النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
(٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٢١) باب: لكل مسلم فداء من النار من الكفار
وفي أخرى: ((لا يَمُوتُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ إلا أَدْخَلَ الله مكَانَهُ النَّارَ يَهُودِيّاً
- أو نَصْرانِیّاً -)».
قال: فاستحلفه عمرُ بن عبد العزيز: بالله الذي لا إله إلا هو - ثلاث
مرات -: أنَّ أباه حدَّثه عن رسول الله وَله. قال: فحلف له.
رواه مسلم (٢٧٦٧) (٤٩ و٥٠).
فيها: ((يجيءُ يوم القيامة ناسٌ من المسلمين بذنوبٍ أمثال الجبال))(١). ومعنى كونه
فِكاكاً للمسلم من النار، وأن اللَّهَ يغفرُ للمسلم ذنوبَه، ويضاعف للكافر العذاب مغفرة ذنوب
بحسب جرائمه؛ لأنَّه تعالى لا يُؤَاخِذُ أحداً بذنبٍ أحد، كما قال: ﴿ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌّ المسلم
وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥].
و (قوله في الرواية الأخرى: ((فيغفرها لهم))) أي: يُسْقِطُ المؤاخذةَ عنهم بها
حتى كأنهم لم يُذْنِبُوا، ومعنى قوله: ((ويضعها على اليهود والنَّصارى)) أي:
أنه يُضاعِفُ عليهم عذابَ ذنوبهم حتى يكون عذابُهم بقدر جرمهم، وجُزْم مذنبي
المسلمين لو أُخِذُوا بذلك، وله تعالى أن يضاعِفَ لمن يشاءُ العذاب، ويُخفِّفه عمَّن
يشاء، بحكم إرادته ومشيئته؛ إذ لا يُسْأَلُ عما يفعلُ وهم يُسْأَلُون. ولما كان
خلاصُ المؤمنِ من ذنوبه عندما يُدْفَعُ له الكافرُ سُمِّي بذلك فِكاكاً كما سُمِّي
تخليصُ الرهن من يد المرتهن: فكاكاً.
وأما قوله في الرواية الأخرى: ((لا يموت مسلمٌ(٢) إلا أدخلَ اللَّهُ مكانَه النارَ
يهودياً أو نصرانياً)، فيعني بذلك - واللهُ أعلم - أن المسلمَ المذنبَ لما كان يستحقُّ
(١) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٥٤/١٠) وعزاه للطبراني في الأوسط، وفيه: جابر
ابن يزيد الجعفي، وهو ضعيف.
(٢) في مسلم والتلخيص: رجل مسلم.

٢٠٢
(٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٢٢) باب: آخر من يخرج من النار
(٢٢) باب
آخر من يخرج من النار وآخر من يدخل الجنة
وما لأدنى أهل الجنة منزلة وما لأعلاهم
[٢٧٧٤] عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله وَليه: ((إنّي
لأَعْلَمُ آخر أهل النَّار خروجاً منها، وآخر أهل الجنة دخولاً الجنَّة: رجل
يخرج من النَّار حَبْواً، فيقول له الله: اذهب فادخل الجنَّة! فيأتيها، فيخيَّل
إليه أنَّها ملأى، فيرجع، فيقول: يا رب! وجدتُها ملأى! فيقول الله تعالى:
اذهب فادخل الجنة! فإنَّ لك مثل الدنيا وعشرةَ أمثالها - أو: إنَّ لك عَشَرةَ
مكاناً من النار بسبب ذنوبه، وعفا اللَّهُ تعالى عنه، وبقي مكانُه خالياً منه أضاف اللَّهُ
ذلك المكانَ إلى يهوديّ، أو نصراني ليعذَّب فيه، زيادةً على تعذيب مكانه الذي
يستحقُّه بسبب كفره، ويشهدُ لذلك قولُه وَلي في حديث أنس للمؤمن الذي ثبت عند
السؤال في القبر: ((فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك اللَّهُ به مقعداً من
الجنة))(١)، وقد تقدَّم الكلامُ عليه، وإنما احتاج علماؤنا لتأويل ألفاظٍ حديث أبي
كل إنسان موسى المذكور في هذا الحديث لِما عارضها من قوله تعالى: ﴿ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
مسؤول عن أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]، ولقوله: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلّإِنسَانِ إِلَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]،
عمله ویُحاسب
عليه
ولقوله: ﴿وَإِنِ تَدْعُ مُنْقَلَةُ إِلَى حِلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبِ﴾ [فاطر: ١٨]،
ولقوله تعالى: ﴿كُلَّنَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَبِينَهُ﴾ [المدثر: ٣٨]، ولقوله ◌َّ: ((أَلَا لا يجني
جاٍ إلا على نفسه))(٢)، ومثله كثير. وعلى الجملة فهي قاعدةٌ معلومةٌ من الشرع
لا يُختلفُ فیھا.
(١) رواه أحمد (١٢٦/٣)، والبخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠) (٧٢).
(٢) رواه أحمد (٤٩٩/٣).

