النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
(٣٩) كتاب الزهد - (٦) باب: الخمول في الدنيا والتقلل منها
الشاةُ، ثم أصبحتْ بنو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي على الدِّين، لقد خِبْتُ إذاً وضلَّ
عملي !.
رواه أحمد (١٧٤/١)، والبخاريُّ (٥٤١٢)، ومسلم (٢٩٦٦)،
والترمذيُّ (٢٣٦٦)، وابن ماجه (١٣١).
السمر شبه اللُّوبياء، ورواية البخاري: أحسنها؛ لأنه بيَّن فيها أنهم يأكلون ثمر
العضاه، وورق الشجر السَّمُر.
و (قوله: ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الدين) هو بالزاي أولى وبالراء
ثانية من التعزير، واختلف في معناه هنا، فقال الهروي: معناه: توقُّفني عليه،
والتعزير: التوقيف على الأحكام، والفرائض. وقال الطبريُّ: أي: تقومني
وتعلمني، ومنه تعزير السلطان؛ أي: تقويمه بالتأديب، وقال الحربي: التعزير
بمعنى اللوم والعَتْب.
قلتُ: هذه أقوالُ الشارحين لهذه الكلمة، وفيها كلُّها بُعْدٌ عن معنى
الحديث، والذي يظهر لي: أن الأليقَ بمعناه: أن التعزيرَ معناه الإعظام والإكبار،
كما قال تعالى: ﴿وَتُهَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]، أي: تعظّموه وتبرّوه، فيكون معناه على
هذا: أنه وصَفَ ما كانت حالتهم عليه في أول أمرهم من شدة الحال، وصُعُوبة
العيش، والجهد مع النبيِّ وَّ، ثم إنهم اتسعت عليهم الدنيا، وفتحت عليهم
الفتوحات، وولُّوا الولايات، فعظّمهم الناسُ لشهرة فَضْلهم، ودينهم، وكأنه كره
تعظيم الناس له، وخصَّ بني أسد بالذكر لأنهم أفرطوا في تعظيمه، والله تعالى
أعلم. وهذا الذي ذكرناه هو الذي صرَّح به عتبةُ بن غزوان في الحديث الآتي بعد
هذا، حيث قال: لقد رأيتني مع رسول الله وَل﴿ سابعَ سبعة، وما لنا طعامٌ إلا ورق
الشجر حتى قرحت أشداقُنا، فالتقطت بُردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك،
فأنَّزرتُ بنصفها، واتَّزر سعدٌ بنصفها، فما أصبح منا اليوم أحدٌ إلا أصبح أميراً على

١٢٢
(٣٩) كتاب الزهد - (٧) باب: التزهيد في الدنيا
(٧) باب
التزهيد في الدنيا والاجتزاء في
الملبس والمطعم باليسير الخشن
[٢٦٩٩] عن خالدٍ بن عُمير العدويِّ؛ قال: خطبنا عتبة بن غزوان
- وكان أميراً على البصرة - فحمِدَ الله وأثنى عليه ثم قال: أمَّا بعدُ!
مصر من الأمصار، وإنِّي أعوذُ بالله أن أكونَ في نفسي عظيماً، وعند الله صغيراً(١).
فيحتمل أن يكون هذا هو الذي عنى به سعد بن أبي وقاص، والله تعالى أعلم. وأما
ما فسَّرَتْ به المشايخُ ذلك الكلامَ فيقتضي تفسيرُهم: أن بني أسد كانوا عتبوا عليه أموراً
من الدين، وعابوها عليه، فردّ عليهم قولهم. ويعضد هذا ما ذكره البخاري(٢) من
حديث جابر بن سمرة، قال: شكا أهلُ الكوفة سعداً حتى ذكروا: أنه لا يحسنُ أن
يصلي، فاستحضره عمرُ - رضي الله عنه - فقال: إنَّ هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن
تصلي، فقال: أما أنا فإني كنت أصلِّي بهم صلاةَ رسول الله وَّهِ، وفيه: ولم يدغ
مسجداً إلا سأل عنه، ويثنون معروفاً، حتى دخل مسجداً لبني عبس، فقام رجلٌ
منهم، يقال له: أسامة بن قتادة، فقال: أَمَا إذ نشدتنا، فإن سعداً كان لا يسيرُ
بالسرية، ولا يعدلُ في القضية ... وذكر الحديث.
(٧) ومن باب: الزهد في الدنيا(٣)
(قوله: خطبنا عتبة بن غزوان - وكان أميراً على البصرة -) عتبة هذا
- رضي الله عنه - مازنيٌّ، وحليف لبني نوفل، قديم الإسلام. أسلم سابع سبعة كما
(١) انظره في التلخيص (٢٨٠٥).
(٢) رواه البخاري (٧٥٥).
(٣) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان: هذا الباب والذي يليه، وهو بعنوان" ..!
باب: ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل الأصبع في اليم.

١٢٣
(٣٩) كتاب الزهد - (٧) باب: التزهيد في الدنيا
فإِنَّ الدنيا قد آذَنَتْ بصَرْم، ووَلَّتْ حَذَّاءَ، ولم يبق منها إلا صُبَابَةٌ كصُبَابَةٍ
الإناءِ يَتَصابُّها صَاحِبُها، وإنَّكم مُنْتَقِلون مِنْها إلى دارٍ لا زوالَ لها، فانتقلوا بخيرِ ما
بحضرتِكُم، فإنَّه قد ذُكِر لنا: أنَّ الحجر يُلْقي من شفير جهنم، فيهوي فيها
قال. وهاجر وشهد المشاهد مع رسول الله وَ ط﴿ل بدراً والمشاهد كلها، أمَّره عمر
- رضي الله عنه - على جيش، فتوجَّه إلى العراق، ففتح الأُبلَّة والبصرة ووليها،
وبنى مسجدَها الأعظم بالقصب، ثم إنه حجَّ فاستعفى عمرَ عن ولاية البصرة، فلم
يعفه فقال: اللهم لا تردّني إليها، فسقط عن راحلته فمات سنة سبع عشرة، وهو
منصرفٌ من مكة إلى البصرة، بموضع يقال له: معذر ببني سليم، قاله ابنُ سعد.
ويقال: مات بالربذة، قاله المدائني.
و (قوله: إن الدنيا قد آذنت بِصَرْمٍ) أي: أشعرتْ وأعلمتْ بزوالٍ وانقطاع.
و (قوله: وولَّت حذَّاءَ) أي: سريعة خفيفة، ومنه قيل للقطاة: حذاء، أي:
منقطعة الذنب قصيرته، ويقال: حمار أحدُّ؛ إذا كان قصير الذنب، حكاه أبو عبيد،
وهذا مثلٌ كأنه قال: إن الدنيا قد انقطعتْ مسرعة.
و (قوله: ولم يبق منها إلا صُبابة كصبابة الإناء يتصابُها صاحبُها) الصُّبابة:
بضم الصاد: البقية اليسيرة، والصَّبابة - بالفتح -: رقة الشوق، ولطيف المحبة،
ويتصابُها: يروم صبَّها على قلَّة الماء وضَعْفه.
و (قوله: فانتقلوا بخير ما بحضرتكم) أي: ارتحلوا إلى الآخرة بخير ما
يحضرکم من أعمال الپِرُّ. جعل الخيرَ المتمكّن منه كالحاضر.
و (قوله: فإنه قد ذُكِر لنا أن الحجر لَيُلْقى (١) من شفير جهنم ... الحديث
إلى آخره) يعني: أنه ذُكِر له عن رسول اللهِ وَ ل﴾ ذلك؛ لأنَّ مثلَ هذا لا يُعْرَفُ إلا من
جهة النبيِّ وَّ﴿ فكأنه لم يسمعه هو من النبيِّ ◌َّر، سمعه مِن غيره، فسكت عنه إما
(١) في صحيح مسلم والتلخيص: يُلْقى.

