النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٩) باب: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات (٩) باب حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات وصفة أهل الجنة وصفة أهل النار [٢٧٣٩] وعن أنس، قال: قال رسول الله وَّه: ((حُفَّت الجنَّةُ بالمكاره، وحفَّتِ النَّار بالشَّهوات». رواه أحمد (١٥٣/٣)، ومسلم (٢٨٢٢)، والترمذيُّ (٢٥٥٩). [٢٧٤٠] وعن عياض بن حمار المجاشعي - وقد تقدّم أولُ حديثه (٩) ومن باب: قوله: حُقَّت الجنة بالمكاره وحُفَّتْ النار بالشهوات هذا من التمثيل الواقع موقعه، ومن الكلام البليغ الذي انتهى نهايته، وذلك أنه مثَّل المكاره بالحفاف، وهو الدَّاءُ بالشيء المحيط به؛ الذي لا يتوصَّل إلى ذلك الشيء إلا بعد أن يتخطَّى، وفائدةُ هذا التمثيل: أن الجنةَ لا تُنال إلا بقطع مفاوز المكاره، وبالصَّبر عليها، وأن النارَ لا يُنجى منها إلا بترك الشهوات، وفطام النفس عنها. وقد رُوي عنه ◌َ﴿ أنه مثَّل طريقَ الجنة، وطريق النار بتمثيل آخر، فقال: (طريقُ الجنة حَزَن بربوة، وطريق النار: سهل بسهوة))(١). والحزن: هو الطريقُ الوعر المسلك، والرَّبوة: المكانُ المرتفع، وأراد به أعلى ما يكون من الرَّوابي. والسَّهوة: بالسين المهملة، وهي الموضعُ السَّهل الذي لا غلظ فيه، ولا وعورة، وهذا أيضاً تمثيلٌ حَسَن واقعٌ موقعه، وقد تقدّم القولُ علی أول حديثٍ عیاض في کتاب العلم. (١) رواه أحمد (٣٢٧/١). ١٦٢ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٩) باب: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات في العلم -: أنَّ رسول الله وَّه قال: ((إنَّ الله نظر إلى أهل الأرض فَمَقَتَهُمْ، عربَهُم وعجمَهُم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتُك لأبتليك وأبتلي بك، و (قوله: ((إن اللَّهَ نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب))) نظر: بمعنى أبصر، والمقت: أشد البغض، وأراد بالعجم هنا: كل من لا يتكلم بكلام العرب، ويعني بذلك قبل بعث النبي ◌َلجر وذلك: أن كلا الفريقين كان يعبدُ غير الله، أو يشرك معه غيره، فكان الكلُّ ضُلَّلاً عن الحق، خارجين عن مقتضى العقول والشرائع، فأبغضهم الله لذلك أشدَّ البغض، لكن لم يعاجلْهم بالانتقام منهم حتى أعذر إليهم بأن أرسل إليهم رسولاً، وأنزل عليهم كتاباً قطعاً لمعاذيرهم، وإظهاراً للحجة عليهم. وإنما استثنى البقايا من أهل الكتاب؛ لأنهم كانوا متمسّكين بالحق؛ الذي جاءهم به نبيُّهم، ويعني بذلك - والله أعلم -: مَن كان في ذلك الزمان مُتمسُّكاً بدين المسيح؛ لأن مَن كفر من اليهود بالمسيح لم يبقَ على دين موسى، ولا مُتمسّكاً بما في التوراة، ولا دَخَل في دين عيسى، فلم يبق أحدٌ من اليهود متمسُّكاً بدينٍ حقٌّ إلا من آمن بالمسيح، واتبع الحق الذي كان عليه، وأما من لم يؤمن به، فلا تنفعه يهوديته، ولا تمشُّكه بها؛ لأنه قد ترك أصلاً عظيماً ممَّا فيها، وهو العهدُ الذي أُخِذ عليهم في الإيمان بعيسى - عليه السلام -؛ وكذلك نقول: كلُّ نصراني بلغه أمرُ نبيّنا وشرعِنا، فلم يؤمن به لم تنفعْه نصرانيتُه؛ لأنه قد ترك ما أُخِذ عليه من العهد في شرعه. ولذلك قال وَّ: ((والذي نفسي بيده! لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة: يهوديٌّ، ولا نصراني، ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أُرسِلتُ إلا كان مِن أصحاب النار))(١). و (قوله: ((إنما بعثتُك لأبتليك، وأبتلي بك))) أي: لأمتحنك بتبليغ الرسالة، والصَّبر على معاناة أهل الجاهلية، وأمتحن بك؛ أي: مَن آمن بك واتَّبعك أثبُهُ، (١) رواه مسلم (١٥٣). ١٦٣ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٩) باب: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات وأنزلتُ عليك كتاباً لا يغسله الماء ؛ تقرؤه نائماً ويقظان؛ وإنَّ الله أمرني أن أُحَرِّقَ قريشاً ومَن كذَّبك وخالفك انتقمتُ منه وعاقبتُهُ. و (قوله: ((وأنزلت عليك كتاباً لا يغسلُه الماء))) أي: يسَّرت تلاوتَه وحِفْظَه، القرآن محفوظ فخفَّ على الألسنة، ووَعَتْهُ القلوب، فلو غُسِلت المصاحفُ لما انغسل من في الصدور الصدور، ولما ذَهَب من الوجود، ويشهدُ لذلك قولُه تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّنَا الذِّكْرَ لا يغسله الماء وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقوله: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ ﴾ [القمر: ١٧]، وفي الإسرائيليات: أنَّ موسى - عليه السلام - قال: يا رب! إنِّي أجدُ أمةً تكون