، أو
لا يذيعه إن رأى في ذلك مصلحة. وهذا أولى لما ذكرناه من ثبوتِ الرِّواية، ولأنَّ
المعلومَ من حال حذيفة: أنَّ النبيَّ ◌َهِ خَصَّه مِن العلم بالفتن، وأسرَّ إليه منها بما
لم یخصَّ به غيره، وأما ما لم یسرّه إلیه، ولا خصَّه به، فهو الذي یحدِّث به، كما
جاء متَّصلاً بقوله: لكنَّ النبيَّ وَ﴿ قال وهو يُحدِّث مجلساً أنا فيهم عن الفتن.
والله تعالى أعلم.
و (قول جندب: جئتُ يوم الجَرَعَةِ) كذا هو بفتح الجيم والراء والعين
المهملة، وهو موضعٌ بجهة الكوفة. ورُوي عن بعضهم بسكون الراء. وأصلُ

٢٢٤
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٥) باب: في الفتنة التي نموج موج البحر
فقلت: لَيُهْرَاقَنَّ اليوم ها هنا دماءٌ! فقال ذلك الرجل: كلا والله! قلت: بلى
والله! قال: كلا والله! قلت: بلى والله! قال: كلا والله! إنَّه لحديث
رسول الله وَّه حدثنيه. قلت: بئس الجليس لي أنت منذ اليوم! تسمعني
أَخَالِفُكَ وقد سمعتَهُ من رسول الله وَّير فلا تنهاني! ثم قلت: ما هذا
الغَضَب؟ فأقبلت عليه أسأله، فإذا الرجل حذيفة.
رواه مسلم (٢٨٩٣) (٢٨).
الجَرَعَة: الرملُ الذي فيه سهولة. يقال: جَرَع وأجرع وجرعاء. وذلك اليوم: هو
يومٌ خرج أهلُ الكوفة إلى سعيد بن العاص، وكان عثمان ولاَّه عليهم فردُّوه، وولَّی
أبا موسى الأشعري، وسألوا عثمان توليته فأقرّه.
و (قوله: تسمعني أخالفك) لأكثر الشيوخ بالحاء المهملة، من الحَلْف الذي
هو الیمین، وقد رواه بعضُهم بالخاء المعجمة، وهي التي أُذکرها، وكلاهما یصُ،
فتأمَّل مَساقَهُ.

٢٢٥
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٦) باب: ما فتح من ردم يأجوج ومأجوج
(٦) باب
ما فتح من ردم يأجوج ومأجوج،
ويغزو البيت جيشٌ فيُخْسَفُ به
[٢٧٩٣] عن أبي هريرة، عن النَّبِيِّ وَّهِ قال: ((فُتِحَ اليَومَ من رَدْمِ
يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مثلُ هذه». وعقد وُهَیْبٌ بیده تسعين.
رواه أحمد (٣٤١/٢)، والبخاريُّ (٣٣٤٧)، ومسلم (٢٨٨١).
[٢٧٩٤] وعن أمِّ سلمةَ أمُّ المؤمنين، وسئلت عن الجيش الذي
یخسف به، وكان ذلك في أیام ابن الزبير،
(٦) ومن باب: ما فُتِح من ردم يأجوج ومأجوج
ویغزو البیت جیش فیخسف بهم
(قوله: وكان ذلك في أيام ابن الزُبير) ذلك إشارةٌ إلى سؤال أم سلمة عن
الجيش الذي يُخْسَفُ به، وسألها عن ذلك الحارثُ بن أبي ربيعة، وعبد الله بن
صفوان. هذا ظاهِرُهُ، لكن قال أبو الوليد الكناني: هذا لا يصحُّ؛ لأنَّ أمّ سلمة
ماتت في أيام معاوية قبل موته بسنة، ولم تدرك أيام ابن الزبير. قال القاضي: وقد
قيل: إنها ماتت أيامَ يزيد بن معاوية في أوَّلها، فعلى هذا يستقيمُ الخبرُ، فإنَّ
عبدَ الله نازعَ يزيدَ لأول ما بلغته البيعة له عند موت معاوية، وداجاه(١) شيئاً، فوجه
إليه يزيد أخاه عمرو بن الزبير ليجيئه به، أو يقاتله، فظفر به عبد الله بن الزبير،
ومات في سجنه، وصلبه. ذكر ذلك الطبريُّ وغيرُه، وذكر وفاة أم سلمة أيام يزيد:
أبو عمر بن عبد البَرِّ.
قلتُ: هذا الحديث رواه عن أمّ سلمة عبدُ الله بن صفوان من طريق صحيحٍ
(١) ((داجاه)): ساتره بالعداوة، ولم يُنْدِها له.