٢٠٣
(٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٢٢) باب: آخر من يخرج من النار
أمثال الدنيا - قال: ((فيقول: أتسخر بي - أو: أتضحك بي - وأنت
الملك؟!))، قال: لقد رأيتُ رسول الله وَ ﴿وَ ضَحِك حتى بدتْ نواجذُه.
قال: فكان يقال: ذاك أدنى أهل الجنة منزلاً .
رواه مسلم (١٨٦) (٣٠٨)، والترمذيُّ (٢٥٩٩)، وابن ماجه (٤٣٣٩).
[٢٧٧٥] وعنه؛ أنَّ رسولَ اللهِ وَهِ قالَ: ((آخرُ مَنْ يدخل الجنَّة رجلٌ
هو يمشي مرةً، ويكبو مرةً، وتَسْفعُه النَّار مرةً، فإذا ما جاوزها التفت إليها،
فقال: تبارك الذي نجَّاني منك! لقد أعطاني الله شيئاً ما أعطاه أحداً من
الأولين والآخرين! فترفع له شجرةٌ، فيقول: أي رب! أَدْنِنِي من هذه
الشجرة، فَلأستظِلَّ بظلُّها، وأَشْرَبَ من مائها، فيقول الله تعالى: ياابن آدم!
لعلِّي إن أعطيتكها سألتني غيرها! فيقول: لا يا رب! ويعاهده ألا يسأله
غيرها، وربُّه يعذِرُهُ؛ لأنه يرى ما لا صَبْرَ له عليه، فيُدْنيه منها، فيستظلُّ
بظلُّها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرةٌ هي أحسنُ من الأولى،
و (قوله: ((أتسخر مني وأنت المَلِك؟))، وفي اللفظ الآخر: ((أتستهزىء منِّي
وأنت ربُّ العالمين؟))) يُحتمل أن يكون هذا القولُ صَدَر من هذا الرجل عند غَلَبة
الفَرَح عليه، واستحقاقه إيَّه، فغلط كما غلط الذي قال: ((اللهم أنت عبدي وأنا
ربُّك)). ويحتمل أن يكون معناه: أتجازيني على ما كان منّي في الدنيا من الاستهزاء
والسخرية بأعمالي وقلّة احتفالي بها، فيكون هذا على جهة المقابلة، كما قال
تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، و﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ﴾ [آل
عمران: ٥٤]. وقد تقدَّم القولُ في ضحك الله تعالى، وأنه راجعٌ إلى الرضا.
و (قوله: ((يكبو مرة وتسفعه النارُ مرة))) أي: يسقط، ويعثر بخطاطيف
الصراط وعقباته، وتسفعه: أي: تحرقه، وتغيّر لونه.

٢٠٤
(٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٢٢) باب: آخر من يخرج من النار
فيقول: أي رب! أَدْنِنِي من هذه لأشرب من مائها، وأستظلَّ بظلِّها،
لا أسألك غيرها! فيقول: يا بن آدم! ألم تعاهدني ألا تسألني غيرها؟! فيقول:
لعلي إن أدنيتُك منها تسألني غيرها؟! فيعاهده ألا يسأله غيرها، وربُّه
يعذِرُه؛ لأنه يرى ما لا صَبْرَ له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها ويشرب
من مائها. ثم تُرفعَ له شجرةٌ عند باب الجنَّة أحسنُ من الأُولَيْنِ فيقول ... ))
إلى: ((فيدنيه منها، فإذا أدناه منها سمع أصواتَ أهل الجنَّة، فيقول: أي
رب! أدخلنيها، فيقول: ياابن آدم! ما يصريني منك؟ أيرضيك أن أعطيك
الدنيا ومثلها معها؟ فيقول: أي رب! أتستهزىء مني وأنت رب العالمين)).
فضحك ابنُ مسعودٍ، فقال: ألا تسألوني ممَّ أضحكُ؟ فقالوا: ممَّ تضحك؟
فقال: هكذا ضحك رسول الله وَ ﴿﴿! فقالوا: ممَّ تضحك يا رسول الله! قال:
((مِنْ ضِحْكِ ربِّ العالمين. فيقول: إنِّي لا أستهزىء منك، ولكنِّي على
ما أشاء قادر)».
رواه أحمد (٣٩١/١)، ومسلم (١٨٧).
[٢٧٧٦] وعن المغيرة بن شعبة - رفعه - قال: ((سأل موسى
- عليه السلام ــ ربَّهُ، فقال: ((يا رب! ما أدنى أهلِ الجنَّة منزلةً؟ قال: هو
رجل يأتي بعدما يدخل أهل الجنَّة الجنَّةَ، فيقال له: ادخل الجنة! فيقول:
أي رب! كيف وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟! فيقال له:
أترضى أن يكون لك مثلُ مُلكِ مَلِكِ مِنْ ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيتُ ربي!
فيقول: لك ذلك ومثلُه معه، ومِثْلُه، ومِثْلُهُ، ومثله، ومثله، فقال في
الخامسة: رضيتُ ربي! فيقول: هذا لك وعَشَرةُ أمثاله، ولك ما اشتهت
و (قول الله تعالى: ((ما يصريني منك؟))) أي: ما يقطع طلبتك، وما يفصلها؟

٢٠٥
(٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٢٢) باب: آخر من يخرج من النار
نفسك، ولذَّت عَيْنُكَ! فيقول: رضيت ربي! قال: رب! فأعْلاهُم منزلاً؟
قال: أولئك الذين أردت؛ غرستُ كرامتهم بيدي، وختمتُ عليها، فلم تر
عينٌ، ولم تسمع أذنٌّ، ولم يخطر على قلب بشرٍ)). قال: ومصداقه في
كتاب الله عز وجلَّ: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ ... ) الآية
[السجدة: ١٧]، وقد روي موقوفاً عن المغيرة قوله.
رواه مسلم (١٨٩) (٣١٢ و٣١٣)، والترمذيُّ (٣١٩٦).
يُقال: صريت ما بينهم صرياً؛ أي: فصلت، ويُقال: اختصمنا إلى الحاكم فصرَّى
بيننا؛ أي: قطع وفصل.

٢٠٦
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١) باب: إقبال الفتن
(٤١)
كتاب الفتن وأشراط السَّاعة
(١) باب
إقبال الفتن ونزولها
كمواقع القطر، ومن أين تجيء
[٢٧٧٧] عن زينبَ بنت جحشٍ - زوج النَّبِيِّ وَّو - قالت: خرج
رسول الله وَّهِ يوماً فَزِعاً مُحْمَرّاً وجْهُهُ يقول: ((لا إله إلا الله، وَيْلٌ للعرب
من شئٍّ قد اقترب!
(٤١)
كتاب الفتن والأشراط
[(١) باب: إقبال الفتن ونزولها
كمواقع القطر، ومن أين تجيء](١)
(قوله وَلِّ: ((ويلٌ للعرب من شرّ قد اقترب))) هذا تنبيه على الاختلاف والفتن
الاختلاف
"والهزج الواقع في العرب، وأوَّل ذلك قتل عثمان - رضي الله عنه - ولذلك أخبر عنه
والفتن الواقعة
بالقرب، ثم لم يزل كذلك إلى أن صارت العرب بين الأمم كالقصعة بين الأكلة،
في العرب
(١) هذا العنوان لم يرد في المفهم، واستدركناه من التلخيص.