١٢٤
(٣٩) كتاب الزهد - (٧) باب: التزهید في الدنيا
سبعين عاماً لا يُدْرِكُ لها قعراً، ووالله لتُملأنَّ! أفعجبتم؟ ولقد ذُكر لنا: أنَّ
ما بين المصراعين من مصاريع الجنَّة مسيرةُ أربعين سنةً، وليأتِيَنَّ عليها يومٌ
وهو كَظِيْظُ من الزِّحام، ولقد رَأيْتُي سابعَ سبعةٍ مع رسول الله ◌ِصّ ما لنا
طعامٌ إلا وَرَقُ الشَّجر؛ حتى قَرَحَتْ أَشْدَاقُنَا، فالتقطتُ بُرْدَةً فَشَقَقْتُها بيني
وبين سعدٍ بن مالك، فاتزرْتُ بنصفها، واتَّزر سعدٌ بنصفها، فما أصبح اليومَ
مِنَّ أحدٌ إلا أصبح أميراً على مِصْرٍ من الأمصار، وإنِّي أعوذ بالله أنْ أكون في
نفسي عظيماً، وعند الله صغيراً، وإنَّها لم تكن نبوةٌ قطَّ إلا تناسَخَتْ حتى
يكون آخرُ عاقبتها مُلْكاً، فَسَتَخْبُرُون، وتُجَرِّبُون الأمراء بَعْدَنا !.
رواه أحمد (١٧٤/٤)، ومسلم (٢٩٦٧) (١٤).
#
نسياناً، وإما لأمرٍ يُسوِّغ له ذلك. ويحتملُ أن يكون سمعه هو من النبيِّ وَليه وسكت
عن رفعه للعلم بذلك. وشفير جهنم: حَرْفُها الأعلى. وحرفُ كلِّ شيءٍ أعلاه
وشفیره. ومنه: شفیر العين. ومصراع الباب: ما بین عضادتیه، وجمعه مصاريع،
وهو ما يسدُّه الغلق.
و (قوله: وهو كظيظٌ من الزَّحام) أي: ممتلىءٌ منه. يقال: كظَّه الشرابُ
كظيظاً. وقَرِحَتْ أشداقُنا: أي: تقرَّحت؛ أي: انجرحت من خشونة الورق.
والبردة: الشَّملة، والعرب تُسمِّ الكساءَ الذي يُلتحف به بردة، والبُرد - بغير تاء -:
نوعٌ من نوع ثياب اليمن الموشية.
معنى التناسخ
و (قوله: وإنها لم تكن نبوة قطّ إلا تناسخت، حتى يكون آخرُها(١) ملكاً)
يعني: أن زمانَ النبوّة يكون الناسُ فيه يعملون بالشرع، ويقومون بالحق، ویزهدون
في الدنيا، ويرغبون في الآخرة، ثم إنه بعد انقراضهم، وانقراض خلفائهم يتغيّر
الحالُ، وينعكسُ الأمر، ثم لا يزال الأمرُ في تناقص، وإدبارٍ إلى ألا يبقى على
(١) في التلخيص ومسلم: عاقبتُها.

١٢٥
(٣٩) كتاب الزهد - (٨) باب: ما الدنيا في الآخرة إلا كما يُعل الإصبعُ في اليم
(٨) باب
ما الدُّنيا في الآخرة إلا كما يُجعل الإصبعُ في اليمِّ
وما جاء: أنَّ المؤمن فيه كخامةِ الزَّرع
[٢٧٠٠] وعن المستَوْرِدِ - أخي بني فهرٍ - قال: قال رسول الله وَالآتى:
((والله ما الدُّنيا في الآخرة إلا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحدُكم إصْبَعَه هذه - وأشار
يحيى بن يحيى بالسَّبابة - في اليمِّ فلينظرْ بم ترجع!)).
الأرض مَن يقول: الله! الله! فيرتفع ما كان الصدرُ الأوَّل عليه، وهذا هو المعبَّرُ عنه
هنا: بالتَّناسخ؛ فإن النسخ: هو الرفعُ والإزالة، وهذا الحديثُ نحو قوله ◌َالآخر: ((ما
من نبيٌّ بعثه اللَّهُ تعالى في أمَّةٍ قبلي إلا كان له من أمَّته حواریون وأصحاب يأخذون
بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلفُ من بعدهم خلوفٌ يقولون ما لا يفعلون،
الحدیث))(١)
.
ويفعلون ما لا يؤمرون.
.
و (قوله: حتى يكون آخر عاقبتها ملكاً) يعني أنهم يعدلون عن سنن النبيين (٢)
وخلفائهم إلى الإقبال على الدنيا واتباع الهوى. وهذه أحوالُ أكثر الملوك، فأما من
سَلَك سبيل الصدر الأول الذي هو زمانُ النبوة والخلافة من العدل، واتباع الحق،
والإعراض عن الدنيا، فهو من خلفاء الأنبياء، وإن تأخّر زمانه كعمر بن عبد العزيز
- رضي الله عنه - إذ لم يكن بعد الخلفاء مَن سَلَك سبيلَهم، واقتدى بهم في غالب
أحوالهم غيره - رضي الله عنه -، لا جرم هو معدودٌ منهم، وداخلٌ في زمرتهم إن
شاء الله تعالى.
[(٨) باب: ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل الأصبع في اليم] (٣)
و (قوله: ((ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدُكم إصبعه في اليم
فلينظرْ بماذا ترجع))). اليمّ: البحر. وهذا مثلٌ لحقارة الدُّنيا وقلَّتها، وهو نحو قوله
(١) رواه مسلم (٥٠).
(٢) في (ز): النبوة.
(٣) هذا العنوان لم يذكره المؤلف - رحمه الله - في المفهم، واستدركناه من التلخيص.

١٢٦
(٣٩) كتاب الزهد - (٨) باب: ما الدنيا في الآخرة إلا كما يُعل الإصبعُ في الیم
رواه أحمد (٢٢٨/٤)، ومسلم في الجنة (٢٨٥٨)، والترمذيُّ
(٢٣٢٣)، وابن ماجه (٤١٠٨).
[٢٧٠١] وعن كعب بن مالكِ، قال: قال رسول الله وَله: ((مَثَلُ
المؤمنِ كَمَثَلِ الخامة من الزَّرع تُفِيْتُها الرِّيحُ، تَصْرعُها مرةً، وتَعْدِلُها أخرى
حتى تَهِيج - في روايةٍ: حتى يأتيه أجله -. وَمَثَلُ الكافر كَمَثَلِ الأرزةِ
المُجْذِيَةِ على أصلها، لا يُصيبُها شيءٌ حتى يكونَ انجعافُها مرةً واحدةً».
وفي روايةٍ: (المنافق) بدل (الكافر).
رواه أحمد (٤٥٤/٣)، والبخاريُّ (٥٦٤٣)، ومسلم في صفات
المنافقین (٢٨١٠) (٥٩ و ٦٠).
تعالى: ﴿قُلِّ مَنَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] أي: كلُّ شيء يُتَمَّعُ به في الدنيا من أولها
إلى آخرها قليل، إذ لا بقاءَ له ولا صفوَ فيه، وهذا بالنسبة إلى نفسها، وأما بالنسبة
إلى الآخرة، فلا خَطَر، ولا قدر للدنيا، وهذا هو المقصودُ بتمثيل هذا الحديث
حيث قال: ((فلينظر بماذا يرجع)). ووجه هذا التمثيل أن القدرَ الذي يتعلَّق بالإصبع
من ماء البحر لا قَدْرَ له ولا خطر، وكذلك الدُّنيا بالنسبة إلى الآخرة.
و (قوله: ((مثل المؤمن كخامة الزرع))) الخامة هي: الغضَّة الرطبة من
النبات. وأنشدوا:
إِنَّما نَحْنُ مِثْلُ خَامَةِ زَرْعٍ فَمَتَى يَأْنِ يَأْتِ مُخْتَصِدُه
وتُفِيَُّها الرياح: أي: تردُّها من جانبٍ إلى جانب، وقد بيَّن ذلك بقوله:
تصرعها مرَّة وتعدلها أخرى، وصوابه: تفيئها؛ بضم التاء وكسر الفاء، وتخفيف
الياء والهمز؛ فإنه يقال: أفأت الشيء: رجعته. أو فاء هو في نفسه: رجع، ومَن
فتح الفاء وشدَّد الياء فقد أخطأ؛ لأنه إنما يقال: فيأت الشجرة، يعني إذا ظهر فيئها
لا غير. والأَرْزة: شجرةُ الصنوبر، وسُمِّيت بذلك لثبوتها، يقال: شجرة أرزة؛

١٢٧
(٣٩) كتاب الزهد - (٩) باب: شدة عيش النبي ◌َّفر
[٢٧٠٢] ونحوه؛ عن أبي هريرة. وهذا أتمُّ غير أنَّه قال: ((ولا يزالُ
المؤمنُ يُصیبه البلاءُ».
رواه أحمد (٢٣٤/٢)، والبخاريُّ (٥٦٤٤)، ومسلم (٢٨٠٩)،
والترمذيُّ (٢٨٦٦).
(٩) باب
شدّة عيش النَّبِيِّ وَمول
وقوله: ((اللهمَّ اجعل رزق آلِ محمدٍ كفافاً))
[٢٧٠٣] عن عائشة، قالتْ: ما شَبِعَ آلُ محمَّدٍ بَّهِ مُنْذُ قَدِم المدينة
مِنْ طَعامِ بُرِّ ثلاثَ ليالٍ تباعاً حتى قُبِض.
أي: ثابتةٌ في الأرض، وقد أرزت تأرز، ويقال للناقة القوية: أرزة. والمُجْذِية على
أصلها: القائمة الراسخة، وهذا مثلٌ للغالب من المؤمنين والغالب من الكافرين،
وحكمةُ الله في ابتلاء المؤمنين في الدنيا أن يهديَهم فيها، ويُخلِّصهم من تبعاتها، حكمة الله في
ابتلاء المؤمنين
وأن تُوَفَّر أجورُهم في الآخرة، وعكس ذلك في الكفار والمنافقين.
وفائدةُ هذا الحديث احتسابُ المصائب، والصبر عليها، وانتظار الثواب
عليها، والخوف من عدم المصائب وبسط الدُّنيا.
في الدنيا
(٩ و١٠) ومن باب: شدّة عيش النبيِّ ◌َلَّ(١)
الرَّف: خشبة تُرفع عن الأرض يُلقى عليها ما يُرفع، قاله الحربي، وقال
غيره: هي الغرفة. والشطر: النصف، وهو هنا نصف وَسْق شعير. والدَّقل: أردأ
(١) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان: هذا الباب، والباب الذي يليه، وهو
باب: سبق فقراء المهاجرين إلى الجنة، ومن الفقير السَّابق.