٢٢٦
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٦) باب: ما فتح من ردم يأجوج ومأجوج
فقالت: قال رسول الله وَل﴾: ((يَعُوذ بالبيت عَائِذٌ، فَيُبْعَثُ إليه بعثُ فإذا كانوا
ببيداء من الأرض خُسِفَ بهم))، فقلت: يا رسول الله! فكيف بمن كان
كارهاً؟ قال: ((يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيَّته)). وقال
أبو جعفر: هي بيداء المدينة. فقال له عبد العَزيز بن رُفَيْع: إنما قالت:
ببيداء من الأرض قال: كلا والله! إنَّها لبيداء المدينة.
رواه أحمد (٢٩٠)، ومسلم (٢٨٨٢)(٤ و٥)، وأبو داود (٤٢٨٩).
في الأصل، وفيه أيضاً عنه أنه رواه عن حفصةً زوج النَّبِيِّ بَّه قال الدَّار قطني:
والحديثُ عن أمِّ سلمة ومحفوظٌ عن حفصة، وعلى هذا فتكون كلُّ واحدةٍ منهما
حدَّثَتْ به عن النبيِّ وَ ◌ّ فلا اضطراب.
و (قوله: ((يعوذُ بالبيت عائذ فَيَبْعَثُ إليه بعث، فإذا كانوا ببيداءَ من الأرض
خُسِف بهم))) الذي أثار هذا الحديثَ في وقت عبد الله بن الزبير: أنَّ عبدَ الله بن
الزبير لجأ إلى البيت عندما طالبه يزيدُ بن معاوية بأن يُبايعه، ففرّ من المدينة إلى
مكة، واستجار بالبيت، ووافقه على رأيه ذلك جماعةٌ على خلاف يزيد، فجهّز
يزيدُ جيشاً من أهل الشام إلى مكة، فحدَّث الناس أنَّ ذلك الجيش يُخْسَفُ به،
وذكروا الحديث عن رسول الله ﴿ ﴿ وحينئذٍ قال لهم عبد الله بن صفوان: أما والله!
ما هو بهذا الجيش، كما قد ظهر أن ذلك الجيش لم يُخْسَفْ به. والبيداءُ: أرضٌ
ملساء لا شيءَ فيها، وفي الصحاح: البيداء: المفازة. والجمع: بيد. وهل هي
بيداءُ المدينة أم لا؟ اختلف في ذلك أبو جعفر وعبد العزيز بن رُفَيْع كما ذكر في
الأصل. وليؤمَّنَّ: ليقصدنَّ. والشريد: الطَّريد عن أهله، ويعني به هنا المنفرد عن
ذلك الجيش الذي يُخْسَفُ به. ومَنَعة: بتحريك النون، جمع مانع، ككاتب وكَتَبة.
وبالسكون: مصدر منع. والمُستبصر: البصيرُ بالأمور. والمجبور: المكرَه الذي
لا حيلةَ له في دفع ما يُحْمَلُ عليه، وهو من جبرت الرجل على الشيء يفعله، فهو
مجبورٌ، ثلاثياً، ويُقال: أجبرته، وهو الأصحُّ والأكثر، فهو مُجْبَر.

٢٢٧
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٦) باب: ما فتح من ردم يأجوج ومأجوج
[٢٧٩٥] وعن حفصة، أنَّها سمعت رسول الله وَ﴾ يقول: ((لَيَؤُمَّنَّ
هذا البيتَ جيشٌ يغزونه حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض يَخْسَفُ بأوسطهم،
وينادي أوَّلُهُم آخرَهم، ثُمَّ يُخْسَفُ بهم، فلا يبقى إلا الشريدُ الذي يخبر
عنهم)).
رواه مسلم (٢٨٨٣) (٦)، والنسائي (٢٠٧/٥)، وابن ماجه
(٤٠٦٣).
[٢٧٩٦] وعن عبد الله بن صفوان، عن أمّ المؤمنين: أنَّ
رسولَ الله ﴿ قالَ: ((سيعوذ بهذا البيت - يعني الكعبة - قومٌ ليس لهم مَنَعَةٌ،
ولا عَدَدٌ، ولا عُدَّة، يُبْعَثُ إليهم جيشٌ حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض
خُسِفَ بهم)). قال يوسف بن مَاهَك، وأهل الشام يومئذ يسيرون إلى مكة.
فقال عبد الله بن صفوان: أما والله ما هو بهذا الجيش !.
رواه مسلم (٢٨٨٣) (٧).
[٢٧٩٧] وعن عبد الله بن الزبير: أنَّ عائشة قالت: عَبِثَ
رسولُ الله ◌َل﴿ في منامه فقلنا: يا رسول الله! صنعتَ شيئاً في منامك لم تكن
تفعلُه! فقال: ((العجبُ أنَّ ناساً من أمتي يَؤُمُّون بالبيت برجلٍ من قریش قد
و (قوله: عَبَثَ رسولُ اللهِ وَ ﴿ في منامه) وجدته مقيداً بفتح الباء أي: أتى
بكلمات كأنها مختلطة. يقال: عَبَث الشيء، يعبثه: إذا خلطه، بفتح الباء في
الماضي، وكسرها في المضارع، فأما عبِث بكسر الماضي وفتح المضارع فمعناه:
لعب.
و (قوله: ((إنَّ ناساً من أمتي يؤمُّون البيت برجل))) أَشْرَب يؤمّون معنى
ينزلون، فعدَّاه بالباء، وهو ممَّا يتعدَّى بنفسه كما تقدَّم غير مرَّة.

٢٢٨ (٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٧) باب: لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب
لجأ بالبيت حتى إذا كانوا بالبيداء خُسِفَ بهم))، فقلنا: يا رسول الله! إنّ
الطريق قد يجمع الناس. قال: ((نَعَمْ، فيهم المستبصرُ، والمجبور، وابنُ
السبيل، يهلكون مهلكاً واحداً، ويَصْدُرون مصادر شتَّى، يبعثُهم الله على
نیَّاتهم».
رواه البخاري (٢١١٨)، ومسلم (٢٨٨٤)
*
٠
(٧) باب
لا تقوم الساعة حتى يَحْسِرَ الفراتُ
عن جبلٍ من ذهب، وحتى يَمْنَع
أهلُ العراق ومصرَ والشامِ ما عليهم
[٢٧٩٨] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللهِ وَ له قالَ: ((لا تقوم الساعة
حتى يَحْسِرَ الفراتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ، يَقْتَتِلُ النَّاسُ عليه، فيُقْتَلُ من كُل
و (قوله: ((يهلكون مهلكاً واحداً، ويصدُرون مصادر شتى))) المهلك:
الهلاك. ويصدُرون: يرجعون، وأصل الصَّدر: الرجوع عن موضع الماء، وشتَّى:
مختلفین بحسب نیاتهم.
(٧ و٨ و٩) ومن باب: الأمور التي لا تقوم الساعة حتى تكون(١)
(قوله: ((يَخْسِرُ الفراتُ عن جبلٍ من ذهبٍ))) أي: يكشفُ. ومنه حسرتٍ
المرأةُ عن وجهها؛ أي: كشفت. والحاسرُ: الذي لا سلاحَ عليه، وكأن هذا إنما
(١) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان ثلاثة أبواب من التلخيص، وهي: باب:
لا تقوم الساعة حتى يَخسِر الفرات، وباب: لا تقوم الساعة حتى تفتح قسطنطينية،
وباب: تقوم الساعة والروم أكثر الناس.