٢٠٧
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١) باب: إقبال الفتن
فُتِح اليومَ من ردم يأجوج ومأجوجَ مثلُ هذه).
كما قال في الحديث الآخر: ((أوشكَ أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأَكَلَةُ
على قصعتها))(١). قال ذلك مخاطباً للعرب، ولهم خاطبَ أيضاً بقوله: ((إني لأرى
مواقعَ الفتن خلالَ بيوتكم كمواقعٍ القطر)).
و (قوله: ((فُتح اليومَ من رَدم يأجوج ومأجوجَ مثل هذه))) الردم: هو السَّدُّ
الذي بناه ذو القرنين على يأجوج ومأجوجَ، ويُهمزان ولا يُهمزان لغتان. وقرىء
بهما، فمن همزَهما جعلَهما من أجيج النار، وهو ضوءها، وحرارتها، وسُّوا
بذلك لكثرتهم وشدّتهم، وقيل: من الأجاج، وهو الماء الشديد الملوحة، وقيل:
هما اسمان أعجميان غير مشتقين. قال مقاتل: هم من ولد يافث بن نوح
- عليه السلام -. الضخَاك: من الترك. كعب: احتلمَ آدم - عليه السلام - فاختلط
ماؤه بالتراب فَأَسِفَ، فَخُلقوا من ذلك، وفيه نظر؛ لأن الأنبياء لا يحتلمون. وذكرَ
الغزنويُّ في كتابه المسمَّى: بعيون المعاني: أن النبيَّ ◌َّ قال: ((يأجوج أمَّة لها أصناف يأجوج
أربعمئة أمير، وكذلك مأجوج لا يموت أحدُهم حتى ينظر إلى ألف فارس من ومأجوج
ولده. صنف منهم كالأرز طولهم مئة وعشرون ذراعاً، وصنفٌ يفترش أذنه ويلتحف
بالأخرى، لا يمرُّون بفيل، ولا خنزير إلا أكلُوه، ويأكلون من مات منهم.
مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق، وبحيرة طبرية،
فيمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس)). وقال عليٍّ - رضي الله عنه -:
وصنف منهم في طول شبر، لهم مخالبُ وأنيابُ السُّباع، وتداعي الحمام، وتسافد
البهائم، وعواء الذئب، وشعورٌ تقيهم الحر والبرد، وآذان عظام، إحداها وبرة
يُشتُّون فيها، والأخرى جلدة يصيِّقون فيها، يحفرون السَّدَّ حتى كادوا ينقبونه،
فيعيده الله كما كان، حتى يقولوا: ننقبه غداً - إن شاء الله - فينقبون ويخرجون،
(١) رواه أحمد (٢٧٨/٥)، وأبو داود (٤٢٩٧) عن ثوبان، ولفظه: ((يُوشك الأممُ أن
تداعی علیکم ... ).

٢٠٨
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١) باب: إقبال الفتن
وحلَّق بإصْبَعَيْهِ: الإبهامِ والتي تليها.
قالت: فقلت: يا رسول الله! أنَهْلِكُ وفينا الصالحون؟! قال: ((نعم!
إذا كثر الخَبَثُ».
رواه أحمد (٤٢٨/٧)، والبخاريُّ (٣٣٤٦)، ومسلم (٢٨٨٠) (٢)،
والترمذيُّ (٢١٨٧)، وابن ماجه (٣٩٥٣).
ويتحصَّن الناس بالحصون، فيرمون إلى السماء، فيُردُّ إليهم السهم ملطَّخاً بالدم،
ثم يُهلكهم الله بالنغف في رقابهم، يعني: الدود.
قلتُ: وسيأتي من أخبارهم الصحيحة ما يشهدُ بالصحة لأكثر هذين
الحدیثین.
و (قوله: ((مثل هذه - وحلق بأصبعيه: الإبهام والتي تليها ــ)) هذا إخبارٌ
وتفسيرٌ من الصَّحابة التي شاهدتْ إشارةَ النَّبِيِّ بَيرِ. ثم إن الرواة بعدهم عبروا عن
ذلك باصطلاح الحساب، فقال بعضُهم: وعقد سفيان بيده عشرة، وقال بعضُهم:
وعقد وهيب بيده تسعين، وهذا تقريبٌ في العبارة. والحاصل: أن الذي فتحوا من
السدِّ قليل، وهُم مع ذلك لم يلهمهم اللَّهُ أن يقولوا: غداً نفتحه - إن شاء الله
تعالى - فإذا قالوها خرجوا، والله أعلم.
هلاك
و (قوله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم! إذا كثر الخبث))) رويناه بفتح
الصالحين الباء وهو اسمٌ للزنى. قال القاضي: العرب تسمي الزنى خَبَئاً وخبيثة، ومنه في
المُخْدَج: أنَّه وُجِدَ مع أَمَةٍ يخبث بها(١)؛ أي: يزني بها، وهو أحدُ التأويلين في
والطالحين في
حال انتشار
الزنی
قوله تعالى: ﴿اَلْبِيئَتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور: ٢٦]. وقيل: هو الفُسُوق والفجور،
ويروى: الخَبْث، بسكون الباء، وهو مصدرٌ، يقال: خبث الرجل خبثاً، فهو
(١) رواه ابن ماجه (٢٥٧٤).