أناجيلُها في صدورها فاجْعَلْهُم أمتي، قال: تلك أمة محمد. و (قوله: ((تقرؤه نائماً ويقظان))) يحتملُ أن يريدَ بذلك: أنه يُوحى إليه القرآنُ في اليقظة والمنام، وقد تقدَّم أنَّ رؤيا الأنبياء وحي. ويحتمل أن يكون معنى نائم هنا: مضطجعاً، يعني في صلاة المريض، قالهما القاضي، وفيهما بُعْدٌ، وأشبه منهما إن شاء الله أن الله يسّره على لسان نبيّه، وذكره، بحیث کان يقرؤه نائماً كما كان يقرؤه منتبهاً. لا يخلُّ منه بحرفٍ، لا سيما وقد كان ◌َفي تنام عيناه ولا ينام قلبه(١). وقد شاهَدْنا المديمين على تكرار القرآن يقرؤون منه الكثيرَ وهم نيام، وذلك قبل استحكام غلبةِ الثَّوم عليهم. و (قوله: ((إن الله أمرني أن أُحَرِّق قريشاً)) أي: أغيظهم بما أُسْمِعُهم من الحق الذي يخالفُ أهواءهم، وأُؤْلِمُ قلوبَهم بعيب آلهتهم، وتسفیه أحلام آبائهم، وقتالهم، ومغالبتهم حتى كأنِّي أُحرِّق قلوبهم بالنار. ولا يصحُّ أن يحملَ ذلك على حقيقته؛ لأن النبيَّ پے لم يصحّ عنه أنه حرَّق أحداً من قریش بالنار، بل قد نھی عن التعذيب بالنار، وقال: ((لا يُعَذِّب بالنار إلا الله))(٢). (١) رواه الحاكم (٢/ ٤٣١). (٢) رواه البخاري (٣٠١٦)، وأبو داود (٢٦٧٤)، والترمذي (١٥٧١). ١٦٤ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٩) باب: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات فقلت: ربِّ! إذن يَثْلَغُوا رأسي فيدعوه خُبُزةً، و (قوله: ((فقلت إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة») الرؤية الصحيحة المشهورة بالثاء المثلثة والعين المعجمة، ومعناه: يشدخوا. قاله الهروي، وقال شمر: الثلغ: فَضْخك الشيء الرطب باليابس، وقد رواه العذري: فقلعوا - بالقاف والعين المهملة -، ولا يصحُّ مع قوله: ((فيدعوه خبزة)) ومعنى هذا أنه شبَّه الرأسَ إذا شُدِخ بالخبزة إذا شُدِخَتْ لِتُثْرَدَ. قلتُ: وهذا الذي قاله النبيُّ ◌َ﴿ من نحو ما قاله موسى - عليه السلام - حين أُمر بتبليغ الرسالة إلى فرعون فـ: ﴿قَالَ رَبِّ إِ أَغَافُ أَنْ يُكَذِبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَطَلِقُ لِسَانِ فَأَزْمِلْ إِلَى مَدْرُونَ * وَهُمْ عَلَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٢ - ١٤] فهذا صريحٌ في أنهما خافا غير الله، وحينئذٍ يُعارضه قوله تعالى في صفة الرسل الذين يبلُّغون رسالاتِ الله، ويخشونه، ولا يخشون أحداً إلا الله. وهذا نصٌّ في أنَّ الرسل لا تخشى إلا الله، وهذا هو المناسبُ لمعرفتهم بالله، وأنه ليس في الوجود فاعل، ولاخالق إلاَّ هو، وخصوصاً لأولي العزم مِنَ الرُّسل، وخصوصاً لمحمد وموسی ۔ صلی الله علیھما ۔۔ ویرتفعُ التعارض من وجهين: أحدهما: أن ذلك الخوفَ كان منهما في بدايتهم قبل تمكُّنهم وإعلامهم بحميد عواقب أحوالهم، وقَبْل تأمينهم، فلما مُكُنوا وأمنوا لم يخشوا إلا الله، ولذلك كان النبيُّ وَّه في أول أمره يُخْرَس، وهو في منزله، فلما أنزل اللَّهُ تعالى: ﴿ وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] أخرج رأسَه إليهم فقال: ((اذهبوا فقد عصمني ربي))(١). وثانيهما: على تسليم أن يكون ذلك منهم في غير بدايتهم، لكن ذلك الخوفَ هو الذي لا ينفك البشرُ عن فجأته، ووقوع بادرته، حتى إذا راجع الإنسانُ عقلَه، وتدبَّر أمرَه اضمحلَّ ذلك الخوفُ أيَّ اضمحلال، وحصل له مِن (١) رواه الترمذي (٣٠٤٦). ١٦٥ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٩) باب: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات قال: اسْتَخْرِجْهُمْ كما اسْتَخْرَجوك، واغْزُهُمْ نُغْزِكَ، وأنفقْ فسَنُنْفِقْ عليك، وابعثْ جيشاً نبعثْ خمسةً مثله، وقاتلْ بمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عصاك، وقال أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مُفْسِطٌ، مُتَصَدِّقٌ، مُوفَّقٌ، ورجُلٌ رَحِيمٌ رقيق القلب لكلِّ ذي قُرْبَى، ومسلم، وعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذو عيال. قال: وأهل النار معرفةِ الله وخشيته ما يستحقرُ معه رسوخ الجبال، والله تعالى أعلم. و (قوله: ((استخرجهم كما استخرجوك))) أي: أَخْرجهم كما أخرجوك. والسين والتاء زائدتان كما يقال: استجاب بمعنى أجاب. وقد رواه العذري: كما أخرجوك. وهذا يدلُّ على أنَّ هذا القولَ صَدَر عن النَّبِيِّ وَّ بالمدينة بعد الهجرة؛ فإن أهلَ مكة هم الذين أخرجوه من مكة حتى هاجر إلى المدينة. و (قوله: ((واغْزُهم نُغْزِكَ))) أي: اعزم على غزوهم، واشرع فيه نُعِنْك على غزوهم، وننصرك عليهم. و (قوله: (وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله))) هذا يدلُّ على أنَّ هذا كان قبل غزوة بدر؛ لأنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ كان يومَ بدرٍ في ثلاثمئة من أصحابه ونیف، وقيل: ثلاثة عشر، وقيل: سبعة عشر، فأمدَّه اللَّهُ تعالى بخمسة آلاف من الملائكة كما نطق القرآنُ به. و (قوله: ((أهل الجنة ثلاثة))) أي: المتأهِّلون لدخولها، الصَّالحون له. و (قوله: ((ذو سلطان مُقْسطٌ، متصدَّقْ، موفَّق))) مقسط وما بعده مرفوعٌ على أنها صفاتٌ لذو، وهي بمعنى صاحب. والمقسط: العادل. والمتصدِّق: المعطي للصَّدقات. والموفَّق: المسدَّد لفعل الخيرات. و (قوله: ((رحيمٌ، رقيقُ القلب لكل ذي قربى ومسكين)(١)) رحيم: كثير (١) في التلخيص ومسلم: مسلم. ١٦٦ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٩) باب: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات خمسةٌ: الضعيفُ الذي لا زَبّر له، والذين هم فيكم تبعاً لا يَبْتَغون أهلاً ولا مالاً» الرحمة. والقربى: القرابة. ورقيق القلب: ليّه عند التذكُّر والموعظة، ويصحُّ أن يكون بمعنى الشَّفیق. و (قوله: ((وضعيف مُتَضعَّف))) يعني: ضعيفاً في أمور الدنيا، قوياً في أمر دينه، كما قال: ((المؤمنُ القويُّ أحبُّ إلى الله مِن المؤمن الضعيف، وفي كلِّ خير))(١). وكما قد ذمَّ الضعف في أمور الدِّين، جعله من صفات أهل النار كما قال: ((وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبّر له)). والزَّبْر هنا: العقل. قاله الهرويُّ. وفي الصِّحاح: يقال: ما له زَبّر، أي: عقل وتماسك. معنى العقل: المنع والزجر قلتُ: وسُمِّي العقلُ زَبّراً؛ لأن الزَّبْرَ في أصله هو المنع والزجر. يقال: زبره يزبُره بالضم زَبّراً؛ إذا انتهره ومنعه. ولما كان العقلُ هو المانع لمن انَّصف به من المفاسد والزَّاجر عنها؛ سُمِّي بذلك. وقد قيل في الزَّبْر في هذا الحديث: أنه المالُ، وليس بشيء. و (قوله: ((الذين هم فيكم تبعاً لا يَبْتَغُون أهلاً ولا مالاً)) هذا تفسيرٌ من النبيِّ وَ﴿ لقوله أولاً: ((الضعيف الذي لا زَبّرَ له)) فيعني بذلك: أن هؤلاء القوم ضعفاءُ العقول، فلا يسعون في تحصيل مصلحةٍ دنيوية، ولا فضيلةٍ نفسية، ولا دينيّة، بل: يُهْمِلون أنفسَهم إهمالَ الأنعام، ولا يُبالون بما يثبون عليه من الحلال والحرام، وهذه الأوصافُ الخبيئةُ الدنيئة هي أوصافُ هذه الطَّائفة المسمّاة بالقلندرية(٢). (١) رواه أحمد (٣٦٦/٢)، وابن ماجه (٤١٦٨). (٢) طريقة صوفية، أسّسها قلندر يوسف العربي الإسباني. ١٦٧ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٩) باب: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات - وزاد هنا في روايةٍ: ((ويكون ذلك يا أبا عبدِالله؟! قال: نعم؛ والله! لقد أدركتُهم في الجاهلية، وإنَّ الرجل ليرعى على الحيِّ ما به إلا وليدةٌ يطؤها - والخائن الذي لا يخفى له طمعٌ، وإن دقَّ إلا خانه، ورجلٌ لا يصبحُ ولا يُمسي إلا وهو يخادِعُك عن أهلك ومالك ــ وذكر البخل والكذب - والشِّنْظِيرُ الفَخَاشُ». رواه مسلم (٢٨٦٥) (٦٣ و ٦٤). و (قوله: قلت: ويكون ذلك يا أبا عبد الله؟ قال: نعم! والله لقد أدركتهُم في الجاهلية، وإن الرجلَ ليرعى على الحيِّ ما به إلا وليدتهم يطؤها) هذا القائلُ هو قتادة. وأبو عبد الله هو مُطرِّف بن الشخِّر الذي روى عن عِياض بن حمار. ويدلُ هذا على أنَّ مُطرِّفاً أدركَ الجاهلية، وأنَّه صحابيٌّ، وإن لم يذكره أبو عمر في ((الصَّحابة))، وكان حقُه أن يذكره؛ لأن مِن شرطه أن يذكرَ من وُلِد في زمن النبيِّ وَ﴿ ومطرّف وُلد في زمانه وَ له على ما قاله ابنُ قتيبة وغيرُه. والحيُّ: القبيل. والوليدةُ: الأمة، ووجدتُ مقيداً في أصل أبي الصبر، معتنى به، مصخَحاً عليه: ((إلا وليدتَهم)) بفتح التاء، ووجهُه أنه استثناء من مستثنى محذوف، تقديره: ما به شيء أو حاجة إلا وليدتهم. ووقع في بعض النسخ: إلّا وليدة، غير مضاف. و (قوله: ((والخائن الذي لا يخفى له طمعٌ - وإن دقَّ - إلا خانه))) الخائن: هو الذي يأخذُ مما اؤتمن عليه بغير إذنٍ مالكه، ويخفى له - هنا - بمعنى يظهر كما قال(١): خَفاهُنَّ مِنْ أَنْفاقِهِنَّ كَأَنَّما خَفاهُنَّ وَدْقٌ مِنْ عَشِيٍّ مُجَلِّبٍ أي: أظهرهن. وخفي من الأضداد. يقال: خفيت الشيء أي: أظهرته وسترته. قاله أبو عبيد. و (قوله: ((وذكر البخل والكذب))) هكذا الروايةُ المشهورةُ فيه بالواو (١) هو الشاعر: امرؤ القيس. ١٦٨ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٩) باب: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات [٢٧٤١] وعن حارثةَ بن وهبِ الخزاعيِّ، قال: قال رسول الله وَالفعل: ((ألا أخبركم بأهل الجنَّة؟ كلُّ ضعيفٍ مُتَضَعَّفٍ، لو أقسم على الله لأبرّه، ألا أخبركم بأهل النار؟ كلُّ جوَاظِ، زنيمٍ، متكبرٍ». الجامعة، وقد رواه ابن أبي جعفر عن الطبري بأو التي للشك. قال القاضي: ولعله الصواب. وبه وتصحُ القسمةُ؛ لأنه ذَكَر أنَّ أصحابَ النار خمسةٌ: الضعيف الذي وصف، والخائن الذي وصف، والرجل المخادع الذي وصف. قال: وذكر البخل والكذب، ثم ذكر الشِّنظير الفخَاش، فرأى هذا القائلُ أن الرابعَ هو صاحبُ أحدٍ الوصفَيْن، وقد يحتملُ أن يكونَ الرابعُ مَن جَمَعهما على رواية واو العطف، كما جمعهما في الشّنظير الفحّاش. وكذلك قوله: ((أهلُ الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدِّق موفَّق، ورجلٌ رحيم رقيقُ القلب لكل ذي قربى ومسكين، وعفيف متعفّف ذو عيال)). قال: كذا قيَّدناه بخفض مسلم عطفاً على ما قبله، وفي رواية أخرى: «ومسلم عفيف» بالرفع وحذف الواو. قلتُ: العفيفُ: الكثير العقَّة، وهي الانكفافُ عن الفواحش، وعمّا لا يليق. والمتعفف: المتكلِّف للعقَّة. والشَّنظير: السَّيِّىء الخُلُق، في الصحاح: رجل شنظير وشنظيرة، أي: سيِّىء الخلق. قالت امرأة من العرب: شِنْظِيرَةٌ زَوَّ جَنِيهِ أَهْلِي مِنْ حُمْقِهِ يَحْسَبُ رَأْسِي رِجْلِي كَأَنَّهُ لَمْ يَرَ أُنْثَى قَبْلِي !! وربما قالوا: شنذيرة - بالذال المعجمة - لقربها من الظاء لغة، أو لُثْغَة. والفخّاش: الكثير الفحش. وقيل: الشُّنظير: هو الفحاش. قال صاحبُ ((العين)): يقال: شَنْظَرَ بالقوم: شتم أعراضَهم. والشنظير: الفحاش من الرجال الغَلْق، وكذلك من الإبل. و (قوله: ((ألا أخبركم بأهلِ الجنَّة: كلُّ ضعيف مُتضعَّف))) الصحيحُ في ١٦٩ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٩) باب: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات وفي رواية: ((عتل)) ولم يذكر ((زنيم)). رواه البخاريُّ (٦٠٧١)، ومسلم (٢٨٥٣) (٤٦ و٤٧)، والترمذيُّ (٢٦٠٨). مُتَضَعَّف - فتح العين - على أنه اسم مفعول، وكذا وجدتُه في كتاب الشيخ أبي الصبر، ويعني بذلك: أنَّ الغالبَ على صفة أهل الجنة الضعيف عن نيل الدنيا، الغالبُ على صفة أهل الجنة: الزهد ومالها، وجاهها، ومناصبها، وإيثار الخمول والتواضع فيها، يلبسون زَرِيَّ الملابس، ولا يلتفتون إلى فاخر المراكب، ولا إلى صدور المجالس، عِلْماً منهم بأنهم على جادّة سفر، وأن الدُّنيا ليست بمقرٍّ، فأحوالُهم أحوالُ المسافرين المرملين. فَهُمْ كما وصفهم النبيُّ وَلاه بقوله: ((رُبَ أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبرَّه))(١). والأشعث: المتلبِّد الشَّعر، والأغبر: الذي عَلَتْهُ غبرة الغبار. والأطمار: الثياب الرثة. ولا يُؤبه له: لا يُلتفت إليه. يُقال: فلان لا يُؤبه، ولا يؤبه له؛ أي: لا يُبالى به. ابن السُّكيت: ما وَبِهت به، وما وبهت له؛ أي: ما فطنت له. وأنت تيبه بکسر التاء مثل تِيجَلُ؛ أي: تُبالي. فإن قیل کیف تكون هذه أوصاف أهل الجنة، وكيف تُحمد هذه الأوصاف، وقد أمر الشرع بالنظافة والزينة في الجُمَع والأعياد والتطيُّب، وكان النبيُّ نَّه يتطيّبُ ويتنظّف، ويتزيَّن للوفود وللجُمَع والأعياد. قلنا: لا تناقضَ بين هذا، وبين ما وصفَ به النبيُّ ◌َ﴿ أَهلَ الجنة، فإِنَّه ◌َ﴿ إنما وصفَ هؤلاء القوم بأغلبِ أحوالهم. وغالبُ أحوالهم: ملازمة الأسفار الشرعية من الحجِّ والجهاد، والسِّياحة في الأرض، والفِرار بأديانهم من الفتن. ومع ذلك كلّه فيتنظفون النظافة الشرعية، ويتزيَّنون التزيُّن الشرعيَّ إذا حضرَ وقتُه، وأمكنَهم ذلك، ويحضرون جماعات المسلمين وجُمُعاتِهم. فهم مع الناس كائنون، وعنهم بائنون، داخلون في غمارهم، ومستترون بخمولهم أحوال أهل وأطمارهم، وقد توجّهوا إلى الحقِّ، وأعرضوا عن الخلق. وعلى الجملة فمقصودُ الجنة على هذا الحديث أنَّ أحوالَ أهل الجنة على النقيض من أحوال أهل النّار، ألا ترى أنه (١) رواه أحمد (١٤٥/٣)، والترمذي (٣٨٥٤) عن أنس - رضي الله عنه -. النقيض من أحوال أهل النار ١٧٠ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٩) باب: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات [٢٧٤٢] وعن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله وَلِّ قالَ: ((رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبرَّهُ». رواه مسلم (٢٨٥٤). قابلَ صفاتِ أهل الجنة وذكر نقائضها في أهل النّار؛ فقال: وأهلُ النَّار كلُّ جوَّاظ، زنيم، متكبِّر، عُثُلٌّ. فالجوَّاظ: الجَمُوع المَنُوع. حكاه