(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٧) باب: لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب ٢٢٩
مئة تسعةٌ وتسعون، ويقول كل رجلٌ منهم لعلِّي أكون أنا الذي أنجو.
في روايةٍ: ((فمن حضره فلا يأخُذْ منه شيئاً)).
رواه أحمد (٢٦١/٢)، والبخاريُّ (٧١١٩)، ومسلم (٢٨٩٤) (٢٩
و ٣٠ و٣١)، وأبو داود (٤٣١٣)، والترمذي (٢٥٦٩)، وابن ماجه
(٤٠٤٦).
[٢٧٩٩] ونحوه؛ عن أبيٍّ، ولم يقل: ((فمن حضره)) إلى آخره.
رواه أحمد (٥١٣٩)، ومسلم (٢٨٩٥).
[٢٨٠٠] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّهِ: (مَنَعتِ العِراقُ
دِرْهَمَها وقَفيزها، ومَنَعتِ الشأم مُدْيَها ودِينَارها، ومَنَعتْ مِصْرُ إرْدَبَّها
يكون إذا أخذتِ الأرضُ تقيء ما في جوفها، كما تقدَّم في كتاب الزكاة.
و (قوله: ((فمن حضرَه فلا يأخذ منه شيئاً)) نهي على أصله من التحريم؛ لأنه
ليس ملكاً لأحد، وليس بمعدِنٍ ولا ركازٍ، فحقُّه أن يكون في بيت المال ؛ ولأنه
لا يُوصَل إليه إلا بقتل النفوس، فيحرم الإقدامُ على أخذه.
و (قوله: ((منعتِ العراقُ درهمَها وقفيزها، ومنعت الشامُ مُذْيَها ودينارَها
ومنعت مصر إزدَبَّها)) كذا الروايةُ المشهورة بغير إذا، فيكونُ ماضياً بمعنى
الاستقبال، كما قال تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْدِلُوهُ﴾ [النحل: ١] أي: يأتي.
وكقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَحِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] يعني: إذ
يقول. ومثله كثير، وقد رواه ابن ماهان: ((إذا منعت)) وهو أصلُ الكلام. غير أنه
یحتاجُ إلى جواب إذا، ويحتمل ذلك وجهین:
أحدهما: أن يكون الجواب: عدتُم من حيث بدأتم، وتكون الواو زائدة.
کما قال امرؤ القيس:

٢٣٠ (٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٧) باب: لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب
ودِينارها، وعُذْتُم من حيث بَدَأْتُمْ)). شَهدَ على ذلك لحمُ أبي هريرة ودَمُهُ.
رواه أحمد (٢٦٢/٢)، ومسلم (٢٨٩٦)، وأبو داود (٣٠٣٥).
فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وَانْتَحَی(١)
أي: لما أجزنا انتحى، فزادَالواو. ويحتمل أن يكون جواب إذا محذوفاً،
تقديره: إذا كانت هذه الأمور جاءتِ الساعةُ، أو ذهبَ الدِّين. ونحو ذلك، والله
أعلم. وتسمية النبيِّ ◌َ ﴿ مكيالَ كلّ قوم باسمه المعروف عندهم دليل على أنه كانَ
يعرفُ كلامَ النَّاس؛ وإن بعدت أقطارُهم، واختلفت عباراتهم. وقد ثبت أنه كان
يُخاطب كلَّ قومٍ بلغتهم في غير موضع، وهذا منه إخبارٌ بأنَّ أمورَ الدين وقواعدَه
يُترك العمل بها لضعف القائم بها، أو لكثرة الفتن واشتغال الناس بها، وتفاقم أمر
المسلمين، فلا يكون مَنْ يأخذ الزكاة ولا الجزية ممن وجبت عليه، فيمتنع من
وجبَ عليه حقٌّ من أدائه. والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((وعُدتم من حيثُ بدأتم))) أي: رجعتم على الحالة الأولى التي
كنتم عليها من فساد الأمر، وافتراق الكلمة، وغلبة الأهواء، وذهاب الدِّين.
و (قوله: شهدَ على ذلك لحمُ أبي هريرة ودمُه) أي: صَدَق بهذا الحديث
وشهدَ بصدقه كلُّ جزءٍ في أبي هريرة. ومعناه: بأن هذا الحديثَ حقٌّ في نفسه، ولا
بدَّ من وقوعه.
(١) هذا صدر بيت، وعجزه:
بنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقَّافٍ عَقَتْقَلِ