١٢٨
(٣٩) كتاب الزهد - (٩) باب: شدة عيش النبي ﴾
وفي روايةٍ: ما شبع آلُ محمدٍ وٍَّ مِنْ خُبْزِ الشَّعير يومين متتابعين
حتى قُبِض.
وفي روايةٍ: من خبر بُرِّ إلّ وأحدُهما تمرٌ.
رواه أحمد (٩٨/٦)، والبخاريُّ (٥٤٢٣)، ومسلم (٢٩٧٠) (٢٠
و ٢٢) و (٢٩٧١) (٢٥)، والترمذيُّ (٢٣٥٧)، وابن ماجه (٣٣٤٤).
[٢٧٠٤] وعنها؛ قالت: لقد مات رسول الله وَ ﴿ وما شبع مِنْ خبزٍ
وزيتٍ في يومٍ واحدٍ مرتين.
وفي روايةٍ: توفِّي رسولُ اللهِ وَلِّ حين شبع النَّاس من الأسودين:
التَّمر والماء.
وفي أخرى: (وقد شبعنا) بدل (حین شبع).
رواه أحمد (١٥٦/٦ و٢٥٥)، والبخاريُّ (٥٤١٦)، ومسلم
(٢٩٧٤) (٢٩)، و (٢٩٧٥) (٣٠ و٣١)، والترمذيُّ (٢٣٥٦).
[٢٧٠٥] وعنها؛ قالت: توفي رسول الله وَ ل﴿ وما في رَفِّي من شيءٍ
يأكُلُه ذو كبدٍ إلا شطرُ شعيرٍ في رفُّ لي، فأكلتُ منه حتى طالَ عليَّ،
فكِلْتُهُ، ففَنِيَ.
رواه أحمد (١٠٨/٦)، والبخاريُّ (٣٠٩٧)، ومسلم (٢٩٧٣)،
والترمذيّ (٢٥٦٩).
-
التمر، وقد أدقل النخل: إذا ردىء. وقيل: هو جنس من النخل له تمر، وهو حبّ
لم يكن #
يديم الترقُّه في كبير له نواة مُدوَّرة مقدار الجوزة يُشبه نوى التمر، فإذا يبسَ صار عليه مثل الليفة.
وأحاديثُ هذا الباب كلُّها، وإن اختلفت ألفاظها تدل على: أن النبيَّ وَ لير لم يكن
العیش

١٢٩
(٣٩) كتاب الزهد - (٩) باب: شدة عيش النبي 1
[٢٧٠٦] وعن عروة، عن عائشة، أنَّها كانت تقول: والله يا بن
أختي! إنْ كنَّا لِنَنْظُرُ إلى الهلال، ثم الهلالِ، ثم الهلالِ، ثلاثةَ أهلة في
شهرين، وما أُوقِدتْ في أبيات رسول الله و فيه نار؟ قال: قلت: يا خالة! فما
كان يُعيِّشُكُم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء؛ إلا أنّه قد كان
لرسول الله وَّ﴿ جيرانٌ من الأنصار، وكانت لهم منائحُ، فكانوا يرسلون إلى
رسول اللهوَ﴿ من ألبانها فيَسْقِيْنَاه.
رواه أحمد (٤٨/٦)، والبخاريُّ (٦٤٥٦)، ومسلم (٢٩٧٢)
(٢٨)، والترمذيُّ (٢٤٦٩)، وابن ماجه (٤١٤٤).
[٢٧٠٧] وعن أبي هريرة، قال: والذي نفس أبي هريرة بيده! ما
أشبع رسولُ الله وَِّ أهلَه ثلاثة أيام تباعاً! أو ثلاث ليالٍ، من خبزِ حِنْطَّةٍ
حتى فارق الدُّنيا، وفي روايةٍ: ما شبع. وقال: ثلاثة أيام (من غير شك).
رواه أحمد (٤٣٤/٢)، والبخاريُّ (٥٤١٤)، ومسلم (٢٩٧٦) (٣٢
و ٣٣)، والترمذيُّ (٢٣٥٨).
[٢٧٠٨] وعن النعمان بن بشيرٍ، قال: ألستم في طعام وشرابٍ ما
شئتم! لقد رأيتُ نبيِّكم ◌َ﴿ وما يجد من الدَّقَل ما يملأ به بَطْنَهُ.
رواه أحمد (٢٦٨/٤)، ومسلم (٢٩٧٧) (٣٤)، والترمذيُّ (٢٣٧٢).
يُدِيمُ الشِّبَع، ولا الترُّه في العيش، لا هو ولا من حوته بيوتُه، ولا آله. بل: كانوا
يأكلون ما خَشُنَ من المأكل العَلَق، ويقتصرون منه على ما يسدُّ الرَّمَق، مُعرضين
عن متاع الدنيا، مؤثرين ما يبقى على ما يفنى، ثم لم يزل كذلك حالُهم مع إقبال
الدنيا عليهم، واجتماعها بحذافيرها لديهم إلى أن وصلوا إلى ما طلبوا، وظفروا
بما فیه رغبوا.

١٣٠
(٣٩) كتاب الزهد - (٩) باب: شدة عيش النبي 5 18
[٢٧٠٩] وعنه؛ قال: ذكر عُمَرُ ما أصاب النَّاس من الدُّنيا فقال:
لقد رأيت رسول الله وَ ل﴿ يَظَلُّ اليوم يلتوي، ما يجد دَقَلاً يملأ به بطْنَه.
رواه أحمد (٢٤/١)، ومسلم (٢٩٧٨)، وابن ماجه (٤١٤٦).
[٢٧١٠] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((اللهمّ اجعل
رزق آلِ محمّدٍ قوتاً».
وفي روايةٍ: ((كِفافاً».
رواه أحمد (٤٤٦/٢)، والبخاريُّ (٦٤٦٠)، ومسلم في الزهد
(١٠٥٥) (١٨ و١٩)، والترمذيُّ (٢٣٦١)، وابن ماجه (٤١٣٩).
جُمِع له ◌َلول
حال الفقر
والغِنى
والكفاف
و (قوله ◌ََّ: ((اللهم اجعلْ رزقَ آل محمَّدٍ قوتاً))) أي: كفافاً، كما جاء في
الرواية الأخرى، ويعني به: ما يقوتُ الأبدان ويكفُّ عن الحاجة والفاقة، وهذا
الحديث حجة لمن قال: إنَّ الكفافَ أفضلُ من الغنى والفقر، وقد تقدَّمت هذه
المسألة في الزكاة. ووجه التمشُّك بهذا الحديث: أنَّ النبيَّ وَّ إنما يدعو لنفسه
بأفضلِ الأحوال، وأيضاً: فإنَّ الكفافَ حالة متوسطة بين الغنى والفقر، وقد
قال ◌َ له: ((خيرُ الأمور أوساطها))(١). وأيضاً: فإن هذه الحال سليمة من آفات
الغنى، وآفات الفقر المدقع، فكانت أفضل منها ثم إن حالة صاحب الكفاف حالة
الفقير إذ لا يترقَّه في طَيِّبات الدنيا، ولا في زهرتها، فكانت حاله إلى الفقر أقرب،
فقد حصلَ له ما حصلَ للفقير من الثواب على الصبر، وكُفي مرارتَه وآفاتِه.
لا يُقال: فقد كانت حالة رسول الله وَ لّ الفقر الشديد المدقع، كما دلَّت عليه أحاديث
(١) ذكره ابن الأثير في جامع الأصول (٣١٨/١ - ٣١٩)، والعجلوني في كشف الخفاء
(٣٩١/١) وقال ابن الفرس: ضعيف.

١٣١
(٣٩) كتاب الزهد - (١٠) باب: سبق فقراء المهاجرين إلى الجنة.
(١٠) باب
سبق فقراء المهاجرين إلى الجنة،
ومن الفقير السّابق
[٢٧١١] عن أبي عبد الرَّحمن الحُبُلِيِّ؛ قال: سمعتُ عبدُ الله بنَ
هذا الباب وغيرُها، ألا ترى أنه يطوي الأيّام، ولا يشبعُ يومين متواليين، ويشدُ
على بطنه الحجرَ من الجوع والحجرين، ولم يكن له سوى ثوب واحد، فإذا غسلَه
انتظره إلى أن يجفَّ، وربما خرجَ، وفيه بقع الماء، وماتَ ودرعُه مرهونةٌ في شعير
لأهله، ولم يخلِّفْ ديناراً ولا درهماً، ولا شاةً، ولا بعيراً، ولا حالة في الفقر أشدُ
من هذه، وعلى هذا فلم يكن حالُه الكفاف، بل: الفقر. فلم يجبه الله تعالى في
الكفاف لعلمه: بأن الفقر أفضل له؛ لأنا نقول: إن النبيَّ ◌َ ﴿ قد جُمعَ له حال الفقر
والغنى والكفاف، فكانت أوَّلَ أحواله الفقر مبالغة في مجاهدة النفس. وخطامها
عن مألوفات عاداتها، فلما حصلت له مَلَكة ملكها، وتخلَّص له خلاصة سبكها،
خيَّه الله تعالى في أن يجعل له جبال تهامة ذهباً تسیرُ معه حیث سار، فلم يلتفت
إليها، وجاءته فتوحات الدنيا فلم يعرِّج عليها، بل: صرفها وانصرفَ عنها، حتى
قال: ((ما لِيَ مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخُمُس مردود فيكم))(١). وهذه
حالة الغني الشاكر، ثم اقتصرَ من ذلك كلِّه على قدر ما يردّ ضروراتِهِ، وضروراتٍ
عياله، ويردُّ حاجتهم، فاقتنى أرضَه بخيبَرَ، وكان يأخذُ منها قوتَ عياله، ويدَّخِره
لهم سنة، فاندفعَ عنه الفقر المدقعُ، وحصلَ الكفافُ الذي دعا به، ثم إنه لما
احتُضِرَ، وقف تلك الأرض على أهله ليدومَ لهم ذلك الكفاف الذي ارتضاه لنفسه،
ولتظهرَ إجابة دعوته حتى في أهله من بعده، وعلى ذلك المنهج نهجَ الخلفاء
الراشدون على ما تدلُّ عليه سيرهم وأخبارهم. وعلى هذا فأهلُ الكفاف هم صَدْر
(١) رواه مالك في الموطأ (٤٥٧/٢ - ٤٥٨).

١٣٢
(٣٩) كتاب الزهد - (١٠) باب: سبق فقراء المهاجرين إلى الجنة
عمرو بن العاص - وسأله رجل - فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ - فقال
له عبدُ الله: ألكَ امرأةٌ تأوي إليها؟ قال: نعم! قال: ألك مسكنٌ تسكنُه؟
-
كتيبة الفقراء الداخلينَ الجنَّة قبل الأغنياء بخمسمئة عام؛ لأنهم وسطهم، والوسطُ :
العدل. وليسوا من الأغنياء كما قرَّرناه فاقتضى ذلك ما ذكرناه، والله تعالى أعلم.
و (قول الرجل لعبد الله بن عمرو: ألسنا من الفقراء؟) سؤال تقرير، وكأنه
سأل شيئاً من الفيء الذي قال اللَّهُ تعالى فيه: ﴿لِلْفُقَرَآِ الْمُهَجِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن
دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ الَّهِ وَرِضْوَنًا﴾ [الحشر: ٨]؛ وكأنَّ ذلك الرجلَ قال:
ألسنا من الفقراء الذين يستحقُون من الفيء سهماً بنصِّ القرآن؟ وكأنه أنجز له مع
ذلك الالتفات إلى الفقراء المهاجرين، وتبجح به، فأجابه عبد الله بما یکسر ذلك
منه، ويزيلُ آفةَ الالتفات إلى الأعمال بما يقتضي: أن الأحق باسم الفقر المهاجرين
مَن كان متجرِّداً عن الأهل والمسكن، كما كان حالُ أهل الصُّفَّة في أول الأمر.
وصار معنى هذا الحديث إلى نحو قوله ﴿ه: ((ليس الشديدُ بالصُّرَعة))(١) و ((ليس
المسكين بالطَّواف))(٢) فكأن عبد الله قال له: ليس الفقير المهاجرين الذي تكون له
زوجة ومسكن، وإنما الفقيرُ المتجرِّدُ عن ذلك، ولم يرد أن مَن كان فقيراً
مهاجرياً، له زوجة ومسكن أنه لا يستحقُّ من الفيء شيئاً؛ لأن صاحبَ العيال
الفقير أشدُّ فاقةً وبلاءً؛ ولأنه خلافُ ما وقع لهم، فإن النبيَّ ﴾ كان يُعْطيهم بحسب
فاقتهم وحاجتهم، ويفضِّل في العطاء مَن له عيالٌ على مَن ليس كذلك، وكذلك
فعل الخليفتان بَعْدَه، على ما هو المعلوم مِن حالهما، وإن حمل قول عبد الله على
ظاهره لزمَ عليه: أنَّ مَن كان له زوجةٌ ومسكنٌ لا غير ذلك لم يُعَدَّ منِ الفقراء
المهاجرين الذين وصفهم الله تعالى، والذين يسبقون إلى الجنة، فيلزم ألَّ يكون
أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا عليٍّ من الفقراء من السّابقين إلى الجنة،
وذلك باطلٌ قطعاً.
(١) رواه البخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩).
(٢) رواه أحمد (٢٦٠/٢)، والبخاري (٤٥٣٩)، ومسلم (١٠٣٩) (١٠٢).

