النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ (٣٨) كتاب الرقاق - (٣) باب: في رجاء مغفرة الله تعالى بيده! لو لَمْ تُذْنِبُوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فیغفرُ لهم)). رواه مسلم (٢٧٤٩). [٢٦٧٤] وعن أبي أيوب: نحوه. رواه مسلم (٢٧٤٨) (٩ و١٠)، والترمذيُّ (٣٥٣٣). [٢٦٧٥] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((لما قضى الله الخلقَ كتب في كتابٍ على نفسه - فهو موضوع عنده -: إنَّ رحمتي تغلبُ غضبي)). رواه أحمد (٣٨١/٢)، والبخاريُّ (٧٥٥٤)، ومسلم (٢٧٥١) (١٦). و (قوله: ((لو لم تذنبوا لذهب اللَّهُ بكم، ولجاء بقومٍ يذنبون، ويستغفرون الله فيغفر لهم))) هذا خبرٌ من الله تعالى عن ممكنٍ مقدورِ الوقوع مع علم الله تعالى بأنه لا يقع، فحصلَ منه أنَّ اللَّهَ تعالى يعلمُ حالَ المقدَّر الوقوع، كما يعلمُ حالَ المحقّق الوقوع، ونحو من هذا قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنَّهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وقد عبَّر بعض العلماء عن هذا بأن قال: إنَّ اللَّهَ تعالى يعلمُ ما كان وما يكون، وما لو كان كيف كان يكون، وحاصلُ هذا الحديث: أنَّ اللَّهَ تعالى سَبَق في علمه أنه يخلقُ مَن يعصيه فيتوب، فيغفر له، فلو قُدِّر أَلَّا عاصي يظهرُ في الوجود لذهب اللَّهُ تعالى بالطائعين إلى جنّته، ولخلق من يعصيه فيغفر له، حتى يُوجِد ما سبق في علمه، ويُظْهِر من مغفرته ما تضمَّنه اسمُه الغفَّار، ففيه من الفوائد رجاءُ مغفرته والطماعية في سَعَة رحمته. ٨٢ (٣٨) كتاب الرقاق - (٣) باب: في رجاء مغفرة الله تعالى [٢٦٧٦] وعنه، عن النبي ◌َ ﴿ قال: ((إنَّ الله مئةَ رحمةٍ، أنزل منها رحمةً بين الجنِّ، والإنس، والبهائم، والهواءٌّ، فبها يتعاطفون، وبها رحمة الله وغضبه و (قوله: ((لما قضى اللَّهُ الخَلْقِ كَتَب في كتابٍ عنده(١) على نفسه))) أي: لما أظهر قضاءه، وأبرز أمره لمن شاء، أظهر كتاباً في اللوح المحفوظ، أو فيما شاءه فقضاه خبر حقّ، ووعد صدق: ((إن رحمتي تغلب غضبي)) أي: تسبقه وتزيد عليه. وقد تقدَّم القولُ في غضب الله ورضاه، وأنَّ ذينك يرجعان إلى إرادته، وإلى مُتعلَّقها من إيصال المنافع والألطاف إلى المرحوم، أو إيصال المضارّ والانتقام للمغضوب عليه، فيرجع غضبُه إذاً ورحمته إلى الأفعال، وهو المرادُ بهذا الحديث. وإذا ظهر هذا فمعنى غَلَبة الرحمة، أو سبقها على ما جاءفي الرواية الأخرى: أن رِفْقَه بالخلق، وإنعامَه عليهم، ولُطْفَه بهم، أكثر من انتقامه، وأخذه، كيف لا؟ وابتداؤه الخَلْق وتكميله وإتقانه، وترتيبه، وخلق أول نوع الإنسان في الجنة، كلُّ ذلك رحمتُه السابقة، وكذلك ما رتّب على ذلك من النّعم والألطاف في الدنيا والآخرة، وكلُّ ذلك رحماتٌ متلاحقات، ولو بدأ بالانتقام لما كمل لهذا العالم نظام. ثم العجب أنَّ الانتقامَ به كملت الرحمة والإنعام، وذلك أن بانتقامه من الكافرين كملتْ رحمتُه على المؤمنين، وبذلك حصل صلاحُهم وإصلاحهم، وتمَّ لهم دينُّهم وفلاحُهم، وظهر لهم قدرُ نعمة الله عليهم في صرف ذلك الانتقام عنهم، فقد ظهر أنَّ رحمته سبقتْ غَضَبَه، وإنعامَه غلبَ انتقامه. و (قوله: ((إن الله مئةَ رحمة أنزلَ منها رحمة))) هذا نصٌّ في أنَّ الرحمةَ يُراد بها متعلَّقُ إرادة الحقِّ سُبحانه، لا نفس الإرادة، وأنها راجعةٌ إلى المنافع والنِّعم، ومقتضى هذا الحديث: أنَّ الله تعالى علم أنَّ أنواعَ النعم التي ينعمُ بها على خَلْقه مئةُ نوعٍ، فأرسل منها فيهم في هذه الدَّار نوعاً واحداً، فيه انتظمت مصالحهم، المراد برحمة الله في الدنيا والآخرة (١) ليست في التلخيص. ٨٣ (٣٨) كتاب الرقاق - (٣) باب: في رجاء مغفرة الله تعالى يتراحمون، وبها تعطفُ الوحشُ على وَلَدِها، وأَخَّرَ الله تسعاً وتسعين رحمةً يرحمُ بها عبادَه يوم القيامة)). رواه أحمد (٤٣٤/٢)، ومسلم (٢٧٥٢) (١٩)، وابن ماجه (٤٢٩٣). [٢٦٧٧] وعن سلمان، قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ الله خلقَ يوم خلقَ السمواتِ والأرض مئةَ رحمةٍ، كلُّ رحمةٍ طباقَ ما بين السَّماء وحصلت مرافقُهم، كما نبّه عليها في بقيّة الحديث، فإذا كان يوم القيامة كمَّل لعباده المؤمنين ما بقي في علمه، وهو التسعةُ والتسعون، فكملت الرحمة كلّها للمؤمنين، وهو المشارُ إليه بقوله: ﴿ فَلَ تَعْلَمُ تَفْسُ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] وهو الذي صرَّح به النبيُّ ◌َ ه حيث قال لهم: ((إنَّ في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَر على قلب بشر، بَلْهَ ما أطْلَعَكُمْ عليه))(١). وعند هذا يفهم معنى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]. فإنَّ رحيماً من أبنية المبالغة التي لا شيءَ أبلغُ منها، ويُفهم مِن هذا أنَّ الكافرين لا يبقى لهم في النار رحمة، ولا تنالهم نعمة، لا من جنس رحمات الدُّنيا، ولا من غيرها، إذ كَمُّل كلّ ما علم الله من الرحمات للمؤمنين، ختم اللَّهُ لنا بما ختم للمؤمنين، ووقانا أحوال الكافرين. وما قلناه في هذا الحديث أولى مِن قول مَن قال: إنّ معنى قوله: ((إنّ الله مئةً رحمة)) الإغياء والتكثير؛ لأنه لم تَجْرِ عادتُهم بذلك في مئة، وإنما جرتْ بالسبعين، ولو جرت بذلك لكان ذلك مجازاً، وما ذكرناه حقيقة، فكان أولى، والله أعلم. و (قوله: ((إنَّ الله خَلَقَ - يوم خلق السَّموات والأرضَ - مئة رحمة)) معنى خَلَقِ الله مئة رحمة (١) رواه مسلم (٢٨٢٥). ٨٤ (٣٨) كتاب الرقاق - (٣) باب: في رجاء مغفرة الله تعالى والأرض، فجعل منها في الأرض رحمةً فبها تعطفُ الوالدة على ولدها، والوحشُ والطير بعضها على بعض، وإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة. رواه أحمد (٤٣٩٥)، ومسلم (٢٧٥٣) (٢١). [٢٦٧٨] وعن عمرَ بنِ الخطّاب؛ قال: قَدِمَ على رسول الله وَهـ سَبْيٌّ؛ فإذا امرأةً من السَّبي تبتغي؛ إذا وجدت صبيّاً في السَّبي أخذته، فألصقته ببطنها، وأرضعته، فقال لنا رسول الله وَالقر: ((أَتَرَوْن هذه طارحةً ولدَها في النار؟)) قلنا: لا والله! وهي تقدر على ألا تطرحه. فقال رسول الله وَلجر: ((لَلَّهُ أرحم بعباده من هذه بولدها)). رواه البخاريُّ (٥٩٩٩)، ومسلم (٢٧٥٤). * خَلَقٍ - هنا -: قدَّر، وهو أصلُ هذا اللفظ، كما قال زهير: ولأَنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وَبَعْ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي أي: يقدِّر، ويكون معناه: إنَّ اللَّهَ أظهر تقديرَه لتلك الرحمات، أي: علمه بها يوم أظهر تقديره لاختراع السموات. ويصحُّ أن يُقال: إنَّ معنى خلق: اخترع وأوجد يوم خلق السَّموات والأرض المئة الرحمة، فأرسل في هذا العالم نوعاً واحداً من تلك الأنواع، واذَّخر في الجنة سائرها ليوم القيامة . و (قوله: ((كل رحمة طباقَ بين السماء والأرض))) إغياء وتكثير، وقد جاء هذا الإغياءُ بهذا النوع كثيراً في الشرع واللغة، وقد جاء في بعض ألفاظ رواة مسلم: ((جعل اللَّهُ الرُّحم مئةَ جُزْء)» روي بضم الراء وفتحها، وهو بمعنى الرحمة، واللفظ الذي ذكرناه هو الأصح والأوضح. و (قوله: فإذا امرأةٌ من السَّبي تبتغي إذا وجدتْ صبياً أخذته) قال القاضي: ٨٥ (٣٨) كتاب الرقاق - (٤) باب: من عاد إلى الذنب فَلَيَعُدْ إلى الاستغفار (٤) باب من عاد إلى الذنب فَلْيَعُدْ إلى الاستغفار [٢٦٧٩] عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ◌َّ فيما يحكي عن ربِّه عزَّ وجلَّ، قال: ((أذنبَ عبدُ ذنباً، فقال: اللهم! اغفر لي ذنبي! فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً، فعلم: أنَّ له ربّاً يغفرُ الذَّنب، ويأخذ بالذّنب، كذا في جميع نسخ مسلم، ولرواته فيه وهم، وفي كتاب البخاري: تسعى، مكان تبتغي. وهو وَجْهُ الكلام وصوابُه. قلتُ: ولا خفاءَ بحسن رواية تسعى، ووضوحها، لكن لرواية (تبتغي) وجهٌ واضح، فلا يُغلَّط الرواةُ كلُّهم، وذلك أن تبتغي معناه: تطلب ولدها، وحذف مفعوله للعلم به. [(٤) ومن باب: من عاد إلى الذنب فليعد إلى الاستغفار](١) (قوله: ((أذنبَ عبدُ ذنباً فقال: اللَّهُمَّ اغفر لي ذنبي، فقال تباركَ وتعالى: أذنبَ عبدي ذنباً علمَ أنَّ له ربّاً يغفرُ الذنبَ ويأخذُ بالذنب))) يدلُّ على عظيم فائدة فَضْل الاستغفار، وعلى عظيم فضل الله وسعة رحمته، وحلمه وكرمه، ولا شكّ في أن الاستغفار هذا الاستغفار ليس هو الذي ينطقُ به اللسان، بل الذي يثبتُ معناه في الجِنان، الله فيحلُّ به عقد الإصرار، ويندمُ معه على ما سلفَ من الأوزار. فإذاً الاستغفار ترجمةُ التوبة، وعبارةٌ عنها، ولذلك قال: ((خيارُكم كلُّ مُفْتَنِ توَابٍ))(٢). قيل: هو الذي يتكرّر منه الذنب والتوبة، فكلّما وقع في الذنب عادَ إلى التوبة، وأما من قال وعظیم فضل (١) هذا العنوان لم يرد في المفهم، واستدركناه من التلخيص. (٢) رواه البيهقي في الشعب (٧١٢٠) عن النعمان بن سعد، و (٧١٢١) عن عليّ - رضي الله عنه -. ٨٦ (٣٨) كتاب الرقاق - (٤) باب: من عاد إلى الذنب فَلْيَعُدْ إلى الاستغفار ثم عاد فأذنب، فقال: أيْ ربِّ! اغفر لي ذنبي! فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم: أنَّ له رباً يغفر الذَّنب، ويأخذ بالذَّنبِ ثم عاد فأذنب فقال: أيْ ربِّ! اغفر لي ذنبي! فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم: أنَّ له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب؛ اعمل ما شئت فقد غفرت لك». رواه أحمد (٤٠٥/٢)، والبخاريّ (٧٥٠٧)، ومسلم (٢٧٥٨) (٢٩). بلسانه: أستغفر الله، وقلبُه مصرٍّ على معصيته، فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار، وصغيرته لاحقة بالكبار إذ لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار. وفائدة هذا الحديث أنَّ العودَ إلى الذنب، وإن كان أقبحَ من ابتدائه، لأنه انضاف إلى الذنب نقضُ التوبة، فالعودُ إلى التوبة أحسنُ من ابتدائها، لأنها: انضافَ إليها ملازمة الإلحاح بباب الكريم، وأنه لا غافرَ للذنوب سواه. و (قوله: ((اعمل ما شئتَ فقد غفرتُ لك)) قد تقدَّم القول فيه، ونزيد هنا نكتة، وهي: أن هذا الأمر يحتملُ أن يكون معناه الإكرام، فيكون من باب قوله تعالى: ﴿أَدْخُلُوهَا بِسَلَمٍ مَامِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]. وآخر الكلام خبر عن حالٍ المُخاطَب؛ لأنه مغفور له ما سلفَ من ذنبه، ومحفوظ - إن شاء الله - فيما يستقبلُ من شأنه. ٨٧ (٣٨) كتاب الرقاق - (٥) باب: في قوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ (٥) باب في قوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [٢٦٨٠] عن عبد الله بن مسعود، قال: جاء رجلٌ إلى النَّبِيِّ وَله فقال: يا رسول الله! إني عالجتُ امرأةً في أقصى المدينة، وإنِّي أصبتُ منها ما دون أن أمسَّها فأنا هذا فاقض فيَّ ما شئت؟ فقال له عمر: لقد سترك الله (٥) ومن باب: في قوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ (قوله: ((إني عالجتُ امرأةً))) أي: حاولتها لأصيبَ منها غرضاً وشهوة، وأقصى المدينة: ما بَعُد منها، يعني موضعاً خالياً عن الناس. و (قوله: إني أصبتُ منها ما دونَ أن أمسَّها) أي: لم أجامعها، وقد قال في رواية أخرى: إن الذي أصابَ منها قبلةً قبَّلها، وإياها عنى في الرواية الأخرى بقوله: أصبتُ حَدّاً، ويحتمل أن يكون معناه أصبت منها شيئاً ممنوعاً، لأن الحدَّ في أصله هو المنع، ويحتمل أنه ظنَّ أن في ذلك حدّاً فأطلق عليه ذلك. وهو الظاهرُ من قوله: أصبتُ حدّاً فأقمْ عليَّ كتابَ الله. و (قوله: فانطلقَ فأتبعَه النبيُّونَ ﴿ رجلاً فدعاه، فتلا عليه هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الضَّلَوةَ طَرَفَ اَلنَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤]). إنما دعاه النبيُّ ◌َّ بعد انصرافه عنه، لأن الله تعالى أنزلَ الآية بعد انصرافه بسبب سؤال الرجل المذكور كما جاء نصّاً في رواية أخرى: أن رجلاً أصابَ من امرأة قبلةً فأتى النبيَّ ◌َ ﴾ فذكر ذلك له. قال: فنزلت الآية(١). فبيّن أن الآية نزلت بسبب ذلك الرجل. وإقامة الصلاة: القيام بفعلها على سُنَّتها والمثابرة عليها. وطرفا النهار: هما الصبح والعصر. وقيل: الظهر والعصر، وقيل: العشاء والمغرب. وزلفاً من الليل: بفتح اللام على قراءة الجماعة، وهي السَّاعات المتقاربة، جمع زُلفة، وهي القربة والمنزلة، (١) رواه الترمذي (٣١١٣) عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه -. ٨٨ (٣٨) كتاب الرقاق - (٥) باب: في قوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ لو سترت على نفسك! قال: فلم يرد عليه النَّبيُّ وَِّ شيئاً، فقام الرَّجل فانطلق، فأتبعه النَّبيُّ وَ لَ رجلاً دعاه، فتلا عليه هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفِ التَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ أَلَيْلِ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَِّّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِينَ﴾ [هود: ١١٤]، فقال رجل من القوم: يا نبي الله! هذا له خاصةً؟ قال: ((بل للنَّاس كافةً)). رواه أحمد (٤٤٥/١)، ومسلم (٢٧٦٣) (٤٢)، وأبو داود (٤٤٦٨)، والترمذيُّ (٣١١٢)، والنسائيّ في الكبرى (٧٣٢٤)، وابن ماجه (١٣٩٨). [٢٦٨١] وعن أنسٍ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ﴿ فقال: يا رسول الله! أصبت حداً فأقمه عليَّ! قال: وحضرت الصلاة، فصلَّى مع وقرأها يزيد بضم اللام، وابن محيصن: بسكونها. والمراد المغرب والعشاء، والله أعلم. و (قوله: إن الحسنات يُذهبن السيئات) يعني: الصلوات الخمس، كما قد جاء مفسّراً عنه و ﴿. قاله الطبري، وقال مجاهد: هي: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله . قلتُ: واللفظ بحكم عمومه صالح لما قالاه، ولزيادة عليه، كما قال ◌َله: ((الصلوات الخمسُ، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفَّارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر))(١). وقد تقدَّم القول في معنى هذا الحديث في الطهارة. و (قوله: ذلك ذكرى للذاكرين) أي: تذكُّر لمن تذكَّر، واتِّعاظ لمن اتَّعظَ. وقيل: إن هذا الرجل هو عمرو بن غزيّة، كان يبيعُ التمر، فقال لامرأة: في البيت (١) رواه أحمد (٣٥٩/٢)، ومسلم (٢٣٣)، والترمذي (٢١٤)، وابن ماجه (١٠٨٦). ٨٩ (٣٨) كتاب الرقاق - (٦) باب: لا ييأس من قبول التوبة رسول الله وَطقه، فلما قضى الصَّلاة قال: يا رسول الله! إني أصبت حداً فأقم فيّ كتاب الله! قال: ((هل حضرت معنا الصلاة؟)) قال: نعم. قال: ((قد غفر لك». رواه مسلم (٢٧٦٤). [٢٦٨٢] وفي روايةٍ: [عن أبي أمامة] قال: ((أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء؟ قال: بلى. قال: ثم شهدت الصلاة معنا؟ قال: نعم. قال: ((فإنَّ الله قد غفر لك حدَّك!)) أو قال: ((ذنبك)). رواه مسلم (٢٧٦٥). * * (٦) باب لا ييأسُ من قبول التوبة ولو قتل مئة نفسٍ [٢٦٨٣] عن أبي سعيد الخدريٍّ، أنَّ نبيَّ الله ◌َّ قال: ((كان فيمنْ كان قَبلَكم رجلٌ قتل تسعةً وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فَدُلَّ على راهبٍ، فأتاه، فقال: إنَّه قتل تسعةً وتسعين نفساً؛ فهل له من تمرٌّ أجودُ من هذا، فدخلت، فوثبَ عليها وقبّلها ثم تركها نادماً. فجاء باكياً إلى النبي وَل﴿ فنزلتِ الآيةُ، فقال له: ((هل حضرتَ معنا الصلاة؟)) فقال: نعم. قال: ((غُفِرَ لك»، وقيل: إنها كانت صلاة العصر. [(٦) ومن باب: لا يَيْأسُ من قبول التوبة ولو قتلَ مئة نفس](١) (قول الراهب لقاتل التسعة والتسعين إنه لا توبة له). دليلٌ على: قِلَّة علم (١) هذا العنوان لم يرد في المفهم، واستدركناه من التلخيص. ٩٠ (٣٨) كتاب الرقاق - (٦) باب: لا ييأس من قبول التوبة توبةٍ؟ فقال: لا. فقتله، فكمل به مئة! ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على رجلٍ عالمٍ، فقال: إنَّه قتل مئة نفسٍ؛ فهل له من توبة؟ قال: نعم! ذلك الراهب، وعدم فطنته، حيث لم يُصبْ وجهَ الفتيا، ولا سلكَ طريق التحرُّز على نفسه، ممن صارَ القتل له عادة معتادة، فقد صار هذا مثل الأسد الذي لا يُبالي بمن يفترسُه، فكان حقُّه أَلَّ يشافهه بمنع التوبة مداراةً لدفع القتل عن نفسه، كما يُدارى الأسدُ الضاري، لكنه أعان على نفسه، فإنه لما آيسه من رحمة الله وتوبته قَتَلَه، بحكم سَبُعيته ويأسه من رحمة الله وتوبته عليه، ولما لطفَ الله به بقيَ في نفسه الرغبة في السؤال عن حاله. فما زالَ يبحثُ إلى أن ساقَه الله تعالى إلى هذا الرجل العالم الفاضل، فلما سألَه نطقَ بالحق والصواب، فقال له: ومن يحولُ بينكَ وبينها؟ مفتياً ومنكراً على من ينفيها عنه، ثم إنه أحالَه على ما ينفعه، وهو مفارقته لأرضه التي كانت غلبت عليه بحكم عادة أهلها الفاسدة، ولقومه الذين كانوا يُعينونه على ذلك، ويحملونه عليه. وبهذا يُعلم فضلُ العلم على العبادة، فإنَّ الأوَّلَ غلبت عليه الرهبانية. واغترَّ بوصف الناس له بالعلم، فأفتى بغير علم، فهلكَ في نفسه وأهلكَ غيرَه. والثاني كان مشتغلاً بالعلم ومعتنياً به، فوُفِّق للحقِّ، فأحياه الله في نفسه، وأحيا به النَّاسَ. قال القاضي: ومذهبُ أهل السنَّة والجماعة أن التوبة تُكفِّر القتل كسائر الذنوب، وهو قول كافّة العلماء، وما رُوي عن بعضهم من تشديد في الزجر وتورية في القول فإنما ذلكَ لئلا يجترىء الناس على الدماء، وقد اختلف في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِّدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] فقيل معناه: إن جازاه، وقيل: الخلود: طول الإقامة لا التأبيد، وقيل: الآية في رجل بعينه قتلَ رجلاً له عليه دم بعد أخذ الدية ثم ارتدَّ، وقد تقدَّم القول على أن كلَّ ما دون الشرك يجوزُ أن يغفره الله تعالى، وأنه ليس من ذلك شيء كفراً؛ قتلاً كان أو ترك صلاة أو غيرها، كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿ إِنّ اَللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]. ولقوله في حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -: ((تبايعوني على أَلَّ تُشركوا بالله شيئاً، ولا فضل العلم على العبادة ٩١ (٣٨) كتاب الرقاق - (٦) باب: لا ييأس من قبول التوبة ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا، وكذا، فإنَّ بها أناساً يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنَّها أرضُ سوء! فانطلق حتى إذا نَصفَ الطريقَ أتاه