٢٠٩
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١) باب: إقبال الفتن
[٢٧٧٨] وعن أسامة: أنَّ النَّبيَّ ◌َ﴿ أَشرَفَ على أُطُم من آطَام
المدينةِ ثم قال: ((هَل تَرَوْنَ ما أَرى؟ إنِّي لأرى مواقع الفِتَن خلال بُيُوتِكم
كمواقع القَطْر)».
رواه أحمد (٢٠٠/٥)، والبخاريُّ (١٨٧٨)، ومسلم (٢٨٨٥).
[٢٧٧٩] وعن ابن عمر، أنَّه سمع رسول الله وَ له وهو مستقبل
المشرق يقول: ((ألا إنَّ الفِتْنة ها هنا، من حيث يطلُع قرنُ الشَّيطان)».
رواه أحمد (٧٢/٢)، والبخاريُّ (٣٢٧٩)، ومسلم (٢٩٠٥) (٤٥)،
والترمذيُّ (٢٢٦٩).
[٢٧٨٠] وعن سالم بن عبد الله، أنَّه قال: يا أهل العراق! ما
أَسْأَلَكُم عن الصغيرة! وأَرْكَبَكُم للكبيرة! سمعتُ أبي عبدَ الله بنَ عمرَ يقول:
خبيث، وأخبثه غيره: علَّمه الخبث. وقد تقدَّم: أن الله تعالى إذا أهلك قوماً مهلكاً
واحداً بعثهم على نياتهم.
و (قوله: أشرف على أُثُم من آطام المدينة) أي: على حصنٍ من حصونها،
وتُسمَّى أيضاً: الآجام، وقد تقدَّم ذلك. وأشرف: ارتفع.
و (قوله: ((إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم))) مواقع: جمع موقع، وهو:
موضعُ سقوط الشيء، ووقوعه. وخلال: بمعنى بين، وهو خبرٌ عن أنه رأى
مواضع الفتن، وعاينها، وقد نصَّ في الخبر الآتي بعد هذا على أنها تأتي من قبل
المشرق، وقد وُجِد كلُّ ذلك كما أخبر عنه وَ له، فكان ذلك من أدلة صحة نبوته
ورسالته، ظهرت بعد وفاته. وقد تقدَّم القولُ في قرني الشيطان في كتاب الصلاة.
و (قول سالم لأهل العراق: إنما قَتَل موسى الذي قَتَل من آل فرعون تحريم القتل
خطأً ... الكلام إلى آخره) تعظيمٌ لما أقدموا عليه من قَتْل أخيار المسلمين ولو كان خطأ

٢١٠
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١) باب: إقبال الفتن
سمعتُ رسول الله وَلَ﴿ يقول: ((إنَّ الفتنة تجِيءٌ مِنْ ها هنا - وأوْمَأ بيده نحو
المشرق - من حيث يطلُع قرنا الشيطان، وأنتم يضربُ بعضكم رقابَ
بعضٍ، وإنما قَتَل موسى الذي قَتكل من آل فرعون خطأً فقال الله له:
﴿ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَكَ مِنَ الْغَمْ وَفَتَّكَ فُونَا﴾ [طه: ٤٠].
رواه مسلم (٢٩٠٥) (٥٠).
وصدورهم، وتقبيحٌ عليهم، وتهديدٌ لهم، ووَجْهُ ذلك: أن الله تعالى عظّم على
موسى - عليه السلام - - وهو صفيُّه وكليمه، عليه السلام - قَتْل كافرٍ لم يُنَّهَ عن
قتله، مع أنَّ قَتْلَه کان خطأً، وکرَّر علیه، وامتنَّ علیه بمغفرته له ذلك مراراً، فكيف
يكون حالُ مَن سفك دماء خيار المسلمين من صُدور هذه الأمّة من الصحابة
والتابعين؟! كلُّ ذلك بمحض الهوى، والتجرؤ على استباحة الدماء، فهم الذين
قتلوا الحسين، وسَبوا نساءه وأولاده من غير توقُّف، ولا سؤال، وسألوا عن دم
البراغيث ليرتفعَ عنهم الإشكال، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون.
و (قوله: ﴿فَنَجَّيْتَكَ مِنَ أَلْفَمِ﴾ [طه: ٤٠]) أي: من غمّ البحر، وقيل: غمّ
الخوف والقود. و﴿فتناك فتوناً﴾ فتنة بعد فتنة؛ أي: محنة بعد محنة، وفتوناً:
مصدر فتن، كخرج خروجاً، وقَعَد قعوداً. وقال قتادة: بلوناك بلاءً بعد بلاء،
يعني: أنعمنا عليك بنعم كثيرة. وقد تقدَّم: أنَّ البلاءَ يكون بمعنى الابتلاء بالخير
والشر. وكلُّ ذلك بمعنى الفتنة والمحنة؛ لأنها كلّها بمعنى واحدٍ.

٢١١
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٢) باب: الفرار من الفتن
(٢) باب
الفرار من الفتن وكسر السّلاح فيها وما جاء:
أنَّ القاتل والمقتول في النّار
[٢٧٨١] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّه: ((ستكون فتنٌ:
القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها
خيرٌ من السَّاعي، من تشرَّفَ لها تستشرفْه، ومن وجد فيها ملجأَ فَلْيَعُذْ به)).
رواه أحمد (٢٨٢/٢)، والبخاريُّ (٣٦٠١)، ومسلم (٢٨٨٦)
(١٠).
[٢٧٨٢] وعن أبي بكرة؛ قال: قال رسول الله وَّه: ((إنَّها ستكون
فِتَزٌ، ألا ثُمَّ تكون فتنٌّ، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خيرٌ
من السَّاعي إليها، ألا فإذا نزلت - أو وَقَعت -، فمن كان له إبلٌ فليلحقْ
بإبله، ومن كانت له غنمٌ فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرضٌ فليلحق
بأرضه)). قال: فقال رجلٌ: يا رسول الله! أرأيت من لم يكن إبلٌ، ولا
(٢) ومن باب: الفرار من الفتن وكسر السلاح فيها
(قوله: ((من تشرَّفَ إليها تستشرفُه))) أي: من تعاطاها، أو تشوَّف إليها
صرعته وأهلكته، وهو مأخوذ من أشرف المريض على الهلاك إذا أشفى عليه، وقد
روي: ((من يتشرَّفْ إليها)) على أنه فعل مضارع مجزوم بالشرط. والأول على أنه
فعل ماضٍ بموضع جزم بالشرط.
و (قوله: «إنها ستكون فتن، ألا! ثم تكون فتن ... الحدیث إلى آخره») کلُه
تضمَّن الإخبارَ عن وقوع فتن هائلة عظيمة بعدَه، والأمرُ بالكفِّ عنها والفِرار منها. آخر الزمن
الإخبار عن
وقوع الفتن في