١٣٣
(٣٩) كتاب الزهد - (١٠) باب: سبق فقراء المهاجرين إلى الجنة
قال: نعم! قال: فأنت من الأغنياء! قال: فإنَّ لي خادماً! قال: فأنت من
الملوك ! .
قال أبو عبد الرحمن: وجاء ثلاثة نفرٍ إلى عبد الله بن عمرو بن
العاص وأنا عنده فقالوا: يا أبا محمد! إنَّا والله ما نقدر على شيء! لا نفقةٍ،
ولا دابة، ولا متاع! فقال لهم: ما شئتُم! إن شئتم رجعتم إلينا فأعطيناكم ما
يَسَّرَ الله لكم، وإن شئتم ذكرنا أمركم للسلطان، وإن شئتم صبرتم، فإني
سمعت رسول الله ﴿ يقول: ((إنَّ فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم
و (قوله: أنت من الملوك) لما أخبره أنَّ له خادماً على جهة الإغياء
والمبالغة؛ لا أنه ألحقه بالملوك حقيقةً، ولا بالأغنياء، ولا سَلَبه ذلك اسم
الفقراء؛ إذ لم يكن له غير ما ذكر، والله تعالى أعلم.
و (قوله: جاء ثلاثة نفر إلى عبد الله بن عمرو) هذه قضيةٌ أخرى غير القضية
المتقدمة، وإنْ اتَّفق راوياهما، فإنهما من رواية أبي عبد الرحمن الحُبُلي عن
عبد الله بن عمرو بنالعاص؛ لأن هؤلاء ثلاثةٌ وذلك واحدٌ، ولأن مقصودَه مِن هذا
الحديث غيرُ مقصوده من الأول، وذلك أنَّ هؤلاء الثلاثة شكوا إليه شدَّةَ فاقتهم،
وأنهم لا شيء لهم، فخيَّرهم بين الصَّبر على ما هُمْ فيه حتى يلقوا الله، فيحصلون
على ما وَعَدهم اللَّهُ به على لسان نبيِّه ◌َ﴿ من السبق إلى الجنة قبل الناس كلِّهم،
وبين أن يرفع أمرَهم إلى السلطان، فيدفع إليهم ما يُغْنِيهم، وبين أن يواسيَهم من
ماله، فاختار القومُ البقاءَ على الحالة الأولى، والصبر على مَضَض الفقر وشدَّته.
ويُفهم من هذا الحديث: أنَّ مذهبَ عبد الله، وهؤلاء الثلاثة: أن الفقرَ المدقع،
والتجرُّدَ عن المكتسبات كلِّها أفضل، وقد بيَّنا آنفاً: أنَّ المسألةَ مسألةُ خلافٍ، وأن
الكفافَ أفضلُ على ما ذكرناه آنفاً.
سبق الفقراء
الأغنياء إلى
و (قوله وَله: ((إنَّ فقراءَ المهاجرين يسبقون الأغنياءَ يوم القيامة إلى الجنة الجنة

١٣٤
(٣٩) كتاب الزهد - (١٠) باب: سبق فقراء المهاجرين إلى الجنة
القيامة إلى الجنة بأربعين خريفاً))، قالوا: فإنَّا نصبر، لا نسأل شيئاً !.
رواه أحمد (١٦٩/٢)، ومسلم (٢٩٧٩).
بأربعين خريفاً)) هذا الحديثُ اختلفت ألفاظُ الرواة فيه عن النبيَِّ فروى عبدُ الله
ابن عمرو - رضي الله عنهما - الحديث المتقدِّم، وروى الترمذي من حديث أبي
سعيد الخدريِّ قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((فقراءُ المهاجرين يدخلون الجنة قبل
أغنيائهم بخمسمئة عام»(١). قال: هذا حديثٌ حسن غريب من هذا الوجه. ویروی
أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِوَله: ((يدخلُ الفقراءُ الجنةَ قبل أغنيائهم
بخمسمئة عام، نصف يوم))(٢)، قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي طريق
أخرى: ((يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، وهو خمسمئة
عام))(٣). وقال: حديث حسن صحيح، وروي أيضاً عن جابر بن عبد الله
- رضي الله عنه - أن رسولَ الله وَ ﴿ قال: ((يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم
بأربعين خريفاً»(٤). قال: هذا حديث حسن صحيح، فاختلفت هذه الأحاديثُ في
أيِّ الفقراء هم السَّابقون، وفي مقدار المدَّة التي بها يسبقون، فهذان موضعان،
ويرتفع الخلافُ عن الموضع الأول بأن يُرَدَّ مطلق حديث أبي هريرة إلى مقيّد روايته
الأخرى، ورواية جابر - رضي الله عنه -، فيعني بالفقراء: فقراء المسلمين، وحينئذٍ
يكونُ حديثُ عبد الله بن عمرو، وحديث أبي سعيد مخصوصاً بفقراء المهاجرين،
وحديث أبي هريرة، وجابرٍ يعمُّ جميع فقراء قرون المسلمين، فيدخل الجنة فقراء
كل قرنٍ قبل أغنيائهم بالمقدار المذكور، وهذه طريقة حسنة، ونزيدُها وضوحاً بما
(١) رواه الترمذي (٢٣٥١).
(٢) رواه الترمذي (٢٣٥٣).
(٣) رواه الترمذي (٢٣٥٤).
(٤) رواه الترمذي (٢٣٥٥).

١٣٥
(٣٩) كتاب الزهد - (١٠) باب: سبق فقراء المهاجرين إلى الجنة
قد صحَّ عنه وَله أنه قال: ((أصحابُ الجنة محبوسون على قنطرةٍ بين الجنة والنار،
يُسألون عن فضول أموالٍ كانت بأيديهم))(١)، وهذا واضح. وأما الموضع الثاني
فقد تقدَّم: أنَّ الخريفَ هو العام هنا، وأصلُ الخريف: فصلٌ من فصول السنة،
وهو الفصلُ الذي تُخترفُ فيه الثمار، أي: تُجتنى، فسُمِّي العامُ بذلك، ويمكن
الجمعُ بين الأربعين، حديث الخمسمئة عام؛ بأنَّ سُبَّاق الفقراء يدخلُون(٢) قبل
سُبَّاق الأغنياء بأربعين عاماً، وغير سُبَّاق الأغنياء بخمسمئة عام؛ إذ في كلِّ صنف
من الفريقين سُبَّاق، واللهُ أعلم.
وهذه الأحاديث: حُجَّةٌ واضحةٌ على تفضيل الفقر على الغِنى، ويتقرَّر ذلك
من وجھین:
أحدهما: أن النبيَّ وَّلإر قال هذا لجبر كَسْر قلوب الفقراء، ويهوّن عليهم ما جَبْر كَشر
يجدونه من مرارة الفقر، وشدائده؛ بمزيَّةٍ تحصلُ لهم في الدار الآخرة على الأغنياء قلوب الفقراء
عِوَضاً لهم عما حُرِموه من الدُّنيا، وصَبْرهم، ورضاهم بذلك.
وثانيهما: أنَّ السبقَ إلى الجنة ونعيمها أولى من التأخر عنها بالضّرورة، فهو
أفضل.
وثالثها: أنَّ السبق إلى الفوز مِن أهوال يوم القيامة، والصِّراط أولى من
المقام في تلك الأهوال بالضرورة، فالسَّابقُ إلى ذلك أفضلُ بالضرورة ، وحينئذٍ
لا يلتفت لقول مَن قال: إنَّ السبق إلى الجنة لا يدلُّ على أفضلية السابق. وزخرف
ذلك: بأنَّ النبيَّ ◌َ أفضلُ الخليقة، ومع ذلك فدخوله الجنة متأخِّر عن دخول
هؤلاء الفقراء؛ لأنهم يدخلون قبله، وهو في أرض القيامة؛ تارةً عند الميزان،
(١) رواه البخاري (٦٥٣٥).
(٢) في (ز): يسبقون.