الهروي. وقال غيره: الکثیر اللحم المختال، يُقال: جاظ یجوظ جوظاً: إذا کان کذلك. وقال ابن دُرید: هو الجافي القلب. والعُثُلّ: قيل: الجافي الشديد الخصُومة. وقيل: هو الأكول الشَّروبُ الظلوم. والعَثْلُ: هو العُنف. ومنهُ سُمِّيت القِسيُّ الفارسية: عُثْلاً لشدَّتها. والزنيم هنا: هو الذي يُعرف بالشر. كما تُعرف الشاة بزنمتها. وقيل: هو اللئيم، وأما الزنيم المذكورُ في الآية؛ فقيل: إنه رجل بعينه له زَنَمةٌ كَنمة التَّيس، وهي الغديرة المتعلّقة بعنقه. وقيل: هو الوليد وكان له زنمة تحت أذنه، وقيل: هو المُلْصَقُ بالقوم وليس منهم، وقيل: هو الأخنسُ بن شَرِيق. وكان حليفاً مُلْحَقاً. والمُتَكَبِّر: الموصوف بالكبر المستعمل له، وقد بيَّنا الكِبر فيما تقدَّم. و (قوله: ((ربُ أشعثَ مدفوعٍ بالأبواب))) أصلُ ربَّ للتقليل وقد تأتي للتکثیر. وقد جاءت کذلك في شعر امریء القیس کثیراً. قال: فَيَا رُبَّ مَكْرُوبٍ كَرَرْتُ وَرَاءَهُ وَعَانٍ فَكَكْتُ الغُلَّ عَنْهُ فَفَذَّانِي وقال: وَيَا رُبَّ يَوْمٍ قَدْ لَهَوْتُ وَلَيْلَةٍ بِآَنِسَةٍ كَأَنَّها خَطُ تِمْثَالٍ ومثله كثير قصدَ به مدحَ نفسه، ولا يُتمدَّح بالقليل النادر، بل: بالكثير المتكرر، وتصلح ربَ في هذا الحديث أن تُحمل على الكثير، فكأنه قال: كثير ممن يكون هذا حالُه لو أقسمَ على الله لأبرّه. و (قوله: ((مدفوع بالأبواب))) أي: عن أبواب الملوك والكبراء، فلا يُسمع له ١٧١ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٩) باب: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات [٢٧٤٣] وعنه؛ عن النَّبِيّ ◌َ﴿ قال: ((يدخلُ الجنَّة أقوامٌ أفئدتُهم مثلُ أفئدة الطَّیر)». رواه أحمد (٣٣١/٢)، ومسلم (٢٨٤٠). قول، ولا تُقضى له حاجة؛ لكونه لا يُعرف، ورَثُ الهيئة؛ أي: زَرِيُها بحيث تحتقره العینُ. و (قوله: ((لو أقسمَ على اللَّهِ لأبرَّه») قيل فيه: لو دعا لأجابَه. قلتُ: وهذا عدولٌ عن أصل وضع الكلام من غير ضرورة. بل: هو على أصله، وقد دلَّ على هذا ما تقدَّم من حديث أم الرُّبَيّع حيث قال أنس بن النضر: والله لا تُكسرُ ثنيّة الرُّبَيِّع، ثم لما رضي الطالب بالدِّية. قال رسول الله وَاتِ: ((إنَّ من عبادِ الله من لو أقسمَ على الله لأبرَّه))(١). و (قوله: ((يدخلُ الجنَّة أقوامٌ أفئدتهم مثلُ أفئدة الطير))) يُحتمل أن يقال: إنما شبهها بها لضعفها ورقّتِها، كما قال في أهل اليمن: ((هم أرقُّ قلوباً، وأضعفُ أفئدة))(٢)، ويحتمل أنه أرادَ بها أنها مثلها في الخوف والهيبة، والطير على الجملة أكثر الحيوانات خوفاً وحذراً، حتى قيل: أحذرُ من غراب. وقد غلبَ الخوفُ على كثير من السَّلفِ حتى انصدعتْ قلوبُهم فماتوا. (١) رواه أحمد (٢٨٤/٣)، ومسلم (١٦٧٥)، والنسائي (٢٦/٨). (٢) روا أحمد (٢٣٥/٣)، والبخاري (٤٣٩٠)، ومسلم (٥٢)، والترمذي (٢٢٤٤). ١٧٢ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١٠) باب: في صفة الجنة، وما أعدَّ الله فيها (١٠) باب في صفة الجنة وما أعد الله فيها [٢٧٤٤] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((يقولُ الله عزَّ وجلَّ: أعددت لعبادي الصَّالحين ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذُنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشرِ ذُخْراً، بَلْهَ ما أَطْلَعكم الله عليه))، ثم قرأ: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم ◌ِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]. رواه أحمد (٤٦٦/٢)، والبخاريُّ (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤) (٤)، والترمذيّ (٣١٩٧)، وابن ماجه (٤٣٢٨). (١٠) ومن باب: صفة الجنة وما أعدّ الله فيها (قوله: ((أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر))) ((ذُخرا) الرواية المشهورة بالدال المعجمة المضمومة، أي: مدخراً، وهو مصدر، يقال: ذخرت الشيء أذخره ذخراً، واذَّخرته أدَّخرَه ادِّخاراً بالإدغام هو افتعلت، ووقع في طريق الفارسي ذكراً بالكاف، ولبعضهم ((دخر)) بغير تنوين. وليسا بشيءٍ، ومعنى هذا الكلام: أن الله تعالى ادَّخر في الجنة من النعيم، والخيرات، واللذات ما لم يطلع عليه أحدٌ من الخلق، لا بالإخبار عنه، ولا بالفكرة فيه، وقد تعرَّض بعضُ الناس لتعيينه، وهو تكلُّف ينفيه الخبرُ نفسه، إذ قد نفى علمه والشعور به عن كل أحدٍ، ويشهد له، ويحقّقه قولُه: ((بله ما أطلعكم الله عليه)) أي: دَعْ ما أطلعكم عليه. يعني: أنَّ المعدّ المذكور غير الذي أطلع عليه أحداً من الخَلْق. وبَلْه: اسمٌ من أسماء الأفعال بمعنى: دع. هذا هو