النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١٢) باب: في الجنة أكل وشرب ونكاح حقيقة يُرى مخُ سوقهما من وراء اللحم من الحُسْنِ ، لا اختلاف، ولا تباغض، قلوبهم قلبُ واحدٍ، يسبحون الله بكرة وعشياً». فزوجاتُهم على قدر درجاتهم كما يأتي في قوله: ((في الجنة دُرّة طولها ستون ميلاً، في كلِّ زاوية منها أهلٌ للمؤمن ما يَرَوْن الآخرين)). وبهذا يُعْلَم: أنَّ نوعَ النساء المشتمل على الحُور والآدميات في الجنة أكثر من نوع رجال بني آدم، ورجال بني آدم أكثر من نسائهم، وعن هذا قال ◌َ له: ((أقلُّ ساكني الجنة نساء، وأكثر ساكني جهنم النساء)»(١) يعني: نساء بني آدم هُنَّ أقلّ في الجنة وأكثر في النار. و (قوله: ((يُرى مخّ ساقها من وراء اللحم))) يعني: من شدَّة صفاء لحم الساقين، فكأنه يرى مخّ الساقين من وراء اللحم، كما يرى السِّلك في جوف الدُّرّة الصافية. و (قوله: ((قلوبُهم قلبٌ واحد») أي: كقلبٍ واحدٍ، يعني: أنها مطهّرة عن مذموم الأخلاق، مكمَّلة بمحاسنها، فلا اختلافَ بينهم، ولا تباغض. و (قوله: ((يسبِّحون اللَّهَ بُكرة وعشياً)) هذا التسبيحُ ليس عن تكليفٍ وإلزام؛ التسبيح في الجنة ليس عن تكليف وإلزام لأنَّ الجنة ليست محلَّ تكليف، وإنما هي محلُّ جزاء، وإنما هو عن تيسيرٍ وإلهام، كما قال في الرواية الأخرى: ((يُلْهَمُون التسبيح، والتحميد، والتكبير، كما تلهمون النَّفَس)). ووَجْهُ التَّشبيه: أنَّ تنفس الإنسان لا بُدَّ له منه، ولا كُلفة، ولا مشقة عليه في فِعْله. وآحادُ التنفيسات مکتسبةٌ للإنسان، وجملتها ضرورية في حقه، إذ يتمگّن من ضَبْط قليل الأنفاس، ولا يتمكَّن من جميعها، فكذلك يكون ذِكْرُ الله تعالى على ألسنة أهل الجنة، وسِرُّ ذلك: أنَّ قلوبَهم قد تنوَّرت بمعرفته، وأبصارهم قد تمتّعت برؤيته، وقد غمرتهم سوابغُ نعمته، وامتلأتْ أفئدتُهم بمحبته ومُخاللته. فألسنتهُم ملازمةٌ ذكره، ورهينة بشكره؛ فإن مَن أحبَّ شيئاً أكثرَ من ذِكره، وقد تقدم: أنَّ أوقات الجنةِ من الأيام والساعات تقديريات. (١) رواه أحمد (٤٢٧/٤)، ومسلم (٢٧٣٨). ١٨٢ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١٢) باب: في الجنة أكل وشرب ونكاح حقيقة وفي روايةٍ: ((أخلاقُهم على خُلُقٍ رجلٍ واحدٍ، على طول أبيهم)). وفي روايةٍ: ((على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السَّماء)). وقال أبو كُرَيْبٍ: ((على خَلْقِ رَجُلٍ)). وقال أبو هريرة - حين تذاكروا: الرِّجال أكثر في الجنة أم النساء؟ - فقال: ((لكلِّ امرىء منهم زوجتان: اثنتان، يُرى مُخَّ سوقِهِمَا من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب)). رواه البخاريُّ (٣٢٥٤)، ومسلم (٢٨٣٤) (١٤ - ١٧). و (قوله: ((أخلاقهم على خُلُق رجل واحد))) قد ذكر مسلمٌ اختلافَ الرواة في تقييد خُلُق؛ هل هو بفتح الخاء وسكون اللام، أو بضمها، وكذلك اختلفَ فيه رواةٌ البخاري، والذي يناسبُ ما قبله الضم، فيكون معناه: أنَّ أخلاقَهم متساويةٌ في الحسن والكمال. كلُّهم كريمُ الخُلُق؛ إذ لا تباغضَ، ولا تحاسَد، ولا نقص، ويشهدُ له قولُه فيما تقدَّم: ((قلوبُهم قلب واحد)). و (قوله: ((على طول أبيهم آدم، أو على صورة أبيهم))) استئنافُ خبر آخر عنهم، ويحتملُ أن يريدَ به الخَلْق، بالفتح والسكون، ويكون قوله ((على طول أبيهم)) وما بعده مفسِّراً لذلك الخَلْقِ، والأولُ أولى لما ذكرناه، ولأنَّا إذا حملناه عليه استفدنا منه فائدتين، ومن الوجه الثاني فائدةً واحدةً، وحَمْل كلام الشَّارِع والفصحاء على تكثير الفوائد أولى، كما قرَّرناه في الأصول. و (قوله: ((ستون ذراعاً في السماء») أي: في الارتفاع، وكلُّ ما علاك فهو سماء، ويعني بذلك: أنَّ الله تعالى أعاد أهل الجنة إلى خِلْقة أصلهم الذي هو آدم، وعلى صفته وطوله الذي خَلَقَه اللَّهُ عليه في الجنة، وكان طولُه فيها ستين ذراعاً في الارتفاع من ذراع نفسه، والله أعلم. ويحتمل أن يكون ذلك الذراعُ مقدراً بأذرعتنا ١٨٣ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١٣) باب: في حُسْن صورة أهل الجنة [٢٧٥٤] وعن جابرٍ، قال: سمعتُ النبيَّ وَّه يقول: ((إنَّ أهل الجنَّة يأكلون فيها، ويشربون، ولا يَتْفِلون، ولا يبولون، ولا يتغوَّطون ولا يَمْتَخِطُون)). قالوا: فما بَالُ الطَّعام؟ قال: ((جُشَاءٌ، ورَشْحٌ كرشْحِ المِسْكِ. يلهمون التسبيح، والتحميد)) . - وفي روايةٍ: والتكبير - كما يلهمون النّفس». رواه مسلم (٢٨٣٥) (١٨ و٢٠)، وأبو داود (٤٧٤١). (١٣) باب: في حُسْن صورة أهل الجنّة وطولهم وشبابهم وثيابهم وأن كلَّ ما في الجنة دائم لا يفنى [٢٧٥٥] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَ له: ((خَلَق الله آدم عَلَى صُورته، طوله سِتُون ذِراعاً، المتعارفة عندنا. ثم لم يزلْ خَلْق ولده وطولهم ينقصُ، كما جاء في الرواية الأخرى. و (قوله: ((خلق اللَّهُ آدمَ على صورته)») هذا الضميرُ عائدٌ علی أقرب مذکورٍ، وهو آدم، وهو أعمُّ، وهذا الأصلُ في عود الضمائر، ومعنى ذلك: أن الله تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه عليها لم ينتقلْ في النشأة أحوالاً، ولا تردّد في الأرحام أطواراً؛ إذ لم يخلقه صغيراً فكبر، ولا ضعيفاً فقوي، بل خَلَقه رجلاً كاملاً سويّاً قويّاً، بخلاف سُنَّة الله في وَلَده، ويصحُ أن يكون معناه للإخبار عن أنّ اللَّهَ تعالى خَلَقه يومَ خَلَقه على الصُّورة التي كان عليها بالأرض، وأنه لم يكنْ في الجنة على صورةٍ أُخْرَى، ولا اختلفتْ صفاته، ولا صُورته، كما تختلفُ صورُ الملائكة ١٨٤ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١٣) باب: في حُسْن صورة أهل الجنة فلما خلقه قال: اذْهَبْ فسَلِّمْ على أولئك النَّفْرِ - وهم نَفَرٌ من الملائكة جلوس - فاستمع بما يُحِيُّونَكَ. فإنَّها تحيَُّكَ، وتحية ذُرِّيَّتِكَ)). قال: «فذهب، فقال: ((فزادوه: ورحمةُ الله)). قال: ((وكلُّ من يدخل الجنة على صورة آدم، وطوله سِتُّون ذراعاً، فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن)). رواه أحمد (٣١٥/٢)، والبخاريُّ (٣٣٢٦)، ومسلم (٢٨٤١). [٢٧٥٦] وعن أبي سعيد الخدريٍّ، وأبي هريرة، عن النبي ◌َّ قال: (يُنَادي منادٍ: إنّ لكم أن تَصِكُوا فلا تَسْقَموا أبداً، وإنَّ لكم أن تَحْيَوا فلا تَمُوتُوا أبداً، وإنَّ لكم أن تَشِبُّوا فلا تَهْرَمُوا أبداً، وإنَّ لكم أن تَنْعَمُوا فلا تَبْأسُوا أبداً، فذلك قوله: ﴿ وَنُودُواْ أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣])). رواه مسلم (٢٨٣٧)، والترمذيُّ (٣٢٤١). والجِنِّ، والله تعالى أعلم. ولو سَلَّمنا: أن الضميرَ عائدٌ على الله تعالى لصحَّ أن يقالَ هنا: إن الصورةَ بمعنى الصفة، وقد بيَّه فيما تقدَّم. وقد ذكرنا في قوله: ((أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر)) فإن معناه على صفته من الإضاءة، لا على صُورته من الاستدارة. و (قوله: ((فلما خلقه اللَّهُ قال: اذهبْ فسلِّم على أولئك النَّفر، وهم نفرٌ من الملائكة جلوس))). الكلامُ إلى آخره دليلٌ على تأكُّد حُكْم السلام، فإنه مما شُرِع وكُلِّف به آدم، ثم لم يُتْسَخْ في شريعةٍ من الشرائع، فإنه تعالى أخبره أنها تحيّه، وتحيَّة ذريته مِن بعده، ثم لم يزلْ ذلك معمولاً به في الأمم على اختلافٍ شرائعها، إلى أن انتهى ذلك إلى نبيّنا محمد ◌َ ل﴿ فَأُمِرِ به وبإفشائه، وجَعَله سبباً للمحبة تاكد حُكم السلام ومشروعيته ١٨٥ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١٤) باب: في خيام الجنة [٢٧٥٧] وعن أبي هريرة، عن النَّبيِّ وَّ قال: ((مَن يدخل الجنَّةَ يَنْعَمُ ولا يبأسُ، لَا تَبْلَى ثيابُه، ولا يَفْنى شبابُه)). رواه مسلم (٢٨٣٦). (١٤) باب في خيام الجنة وما في الدنيا من أنهار الجنة [٢٧٥٨] عن أبي موسى الأشعري، أنَّ رسولَ الله وَّهِ قالَ: ((في الجنَّةِ خَيْمةُ من لُؤلُؤَةٍ مُجَوَّفةٍ؛ عرضها سِتُّونَ مِيْلاً في كُلّ زاويةٍ منها أهْلٌ ما يَرونَ الآخرين، يطوف عليهم المؤمن». وفي روايةٍ: قال: ((الخيمة دُرّةٌ طولُها في السَّماء ستون ميلاً، في كل زاويةٍ منها أهل للمؤمن ما يرون الآخرين». رواه البخاريُّ (٤٨٧٩)، ومسلم (٢٨٣٨) (٢٤ و٢٥). [٢٧٥٩] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلّهِ: ((سَيْحانُ، وجَيْحَانُ، والفُراتُ، والنِّيلُ كلّ من أنهار الجنة)). رواه مسلم (٢٨٣٩). الدينية، ولدخول الجنة العليّة، وهذا كلُّه يشهدُ لمن قال بوجوبه، وهو أحدٌ القولين للعلماء، وقد تقدَّم القولُ في ذلك. و (قوله: ((سَيْحان وجيحان والنيل والفرات: كلٌّ من أنهار الجنة))) هذه من أنهار الجنة الأنهارُ الأربعةُ: أكبرُ أنهار الإسلام. فالنيل ببلاد مصر، والفرات بالعراق، ١٨٦ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١٥) باب: في صفة جهنم وحرها وأهوالها (١٥) باب في صفة جهنّم وحرّها وأهوالها وبعد قعرها أعاذنا الله منها [٢٧٦٠] عن عبد الله - هو ابن مسعود -، قال: قال رسول الله ◌َله: ((يؤتى بجهنَّم يومئذٍ لها سبعون ألف زِمامٍ مع كلِّ زمام سبعون ألف مَلكِ یجژُّونَها)). رواه مسلم (٢٨٤٢). وسيحان وجيحان ببلاد خراسان، ويقال: سيحون وجيحون، وظاهر هذا الحديث: أن أصلَ هذه الأنهار وماذَّتها من الجنة، كما قدَّمناه في أحاديث الإسراء. وقد تقدَّم: أنَّ النيل والفراتَ يخرجان من أصل سدرة المنتهى، وقد نصَّ عليه البخاريُّ، ويحتملُ أن يكونَ المراد: أنها تشبه أنهار الجنة في عذوبتها وبركاتها، وأَبْعَدُ من هذا احتمالُ أن يكون المراد بذلك: أن الإيمانَ غمر بلاد هذه الأنهار، وفاض عليها، وأن غالبَ الأجسام المتغذية بهذه المياه مصيرُها إلى الجنة. (١٥ و١٦) ومن باب: صفة جهنم أعاذنا الله منها(١) أسماء جهنم (قوله: ((يُؤتى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام، مع كلِّ زمام سبعون ألف ملكِ يجرُّونها))) قد تقدَّم: أنَّ جهنّم اسمُ علمٍ لنار الآخرة، وكذلك: سقر، ولها أسماء كثيرةٌ - أعاذنا الله منها -، ويعني: أنها يُجاء بها من المحلِّ الذي خَلَقها اللَّهُ فيه، فَتُدار بأرض المحشر حتى لا يَبْقى للجنّة طريقٌ إلا الصراط، كما دلَّت عليه الأحاديث الصحيحة. والزمام: ما يُزَمَّ به الشيء؛ أي: يُشَدُّ ويُرْبَط، وهذه الأزمَةُ (١) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان: هذا الباب، والباب الذي يليه بعنوان: تعظيم جسد الكافر، وتعظيم العذاب بحسب أعمال الأعضاء. ١٨٧ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١٥) باب: في صفة جهنم وحرها وأهوالها [٢٧٦١] وعن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ بَّه قال: ((نارُكم هذه؛ التي یوقد ابن آدم جزءٌ من سبعین جزءاً من حرِّها)». رواه أحمد (٣١٣/٢)، ومسلم (٢٨٤٣)، والترمذيّ (٢٥٥٩). [٢٧٦٢] وعنه؛ قال: كنَّا مع رسول الله وَّهِ إذْ سَمع وجْبَةً، فقال التي تُسَاق جهنَّمُ بها أيضاً تمنعُ من خروجها على أهلِ المحشر، فلا يخرجُ منها إلا الأعناق التي أُمِرَتْ بأَخذ مَن شاء اللَّهُ أَخذه. وملائكتها - كما وصفهم الله تعالى -: ﴿غِلَاظُ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اَللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وأما هذا العددُ المحصورُ للملائكة فكأنَّه عَدَدُ رؤسائهم، وأما جُملتهم فالعبارةُ عنها ما قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا يَعْلُ جُودَ رَيِّكَ إِلََّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]. و (قوله: ((ناركم هذه التي يُوقِد ابنُ آدم جزءٌ من سبعين جزءاً من نار جهنم))) يعني: أنه لو جُمع كلُّ ما في الوجود من النار التي يُوقِدها بنو آدم لكانت جزءاً من أجزاء جهنم المذكورة، وبیانُه: أنه لو ◌ُمع حطبُ الدنیا فوقد کلّه حتى صار ناراً؛ لكان الجزءُ الواحدُ من أجزاء نار جهنم؛ الذي هو من سبعين جزءاً أشد من حر نار الدنيا كما بينه في آخر الحديث. و (قولهم: والله إن كانت لكافية)(١)، إن: في مثل هذا الموضع مخففة من الثقيلة عند البصريين، وهذه اللام هي المفرقة بين إن النافية والمخففة من الثقيلة، وهي عند الكوفيين بمعنى ما، واللام بمعنى إلا، تقديره عندهم ما كانت إلا كافية. وعند البصريين: إنها كانت كافية. فأجابهم النبيُّ ◌َ ﴿ بأنها كما فضلت عليها في المقدار والعدد بتسعة وستين جزءاً فُضُّلت عليها في شدة الحرِّ بتسعةٍ وتسعين ضعفاً. و (قوله: إذ سمعَ وجبةً) أي: هذَّة، وهي صوت وقع الشيء الثقيل. (١) هذه الفقرة لم ترد في التلخيص، وهي من الحديث (٢٨٤٣) (٣٠) في صحيح مسلم. ١٨٨ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١٦) باب: تعظيم جسد الكافر النَّبِيُّ وَّهِ: (تَدْرُون ما هذا؟)) قال: قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: ((هذا حجرٌ رُمِيَ به في النار منذ سَبْعینَ خَرِیفاً فهو یهوي في النار الآن حین انتهى إلی قعرها)). رواه أحمد (١٨٨/١)، ومسلم (٢٨٤٤). (١٦) باب تعظيم جسد الكافر وتوزيع العذاب بحسب أعمال الأعضاء [٢٧٦٣] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((ضِرْسُ الكافِر - أو نَابُ الكَافِر - مثل أحد. وغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرةُ ثَلاثٍ)). وفي روايةٍ: قال: ((ما بين منكبي الكافر في النَّار مسيرةُ ثلاثة أيام للراكب المسرع». . رواه مسلم (٢٨٥١ و ٢٨٥٢)، والترمذيّ (٢٥٧٩). خلْق