١٣٦
(٣٩) كتاب الزهد - (١٠) باب: سبق فقراء المهاجرين إلى الجنة
وتارةً عند الصِّراط، وتارةً عند الحوض، كما قد أخبر عن ذلك فيما صحَّ عنه،
وهذا قولٌ باطلٌ صَدَر عمن هو بما ذكرناه وبالنقل جاهل، فكأنه لم يسمع ما تقدَّم
في كتاب الإيمان من قوله وَ له: «أنا أوَّلُ من يقرعُ بابَ الجنة، فيقول الخازنُ: من
أنت؟ فأقول: أنا محمد. فيقول الخازن: بك أُمِرْتُ لا أفتحُ لأحدٍ قبلك))(١). وفي
حديث أنه وَ﴿ قال: ((أنا أول من يدخلُ الجنة، ومعي فقراءُ المهاجرين))(٢). وعلى
هذا فيدخل الجنة، ويتسلَّم ما أُعِدَّ له فيها، ويُبومىء الفقراءَ منازلهم، ثم يرجع إلى
أرض القيامة ليخلِّص أمته بمقتضى ما جعل اللَّهُ في قلبه من الحنوِّ على أمته،
والشفقة عليهم، والرَّأفة بهم، فيلازمُهم في أوقاتٍ شدائدهم، ويسعى بمكنه في
نجاتهم، فيحضرهم عند وزن أعمالهم، ويسقيهم عند ظمئهم، ويدعو لهم
بالسلامة عند جَوَازهم، ويشفعُ لمن دخل النارَ منهم، وهو مع ذلك كلُّه في أعلى
نعيم الجنة الذي هو غايةُ القُرْب من الحقِّ، والجاه الذي لم ينله أحدٌ غيره من
الخلق، ولذَّة النظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه الحكيم بألطفِ خطاب،
وأكرمٍ تكليم، كيف لا؟ وهو يسمعُ: ((يا محمد! قُل يُسْمَعْ لك، سَلْ تُعْطَ، اشفعْ
تشفع، فيقول: أمتي! أمتي! أمتي! فيقال: انطلق فأدخلِ الجنةَ من أمَّتك من
لا حسابَ عليه من الباب الأيمن)»(٣). وهذه خُطْوةٌ لا تَتَسعُ لها العبارات، ولا تحيطُ
بها الإشارات حشرنا الله في زمرته، ولا خيَّنا مِن شفاعته.
قال القاضي أبو الفضل: ويحتملُ أنَّ هؤلاء السابقين إلى الجنة يتنغمون في
أفنیتها وظلالها، ويتلذَّذون بما هم فیه إلی أن يدخل محمد لي بعد تمام شفاعته،
ثم يدخلونها معه على قدر منازلهم وسبقهم، والله تعالى أعلم.
(١) رواه مسلم (١٩٦) (٣٣١).
(٢) رواه الترمذي (٣٦٢٠).
(٣) رواه أحمد (٥/١ ٤٣٦/٢)، والبخاري (٦٥٦٥)، ومسلم (١٩٣).

١٣٧
(٣٩) كتاب الزهد - (١١) باب: كرامة من قنع بالكفاف
(١١) باب
کرامة من قنع بالكفاف وتصدّق بالفضل
[٢٧١٢] عن أبي هريرة، عن النبي ◌َ ◌ّه قال: ((بينا رجلٌ بفلاةٍ من
الأرض، فسمع صوتاً في سحابةٍ: اسقِ حديقةً فلان، فتنتَّى ذلك
السَّحابُ، فأفرغ ماءَهُ في حرَّةٍ، فإذا شَرْجَةٌ من تلك الشِّراج قد استوعبت
قلتُ: وهذا لا يحتاجُ إلى تقديره؛ لأن الذي هو فيه من النعيم بما ذكرناه
أعلى وأشرف مما هم فيه، فلا يكون سبقهم لأذون النعيمين أشرف ممن سبق إلى
أعظمها، وهذا واضح.
(١١ و١٢ و١٣) ومن باب: كرامة من قنع بالكفاف،
والاجتهاد في العبادة وفي التواضع(١)
الفلاةُ من الأرض: هي القفر. والحديقة: البستان، وسُمِّيتْ بذلك؛ لأنها
أَحْدَقَ بها حاجزٌ. قالوا: وأصلُه كلُّ ما أحاط به البناء. والحديقة أيضاً: القطعةُ من
النخل. والحرّة: أرضٌ ذات حجارةٍ سود؛ كأنها أُحرقت بالنار. والشَّرْجة: مسيلُ
الماء، وهي بفتح الشين، وسكون الراء، وتجمع: شِرَاج وشُرُوج. ومَن قال:
شَرَجة - بفتح الراء - فقد أخطأ المعروفَ من اللغة. واستوعبت: جمعتْ. فتتبع
الماء؛ أي: تبعه.
و (قوله: تنَّى ذلك السحاب)؛ أي: اعتمد وقصد. والنحو في أصله: هو
القصد. وفي هذا الحديث دليلٌ على صحة القول بكرامات الأولياء، وأنَّ الوليَّ قد صحة كرامات
الأولياء
(١) شرح المصنف تحت هذا العنوان ما أشكل في حديث هذا الباب، وأحاديث الباب
الذي يليه بعنوان: باب: الاجتهاد في العبادة، والذي يليه، وهو بعنوان: باب: في
التواضع .