٢١٢
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٢) باب: الفرار من الفتن
غنمٌ، ولا أرضٌ؟! قال: ((فَلْيَعْمِدْ إلی سیفه، فیدقَ علی حدِّه بحجرٍ، ثمَّ
لْيَتْجُ إن استطاع النَّجاء. اللهم هل بلغت! اللهم هل بلغت! اللهم هل
و (قوله: ((يَعْمِدُ إلى سيفه فيدقُّ عليه بحجر))) هذا محمول على ظاهره،
وذلك أنه إذا فعلَ ذلك لم يكن له شيءٌ يستعينُ به على الدخول فيها فيفرُّ منها، أو
يسلمُ.
و (قوله: ((ثم لينجُ إن استطاعَ النَّجَاءَ))) أي: ليسرغ وليفرَّ إن وجدَ إلى ذلك
سبيلاً. وقد قال بظاهر هذه الأحاديث جماعة من السلف، فاجتنبوا جميعَ ما وقع
بين الصحابة من الخلاف والقتال، منهم: أبو بَكْرة، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن
مسلمة، وأُسامة بن زيد، فأما عبد الله بن عمر فندم على تخلُّفه عن نصر عليٍّ بن
أبي طالب - رضي الله عنه - وقال عند موته: ما آسى على شيء ما آسى على تركي
قتالَ الفئة الباغية. يعني فئة معاوية. وأما محمد بن مَسْلَمَة فاتَّخذَ سيفاً من خشب،
وقال: إن رسول الله﴿ أمرَه بذلك وأقام بالرَّبَذَة. فمن هؤلاء من تمسّك بمثل هذه
الأحاديث، فانكفَّ. ومنهم من أشكلَ عليه الأمرُ فانكفّ لذلك، کعبد الله بن عمر
إلى أن اتَّضحَ له الحقُّ فندم. قال القاضي: ويتوجَّه في هذا الحديث الكلام في دماء
الصحابة، وقتالهم. وللنَّاسِ في ذلك غلوّ وإسرافٌ واضطراب من المقالات،
حُسْن الظن واختلاف، والذي عليه جماعةُ أهل السُّنَّة والحقِّ: حسنُ الظنِّ بهم، والإمساك عما
بالصحابة شجرَ بينهم، وطلبُ أحسن التأويل لفعلهم، وأنهم مجتهدون غير قاصدين
والإمساك عما
شجر بينهم
للمعصية، والمجاهرة بذلك، وطلب حبِّ الدنيا؛ بل: كلٌّ عملَ على شاكلته،
وبحسب ما أدَّاه إليه اجتهادُه، لكن منهم المخطىء في اجتهاده، ومنهم المُصيب،
وقد رفعَ الله تعالى الحرجَ عن المجتهد المخطىء في فروع الدِّين، وضعَّف الأجرَ
للمصيب. وقد توقَّف الطبريُّ وغيره عن تعيين المحقِّ منهم، وعند الجمهور: أن
عليّاً وأشياعَه مُصيبون في ذبِّهم عن الإمامة، وقتالِهم من نازعَهم فيها؛ إذ كان أحقّ
الناس بها وأفضلَ من على الأرض حينئذ. وغيرُه تأوَّل وجوبَ القيام بتغيير المنكر

٢١٣
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٢) باب: الفرار من الفتن
بلغت!)). قال: فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت إن أُكْرِهْتُ حتى يُنْطَلَقَ بي
إلی أحد الصَّفین - أو إحدى الفئتين - فضربني رجلٌ بسیفه، أو يجيء سھمٌ
فَيَقْتُلُني؟! قال: ((يبوء بإثمه وإثمك ويكونُ من أصحابِ النَّار)».
رواه أحمد (٤٨/٥)، ومسلم (٢٨٨٧)، وأبو داود (٤٢٥٦).
[٢٧٨٣] وعن الأحنف بن قيسٍ، قال: خَرَجْتُ وأنا أريدُ هذا
في طلب قَتَلَةِ عثمان الذين في عسكر عليٍّ - رضي الله عنه - وأنهم لا يُعطونَ بيعةً،
ولا يعقدونَ إمامةً حتى يقضوا ذلك، ولم يطلبُوا سوى ذلك، ولم يَرَ هو دفعَهم إذ
الحكمُ فيهم إلى الإمام، وكانت الأمورُ لم يستقرَّ استقرارُها، ولا اجتمعتِ الكلمةُ
بعدُ، وفيهم عدد ولهم شوكة ومَنَعَة. ولو أظهرَ تسليمَهم أولاً، أو القصاص
لاضطربَ الأمرُ، وابنتَّ الحَبْلُ. ومنهم جماعة لم يروا الدخولَ في شيءٍ من ذلك
مُحتجِّين بنهي النبيِّ ◌َ ﴿ عن التلبُّس بالفتن، والنهي عن قتال أهل الدعوة، كما
احتجَّ به أبو بكرة - رضي الله عنه - في هذا الحديث على الأحنف، وعذروا
الطائفتين بتأويلهم، ولم يروا إحداهما باغيةً فيقاتلوها.
و (قوله: أرأيتَ إن أُكرهتُ)) ... إلى قوله: ((يَوءُ بائمه وإثمك))) أي:
يرجع، والمباءَة: المرجع، وقد تقدَّم ذلك، ويعني: أنه يبوءُ بإثمه فيما دخلَ فيه،
وبإثمكَ بقتله إيّاكَ، أو لإكراهه إياكَ على ما أكرهَك، وفيه: رفعُ الحرج عن المكره
على مثل هذا. والمُكره هنا: هو الذي لا يملكُ من نفسه شيئاً، لقوله: أرأيتَ إن
أُكرهتُ حتى يُنطلقَ بي، ولم يقلْ: أنه انطلق من قبل نفسه. ولم يختلفوا: أنَّ
الإكراه على القتل لا يُعذر به أحد، وإنما يُعذر فيما تعلَّق بالقلب، أو ما لم يملك
الإنسانُ نفسُه. واختلف في الإكراه على المعاصي التي بين الله تعالى وبينَ عبده. ◌ُكْم الإكراه
هل يُعذرُ المكره فيها في أحكام الدنيا والآخرة، أم لا؟ وفي المسألة أبحاث تُعرف على المعاصي
في كتب الأصول.