ملكُ الموتِ، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق، فمن أصاب شيئاً من ذلك فعُوقب به، فهو كفَّارة له، ومن أصابَ شيئاً من ذلك فستره الله عليه، فأمرُه إلى الله إن شاءَ عفا عنه، وإن شاء عذَّبه))(١)، ولقوله : ﴿ في حديث عبادة أيضاً: ((خمسُ صلواتٍ افترضَهُنَّ الله عز وجل على العباد، فمن جاءَ بهنَّ لم يضيّع منهن شيئاً كان له عند الله عهدٌ أن يغفرَ له، ومن لم يأتِ بهنَّ فليس له عند الله عهدٌ إن شاء غفرَ له وإنْ شاء عذَّبه))(٢). وهذه حجج صريحة تبيِّن فسادَ مذهب المكفرة بشيء من ذلك. و (قوله: (نَصَفَ الطريقَ))) أي: بلغ نصفَه، يقال: نصفَ الماءَ والشجرةَ وغيرَهما؛ إذا بلغَّ نصف ذلك. و (قوله: نأى بصدره) أي: نهضَ به مع ثقل ما أصابَه من الموت، وذلك دليلٌ على صحة توبته وصدق رغبته. و (قوله: ((فاختصمت فيه ملائكةُ الرحمة وملائكةُ العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: إنه جاء تائباً مقبلاً بقلبه))). هذا نصٌّ صريح في أن الله تعالى أطلعَ ملائكة الرحمة على ما في قلبه من صِحة قصده إلى التوبة وحرصه عليها، وأن ذلك خفي على ملائكة العذاب حتى قالت: إنه لم يعمل خيراً قط. ولو اطّلعتْ على ما في قلبه من التوبة، لما صحَّ لها أن تقولَ هذا، ولا تُنازعَ ملائكة الرحمة في قولها: إنه (١) رواه البخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩)، والترمذي (١٤٣٩). (٢) رواه أحمد (٣١٥/٥)، وأبو داود (٤٢٥)، وابن حبان (١٧٣١) الإحسان. ٩٢ (٣٨) كتاب الرقاق - (٦) باب: لا ييأس من قبول التوبة إلى الله! وقالت ملائكة العذاب: إنَّه لم يعملْ خيراً قطَّ! فأتاهم ملك في صورة آدميٍّ؛ فجعلوه بينهم. فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له. فقاسوا، فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكةٌ الرحمة)). قال قتادة: قال الحسن: ذكر لنا: أنَّه لما أتاه الموتُ نأى جاء تائباً مقبلاً بقلبه، بل شهدت بما في علمها، كما شهدَ الآخرون بما تحقّقوه. لكنَّ شهادةَ ملائكة الرحمة على إثبات، وشهادةَ ملائكة العذاب على عدم علم، وشهادة الإثبات مقدَّمة. فلا جرمَ لمَّا تنازع الصنفان وخرجَ كلاهما عن الشهادة إلى الدعاوى، بعث الله إليهما ملكاً حاكماً يفصل بينهما، وصوَّره بصورة الآدميِّ، إخفاءً عن الملائكة وتنويهاً ببني آدم، وأنَّ منهم من يصلحُ لأن يفصلَ بين الملائكة إذا تنازعوا. ◌ُكم و (قوله: ((فجعلوه بينهم))) فيه حجَّة لمالك على قوله إن المتخاصِمَيْن إذا المتخاصمَيْنِ حَكَّما بينهما رجلاً يصلح للتحكيم لزمهما ما يحكمُ به، وقد خالفَه في ذلك الشافعي. إذا حكما رجلاً بينهما جواز الحكم بالقرائن و (قوله: «فقیسوا ما بین الأرضین فإلی أیتهما کان أدنی فهو له)). دليل على أن الحاكم إذا تعارضتْ الأقوال عنده، وتعذَّرتْ الشهادات، وأمكنَه أن يستدلَّ بالقرائن على ترجيح بعض الدعاوى، نفذ الحكم بذلك، كما فعلَه سليمانُ عليه السلام حيث قال: ائتوني بالسّكين أشقُه بينهما . تنبيه: قال القاضي: جعلَ الله قربَه من القرية علامة للملَك عند اختلافهم مع عدمهم معرفة حقيقة باطنه التي اطَّلَع الله عليها، ولو تحقَّقوا توبتَه لم يختلفوا ولم يحتاجوا للمقايسة. قلتُ: وهذه غفلة منه عن قول ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله عز وجل. وهذا نص في أن ملائكة الرحمة علمت ما في قلبه، فلو علمت ٩٣ (٣٨) كتاب الرقاق - (٦) باب: لا ييأس من قبول التوبة بصدره، وزاد في أخرى: ((فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقرَّبي». رواه أحمد (٢٠/٣)، والبخاريُّ (٣٤٧)، ومسلم (٢٧٦٦) (٤٦ و ٤٨)، وابن ماجه (٢٦٢٢). * ملائكة العذاب ما في قلبه لما تنازعوا، لأن الملائكة كلّهم، لا يخفى عليهم أن قبول التوبة التوبة إذا صحّت في القلب، وعُمل على مقتضاها بالجوارح بالقدر الممكن مقبولة الصادقة بفضل الله تعالى ووعده الصادق، والأحسن ما ذكرناه إن شاء الله تعالى، وإنما جعلَ الله قربَ تلك الأرض سبباً مرجِّحاً لحَّة ملائكة الرحمة. ومصدِّقاً لصحة التوبة، وفيه دليل على أن أعمالَ الظاهر عنوانٌ على الباطن. و (قوله: ((فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقرَّبي»). إنما كان ذلك لما حكم الحاكمُ بقياس الأرض. ويُفهم منه أنَّ الرجلَ كان أقرب إلى الأرض التي خرجَ منها، فلو تركَ الله الأرضَ على حالها، لقبضته ملائكةُ العذاب، لكن غمرته الألطاف الإلهية، وسبقت له العناية الأزلية، فقرّبت البعيد، وألانت الحديد. ويُستفاد منه أن الذنوبَ وإن عظمت، فعفو الله أعظمُ منها، وأنَّ من أُلهم عفو الله أعظم من الذنوب صدقَ التوبة. فقد سُلك به طريق اللطف والقربة. ٩٤ (٣٨) كتاب الرقاق - (٧) باب: يهجر من ظهرت معصيته (٧) باب يهجر من ظهرت معصيته حتى تتحقق توبته وقبول الله تعالى للتوبة الصادقة وكيف تكون أحوال التائب [٢٦٨٤] عن كعب بن مالكٍ؛ يحدِّثُ حديثه عن رسول الله وَّر في غزوة تبوك؛ وهو يريدُ الرُّوم، ونصارى العربِ بالشَّام، قال كعبُ بن مالكِ: لم أتخلف عن رسول الله* في غزوةٍ غزاها قطّ إلا في غزوة تبوكَ؛ غير أنّي قد تخلفْتُ في غزوة بدرٍ، ولم يعاتِبْ أحداً تخلَّف عنه، إنَّما خرج رسولُ اللهِ وَ ر والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعادٍ، ولقد شهدتُ مع رسولِ اللهِوَّهِ ليلةَ العقبةِ حين تواثقنا على الإسلام، وما أحبُّ أنَّ لي بها مشهد بدرٍ، وإن كانتْ بدرٌ أذكرَ في النَّاس منها، وكان من خبري حين تخلَّفْتُ عن رسول الله ﴿ في غزوة تبوكَ: أنّي لم أكن قطَّ أقوى ولا أيسرَ مِنِّي حين تخلفتُ عنه تلك الغزوة، والله! ما جمعتُ قبلها راحلتین قطُّ حتى جمعتُهما في تلك الغزوة، فغزاها رسول الله وَ﴿ في حرٍّ شديدٍ؛ واستقبل سفراً بعيداً، ومفازاً، واستقبل عدوّاً كثيراً، فجلَّى للمسلمينَ أمرهم؛ ليتأهبوا أُهْبَةً (٧) ومن باب: يُهْجَرُ من ظهرتْ معصيتُهُ حتى تتحقَّق توبتُهُ، وقبول الله تعالى للتوبة الصَّادقة، و کیف تکون أحوالُ التائب العِيرُ: الإبلُ التي عليها أحمالُها. وقد جلَّى للناس أمرهم؛ أي: كشفه وأوضحه. يعني: أنه بيَّن لهم وَجْهَه. ٩٥ (٣٨) كتاب الرقاق - (٧) باب: يهجر من ظهرت معصيته غزوهم، فأخبرهم بوجههم الذي يريدُ، والمسلمون مع رسول الله القوى كثيرٌ، ولا يجمعهم كتابُ حافظٍ (يريد بذلك الديوان) قال كعب: فَقَلَّ رجلٌ يريد أن يتغيب يظن أنَّ ذلك سيخفى له ما لم يَنْزِلْ فيه وحيٌّ من الله عز وجل، وغزا رسولُ اللهَ وَ﴿ تلك الغزوة حين طابت الثِّمارُ والظلال، فأنا إليها أَصْعَرُ، فتجهز رسولُ اللهِ ﴿ والمسلمون معه، وطفِقْتُ أغدو لكي أتجهّز معهم فأرجعُ ولم أقضٍ شيئاً، وأقولُ في نفسي: أنا قادرٌ على ذلك إذا أردتُ، فلم يزلْ ذلك يتمادى بي حتى استمرَّ بالناس الجِدُّ، فأصبحَ رسولُ الله غادياً، والمسلمون معه، ولم أقض من جَهازي شيئاً، ثم غدوت فرجعت ولم أقضٍ شيئاً، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتَفَارَط الغزو، فَهَمَمْتُ أن أرتحل فأدركَهُم - فيا ليتني فعلت - ثم لم يُقدَّرْ ذلك لي، فطفِقْتُ إذا خرجت في النَّاس بعد خروج رسول الله وَّهِ يَحْزُ نُنِي أنّي لا أرى لي أسوةً إلا رجلاً مغموصاً علیه في النّفاق، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكُرْني رسول الله وَ فر حتى بلغ تبوكاً، فقال - وهو جالس في القوم بتبوك -: ((ما فعل كعب بن مالك؟))، قال رجل من بني و (قوله: فقلَّ رجلٌ يريدُ أن يتغيَّبَ يظنُّ أنَّ ذلك سيخفى له) كذا وقع هذا الكلامُ في سائر روايات مسلمٍ، وفي نُسَخه، وسقط من الكلام (إلا) قبل (يظن) وبه يستقيمُ الكلام. وهي إيجابٌ بعدما تضمَّنه (قلَّ) من معنى النفي، لأن معنى قوله: قلَّ رجل بمعنى: ما رجل، فكأنه قال: ما رجل يريدُ أن يتغيَّبَ إلا ظنَّ أنَّ ذلك سيخفى له. و (قوله: فأنا إليها أصعرُ) هو بالعين المهملة، ومعناه: أميلُ. و (قوله: وتفارطَ الغزو) أي: تقدَّم الغزاةُ. والفرط والفارط: المتقدِّم. وجمعه: فُرَّاط. والأُسوة: القدوة. والمغموص عليه: المعيبُ، المثَّهم، المحتقر. ٩٦ (٣٨) كتاب الرقاق - (٧) باب: يهجر من ظهرت معصيته سَلِمَة: يا رسول الله! حبسه برداه والنظر في عِطْفيه! فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت! والله يا رسول الله! ما علمنا عليه إلا خيراً! فسكت رسول الله ◌َّه، فبينما هو على ذلك رأى رجلاً مُبَيِّضاً، يزول به السراب، فقال رسول الله بقوله: ((كن أبا خيثمة)). فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدَّق بصاع التَّمر حين لمزه المنافقون. فقال کعب بن مالك: فلما بلغني أنَّ رسول الله پے قد توجّه قافلاً من و (قوله: حَبَسه بُزْداه والنظرُ في عِطْفَيْهِ) البُزْدان: يعني به: الرداء والإزار، والرداء والقميص، وسمَّاهما بُرْدين؛ لأنَّ القميصَ والإزار قد يكونان من بُرود، والبرودُ: ثيابٌ من اليمن فيها خطوط. ويحتملُ أنَّ تسميتها بُرْدَيْن على طريقة: العمرين، والبكرين، والقمرين. والعِطْفُ: الجانب. وكأنَّ هذا القائلَ كان في نفسه حِقْدٌ، ولعلَّه كان منافقاً، فَنَسبَ كعباً إلى الزهو والكبر، وكانت نسبةً باطلةً بدليل شهادة العدل الفاضل معاذ بن جبل، إذ قال: بئسَ ما قلت. والله يا رسول الله! ما عَلِمْنا عليه إلَّا خيراً. فيه جوازُ الذّمِّ والتقبيح للمتكلِّم في حقِّ المسلم للمتكلم في بالعيب والقبيح، ونصرة المسلم في حال غَيْبته، والرَّدّ عن عِرْضه. و (قوله: إذا رأى رجلاً مُبَيِّضاً يزولُ به السراب)، هو بكسر الياء: اسمُ فاعل، من: بيَّض فهو مُبيِّض؛ أي: أظهر بياضَ نفسه في السراب. ويزول: يتحرك ويضطرب. والسَّراب: ما يُرى نصفَ النهار كأنَّه ماء. و (قوله: ((كُنْ أبا خيثمة))) هذه صيغةُ أمرٍ، ومعناها الخبر، أي: هو أبو خيثمة، وقيل معناها: لِتوجدْ أبا خيثمة، واسمه عبد الله، وقيل: مالك بن قيس. ولمزه المنافقون: عابوه، واللمز: الطَّعن والعيب. وقافلاً: راجعاً. والبثُ: أشدُّ الحزن. وطفِقت: أخذت، وهي من أفعال المقاربة على ما تقدَّم. وأظلّ قادماً: أقبل، وهو رباعيٍّ. وزاح: ذهب وزال. وأجمعتُ صِدْقَه: عزمتُ عليه. جواز الذم حق المسلم ٩٧ (٣٨) كتاب الرقاق - (٧) باب: يهجر من ظهرت معصيته تبوكَ؛ حضرني بِّي، فطفقت أتذكَّرُ الكذبَ، وأقول: بم أخرج من سخطه غداً؟ وأستعين على ذلك كلَّ ذي رأي من أهلي، فلما قيل لي: إنَّ رسول الله ﴿ قد أظلَّ قادماً زاح عني الباطلُ حتى عرفتُ أنَّ لن أنجو منه بشيء أبداً، فأجمعتُ صِدْقَه، وصبَّح رسولُ الله وَّر قادماً، وكان إذا قدم من سفرٍ بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاء المخلَّفون، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعةً وثمانين رجلاً، فقبل منهم رسول الله وَ ل﴿ علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكَلَ سرائرَهُم إلى الله، حتى جئتُ فلما سلمتُ تبسم تبسُّم المغضَب! ثم قال: ((تعالَ))، فجئت أمشي حتى جلستُ بين يديه، فقال لي: ((ما خلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟)) قال: قلت: يا رسول الله! إنِّي والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيتُ أنَّ سأخرج من سخطه بعذرٍ، ولقد أُعْطِيْتُ جدلاً، ولكِنِّي والله! لقد علمتُ لئن حدثتُك اليومَ حديثَ كَذِبٍ ترضى به عَنِّي ليوشِكَنَّ الله أن يُسْخِطَك عليّ، ولئنْ حدَّثتُك حديث صدقٍ تَجِدُ عليَّ فيه إنِّي لأرجو فيه عُقبى اللَّهِ. والله! ما كان لي عذرٌ. والله! ما كنت قطُّ أقوى ولا أيسرَ منِّي حين تخلفتُ عنك! قال رسول الله وَليه: ((أَمَّا هذا فقد صدق! و (قوله: وكان إذا قدم من سفرٍ بدأ بالمسجد فركع فيه) إنما كان يفعلُ ذلك مشروعية ليبدأ بتعظيم بيت الله قبل بيته، وليقوم بشكر نعمة الله تعالى عليه في سلامته، ويُسلِّم عليه الناس، وليسنَّ ذلك في شرعه. والجدل: الخصومة المحكمة. والظّهر بعد السفر هنا: الإبلُ التي يُحْمَلُ على ظهورها. ومُرارة بن ربيعة، کذا وقع في كتاب مسلم، وذكره البخاري: ابن الربيع. وذكره أبو عمر بالوجهين، ونسبه مسلم فقال: العامري. والصواب: العَمْري، وكذا ذكره البخاريُّ، وابن إسحاق، وأبو عمر بن عبد البر، وهو منسوبٌ لعمرو بن عوف. الصلاة ركعتين في المسجد ٩٨ (٣٨) كتاب الرقاق - (٧) باب: يهجر من ظهرت معصيته فقم حتى يقضي الله فيك)). فقمتُ، وثار رجالٌ من بني سَلِمَة، فاتَّبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبتَ ذنباً قبل هذا! لقد عَجَزْتَ في ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله آل# بما اعتذر به المخلفون؟! فقد كان کافیك ذنبك استغفارُ رسول الله ◌َ ليه لك. قال: فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردتُ أن أرجع إلى رسول الله وَ ل﴿ فأكذِّبَ نفسي. قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحدٍ؟ قالوا: نعم، لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك! قال: قلت: من هما؟ قالوا: مُرارةُ بنُ ربيعةَ العامريُّ، وهلالُ بنُ أميَّةَ الواقفيُّ. قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً؛ فيهما أسوةٌ. قال: فمضيتُ حين ذكروهما لي. قال: ونهى رسول الله وَه المسلمين عن كلامنا أيُّها الثلاثةُ من بين من تخلَّف عنه، قال: فاجْتَنْبَنا النَّاس، وقال: تغيَّروا لنا حتى تنكرتْ لي في نفسي الأرضُ، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبِثْنًا على ذلك خمسينَ ليلةً، فأمَّا صاحبايَ فاستكانا، وقعدا في بيوتهما يبكيان! وأمَّا أنا فكنتُ أشبَّ القوم وأجْلَدَهُم، فكنت أخرج فأشهدُ الصَّلاة، وأطوفُ في الأسواق، ولا يكَلِّمني أحدٌ، وآتي رسولَ الله وََّ فأسلمُ عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في و (قوله: نهى رسولُ الله ◌ِ لهِ عن كلامنا - أيها الثلاثةُ -) هو دليلٌ على وجوب هجران مَن ظَهرتْ معصيتُه، فلا يُسلَّم عليه إلا أن يُقْلِعَ وتظهرَ توبتُه. والثلاثةُ مرفوع على الصفة لـ (أي)، ويجوز نصبُه على الاختصاص، وحكى سيبويه: اللهم اغفر لنا أيتها العصابةَ. وتنكرت: تغيّرت. واستكانا: سكنا، أي: خضعا وذلًّا، وأشبّ القوم: أصغرهم. وأجلدهم: أقواهم. وأسارقهُ النظر: أي أنظر إليه بطَرْف خفيٍّ. وتسوَّرتُ الجدار؛ أي: علوتُ سُوره. وأَنْشُدُك الله؛ أي: أسألك بالله، ومنه النشيد، وهو: رفعُ الصوت بالشِّعر وغيره. ٩٩ (٣٨) كتاب الرقاق - (٧) باب: يهجر من ظهرت معصيته نفسي: هل حرَّك شفتيه بردِّ السلام أم لا؟ ثمّ أصلِّي قريباً منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليَّ، وإذا التفتُّ نحوه أعرض عنِّي، حتى إذا طال ذلك عليَّ من جفوة المسلمين مَشَيْتُ حتى تسوَّرَتُ جدار حائطِ أبي قَتَادةَ - وهو ابن عمي، وأحب الناس إليَّ - فسلَّمْتُ عليه، فوالله ما ردَّ عليّ السَّلام! فقلت له: يا أبا قتادة! أَنْشُدُك بالله! هل تعلمنَّ أنَّي أحبُّ الله ورسوله؟ قال: فسكَتَ، فعُدْتُ فناشدته، فسكتَ، فعدْتُ فناشدْتُه، فقال: اللَّهُ ورسوله أعلم! ففاضت عيناي، وتولَّيْتُ حتى تسورتُ الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نَبَطِيٌّ من نَبَط أهل الشام، مِمَّنْ قَدِم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلُّ على كعب بن مالك؟ قال: فَطَفِقَ النَّاس يشيرون له إليَّ حتَّى جاءني، فدفع إليّ كتاباً من مَلِكِ غسَّان - وكنت كاتباً - فقرأته، فإذا فيه: أمَّا بعد! فإنَّه قد بلغنا: أنَّ صاحبك قد جفاك، ولم يَجْعَلْكَ الله بدار هوان، ولا مضيعة، فالْحَقْ بنا نواسِكَ. قال: فقلت حين قرأتها: وهذه أيضاً من البلاء! فتأممت بها التّور، فسجرتُها بها، حتى إذا و (قول أبي قتادة: الله ورسوله أعلم) ظاهِرُه: أنه أجابه عند إلحاحه عليه بالسُّؤال، فيكون قد كلَّمه. فيكون مخالفاً للنهي. وقد تُؤَوَّل بأنّ أبا قتادة قال ذلك لنفسه مُخبراً عن اعتقاده، ولم يقصد كلامه ولا إسماعه. قلتُ: ويحتملُ أن يقال: إنَّ أبا قتادة فهم أنَّ الكلامَ الذي نُهي عنه إنما هو الحديثُ معه والمباسطة، وإفادة المعاني، فأما مثل هذا الكلام الذي يقتضي الإبعاد والمنافرة، فلا - والله أعلم - ألا ترى أنه لم يردّ عليه السلام، ولا التفت لحديثه؟! والتّبطي: واحد النَّبط، وهم العامرون لتلك الأراضي، وستُّوا بذلك لأنهم ينبطون المياه؛ أي: يستخرجونها. وتأمَّمتُ بها التنورَ فسجرتُها؛ أي: قصدتُ بالصحيفة التنور فرميتُها فيه، وأحرقتها، ويقال: تيمم بالياء وبالهمزة. والمَضِيعَة: بفتح ١٠٠ (٣٨) كتاب الرقاق - (٧) باب: يهجر من ظهرت معصيته مضت أربعون من الخمسين واستلبثَ الوحيُّ إذا رسولُ رسول الله وَه يأتيني، فقال: إنَّ رسولَ اللهِ وَ﴿ يأمرُك أن تعْتَزِلَ امرأتَك، قال: فقلت: أطلِّقها؛ أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتَزِلْها، فلا تقرَبَّنَّها! قال: فأرسل إلى صاحِبَيَّ بمثلٍ ذلك، قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر! قال: فجاءت امرأة هلال بن أميَّة رسول الله ﴿ فقالت له: يا رسول الله! إنَّ هلال بن أمية شيخٌ ضائعٌ ليس له خادمٌ؛ فهل تكره أن أخدُمَه؟ قال: ((لا! ولكن لا يَقْرَبَنَّكِ))، فقالت: إنَّه والله! ما به حركةٌ إلى شيء، ووالله ما زالَ يبكي منذُ كانَ من أمره ما كانَ، إلى يومه هذا، قال: فقال لي بعضُ أهلي: لو استأذنتَ رسولَ اللهِ وَّر في امرأتِكَ فقد أذنَ لامرأةٍ هلالٍ بن أُميَّة أنْ تَخْدُمَه. قال: فقلت: لا أستأذنُ فيها رسولَ اللهِوَ ◌ّه، وما يُدريني ماذا يقولُ رسولُ الله ◌َّه إذا استأذنتُهُ فيها، وأنا رجلٌ شابٌّ. قال: فلبثتُ بذلك عشرَ لَيَالٍ فَكَمُلَ لنا خمسون ليلةً مِن حينَ نُهي عن كلامِنا. قال: ثم صَلَّيْتُ صلاةَ الفجرِ صباحَ خمسينَ ليلةً على ظهر بيتٍ من بُيوتنا، فبينا أنا جالسٌ على الحال التي ذكرَ الله عزَّ وجلَّ منّا، قد ضاقتْ عليَّ نفسي، وضاقتْ عليَّ الأرضُ بما رَحُبَتْ، سمعتُ صوتَ صارِخِ أوْفى على سَلْع يقولُ بأعلى صوته: يا كعب بن مالكٍ أبشرْ، قال: الميم وكسر الضاد، وسكونها: الضَّياع، وهو الإهمالُ، وترك المبالاة به حتى یضیع. و (قوله: الحقي بأهلكِ فكوني عندهم حتى يقضيَ اللَّهُ في هذا الأمر) هذا يدلُّ على أنّ: الحقي بأهلك ليس من ألفاظ الطلاق، لا من صرائحه، ولا من کنایاته الظاهرة، وغایتُه: أن یکون مما یحتمل أن يُراد به الطلاق إذا نوى ذلك. و (قوله: وضاقتْ عليَّ الأرضُ بما رحبت) أي: بِرُخبها، وما مصدرية،