٢٣١
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٨) باب: لا تقوم الساعة حتى تُفتح قسطنطينية
(٨) باب
لا تقوم السّاعة حتى تُفْتَح قُسْطَنْطِينِيَّةٌ،
وتكون ملحمةٌ عظيمةٌ ويخرجُ الدجّال
ويقتلُه عيسى ابن مريم
[٢٨٠١] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله وَ ◌ّرِ قالَ: ((لا تقوم السَّاعة
حتى ينزل الرُّوم بالأعماق، أو بدابق، فيخرج إليهم جيشٌ من المدينة من
خيار أهل الأرض يومئذٍ، فإذا تصافُوا قالت الرُّوم: خلوا بيننا وبين الذين
سَبّوا مِنَّا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا!
و (قوله: ((تنزل الرومُ بالأعماق، أو بدابقَ))) الأعمال: جمع عُمق - بضم
العين وفتحها -: وهي ما بعدَ من أطراف المفاوز. قال رؤية:
وَقَاتِمِ الأَعْماقِ خَاوِي المُخْتَرَقْ
ودابق: اسم بلد، والأغلب عليه التذكير والصرف؛ لأنه في الأصل: نهر.
قال الراجز:
بِدَابِقٍ وَأَيْنَ مِنِّي دَابِقُ
وقد يُؤَنَّثُ ولا يُصرف، وهو بفتح الباء. وكذا وجدته مقيّداً مصححاً في
کتاب الشيخ، ويقال بالكسر فيما أحسب.
و (قول الروم: ((خلُّوا بيننا وبينَ الذين سَبَوا مِنَّ))) الرواية الصحيحة بفتح
السين والباء؛ أي: الذين أصابوا منا سبياً، وقد قيَّده بعضهم بضم السين والباء،
وليس بشيء؛ لأنَّ قولَ المسلمين في جوابهم: لا والله ما نُخلِّ بينكم وبين
إخواننا. يعنون: أنهم منهم في الأنساب والدِّين، فلو أنَّ الرومَ طلبوا مَن سُبىٍ منهم
لما قالوا لهم ذلك مطلقاً. والله تعالى أعلم.

٢٣٢
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٨) باب: لا تقوم الساعة حتى تُفتح قسطنطينية
فيُقاتِلونهم، فيَتْهزم ثلثٌ لا يتوبُ الله عليهم أبداً، ويُقْتَلُ ثُلثُهم أفْضَلُ
الشُّهداء عند الله، ويَفْتَتَحُ الثُّلُثُ لا يُفْتَنُون أبداً، فيَفْتَتِحون قُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَبَيْنا
هم يقسمون الغَنَائِم قد عَلَّقوا سيوفهم بالزّيتون إذ صاحَ فيهم الشَّيطان: أن
المسيح قد خَلفكم في أهليكم، فيخرجون، وذلك بَاطِلٌ. فإذا جاؤوا الشَّأْمَ
خَرَجَ، فبينما هُم يُعدُّون للقِتَالِ، يُسَؤُون الصُّفُوف إذا أُقيمت الصَّلاةُ، فَيَنْزِلُ
عيسى ابن مريم - عليه السلام - فَآمَّهُمْ فإذا رآه عَدُوُّ الله ذَابَ كما يَذْوبُ
المِلحُ في الماء، فلو تركَهُ لانْذَابَ حتى يَهْلِكْ. ولكنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بيده،
فیُرِیهِم دَمهُ في حَزْبتِه».
رواه مسلم (٢٨٩٧).
و (قوله: ((فينهزمُ ثلثٌ لا يتوبُ الله عليهم أبداً)؛ لأنهم فرُّوا من الزحف
حيث لا يجوز لهم الفِرار، فلا يتوبُ الله عليهم؛ أي: لا يُلهمهم إيّاها، ولا يُعينهم
عليها؛ بل: يُصرُّون على ذنبهم ذلك، ولا يندمون عليه. ويجوز أن يكونَ معنى
ذلك: أنه تعالى لا يقبلُ توبتهم وإن تابوا، ويكونون: هؤلاء ممَّن شاء الله أَلَّ
تُقبلَ توبتُهم لعظیم جُرمهم.
و (قوله: ((إنَّ المسيح قد خلفكم في أهليكم))) كذا الرواية الجيدة مخفّفة
اللام بغير ألفٍ. أي: بشرٌّ. يُقال: خلفكَ الرجلُ في أهلِكَ بخير أو بشرٌّ، وقد تقدَّم
قوله وقال: ((من خلف غازياً في أهلِه بخير فقد غزا))(١) وقد رواه بعضُهم: خالفكم،
والأول أجود، لأن خالفَ يتعذَّى بـ (إلى)، وخلفَ يتعدَّى بـ (في) وردُّ خَالَفَ إلى
خَلَف يجوز. وقد تقدَّم القول في اسم المسيح في كتاب الإيمان، وسيأتي الكلام
في الدَّجَّال.
(١) رواه البخاري (٢٨٤٣)، ومسلم (١٨٩٥)، وأبو داود (٢٥٠٩)، والترمذي (١٦٢٧).

