النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ (٣٩) كتاب الزهد - (١٣) باب: في التواضع رواه أحمد (١٦٢/٤)، ومسلم (٢٨٦٥) (٦٤). للغير، وحاصِلُه أن المتكبر يرى لنفسه مزيَّةً على الغير تحملُه على احتقاره، والمتواضع لا يرى لنفسه مزيّةً، بل: يراها لغيره بیث يحمله ذلك على الانخفاض له مراعاة لحقه. ولا شك في أن الكبرَ مذمومٌ، فمنه كفرٌ، وهو الكبر علی الله، وعلى أنبيائه، وما عداه من الكبائر. والتواضعُ أيضاً؛ منه: أعلى وأدنى، والأعلى: هو التواضعُ الله تعالى، ولكتابه، ولرسوله. والأدنى: هو ما عداه، والله تعالى أعلم، وقد تكلَّمنا على ذلك فيما تقدَّم. ١٤٢ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١) باب: الأمر بحسن الظن بالله عند الموت (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده (١) باب الأمر بحسن الظن بالله عند الموت وما جاء: أن كل عبد يبعث على ما مات عليه [٢٧١٨] عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله وَّه- قبل وفاته بثلاثٍ يقول: ((لا يموتَنَّ أحدُكم إلا وهو يحسن الظنّ بالله)). رواه أحمد (٢٩٣/٣)، ومسلم (٢٨٧٧) (٨١)، وأبو داود (٣١١٣)، وابن ماجه (٤١٦٧). (٤٠) كتاب: ذكر الموت [(١) من باب: الأمر بحسن الظن بالله عن الموت وما جاء أن كل عبد يُبعث على ما مات عليه](١) (قوله ◌َله: ((لا يموتنَّ أحدُكم إلا وهو يحسنُ الظنّ بالله))) أي: استصحبوا الأعمالَ الصالحة، والآدابَ الحسنة التي يَرْتجي العاملُ لها قبولها، ويحقِّقُ ظنّه الحثّ على حُسْن الظن بالله (١) هذا العنوان لم يرد في المفهم، واستدركناه من التلخيص. ١٤٣ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (١) باب: الأمر بحسن الظن بالله عند الموت [٢٧١٩] وعنه؛ قال: سمعت رسول الله وَالله يقول: ((يبعث كلُّ عبد على ما مات عليه)). رواه أحمد (٣٣١/٣)، ومسلم (٢٨٧٨). [٢٧٢٠] وعن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله وَ له يقول: ((إذا أراد الله بقوم عذاباً؛ أصابَ العذابُ من كان فيهم، ثم بُعِثُوا على نِیَّاتهم)). رواه أحمد (٤٠/٢)، ومسلم (٢٨٧٩). برحمة ربِّه عند فِعْلها، فإن رحمةَ الله قريبٌ من المحسنين، وعقابه مخوف على العصاة والمذنبين، وقد قلنا: إنَّ حُسْن الظنِّ بغير عملِ غِرَّةٌ، كما قال ◌َّ: ((الكيِّس مَن دان نفسَه، وعَمِل لما بعد الموت، والعاجزُ مَن أتبع نفسَه هواها وتمنَّى على الله))(١) وهذا إنما يكونُ في حالة الصِّحة والقوّة على العمل، وأما في حال حضور الموت فليس ذلك الوقتُ وقتاً يقدر فيه على استئناف غير الفِكْر في سَعَة رحمةِ الله تعالى، وعظيم فضله، وأنه: لا يتعاظمه ذنبٌ يغفره، وأنه الكريمُ الحليم، الغفورُ الشكور، المنعمُ الرَّحيم. ويُذكَّر بآيات الرُّخَص وأحاديثها لعلَّ ذلك يقعُ بقلبه، فيحب الله تعالى، فيختم عليه بذلك، فيلقى اللَّهَ تعالى، وهو محبّ لله تعالى، فيحشر في زُمْرة المحبّين بعد أن كان في زمرة الخطَّائين، ويشهدُ له قولُه: ((يُبْعَثُ کُّ عبدٍ على ما مات عليه)). و (قوله: ((إذا أراد الله بقوم عذاباً أصاب العذابُ من كان فيهم، ثم بُعِثوا على نيَّاتهم))) يعني: إذا أراد اللَّهُ أَخْذَ قومٍ بما ظهر فيهم من المنكر، أهلك (١) رواه أحمد (١٢٤/٤)، والترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠). ١٤٤ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٢) باب: إذا مات المرء عُرض عليه مقعدُه (٢) باب إذا مات المرء عُرِض عليه مقعدُه وما جاء في عذاب القبر [٢٧٢١] عن ابن عمر، أنَّ رسولَ الله وَّ قالَ: ((إنَّ أحدكم إذا مات عُرِض عليه مقعدُه بالغداة والعشيِّ، إنْ كان من أهل الجنة، فمن أهل جميعهم بعذابٍ يُرْسِله على جميعهم؛ صالحهم وطالحهم، فأما تعذيبُ الصَّالح فترفيعٌ له في درجاته، وتكثيرٌ لثوابه، ثم يُحْشَرُ على نيَّه الصَّالحة، فتتمّ له الصفقةُ الرابحة. وأما تعذيبُ الطالح، فانتقامٌ منه، والمؤخّر له أعظمُ مِنَ الواقع به، وهذا نحو مما قالته عائشةُ - رضي الله عنها -: أنهلكُ وفينا الصَّالحون؟ قال: ((نعم! إذا کثر الخبث)»(١). (٢ و٣ و٤ و٥) ومن باب: مَن عُرِض مقعدُه عليه بعد الموت(٢) (قوله: ((إذا مات أحدُكم عُرِض عليه مقعدُه بالغداة والعشيِّ)) هذا منه وَيه إخبارٌ عن غير الشهداء؛ فإنه قد تقدَّم أنَّ رواحَهم في حواصل طيرٍ تسرحُ في الجنة، وتأكل من ثمارها. وغير الشهداء: إما مؤمن، وإما غير مؤمن. فغير المؤمن: هو الكافر. فهذا يرى مقعده من النار غُدوَّاً وعشياً، وهذا هو المعنيُّ بقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَبَّوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اَلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]. وأما المؤمن: فإما ألا يدخل النار، أو يدخلها بذنوبه. فالأول یری (١) رواه الترمذي (٢١٨٥)، وهو في مسلم (٢٨٨٠) من حديث زينب بنت جحش. (٢) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان: هذا الباب والأبواب الثلاثة التالية له في التلخيص، وهي: باب: سؤال الملكين، وباب: في أرواح المؤمنين والكافرين، وباب: ما جاء أن الميت ليسمع ما يقال. ١٤٥ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٢) باب: إذا مات المرء عُرِض عليه مقعدُم الجنة، وإنْ كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى ببعثك الله إليه يوم القيامة)). وفي روايةٍ: ((هذا مقعدُك الذي تُبعَث إليه يوم القيامة)). رواه أحمد (١١٣/٢)، والبخاريُّ (١٣٧٩)، ومسلم (٢٨٦٦) (٦٥ و ٦٦)، والترمذيُّ (١٠٧٢)، والنسائيُّ (١٠٧/٤)، وابن ماجه (٤٢٧٠). [٢٧٢٢] وعن زيد بن ثابت؛ قال: بينما النَّبِيُّ وَّ في حائطٍ لبني النَّجار على بغلةٍ له؛ ونحن معه؛ إذ حَادَتْ به، فَكَادَتْ تُلْقيه، وإذا أَقْبُرُ سِتَّةٌ، أو خمسَةٌ، أو أَرْبَعَةُ (كذا كان يقول الجُرَيْرِي) فقال: ((من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟))، فقال رجلٌ: أنا. قال: ((فمتى مات هؤلاء؟)) قال: ماتوا في الإشراك. فقال: ((إنَّ هذه الأمَّةَ تُبْتَلى في قبورها، فلولا أَلَّ تدافنوا لدعوت الله أنْ يُسْمِعَكُم من عذاب القبر الذي أسمع منه!)) ثُمَّ أقبل علينا مقعده من الجنة لا يرى غيره رؤيةَ خوف، وأما المؤمنُ المؤاخَذُ بذنوبه فله مقعدان: مقعد في النار زمن تعذيبه، ومقعد في الجنة بعد إخراجه، فهذا يقتضي أن يُعْرَضا عليه بالغداة والعشيِّ، إلا إن قُلْنا: إنه أراد بأهل الجنة كلَّ من يدخلُها كيف كان، فلا يحتاج إلى ذلك التفسير، والله أعلم. وهذا الحديثُ وما في معناه يدلُّ على: أن الموتَ ليس بِعَدمِ، وإنما هو انتقالٌ من حالٍ إلى حالٍ، ومفارقة الموت: انتقال الرُّوح للبدن، ويجوز أن يكون هذا العرضُ على الروح وَحْدَه، ويجوزُ أن يكونَ من حال إلى عليه مع جزء من البدن، والله أعلمُ بحقيقة ذلك. والغداةُ والعشيّ: إنَّما هما بالنسبة إلى الحيِّ، لا بالنسبة إلى الميّت؛ إذ لا يتصوَّر في حقِّه شيءٌ من ذلك. و (قوله: ((لولا أَلَّ تدافنوا لدعوتُ اللَّهَ أن يسمعكم من عذاب القبر الذي شدة عذاب أسمع منه)) قد تقدَّم القولُ على عذاب القبر، وأنه مما يجبُ الإيمانُ به، وقد صحَّ القبر ١٤٦ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٢) باب: إذا مات المرء عُرِض عليه مقعدُه بوجهه فقال: ((تعوَّذوا بالله من عذاب النَّار!)) قالوا: نعوذ بالله من عذاب النَّار! فقال: ((تعوذوا بالله من عذاب القبر!))، قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر! قال: ((تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن!)). قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن! قال: ((تعوَّذوا بالله من فتنة الدَّجال!)). قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدَّجال. رواه أحمد (١٩٠/٥)، ومسلم (٢٨٦٧) (٦٧). [٢٧٢٣] وعن أبي أيوبَ قال: خرج رسولُ اللهِ وَ ل بعدما غربت الشَّمس فسَمِعَ صَوْتاً. فقال: ((يَهودُ تُعذّبُ في قُبُورِها)). رواه أحمد (٣٤٥/٥)، والبخاريُّ (١٣٧٥)، ومسلم (٢٨٦٩)، والنسائي (١٠٢/٤). الإخبارُ عنه في الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة. ولا يُلتفت لاستبعاد المبتدعة، فإن الإمكاناتِ متسعةٌ، والقدرة صالحة، وامتناعُ التدافن لو سمع عذاب القبر يحتملُ أن يكون سَبَيُّه: غلبةُ الخوف عند سماعه؛ فيغلب الخوفُ على الحيِّ، فلا يقدرُ على قُرْب القبر للدفن، أو يهلك الحيُّ عند سماعه؛ إذ لا يُطاقُ سماعُ شيءٍ من عذاب الله في هذه الدار، بل: بنفس سماعه يهلك السامعُ؛ لضعف هذه القوى في هذه الدار. أَلا تَرى أنه إذا سمع الناسُ صعقةَ الرَّعد القاصف، أو الزَّلازل الهائلة هلك كثيرٌ من الناس؟ أو أين صعقةُ الرعد من صيحة الذي تضربه الملائكةُ بمطارق الحديد؛ التي يسمعُها كلُّ مَن يليه إلا الثقلين؟ وقد قال ◌َّت: ((ولو سمعها إنسانٌ لصعق))(١). (١) رواه أحمد (٤١/٣ و٥٨)، والبخاري (١٣١٤). ١٤٧ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٣) باب: سؤال الملكين للعبد حين يُوضع في القبر (٣) باب سؤال الملكين للعبد حين يوضع في القبر وقوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ [٢٧٢٤] عن أنس بن مالكٍ، قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنَّه ليسمع قرع نعالهم. قال: يأتيه ملكان، فيُقْعِدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ قال: فأمَّا المؤمن فيقول: أشهد أنّه عبدُ الله ورسولُه. قال: فيقال له: انظر إلى مقعدك من النّار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنَّة)). قال نبي الله وَّر: ((فيراهما جميعاً)). قال قتادة: وذُكِر لنا: أنَّه يفسح له في قبره سبعون و (قوله: ((إنَّ العبدَ إذا وُضِع في قبره، وتولَّى عنه أصحابُه إنه ليسمعُ قَرْعَ نعالهم))) هذا نصٌّ في أنَّ الميتَ يسمعُ، وقد تقدَّم الكلامُ في هذا، وفي إنكار عائشة - رضي الله عنها - إيّاه على ابن عمر في كتاب الجنائز. و (قوله: ((فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار))) أي: لو لم تؤمن، ولم تَقُمْ بحَجَّتك، قد أبدلك اللهُ تعالى به مقعداً من الجنة لما قمتَ بحجَّتك. و (قوله: ((فيراهما جميعاً)) يدلُّ على أنَّ رؤيته لهما حقيقة بالعين، وعلى حياة الميت في هذا فيحيا الميت في قبره حياةً محقَّقةً بحيث يرى، ويسمع، ويسأل، ويتكلم، قبره حقيقة عند السؤال وعلى هذا تدلُّ أدلةُ الكتاب والسُّنَّة في غير ما موضع. والحكمةُ في أن اللَّهَ تعالى يُريه إيَّاهما ليعلم قَدْرَ نعمةِ الله، فيما صَرَف عنه من عذاب جهنم، وفيما أوصل إليه من كرامةِ الجنَّة. و (قوله: ((فيفسح له في قبره))) أي: يُوسَّع له فيه سبعون ذراعاً، فيحتمل البقاء على ظاهره، ويكون معناه: أنه تُرْفَعُ الموانعُ عن بصره، فيبصر مما يجاوره مقدار سبعين ذراعاً، حتى لا تناله ظلمةُ القبر، ولا ضیقه، متی ردًّ روحه فیه إليه. ١٤٨ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٣) باب: سؤال الملكين للعبد حين يُوضع في القبر ذراعاً، ويملأ عليه خَضِراً إلى يوم يبعثون. رواه أحمد (١٢٦/٣)، والبخاريُّ (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠) (٧٠)، والنسائيّ (٩٧/٤). [٢٧٢٥] وعن البراء بن عازبٍ، عن النَّبِيِّ وَه قال: ((: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم: ٢٧]، قال: نزلت في عذاب القبر، فيقال: من ربك؟ فيقول: ربيَ الله ونبيي محمدٌ وَّفر فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِىِ الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾». وفي روايةٍ: أنَّه قول البراء، ولم يذكر: عن النبيِّ ◌َه. رواه البخاريُّ (١٣٦٩)، ومسلم (٢٨٧١) (٧٣ و ٧٤)، وأبو داود (٤٧٥٠)، والترمذيُّ (٣١١٩)، والنسائيُّ (١٠١/٦)، وابن ماجه (٤٢٦٩). ويحتملُ أن يكونَ ذلك كلُّه استعارةً عن سعة رحمة الله تعالى له، وإكرامه إيَّاه. والأول أولى، والله تعالى أعلم. و (قوله: ((ويملأ عليه خَضِراً)) أي: نِعماً غضَّة ناعمة، وأصلُه من خُضْرة الشجر، والخضر - بكسر الضاد -: اسمُ جنسٍ للنبات الرطب الأخضر. و (قوله تعالى: ﴿يُحَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]) أي: يُتْبُّتهم في هذه الدَّار على التَّوحيد والإيمان بالنبيِّ وَ﴿ حتى يُميتَهم عليه، وفي الآخرة عند المساءلة في القبر، كما فسَّرها النبيُّ ◌َ ﴿ فإن كان النبيُّ وَّر قاله فهو المقصود، وإن كان مِن قول البراء، فهذا ١٤٩ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٤) باب: في أرواح المؤمنين وأرواح الكافرين (٤ ) باب في أرواح المؤمنين وأرواح الكافرين [٢٧٢٦] عن أبي هريرة، قال: ((إذا خرجت روح المؤمن تلقَّاها ملكان يُصْعِدانها)). قال حماد: فَذَكَر من طيب ريحها، وذَكَرِ المِسْكَ. قال: ((ويقول أهل السماء: روحٌ طيبةٌ جاءت من قِبَلِ الأرض، صَلَّى اللَّهُ عَليكِ وعلى جسدٍ كُنْتِ تَعْمُرينه! فيُنْطَلق به إلى ربِّه عزَّ وجل، ثم يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل». قال: «وإِنَّ الکافر إذا خرجت روحه - قال حماد: وذكر من نَتْها وذكر لعْناً - ويقول أهل السماء: روحٌ خبيثةٌ جاءت من قِبَل الأرض))، قال: ((فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل)). قال لا يقولُه أحدٌ من قبل نفسه ورأيه، فهو محمولٌ على أنَّ النبيَّ وَّهِ قاله، وسكت البراءُ عن رفعه لعلم المخاطب بذلك، واللَّهُ تعالى أعلم. وقد قيل عن البراء أنه قال: هما سؤالُ القبر وسؤالُ القيامة، يعني: يُرْشَدُ المؤمنُ فيهما إلى الصَّواب، ويُصْرَفُ الكافرُ عن الجواب. و (قوله: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧]) أي: يخذلهم عند الشُّؤال، قاله قتادة. و (قوله: ﴿وَيَفْعَلُ اَللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]) أي: لا حجر عليه فيما يفعل. فهدی من شاء، ومن شاء خذل. و (قوله: ((صلى الله عليكِ وعلى جسدٍ كنتِ تعمرينه))) الصلاة هنا: بمعنى الرحمة، وهذا يدلُّ على: أنَّ الروحَ كالسَّاكن في المنزل، فهو عامره ومدبِّره. ويفيد أن الروح من قبيل الجواهر، وأنها داخلٌ في الجسد، وقد تكلَّمنا على الأرواح. و (قوله: ((فينطلق به إلى ربِّه))) أي: إلى كرامةِ ربِّه، أو إلى محلِّ إكرامٍ ربِّه ١٥٠ (٤٠) کتاب ذكر الموت وما بعده - (٥) باب: ما جاء أن الميت ليسمع ما يقال أبو هريرة: فردَّ رسولُ اللهِ وَ ﴿ رَيْطةً كانت عليه على أنفه هكذا ! . رواه مسلم (٢٨٧٢). (٥) باب ما جاء أن الميت ليسمع ما يقال [٢٧٢٧] عن أنس بن مالكِ، قال: كنَّا مع عمر بين مكةَ والمدينة فرأينا الهلال، وكنتُ رجلاً حديدَ البصر، فرأيتُهُ وليس أحدٌ يزعم أنه رآه غيري، قال: فجعلتُ أقول لعمر: أما تراه؟! فجعل لا يراه. قال: يقول عمر: سأراه وأنا مستلقٍ على فراشي، ثم أنشأ يحدثنا عن أهل بدر فقال: إنَّ رسول الله وَ﴿ كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس يقول: ((هذا مصرعُ فلانٍ غداً إن شاء الله)). قال: فقال عمر: فوالذي بعثه بالحق ما أخطؤوا الحدود التي حدَّ رسولُ الله وَّ! قال: فَجُعِلوا في بئرِ بعضُهم على بعضٍ، فانطلق رسولُ اللهِ وَلِ﴿ حتى انتهى إليهم فقال: ((يا فلانَ ابنَ فلانٍ! ويا فلانَ ابنَ فلانٍ! هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقاً؟ فإنِّي وجدت ما وعدني ربي حقاً!)). قال عمر: يا رسول الله! كيف تكلم أجساداً لا أرواح فيها؟ قال: ((ما أنتم بأسمع لما أقولُ منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردُّوا عليَّ شیئاً!)). رواه مسلم (٢٨٧٣). له. وآخرُ الأجل: هو يومُ القيامة. والرَّيطةُ: الملاءةُ التي ليست لِفْقَيْن(١). (١) «اللَّفْقُ)): شِقَّةٌ من شِقَّتَي المُلاءَة. ١٥١ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٥) باب: ما جاء أن الميت ليسمع ما يقال [٢٧٢٨] وعنه؛ أنَّ رسول الله وَله ترك قتلى بدرِ ثلاثاً، فقام عليهم، فناداهم، فقال: ((يا أبا جهلِ بنَ هشام! يا أميةَ بنَ خلف! يا عتبةَ بنَ ربيعة! يا شيبةً بن ربيعة! أليس قد وجدتم ما وعد ربّكم حقاً؟ فإنِّي قد وجدت ما وعدني ربِّي حقاً!)). فسَمِع عمرُ قول النَّبِيِّ وَّ فقال: يا رسول الله! كيف يسمعون؟ وأنَّى يجيبون وقد جيّقوا؟! قال: ((والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع مما أقول منهم! ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا)). ثم أَمَرَ بهم فسُحِبُوا، فَأَلْقُوا فِي قَلِيْبٍ بدٍ . رواه أحمد (٢٩٩/٣)، ومسلم (٢٨٧٤)، وأبو داود (٢٦٨١). [٢٧٢٩] وعن أبي طلحة، قال: لمَّا كان يومُ بدرٍ، وظهر عليهم نبيُّ الله ◌َّي أمر ببضعة وعشرين . - وفي رواية: بأربعةٍ وعشرين رجلاً - من صناديدٍ قريشٍٍ؛ فألْقُوا في طَوِيٍّ من أطواء بدر. رواه أحمد ((١٤٥/٣)، ومسلم (٢٨٧٥). * و (قوله: كيف يسمعون، وأنَّى يُجيبون وقد جيّقوا) هذا من عمر - رضي الله عنه - استبعادٌ على حُكْم ما جرت به العادة، فأجابه النبيُّ ◌َ بأنهم يسمعون كسمع الأحياء، فيجوزُ أن يكونَ ذلك منهم دائماً، غير أنه منع الأحياء من إدراك ذلك من الميت، ويجوز أن يكون في بعض الأوقات. وقد تقدَّم استيفاءُ هذا المعنى في الجنائز. والرواية في جيّقوا - بفتح الجيم والياء - مبنيٌّ للفاعل، ومعناه: أنتنوا، فصاروا جيفاً. وصناديدُ قريش: ساداتها؛ واحدهم صنديد. والطِّيُّ: البئر المطويّ، وقد سمّاها في الرواية الأخرى قليباً، وهي البئرُ غير المطويَّة، وهي: الركيُّ أيضاً، وقد تسامَحَ من أطلقَ على القليب طويّاً. ١٥٢ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٦) باب: في الحشر وكيفيته (٦) باب في الحشر وكيفيته [٢٧٣٠] عن عائشة، قالت: سمعتُ رسول الله وَ له يقول: ((يُخْشَر النَّاس يوم القيامة حُفَاةً، عُراةً، غُزْلاً)). قلت: يا رسول الله! الرِّجال والنساء جميعاً؛ ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال ◌َ له: ((يا عائشة! إنَّ الأمر أشدُّ من أن ینظر بعضُهم إلى بعضٍ)). رواه البخاريُّ (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩)، والنسائي (١١٤/٤). [٢٧٣١] وعن ابن عباسٍ، قال: قام فينا رسولُ اللهِلَّه بموعظةٍ فقال: ((يا أيها النَّاس! إنَّكم تحشرون إلى الله حُفَاةَ، غُرْلاً ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقِ تُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّ فَعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ألا وإنَّ أول النَّاس يُكْسَى يوم القيامة إبراهيمُ، ألا إنَّه سيُجَاء برجالٍ من أمَّتي، فيؤخذُ بهم ذاتَ الشِّمال، فأقول: يا ربِّ أصحابي! فيقال: إنَّك لا تدري ما (٦) ومن باب: الحشر وكيفيته الحشر: الجمع. ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَشَيْنَهُمْ فَلَمْ تُغَادِّرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]. والغُزْل: جمع أغرل، وهو الأقلف، والغُرلة والقلفة: ما يقطعه الخاتن. و (قوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ تُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]) أي: يعيدُه على خلقته الأولى لا ينقص منها شيءٌ. و (قوله: ((ألا إن أول الناس يُكْسى يومَ القيامة إبراهيم عليه السلام))) هذا حَشْر الناس يدلُّ على: أنَّ الناسَ كلَّهم - الأنبياء وغيرهم - يُحشرون عراةً، كما قال في الحديث عراة ١٥٣ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٦) باب: في الحشر وكيفيته أحدثوا - وفي روايةٍ بعدك ـ: فأقول: كما قال العبد الصحاح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَنْتَ الْعَبِزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ -١١٨]، قال: فيقال: إنَّهم لم يزالوا مُدْبِرين مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم)) . رواه أحمد (٢٣٥/١)، والبخاريُّ (٤٦٢٥)، ومسلم (٢٨٦٠) (٥٨)، والترمذيّ (٢٤٢٣)، والنسائي (١١٦/٤). [٢٧٣٢] وعن أبي هريرة، عن النَّبِيِّ وَّ قال: ((يحشر النَّاسِ عَلَى ثلاثٍ طَرَائِقَ راغِبِين، وراهبين، واثنان على بَعيرِ، وثلاثةٌ على بعير، وأربعة المتقدِّم؛ وأن أهلَ السَّعادة يكون من ثياب الجنة، ولا شكّ في أن من كُسِي من ثياب الجنة فقد لبس جبَّة تقيه مكارة الحشر وعرقَه، وحرَّ الشمس والنار، وغير ذلك، فظاهِرُ عمومِه يقتضي: أن إبراهيم يُكسى قبل نبيًّا محمد ﴿ فيجوز أن يكونَ هذا من خصائص إبراهيم، كما قد خُصَّ موسى - عليه السلام - بأن النبيَّ ◌َله يجدُه متعلِّقاً بساق العرش، مع أن النبيَّ ◌َ ﴿ أول من تنشق عنه الأرضُ، ولا يلزم من هذا أن يكونا أفضلَ منه مطلقاً، بل: هو أفضلُ مَن وافى القيامة، وسيد ولد آدم، كما دَلَلْنا عليه فيما تقدَّم، ويجوز أن يُراد بالناس مَن عداه من الناس، فلم يدخلْ تحت خطابٍ نفسه، واللَّهُ تعالى أعلم. وقد تقدَّم القولُ على قوله: ((إنَّهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقْتَهُم». و (قوله: ((يُحشر الناسُ على ثلاثٍ طرائقَ راغبين وراهبين))) الطَّرائق: حَشْر الناس في الأحوال المختلفة، والفِرَق المتفرِّقة، ومنه قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ كُنَّا طَرَّبِقَ قِدَدًا﴾ الدنيا قبل قيام [الجن: ١١] أي: فِرَقاً مختلفة. قال القاضي: هذا الحشرُ هو في الدُّنيا قبل قيام الساعة السّاعة، وهو آخرُ أشراطها، كما ذكره مسلمٌ بعد هذا في آيات السَّاعة، قال فيه: ((وآخر ذلك نارٌ تخرجُ من قعر عدن ترخِّلُ الناس))، وفي رواية: ((تطردُ الناسَ إلى ١٥٤ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٦) باب: في الحشر وكيفيته على بعير، وعشرةٌ على بعير، وتَحشُرُ بقيتَهم النارُ، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أَمْسوا». رواه البخاريُّ (٦٥٢٢)، ومسلم (٢٨٦١)، والنسائيُّ (١١٤/١). محشرهم))(١). وفي حديث آخر: ((لا تقومُ الساعةُ حتى تخرجَ نارٌ من أرض الحجاز))(٢). ويدل على: أنها قبل يوم القيامة قوله: ((فتقيلُ معهم حيث قالوا، وتمسي معهم حيث أَمْسَوْا، وتصبحُ معهم حيث أصبحوا)). قال: وفي بعض الروايات في غير مسلم: ((فإذا سمعتم بها فاخرجوا إلى الشام)) كأنه أمر بسبقها إليه قبل إزعاجها لهم. وقد قال الأزهريُّ في قوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢]، إن الحشرَ الأول إلى الشام، إجلاء بني النضير من بلادهم إلى الشام. قلتُ: وعلى هذا فيكون معنى راغبين في لقاء الله وفي ثوابه، وهؤلاء هم المؤمنون الذين وُسِمُوا باسم الإيمان. وراهبين: أي: خائفين، يعني بهم الكفار الذي وُسِمُوا باسم الكفر؛ وذلك إذا طُبع على كل قلبٍ بما فيه عند طلوع الشمس من مغربها، وإذا خرجت دابةُ الأرض فنفخت في وجوه الناس ما تسمُ في وجه المؤمن: مؤمن، وفي وجه الكافر: كافرٌ، على ما يأتي إن شاء الله تعالى. (١) رواه مسلم (٢٩٠١) (٣٩ و٤٠). (٢) رواه البخاري (٧١١٨)، ومسلم (٢٩٠٢) (٤٢). ١٥٥ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٧) باب: دنوّ الشمس من الخلائق في المحشر (٧) باب دنو الشمس من الخلائق في المحشر وكونهم في العَرَقِ على قدر أعمالهم [٢٧٣٣] عن سُلَيم بن عامرٍ، عن المقداد بن الأسودِ؛ قال: سمعت رسول الله ﴿ يقول: ((تُدْنى الشَّمسُ يومَ القيامةِ من الخلْق حتى تكونَ مِنْهم كمقدار مِيْلٍ)) قال سليم بن عامر: فوالله! ما أدري ما يعني بالميل؛ أمسافةً الأرض، أم الميلَ الذي تُكتَحل به العين؟ قال: ((فيكون الناس على قدر أعمالهم في العَرق، فمنهم من يكون إلى كَعْبَيْهِ، ومنهم من يكون إلى رُكْبَيْهِ، ومنهم من يكون حَقْوَيِهِ، ومنهم من يُلْجِمُه العرقُ إلجاماً!)) قال: وأشار رسول الله ێ بيده إلى فيه. رواه مسلم (٢٨٦٤)، والترمذيُّ (٢٤٢٣). (٧ و٨) ومن باب: دنو الشمس من الخلائق يوم القيامة والمحاسبة(١) (قوله: ((تُدنى الشمسُ يوم القيامة))) أي: تقرب. والميل: اسمٌ مشتركٌ بين مسافة الأرض، والمِرْوَدِ الذي تكحل به العين. ولذلك أشكل المرادُ على سليم بن عامر، والأولى به هنا: مسافة الأرض؛ لأنَّها إذا كان بينها وبين الرؤوس مقدارُ المرود فهي متصلةٌ بالرؤوس لقلَّة مقدار المرود. و (قوله: ((ويكون الناسُ في العَرَق على قدر أعمالهم، فمنهم من يكون إلى تعرُّق الناس في كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من الآخرة على يلجمه العرق إلجاماً)) وقد تقدَّم أنَّ الحقوين: الخصران. وقيل: هما طرفا قدر أعمالهم (١) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان ما أشكل في أحاديث باب: دنو الشمس من الخلائق .. وباب: في المحاسبة، ومن نُوقش هلك. ١٥٦ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٧) باب: دنوّ الشمس من الخلائق في المحشر [٢٧٣٤] وعن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ◌ِ وَهِ قالَ: ((إنَّ العَرَقَ يوم القيامة ليذهبُ في الأرض سبعين باعاً، وإنَّه ليبلغُ إلى أفواه النَّاس - أو إلى آذانهم - يشك ثورٌ أيهما قال)». رواه البخاريُّ (٦٥٣٢)، ومسلم (٢٨٦٣). [٢٧٣٥] وعن ابن عمر عن النَّبِيِّ وَّهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]قال: ((يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه)). رواه البخاريُّ (٦٥٣١)، ومسلم (٢٨٦٢)، والترمذيُّ (٢٤٢٤ و ٣٣٣٣). الوركين، والأول المعروفُ. وهذا العرق إنما هو لشدَّة الضَّغط، وحرِّ الشمس التي على الرؤوس بحيث تغلي منها الهام(١)، وحرارة الأنفاس، وحرارة النار المحدقة بأرض المحشر؛ ولأنها تخرجُ منها أعناق تلتقطُ الناسَ من الموقف، فترشح رطوبةٌ الأبدان من كل إنسان بحسب عمله، ثم يجمعُ عليه ما يرشحُ منه بعد أن يغوصَ عرقهم في الأرض مقدار سبعين باعاً، أو ذراعاً، أو عاماً على اختلاف الروايات، فإن قيل: فعلى هذا يكون الناسُ في مثل البحر من العَرَق، فيلزمُ أن يسبحَ الكلُّ فيها سبحاً واحداً، فكيف يكونون متفاضلين بعضهم إلى عقبيه، وبعضهم إلى فمه، وما بينهما. قلنا: يزولُ هذا الاستبعاد بأوجه؛ أقربها وجهان: أحدهما: أن يَخْلُقَ اللَّهُ تعالى ارتفاعاً في الأرض التي تحت قدم كلِّ إنسان، بحسب عمله، فیرتفعُ عن الأرض بحسب ارتفاع ما تحته. وثانيهما: أن يُحْشَرُ الناسُ جماعات في تفرقة، فيحشر كلُّ من يبلغ عرقُه إلى (١) جمع الهامة، وهي: الرأس. ١٥٧ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٨) باب: في المحاسبة، ومَن نُوقِش هلك (٨) باب في المحاسبة ومن نوقش هلك [٢٧٣٦] عن عائشة، قالت: قال رسول الله وَطيقول: ((مَنْ حُوسب يوم القيامة عذب)). فقلت: أليس قال الله: ﴿فسوف يحاسب حساباً يسيراً﴾؟)) كعبيه في جهة، وكلُّ من يَبْلُغ حَقْويه في جهة، وهكذا. والقدرةُ صالحة لأن تُمْسِكَ عرقَ كلِّ إنسان عليه بحسب عمله، فلا يتصل بغيره، وإن كان بإزائه، كما قد أمسك جرية البحر لموسى - عليه السلام - حيث طلب لقاء الخضر؛ ولبني إسرائيل حين اتبعهم فرعون، والله تعالى أعلمُ بالواقع من هذه الأوجه. والحاصل: أن هذا المقامَ مقامٌ هائل لا تفي بهوله العبارات، ولا تحيطُ به الأوهام، ولا الإشارات، وأبلغُ ما نطق به في ذلك الناطقون: ﴿قُلْ هُوَ نَّؤْ عَظِيمٌ * أَنْتُ عَنَّهُ مُعْرِضُونَ﴾ [صّ: ٦٧ - ٦٨ ]. و (قوله: ((من حُوسِب يوم القيامة عُذِّب))) يعني حسابَ مناقشةٍ ومطالبة، كما قال في اللفظ الآخر: ((من نُوقِش المحاسبة)). والمناقشة: الاستقصاءُ في المطالبة بالجليل والحقير، والصغير والكبير، وترك المسامحة في شيءٍ من ذلك. قال الهروي: يقال: انتقشت منه حقي؛ أي: استقصيته منه. و (قوله: (عُذِّب))) ظاهره: عذاب النار جزاءً عن سيئات ما أظهره حسابه. ويدلُّ على ذلك قوله ((هلك)) أي: بالعذاب في النار. ويجوز أن يكون عذاب بعض من يُناقش نفس المناقشة، وما يُلازمها من التَّوبيخ واللَّوم، ثم يغفر اللَّهُ تعالى، كما حكي أنَّ بعضَ الصَّالحين رُؤي في النوم بعد موته، فقيل له: ما فعل اللَّهُ بك؟ فقال: حاسَبُونا فدقَّقوا، ثم مُّوا فأعتقوا. واعتراض عائشة - رضي الله عنها - بقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] إنما حملها عليه أنها تمسَّكت بظاهر لفظ الحساب؛ لأنه يتناول القليل والكثير، ولو سمعتْ لفظ المناقشة لما وقع لها ذلك، والله تعالى أعلم. ١٥٨ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٨) باب: في المحاسبة، ومَن نُوقِش هلك فقال: ((ليس ذاك الحساب؛ إنما ذاك العرض! من نُوقِشَ الحساب يوم القيامة عُذِّبَ!)). وفي رواية: ((من نوقش المحاسبة هلك)). رواه أحمد (٤٧/٦)، والبخاريُّ (٤٩٣٩)، ومسلم (٢٨٧٦) (٧٩ و ٨٠)، وأبو داود (٣٠٩٣)، والترمذيّ (٢٤٢٦ و ٣٣٣٧). [٢٧٣٧] وعن أبي برزة الأسلمي؛ قال: قال رسول الله وَتليفون: ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسْأل عن أربعٍ: و (قوله: ((إنما ذلك العرض))) يعني: أن الحسابَ المذكورَ في الآية إنما هو أن تُعرض أعمالُ المؤمن عليه، ويُوقف عليها تفصيلاً حتى يعرفَ مِنَّةَ اللَّهِ تعالى عليه في سترها عليه في الدُّنيا، وفي عَفْوه عنها في الآخرة، كما جاء (١) في حديثٍ ابن عمر الآتي بعد هذا. و (قوله: ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع))) عبد هنا: يُراد به العموم؛ لأنه نكرةٌ في سياق النفي، لكنه مخصّص بمن لا حسابَ عليه، وهم الزمرةُ السّابقة إلى الجنة أولاً؛ الذين يقال للنبيِّ ◌َ ﴿ فيهم: ((أدخلِ الجنةَ مِن أمتك مَن لا حسابَ عليه من الباب الأيمن))(٢). وبقوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ اَلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ فَيُؤْخَذُ بَالنَّوَسِ وَآلْأَقْدَاءِ﴾ [الرحمن: ٤١] ويُؤْيِّد هذا ما قد صحَّ في الحديث: أنه (يخرجُ من النار عُنُقٌ فيقول: وُكِّلت بكلِّ جَبَّار))(٣) وكأنَّ المرادَ بهذا الحديث الأكثر من الناس، والله تعالى أعلم. (١) ليست في (ز). (٢) رواه البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤). (٣) رواه أحمد (١١٠/٦). ١٥٩ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٨) باب: في المحاسبة، ومَن نُوقِش هلك عن عُمُرِهِ فيما أفناه؟ وعن جَسَده فيم أبلاه؟ وعن عِلْمِه ما عملَ به؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟)). رواه الترمذيُّ (٢٤١٧)، ومن العجيب أن يدخل المؤلف - رحمه الله - هذا الحديث في التلخيص ويشرح مشكله في المفهم ولم يخرجه مسلم. [٢٧٣٨] وعن صفوانَ بن مُحْرِزٍ، قال: قال رجلٌ لابن عمر: كيف سمعت رسول الله﴿ يقول في النجوى؟ قال: سمعته يقول: ((يُدْنى المؤمنُ من ربه يوم القيامة و (قوله: ((عن عمره فيم أفناه؟ وعن جَسَده فيم أبلاه؟ وعن عِلْمه ما عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟))) ظاهره: أنه يُسأل عن هذه الأربع مجملةً كما نطق بها، وليس كذلك؛ بل: يسأل عن آحاد كلِّ نوعٍ منها، فيسأل عن أزمانه من وقت تكليفه زماناً زماناً، وعمّا عمل عملاً عملاً، وعن معلوماته، وما عمل بها واحداً واحداً، وهكذا في سائرها تعييناً، وتعديداً، وتفصيلاً. والدليلُ على ذلك قولُه تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرَايَرَؤُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّقِ شَرَّايَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ -٨]، وقالوا: ﴿يَوَبِلَنَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٌ وَلَ كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنْهَا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقوله: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَزِنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، ومثل هذا كثيرٌ في الشريعة، ومن تصفّح ذلك حصلَ على العلم القطعي، واليقين الضروري من ذلك. و(قوله: ((يدنى المؤمن من ربِّه يوم القيامة))) هذا إدناءُ تقريبٍ وإكرامٍ، لا إدناءَ مسافة ومكان، ويحتمل أن يكونَ من باب حَذْفِ المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كما قال: ﴿وَسْئَلِ اَلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهلها. ١٦٠ (٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده - (٨) باب: في المحاسبة، ومَن نُوقِش هلك حتى يضعَ عليه كَنَفَهُ، فيقُّره بذنوبه؛ فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي رب! أعرف! قال: فإنّي سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم! فيُعْطی صحیفةً حسناتِه. وأما الكفار والمنافقون؛ فینادی بهم على رؤوس الخلائق: الذین گذبُوا علی لله!)). رواه أحمد (٧٤/٢)، والبخاريُّ (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨)، وابن ماجه (١٨٣). فَضْل الله في ستر الذنوب و (قوله: ((حتى يضع عليه كَنَّفه))) أي: ستره، وجناحَ إكرامه ولُطْفه، فيُخاطبه خطابَ الملاطفة، ويناجيه مناجاةَ المصافاة والمحادثة، فيقول: هل تعرف؟ فيقول بلسان الفرح والاستبشار: ربِّ أعرف، فيقول اللَّهُ له مُمْتَنَاً عليه، ومُظْهِراً فَضْلَه لديه: ((فإني سترتُها عليك في الدنيا)) أي: لم أفضحك بها بين الخلائق، ولم أطْلعهم على شيءٍ منها. ويحتملُ أن يكونَ معنى ستره إياها: ترك المؤاخذة عليها؛ إذ لو واخذه بها لفضحت العقوبةُ الذنبَ، كما افتضحت ذنوبُ الأمم السَّالفة بسبب العقوبات التي وقعت بهم، فسارتْ بذنوبهم وعقوبتهم الرُّكبان، وعَلِمها كلُّ إنسان. وهل هذه الذنوبُ كبائر وصغائر، أو صغائر فقط؟ وهل كان تاب منها، أو لم يكن؟ هذه مباحثُ تطول، وقد أشرنا إلى نُكَتٍ منها فيما تقدَّم.