١٣٨
(٣٩) كتاب الزهد - (١٢) باب: الاجتهاد في العبادة
ذلك الماءَ كلَّه، فتَتَبَّع الماءَ فإذا رجلٌ قائم في حديقته يُحَوَّلُ الماء
بمسْحَاتِهِ؛ فقال له: يا عبد الله! ما اسمك؟ قال: فلانٌ - للاسم الذي سمعَ
في السَّحاب - فقال له: يا عبد الله! لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إنِّي
سمعتُ صوتاً في السَّحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلانٍ؛
لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أمَّا إذْ قُلْتَ هذا؛ فإنِّ أنظر إلى ما يخرجُ
منها فأتصدَّقُ بثلثه، وآكلُ أنا وعيالي ثلثاً، وأردُّ فيها ثُلْكَهُ)).
وفي روايةٍ: ((وأجعل ثلثه في المساكينٍ، والسائلينَ، وابنِ السبيل)).
رواه مسلم (٢٩٨٤).
(١٢) باب
الاجتهاد في العبادة والدوام على ذلك،
ولن ينجيَّ أحداً منكم عملُه
[٢٧١٣] عن المغيرة بن شعبة: أنَّ النَّبي ◌َله صلى حتى انتفخت
يكون له مال، وضَيْعة، ولا يناقضُه قولُهُ وَله: ((لا تتخذوا الضيعةَ فتركنوا إلى
الدنيا))(١) لما قدمنا من أن المقصودَ بالنهي إنما هو: مَن انَّخذها مستكثراً،
ومتنعماً، ومتمتعاً بزهرة الدُّنيا، لما يخاف عليه من الميل إلى الدنيا، والرُّكون
إليها، وأما من اتخذها معاشاً يصونُ بها دينَه وعياله، فاتِّخاذُها بهذه النية مِن أفضل
الأعمال. وهي من أفضل الأموال.
(١) رواه أحمد (٣٧٧/١)، والترمذي (٢٣٢٨).

١٣٩
(٣٩) كتاب الزهد - (١٢) باب: الاجتهاد في العبادة
قدماه، فقيل له: أَتَكَلَّفُ هذا وقد غَفَرَ الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً؟!)).
رواه البخاري (١١٣٠)، ومسلم (٢٨١٩)، والترمذيُّ (٤١٢)،
والنسائي (٢١٩/٣)، وابن ماجه (١٤١٩).
[٢٧١٤] وعن عائشة زوج النبي ولو أنَّها كانت تقول: قال
رسول الله ◌َ﴿: ((سَدِّدُوا، وقاربوا، وأَبْشِرُوا؛ فإنَّه لن يُدْخِل الجنَّة أحداً
عملُه)). قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا إلا أن يتغمدنيَ اللَّهُ
و(قولهم للنبي وَله: أتَكَلَّف هذا؟) أي: أتتكلف فِعْله، وتتحمَّل مشقّته؟
وهذا أخرجه منهم ظنُّ أنه إنما يعبدُ اللَّهَ تعالى خوفاً من الذنوب، وطلباً للمغفرة،
وهو الشكر على مغفرته للذنوب، وإيصاله نِعَمه لمن لا يستحقُّ عليه منها شيئاً،
فيتعيَّن الشكر على ذلك، ثم الشكر قد قلنا إنه اعتراف بالنعمة وقيام بالخدمة، فمن
كثر عنه ذلك وتكرَّر سُمِّي الشكور؛ ولذلك قال الحليمُ الغفور: ﴿وَقَلِلٌ مِّنْ عِبَادِىَ
الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
و (قوله: ((سدِّدوا وقاربوا وأَبْشِرُوا)) أي: سدِّدوا في الأعمال؛ أي: اعملوها الحض على
مُسَدَّدة لا غُلُوَّ فيها ولا تقصير، وقارِبُوا في أزمانها بحيث لا يكون فيها قصر، ولا تسديد الأعمال
تطويل، وأبشروا على ذلك بالثواب الكثير والخير الجزيل.
و (قوله: (فإنه لن يُدْخِلَ الجنةَ أحداً عَمَلُه))) أي: إنَّ أعمالَ العباد الصَّالحة الأعمال
الصالحة لا
تُدخل الجنة
ليست ممَّا تقتضي دخولَ الجنة؛ إذ ليستْ في أنفسها على صفاتٍ تقتضي ذلك،
ولا يستحق المكلَّف على الله تعالى بسببها شيئاً؛ إذ لا منفعةً له فيها، ولا غرض؛ بذاتها
فإنه الغنيُّ بذاته؛ الذي لا يُسْتَغْنى عنه. وكأن هذا نصٌّ في الردِّ على أهلِ البدع،
والمعتزلة في قولهم في قاعدتي التحسين والتقبيح، والاستحقاق العقليين.
و (قولهم: ولا أنتَ؟) كأنَّهم وقع لهم: أنَّ النبيَّ وَّ لعظيم معرفته بالله،

١٤٠
(٣٩) كتاب الزهد - (١٣) باب: في التواضع
برحمته، واعلموا: أنَّ أحبَّ العمل إلى الله أدومُه وإنْ قَلَّ)).
رواه أحمد (٢٧٣/٦)، والبخاريُّ (٦٤٦٧)، ومسلم (٢٨١٨)،
وأبو داود (١٣٦٨)، والنسائيُّ (٢١٨/٣).
[٢٧١٥] ونحوه؛ عن أبي هريرة وقال: ((برحمةٍ وفضلٍ)).
رواه أحمد (٣١٢/٢)، والبخاريُّ (٦٦٣٧)، ومسلم (٢٨١٦)(٧٦).
[٢٧١٦] وعن جابرٍ، قال: سمعتُ النبيَّ وَله يقول: ((لا يُدْخِلُ أحداً
مِنْكم عملُهُ الجنَّة، ولا يُجيرُه من النَّار، ولا أنا إلا برحمةٍ من الله)).
رواه أحمد (٣٩٤/٣)، ومسلم (٢٨١٧) (٧٧).
(١٣) باب
في التواضع
[٢٧١٧] عن عياضٍ بن حمار المجاشعيِّ - من حديثه الطويل -: أنَّ
رسول الله ◌َ﴾ قال: ((إنَّ الله أوحى إليَّ: أن تواضعوا حتى لا يَفْخَر أحدٌ
على أحدٍ، ولا يَبْغِي أحدٌ على أحدٍ». وسيأتي.
وكثرة عباداته؛ أنه يُنجيه عمله، فردَّ النبيُّ ◌َ غير ذلك بأن قال: ((ولا أنا إلَّ أن
يتغمَّدني اللَّهُ برحمةٍ وفضل)). فسوَّى بينَه وبينهم في ذلك المعنى، وأخبر أنه عن
فضله ورحمته لا يُسْتَغْنی.
و (قوله: ((إنَّ الله أوحى إليَّ أن تواضَعُوا حتى لا يفخرَ أحدٌ على أحد»)
التواضعُ نقيض التكبر، والتكبِّر: هو الترفُّعُ على الغير، فالتواضع: هو الانخفاض
حکم الاتصاف
بالکېر