٢٣٣
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٨) باب: لا تقوم الساعة حتى تُفتح قسطنطينية
[٢٨٠٢] وعن يُسَيْرِ بنِ جابرٍ، قال: هاجت ريحٌ حمراءُ بالكوفة،
فجاء رجلٌ ليس له هِجِيرَى إلا: يا عبد الله بن مسعود! جاءت الساعة! قال:
فقعد، وَكان مُتْكئاً فقال: إنَّ السَّاعَة لا تَقُوم حتى لا يقسم مِيراثٌ، ولا
يُفْرَحَ بِغَنيمة، ثم قال بيده: هكذا، ونكَّاها نحو الشام. فقال: عدوٌ
يجمعون لأهل الإسلام ويجمع لهم أهل الإسلام. قلت: الرُّومَ تعني؟
قال: نعم، ويكون عند ذَاكُمُ القِتَالِ رِدّةٌ شَدِيدٌ، فيشْتَرِطُ المسلمون شُرْطَةٌ
للموت؛ لا تَرْجِع إلا غالبةً، فَيَقْتَتِلون حتى يَحْجُز بينهم الليل، فيَقِيُ
هؤلاء وهؤلاء، كُلّ غَيرُ غالبٍ، وتَفْنَى الشُّرْطَةُ، ثُمّ يَشْتَرَطُ المسلمون
و(قوله: هاجتْ ريحٌ حمراء) أي: شديدة، احمرّت بها السحاب، ويبست
لها الشجر، وانكشفت الأرضُ، فظهرت حمرتُها.
و (قوله: فجاء رجلٌ ليس له هجِّيرى إلا يا عبدَ الله جاءتِ السَّاعةُ) كذا رويته
هجيراً على وزن فعِيلاً، وهو تقييدُ أبي الفتح الشَّاشي والتميمي، وقيَّدها العذريُّ
مجِیر علی وزن خِمِیر .
قلتُ: وكلاهما لغة صحيحة. قال الجوهري: الهِجِّير مثل الفِسِيق: الدأب
والعادة، وكذلك الهجيرى والإهجيرى. يُقال: ما زال ذلك هجيراه، وإهجيراه،
وإجريًّاه؛ أي: دابُه وعادتُه. قال غيره: وهجِیری أفصحُها.
والشُّرْطة: بضم الشين، وهي هنا: أوَّل طائفة من الجيش تُقاتل. ومنه
الشَّرَطَانِ(١) لتقدُّمهما أوَّلَ الربيع، وقيل: إنهم سُقُّوا بذلك لعلامات تميَّزوا بها،
والأشراط: العلامات. وهذا هو الأعرفُ. ويحجزُ بينَهم اللَّيلُ؛ أي: يحولُ بينهم
وبين القتال بسبب ظلمته، والحاجزُ: هو الفاصل بين شيئين. ويفيء هؤلاء؛ أي:
يرجعُ. ونَهَدَ إليهم؛ أي: تقدَّم. ومنه سمِّي النَّهْدُ؛ لأنه متقدِّم في الصدر.
(١) الشَّرَطان: نجمان.

٢٣٤
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٨) باب: لا تقوم الساعة حتى تُفتح قسطنطينية
شُرْطةً للمؤْتِ، لا ترجع إلا غَالِبةً، يحجز بينهم اللَّيلُ، فيفيء هؤلاء
وهؤلاء، كلٌّ غير غالبٍ وتفنى الشُّرْطةُ. ثمَّ يشترط المسلمون شُرْطةً للموت
لا ترجع إلا غالبةً فيقتتلون حتَّى يُمْسُوا فَيَفيءُ هؤلاء، وهؤلاء كُلٌّ غيرُ
غَالبٍ، وتفنى الشُّرْطَةُ، فإذا كان اليومُ الرَّابعِ نَهَد إليْهِمْ بَقيّةُ أهلِ الإسلامِ،
فَيَجْعَلُ اللَّهُ الدَّبْرَةَ عليهم، فَيَقتُلُون مَقْتَلةً - إمَّا قال: لم يُرِ مِثْلُها وإمَّا قال:
لا يرى مثْلُها - حتى إنَّ الطائر ليمُرُّ بجَنَباتِهِم فما يَخْلُفُهُمْ حتى يَخِرّ مَيْناً،
فيَتَعَاذُّ بُنُّو الأبِ، كانوا مئة فلا يَجدُونَهُ بَقي مِنهمُ إلا الرَّجلُ الواحد فَبِأَيِّ
غنيمةٍ يُفْرَح؟ أو أيُّ ميراثٍ يُقاسَمُ؟ فبينما هم كذلك إذ سَمِعُوا بِناسٍ هم
أكثرُ من ذلك، فَجَاءهُم الصَّرِيخُ: أنّ الدَّجَّال قد خَلَفْهُم في ذراريّهم،
و (قوله: ((فيجعلُ الله الدَّبْرَة عليهم))) كذا لكافّتهم بالباء بواحدة وسكونها،
ورواه العذريُّ: الدائرة ومعناهما متقارب. قال الأزهريُّ: الدائرة: الدَّولة تدور
على الأعداء. والدَّبْرَةُ: النصر والظفر، يقال: لمن الدَّبْرة؛ أي: الدولة. وعلى من
الدَّبْرة؛ أي: الهزيمة. قاله الهروي.
و (قوله: ((حتى إن الطائر ليمُّ بجَنَباتهم فما يَخْلُّفُهم))) كذا رواية الجماعة،
وهي جمع جَنَبَة، وهي الجانب، ووقعَ لبعضهم: بجُثمانهم؛ أي: بأشخاصهم.
والجثمان، والآل، والطَّلَل، والشخص، كلّها بمعنى، فأما الجثة، فتُقال على
الجالس والنائم.
و (قوله: ((إذا سمعوا بناسٍ هم أكثرُ))) بنون وسين مهملة. كذا للعذريّ،
وكذا قرأتُه، وعند غيره: ((بيأس)) بياء بواحدة، و((أكبر)) بياء بواحدة أيضاً، وهو
الحرب الشديد، والأمر الهائل. قال بعض المشايخ: وهو الصواب. وتُصحّحه
رواية أبي داود: ((إذ سمعوا بأمرٍ أكبر من ذلك))(١) ... ويُسير بن جابر: يُروى
(١) لم نجده في سنن أبي داود، وفي تحفة الأشراف (٣١٨/٧) لم يعزه إلا لمسلم.