٢١٤
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٢) باب: الفرار من الفتن
الرَّجل، فلقيني أبو بكرةَ، فقال: أين تريد يا أحْتَفُ؟! قال: قلت: أريد
نَصْر ابن عمِّ رسول الله وَّه - يعني: عليّاً - قال: فقال لي: يا أحنفُ!
ارجعْ، فإنِّي سمعتُ رسول الله وَله يقول: ((إذا تواجه المسلمان بسيفيهما
فالقاتلُ والمقتولُ في النَّار!)). قال: فقلت - أو قيل -: يا رسول الله! هذا
القاتل فما بال المقتول؟! قال: ((إنَّه قد أراد قتل صاحبه)).
رواه أحمد (٤٣/٥ و٥١)، والبخاريُّ (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨)
(١٤)، وأبو داود (٤٢٦٨ و٤٢٦٩)، والنسائي (١٢٥/٧)، وابن ماجه
(٣٩٦٥).
[٢٧٨٤] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّ: ((والذي نفسي
القاتل
و (قوله: ((إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتلُ والمقتولُ في النار)))
والمقتول بغير معناه: أنهما مُستحقَّان لذلك، أما القاتلُ فبالقتل الحرام، وأما المقتولُ فبالقصد
حق في النار
الحرام، والمستحقُّ للشيء قد يُعفى عنه، وإن الله لا يغفرُ أن يُشركَ به، ويغفرُ ما
دونَ ذلك لمن يشاء، فأما من اعتقدَ استحلالَ دم المسلم بغير سبب ولا تأويلٍ،
فهو كافرٌ، وفي بعض ألفاظ هذا الحديث في الأم: ((إذا المسلمان حملَ أحدُهما
على أخيه السِّلاحَ فهما على جُرُفِ جهنّم، فإذا قتلَ أحدُهما صاحبَه دخلاها
جميعاً))(١). رواه الطبري والعذري: ((وهما على جُرُفٍ جهنّم)) كما ذكرناه بالجیم،
وعند بعضهم: ((حَرْفٍ)) بالحاء. وكلاهما متقارب في المعنى، والصورة. ورواه
ابن ماهان: ((في حَرّ" بالحاء المهملة والراء وغير فاء، مصدر حَرَّت النَّارُ تَحِرُّ حرّاً
وحرارةً.
(١) الحديث في صحيح مسلم برقم (٢٨٨٨)(١٦).

٢١٥
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٣) باب: لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان
بيده! لا تذهب الدُّنيا حتى يأتي على النَّاس يومٌ لا يَذْرِي القاتل فيما
قَتَل، ولا المَقْتُولُ فيما قُتِلَ)). فقلت: فكيف ذلك؟ قال: ((الهرجُ! القاتل
والمقتول في النَّار)).
رواه مسلم (٢٩٠٨) (٥٦).
#
#
(٣) باب
لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان،
وحتى يكثر الهرج وجعل بأس هذه الأمة بينها
[٢٧٨٥] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((لا تقوم السّاعةُ
حتَّى تَقْتَتِل فئتان عظيمتان، تكون بينهما مَقْتَلَةٌ عظيمةٌ ودعواهُما واحدةٌ».
و (قوله: ((لا تذهبُ الدُّنيا حتى يأتيَ على الناس يومٌ لا يدري القاتلُ فيما
قَتَل، ولا المقتولُ فيما قتل))) يعني: بذلك أن الأهواء تغلبُ، والهَرْجُ والقتل يكثرُ
ويُستسهل، حتى لا يُبالى به، فيكون قتلُ المسلم عند قاتله كقتل نملة، كما هو
الحال الآن في أقصى المغرب، والهَرْجُ: هو كثرة الاختلاف والقتل، وهو ساكن
الراء .
و (قوله هنا: ((القاتلُ والمقتولُ في النار))) يُوضحُ أنَّ ذلك محمولُ في هذا
الحديث، وفي حديث أبي بكرة على ما إذا كان القتال في طلب الدنيا، أو على
مقتضى الأهواء، وليس في المتأوِّلين المسلمين، ولا فيمن قاتلَ الباغين.
(٣) ومن باب: لا تقوم الساعة
حتى تقتتلَ فئتان عظيمتان
يعني بهما فئة علي ومعاوية - رضي الله عنهما - والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((دعواهما واحدة))) أي: دينُهما واحد، إذ الكلُّ مسلمون، يدعون