النار و (قوله: ((أتدرون ما هذا؟))) دليل على أنهم حين سمعوا الوجبة خرقَ الله لهم العادة، فسمعوا ما مُنِعَه غيرهم، وإلا فالعادة تقتضي مشاركة غيرهم في سماع هذا الأمر العظيم، ففيه دليل على: أن النار قد خُلقت وأُعِدَّ فيها ما شاء الله مما يُعذب به من يشاء، وهو مذهبُ أهل السنة خلافاً للمبتدعة. و (قوله: ((ضرس الكافر، أو نابُ الكافر مثل أحد ... الحديث))) إنما عَظُم خلقُه ليعظمَ عذابُه، ويتضاعفَ، وهذا إنما هو في بعض الكفَّار بدليل: أنه قد جاءت أحاديثُ أُخر تدلُّ على: أن المتكبرين يُحشرون يوم القيامة أمثالَ الذرِّ في ١٨٩ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١٦) باب: تعظيم جسد الكافر [٢٧٦٤] وعن سَمُرَةَ بنِ جندبٍ: أنَّ نبيَّ اللهِ وَّرِ قال: ((مِنْهم من تأخذه النَّار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حُجْزَتِهِ، ومنهم من تأخذه إلى تَرْقُوتِه)). وفي روايةٍ: ((حِقْوَيْه)) مكان ((حُجَزَته)). رواه مسلم (٢٨٤٥) (٣٢ و ٣٣). صور الرجال، يُساقون إلى سجن في جهنم يُسمَّى: ((بُولَس))(١) وقد تقدَّم قوله: ((إنَّ أهونَ أهل النار عذاباً مَنْ في رجليه نعلان من نار تغلي منها دماغه، وهو أبو طالب))(٢). ولا شك في أن الكفار في عذاب جهنم متفاوتون كما قد عُلم من تفاوت عذاب الكتاب والسنة، ولأنا نعلمُ على القطع والثبات أنه ليس عذاب من قتل الأنبياء الكفار في والمسلمين، وفتكَ فيهم، وأفسدَ في الأرض وكفرَ؛ مساوياً لعذاب من كفر فقط، جهنم وأحسنَ للأنبياء والمسلمين، وهذا البحث ينبني على أنَّ الكفَّار مخاطبون بفروع الشريعة، وقد ذكرنا ذلك في الأصول. و (قوله: ((فمنهم من تأخذُه النَّارُ إلى كعبيه ... الحديث))) والحجزة: معقدُ السراويل، والإزار. والتَّرْقُوَّة: بفتح التاء وضم القاف، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق. وهذا الحديث أيضاً يدلُّ على: أنَّ أهلَ النار يتفاوتون فيها، ويصحُ مثل هذا في الكفار، كما قلناه في حديث أبي طالب، ويصُ أنْ يكونَ ذلك فیمن يُعذّبُ من الموحِّدين إلا أن الله تعالى يميتهم إماتة، كما صحَّ في الحديث. (١) انظر إتحاف السادة المتقين (٣٤٣/٨). (٢) سبق تخريجه. ١٩٠ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١٧) باب: ذبح الموت وخلود أهل الجنة وأهل النار (١٧) باب ذبح الموت وخلود أهل الجنة وأهل النار [٢٧٦٥] عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله وَله: ((يُجَاءُ بالموت)) . - وفي رواية: ((إذا دخل أهل الجنة الجنَّة، وأهلُ النار النار - يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة! هل تعرفون من هذا؟ فيشرئبون، فينظرون، فيقولون: نعم، هذا الموت! قال: ويقال: يا أهل النار! هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون، (١٧) ومن باب: ذبح الموت (قوله: ((يُجاء بالموت يومَ القيامة كأنَّه كبشٌ أملح))) قد تقدَّم الكلام على الأملح في الضحايا، وأنه الذي فيه بياض وسواد، والبياض أكثر، كما قاله الكسائي. وقيل: يحتمل أن تكون الحكمة في كون هذا الكبش أملح لأن البياض من جهة الجنة، والسواد من جهة النار. قلتُ: ظاهر هذا الحديث مستحيل، وذلك أن العقلاء اتَّفقوا على: أن الموت: إما عَرَض مخصوص، وإما نفي الحياة، ولم يذهب أحد إلى أنه من قبيل الجواهر، وأيضاً: فإن المُذْرَك من الموت والحياة إنما هما أمران متضادان متعاقبان على الجواهر، كالحركة وكالسكون، وقد دلَّ على ذلك من جهة السمع قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَأَلَوَةَ لِبْلُوَّكُمْ أَيُّكُمْ لَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [تبارك: ٢]، فهذا يُبطل قول من قال من المعتزلة: إن الموت عدم الحياة؛ لأن العدم لا يُخلق، ولا يُوجب اختصاصاً للجواهر. واستيفاء المباحث العقلية في علم الكلام، وإذا تقرَّر ذلك استحالَ أن ينقلبَ الموتُ كبشاً؛ لأن ذلك انقلابُ الحقائق وهو محال. وقد تأوَّل الناس ذلك الخبر علی وجھین: أحدهما: أن الله تعالى خلقَ صورة كبش خلق فيها الموت، فلما رآه أهلُ ١٩١ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١٧) باب: ذبح الموت وخلود أهل الجنة وأهل النار وينظرون، فيقولون: نعم، هذا الموت. قال: فيؤمر به فيذبح، قال: ثم يقال: يا أهل الجنة! خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار! خلودٌ فلا موت)). ثم قرأ رسول الله وَاهِ: ((﴿وَأَنَذِرُهُمْ يَوْمَ الْمَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩]))، وأشار بيده إلى الدنيا. رواه مسلم (٢٨٤٩) (٤٠ و٤١). * الجنة وأهلُ النار، وعرفوه، فعلَ الله فيه فعلاً يُشبه الذبح، أعدَمه عند ذلك الفعل حتى يأمنَه أهلُ الجنة، فيزدادوا سروراً إلى سرورهم، وييأس منه أهلُ النار فيزدادوا حزناً إلى حزنهم، وعلى هذا يدلُّ باقي الحديث، ولا إحالة في شيء من ذلك، ولا بُعدَ. والوجه الثاني: أنَّ المراد بالحديث تمثيلُ عدم الموت على جهة التشبيه والاستعارة، ووجهه: أنَّ الموتَ لما عُدِمَ في حقٌّ هؤلاء صار بمثابة الكبش الذي يُذْبح فينعدم، فعبَّرَ عنه بذلك، وهذا فيه بُعْدٌ وتحميلٌ للكلام على ما لا يصلح له، والوجه المعني: الأول. والله أعلم. ويَشرئبُّون: يرفعون رؤوسهم ويتشوَّفون ليبصروا ما عُرض عليهم. و (قوله: ﴿وَأَنَذِرْهُمْ يَوْمَ الْمَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الْأَمْرُ ... ) الآية [مريم: ٣٩])، ومعنى أنذرهم: أعلمهم وحذُّرهم، والنذارة: إعلام بالشر، والبشارة: إعلام بالخير، ويوم الحسرة: يعني به زمنَ ذبح الموت إذا سمعوا: خلودٌ فلا موت. وقُضِيَ: بمعنى أُحكِم وتُمِّم. والأمرُ: يعني به خلود أهل النار فيها. و (قوله: ﴿وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩]) استئناف خبر عما كانوا عليه في الدنيا، لا تعلُّق له بما قبله، يدلُّ عليه قوله في الحديث، وأشار بيده إلى الدنيا، يعني أنهم كانوا كذلك في الدنيا، والله تعالى أعلم. ١٩٢ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١٨) باب: محاجة الجنة والنار (١٨) باب محاجَّة الجنَّةَ والنَّار [٢٧٦٦] عن أبي هريرة، عن النبيَ ﴿ قال: ((تحاجَّت النَّار والجنَّة، فقالت النار: أُوثِرْتُ بالمتكبرين والمتجبرين! وقالت الجنَّةُ: فما لي لا يدخلني إلا ضُعَفاءُ الناسِ وسَقَطْهُمْ وَعَجَزُهم)) . - في روايةٍ: وغِرّتُهُمْ)) بدل ((وعَجَزُهم)) - فقال الله للجنة: ((أنت رحمتي أرحمُ بك من (١٨) ومن باب: مُحاجَّة الجنّة والنَّار (قوله: ((تحاجَّت الجنة والنار، فقالت النار: أُوثرت بالمتكبِّرِين ... الحديث))) ظاهر هذه المحاجَّة: أنها لسانُ مقال، فيكون خَزَنَةُ كل واحد منهما هم القائلون بذلك، ويجوز أن يخلقَ الله ذلك القول فيما شاء من أجزاء الجنة، وقد قلنا فيما تقدَّم: إنه لا يُشترط عقلاً في الأصوات المقطَّعة أن يكونَ محلُّها حيّاً، خلافاً لمن اشترط ذلك من المتكلِّمين. ولو سلَّمنا ذلك لكان من الممكن أن يخلقَ الله في بعض أجزاء الجنة والنار الجماديّة حياةٍ، بحيث يصدر ذلك القول عنه، والله تعالى أعلم. لا سيما وقد قال بعضُ المفسّرين في قوله تعالى: ﴿وَإِنَ الذَّارَ الْآخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]: إن كل ما في الجنة حيّ، ويُحتمل أن يكونَ ذلك لسان حال فيكون ذلك عبارة عن حالتيهما، والأول أولى، والله تعالى أعلم. و (قول الجنة: ((ما لي لا يدخلُني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعَجَزُهم))، وفي رواية: وغِرَّتُهم))) الضعفاء: جمعٍ ضعيف: يعني به الضعفاء في أمر الدنيا، ويحتمل أن يُريد به هنا الفقراء. وحملُه على الفقراء أولى من حمله على الأول؛ لأنه يكون معنى الضعفاء: معنى العجزة المذكورين بعد. وسقطهم - بفتح السين والقاف -: جمع ساقط وهو النازل القدر، وهو الذي عبّر عنه بأنه لا يُؤبه له، وأصلُه من سقط المتاع: وهو رديئه. وعَجَزُهم؛ قال القاضي: هو بفتح العين والجیم جمع عاجز. ١٩٣ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١٨) باب: محاجة الجنة والنار أشاء من عبادي! وقال للنار: أنت عذابي أعذِّب بك من أشاء من عبادي، ولكلِّ واحدةٍ منكما ملؤها! فأمَّا النار فلا تمتلىء، فيضع قدَمَهُ عليها، فتقول: قطِ، قطِ، فهنالك تمتلىء، ويُزْوَى بعضُها إلى بعضٍ)). وفي روايةٍ: ((فأما النَّار فلا تمتلىء حتى يضعَ الله تبارك وتعالى رجله، تقول: قطِ، قطِ، قطِ، فهنالك تمتلىء، ويزوى بعضُها إلى بعضٍ فلا يظلم الله من خلقه أحداً. وأما الجنَّة فإن الله ينشىء لها خلقاً)). رواه أحمد (٢٧٦/٢)، والبخاريُّ (٤٨٤٩)، ومسلم (٢٨٤٦) (٣٥ و ٣٦)، والترمذيُّ (٢٥٦١). [٢٧٦٧] وعن أنسٍ، عن النبي ◌َّ﴿ أَنَّه قال: ((لا تزال جهنّم يُلقى قلتُ: ويلزمه على ذلك أن يكون بالتاء ككاتب وكتبة، وحاسب وحَسَبة، وسقوط التاء في مثل هذا الجمع نادرٌ، وإنما يُسقطونها إذا سلكوا