٢٣٥
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٩) باب: تقوم الساعة والروم أكثر الناس
فَيَرْفُضون ما في أيْدِيهِم، ويُقْبِلون، فيَبْعَثُونَ عَشَرَةَ فَوارسَ طَلِيعةً. قال
رسول الله وَله: ((إنّ لأعرفُ أسماءَهم، وأسماءَ آبائهم، وأَلْوَانَ خُيولهم،
هُم خَيْرُ فوارسَ على ظهر الأرض يَوْمَئِذٍ - أو من خيرِ فوارس على ظهر
الأرض يومئذٍ ).
رواه أحمد (٤٣٥/١)، ومسلم (٢٨٩٩).
*
*
*
(٩) باب
تقوم السّاعةُ والرُّوم أكثر النَّاس
وما يُفْتَحُ للمسلمین مع ذلك
[٢٨٠٣] عن موسى بن عليٍّ، عن أبيه، قال: قال المستورِدُ
القُرَشِيُّ عند عمرٍو بنِ العاص، سمعتُ رسول الله وَلهو يقول: ((تقومُ السَّاعة
والرُّوم أكثرُ النَّاس)). فقال له عمرٌو: أبصر ما تقول! قال: أقول ما سمعتُ
بالياء باثنتين من تحتها وبالهمزة. والصريخ: الصارخ، أي: الصوت عند الأمر
الهائل أو الصُّراخ، ويرفضون: يرمون ويتركون، والطليعة: هو الذي يتطلَّع الأمر
ویستكشفُه.
و (قوله: ((إني لأعرفُ أسماءَهم وأسماءَ آبائهم وألوانَ خيولهم))) دليل على إعلامُه ◌ِّل
صحة ما قلناه من أنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ كان قد أُعلم بتفاصيل ما يجري بعده، وأشخاص من بتفاصيل ما
يجري منه شيء له تعلُّقٌ بالأمة.
يجري بعده
و (قوله: ((تقوم الساعة والروم أكثر الناس))) هذا الحديث رواه مسلم من الإخبار عن
طريقين: أحدُهما: لا تَعَقُّبَ فيه عليه، والآخر: فيه تَعَقُّبٌ. وهو الذي قال فيه: كثرة الروم قبل
حدثني حرملةُ بن يحيى التُّجيبي، حدثنا عبد الله بن وَهْب، حدثني أبو شُرَيح؛ أنَّ قيام الساعة

٢٣٦
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٩) باب: تقوم الساعة والروم أكثر الناس
من رسول الله ◌َ﴿. قال: ((لئن قُلْتَ ذلكَ، إنَّ فيهم لخصالاً أربعاً: إنَّهم
لأحْلَمُ الناس عند فتنةٍ، وأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعدَ مُصِيبَةٍ، وأَوْشَكُهم كَرَّةً بعد فَرَّةٍ،
وَخَيْرُهُم لِمِسْكينٍ ويتيمٍ وضعيفٍ، وخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَميلةٌ: وأمنعُهُم من ظُلم
المُلُوكِ)».
في روايةٍ: ((وأجْبَرُ النَّاس عند مصيبةٍ)).
رواه مسلم (٢٨٩٨) (٣٥ و ٣٦).
عبدَ الكريم بن الحارث حدَّثه، أنَّ المستوردَ القرشيّ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ إِلَّم
يقول ذلك. قال الدار قطنيُّ: عبدُ الكريم لم يُدركْ المستوردَ، والحديثُ مرسل.
قلتُ: هذا الإسناد ذكرَه مسلمٌ مُزْدَفاً على الإسناد السليم الذي لا تعقُّبَ
فيه، وكأنَّ مسلماً تحقَّق ما قاله الدار قطنيُّ، ولذلك أردَفه على الإسناد الأوَّل الذي
هو عمدتُه، وعلى شرطه. وهذا وغيره مما تقدَّم مثله يدلُّ على أنَّ القسمَ الثالثَ
الذي ذكرَه مسلمٌ في أول كتابه أدخلَه في مسنده، والله أعلم.
وهذا الحديث قد صدَّقه الوجودُ، فإنهم اليومَ أكثرُ من في العالم غيرَ يأجوج
ومأجوج؛ إذ قد عمروا من الشام إلى أقصى منقطع أرض الأندلس، وقد انَّسع دينُ
النصارى اتساعاً عظيماً لم تتسعه أمةٌ من الأمم، وكلُّ ذلك بقضاء الله تعالى وقدره.
ووصفُ عبدِ الله بن عمرو لهم بما وصفَهم به من تلك الأوصاف الجميلة إنما كانت
غالبةً على الرُّوم الذين أدركَ هو زمانَهم، وأما ما في الوجود منهم اليوم فهم أنجسُ
الخليقة، وأركسُهم، وهم موصوفون بنقيض تلك الأوصاف.
و(قوله: ((وأجبرُ النَّاس عند مُصيبةٍ))) كذا رواية الجمهور، وهو من جبرتُ
العظمَ والرّجلَ؛ إذا شددتُ مفاقِرَه، وقد فُسِّر معنى هذه الرواية في الرواية الأخرى
التي قال فيها: ((وأسرعُهم إقامةً بعد مُصيبةٍ)) ووقع لبعضهم: ((أصبرُ النَّاس)) بدل:
«أجبرُ الناس). والأول أصُ وأحسن.