٢١٦
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٣) باب: لا تقوم الساعة حتى تقتتل فتان عظيمتان
رواه أحمد (٣١٣/٢)، والبخاريُّ (٣٦٠٩)، ومسلم (١٥٧) الفتن
(١٧).
[٢٧٨٦] وعنه؛ أنَّ رسولَ الله وَ ◌ّهِ قالَ: ((لا تقوم الساعة حتى يكثر
الهزج)) قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟! قال: ((القتل! القتل!)).
رواه مسلم (٢٨٨٨) (١٨).
[٢٧٨٧] وعن ثوبانَ قال: قال رسول الله وَّ: ((إنَّ الله زوى لِي
الأرضَ، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإنَّ أمَّتي سيبلغُ مُلْكُها ما زُوِي لي
منها ،
بدعوة الإسلام عند الحرب، وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
و (قوله في تفسير الهرج: ((القتل القتل))) وجدتُه في كتاب الشيخ برفع اللام
من القتل في اللفظين، مُعتنىّ به، مُصحَّحاً عليه، وهو مرفوعٌ على خبر مبتدأ
محذوف، أي: هو القتل، هو القتل. وأصلُ الهَزْج: الاختلاط. يقال: هَرَج
من معجزاته: القومُ؛ إذا اختلطوا، وسُمِّ القتلُ بالهرج؛ لأنه لا يكونُ غالباً إلا عن الاختلاط.
جَمْع الأرض
له ێټ
و(قوله: ((وإن الله زوى لي الأرضَ فرأيتُ مشارقها ومغاربها))) أي: جَمَعها
لي حتى أبصرتُ ما تملكه أمتي من أقصى المشارق والمغارب منها. وظاهر هذا
اللفظ يقتضي: أنَّ الله تعالى قوَى إدراك بصره، ورَفَع عنه الموانع المعتادة،
فأدرك البعيد من موضعه، كما أدرك بيت المقدس من مكة، وأخذ يخبرُهم عن
آياته، وهو ينظرُ إليه، وكما قال: ((إني لأبصرُ قصرَ المدائن الأبيض)) (١). ويحتملَ
أن يكونَ مثَّلها اللَّهُ له فرآها، والأول أولی.
(١) ذكره ابن عبد البر في ((الدرر)) ص (١٧٠).

٢١٧
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٣) باب: لا تقوم الساعة حتى تقتتل فتان عظيمتان
وأُعْطِيْتُ الكنزين: الأحمر والأبيض، وإِنِّي سألتُ ربِّي لأمَّتِي ألا
يُهلكها بِسَنَةٍ بعامةٍ، وألا يُسَلِّطَ عليهم عدوّاً من سوى أنفسِهم، فيستبيحَ
و (قوله: «إن أمتي سيبلغ ملکها ما زوي لي منها») هذا الخبر قد وجد مخبره من دلائل
كما قال ◌َ﴿، وكان ذلك من دلائل نبوته، وذلك أن مُلْكَ أمته اتسع إلى أن بلغ نبوته ﴿ اتساعٍ
مُلك أمته شرقاً
أقصى بحر طنجة الذي هو منتهى عمارة المغرب إلى أقصى المشرق، مما وراء وغرباً
خراسان والنهر، وكثير من بلاد الهند والسند والصغد. ولم يتسع ذلك الاتساع من
جهة الجنوب والشمال، ولذلك لم يذكر أنه أُريه، ولا أخبر أن مُلْك أمته
يبلغه.
و (قوله: (أُعطيت الكنزين))) يعني به: كنز كسرى، وهو مَلِك الفرس، إعطاؤه ◌َ﴾
ومُلْك قيصر، وهو مَلِك الروم، وقصورهما، وبلادهما، وقد دلَّ على ذلك كنزي فارس
قولُهُ وَ﴿ه في الحديث الآخر حين أخْبَر عن هلاكهما: ((لتنفقنَّ كنوزهما في سبيل والروم
الله))(١)، وعبَّر بالأحمر عن كنز قيصر؛ لأن الغالبَ عندهم كان الذهب، وبالأبيض
عن كنز كسرى؛ لأنَّ الغالبَ كان عندهم الفضَّة والجوهر. وقد ظهر ذلك، وُجِد
كذلك في زمان الفتوح في خلافة عمر - رضي الله عنه - فإنه سیق إلیه تاجُ كسرى
وحليتُهُ، وما كان في بيوت أمواله، وجميع ما حوته مملكته على سعتها وعظمتها،
وكذلك فَعَل الله بقیصر، لما فتحت بلاده.
و (قوله: وإني دعوتُ(٢) ربي لأمتي أَلَّ يهلكها بسنة بعامة))) كذا صحت دعوته ﴾ ألّ
الروايةُ بالباء في (بعامة) وكأنها زائدة؛ لأن عامة صفة لسنة، فكأنه قال: بسنة تصيب أمته
سنة قحط
عامة، ويعني بالسَّنَّة: الجدب العام الذي يكونُ به الهلاكُ العام. ويُسمَّى الجدب
والقحط: سَنة، ويجمع سنين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْفَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِاَلْسِنِينَ
وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠] أي: بالجدب المتوالي. وبيضة المسلمين:
(١) رواه أحمد (٢/ ٢٤٠)، ومسلم (٢٩١٨) (٧٥)، والترمذي (٢٢١٦).
(٢) في مسلم والتلخيص: سألتُ.

٢١٨
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٣) باب: لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان
بَيْضَتهُم، وإنَّ ربي قال: يا محمد! إنِّي إذا قَضَيْتُ قضاءً فإنَّه لا يُرَدُّ، وإنّي
أعطيتُك لأمَّتِك، ألا أهلكَهُم بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وألا أَسَلِّطَ عليهم عدواً من سِوَى
أنفسِهِم يَسْتَبِيحُ بيضتهم، ولو اجتمع عليهم مَنْ بِأقطارها - أو قال: مَنْ بَيْنَ
أقطارها - حتى يكون بعضُهم يُهْلكُ بَعضاً، ويَسْبِي بَعضُهم بعضاً).
رواه مسلم (٢٨٨٩) (١٩)، وابن ماجه (٣٩٥٢).
[٢٧٨٨] وعن سعد بن أبي وقاص، أنَّ رسول الله وَّ أقبل ذات يوم
من العالية . - في رواية: في طائفةٍ من أصحابه - حتى إذا مر بمسجد بني
معاوية؛ دخل فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربَّهُ طويلاً، ثم انصرف
معظمهم وجماعتهم، وفي الصحاح: بيضة كلِّ شيء: حوزته، وبيضة القوم:
ساحتهم، وعلى هذا فيكون معنى الحديث: أن الله تعالى: لا يُسلِّط العدوَّ على
كافة المسلمين حتى يستبيحَ جميعَ ما حازوه من البلاد والأرض، ولو اجتمع عليهم
كلُّ مَن بَيْن أقطار الأرض، وهي: جوانبها.
و (قوله: ((حتى يكون بعضُهم يُهْلِك بعضاً، ويسبي بعضُهم بعضاً)) ظاهِرُ
(حتى): الغاية، فيقتضي ظاهر هذا الكلام: أنه لا يُسلّط عليهم عدوّهم
فيستبيحهم، إلا إذا كان منهم إهلاك بعضهم لبعض، وسبي بعضهم لبعض.
وحاصلُ هذا أنه إذا كان من المسلمين ذلك تفرَّقت جماعتُهم، واشتغل بعضُهم
ببعض عن جهاد العدو، فقويت شوكةُ العدو، واستولى، كما شاهدناه في أزماننا
هذه في المشرق والمغرب، وذلك أنَّه لما اختلف ملوكُ الشرق، وتجادلوا استولوا
كافر الترك على جميع عراق العجم، ولما اختلف ملوكُ المغرب وتجادلوا استولت
الإفرنجُ على جميع بلاد الأندلس، والجزر القريبة منها، وها هم قد طمعوا في
جميع بلاد الإسلام، فنسألُ اللَّهَ أن يتدارك المسلمين بالعفو، والنصر، واللطف.
ولا يصحُّ أن يكون (حتى) هنا بمعنى كي لفساد المعنى، فتدبَّره.

٢١٩
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٣) باب: لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان
إلينا، فقال ◌َله: ((سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني ثنتين، ومنعني واحدةً، سألت
ربي ألا يُهلك أمَّتي بالسَّنَةِ، فأعطانيها، وسَألتُهُ ألا يُهْلك أمتي بالغرق،
فأعطانيها، وسألته: ألا يجعل بأسهم بينهم، فَمَنَعنيها)).
رواه أحمد (١٧٥/١)، ومسلم (٢٨٩٠) (٢٠).
و (قوله: ((وسألتُه ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها))) يعني: ألا يهلك
جميعهم بطوفان كطوفان نوح - عليه السلام - حتى يغرقَ جميعهم، وهذا فيه بُعْدٌ،
ولعلَّ هذا اللفظ كان بالعدو، فتصحَّف على بعض الرواة لقرب ما بينهما في اللفظ،
ويدلُّ على صحة ذلك: أن هذا الحديثَ قد رواه عن النبيِّ ◌َّ خِبَّاب بن الأرتّ،
وثوبان وغيرهما، وكلهم قال: بدل («الغرق)) المذكور في هذا الحديث: ((عدواً من
غير أنفسهم)). والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها))) البأس: الحروب
والفتن، وأصلُه من بئس يبأس: إذا أصابه البؤس، وهو الضرّ، ويقال: بأساً
وضرّاً.
و(قوله: ((يا محمد! إني إذا قضيتُ قضاءً لا يُرَدّ))) يُستفاد منه: أنه يُستجاب من
لا يُستجاب من الدعاء إلا ما وافقه القضاء، وحينئذٍ يشكل بما قد روي عنه وَالتِ أنه الدعاء ما وافقه
قال: ((لا يرد القضاءَ إلا الدعاء)) (١). ويرتفعُ الإشكالُ بأن يقال: إن القضاء الذي
القضاء
لا يردُّه دُعاء، ولا غيره، هو الذي سَبَق علمُ الله بأنه لا بُدَّ من وقوعه. والقضاء الذي
يرده الدعاء، أو صلة الرحم، هو الذي أظهره الله بالكتابة في اللوح المحفوظ؛ الذي
قال الله تعالى فيه: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ اَلْكِتَبِ﴾ [الرعد: ٣٩]،
وقد تقدَّم ذلك في كتاب القدر.
(١) رواه الترمذي (٢١٣٩) من حديث سلمان - رضي الله عنه -.

٢٢٠
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٤) باب: إخبار النبي إر بما يكون إلى قيام الساعة
(٤) باب
إخبار النبي ◌َّلة بما يكون إلى قيام الساعة
[٢٧٨٩] عن حذيفة قال: قام فينا رسولُ الله ◌َ ل﴿ مَقاماً ما ترك فيه
شيئاً يكون في مَقامِه ذلِكَ إلى قيام الساعةِ إلا حدَّث به، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَه،
ونَسِيَهُ مَنْ نَسيَهُ، قَدْ علمه أصحابي هؤلاء، وإنَّه ليكون منه الشيءُ قد
نَسِيتُهُ، فأرَاهُ، فأذكُرَه كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه
عَرَفَه.
(٤ و٥) ومن باب: إخبار النبيِّ لَعلى
بما يكون إلى قيام الساعة(١)
إخباره رير عن
الفتن القادمة
(قول حذيفة - رضي الله عنه -: قامٍ فينا رسولُ الله ◌َّفيهِ مَقاماً ما ترك فيه شيئاً
يكونُ في مَقامه ذلك إلى قيام الساعة إلّ حدَّث به) هذا المجرورُ الذي هو (في
مَقَامه) يجوزُ أن يتعلَّق بترك، والأليقُ أن يكونَ مُتعلِّقاً بحدَّث؛ لأنَّ الظاهرَ من
الكلام: أنه أراد أنه ما ترك شيئاً يكون إلى قيام السّاعة إلّ حدَّث به في ذلك
المَقام، وهذا المقامُ المذكورُ في هذا الحديث هو اليومُ الذي أخبر عنه أبو زيد
عمرو بن أَخْطب المذكور بَعْدُ، وبالحريِّ يتَّسع يوم للإخبار عمَّا ذكره. على أنه قد
روى الترمذيُّ من حديث أبي سعيد الخدري قال: صلى بنا رسولُ اللهِ وَهِ صلاةَ
العصر بنهار ثم قام خطيباً، فلم يَدَعْ شيئاً يكونُ إلى قيام الساعة إلا أخبرنا به،
حَفِظه من حَفظه، ونسيه من نَسِيه (٢). فظاهرُ هذا أنَّ هذا المَقام كان من بَعْد العصر
لا قَبْل ذلك. ويجوزُ أن يكون: كانت الخُطبةُ من بعد صلاة الصُّبح إلى غروب
(١) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان: هذا الباب والباب الذي في التلخيص،
وهو: باب: في الفتنة التي تموج موج البحر.
(٢) رواه الترمذي (٢١٩١).