المشهور فيها، وقيل: هي بمعنی غیر، وهذا تفسیر معنّى. ١٧٣ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١٠) باب: في صفة الجنة، وما أعدَّ الله فيها [٢٧٤٥] وعنه؛ عن رسول الله وَ﴿ قال: ((إنَّ في الجنَّة لشجرةً يسير الراكب في ظلُّها مئة عام لا يقطعها)). رواه أحمد (٤١٨/٢)، والبخاريُّ (٤٨٨١)، ومسلم (٢٨٢٦) (٦ و ٧)، والترمذيُّ (٢٥٢٣)، والنسائي في الكبرى (١١٥٦٤)، وابن ماجه (٤٣٣٥). [٢٧٤٦] ومن حديث أبي سعيد: ((يسير الراكبُ الجوادَ المضمَّرَ السَّريعَ مئةَ عام ... )). رواه البخاريُّ (٦٥٥٣)، ومسلم (٢٨٢٨)، والترمذي (٢٥٢٦). [٢٧٤٧] وعن سهل بن سعدِ السَّاعدي، قال: شهدتُ مِنْ رسول الله ﴿﴿ مجلساً وصف فيه الجنَّة حتى انتهى، ثُمَّ قال في آخر حديثه: ((فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌّ سمعت، ولا خَطَر على قلب بشرٍ)). ثم اقترأ هذه الآية: ﴿ نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَارِعِ) إلى قوله: ﴿بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ و ١٧]. رواه أحمد (٣٣٤/٥)، ومسلم (٢٨٢٥). و (قوله: ((إنَّ في الجنة لشجرةَ يسيرُ الراكبُ الجوادَ المضمَّر السَّريعَ مئةَ عام لا يقطعُها))) الرواية التي لا يعرف غيرها الراكبُ مرفوع، فاعل يسير، والجواد منصوب مفعول بيسير، والمضمَّر: نعته، وكذلك السَّريع، ومعناه: يُجري الراكبُ فرسَه السريعَ الذي قد ضُمِّرَ هذه المدَّة فلا يقطعُها، وقيل: هي شجرةٌ طوبى، والله تعالى أعلم. وقد تقدَّم القولُ في تضمير الخيل في كتاب الجهاد. ومعنى ظلّها: نعيمها وراحتها، من قولهم: عيش ظليل، وقيل: معنى ظلها: ذراها، وناحيتها، وكَنَفها، كما يقال: أنا في ظلِّك، أي: في كنفك، وحوطتك. ١٧٤ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١٠) باب: في صفة الجنة، وما أعدَّ الله فيها [٢٧٤٨] وعن أبي سعيد الخدري، أنَّ النَّبِيَّ وَّ قال: ((إنَّ الله يقول لأهل الجنَّة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك! فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب! وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك! فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب! وأيُّ شيءٍ أفضلُ من ذلك؟ فيقول: أحِلُّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً». رواه البخاريُّ (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩)، والترمذيُّ (٢٥٥٨). قلتُ: والذي أحوجَ إلى هذين التأويلين أن الظُّلَّ المتعارفَ عندنا إنما هو وقايةٌ عن حرّ الشمس وأذاها، وليس في الجنة شمس، وإنما هي أنوارٌ متوالية لا حرَّ فيها، ولا قرَّ، بل: لذَّات متوالية، ونِعَم متتابعة. و (قوله: ((أُحِلُّ عليكم رضواني))) أي: أُوجِبُ لكم رضائي، فلا يزولُ عنكم أبداً دائماً لا انقطاعَ له بوجهٍ من الوجوه، وقد أكّد ذلك بقوله: «فلا أسخطُ عليكم بعده أبداً». ١٧٥ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١١) باب: في غرف الجنة وتربتها وأسواقها (١١) باب في غرفِ الجنَّةَ وتربتها وأسواقِها [٢٧٤٩] عن سهل بن سعدٍ، أنَّ رسولَ الله وَّهِ قالَ: ((إنَّ أهل الجنَّة ليتراءون أهلَ الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكبَ الدريَّ الغابرَ من الأفق؛ من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم)). قالوا: يا رسول الله! (١١ و١٢ و١٣ و١٤) ومن باب: غرف الجنة(١) (قوله: ((إن أهل الجنة ليتراءون أهلَ الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكبَ الدُّرِّيَّ))) يعني: أنَّ أهلَ السّفل من الجنة ينظرون إلى مَن فوقهم على تفاوتٍ منازلهم، كما ينظر مَنْ على الأرض دراريَّ السماء على تفاوتِ منازلها. فيُقال: هذا منزلُ فلان، كما يُقال: هذا المشتري مثلاً، أو الزهرة، أو المريخ، وقد بيَّن ذلك بقوله: لتفاوت ما بينهما. وسُمِّي الكوكبُ دُرِّياً لبياضه وصفائه، وقيل: لأنه شُبّه بالدر في صفائه. و (قوله: ((الغابر من الأفق، من المشرق أو المغرب))) الرواية المشهورة: الغابر بواحدة، ومعناه الذاهب والباقي على اختلاف المفسرين، وغبر من الأضداد. يقال: غبر إذا ذهب، وغبر إذا بقي، ويعني به: أن الكوكبَ حالةَ طلوعه وغُروبه بعيدٌ عن الأبصار فيظهر صغيراً لبعده، وقد بيَّته بقوله: في الأفق من المشرق أو المغرب، والأفق: ناحية السماء، وهو بضم الهمزة والفاء وبسكونها، (١) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان: هذا الباب والأبواب الثلاثة التالية، وهي: باب في الجنة أكل وشرب، وباب: في حُسْن صورة أهل الجنة، وباب: في خيام الجنة . ١٧٦ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١١) باب: في غرف الجنة وتربتها وأسواقها تلك منازل الأنبياء؛ لا يبلغها غيرهم؟ قال: ((بلى! والذي نفسي بيده! رجالٌ آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين)). رواه أحمد (٣٤٠/٥)، والبخاري (٦٥٥٥)، ومسلم (٢٨٣٠). وهو عند ابن حبان (٢٠٩) کما في التلخيص. ورواه مسلم بطوله من حديث أبي سعيد الخدري (٢٨٣١) (١١). كما يقال: عُشْرٌ وعُشُر، وجمعه: آفاق، وقد قيَّدنا تلك اللفظةَ على مَن يُوثق به: الغائر - بالهمز -: اسم فاعل من غار. وقد رُوي في غير مسلم الغارب بتقديم الراء، ويُروى: العازب بالعين المهملة والزاي؛ أي: البعيد، ومعانيها كلها متقاربة. ومن الأفق: رويناه بـ (من) التي لابتداء الغاية، وهي الظرفيّة، وأما من المشرق، فلم يُرْوَ في كتاب مسلم إلا بـ (من). وقد رواه البخاري في المشرق بـ (في) وهي أوضح، فأما مَن رواهما بـ (من) في الموضعين فأوْجَهُ ما فيهما أن تكون الأولى لابتداء الغاية، والثانية بدل منها مُبيّة لها. وقيل: إنها في قوله من المشرق لانتهاء الغاية، وهو خروجٌ عن أصلها، وليس معروفاً عند أكثر النَّخويين. و (قولهم: تلك منازلُ الأنبياء لا يبلغُها غيرهم؟ قال: ((بلى! والذي نفسي بيده، رجالٌ آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين))) كذا وقع هنا هذا الحرف. بلى؛ التي أصلهاحرفُ جواب وتصديق، وليس هذا موضِعُها؛ لأنهم لم يستفهموا، وإنما أخبروا أن تلك المنازل للأنبياء لا لغيرهم. فجوابُ هذا يقتضي: أن تكون (بلى) التي للإضراب عن الأول وإيجاب المعنى للثاني، فكأنه تُسومح فيها، فوضعتْ بلى موضع بل. ورجالٌ مرفوع بالابتداء المحذوف، تقديره: هم رجال. وفيه أيضاً توسُّعٌ؛ أي: تلك المنازل منازل رجالٍ آمنوا بالله؛ أي: حقّ إيمانه، وصدَّقوا المرسلين؛ أي: حقّ تصديقهم، وإلا فكلُّ مَنْ يدخل الجنة آمَنَ بالله، وصدَّق رُسُله، ومع ذلك فَهُمْ متفاوتون في الدرجات، والمنازل، وهذا واضح. ١٧٧ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١١) باب: في غرف الجنة وتربتها وأسواقها [٢٧٥٠] وعن أبي سعيدٍ، قال: قال رسول الله قال ټ لا بن صائدٍ: ((ما ترابُ الجنة؟))، قال: دَرْمكةٌ بيضاءُ مِسْكٌ يا أبا القاسم! قال: ((صدقت!)). رواه مسلم (٢٩٢٨) (٩٢). [٢٧٥١] وعنه؛ أنَّ ابن صيَّادٍ سأل النَّبيَّ وَله عن تُرْبَة الجنّة؟ قال: ((دَرْمَكَةٌ بَيْضاءُ مِسْكٌ خَالِصٌ)). رواه مسلم (٢٩٢٨) (٩٣). [٢٧٥٢] وعن أنسٍ، أنَّ رسولَ اللهِنَ ◌ّهِ قالَ: ((إنَّ في الجنةِ لسُوقاً يأتونها كلَّ جُمُعَةٍ . و(قولَه ◌َ ﴿ لابن صياد: ((ما تُربة (١) الجنة))) هذا نصٌّ في أنَّ النبيَّ ◌َّ هو تربة الجنة السّائل لابن صياد عن تُربة الجنة، وفي الرواية الأخرى: أن ابنَ صياد هو الذي سألَ النَّبِيَّ وَّهِ عن تُرْبة الجنة(٢)، فهاتان روايتان، والواقع منهما إحداهما، والله أعلم، وكيفما كان فالخبرُ عن تُربة الجنة صِدْق وصحيح؛ لأنه إن كان الجوابُ من النبيِّ وَّ فهو حقٌّ، إذِ الكذبُ عليه مُحال، وإن كان ابنُ صياد هو الذي قاله فقد علمنا صحةَ ذلك من جهة أنَّ النبيَّ وَ﴿ِ صَدَّقه في ذلك، ويكون ابنُ صيادٍ علم ذلك من جهة ما ألقاه إليه شيطانُه من الكلمات التي استرقَ سَمْعها؛ لأنَّ ابنَ صياد كان من الكهَّان على ما يأتي في حديثه. والدرمكة: دقيق الحوَّارى. شبَّه تربةَ الجنة به في حُسْن لونها، ونعيمها، وشبّه رائحتَها بالمسك، وهذا تشبيهُ تقریبٍ، وأین الثريا من الثرى؟ !. و (قوله: ((إن في الجنة لسوقاً يأتونها كلَّ جمعة))) السوق: يُذكَّر ويُؤَنَّث، سوق الجنة (١) في مسلم والتلخيص: ما تراب. (٢) في (ز): ذلك. ١٧٨ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١١) باب: في غرف الجنة وتربتها وأسواقها فَتَهُبُّ ریحُ الشَّمال، فتحثو في وجوهِھم وثيابهم، فيزدادون حسناً وجمالاً، فيرْجِعُون إلى أهليهم، وقد ازدادوا حسناً، فيقول لهم أهْلوهم: والله لقد ازْدَدْتم بعدنا حسناً وجمالاً! فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً!)». رواه أحمد (٢٨٤/٣)، ومسلم (٢٨٣٣). # - وسُمِّي سوقاً لقيام الناس فيها على ساق، وقيل: لِسَوْق الناس بضائعهم إليها، فيحتمل أن يكون سوقُ الجنة عبارةً عن مجتمع أهل الجنة، ومحلّ تزاورهم، وسُمِّي سوقاً بالمعنى الأول، ويؤيِّد هذا أنَّ أهلَ الجنة لا يفقدون شيئاً حتى يحتاجوا إلى شرائه من السوق، ويحتمل أن يكون سُوقاً مشتملاً على محاسن مشتهيات مستلذَّات تجمعُ هنالك مرتَّبة مُحسَّنة، كما تُجمع