٢٣٧
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٩) باب: تقوم الساعة والروم أكثر الناس
[٢٨٠٤] وعن جابر بن سَمُرَة، عن نافع بن عُتْبَةَ - هو ابن أبي
وقاص - قال: كُنَّا مع رسول الله وَّ في غزوةٍ قالَ: فَأْتِى النَّبيَّ نَّهِ قومٌ من
قِبَلِ المغرب، عليهم ثِيابُ الصوف، فوافقوه عند أَكَمَةٍ، فإنَّهُم لقيامٌ
ورسولُ الله صل﴿ قاعدٌ. قال: فقالت لي نفسي: ائتهم فقم بينهم وبينه
لا يَغْتَالونَه. قال: ثم قلت لعلَّه نجيٌّ مَعَهُمُ، فَأَتَيْتُهُم، فَقُمْتُ بَيْنَهم وبينه.
قال: فَحفِظْتُ منه أربعَ كلماتٍ أعُذُّهُنَّ في يَدي. قال: ((تغزون جَزيرة
العَرَبِ فَيَفْتَحُها الله، ثُمَّ فَارسَ فَيَفْتَحُها الله، ثم تَغْزون الرُّوم فيفتحُها الله،
و (قوله: أتى النبيَّ ◌َ﴿ه قومٌ من قبل المغرب - يعني: من قبل مغرب
المدينة - عليهم ثيابُ الصوف) هذا لباسُ أهل البادية، والأَكَمَة: القطعة الغليظة من
الرمل. ووافقوه (١)؛ وقفوا أمامَه، فوقَفَ لهم، أو استدعوا منه ذلك.
و (قوله: قالت لي نفسي: انتهم فقمْ بينهم) كذا الرواية المعروفة، وفي
بعض الروايات: إذ قالت لي نفسي ائتهم - بزيادة إذ - ومعنى انتهم: جئهم.
ويغتالونه: يقتلونه غيلة؛ أي: خديعة. والنجيُّ: المناجي، وهو المتحدِّث في
خلوة.
و (قوله: ((تغزون فارسَ فيفتحها الله ... الحديث إلى آخره))) هذا الخطاب أهل الحق
وإن كان لأولئك القوم الحاضرين فالمرادُ هم ومن كان على مثل حالهم من باقون إلى قيام
الصحابة والتابعين الذين فُتحت بهم تلك الأقاليم المذكورة، ومن یکون بعدهم من
الساعة
أهل هذا الدِّين الذين يقاتلون في سبيل الله إلى قيام الساعة. ويرجعُ معنى هذا
الحديث إلى الحديث الآخر الذي قال فيه: ((لا تزالُ طائفةٌ من أمتي يُقاتلون على
الحقِّ ظاهرينَ لا يضرُّهم مَنْ خذلهم إلى قيام الساعة))(٢).
(١) في (ز): واقفوه.
(٢) رواه أحمد (٣٤/٥)، والترمذي (٢١٩٢).

٢٣٨
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٠) باب: الآيات العشر التي تكون قبل الساعة
ثُمَّ تغزون الدَّجَّال فَيَفْتَحُها الله)». قال: وقال نافع: يا جابر! لا نرى الدَّجَّال
يخرج حتى تُفْتَح الروم.
رواه أحمد (٣٣٧/٤ و٣٣٨)، ومسلم (٢٩٠٠)، وابن ماجه
#
(٤٠٩١).
(١٠) باب
الآيات العشر التي تكون قبل الساعة وبيان أولها
[٢٨٠٥] عن حُذَيفةَ بنِ أَسِيْدِ الغِفَارِيِّ، قال: الطَّلَع النَّبِيُّ ◌َلّ علينا
ونحن نتذاكرُ. قال: ((ما تذاكرون؟))، قالوا: نذكر الساعة. قال: ((إنَّها لن
و(قوله: ((ثم تغزون الدَّجَّال فيفتحها اللَّهُ))) وقد وقع في بعض النسخ: فيفتحه
بضمير المذكر، فيحتمل أنه يعني بذلك قتلَ الدَّجَّال نفسه الذي يكون على يدي
عيسى ابن مريم - عليه السلام-، كما تقدَّم وكما يأتي. ويحتمل أن يعودَ على
ملكه. ووجدتُه في أصل الشيخ: فيفتحها اللَّهُ، بضمير المؤنث، فيعني بذلك مملكته
أو أرضه التي يُغلب عليها.
وجزيرة العرب: أرضُهم التي نشؤوا فيها، وسُمِّيت جزيرة؛ لأنها مجزورة
بالبحار والأنهار؛ أي: مقطوعة بها. والجَزْر: هو القطع. وقيل: لأنها جُزرت
بالبحار التي أحدقت بها، وقد تقدَّم القول فيها في الجهاد.
(١٠) ومن باب: الآيات العشر التي تكونُ قبل قيام الساعة(١)
حُذيفة بن أَسِيد: هو بفتح الهمزة وكسر السين يُكنَّى أبا سريحة، بفتح
السين، وكسر الراء، وهو غِفَاري كان ممن بايعَ رسولَ اللهِ وَّهِ تحت الشجرة، يُعدُّ
(١) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان هذا الباب، والبابين التاليين في