بالجمع مسلكَ اسم الجنس، كما فعلوا ذلك في سقطهم، وصواب هذا اللفظ: أن يكون عُجَّزُهُم بضم العين وتشديد الجيم، كنحو: شاهد وشُهَّد، وكذلك أذكر أني قرأته: وغَزْئهم: بفتح الغين المعجمة والثاء المثلثة جمع غِزْثان، وهو الجيعان، والغرث: الجوع. وقد رواه الطبري: غِرَّتهم: بكسر الغين وبالتاء باثنتين فوقها، وتشديد الراء: أي غفلتهم، وأهل البَلَه منهم، كما قال في الحديث الآخر: ((أكثر أهل الجنة البُلْه))(١) يعني به: عامة أهل الإيمان الذين لم يتفطنوا للشُّبَه، ولم توسوس لهم الشياطين بشيء من ذلك، فهم صِحاحُ العقائد، ثابتو الإيمان، وهم أكثر المؤمنين، وأما العارفون والعلماء والحكماء، فهم الأقلُّ، وهم أصحابُ الدرجات العُلى والمنازل الرفيعة. و (قوله: ((وأما النار فلا تمتلىء فيضعُ قدمَه عليها))، وفي اللفظ الآخر: (١) رواه البزار في مسنده عن أنس، وهو حديث ضعيف. انظر جامع الأصول (٥٣٦/١٠). ١٩٤ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١٨) باب: محاجة الجنة والنار فيها، وتقول: هل من مزيد؟! حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي ((حتى يضعَ ربُ العزة فيها قدمَه))، وفي اللفظ الآخر: ((حتى يضعَ اللَّهُ رِجلَه))) ولم يذكر لا فيها ولا عليها، وقد ضلَّ بظاهر هذا اللفظ من أذهبَ الله عقله، وأعدم فهمَه، وهم المجسِّمة المشبهة، فاعتقدوا: أن الله تعالى رجلاً من لحم وعصب تُشبه رجلنا، كما اعتقدوا في الله تعالى أنه جسمٌ يُشبه أجسامنا ذو وجهٍ وعینین، وجنب ويدٍ ورجل وهكذا ... وهذا ارتكاب جهالة خالفوا بها العقول وأدلة الشرع المنقول، وما كان سلف هذه الأمة عليه من التنزيه عن المماثلة والتشبيه، وكيف يستقرُّ هذا المذهبُ الفاسد في قلب من له أدنى فكرة، ومن العقل أقلُّ مَسَكة، فإن الأجسامَ من حيث هي كذلك متساوية في الأحكام العقلية، وما ثبتَ للشيء ثبت لمثله، وقد ثبت لهذه الأجسام الحدوثُ، فيلزم عليه أن يكونَ الله تعالى حادثاً، وهو محالٌ باتفاق العقلاء والشرائع. ثم انظر غفلتهم وجهلَهم بكلام الله تعالى وبمعانيه، فكأنهم لم يسمعوا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. ويلزم على قولهم: أن يكونَ كلُّ واحد منا مِثْلاً له تعالى من جهة الجسمية والحيوانية، والجوارح، وغير ذلك من الأعضاء والأعصاب واللحم والجلود والشُّعور، وغير هذا، وكلُّ ذلك جهالات وضلالات، ولله سرّ في إبعاد بعض العباد ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: ٣٣]. وقد تأوَّل علماؤنا ذلك الحديث تأويلاتٍ(١). وأشبهُ ما فيها تأويلان: أحدهما: أن النار تتغيَّظ، وتتهيجُ حَنَقاً على الكفّار والمتكبِّرِين والعصاة، كما قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْفَيْظِ﴾ [تبارك: ٨]، وكما قال: ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ أَمْتَلَأْتِ وَتَّقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]، وكما قال في هذا الحديث: ((لا تزالُ جهنم يُلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟))، وكما قال: ((تخرجُ عنقٌ من النار فتقول: (١) الأولى بنا أن نقولَ في هذا المقام ما يقولُه علماء السلف: نثبتُ لله تعالى ما أثبتَ لنفسه، من غير تعطيل ولا تأويل ولا تجسيم. ١٩٥ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١٨) باب: محاجة الجنة والنار بعضُها إلى بعض، وتقول: قطِ قطٍ بعزتك وكرمك! ولا يزال في الجنة فضل حتى يُنشِىءَ اللَّهُ لها خَلقاً، فيُسْكِنَهم فضلَ الجنة)). رواه أحمد (١٣٤/٣)، والبخاريّ (٧٣٨٤)، ومسلم (٢٨٤٨) (٣٨). وُكِلت بالجبارين والمتكبِّرين))(١). فكأنها تعلو وتطغى حتى كأنها تجاوز الحد، وفي بعض الحديث: ((أنها تكاد أن تلتقمَ أهلَ المحشر فيكسر الله سورتها، وحدّتها، وبردها، ويذلِّلها ذلَّ متكبرٍ وُطِىء بالقدم والرَّجْل))، فعبَّر عن تذليلها بذلك، ويشهد لذلك قوله وَ ي: ((فيضع قدمه عليها))، وعلى هذا فيكون ((فيها)) في الرّواية الأخرى بمعنى عليها. كما قال: ﴿وَلَأُصَلِيَنَّكُمْ فِ جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي: على جذوع النخل. وثانيهما: أن القدمَ والرِّجْلَ عبارةٌ عمن تأخّر دخوله في النار من أهلها، وهم جماعات كثيرة؛ لأن أهلَ النار يلقون فيها فَوْجاً بعد فوج، كما قال تعالى: ﴿كُلُّمَاً أُلّفِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَلَهُمْ خَزَتَنْهَاً﴾ [تبارك: ٨]، ويؤيده