في الأسواق، حتى إذا جاء أهلُ الجنة فرأوها، فمن اشتهى شيئاً وصل إليه من غير مبايعة ولا مُعاوضة، ونعيم الجنة وخيرها أعظم وأوسع من ذلك كلِّه، وخُصَّ يوم الجمعة بذلك لفضيلته، ولِما خصَّه اللَّهُ تعالى به من الأمور التي تقدَّم ذِكْرُها؛ ولأنه يومُ المزيد. أي: اليوم الذي يُوفَّى لهم ما وُعِدوا به من الزيادة. وأيامُ الجنة تقدیریة؛ إذ لا ليل هناك ولا نهار، وإنما هناك أنوار متوالية لا ظلمةَ معها، على ما يأتي إن شاء الله تعالى. و (قوله: ((فتهبّ ريح الشَّمال فتحثو في وجوههم وثيابهم))) ريحُ الشَّمال في الدنيا: هي التي تأتي من دُبُر القبلة من ناحية الشام، وهي التي تأتي بلاد العرب بالأمطار، فهي عندهم أحسنُ الأرياح، فلذلك سمِّي ريح الجنة بالشمال، وفي الشمال لغات. يقال: شمال، وشمأل، وشأمل، وشمل، وشمول. حكاها صاحب ((العين)). ويقابلها: الجنوب، وقد سُمِّيت هذه الريحُ في حديثٍ آخر بالمثيرة؛ لأنها تثيرُ النعيم والطّيب على أهل الجنة. ١٧٩ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١٢) باب: في الجنة أكل وشرب ونكاح حقيقة (١٢) باب في الجنة أكلٌ وشربٌ ونكاحٌ حقيقةً ولا قذر فیھا ولا نقص [٢٧٥٣] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ أول زمرةٍ يدخلون الجنَّة - في رواية: من أمتي - على صورة القَمَرِ ليلة البدر، ثم الذين يلونَهُم على أشدِّ كوكبٍ دريٍّ في السماء إضاءةً)) . - في روايةٍ: ثم هم بعد ذلك منازل - لا يبولون، ولا يتغوَّطون، ولا يَتْفِلُون، ولا يمتخطون، و (قوله: ((أول زمرة يدخلون الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر))) الصورة، بمعنى الصفة، يعني: أنهم في إشراقٍ وجوههم على صفة القمر ليلةً تمامه، وكماله، وهي ليلةُ أربعة عشر، وبذلك سُمِّ القمر بَذْراً في تلك الليلة، ومُقْتضى هذا أنَّ أبوابَ الجنة متفاوتةٌ بحسب درجاتهم. و (قوله: ((لا يبولون، ولا يتغوَّطون، ولا يتفِلون، ولا يمتخطون))) إنما لم تصدرْ هذه الفضلاتُ عن أهل الجنة؛ لأنها أقذارٌ مستخبثة، والجنة مُنزَّهةٌ عن مثل ذلك، ولمَّا كانت أغذيةُ أهل الجنة في غاية(١) اللطافة، والاعتدال، لم يكن لها فضلةٌ تُستقذر، بل تُستطاب وتُستلذ، وهي التي عبَّر عنها بالمسك كما قال: ((ورشحهم المسك)). وقد جاء في لفظٍ آخر: ((لا يبولون، ولا يتغوَّطون، وإنما هو عَرَقٌ يجري من أعراضهم مثل المسك)»(٢) يعني: من أبدانهم. (١) في (ز): نهاية. (٢) رواه أحمد (٣٦٧/٤)، والبيهقي في البعث والنشور ص (٢٠٥) حاشية (٥)، وذكره ابن القيم في: حادي الأرواح ص (٢٦٨). ١٨٠ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١٢) باب: في الجنة أكل وشرب ونكاح حقيقة أمشاطُهم الذهبُ -. في رواية: والفضة - ورشحهم المسكُ، ومجامرهم الأَلُوَّةُ، وأزواجُهم الحورُ العين. وفي روايةٍ: ((لكلِّ واحدٍ منهم زوجتان و (قوله: ((أمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم الألُوَّة))) يقال هنا: أيُّ حاجة في الجنة للأمشاط، ولا تتلبد شعورهم ولا تتَّسخ، وأي حاجة للبخور وريحهم أطيبُ من المسك؟! ويُجاب عن ذلك: بأن نعيم أهل الجنة وكسوتهم ليس عن دَفْع ألم اعتراهم، فليس أكلُهم عن جوع، ولا شرابُهم عن ظمأ، ولا تطيّبهم عن نتنٍ، وإنما هي لذَّاتٌ متوالية، ونِعَمٌ متتابعة؛ ألا ترى قوله تعالى لآدم: ﴿ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَّجُعَ فِيَهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩]، وحكمةُ ذلك أن الله تعالى نعَّمهم في الجنة بنوع ما كانوا يتنعَّمون به في الدُّنيا، وزادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا الله كما قدمناه. وقد تقدَّم الكلامُ في الأَلُوَّة وفي لغاتها، وأنها: العود الهنديُّ في كتاب الطب. و (قوله: ((وأزواجهم الحور العين))) الحور: جمع حوراء. والحَوَر في العين: شدَّة بياضها في شدّة سوادها. هذا المعروفُ. قال أبو عمرو: الحَوَر أن تسودَّ العين كلُّها مثل أعين الظُّباء والبقر. [وليس في بني آدم حَوَرٌ، وإنما قيل للنساء: حورُ العين لأنّهن تشبّهن بالظباء والبقر](١). قال الأصمعي: ما أدري ما الحَوَرَ في العين. والعِيْنِ: جمع عيناءُ، وهي: الواسعة العين. وفي الصحاح: رجل أعين: واسع العين، والجمع: عِين، وأصله فُعل بالضم، ومنه قيل لبقر الوحش: عِين، والثور أَعْيَن، والبقرة عيناء. و (قوله: ((لكلِّ واحدٍ منهم زوجتان))) يعني: أن أدنى من في الجنة درجة له زوجتان، إذ ليس في الجنة أعزب، كما قال. وأما غَيْرُ هؤلاء فمن ارتفعت منزلته (١) ما بين حاصرتين مستدرك من (ز).