٢٣٩
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٠) باب: الآيات العشر التي تكون قبل الساعة
تقوم حتى تروا قبلها عَشْرَ آياتٍ)). فذكر الدُّخان، والدَّجَّالَ، والدَّابةَ،
في الكوفيين وبالكوفة مات، وحديث حذيفة في العشر الآيات رواه سفيان بن عُيَيْنَة
عن فرات القزَّاز عن أبي الطُّفَيْلِ، عن حذيفةَ على نصٌّ ما ذكرناه في المختصر،
والعشر الآيات فيه مجموعة غير مرتبة، وقد رواه شعبة عن فرات، فجاء بها مرتبةً
مجموعةً، فكانت هذه الرواية بالذكر في المختصر أولى، لكن لم يُقدَّر ذلك،
فلنذكرْ هذه الرواية هنا. قال حذيفةُ: كان رسول الله وَ ﴿ في غُرْفةٍ ونحن أسفلَ منه،
فاطَّلَع إلينا، فقال: ((ما تذكرون؟)) قلنا: الساعةَ، قال: ((إنَّ الساعةَ لا تكونُ حتى
تكونَ عشرُ آياتٍ: خَسْفٌ بالمشرق، وخَسْفٌ بالمغرب، وخسفٌ في جزيرة
العرب، والدُّخَانُ، والدَّجَّالُ، ودابةُ الأرض، ويأجوج ومأجوج، وطُلُوعُ الشمس
من مغربها، ونارٌ تخرج من قعر عدن تَرْحَلُ النَّاسَ)»(١). قال شعبة: وحدثني
عبدُ العزيز بن رُفيع عن أبي الطُّفَيْل عن أبي سَرِيحة مثلَ ذلك، لا يذكرُ النبيَّ ◌َّ وقال
أحدُهما في العاشرة: ونزول عيسى ابن مريم. وقال الآخر: وريحٌ تُلقي النَّاسَ في
البحر. وهذه الرواية مرتبة مُحسَّنة، فلنردّ إليها الرواية التي لا ترتيبَ فيها، فأوَّل
هذه الآيات: الخسوفات الثلاثة، وقد وقع بعضها. ذكر أبو الفرج الجوزي: أنها الخسوفات
وقعت بعراق العجم زلازلُ وخسوفاتٌ هائلة، هلكَ بسببها خلقٌ كثير، وقد سمعنا الثلاثة بين يدي
ونحن بالأندلس: أن بلداً بشرقها خُسف به، وهلكَ كثير من أهله. وأما الدُّخَان فهو
الساعة
الذي دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]
على ما ذهبَ إليه غير ابن مسعود، وهم جماعة من السلف، وهو مرويٌّ عن عليّ
وابن عمر وأبي هريرة، وابن عباس، والحسن، وابن أبي مليكة. وروى حذيفة عن
النبيِّ ◌َ﴿ أنَّ من أشراط الساعة دخاناً يمكثُ في الأرض أربعين يوماً.
الدخان من
أشراط الساعة
= التلخيص، وهما: باب: أمور تكون بين يديْ السَّاعة. وباب: الخليفة الكائن آخر
الزمان.
(١) رواه مسلم (٤٠/٢٩٠١).

٢٤٠
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٠) باب: الآيات العشر التي تكون قبل الساعة
وطلوعَ الشَّمس من مغربها، ونزولَ عيسى ابن مريم، ويأجوجَ ومأجوجَ،
وثلاثةَ خسوفٍ: خسفٌ بالمشرق، وخسفٌ بالمغرب، وخسفٌ بجزيرة
قلتُ: ويُؤْيِّد هذا قوله تعالى في الآية: ﴿ رَّبَّنَا أَكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾
[الدخان: ١٢]، وقوله: ﴿إِنَّا كَشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُرُ عَابِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] وهذا
يُبعد قول من قال: إنه الدخان الذي يُعذّب به الكُفَّار يوم القيامة، وهو مرويُّ عز
خروج الدابة زيد بن علي، وسيأتي القول في حديث ابن مسعود في التفسير. وأما الدَّابّة فهي
قبل يوم القيامة التي قال الله فيها: ﴿ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَحْنَا لَهُمْ دَآبَةُ مِنَ الْأَرْضِ تُكَّلِّمُهُمْ﴾
[النمل: ٨٢] ذكرَ أهل التفسير: أنها خلق عظيم تخرج من صَدْعِ من الصَّفا لا
يفوتها أحد، تَسِمُ المؤمنَ فيُنير وجهُه، ويُكتب بين عينيه مؤمن، وتسمُ الكافرَ
فیسودُّ وجهُه ويُکتب بین عينيه كافر. وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما -:
أن هذه الدابّة هي الجسَّاسة المذكورة في الحديث بعد هذا، وعن ابن عباس: أنها
الثُّعبان الذي كان ببئر الكعبة، فاختطفتْه العُقابُ(١)، وقد اختلف في صورتها، وفي
أي موضع تخرجُ منه على أقوال كثيرة، وليس في شيءٍ من ذلك خبرٌ صحيح
مرفوع. قال بعض المتأخرين من المفسرين: الأقربُ أن تكون هذه الدابة إنساناً
متكلِّماً يُناظر أهل البدع والكفر، ويُجادلهم لينقطعوا، فيهلكُ من هلكَ عن بيّة
ويحيى من حَيَّ عن بيِّنة.
قلتُ: وإنما كان هذا عندَ هذا القائل الأقرب لقوله تعالى: ﴿تُكلِّمهم﴾
وعلى هذا فلا يكون في هذه الدَّابّة آية خاصة خارقة للعادة، ولا تكون من جملة
العشر الآيات المذكورة في الحديث؛ لأن وجودَ المناظرِين والمحتجِّين على أهل
البدع كثير. فلا آية خاصة، فلا ينبغي أن تُذكر مع العشر. وترتفع خصوصية
وجودها، فإذا وقع القول ثمَّ: فيه العدول عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل
العالم الذي يحتجُّ على أهل الأرض باسم الإنسان، أو بالعالم، أو بالإمام إلى أن
يُسمَّى بدابة، وهذا خروج عن عادة الفصحاء، وعن تعظيم العلماء، وليس ذلك
(١) انظر قول ابن عباس هذا في سيرة ابن هشام في حديث بنيان الكعبة.