قولُه في هذا الحديث: ((لا يزال يُلقى فيها)) فالخزنةُ تنتظرُ أولئك المتأخِّرين، إذ قد علموهم بأسمائهم وأوصافهم، كما روي عن ابن مسعود أنه قال: ما في النار بيت، ولا سلسلة، ولا مقمع، ولا تابوت إلا وعليه اسمُ صاحبه، فكلُّ واحدٍ من الخزنة ينتظر صاحبه الذي قد عرف اسمه وصفتَه، فإذا استوفى كلُّ واحدٍ منهم ما أُمِر به، وما ينتظره، ولم يبقَ منهم أحدٌ، قالت الخزنة: قط قطٍ، أي: حسبنا، حسبنا. اكتفينا، اکتفينا. فحينئذ تنزوي جهنمُ على مَن فيها. أي: تجتمع، وتنطبق إذ لم يبق أحدٌ ينتظر، فعبَّر عن ذلك الجمع المنتظر بالرجل والقدم، كما عبرت العربُ عن جماعة الجراد بالرّجل، فتقول: (١) رواه الترمذي (٢٥٧٤). ١٩٦ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١٩) باب: شهادة أركان الكافر عليه يوم القيامة (١٩) باب شهادة أركان الكافر عليه يوم القيامة و كيف يحشر [٢٧٦٨] عن أبي هريرة، قال: قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ قال: ((هل تُضارُون فِي رُوِيَة الشَّمْس في الظهيرة ليست في سحابةٍ؟))، قالوا: لا. قال: ((فهل تضارُّون في رؤية القمر ليلة البدر ليس جاء رجلٌ من جراد؛ أي: جماعة منها، ويشهدُ بصحَّة هذا التأويل قولُه في آخر الحديث: ((ولا يزالُ في الجنة فضلٌ حتى ينشىء الله لها خلقاً فيسكنهم فضل الجنة)). والله بمراد رسوله أعلم، والتسليم في المشكلات أسلم. وقد تقدَّم القولُ في قطّ الزمانية، وأنها مبنيةٌ على الضم مشدّدة ومخفّفة، وأنها تُقال بفتح القاف وهو الأصلُ فيها، ويقال بالضم إتباعاً. وأما قطْ بمعنى حسب فهي مبنيةٌ على السكون، وقد تُكسر، وتلحقها نونُ الوقاية إذا أُضيفت(١)، وتقال: بالدال، ويصُ فيها ما يصحُّ في الطاء. (١٩ و٢٠ و٢١ و٢٢) ومن باب: شهادة أركان الكافر عليه يوم القيامة(٢) قد تقدَّم القولُ على رؤية الله تعالى في كتاب الإيمان، وعلى قوله: تضارُّون. (١) : أي: إلى ياء المتكلم. قال الراجز: امتلأ الحوضُ وقال قطنِي سلَّ رويداً قد ملأتَ بطني انظر: اللسان مادة (قطط). (٢) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان جميع الأبواب المتبقية من كتاب: ذكر الموت وما بعده. ١٩٧ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١٩) باب: شهادة أركان الكافر عليه يوم القيامة في سحابة؟)) قالوا: لا، قال: ((فوالذي نفسي بيده لا تضارُّون في رؤية ربّكُم إلا كما تُضارُون في رؤية أحدهما. قال: فَيَلْقَى العَبْدَ فيقول: أي فُلْ! ألم أُكْرِمْكَ، وأُسَوِّدكَ، وأزوجك، وأسخِّر لك الخيل والإبل، وأَذَرْكَ تَرْأَسُ، وتَرْبَعُ! فيقول: بلى! فيقول: أفظَنَنْتَ أنك مُلاقيّ؟ فيقول: لا! (قوله: ((أي فلْ))) هو منادى مُرّم، فكأنه قال: يا فلان، ولا يرخَّم في غير النداء إلا في ضرورة الشعر. و (قوله: ((ألم أكرمْك؟))) أي: بما فضّلتك به على سائر الحيوانات، كما قال تعالى: ﴿﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ مَادَمَ وَّلْنَهُمْ فِ آلْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ اَلَّيْبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]. و (قوله: ((وأسوِّدْك))) أي: جعلتُك سيداً على قومك. والسؤدد: التقدُّم بالأوصاف الجميلة، والأفعال الحميدة. و (قوله: ((وأَذَرْك ترأس وتَرْبَع؟))) أي: ألم أتركك تترأس على قومك؟ أي: تكون رئيساً عليهم. وتربع - بالموحدة - أي: تأخذ المرباع، أي: الربع فيما يحصلُ لقومك من الغنائم والكسب. وكانت عادتُهم: أن أمراءهم يأخذون من الغنائم الربع، ويسمُّونه المرباع. قال قطرب: المرباع: الربع. والمعشار: العشر، ولم يُسْمَعْ في غيرهما. ورواية الجمهور: تربع بالباء، وعند ابن ماهان: ترتع بتاء باثنتين من فوقها، ومعناه: تتنعَّم. و (قوله: ((أفظننتَ أنك مُلاقِيَّ؟))) أي: أعلمتَ؛ كقوله تعالى: ﴿فَظَنُّواْ أَنَّهُم ◌ُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣] أي: علموا. و (قوله: ((فإني أنساك كما نسيتني))) أي: أتركك في العذاب كما تركتَ معرفتي وعبادتي. ١٩٨ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١٩) باب: شهادة أركان الكافر عليه يوم القيامة فيقول: فإنّي أنساك كما نسيتني! ثم يلقى الثاني، فيقول له مثل ذلك. ويقول هو مثل ذلك بعينه ثم يلقى الثالث، فيقول مثل ذلك، فيقول: يا رب آمنتُ بك، وبكتابك، وبرسولك، وصلَّيتُ، وصمتُ، وتصدقتُ، ويثني بخيرٍ ما استطاع، قال: فيقول: ها هنا إذاً؟! ثم يقال له: الآن نبعث شاهداً عليك، فيفكر في نفسه من ذا الذي يشهد عليّ؟ فيُخْتَم على فيه، ويقال لِفَخِذِهِ: انطقي! فتنطق فخذُه، ولحمُه، وعظامُه بعمله، فذلك لِيُعْذِرَ من نفسه. وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه)). رواه مسلم (٢٩٦٨). و (قوله للثالث: ((ها هنا إذاً؟))) يعني: أها هنا تكذب وتقول غير الحق؟! وذلك أن هذا المنافقَ أنجاه كذبُه ونفاقُه في الدنيا من سفك دمه، واستباحة ماله، فاستصحب الكذب إلى الآخرة، حتى كذب بين يدي الله تعالى. و (قوله: ((فيختم على فيه))) أي: يُمْنَعُ من الكلام المكتسب له، وينطقُ لسانه، وسائر أركانه بكلام ضروريًّ لا كَسْبَ له فيه، ولا قدرة على منعه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِّنَتُهُمْ وَأَيْدِهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، فإذا شهدتْ عليه أركانُه بعلمه خُلِّي بينه وبين الكلام المقدور له، فيلوم جوارحَه الشاهدةَ عليه بقوله: ((ويلكن فعنكنَّ كنت أناضل)) أي: أدافعُ وأحتجُّ، والروايةٌ المشهورة: ((إذاً) التي للتعليل. وقد رواها ابنُ الحذاء: ((إذن)) والأول أصحُّ وأشهر، وقد سقطت هذه اللفظةُ جملةً عند الصّدفي. واقتصر على: ها هنا. وقيل: معناها: هنا اثبتْ مكانك، كما تقولُ لمن تهدِّده: اثبتْ مكانك حتى أُريك، وما ذكرناه أولى وأشبه، والله تعالى أعلم. و (قوله: ((ليُعْذِرَ من نفسه))) بضم الياء وكسر الذال المعجمة: مِن أعذر، أي: بالغ في حُجَّة نفسه. يعني أنَّ المنافقَ قال ما قال من ادِّعاء فِعْل الخيرات المتقدّمة. ١٩٩ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١٩) باب: شهادة أركان الكافر عليه يوم القيامة [٢٧٦٩] وعن أنس بن مالكٍ، قال: كنّا عند رسول الله وَ ل فضحك فقال: ((هل تدرون مِمَّا أضحك؟))، قال: قلنا: الله ورسوله أعلم !. قال: ((من مخاطبة العبد ربَّه يقول: يا رب! ألم تُجِرْني من الظُّلْم؟))، قال: ((فيقول: بلى!))، قال: ((فيقول: فإنِّي لا أجيز على نفسي إلا شاهداً منّي!))، قال: ((فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، وبالكرام الكاتبين شهوداً). قال: ((فيُخْتَم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي!))، قال: ((فتنطق بأعماله)). قال: ((ثم يُخلّى بَيْنه وبين الكلام). قال: «فيقول: بُعْداً لكُنَّ، وسُخْقاً! فعنْكُنَّ كُنْتُ أناضِلُ)). رواه مسلم (٢٩٦٩) (١٧). [٢٧٧٠] وعن أنس بن مالكِ: أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله! كيف يُخْشَر الكافرُ على وجهه يوم القيامة؟، قال: ((أليس الذي أمشاه على رِجْلَيه في الدُّنيا قادراً على أنْ يمشيه على وجهه يوم القيامة؟!)). قال قتادة: بلى وعزة ربِّنا !. رواه البخاريُّ (٦٥٢٣)، ومسلم (٢٨٠٦). و (قوله في الرواية الأخرى: ((ألم تُجِزْني من الظلم؟)) ... إلى آخر الكلام .. ) ليبالغَ في عُذر نفسه الذي يظنُّ أنه ينجيه، يقال: أعذر الرجلُ في الأمر، أي: بالغ فيه، وقد تقدم القولُ في أنَّ أقلَّ ساكني الجنة النساء الآدميات، وأنهن أکثرُ ساكني النار. ٢٠٠ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده ـ (٢٠) باب: أكثر أهل الجنة وأكثر أهل النار (٢١) باب: لكل مسلم فداء من النار من الكفار (٢٠) باب أكثر أهل الجنة وأكثر أهل النار [٢٧٧١] عن أسامة بن زيدٍ، قال: قال رسول الله وَلقوله: ((قمت على باب الجنَّة فإذا عامَّةُ من دخلها المساكينُ، وإذا أصحاب الْجَدِّ محبوسون؛ إلا أصحاب النَّار فقد أمر بهم إلى الثَّار. وقمت على باب النَّار فإذا عامَّةُ من دخلها النِّساء)). رواه أحمد (٢٠٥/٥)، والبخاريُّ (٥١٩٦)، ومسلم (٢٧٣٦). [٢٧٧٢] وعن أبي التََّّاح، قال: كان لمُطرِّف بنِ عبد الله امرأتان، فجّاء من عند إحداهما، فقالت الأخرى: جئت من عند فلانة؟ فقال: جئت من عند عمران بن حصين، فحدثنا: أنَّ رسولَ الله وَ لَ قالَ: ((إنَّ أقلَّ ساكني الجنَّةِ النساءُ» . رواه أحمد (٤٢٧/٤)، ومسلم (٢٧٣٨). (٢١) باب لكل مسلم فداء من النار من الكفار [٢٧٧٣] عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله وَالت : ((إذا كان يومُ القيامة دفع الله إلى كلِّ مسلمٍ يهودياً، أو نصرانياً، فيقول: هذا فکاکك من النَّار)». و (قوله: ((إذا كان يوم القيامة دفع اللَّهُ إلى كلِّ مسلمٍ يهودياً، أو نصرانياً، فيقول: هذا فِكاكُك من النار))) يعني: مسلماً مذنباً، بدليل الرواية الأخيرة التي قال